أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج9

- السيد جواد شبر المزيد...
366 /
201

وقال :

أزائر أكتاف الحمى إبدء بمسلم * * * وعج لعليِ غوث كل دخيل

فإن علي المرتضى باب أحمد * * * وباب عليٍ مسلمُ بن عقيل

ويقصد الإمامين الكاظمين ويقف على المرقد ويقول :

لموسى والجواد أتيت أسعى * * * لأشكو ما بقلبي من لواعج

فذا باب المراد لمن أتاه * * * وهذا للورى باب الحوائج

ومن قصائده الشهيرة قصيدته في الشهيد مسلم بن عقيل وأولها :

هذي مرابعهم فحيّ وسلّم * * * واعقل وقف فيها وقوف متيم

وأخرى في زيد الشهيد إبن الإمام السجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وأولها :

خليليّ عوجا بي على ذلك الربع * * * لأسقيه إن شحّ الحيا هاطل الدمع

وثالثة يذكر فيها أبا الفضل العباس حامل لواء الحسين (ع) يوم كربلاء ، أولها :

كم ذا على الأطلال دمعك يسجم * * * وإلى مَ بالتذكار قلبك مغرم

ورابعة في الصديقة الزهراء (ع) بنت الرسول الأعظم (ص) ، أولها :

يا أيها الربع الذي قد درسا * * * باكرك الغيث صباحاً ومسا

وخامسة في الامام موسى الكاظم (عليه السلام) ، أولها :

رحلوا وما رحلوا أهيل ودادي * * * إلا بحسن تصبري وفؤادي

ولنقتطف من ديوانه بعض الروائع ، قال مخمساً :

شبّ الهوى في الفؤاد نارا * * * وهيّم القلب فاستطارا

لشادن يشبه العذارى * * * وأهيف من بني النصارى

بسهم ألحاظه رميتُ

202

له يدٌ تبهج النفوسا * * * بيضاء قد فاقت الشموسا

فهو وإن كان مثل موسى * * * خالف في المعجزات عيسى

فذاك يحيي وذا يميتُ

ومن مراسلاته الأدبية رسالة للمرجع الديني السيد أبو الحسن الاصفهاني قوله فيها :

جاء الشتا وليس لي من عدة * * * أعتدّ فيها من طوارق الزمن

وها أنا أريد لي عباءة * * * وإن من أهل العبا أبو الحسن

ومن روائعه قصيدته في الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عند رجوعه من المؤتمر الإسلامي بفلسطين وأولها :

طلعت علينا طلوع القمر * * * فأهلاً بهذا المحيّا الأغر

فهذي نوادي العلا أشرقت * * * وأفق الكمال ازدهى وازدهر

ولقد تحدثتُ منبرياً عن حياة زيد الشهيد إبن علي السجاد إبن الإمام الحسين (عليه السلام) وكان حاظراً فارتجل قائلاً :

أبا يحيى ويا مَن فاق قدراً * * * على هام السهى والفرقدين

لموقفك الذي استشهدت فيه * * * كموقف جد السبط الحسين

وقال مقرضاً كتاب ( ثمرات الأعواد ) للخطيب السيد علي الهاشمي :

ولقد بكيت على الحسين بناظر * * * أدمت مآقي جفنه عبراته

حتى سقيت بأدمعي شجر الأسى * * * فنما وطال وهذه ثمراته

وقال في مريض لاذ بحرم أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

لقد كنتُ بالسلّ المبرح داؤه * * * فشافاني العباس من مرض السل

ففضّلت بين الناس قدراً وإنما * * * لي الفضل إذ أني عتيق ( أبي الفضل )

وقال في رثاء الحسين (عليه السلام) ، وأولها :

ما بكائي لرسم ربع بالي * * * قد محاه مرّ السنين الخوالي

203

وقال في مطلع قصيدة عند مطلع شهر المحرم :

ليت الهلال هلال شهر محرم * * * عجل الخسوف له ولم يتمم

وسجّلتُ في مؤلفي ( سوانح الأفكار ) قصيدته في شباب كربلاء يوم الحسين (ع) ، وأولها :

لا تركنن إلى الحياة * * * إن المصير إلى الممات

وقال في مطلع مرثية للإمام الحسين (ع) :

هذي الطفوف فقف بها واستوقف * * * واسقي ثراها بالدموع الذرف

وقال في الحسين (عليه السلام) وأولها :

حتى متى أجفاننا عبرى * * * وإلى متى أكبادنا حرّى

كتب عن الشاعر وترجم له جملة من الباحثين وقالوا : كانت سنة وفاته هي الثامنة والخمسين بعد الثلثمائة والألف ، والصحيح هي التاسعة والخمسين بعد الثلثمائة والألف وكان تاريخ وفاته ( مهدي غرق ) كما نظم الخطيب الشيخ حسن الشيخ كاظم سبتي في تاريخ وفاته :

قد هجر الدنيا أبو صالح * * * مهاجراً لله أوّابا

أعماله صالحة لا يرى * * * قط بدين الله مرتابا

أفديه ليثاً غاب عن أهله * * * واتخذ القبرَ له غابا

عوّذ بالخمسة مذ أرخوا * * * مهديّ آل المصطفى غابا

وسلسلة نسب الشاعر كما في الديوان : السيد مهدي بن راضي بن حسين بن علي بن محمد بن جعفر بن مرتضى بن شرف الدين بن نصر الله بن زروز بن ناصر بن منصور بن أبي الفضل النقيب عماد الدين موسى بن علي بن أبي الحسن محمد بن أحمد البن إبن الأمير محمد الأشتر نقيب الكوفة والحائر الحسيني إبن عبيد الله بن علي الصالح بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين الشهيد (ع).

204

السيد صالح الحلّي

المتوفى 1359

يرثي علي بن الحسين الأكبر شهيد الطف :

يا نيراً فيه تجلى ظلمة الغسق * * * قد غاله الخسف حتى انقضّ من أفق

ونبعة للمعالي طاب مغرسها * * * رقت وراقت بضافي العز لا الورق

حرّ الظبا والظما والشمس أظمأها * * * وجادها النبل دون الوابل الغدق

يا ابن الحسين الذي ترجى شفاعته * * * وشبه أحمد في خلق وفي خُلُق

أشبهتَ فاطمة عمراً وحيدرة * * * شجاعة ورسول الله في نطق

يا خائضاً غمرات الموت حين طمى * * * فيض النجيع بموج منه مندفق

لهفي عليه وحيداً أحدقت زمر * * * الأعدا به كبياض العين بالحدق

نادى عليك سلام الله يا أبتا * * * فجاء يعدو فألفاه على رمق

نادى بنيّ على الدنيا العفا وغدا * * * مكفكفاً دمعه الممزوج بالعلق

قد استرحت من الدنيا وكربتها * * * وبين أهل الشقا فرداً أبوك بقي

أبو المهدي السيد صالح ابن السيد حسين ابن السيد محمد حسيني النسب حليّ المحتد والمولد وتناديه عامة الناس أبو مهيدي خطيب أو أشهر خطباء المنبر الحسيني إذ أن شهرته الخطابية لم يحصل على مثلها خطيب حتى اليوم يتحلى بجرأه قوية وبسطة في العلم والجسم. ولد سنة 1289 ه‍. في الحلة وهاجر منها إلى النجف 1308 ه‍. وهو في التاسعة عشرة من عمره وأكمل دروسه في

205

العربية والمعاني والبيان عند الشيخ سعيد الحلي والشيخ عبد الحسين الجواهري ودرس كتابي المعالم والقوانين في الأصول على العلامة الشهير السيد عدنان ابن السيد شبر الغريفي الموسوي ، وكتابي الرسائل والمكاسب عند الشيخ علي ابن الشيخ باقر الجواهري وعلى الشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية وهو في كل ذلك يتعاهد ملكته الأدبية ولم تكن له يومئذٍ صلة بالخطابة وفي سنة 1318 ه‍. أحسّ من نفسه القدرة على الخطابة وقوة البيان وطلاقة اللسان فتوجّه أول ما توجه إلى حفظ الكثير من ( نهج البلاغة ) من خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يك في عصره من الخطباء المجددين في الفن إلا المرحوم الشيخ كاظم سبتي فهو أظهر الخطباء وأبرزهم فنبغ السيد صالح وأخذ يجاريه ويزاحمه ومن حسن الصدف أن يولي العالم الكبير والمؤرخ الخبير السيد باقر الهندي عنايته خطيبنا الصالح فيسهر على توجيهه وإرشاده ، وهناك لمع نجمه واشتهر اسمه فقد كان من المتعارف أن يجتمع خطيبان في محفل واحد بالتعاقب وصادف أن دُعي الخطيبان : سبتي والحلي ولحداثة سنّ السيد صالح والأصول المتبادلة في إحترام الخطباء للأكبر سناً فقد رضي السيد صالح أن يكون هو الأول كمقدمة للشيخ كاظم. أما المعروف بين الناس أن الخطيب الثاني إنما تظهر براعته إذا تناول نفس الموضوع الذي طرقه الخطيب الأول بإضافة شيء جديد وتتمة للموضوع الأول. فكان حديث السيد صالح عن سيرة أبي الفضل العباس وهكذا تقدم الشيخ كاظم وتكلم فأجاد ولم يك بحسبان شيخنا الخطيب أن السيد صالح قد أعدّ نفسه وهيأ من المادة الكافية للتحدث عن أبي الفضل العباس في الليالي العشر كلها وهذه براعة منبرية وقدرة تؤهله للتقدم والبروز وهكذا استمر في أدوار حياته بطلاً منبرياً وخاض غمرات سياسية وإصلاحية فكان المنتصر في أكثرها وفي الثورة العراقية عام 1920 م. في الفرات الأوسط ومطالبة الشعب بالحكم الوطني كان صوت السيد صالح أعلى الأصوات واستمر يحرض القبائل حتى قبض عليه الإنكليز في بعقوبة وأبعدوه إلى البصرة ثم إلى المحمرة فآواه أميرها الشيخ خزعل خان وأحسن وِفادته

206

واستمر في صراعه مع اللادينيين الذين يتسترون بإسم التهذيب والتنظيم ومن المؤسف أن تنجح مؤامرة اولئك الذين يظهرون خلاف ما يبطنون فيروّجون إشاعة سبه للعلماء وتنقسم كلمة رجال الدين فمن مناصر له ومن محارب وتنتعش تلك الطغمة التي لا يطيب لها العيش إلا في الأوحال والقيل والقال. لقد ضعفت قوته وضعف عزمه ولبث ملازماً بيته إلى أن توفاه الله ليلة السبت 29 شوال 1359 ه‍. في الكوفة فحُمل على الرؤوس تعظيماً له حتى دفن بوادي السلام في مقام المهدي ونعاه المنبر وبكته الخطابة ورثاه العلامة الجليل الشيخ عبد المهدي مطر بقصيدة فاخرة منها :

نعتك الخطابة والمنبر * * * وناح لك الطرس والمزبر

وفيك انطوت صفحة للبيان * * * بعير لسانك لا تنشر

إهتم الخطيب الأديب السيد محمد حسن الشخص سلمه الله بجمع ديوانه وسجّل له كل شاردة وواردة ، وهذه رائعة من روائعه في أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين (ع) :

من هاشم سلبت أمية تاجها * * * وفرت بسيف ضلالها أوداجها

تخلو عرينة هاشم من أُسدها * * * وتكون ذئبان الفلا ولاجّها

قوم إذا الهيجا تلاطم موجها * * * خاضوا بشزّب خيلهم أمواجها

ما بالها أغضت وعهدي أنها * * * كانت لكل ملمة فرّاجها

ومنها :

