القرآن في الاسلام

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
212 /
53

وجود اختلاف معنوي ومدلولي بين الآيات ـ مع بعد ازمان نزولها وتباين ظروف النزول واسبابه ـ وما يظهر من الاختلاف بين بعض الآيات في بادىء النظر يرتفع بالتفكير والتدبر في الآيات.

ولو فرضنا ان كمية كبيرة من الآيات المسماة بـ « المتشابهات » تختلف مع كمية اخرى تسمى بـ « المحكمات » ونرفع الاختلاف بينها بأن نذهب الى ان ظاهرها غير مراد وما يراد منها معان لا يعلمها الا الله تعالى ... هكذا رفع الاختلاف لا يدل على ان القرآن ليس من كلام البشر.

وهكذا لو رفعنا الاختلاف بصرف ظاهر كل آية يخالف مضمونها او يناقض الآيات المحكمة ، فأولناها ـ حسب اصطلاح المتأخرين ـ بأن حملناها على معنى خلاف الظاهر.

ورابعاً ـ لا دليل اطلاقاً على ان المراد من « التأويل » في آية المحكم والمتشابه هو المعنى خلاف الظاهر ، كما لم يقصد مثل هذا المعنى في الآيات التي ذكرت فيها لفظة التأويل ، فمثلاً : في قصة يوسف (عليه السلام) عبر في ثلاثة مواضع (1)

____________

(1) ذكر رؤيا يوسف (عليه السلام) في الآية الرابعة من سورة يوسف « اذ قال يوسف لابيه يا ابت اني رأيت احد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ».

وذكر تأويل رؤياه في الآية 100 على لسان يوسف حينما رأى

54

عن تعبير الرؤيا بكلمة « التأويل » ، وظاهر ان تعبير الرؤيا ليس معنى خلاف الظاهر للرؤيا بل هو حقيقة خارجية ترى في النوم بشكل مخصوص ، كأن رأى يوسف تعظيم ابيه وامه واخوته بشكل سجدة الشمس والقمر والنجوم له ، ورأى ملك مصر سنوات القحط في صورة سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً ، ورأى صاحبا يوسف في السجن الصلب

____________

أبيه وامه بعد سنين من الفراق « ورفع ابويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها رب حقا ».

ورؤيا ملك مصر مذكور في الآية 43 ( وقال الملك اني ارى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات ).

وتأويله مذكور في الآية 47 ـ 49 على لسان يوسف ( قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلاّ قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن الا قليلاً مما تحصنون * ثم تأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ).

ورؤيا صاحبي يوسف في السجن مذكور في الآية 36 ( ودخل معه السجن فتيان قال احدهما اني اراني اعصر خمراً وقال الاخر اني اراني احمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه ).

وتأويله مذكور في الآية 41 على لسان يوسف ( يا صاحبي السجن اما احدكما فيسقي ربه خمراً واما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان ).

55

وخدمة الملك في صورة عصر الخمر وحمل الخبز على الرأس تأكل الطير منه.

وفي قصة موسى والخضر ، بعد ان يخرق الخضر السفينة ويقتل الغلام ويقيم الجدار ، يحتج عليه موسى في كل مرة فيذكر له السر الكامن وراء اعماله ويسميه « التأويل ». ومعلوم ان حقيقة الاعمال التي جرت على يد الخضر والنظر الحقيقي في انجازها التي هي كالروح لها قد سميت تأويلاً ، وليست هي المعنى خلاف الظاهر لها.

ويقول تعالى بشأن الوزن والكيل : ( وأوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير واحسن تأويلاً ) (1).

وواضح انه يريد من التأويل في الكيل والوزن وضعاً اقتصاديا خاصا يوجد في السوق بواسطة البيع والشراء والنقل والانتقال. والتأويل بهذا المعنى ليس معنى خلاف الظاهر من الكيل والوزن ، بل هو حقيقة خارجية ، وروح اوجدت في الكيل والوزن تقوى وتضعف بواسطة استقامة المعاملة وعدم استقامتها.

ويقول تعالى في موضع آخر : ( فان تنازعتم في شيء

____________

(1) سورة الاسراء : 35.

56

فردوه الى الله والرسول ... ذلك خير واحسن تأويلاً ) (1). من الواضح ان المراد من التأويل في هذه الآية هو ثبات الوحدة واقامة علاقات روحية في المجتمع ، وهذه حقيقة خارجية وليست معنىً خلاف الظاهر لرد النزاع.