للشوس عباس يريهم وجهه * * * والوفد ينظر باسماً محتاجها

باب الحوائج ما دعته مروعة * * * في حاجة إلا ويقضي حاجها

بأبي أبي الفضل الذي من فضله * * * السامي تعلّمت الورى منهاجها

قطعوا يديه وطالما من كفّه * * * ديم الدما قد أمطرت ثجاجها

أعمود أخبيتي وحامي حوزتي * * * وسراج ليلي إن فقدت سراجها

أعزز عليك بأن تراني مفرداً * * * فاجأت من جيش العدى أفواجها

أفدي محيّاً بالتراب قد اكتست * * * من نوره شمس الضحى أبهاجها

207

الشيخ عبد الله الخضري

المتوفى 1359

يستنهض في أولها حجة آل محمد ويتخلص برثاء الحسين (عليه السلام) :

أبا صالح حتى متى أنت غائب * * * وليس لهذا الدين غيرك صاحب

لقد خفضتنا نصب عينك عصبة * * * البغاة وثُلّت من حماكم جوانب

يريدون منا أن نفضّل عصبة * * * لها الكفر دين والمعاصي مذاهب

على مَن أقام الدين في سيفه الذي * * * له قد أطاعت من قريش كتائب

أباد قريشاً يوم بدر بسيفه * * * ويوم حنين ليس إلاه ضارب

فكم كفّ عن وجه النبي جيوشهم * * * وكم ظهرت منه بأحد عجائب

ويوم تبوك حين ناداه أحمد * * * وقد هربوا منه هُم والأقارب

أغثني فأنت اليوم كهفي وناصري * * * فلبّاه لا وانٍ ولا هو راهب

فداؤك نفسي ها أنا اليوم قادم * * * وكان كما ينحط للرجم ثاقب

فأرداهم صرعى وفلّق هامهم * * * همام بماضيه تفلّ القواضب

ولما أراد الله لقيا رسوله * * * فأوحى له بلّغ فإنك غالب

فقام رسول الله يخطب فيهم * * * ألا بلغوا يا قوم من هو غائب

بأن علياً وارثي وخليفتي * * * على الناس بعدي وهو للأمر صاحب

208

ومنها :

دعوه أن اقدم إننا لك شيعة * * * نجاهد أفواج العدى ونضارب

فأقبل والأنصار كالأسد خلفه * * * تقلّهم للطّف جردٌ سلاهب

ومذ خيّموا بالطف دارت عليهم * * * كتائب تقفو إثرهن كتائب

فصالوا عليهم كالليوث وجرّدوا * * * سيوفاً بها للظلم هدّت جوانب

هم الأسد لكن الرماح أجامها * * * وليس سوى عوج السيوف مخالب

ومذ خطبوا العليا ولما يكن لها * * * سوى النفس مهر والمهند خاطب

أبى عزّهم إلا الردى حيث أنه * * * تنال به عند الإله المراتب

وما مات منهم واحد غير أنه * * * تموت بكفّيه القنا والقواضب

ومذ عانقوا بيض الصفاح وبعد ذا * * * تعانقهم في الخلد حور كواعب

الشيخ عبد الله هو ابن الشاعر الفحل الشيخ محسن ابن الشيخ محمد الخضري كان من العلماء والفضلاء ولد في النجف سنة 1297 ه‍. ونشأ بها بكفالة جدّه لأمه الشيخ إسماعيل فهو الذي وجّهه نحو العلم ، وتدرّج على أندية آل كاشف الغطاء وهم أعمامه الأدنون منه فبرع في الفقه والأصول مضافاً إلى تقوى وورع ودين وكان يذهب إلى العشائر الفراتية فيعظ ويرشد ويذكرهم بالآخرة حتى أثر أكبر الأثر على نفوسهم واتجهوا لطاعة الله واجتناب المعاصي والتورع عن الحرام وسبق له أن حمل سلاحه وجاهد دفاعاً عن إستقلال العراق وطرد الكافر عن بلاد الإسلام. توفي فجأة عام 1359 ه‍. ببغداد ونقل للنجف فدفن في الإيوان الذهبي من صحن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلّف أربعة ذكور الأستاذ عبد الصاحب ، والاستاذ نصر ، والعلامة الشيخ كاظم ، والاستاذ عبد المنعم. وهم يحتفظون بمجموعة من قصائده فمنه قوله متغزّلاً :

209

وبدر السعادة لما استهل * * * ونحس النجوم وشيكاً أفل

وزالت عن القلب أسقامه * * * بوصل الحبيب عقيب الملل

وزار الحبيب برغم الرقيب * * * وكان الطبيب لتلك العلل

رشاً قد سبى الغصن في قدّه * * * وقد علّم البان ذاك الميل

فوجنته الشمس لما بدت * * * وطلعته البدر لما اكتمل

ومبسمه الدر لما ابتسم * * * وما الشهد من ريقه والعسل

يزجّ الاسود برمح القوام * * * ويصمي القلوب بسيف المقل

فحاجبه قوسه ، والحمل * * * سهام له والقوام الأسل

فيا عاذلي كفّ عنك الملام * * * فقد ضلّ قلبك مَن قد عذل

210

الشيخ مهدي الظالمي

المتوفى 1359

كانت الهيئة الروحية تقيم مأتم العزاء لذكرى سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في مسجد آل الجواهري بالنجف الأشرف في المحرم فكانت هذه القصيدة الحسينية قد خصصت لها ليلة من الليالي :

متى مُضر الحمراء تطلب ثارها * * * فتسمع آذان الزمان شعارها

وحتى مَ تستقصي البلاد بجولة * * * على الأرض تهدي للسماء غبارها

إلى مَ بدار الذل تبقى وما لها * * * على الضيم دهراً لا تملّ قرارها

أتحسب أن غضت عن الحرب طرفها * * * بغير وصال الموت تقطع عارها

فلا عذر حتى تورد القوم بالظبا * * * حياض المنايا أو تخوض غمارها

فيا من بها يستدفع الضر والعدى * * * حذاراً من البلوى تعزز جارها

دعي البيض في ليل القتام سوافراً * * * إذا حجبت خيل الكماة نهارها

وزفّي لنيل المجد نفساً أبية * * * ولا تجعلي إلا الرؤوس نثارها

أديري رحى الهيجاء يوماً لعلّها * * * عليكِ بوادي الطف تنسى مدارها

غداة حسين خرّ للأرض فانثنت * * * عليه تشنّ العاديات مغارها

فجرّت اليه المحصنات ذيولها * * * وقدسلبت أيدي العدو ستارها

فطافت به لما سعت بين قومها * * * تفاديه والأحشاء ترمي جمارها

وأهوت عليه تلثم النحر والعدى * * * تجاذبها بين الجموع أزارها

أتستر بالأيدي الوجوه وقومها * * * أعدّت لدفع الضيم عنها شفارها

فليت أبيّ الضيم ساعة أبرزت * * * من الخدر حسرى تستقيل عثارها

يرى زينباً بين الأجانب بعدما * * * أماطت يد الأعداء عنها خمارها

211

ويا ليتَ مَن في الليل كان يصونها * * * من الوهم مهما كلفته مزارها

يقوم من الأجداث حيّاً وعينه * * * ترى بين أيدي الظالمين فرارها

تمنّيتُهُ لما استجارت بقومها * * * ليسمع منها كيف تدعو نزارها

تقول لهم والخيل من كل جانب * * * أحاطت بها لما استباحت ديارها

أيا إخوتي كيف التصبر والعدا * * * أعارت خدور المحصنات صغارها

فإن لم تقوموا للكفاح عوابساً * * * فمَن بعدكم في الروع يحمي ذمارها

فكم طفلة لما أُقيمت بخدرها * * * عليها العدى قامت تأجج نارها

فيا لخدور قد أُبيحت ونسوة * * * أُريعت وعين السبط ترعى انذعارها

فأمست بلا حام عقائل حيدر * * * أزالت ضروب الهائلات قرارها

وأضحت تحيل الطرف بعد حماتها * * * فلم ترَ إلا مَن يريد احتقارها

وراحت على عجف النياق أسيرة * * * تجوب الفيافي ليلها ونهارها

الشيخ مهدي الظالمي هو أحد الفضلاء المشهورين بالجدّ والفضل والعلم والأدب نظم باللغتين : الفصحى والدارجة وكتبتُ ديوانه يوم كانت كل محفوظاتي هي الشعر والشعر فقط ولا أُدوّن إلا الشعر عثرت على ديوانه فكتبته ولم يزل في مخطوطاتي ولا زلت أتصوّرُه جيداً طويل القامة حسن الهندام هادئ الطبع يزدحم الشباب على حلقة درسه ويشار اليه بالبنان. ترجم له الخاقاني في شعراء الغري فهو المهدي بن الهادي بن جعفر بن راضي بن حمود بن اسماعيل ابن درويش بن حسين بن خضر بن عباس السلامي ، من أسرة علمية نجفية وسبق وأن مرّت ترجمة الشيخ حمود الظالمي ، ولد في النجف سنة 1310 ه‍. ونشأ ذواقة للعلم والأدب والدرس والبحث ولم يعمّر كثيراً فقد وافاه الأجل عصر الخميس الثاني من ربيع الثاني عام 1359 ه‍. ودفن في الصحن الحيدري الشريف في الإيوان الذهبي ورثاه فريق من تلامذته وعارفي فضله وأبّنوه شعراً ونثرً وخلّف ولداً أديباً لا زالت قريحته تفيض بالأدب الحي.

212

الحاج حسين الحرباوي

منتصف القرن الرابع عشر

لنا جيرةٌ بالأبرقين نزول * * * سقى ربعهم غيثٌ أجشّ هطول

تواعدني الأيام بالقرب منهم * * * فتلك ديون والزمان مطول

أجيراننا ما القلب من بعد بينكم * * * بسالٍ ولا الصبر الجميل جميل

أجيراننا بالخيف ما زال بعدكم * * * لنا الدمع جارٍ والعزيز ذليل

فهيهات صفو العيش منا وللهدى * * * تبدّد شمل واستقلّ قبيل

تحمّل أضعان الطفوف عشية * * * وأقفرن منهم أربع وطلول

ألا قاصداً نحو المدينة غدوة * * * يبلّغ عني مسمعاً ويقول

أيا فتية بان السّلو بينهم * * * وجاور قلبي لوعة وعويل

رأيت نساء تسأل الركب عنكم * * * تلوح عليها ذلة وخمول

تطلّع من بعد إلى نحو داركم * * * بطرف يصوب الدمع وهو كليل

نوادب اقذين الجفون من البكا * * * وأعشبن مغنى الطف وهو محيل

نوادب أمثال الحمام سواجعاً * * * لها فوق كثبان الطفوف هديل

حملن على عجف النياق حواسراً * * * لها كل يوم رحلة ونزول

تجاذبها السير العنيف عصابة * * * لها الشرك حاد والنفاق دليل

تشيم رؤوساً كالبدور على القنا * * * لهن طلوع فوقها وأفول

وتبصر مغلول اليدين مصفّداً * * * يراه من السير العنيف نحول

213

وتنظر ذياك العزيز على الثرى * * * له الليل سترٌ والهجير مقيل

فتدعو حماة الجار من آل هاشم * * * بصوت له شمّ الجبال تزول

أهاشم هبّي وامتطي الصعب انه * * * لك السير إن رمت العراق ذلول

أهاشم قومي وانتضي البيض للوغى * * * فوِترك وترٌ والذحول ذحول

أصبراً وأنجاد العشيرة بالعرا * * * على الترب صرعى فتية وكهول

أصبراً ورحل السبط تنهبه العدا * * * فموتك ما بين السيوف قليل

أصبراً وآجام الأسود بكربلا * * * بها النار شبّت والهزبر قتيل

وتلك على عجف النياق نساؤكم * * * لها الله تسبى والكفيل عليل

عهدتكم تأبى الصغار أنوفكم * * * وأسيافكم للراسيات تزيل

فما بالكم لم تنض للثار قضبكم * * * فتحمّر من بيض الصفاح نصول

كأن لم يكن للجار فيكم حمية * * * ولا كان منكم جعفر وعقيل

ألم يأتكم أن الحسين رمية * * * على الترب ثاوٍ والدماء تسيل

وكم لكم في السبي حرّى من الجوى * * * ثكول وفي أسر العدو عليل

وكم لكم في الترب طفل معفر * * * صريع وفي فيض الدماء رميل

وكم طفلة لليتم أمست رهينة * * * وليس لها يوم الرحيل كفيل

وحسرى تدير الطرف نحو حميّها * * * فتبصره في الأرض وهو جديل

فتذهل حتى عن تباريح وجدها * * * وتنحاز للدمع المصوب تذيل

وأبرح ما قد نالكم أن زينباً * * * لها بين هاتيك الشعاب عويل

شكت وانثنت تدعو الحسين بعبرة * * * تصدع مها شارف وفصيل

تنادي بصوت صدع الصخر شجوة * * * وكادت له السبع الطباق تزول

أخيّ عيون الشرك أمست قريرة * * * بقتلك قرّت والمصاب جليل

أراك بعيني دامي النحر عافراً * * * عليك خيول الظالمين تجول

نعم أيقنت بالسبي حتى كأنها * * * لما نابها وهي الوقور ذهول

214

الحاج حسين الحرباوي ، هو شاعر بغدادي رأيت له عدة قصائد يمدح بها أمير المحمرة الشيخ خزعل خان المتوفى سنة 1355 ه‍. فلا بد وأن يكون من معاصريه ، ولقد أثبتها الشيخ جواد الشبيبي في مؤلفه المخطوط عن أمير المحمرة. وذكره الباحث علي الخاقاني في شعراء الحلة وهو ليس بحلّي حيث أنه وجد له شعراً مع شعراء الحلة وذكر له مقطوعة في الغزل أولها :

تشعشعت فتولّت عندها الظلم * * * شمس براحة بدر جاء يبتسم

أهلاً به مقبلاً كالبدر حين غدا * * * بين السحائب يبدو ثم ينكتم

215

درويش الصحّاف

منتصف القرن الرابع عشر

عن ناظري بان الكرى ورقادي * * * وتسعّرت نار الأسى بفؤادي

وتمكنت كل الهموم بمهجتي * * * والجسم أنحله السقام البادي

لما ذكرت شباب عصر قد مضى * * * في غفلة ونفى المشيب سوادي

أيقنت بالترحال عن دار بها * * * أنفقت فيها العمر في الأعياد

ومنها في الإمام الحسين (عليه السلام) :

قالت له الأصحاب يا مولى الورى * * * نفديك بالأرواح والأولاد

فجزاهم خيراً وأقبل للعدى * * * والسيف مسلول من الأغماد

وبقي يصول عليهم في عزمة * * * فكأنه ليث هزبر عاد

ضاها أباه المرتضى ليث الشرى * * * لم يختشِ أحداً من الأضداد

مذ كرّ فرّوا خشية من بأسه * * * كالحمر إذ فرّت من الآساد

ومنها :

يا آل بيت محمد المختار يا * * * ذخري ومَن فيهم صفا ميلادي

أنتم ملاذ المذنبين من الورى * * * وبكم أصول على الزمان العادي

أنا عبدكم ( درويش بن محمد ) * * * أرجو السلامة في غد بمعادي

216

والسامعين قصيدتي يا سادتي * * * والكاتبين لطرسها بمداد

صلى عليكم ربكم يا سادتي * * * ما غرّد القمري في الأعواد

والقصيدة طويلة وهذا جيّدها :

درويش الصحّاف ابن الحاج محمد الصحاف البغدادي ، شاعر أديب له مجموعة مخطوطة جمع فيها بعض القصائد في رثاء الإمام الحسين سيّد الشهداء (ع). ووالده أديب شاعر.

والذي يظهر أن المجموعة كتبت حدود سنة 1350 ه‍. قال الباحث السيد جودت القزويني : إستعرت هذه المجموعة من الخطيب السيد أحمد المؤمن البصير وفيها شيء من نظمه.

217

الشيخ محمد حسين الأصفهاني

المتوفى 1361

قال في أرجوزته الغرّاء المسماة ب‍ ( الأنوار القدسية ) المطبوعة بمطابع النجف ، في فصل تحت عنوان مولد السبط الشهيد :

أسفر صبح اليُمن والسعادة * * * عن وجه سرّ الغيب والشهادة

أسفر عن مرآة غيب الذات * * * ونسخة الأسماء والصفات

تعرب عن غيب الغيوب ذاته * * * تفصح عن أسمائه صفاته

يُنبئ عن حقيقة الحقائق * * * بالحق والصدق بوجه لائق

لقد تجلّى أعظم المجالي * * * في الذات والصفات والأفعالِ

روح الحقيقة المحمديه * * * عقل العقول الكمّل العليّه

فيض مقدّس عن الشوائب * * * مفيض كل شاهدٍ وغائب

تنفّس الصبح بنور لم يزل * * * بل هو عند أهله صبح الأزل

وكيف وهو النفس الرحماني * * * في نفس كل عارف رباني

به قوام الكلمات المحكمة * * * به نظام الصحف المكرّمه

تنفّس الصبح بالاسم الأعظم * * * محى عن الوجود رسم العدم

بل فالق الإصباح قد تجلّى * * * فلا ترى بعد النهار ليلا

فأصبح العلم ملاء النور * * * وأي فوز فوق نور الطور

ونار موسى قبس من نوره * * * بل كل ما في الكون من ظهوره

أشرق بدر من سماء المعرفة * * * به استبان كل إسم وصفه

218

به استنار عالم الإبداع * * * والكل تحت ذلك الشعاع

به استنار ما يرى ولا يُرى * * * من ذورة العرش إلى تحت الثرى

فهو بوجهه الرضي المرضي * * * نور السماوات ونور الأرض

فلا توازي نوره الأنوار * * * بل جلّ أن تدركه الأبصار

غرّته بارقة الفتوّة * * * قرة عين خاتم النبوّة

تبدو على غرّته الغراء * * * شارقة الشهامة البيضاء

بادية من آية الشهامة * * * دلائل الإعجاز والكرامة

من فوق هامة السماء همته * * * تكاد تسبق الفضاء مشيته

ما هامة السماء من مداها * * * إن إلى ربك منتهاها

أم الكتاب في علوّ المنزله * * * وفي الإبا نقطة باء البسمله

تمّت به دائرة الشهاده * * * وفي محيطها له السياده

لو كشف الغطاء عنك لا ترى * * * سواه مركزاً لها ومحورا

وهل ترى لملتقى القوسين * * * أثبت نقطة من الحسين

فلا وربّ هذه الدوائر * * * جلّ عن الأشباه والنظائر

* * *

بشراك يا فاتحة الكتاب * * * بالمعجز الباقي مدى الأحقاب

وآية التوحيد والرسالة * * * وسرّ معى لفظة الجلاله

بل هو قرآن وفرقان معا * * * فما أجلّ شأنه وأرفعا

هو الكتاب الناطق الإلهي * * * وهو مثال ذاته كما هي

ونشأة الأسماء والشؤون * * * كل نقوش لوحه المكنون

لا حكم للقضاء إلا ما حكم * * * كأنه طوع بنانه القلم

رابطة المراد بالإرادة * * * كأنه واسطة القلادة

ناطقة الوجود عين المعرفة * * * ونسخة اللاهوت ذاتاً وصفة

في يده أزمّة الأيادي * * * بالقبض والبسط على العباد

219

بل يده العليا يد الافاضة * * * في الأمر والخلق ولا غضاضة

وفيه سرّ الكل في الكل بدا * * * روحان في روح الكمال اتحدا

لك العروج في السماوات العلى * * * له العروج في سماوات العلا

مخايل النبوة في الحسين

أنت من الوجود عين العين * * * فكن قرير العين بالحسين

شبلك في القوة والشجاعة * * * نفسك في العزة والمناعة

منطقك البليغ في البيان * * * لسانك البديع في المعاني

طلعتك الغرّاء بالإشراق * * * كالبدر في الأنفس والآفاق

صفاتك الغرّ له ميراث * * * والمجد ما بين الورى تراث

لك الهنا يا غاية الإيجاد * * * بمدّه الخيرات والأيادي

وهو سفينة النجاة في اللجج * * * وبابها السامي ومَن لجّ ولج

سلطان إقليم الحفاظ والإبا * * * مليك عرش الفخر اماً وأبا

رافع راية الهدى بمهجته * * * كاشف ظلمة العمى ببهحته

به استقامت هذه الشريعة * * * به علت أركانها الرفيعة

بنى المعالي بمعالي هممه * * * ما اخضرّ عود الدين إلا بدمه

بنفسه اشترى حياة الدين * * * فيا لها من ثمن ثمين

أحيى معالم الهدى بروحه * * * داوى جروح الدين من جروحه

حفّت رياض العلم بالسموم * * * لو لم يروّها دم المظلوم

فأصبحت مورقة الأشجار * * * يانعة زاكية الثمار

أقعد كل قائم بنهضته * * * حتى أقام الدين بعد كبوته

قامت به قواعد التوحيد * * * مذ لجأت بركنها الشديد

وأصبحت قومية البنيان * * * وعزمه عزائم القرآن

غدت به سامية القباب * * * معاهد السنّة والكتاب

220

أفاض كالحيا على الوراد * * * ماء الحياة وهو ظام صادي

وكضّه الظما وفي طيّ الحشا * * * ريّ الورى والله يقضي ما يشا

والتهبت أحشاؤه من الظما * * * فأمطرت سحائب القدس دما

وقد بكته والدموع حمر * * * بيض السيوف والرماح السمر

تفطّر القلب من الظما وما * * * تفترّ العزم ولا تثلّما

ومن يدكّ نوره الطور فلا * * * يندكّ طود عزمه من البلا

تعجب من ثباته الأملاك * * * ومن تجولاته الأفلاك

لا غرو إنه ابن بجدة اللقا * * * قد ارتقى في المجد خير مرتقى

شبل علي وهو ليث غابه * * * نعم وكان الغاب في إهابه

كرّاته في ذلك المضمار * * * تكوّر الليل على النهار

سطا بسيفه فغاضت الربى * * * بالدم حتى بلغ السيل الزبى

قام بحق السيف بل أعطاه * * * ما ليس يعطي مثله سواه

كأن منتضاه محتوم القضا * * * بل القضا في حدّ ذاك المنتهى

كأنه طير الفنا رهيفه * * * يقضي على صفوفهم رفيقه

أو صرصر في يوم نحس مستمر * * * كأنهم أعجاز نخل منقعر

الرأس الكريم

وفي المعالي حقها لما علا * * * على العوالي كالخطيب في الملا

يتلو كتاب الله والحقائق * * * تشهد أنه الكتاب الناطق

قد ورث العروج في الكمال * * * من جدّه لكن على العوالي

هو الذبيح في منى الطفوف * * * لكنه ضريبة السيوف

هو الخليل المبتلى بالنار * * * والفرق كالنار على المنار

تالله ما ابتلى نبيّ أو وليّ * * * في سالف الدهر بمثل ما ابتلي

له مصائب تكل الألسن * * * عنها فكيف شاهدتها الأعين

221

أعظمها رزء على الإسلام * * * سبي ذراري سيّد الأنام

ضلالة لا مثلها ضلاله * * * سبي بنات الوحي والرساله

وسوقها من بلد إلى بلد * * * بين الملا أشنع ظلم وأشد

وأفظع الخطوب والدواهي * * * دخولها في مجلس الملاهي

ويسلب اللب حديث السلب * * * يا ساعد الله بنات الحجب

تحمّلت أمية أوزارها * * * وعارها مذ سلبت أزارها

وأدركت من النبي ثارها * * * وفي ذراريه قضت أوتارها

واعجبا يدرك ثار الكفرة * * * من أهل بدر بالبدور النيّرة

فيا لثارات النبي الهادي * * * بما جنت به يد الأعادي

الشيخ محمد حسين الاصفهاني نابغة دهره وفيلسوف عصره وفقيه الامة ، اتجهت الأنظار اليه وتخرّج على يده جملة من العلماء الأعلام ومن الكمال والأدب بمكان منشأ بليغاً باللغتين العربية والفارسية وخطه من أجمل الخطوط وهذه جملة من مؤلفاته :

1 ـ كتاب في الفقه والأصول بأجمل اسلوب.