وهكذا المواضع الاخرى من القرآن الكريم الواردة فيها لفظة « التأويل » ، وهي بمجموعها ستة عشر موضعاً. ففي كل هذه المواضع لا يمكن اخذ التأويل بمعنى « المدلول خلاف الظاهر » ، بل هو معنى اخر يلائم ايضا مع التأويل الوارد في آية المحكم والمتشابه كما سنذكره في الفصل الاتي. ولهذا لا موجب لتفسير « التأويل » في الآية المذكورة بمعنى المدلول خلاف الظاهر ».

المعنى الحقيقي للتأويل في عرف القرآن :

ملخص ما نستفيده من الآيات الوارد فيها لفظ « التأويل » ـ وقد سبق ذكر بعضها ـ انه ليس من قبيل المعنى الذي هو مدلول اللفظ. فان من الواضح ان ما نقل في سورة يوسف من رؤياه وتأويله لا يدل اللفظ الذي يشرح الرؤيا على تأويله دلالة لفظية ، ولو كانت تلك الدلالة من قبيل خلاف الظاهر. وهكذا في قصة موسى والخضر عليهما

____________

(1) سورة النساء : 59.

57

السلام ، فان الفاظ القصة لا تدل على التأويل الذي ذكره الخضر لموسى. كما انه في آية ( وأوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) لا تدل هاتان الجملتان دلالة لفظية على وضع اقتصادي خاص هو التأويل للأمر الوارد فيها. وفي آية ( فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ) لا تدل الآية دلالة لفظية على تأويله الذي هو الوحدة الإسلامية .. وهكذا دواليك في الآيات الاخرى لو امعنا النظر فيها.

بل في الرؤيا تأويله حقيقة خارجية رآها الراؤون في صورة خاصة ، وفي قصة موسى والخضر تأويل الخضر حقيقة تنبع منها اعماله التي عملها ، والامر في آية الكيل والوزن تأويله مصلحة عامة تنبع منه ، وآية رد النزاع الى الله والرسول ايضاً شبيهة بما ذكرناه.

فتأويل كل شيء حقيقة خارجية يتراءى ذلك الشيء منها وهو بدوره يحقق التأويل ، كما ان صاحب التأويل بقاؤه بالتأويل وظهوره في صاحبه.

وهذا المعنى جار في القرآن الكريم ، لان هذا الكتاب المقدس يستمد من منابع حقائق ومعنويات قطعت اغلال المادية والجسمانية ، وهي اعلى مرتبة من الحس والمحسوس واوسع من قوالب الالفاظ والعبارات التي هي نتيجة حياتنا المادية.

58

ان هذه الحقائق والمعنويات لا يمكن التعبير عنها بألفاظ محدودة ، وانما هي الفات للبشرية من عالم الغيب الى ضرورة استعدادهم للوصول الى السعادة بواسطة الالتزام بظواهر العقائد الحقة والاعمال الصالحة ، ولا طريق للوصول الى تلك السعادة الا بهذه الظواهر ، وعندما ينتقل الإنسان الى العالم الاخر تتجلى له الحقائق مكشوفة ، وهذا ما يدل عليه آيتا سورتي الاعراف ويونس المذكورتان.

والى هذا يشير ايضا قوله تعالى : ( حّم * والكتاب المبين * انا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) (1).

انطباق الآية على « التأويل » بالمعنى الذي ذكرناه واضح لا غبار عليه ، وخاصة لانه قال ( لعلكم تعقلون ) ولم يقل « لعلكم تعقلونه » ، لان علم التأويل خاص بالله تعالى كما جاء في آية المحكم والمتشابه ( وما يعلم تأويله الا الله ) ، ولهذا عندما تريد الآية ان تذكر المنحرفين الذين يتبعون المتشابهات ، تصفهم بأنهم يبتغون الفتنة والتأويل ولم تصفهم بأنهم يجدون التأويل.

فاذاً « التأويل » هو حقيقة او حقائق مضبوطة في ام

____________

(1) سورة الزخرف : 1 ، 2 ، 3 ، 4.

59

الكتاب ولا يعلمها الا الله تعالى وهي مما اختص بعالم الغيب.

وقال تعالى ايضاً في آيات اخرى : ( فلا اقسم بمواقع النجوم * وانه لقسم لو تعلمون عظيم * انه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه الا المطهرون * تنزيل من رب العالمين(1).

يظهر جلياً من هذه الآيات ان للقرآن الكريم مقامين : مقام مكنون محفوظ من المس ، ومقام التنزيل الذي يفهمه كل الناس.