2 ـ حاشية على كفاية الاصول أسماها ( نهاية الدراية ) طبع الجزء الأول منها في طهران.

3 ـ رسالة في الصحيح والأعم.

4 ـ رسالتان في المشتق.

5 ـ رسالة في الطلب والإرادة.

6 ـ رسالة في علائم الحقيقة والمجاز.

7 ـ رسالة في الحقيقة الشرعية.

8 ـ رسالة في تقسيم الوضع إلى الشخصي والنوعي.

222

9 ـ عدة رسائل في مختلف أبواب الفقه تزيد على الثلاثين ، وديوان شعر فارسي في مدائح ومراثي آل بيت الوحي وكل شعره مشحون بالفلسفة والعرفان كما له ديوان ثاني في العرفانيات والحكميات وله أرجوزة بالعربية وهي التي أسماها ب‍ ( الأنوار القدسية ) فيها أربع وعشرون قصيدة في تاريخ حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الإثنى عشر وأولادهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

كان بعد الفراغ من دروسه في الحكمة والفقه والأصول يتلو قطعة من نظمه فتلتذ العقول وترتاح النفوس وتعدّ تلامذته وجود هذه الذات من أعظم الرحمات مضافاً إلى سيرته التي هي مثال عملي عن خلقه وأدبه.

وانطفأ هذا المشعل النيّر ليلة الخامس من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1361 ه‍. عن عمر يناهز الستة والستين عاماً إذا كانت ولادته سنة 1296 ه‍.

223

الشيخ هادي كاشف الغطاء

المتوفى 1361

ربع محى الحدثان رسمه * * * أجرى عليه الدهر حكمه

كم رمت كتمان الغرام * * * به ويأبى الوجد كتمه

أوحشت يا ربع الهدى * * * ولبست بعد النور ظلمه

ولقد أشابت لمّتي * * * نوب تشيّب كل لمّه

بملمة طرقت فأنست * * * كل طارقة ملمة

يوم أبيّ الضيم فيه * * * أبى المذلّة والمذمّه

وسقى الثرى بدم العدوّ * * * وأطعم العقبان لحمه

وافى لعرصة كربلا * * * من هاشم في خير غلمه

أقمار تمٍّ أسفرت * * * بدجى الخطوب المدلهمه

وليوث حرب صيّرت * * * سمر العوالي اللدن أجمه

من كل فارس بهمة * * * ما همّه إلا المهمة

حتى إذا نزل القضا * * * ء وأنقذ المقدور حتمه

نهبتهم بيض الضبا * * * وتقاسمتهم أي قسمه

يا صدمة الدين التي * * * ما مثلها للدين صدمه

هدّمت أركان الهدى * * * وثلمت في الإسلام ثلمه

قتل الإمام إبن الإمام * * * أخو الإمام أبو الأئمة

ما ذاق طعم الماء حتى * * * صار للأسياف طعمه

ملقى على وجه الصعيد * * * تدوس جرد الخيل جسمه

224

لا يرحم الله الأولى * * * قطعوا من المختار رحمه

لم يرقبوا لنبيهم * * * في آله إلا وذمّه

خسرت تجارة من يكون * * * شفيعه في الحشر خصمه

أبَني أمية أنتم * * * في الناس كنتم شرّ أمّة

الشيخ الهادي ابن الشيخ عباس بن علي بن جعفر صاحب كشف الغطاء (قدس سره). ولد بالنجف سنة 1289 ه‍. منشأه بيت العلم والكمال والهيبة والجلال فالدر من موطنه والذهب من معدنه ، كنت إذا نظرت إلى وجهه المبارك رأيت في أساريره النور وروعة العلم وهيبة العلماء وملامح النسك والعبادة ، نظم الشعر في حداثة سنّه مع أخدانه أبطال اشعر ونوابغ الفن أمثال الشيخ جواد الشبيبي والشيخ آغا رضا الأصفهاني والسيد جعفر الحلي وأضرابهم وتتلمذ على الملا كاظم الآخوند كثيراً والشريعة الأصفهاني والسيد محمد كاظم اليزدي ويروي إجازةً عن السيد حسن الصدر والشيخ آغا رضا الهمداني ونال من الحظوة العلمية مرتبة الإجتهاد وأصبحت قلوب الناس متعلقة به منجذبة اليه لفضله وعلمه وورعه وتقواه وتواضعه وسيرته الطيبة ، ما جلس اليه أحد إلا وانجذب اليه لروحانيته وأفاض عليه من نميره العذب. كنا نجلس في طرف المجلس احتراماً له وهو يدنينا اليه ويحدثنا بما يخص المنبر الحسيني وعن أثر وقعة الطف ويستشهد بشيء من منظومته المسماة ب‍ ( المقبولة الحسينية ) وهو صاحب مستدرك نهج البلاغة وكتاب ( مصادر نهج البلاغة ومداركه ) ، وشرح شرائع الإسلام ، وشرح تبصرة العلامة الحلي ، ورسالة تضم فتاواه وآراءه الفقهية أسماها ( هدى المتقين ) طبعت سنة 1342 ه‍. وله منظومة في النحو وأخرى في الإمامة ، أما المنظومة المسماة بالمقبولة فلا زال خطباء المنبر الحسيني يجعلونه موضع الشاهد لأحاديثهم الحسينية ومما قال في مدح النجف من قصيدة :

225

قف بالنياق فهذه النجف * * * أرض لها التقديس والشرف

ربع ترجلت الملوك به * * * وبفضل عزّ جلاله اعترفوا

حرم تطوف به ملائكة الربّ * * * الجليل وفيه تعتكف

وله أرجوزة في سيرة الزهراء (سلام الله عليها) ، ومنها :

ومَن بهم بأهل سيد الورى * * * ( وقل تعالوا ) أمرها لن ينكرا

وهل أتى في حقها وكم أتى * * * من آية ومن حديث ثبتا

لما رووه في الصحيح المعتبر * * * من أنها بضعة سيد البشر

وبضعة المعصوم كالمعصوم * * * في الحكم بالخصوص والعموم

لانها من نفسه مقتطعه * * * فحقها في حكمه أن تتبعه

إلا الذي أخرجه الدليل * * * فإننا بذاك لا نقول

ولم يرد في غيرها ما وردا * * * في شأنها فالحكم لن يطردا

وآية التطهير قد دلّت على * * * عصمتها من الذنوب كملا

توفي رحمه الله ليلة الاربعاء في 9 محرم الحرام سنة 1361 ه‍. وكان يوما مشهوداً واشترك سائر الطبقات بمواكب العزاء حتى أودع في مقبرتهم مع والده وجدّه (رحمهم الله) جميعاً وتعاقبت الشعراء على منصة الخطابة ترثيه بما هو له أهل وتندبه وكما أقيم له حفل أربعيني إشترك فيه كبار الكتّاب والخطباء والشعراء.

ومن نتفه وملحه قوله :

قول إن الذي يموت يراني * * * حار همدان ـ عن علي رواه

فتمنيت أن أموت مراراً * * * كل يوم وليلة لأراه

يشير إلى حديثنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) للحارث الهمداني إذ يقول : وأُبشرك يا حارث ليعرفني وليّ وعدوّي في مواطن شتى ، يعرفني عند الممات وعند الصراط وعند المقاسمة قال : وما المقاسمة يا سيدي قال : مقاسمة

226

الجنة والنار أقسمهما قسما صحاحا ، أقول هذا وليّ وهذا عدوّي ، ونظم السيد الحميري في ذلك فقال :

قول علي لحارث عجب * * * كم ثَمّ أعجوبة له حملا

يا حار همدان مَن يمت يرني * * * من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه وأعرفه * * * بنعته وإسمه وما فعلا

وأنت عند الصراط تعرفني * * * فلا تخف عثرة ولا زللا

أقول للنار حين تعرض للعرض * * * ذرية لا تقبلي الرجلا

ذريه لا تقبليه إن له * * * حبلاً بحبل الوصي متصلا

وتوهم إبن أبي الحديد حيث نسب هذا الشعر للإمام أمير المؤمنين (ع) ، أقول قد نطقت صحاح الأخبار بأن الإمام علي (عليه السلام) يشاهده شيعته في خمسة مواطن : عند خروج الروح ، ,عند سؤال القبر ، وعند الحوض ، وعند الحساب ، وعند الصراط.

وقد روى الهيتمي في معجمه وأبو نعيم في حلية الأولياء والخطيب البغدادي والمحب الطبري في الرياض النظرة والمتقي الهندي في كنز العمال وإبن حجر في الصواعق والمناوي في كنوز الحقائق وغيرهم علماء السنّة أن الإمام (عليه السلام) يُرى عند الحوض وعند الحساب وعند الصراط فيكون الاتفاق حاصلاً من الفريقين على هذه الرؤى الثلاث ، وأما ما يخص الرؤية عند خروج الروح وعند سؤال القبر فقد حصل فيها بعض الأخذ والرد من علماء الفريقين.

227

الشيخ عبد الحسين صادق

المتوفى 1361

قال يرثي علي بن الحسين شهيد كربلاء (عليه السلام) :

عهدي بربعهم أغنّ المعهَد * * * وندّيه يفتر بالروض الندي

ما باله درس الجديدُ جديدَه * * * ومحا محاسن خدّه المتورد

أفلّت أهلّته وغابت شهبه * * * في رائح للنائبات ومُغتدي

زمّت ركاب قطينه أيدي سَبا * * * تفلي الفلاة بمتهِم وبمنجد

* * *

ولقد وقفت به ومعتلج الجوى * * * بجوانحي عن حبس دمعي مقعدي

فتخالني لضناي بعض رسومه * * * ولحرّ أحشائي أثافي مَوقَد

أرنوا اليه وناظري مُتقسّم * * * بطلوله لمصوب ومُصعّد

ما أن أرى إلا الحمائم هُتّفاً * * * ما بين غِرّيد وصيداح شَدي

ناحت ونحت وأين مني نوحُها * * * شتان نَوح شجٍ وسجع مُغرّد

لي لا لها العين المرقرق دمعها * * * والمهجة الحراء والقلب الصَدي

حجر على عيني يمر بها الكرى * * * من بعد نازلة بعترة ( أحمد )

أقمار تمٍّ غالها خسف الردى * * * واغتالها بصروفه الزمن الردي

شتى مصائبهم فبين مكابدٍ * * * سُمّا ومنحور وبين مُصفّد

سل كربلا كم مُهجَة ( لمحمدٍ ) * * * نُهبت بها وكم إستجذت من يد

228

ولكم دم زاكٍ أُريق بها وكم * * * جثمان قُدسٍ بالسيوف مُبدّد

وبها على صبر الحسين ترقرقت * * * عبراته حُزناً لأكرم سيّد

* * *

وعلّي قدر من ذوابة هاشم * * * عبقت شمائله بطيب المحتد

أفديه من ريحانة رَيّانة * * * جفّت بحر ظَما وحرّ مُهند

بكر الذبول على نَضارة غُصنه * * * إن الذبول لآفة الغصن الندي

ماء الصبا ودم الوريد تجاريا * * * فيه ولاهب قلبه لم يخمد

* * *

لم أنسه متعمّما بثبا الضيا * * * بين الكماة وبالأسنّة مرتدي

يَلقى ذوابلها بذابل معطفٍ * * * ويشيم أنصلها بجيد أجيَد

خضبت ولكن من دم وفراته * * * فاحمرّ ريحان العِذار الأسود

جمع الصفات الغُرو هي تراثه * * * من كل غطريف وشهم أصيد

في بأس حمزة في شجاعة حيدر * * * بإبا الحسين وفي مهابة ( أحمد )

وتراه في خلق وطيب خلائق * * * وبليغ نطق كالنبي ( محمد )

يرمي الكتائب والفلا غصّت بها * * * في مثلها من عزمه المتوقد

فيردّها قَسرا على أعقابها * * * في بأسٍ عِرّيس العرينة مُلبد

ويؤب للتوديع وهو مجاهدٌ * * * لظما الفؤاد وللحديد المجهد

* * *

صادي الحشى وحسامه ريّان من * * * ماء الطلا وغراره لم يبرد

يشكو لخير أب ظمآه وما اشتكى * * * ظماء الحشى إلا إلى الضامي الصدي

فانصاع يُؤثره عليه بريقه * * * لو كان ثَمّة ريقة لم تجمد

كل حشاشة كصالية الغضا * * * ولسانه ظماء كشقة مبرد

229

ومذ انثنى يلقى الكريهة باسما * * * والموت منه بمسمَع وبمشهد

لفّ الوغى وأجالها جول الرحا * * * بمثقّفٍ من بأسه ومُهنّد

عثر الزمان به فغادر جسمه * * * نهب القواضب والقنا المتقصد

ومحى الردى يا بئس ما غال الردى * * * منه هِلال دُجاً وغرة فرقد

يا نجعة الحيين هاشم والعُلى * * * وحِمى الذمارين العُلى والسودد

كيف ارتقت هم الردى لك صعدة * * * مطرورة الكعبين لم تتأود

فلتذهب الدنيا على الدنيا العفا * * * ما بعد يومك من زمانٍ أرغد

الشيخ عبد الحسين إبن الشيخ إبراهيم إبن الشيخ صادق العاملي والمتقدم ذكر جملة من اسرته. ولد في النجف الأشرف في حدود سنة 1282 ه‍. وفيها نشأ ثم خرج إلى جبل عامل وعاد إلى النجف الأشرف بعد وفاة أبيه فأخذ عن علمائها مثل الشيخ ميرزا حسين إبن ميرزا خليل ، وهو في الطبقة الأولى من الشعراء. قال السماوي في الطليعة : رأيته يتفجر فضلاً ويتوقد ذكاء إلى أخلاق كريمة. توفي في أوائل ذي الحجة سنة 1361 ه‍. في النبطية ودفن فيها.

قال ولده الشيخ حسن رأى أبي ليلة أحد الصادقين (عليهما السلام) ـ الشك منه ـ فقال لأبي أجز هذا البيت :

لا عذر للعين إن لم تنفجر علقا * * * وللحشاشة إن لم تنفطر حرقا

فنظم القصيدة الحسينية الآتية في الترجمة وشهرته العلمية وملكته الأدبية مما لا ينازع فيه وشهد العالمان الكبيران الملا كاظم الآخوند صاحب الكفاية والحاج ميرزا حسين ميرزا خليل له بالاجتهاد ، وأدبه عريق أخذه عن أب عن جد وهذه دواوينه المطبوعة بلبنان وهي ( سقط المتاع ) ( عرف الولاء ) ( عقر الظباء ) وكلها من الشعر العالي وولاؤه أهل البيت (ع) يذكر فيشكر ونجد بلدة النبطية ـ اليوم ـ ونواحيها كالنجف الأشرف في شعائر أهل

230

البيت (ع) ، فالمأتم والمواكب التي تقيمها مؤسسته التي تسمى ب‍ ( الحسينية ) هي ركن من أركان التشيع ولا عجب فهو من اسرة شعارها الولاء وأنجبت الشعراء والعلماء وهذه باقة فواحة من شعره في الإمام الحسين أما باقي ألوان شعره فحسبك أن ترجع إلى دواوينه التي ذكرت أسماءها وترى خياله الواسع وأفقه النيّر أمثال قصيدته التي يصف بها الباخرة وأولها :

روت الفلك في متون البحار * * * نبأ البرق عن صحيح البخار ( ي )

وأخرى في وصف ( التلغراف ) وثالثة في صفة ( القطار ) ورابعة في وصف ( السيارة ) أو تقرأ له ( البدويات والأعاريب ) وملحمته الكبرى ( الشمس وبنو عبد شمس ) ففيها الوصف الكامل للشمس وخواصها وآثارها في الكون ثم يأتي على ذكر بني عبد شمس وأتباعهم في الجاهلية والإسلام وما جروه على الإسلام والأمة الاسلامية من المنكرات والفظايع ، ومن غرر أشعاره مدائحه النبوية ومطارحاته ورثاؤه لجملة من أعلام معاصريه.

توفي بالنبطية في 12 ذي الحجة الحرام عام 1361 ه‍. ودفن هناك ورثاه الشعراء بقصائد كثيرة تعرب عن مقامه الرفيع وأبّنته الصحافة العربية ومن مخلفاته العلمية كتاب ( سيماء الصالحين ) وهو على صغر حجمه موفق في اسلوبه كل التوفيق.

ومن روائعه التي سارت مسير الأمثال قصيدته التي عنوانها ( عمّ الفساد ) :

بدعٌ تشب فتلهبُ المحنُ * * * وهوىً يهب فتُطفأ السُنن

وثلاثةٌ غمر البسيطُ بها * * * فتنٌ وفتّانٌ ومُفتَتن

ومنها :

القومُ سرّهم معاويةٌ * * * وقميص عثمان لهم عَلَن

ويظهر أن نظم الشعر لدى المترجم له أسهل عليه من النثر فإنه لما أسّس الحسينية بالنبطية سنة 1329 ه‍. وأراد إجراء صيغة الوقف قال :

231

أنا عبد الحسين والصادق الودّ لآل النبي ثبت الولاء

أمروا بالعزا لهم فبذلت الجهد حتى أقمت بيت العزاء

فهو وقفٌ مؤبد أنا واليه وبعدي ذوالفضل من أبنائي

ولدى الانقراض منا يناط الأمر فيـه لأورع العلماء

وقال في رثاء الحسين (عليه السلام) :

سل كربلا والوغى والبيضَ والأسلا * * * مستحفياً عن أبيّ الضيم ما فعلا

أحلّقت نفسه الكبرى بقادمتي * * * إبائه أم على حكم العدا نزلا

غفرانك الله هل يرضى الدنية مَن * * * لقاب قوسين أو أدنا رقى نزلا

يأبى له الشرف المعقود غاربه * * * بذروة العرش عن كرسيه حولا

ساموه إما هواناً أو ورود ردىً * * * فساغ في فمه صاب الردى وحلا

خطا لمزدحم الهيجاء خطوته ال‍ * * * ‍فسحاء لا وانياً عزما ولا كسلا

يختال من جده طه ببرد بهاً * * * ومن أبيه عليٍّ في بجاد علا

فالكاتبان له في لوح حومتها * * * ذا ناظم مهجاً ذا ناثر قللا

يمحو بهذين من ألواحها صوراً * * * أجل ويثبت في قرطاسها الأجلا

يحيكُ فيها على نولي بسالته * * * من الحمام إلى أعدائه حللا

ما عَضبه غير فصّال يداً وطلا * * * ولدنه غير خياط حشاً وكلا

هما معاً نشرا من أرجوانها * * * ما جلل الأرحبين السهل والجبلا

تقلّ يمناه مشحوذ الغرار مضاً * * * مواجه علقاً وهاجة شعلا

ما بين مضطرب منه ومضطرم * * * نار تلظّى وماء للمنون غلى

طوراً يقدّ وأحياناً يقط وفي * * * حاليهما يقسم الأجسام معتدلا

فهو المقيم صلاة الحرب جامعة * * * لم يبق مفترضاً منها ومنتفلا

تأتمّ فيه صفوف من عزائمه * * * تستغرق الكون ما استعلا وما سفلا

بالنحر كبّر ماضيه وعامله * * * بالصدر فاتحة الطعن الدراك تلا

232

فالسيف يركع والهامات تسجد والخطي * * * في كل قلب أخلص العملا

أقام سوق وغى راجت بضائعها * * * فابتاع لله منها ما علا وغلا

تعطيه صفقتها بيض الصفاح وسمر * * * الخط تربح منه العلّ والنهلا

والنبل تنقده ما في كنانتها * * * والقوس تسلفه عن نفسه بدلا

والبيعان جلاد صادق وردى * * * فذاك أنشأ إيجاباً وذا قبلا

قضى منيع القفا من طعن لائمة * * * مذ للقنا والمواضي وجهه بذلا

قضى تريب المحيا وهو شمس هدى * * * من نوره كم تجلّى الكون بابن جلا

قضى ذبول الحشا يبس اللهى ظمأ * * * من بعد ما أنهل العسالة الذبلا

قضى ولو شاء أن تمحى العدا محيت * * * أو يخليَ الله منها كونه لخلا

لكن ولله في أحكامه حكم * * * كبابه القدر الجاري فخرّ إلى

لله ما انفصلت أوصاله قطعاً * * * لله ما انتهبت أحشاؤه غللا

لله ما حملت حوباؤه محناً * * * بثقلها تنهض النسرين والحملا

أفديه من مصحر للحرب منشئة * * * عليه عوج المواضي والقنا طللا

والصافنات المذاكي فوقه ضربت * * * سرادقا ضافي السجفين منسدلا

بيتاً من النقع علوياً به شرف * * * وكل بيت حواه فهو بيت علا

ضافته بيض الظبا والسمر ساغبة * * * عطشى فألفته بذال القرى جذلا

لله ماشرب الخطي من دمه * * * لله ما لحمه الهندي ما أكلا

أحيا ابن فاطمة في قتله أُمماً * * * لولا شهادته كانت رميم بلا

تنبهت من سبات الجهل عالمة * * * ضلال كل امرء عن نهجه عدلا

لولم تكن لم تقم للدين قائمة * * * ولا اهتدى للهدى من أخطأ السبلا

ولا استبان ضلال الناكثين عن المثـ * * * ـلى ولا ضربوا في غيهم مثلا

ولا تجسم نصب العين جعلهم * * * خلافة المصطفى ما بينهم دولا

ولا درى خلفٌ ماذا جنى سلفٌ * * * في رفضه أولاً ساداته الأولا

233

ولا تحرر من رق الجهالة وثا * * * با إلى العلم يأبى خطة الجهلا

سن الأبا لإباة الضيم منتحراً * * * وتلك شنشنة للسادة الفضلا

لله وقفته في كربلا وسطا * * * بين الوغى والخبا يحمي به الثقلا

يعطي النسا والعدا من وفر نجدته * * * حظيهما الأوفرين الأمن والوجلا

عبّ الأمرّين فقدان الأعزة وا * * * لصبر الجميل ومج الوهن والقشلا

ورب ظام رضيع ذابل شفة * * * وفاغر لهوات غائر مقلا

أدناه من صدره رفقاً ومرحمة * * * لحاله وهي حال تدهش العقلا

فاستغرق النزع رامي الطفل فانبجست * * * أوداجه مذ له السهم المراش غلا

فاضت دماً فتلقاه براحته * * * وللسماء رمى فيه فما نزلا

وهوّن الخطب إن الله ينظره * * * وفي سبيل رضاه خفّ ما ثقلا

ونسوة بعده جلت مصيبتها * * * وإن يكن كل خطب بعده جللا

على النبي عزيز سبيها علناً * * * وسلبها الزينتين الحلي والحللا

تدافع القوم عنها وهي حاسرة * * * مصفرّة وجلا محمرّة خجلا

ما حال دافعة مبتزها بيد * * * تود مفصلها من قبل ذا فصلا

رأت فصيلتها صرعى وصبيتها * * * من الظما بين من أشفى ومن قتلا

رأت نجوم سما عمرو العلى غربت * * * عنها وبدر سماء المصطفى أفلا

وقال يرثي قمر الهاشميين أبا الفضل العباس شهيد كربلا :