والفائدة الزائدة التي نستفيدها من هذه الآيات ولم نجدها في الآيات السابقة ، هي الاستثناء الوارد في قوله ( الا المطهرون ) الدال على ان هناك بعض من يمكن ان يدرك حقائق القرآن وتأويله. وهذا الاثبات لا ينافي النفي الوارد في قوله تعالى ( وما يعلم تأويله الا الله ) ، لان ضم احداهما الى الاخرى ينتج الاستقلال والتبعية ، اي يعرف منها استقلال علمه تعالى بهذه الحقائق ولا يعرفها احد الا باذنه عز شأنه وتعليم منه.

وعلم التأويل شبيه فيما ذكرنا بعلم الغيب الذي اختص بالله تعالى في كثير من الآيات ، وفي آية استثنى العباد

____________

(1) سورة الواقعة : 75 ـ 80.

60

المرضيون فأثبت لهم العلم به ، وهي قوله تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احداً * الا من ارتضى من رسول ) (1). فمن مجموع الكلمات في علم الغيب نستنتج انه بالاستقلال خاص بالله تعالى ولا يطلع عليه احدا الا باذنه عز وجل.

نعم ، المطهرون هم الذين يلمسون الحقيقة القرآنية ويصلون الى غور معارف القرآن ـ كما تدلنا عليه الآيات التي ذكرناها. ولو ضممنا هذه الى قوله تعالى ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً ) (2).

الوارد حسب احاديث متواترة في حق اهل البيت (عليهم السلام) نعلم ان النبي واهل بيته هم المطهرون العالمون بتأويل القرآن الكريم.

القرآن والناسخ والمنسوخ :

بضمن آيات الاحكام الواردة في القرآن الكريم آيات احتلت احكامها مكان احكام كانت موضوعة في آيات سابقة ، فأنهت الآيات اللاحقة مفعول الآيات السابقة ولم تعد

____________

(1) سورة الجن : 26 ـ 27.

(2) سور الاحزاب : 33.

61

تلك الاحكام معمولاً بها. وتسمى الآيات السابقة بـ « المنسوخ » والآيات اللاحقة بـ « الناسخ ».

فمثلاً في بداية مبعث الرسول أمر المسلمون بمداراة اهل الكتاب في قوله تعالى : ( فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) (1). وبعد مدة انهي هذا الحكم وامروا بالقتال معهم في قوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب ) (2).

والنسخ الذي يدور على السنتنا حقيقته هي : وضع قانون لمصلحة ما والعمل به ثم ظهور الخطأ في ذلك والغاؤه ووضع قانون جديد مكانه.

لكن لا يمكن نسبة مثل هذا النسخ الدال على الجهل والخطأ الى الله تعالى المنزه عن كل جهل وخطأ ، ولا يوجد هكذا نسخ في الآيات الكريمة الخالية عن وجود اي اختلاف بينها.

بل النسخ في القرآن معناه : انتهاء زمن اعتبار الحكم المنسوخ. ونعني بهذا ان للحكم الاول كانت مصحلة زمنية محدودة واثر موقت بوقت خاص تعلن الآية الناسخة انتهاء

____________

(1) سورة البقرة : 109.

(2) سورة التوبة : 29.

62

ذلك الزمن المحدود وزوال الاثر. ونظراً الى ان الآيات نزلت في مناسبات مختلفة خلال ثلاث وعشرون سنة ، من السهولة بمكان تصور اشتمالها على هكذا احكام.

ان وضع حكم موقت في حين لم تتم مقتضيات الحكم الدائم ، ثم وضع الحكم الدائم وابدال الحكم الموقت به ، شيء ثابت لا اشكال فيه. كما يفهم هذا ايضا مما ورد في القرآن الكريم حول فلسفة النسخ. قال تعالى : ( واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدىً وبشرى للمسلمين ) (1).

الجري والانطباق في القرآن :

القرآن الكريم كتاب دائم لكل الازمان وتسري احكامه على كل الناس ، فيجري في الغائب كما يجري في الحاضر وينطبق على الماضي والمستقبل كما ينطبق على الحال. فمثلاً الآيات النازلة في حكم ما على احد المؤمنين بشروط خاصة في عصر النبوة يسري ذلك الحكم على غيره لو توفرت تلك الشروط في العصور التالية ايضاً ، والآيات التي تمدح او تذم

____________

(1) سورة النحل : 101 ـ 102.

63

بعض من يتحلى بصفات ممدوحة او مذمومة تشمل من يتحلى بها ممن لم يعاصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فاذاً مورد نزول آية من الآيات لا يكون مخصصاً لتلك الآية نفسها. ونعني بذلك انه لو نزلت في شخص او اشخاص معينين آية لا تكون تلك الآية جامدة في ذلك الشخص او اولئك الاشخاص ، بل يسري حكمها في كل من يشترك مع اولئك في الصفات التي كانت مورداً لتلك الآية.