بكر الردى فاجتاح في نكبائه * * * نور الهدى ومحا سَنا سيمائه

ودهى الرشاد بناسفٍ لأشمّه * * * وبخاسفٍ لأتمّ بدر سمائه

ورمى فأصمى الدين في نفاذة * * * وارحمتاه لمنتهى أحشائه

يوماً به قمر الغطارف هاشم * * * صكّت يد الجُلّى جبين بهائه

سيم الهوان بكربلاء فطار للعز * * * الرفيع به جناح إبائه

أنّى يلين إلى الدنية مَلمَسا * * * أو تنحت الأقدار من ملسائه

هو ذلك البسّام في الهيجاء وا * * * لعباس نازله على أعدائه

234

هو بضعة من حيدر وصفيحة * * * من عزمه مشحوذة بمضائه

وأسى أخاه بموقف العزّ الذي * * * وقفت سواري الشهب دون علائه

ملك الفرات على ظماه وأسوة * * * بأخيه مات ولم يذق من مائه

لم أنسهُ مذ كرّ منعطفاً وقد * * * عطف الوكاء على مَعين سقائه

ولوى عنان جواده سرعان نحو * * * أخيه كي يُطفي أوار ظمائه

فاعتاقه السَدّان من بيض ومن * * * سُمر وكل سدّ رَحب فضائه

فانصاع يخترق الصوارم والقنا * * * لا يَرعوي كالسهم في غلوائه

يفري الطلا ويخيط أفلاذ الكِلا * * * بشباة أبيضه وفي سمرائه

* * *

ويجول جولة حيدرٍ بكتائب * * * خضراؤها كالليل في ظلمائه

حتى إذا ما حان حين شهادة * * * رُقمت له في لوح فصل قضائه

حسم الحسام مُقلة لسقائه * * * في ضربة ومُجيلة للوائه

آمن العدى فتكاته فدنا له * * * مَن كان هيّاباً مهيب لقائه

وعلاه في عَمد فخرّ لوجهه * * * ويمينه ويساره بإزائه

نادى أخاه فكان عند لقائه * * * كالكوكب المنقض من جوزائه

وافى اليه مُفرّقاً عنه العدى * * * ومجمّعاً ما انبتّ من أعضائه

وهوى يُقبّله وما من موضع * * * للثم إلا غارق بدمائه

* * *

يا مبكياً عين الإمام عليك * * * فلتبك الأنام تأسّياً لبكائه

ومقوّساً منه القوام وحانيا * * * منه الضلوع على جوى بُرحائه

فلتنحني حزناً عليك تأسيا * * * بالسبط في تقويسه وحنائه

أنت الحري بأن تقيم بنو الورى * * * طُراً ليوم الحشر سوق عَزائه

235

ومن حسينياته :

أذا غرب سيف أم هلال المحرم * * * تضرج منه الشرق في علق الدم

أهذي السما أم كربلا وبروجها * * * القباب وبرج الليث ظهر المطهم

أشهبٌ بها تنقض أم آل ( أحمد ) * * * تهادت تباعاً عن مِطا كل شيضَم

أأقمار تم غالها الخسف أم هي ا * * * لمصابيح سادات الحطيم وزمزم

أبدر الدياجى أم محيّا ابن فاطم * * * تبلج في ديجور جيش عرمرم

أجل هو سبط المصطفى شبل حيدر * * * وناهيك منه ضيغم شبل ضيغم

فما نابه إلا مثقّف صعدة * * * ولا ظفره إلا محدّب مخذم

له لُبَدٌ من نجدة وبسالة * * * تخرّ له الأبطال للأنف والفم

* * *

هو السيف مطبوع الشَبا من صرامة * * * الوصي ومن صبر النبي المعظم

تثلم من قرع الكتائب حدّه * * * وما آفة الأسياف غير التثلم

تزوّد مملوء المزاد حفيظة * * * وحزماً سما فيه سموّ يلملم

وهبّ إلى عزّ الممات محلّقاً * * * بخافقتيه من إباً وتكرّم

تعانق منه السمر أعدل قامة * * * وتثلم منه البيض أشنب مبسم

وتشبك أوتار القسي نبالها * * * مُروقاً به شبك المسدّى بملحم

تقلبه صدراً ونحراً وجبهة * * * وما موضع التقبيل غير المقدم

سقته الظبا نهلاً وعلا نطافها * * * على ظماء أفديه من ناهلٍ ظمي

مجفّفة ماء الحياة بجسمه * * * ومجرية فيه جداول من دم

* * *

أباذلها لله نفساً أبيّة * * * تصعّر خداً عن مذلّة مُرغم

ترى الخدرِ خدر الفاطميات عرضة * * * لمقتلعيه محرق ومهدِم

ترى الخفرات الهاشميات غودرت * * * مقانعها نهباً وسلباً لمجرم

236

السيد مير علي أبو طبيخ

المتوفى 1361

أهاشم إن لم تمتطي الخيل ضمرا * * * فكل حديث في معاليك مفترى

وإن لم تفه بالطعن ألسنة القنا * * * فلا فرعت منك الخطابة منبرا

وإن لم تخض منك الضبا بدم الطلا * * * فيا لا طمى وادي نداك ولا جرى

لئن قعدت سود الليالي بمرصد * * * فهذي الليالي البيض أحمد للسرى

فصولي بمصقول الشبا حيثما هوى * * * يفلّق مصقول الجوانب مرمرا

إذا لعلعت في القاصفات بروقه * * * فصيد الأعادي الصيد وهو لها قرى

أو انتثرت منه الجماجم خلتها * * * كُرىً يلطم اللاهي بها أوجه الثرى

لجوجٌ فلولا الغمد يمسك بأسه * * * لسالت به شتى المدائن والقرى

أخو نجدة يبدو بهيئة راكع * * * فإن هو أهوى للضريبة كبّرا

يتيه به زهو الملوك إذا انثنى * * * يمجّ بفياض النجيع مظفرا

عسى تدركي الثار الذي ملؤه دم * * * متى عصفت فيه المنايا تفجرا

وتستأصلي من عبد شمس طغاتها * * * بذي لجب لم يبق ظفراً ومنسرا

تمرّ كأمثال البروق جياده * * * يلوح على أعرافها الموت أحمرا

مؤللة الأطراف ناحلة الشوى * * * موقرة الأرداف محبوكة القرا

إذا اقتعدت حمس الوغى صهواتها * * * أرتك الكميّ الليث والصهوة الشرى

تمثل صولان ابن حيدر مذ غدوا * * * يظنون في صدر الكتائب حيدرا

237

جرى والقضاء الحتم دون يمينه * * * يفصل أبراد المنايا إذا جرى

على سابح راقته في السلم ميعة * * * فلاح بها يوم الوغى متبخترا

يعوم بهاد أماء ماء لعابه * * * إذا ما طغى غير الأسنة معبرا

فطافت به أمواجه وهي أنصلٌ * * * ترامت فألقته بضاحية العرى

ولم أدري ما خرّت صحيفة بجدل * * * أكان وريد المجد أم كان خنصرا

رأى الليث أشلاء فهان ابتزازه * * * وهل يسلب الضرغام إلا معفرا

وبالصفا يا هاشم مذ تناوبت * * * عليها الرزايا وهي تندب حسّرى

بضرب تروع الجامدات سياطه * * * وسير على الأقتاب تُبرى به البُرا

ولولا جلال الله لم يبق حاجب * * * به يرتدين الصون عن أعين الورى

بنفسي مرهوب الحمى شبه أحمد * * * سطا ضيغماً والحرب مشبوبة الذرى

يُروي شبا ماضيه لكن قلبه * * * من الطعن أوراه الظما فتسعّرا

ولم أنس مذ أرداه سهم منية * * * هوى وهو باب الله منفصم العُرى

هو البدر قد أخني عليه محاقه * * * وإقبال دهر ناضوه فأدبر

وغرة شمس غيبتها دجى الوغى * * * وآية قدس أغفلت عين مَن قرا (1)

السيد مير علي ابن السيد عباس ابن السيد راضي بن الحسن بن مهدي بن عبد الله بن محمد إبن العلامة السيد هاشم ، يرجع نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام). وهو من اسرة البوطبيخ المعروفة بمحتدها ومكانتها في الشرف. ولد في النجف في غضون العشرة الاولى من القرن الرابع عشر الهجري ، وتوفي في شهر شوال من سنة 1361 ه‍. وهو لم يتجاوز الخمسين إلا قليلاً. تدرجت على المنبر والخطابة وأنا ابن اثنتي عشرة سنة فكنت أرى السيد المترجم له ملازماً لدارنا فلا يمر يوم إلا وهو عندنا يتذاكر مع والدي

____________

1 ـ عن سوانح الأفكار للمؤلف وهي من الشعر الذي لم ينشر في الديوان.

238

وتجمعهما وحدة الدرس وربما جاءنا صبحاً وعصراً ، وأذكر أن تقريرات المجتهد الكبير السيد محمد تقي البغدادي قد كتبها والدي بخطه فاستعارها السيد مير علي وكتبها أيضاً وبحكم هذه الصلة فقد كنت أعيد عليه ما أحفظه من شعر في الإمام الحسين وأستوضح منه معناه وأطلب منه تشكيل القصيدة فلقد كانت ملكته الأدبية أقوى منها عند أبي ، وكان رحمه الله على جانب عظيم من الورع والتقى وعفة اللسان فما سمعته ذكر مخلوقاً بسوء ويحفظ للمجلس وللجليس كرامته فقد كان يقول : إني لأعجب ممن يجالس الناس وهو حاسر الراس وكنت أشاهده لا ينطق إلا إذا سُئل فإذا أجاب عن المسألة يكون جوابه قدر الحاجة خالياً من الفضول ، ولا زلت أتصوره جيداً عندما يترنم بالشعر على الطريقة المعروفة ب‍ ( المثكل ) وهي من الشجاء بمكان وكثيراً ما سأل المغنون والملحنون عنها إذ أنها لم تنتزع من الأطوار المعروفة عند الملحنين وكان يجيدها فكنت أصغي اليه بكلّي ، أما نظمه للشعر فلم يزاوله إلا عندما أصبح مقعداً في بيته بمرض ( الروماتيزم ) فكان يتسلى به ولم أكن أسمع له من الشعر قبل ذلك إلا نادراً فقد عزم والدي على طبع مؤلف جدنا الأكبر السيد عبدالله شبّر في العقائد وهو كتاب ( حق اليقين في معرفة أصول الدين ) فنظم السيد بيتين فكانا على صدر الكتاب الذي طبع بلبنان بمطبعة العرفان ، صيدا سنة 1356 ه‍. وهما :

إذا ما خفت تسقط في عثار * * * بمزلق هوّة وضلال دين

وجدتَ به الدلائل واضحات * * * إذا شاهدته حق اليقين

وإني أحتفظ برسالتين قيمتين كتبهما لوالدي عندما سافر إلى ( حيدر آباد دكن ) وفي الرسالتين من النظم الرائق والنثر الفائق ما يعجب وقد نشر شيء من إحداهما في الديوان أما الثانية فقد صدّرها بقطعة من روائعه جاء فيها :

إلى الهند أصبو كلما طلع النجم * * * لعلّ له فيما ألمّ بكم علم

نحيلا تحداني السقام فراعني * * * فلا كيف يضوبني ولم يحوني كمّ

239

نزحت فشاقتني اليك نوازعي * * * وقد بنتَ فاستولى على كبدي الهمّ

تضاءل مني كل معنى لبينكم * * * فلم يبق لي في صفحة الكون إلا اسم

يردد ذكراكم لساني فينتشي * * * فؤادي ولا خمرٌ لديّ ولا كرم

ويكحل عيني منك نور ألوكة * * * تنمّقها منك البراعة والفهم

وهذا ديوانه الأنواء الذي أصدرته مطبعة الراعي في النجف بعد وفاته بعام واحد ، وقد قدّم له الاستاذ الكبير جعفر الخليلي ، ورتبه إلى ثلاثة أبواب وهي :

1 ـ خواطر وأحلام ضمّت جميع شعره الإجتماعي ورأيه الأدبي.

2 ـ عواطف وأنغام متضمنة تقاريضه وتهانيه وعواطفه الأخوية.

3 ـ شجون وآلام وقدضمت مراثيه ومنظوم دموعه الحارة.

أما ما احتفظ به بخطه الجميل فهي القطعة التي يرثي بها نفسه وهي أيضاً مما لم ينشر :

أهوت به علّته فانتدب الحيلة * * * يثنيها فأعياه السبب

قالوا النطاسي فألقى فخّه * * * مقتنصاً جاء ليصطاد النشب

حتى إذا استفرغ ما ظنّ به * * * من فضة يكنزها ومن ذهب

تعاظم الداء عليه فالتوى * * * واستعضل النازل فيه فانسحب

وللرفاق حوله ولولة * * * وللبنين والبنات مصطخب

يلطم هذا وجهه توجّعاً * * * وذاك حانٍ فوق جسمه حدب

فلا حميم لحماه يلتجي * * * ولا ابن أمٍ نافع ولا ابن أب

وهو على بصيرة من أمره * * * منتبهاً يرنو لسوء المنقلب

ينظر فيما ذهبت أيامه * * * وما اكتسى من عمل وما اكتسب

طغت عليه لجج الموت فما * * * أقام في تيارها حتى رسب

فاستكّ منه سمعه وأخرست * * * شقشقة تزري بفصحاء العرب

وأغمضت أجفانه لا عن كرىً * * * وأسبل الأيدي من غير وصب

240

وسيقت النفس على علاتها * * * إلى الجنان أو إلى النار حطب

إني أعوذ بولاء حيدر * * * وصفوة الطف البهاليل النجب

من فزع الموت وشرّ ما اعتقب * * * وشرّ كل غاسق إذا وقب

هم الرعاة لا عدمت فيئهم * * * وهم سفائن النجاة في العبب

هم عرفات الحج هم شعاره * * * هم كعبة البيت وهم أسنى القرب

يا بأبي السبط غداة وزّعت * * * أشلاؤه ما بين أشفار القضب

وقد تضمن ديوانه جملة من الرثاء للإمام الحسين (عليه السلام) منها قصيدته التي ختمها بقوله :

يا بن النبي وخير مَن * * * أهدى وحلّ مني وخيّف

وابن الحطيم وزمزم * * * وابن المشاعر والمعرّف

لا قلت رأسك في القنا * * * بدر فرأسك منه أشرف

كلا ولا هو في الضحى * * * شمس فعين الشمس تكسف

بل أنت وجه الله في * * * أفق الوجود غداة توصف

أضحوا لفقدك آسفين بما * * * جنوه ولات مأسف

ولا زلت أتذكر أني يوم فقدته رأيت نفسي كأني فقدت أباً عطوفاً وعبّرتُ عن ألمي بقصيدة نشرتها جريدة الهاتف النجفية في سنتها الثامنة عدد 318 ومطلعها :

فمي وطرفي على تأبينك استبقا * * * بالنثر والنظم كلٌ منهما اندفقا

ما هذه قطع شعرية سبكت * * * هذي شظايا فؤادي قطّعت حرقا

طوارق الدهر أظنتني وأعظمها * * * هذي التي علمتني بالرثا طرقا

هل نافعي فرط وجدي أو جوى كبدي * * * هيهات فيك قضاء الله قد سبقا

وهي تزيد على العشرين بيتاً. تغمده الله برحماته وأسكنه فسيح جناته.

241

السيد رضا الهندي

المتوفى 1362

قال مؤنباً سفير الحسين مسلم بن عقيل أول الشهداء :

لو أن دموعي استهلت دما * * * لما أنصفت بالبكا مسلما

قتيلٌ أذاب الصفا رزؤه * * * وأحزن تذكاره زمزما

وأورى الحجون بنار الشجون * * * وأشجى المقام وأبكى الحِما

أتى أرض كوفان في دعوةٍ * * * لها الأرض خاضعة والسما

فلبّوا دعاه وأمّوا هداه * * * لينقذهم من غشاءِ العمى

وأعطوه من عهدهم ما يكا * * * د إلى السهل يستدرج الأعصما

وما كان يحسب وهو الوفي * * * أن ينقضوا عهده المبرما

فديتك من مفرد أسلموه * * * لحكم الدعي فما استسلما

وألجأه عذرهم أن يحل * * * في دار طوعة مستكتما

ومذ قحموا منه في دارها * * * عريناً أبا الليث أن يقحما

إبان لهم كيف يضرى الشجاع * * * ويشتد بأساً إذا أسلما

وكيف تهب اسود الشرى * * * إذا رأت الوحش حول الحِما

وكيف تفرق شهد الزات * * * بغاتاً تطيف بها حوّما

ولما رأوا بأسه لا يطاق * * * وماضيه لا يرتوي بالدما

أطلّوا على شرفات السطوح * * * يرمونه القصب المضرما

ولولا خديعتهم بالأمان * * * لما أوثقوا ذلك الضيغما

242

وكيف يحس بمكر الأثيم * * * من ليس يقترف المأثما

لأن ينسني الدهر كل الخطوب * * * لم ينسني يومك الأيوما

أتوقف بين يدي فاجرٍ * * * دعيٍّ إلى شرها منتما

ويشتم أسرتك الطاهرين * * * وهو أحقّ بأن يُشتما

وتقتل صبراً ولا طالبٌ * * * بثارك يسقيهم العلقما

وترمى إلى الأرض من شاهق * * * ولم ترمِ أعداك شهب السما

فإن يحطموا منك ركن الحطيم * * * وهدوا من البيت ما استحكما

فلستَ سوى المسك يذكو شذاه * * * ويزداد طيباً إذا حطّما

لإن تخلو كوفان من نادبٍ * * * عليك يقيم لك المأتما

فإنّ ضبا الطالبين قد * * * غدت لك بالطف تبكي دما

ذها منهم النقع في أنجم * * * أحالوا صباح العدى مظلما

السيد رضا الهندي شيخ الأدب في العراق والعالم الجليل المؤرخ والبحاثة الشهير وهو ابن السيد محمد ابن السيد هاشم الموسوي الهندي (1) ، ولد (قدس سره) في الثامن من شهر ذي القعدة سنة 1290 ه‍. وهاجر إلى سامراء بهجرة أبيه سنة 1298 ه‍. حين اجتاح النجف وباء الطاعون ، وكان خامس اخوته الستة ومكث يواصل دروسه في سامراء وكان موضع عناية من آية الله المجدد الشيرازي لذكائه وسرعة البديهة وسعة الاطلاع ، وفي النجف واصل جهوده العلمية على أساطين العلم حتى نال درجة الاجتهاد وعندما انتدبه المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني للارشاد وذلك بعد أن شهد سابقاً له مراجع الطائفة كالشيخ محمد حسن آل صاحب الجواهر والشيخ الشربياني والملا محمد كاظم الخراساني ويروي إجازة عن أبيه وعن الشيخ أسد الله الزنجاني والسيد حسن الصدر والسيد أبو الحسن والشيخ آغا بزرك الطهراني.

____________

1 ـ ينتهي نسب الاسرة الى الامام العاشر من أثمة أهل البيت علي الهادي (عليه السلام).

243

مؤلفاته :

1 ـ الميزان العادل بين الحق والباطل في الرد على الكتابيين ـ مطبوع.

2 ـ بلغة الراحل في الأخلاق والمعتقدات.

3 ـ الوافي في شرح الكافي في العروض والقوافي.

4 ـ سبيكة العسجد في التاريخ بأبجد ، ( وقد فُقِدَ ).

5 ـ شرح غاية الايجاز في الفقه.

ترجم له في الحصون المنيعة فقال : فاضل معاصر وشاعر بارع وناثر ماهر له إلمام بجملة من العلوم ، ولسانه فاتح كل رمز مكتوم ومعرفته بالفقه والاصول لا تنكر وفضائله لا تكاد تحصر ، رقيق الشعر بديعه ، سهله ممتنعه خفيف الروح حسن الأخلاق طيب الأعراق ، طريف المعاشرة لطيف المحاورة ، جيد الكتابة وأفكاره لا تخطئ الاصابة.

وترجم له السيد الأمين في الأعيان والشيخ الطهراني في نقباء البشر والسماوي في الطليعة والخليلي في ( هكذا عرفتهم ) والخاقاني في شعراء الغري وغيرهم من الباحثين. وكان يدعوني للخطابة في داره بالمشخاب وأقضي ساعات بالمحادثة معه فكان حديثه دروساً جامعة مملوءة بالفوائد وكنت في منابري أتلو شعره الذي قاله في أهل البيت عامة وفي الحسين خاصة ومما حدثني به أن داراً للشيخ مولى اغتصبها الشيخ حرج فأعلن المرجع غصبيتها وعدم جواز الدخول اليها فتحاماها الناس فرجع الغاصب عن رأيه وردّ الدار إلى صاحبها فنظم السيد :

صبرت يا مولى فنلت المنى * * * والصبر مفتاح لباب الفرج

فالحمد لله الذي لم يكن * * * يدخلني الدار وفيها ( حرج )

كما روى لي قوله :

غزا مهجتي بصفاح اللحاظ * * * ولوع بظلمي لا يصفح

ولم أرى من قبل أجفانه * * * جنوداً إذا انكسرت تفتح

244

ومن روائعه التي اشتهرت وحفظها القاصي والداني قصيدته ( الكوثرية ) والمقطع الأول منها في الغزل وباقيها في مدح الإمام أمير المؤمنين علي (ع) :

أمفلّج ثغرك أم جوهر * * * ورحيق رضابك أم سكر

قد قال لثغرك صانعه * * * انا اعطيناك الكوثر

والخال بخدك أم مسك * * * نقطّتَ به الورد الأحمر

أم ذاك الخال بذاك الخدّ * * * فتيت الندّ على مجمر

عجبا من جمرته تذكو * * * وبها لا يحترق العنبر

وقال من قصيدة رقيقة :

الخال في وجنتيك قد لثمك * * * والشعر أهوى مقبلاً قدمك

ولم تنلني الذي أنلتهما * * * فليتني قد لثمت مَن لثمك

نحلت مثل السواك فيك فما * * * ضرك لو أنني رشفت فمك

يا كشحة طال عدل قامته * * * فأشك اليه من الذي هضمك

يا جفنه اعتاد بالضنى جسدي * * * فليحتمل فوق سقمه سقمك

يا غصن طاولت قدّه فلئن * * * يقصفك ريح الصبا فما ظلمك

ويا عنيقيد قست وفرته * * * فيك ، فان استطع شربت دمك

يا كعبة الحسن ليس يحسن أن * * * تريع بالصد من أتى حرمك

يا أسعد الخال فوق وجنته * * * لقد قضى حجه من استلمك

يا آس فوق الشقيق مَن رقمك * * * يا در بين العقيق من نظمك

من ملأ الريق بالرحيق ومن * * * بمسك خال عليه قد ختمك

من فيك أجرى نواظري سحباً * * * لما رأت كالوميض مبتسمك

بميسم الشوق قد كوى كبدي * * * مَن بسمات الجمال قد وسمك

أنشاك لي نشوة ومنتزهاً * * * من أودع الراح والأقاح فمك

مولاي هل أنت راحم كلفا * * * لو كنت يوماً مكانه رحمك

245

وقال من قصيدة :

الدهر أبدع فيك فعله * * * حتى حباك الحسن كله

ولقد ملكت نصابه * * * أفلا تزكّيه بقبله

انا توجهنا اليك * * * وأنت للعشاق قبله

عجباً لدين هواك شا * * * ع نظامه في كل ملّه

ولهّتَ قلبي في الهوى * * * عطفاً على قلبي المولّه

ارحم عزيزاً لم يكن * * * لولاك يرضى بالمذله

دنفاً إذا نام الورى * * * سهر الدجى إلا أقلّه

وتحدثتُ يوماً في موقف من مواقف الخطابة عن ميلاد أمير المؤمنين (عليه السلام) فروى لي من شعره قوله :

لما دعاك قدماً لأن * * * تولد في البيت فلبيته

جزيته بين قريش بأن * * * طهّرت من أصنامهم بيته

ومن محاسن التواريخ قوله مؤرخاً وفاة الزعيم السيد نور السيد عزيز الياسري :

هذا ضريح فيه نور الهدى * * * وهو بنور الله مغمور

وكيف يخشى ظلمات الثرى * * * أرخ ضريح ملؤه نور

وكتب على الصورة :

انظر إلى هذا المثال فكل ذي * * * بصر يراه يقول هذا نورُ

ومن نوادره قوله لما كتب السيد محسن الأمين ( التنزيه لأعمال الشبيه ) وهي مجموعة ظنون نقلت اليه فبنى عليها واعتقد بصحتها فاندفع يكتب قال السيد رضا :

ذرية الزهراء ان عددت * * * يوماً ليطري الناس فيها الثنا

فلا تعدّوا محسناً منهم * * * لأنها قد أسقطت محسنا

246

وأرخ عام مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) :

صرخ النادبون باسم ابن طاها * * * وعليه لم تحبس الدمعُ عينُ

لم يصيبوا الحسين إلا فقيداً * * * حينما أرخوه ( أين الحسين )

وقال مؤرخاً تجديد باب الإمامين العسكريين في سامراء سنة 1345 ه‍.

قل لمن يمموا النقى وأمّوا * * * من حمى العسكري أفضل خطه

جئتم سر من رأى فاقيموا * * * أبد الدهر في سرور وغبطه

زرتم لجتي عطاء وفضل * * * يغتدي في يديهما البحر نقطه

خيرة الناس هم ومَن ذا يساوي * * * في المزايا آل النبي ورهطه

قيل أرخ باب التقي فأرخّت * * * ببيت في قلبي الوحي خطه

( ادخلوا الباب سجداً إن باب * * * العسكريين دونه باب حطه )

وذكر الشيخ السماوي في ( الطليعة ) نماذج من أدبه الحي وألوان من غزله الرقيق ما تطرب له القلوب وتهفو له الأسماع وتسيل له القرائح ولولا الإطالة لنقلت كل ما ذكره الشيخ في مخطوطته ولكني أروي ما علق بالذاكرة من تلك الدرر ، قال لي مرة : كتبت رسالة إلى ولدي السيد أحمد ـ وكان مصطافاً في صيدا ـ لبنان ـ وفيها :

وكنا إن أردنا منك وصلا * * * أصبناه ولو نمشي رويدا

قصرنا نستعين على التلاقي * * * باشراك الكرى لنصيد ( صيدا )

الحلبة الأدبية التي اشترك بها السيد ورائعته المملوءة بالاحتجاج في أيام السلطان عبد الحميد وردت من بغداد قصيدة لعدد من علماء النجف والقصيدة تتضمن الانكار على وجود صاحب الأمر حجة آل محمد وأولها :

أيا علماء العصر يا من له خبر * * * بكل دقيق حار في مثله الفكر

لقد حار مني الفكر في القائم الذي * * * تنازع فيه الناس والتبس الأمر

فمن قائل في القشر لبّ وجوده * * * ومن قائل قذ ذب عن لبّه القشر

وأول هذين الذين تقررا * * * به العقل يقضي والعيان ولا نكر

247

وكيف وهذا الوقت داع لمثله * * * ففيه توالى الظلم وانتشر الشر

وما هو إلا ناشر العدل والهدى * * * فلو كان موجوداً لما وجد الجور

وإن قيل من خوف الطغات قد اختفى * * * فذاك لعمري لا يجوّزه الحجر

إلى أن يقول :

وإن قيل إن الاختفاء بأمر مَن * * * له الأمر في الأكوان والحمد والشكر

فذلك أدهى الداهيات ولم يقل * * * به أحدٌ إلا أخو السفه الغمر

أيعجز رب الخلق عن نصر حزبه * * * على غيرهم حاشا فهذا هو الكفر

فحتام هذا الاختفاء وقد مضى * * * من الدهر آلاف وذاك له ذكر

وما أسعد السرداب في سر من رأى * * * له الفضل عن أمّ القرى وله الفخر

فيا للأعاجيب التي من عجيبها * * * ان اتخذ السرداب برجاً له البدر

فيا علماء المسلمين فجاوبوا * * * بحق ومن رب الورى لكم الأجر

وغوصوا لنيل الدر أبحر علمكم * * * فمنها لنا لا زال يستخرج الدر

فانبرى للجواب جماعة من فطاحل الأدب وفرسان الشعر ولغة العرب :

1 ـ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بقصيدة تربو على 300 بيتاً ، على الوزن والقافية نظمها سنة 1317 ه‍. وهي السنة التي وردت بها القصيدة ، والقصيدة مثبتة في مخطوطنا ( سوانح الأفكار في منتخب الأشعار ) ج 4 / 230.

2 ـ السيد محسن الأمين العاملي بقصيدة على القافية والروي ب‍ 309 بيتاً وشرحها شرحاً مبسوطاً وأسماها ( البرهان على وجود صاحب الزمان ) طبعت بالمطبعة الوطنية بالشام عام 1333 ه‍.

3 ـ قصيدة الشيخ محمد جواد البلاغي المتوفى 1352 ه‍. أيضاً على الوزن والقافية طبعت في آخر كتابه ( حاشية البيع ) كما أثبتها السيد الأمين في ترجمته في أعيان الشيعة.

248

4 ـ كتاب كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار للعالم الكبير الحاج ميرزا حسين النوري ، طبع سنة 1318 ه‍.

5 ـ قصيدة الشيخ رشيد الزبديني العاملي المتوفى بالنجف سنة 1317 ه‍.

6 ـ قصيدة الشيخ عبد الهادي شليلة ابن الحاج جواد البغدادي المعروف بالهمداني والمتوفى سنة 1333 ه‍.

7 ـ ارجوزة للسيد علي محمود الأمين العاملي المتوفى سنة 1328 ه‍. في ماية وتسعة عشر بيتاً ذكره السيد الحجة السيد حسن الصدر في ( التكملة ).

8 ـ قصيدة الشيخ محمد باقر الهمداني البهاري.

9 ـ قصيدة السيد رضا الهندي المترجم له وهذه قصيدته :

يمثلك الشوق المبرح والفكر * * * فلا حجبٌ تخفيك عني ولا ستر

ولو غبتَ عني ألف عام فإن لي * * * رجاء وصال ليس يقطعه الدهر

تراك بكل الناس عيني فلم يكن * * * ليخلوَ ربعٌ منك أو مهمه قفر

وما أنت إلا الشمس ينأى محلّها * * * ويشرق من أنوارها البر والبحر

تمادى زمان البعد وامتدّ ليله * * * وما أبصرت عيني محياك يا بدر

ولو لم تعللني بوعدك لم يكن * * * ليألف قلبي من تباعدك الصبر

ولكن عقبى كل ضيق وشدة * * * رخاءٌ وإن العسر من بعده يسر

وان زمان الظلم ان طال ليله * * * فعن كثب يبدو بظلمائه الفجر

ويُطوى بساط الجوز في عدل سيدٍ * * * لألوية الدين الحنيف به نشر

هو القائم المهدي ذو الوطأة التي * * * بها يذر الأطواد يرجحها الذر

هو الغائب المأمول يوم ظهوره * * * يلبيه بيت الله والركن والحجر

هو ابن الإمام العسكري محمد * * * بذا كله قد أنبأ المصطفى الطهر

كذا ما روى عنه الفريقان مجملا * * * بتفصيله تفنى الدفاتر والحبر

فأخبارهم عنه بذاك كثيرة * * * وأخبارنا قلّت لها الأنجم الزهر

ومولده ( نور ) به يشرق الهدى * * * وقيل لظامي العدل مولده ( نهر )

249

فيا سائلي عن شأنه اسمع مقالة * * * هي الدر والفكر المحيط لها بحر

ألم تدر أن الله كوّن خلقه * * * ليمتثلوه كي ينالهم الأجر

وما ذاك إلا رحمة بعباده * * * وإلا فما فيه إلى خلقهم فقر

ويعلم أن الفكر غاية وسعهم * * * وهذا مقام دونه يقف الفكر

فأكرمهم بالمرسلين أدلة * * * لما فيه يرجى النفع أو يختشى الضر

ولم يؤمن التبليغ منهم من الخطا * * * إذا كان يعروهم من السهو ما يعرو

ولو أنهم يعصونه لاقتدى الورى * * * بعصيانهم فيهم وقام لهم عذر

فنزهم عن وصمة السهو والخطا * * * كما لم يدنس ثوب عصمتهم وزر

وأيّدهم بالمعجزات خوارقا * * * لعاداتنا كي لا يقال لها سحر

ولم أدرِ لم دلّت على صدق قولهم * * * إذا لم يكن للعقل نهيٌ ولا أمر

ومن قال للناس انظرو في ادعائهم * * * فإن صح فليتبعهم العبد والحر

ولو أنهم فيما لهم من معاجز * * * على خصمهم طول المدى لهم النصر

لغالى بهم كل الأنام وأيقنوا * * * بأنهم الأرباب والتبس الأمر

لذلك طوراً ظافرين تراهُم * * * وآخر فيهم ينشب الناب والظفر

كذلك تجري حكمة الله في الورى * * * وقدرته في كل شيء له قدر

وكان خلاف اللطف واللطف واجب * * * إذا من نبيٍّ أو وصيٍّ خلا عصر

وجوب عصمة الأنبياء :

أينشيء للانسان خمس جوارح * * * تحسّ وفيها يدرك العين والأثر

وقلباً لها مثل الأمير يردها * * * إذا أخطأت في الحسّ واشتبه الأمر

ويترك هذا الخلق في ليل ضلّةِ * * * بظلمائه لا تهتدي الأنجم الزهر

( فذلك أدهى الداهيات ولم يقل * * * به أحدٌ إلا أخو السفه الغمر )

فأنتج هذا القول إن كنت مصغياً * * * وجوب إمام عادل أمره الأمر

250

الإستدلال بكتبهم :

وإمكان أن يقوى وإن كان غائباً * * * على رفع ضرّ الناس إن نالها الضر

وإن رمت نجح السؤل فأطلب ( مطالب * * * السؤال ) فمن يسلكه يسهل له الوعر

ففيه أقرّ الشافعي ابن طلحة * * * برأي عليه كل أصحابنا قرّوا

وجادل من قالوا خلاف مقاله * * * فكان عليهم في الجدال له النصر

وكم للجوينيّ انتضمن فرائد * * * من الدر لم يسعد بمكنونها البحر

فرائد سمطين المعالي بدرّها * * * تحلّت لأن الحلي أبهجه الدر

فوكّل بها عينيك فهي كواكب * * * لدرّيها أعياني العدّ والحصر

* * *

ورد من ينابيع المودة مورداً * * * به يشتفي من قبل أن تصدر الصدر

وفتّش على كنز الفرائد واستعن * * * به فهو نعم الذخر إن أعوز الذخر

ولاحظ به ما قد رواه الكراجكيّ * * * من خبر الجارود إن أغنت النذر

وقد قيل قدماً في ابن خولة إنه * * * له غيبة والقائلون بها كثر

وفي غيره قد قال ذلك غيرهم * * * وما هم قليل في العداد ولا نزر

وما ذاك إلا لليقين بقائم * * * يغيب وفي تعيينه التمس الأمر

وكم جدّ في التفتيش طاغي زمانه * * * ليفشىَ سرّ الله فانكتم السر

وحاول أن يسعى بإطفاء نوره * * * وما ربحه إلا الندامة والخسر

وما ذاك إلا أنه كان عنده * * * من العترة الهادين في شأنه خبر

* * *

وحسبك عن هذا حديث مسلسل * * * لعائشة ينهيه أبناؤها الغر

بأن النبي المصطفى كان عندها * * * وجبريل إذ جاء الحسين ولم يدروا

فأخبر جبريل النبي بأنه * * * سيقتل عدوانا وقاتله شمر

وأن بنيه تسعة ثم عدّهم * * * بأسمائهم والتاسع القائم الطهر

وأن سيطيل الله غيبة شخصه * * * ويشقى به من بعد غيبته الكفر