هذا هو الذي يسمى في السنة الاحاديث بـ « الجري ». قال الامام الباقر (عليه السلام) ، في حديثه للفضيل بن يسار ، عندما سأله عن هذه الرواية « ما في القرآن آية الا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف الا وله حد ولكل حد مطلع » ما يعني بقوله « ظهر وبطن »؟ قال (عليه السلام) : ظهره تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد ، يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شيء وقع. الحديث (1).

وفي بعض الاحاديث يعتبر بطن القرآن ـ يعني انطباقه بموارد وجدت بالتحليل ـ مثل الجري (2).

____________

(1) تفسير العياشي 1 / 10.

(2) انظر المصدر السابق 1 / 11.

64

التفسير وظهوره وتطوره :

بدأ التفسير للآيات وبيان معاني الفاظ القرآن وعباراته من عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان هو المعلم الاول للقرآن الكريم وتوضيح مقاصده وحل ما غمض من عباراته ، قال تعالى ( وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ) (1).

وقال : ( هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) (2).

وفي عصر النبي وبأمر منه اشتغل جماعة من الصحابة بقراءة القرآن وحفظه وضبطه ، وهم الذين يسمون بـ « القراء ». وبعد الصحابة استمر المسلمون في التفسير ولا زال حتى الان فيهم مفسرون.

علم التفسير وطبقات المفسرين :

اشتغل جماعة من الصحابة بالتفسير بعد ان ارتحل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الرفيق الاعلى ، ومنهم

____________

(1) سورة النحل : 44.

(2) سورة الجمعة : 2.

65

أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله الانصاري وابو سعيد الخدري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وانس وابو هريرة وابو موسى ، وكان اشهرهم عبد الله بن عباس.

كان منهج هؤلاء في التفسير انهم ينقلون ما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في معاني الآيات بشكل احاديث مسندة (1) وبلغت هذه الاحاديث كلها الى نيف واربعين ومائتي حديث اسانيد كثير منها ضعيفة ومتون بعضها منكرة لا يمكن الركون اليها.

وربما ذكر هؤلاء تفسير بعض الآيات على انه تفسير منهم بدون اسناده الى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فعد المفسرون من متأخري اهل السنة هذا القسم ايضا من جملة الاحاديث ، بحجة ان الصحابة اخذوا علم القرآن من النبي ويبعد ان يفسروا من عند انفسهم.

ولكن لا دليل قاطع على كلامهم هذا ، بالاضافة الى ان كمية كبيرة من الاحاديث المذكورة واردة في اسباب نزول الآيات وقصصها التاريخية ، كما ان فيها احاديث غير مسندة منقولة عن بعض علماء اليهود الذين اسلموا ككعب الاحبار وغيره.

____________

(1) آخر كتاب الاتقان ، طبع القاهرة سنة 1370 هـ.

66

وكان ابن عباس في اكثر الاوقات يستشهد بأبيات شعرية في فهم معاني الآيات ، كما نرى ذلك جلياً في مسائل نافع بن الازرق ، فان ابن عباس عند الاجابة عليها استشهد بالشعر في اكثر من مائتي مورد من الآيات ، وقد نقل السيوطي مائة وتسعين جواباً منها في كتابه الاتقان (1).

ومن هنا لا يمكن اعتبار الاحاديث المنقولة عن الصحابة احاديث نبوية كما لا يمكن القول بأنهم لم يفسروا مطلقاً برأيهم.

ومفسرو الصحابة هم الطبقة الاولى من المفسرين.

( الطبقة الثانية ) هم التابعون ، وهم تلامذة مفسري الصحابة ، وهم مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وضحاك. ومن هذه الطبقة ايضا الحسن البصري وعطاء بن ابي رباح وعطاء بن ابي مسلم وابي العالية ومحمد بن كعب القرظي وقتادة وعطية وزيد بن اسلم وطاوس اليماني (2).

____________

(1) الاتقان ص 120 ـ 133.

(2) مجاهد ، مفسر مشهور ، توفي سنة 100 او سنة 103 ( تهذيب الاسماء للنووي ).

سعيد بن جبير مفسر معروف تلميذ ابن عباس ، قتله الحجاج الثقفي سنة 94 ( التهذيب ).

عكرمة ، مولى ابن عباس وتلميذه وتلميذ سعيد بن جبير ،

67

( الطبقة الثالثة ) تلامذة الطبقة الثانية ، كربيع بن انس وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وابو صالح الكلبي ونظرائهم (1).

____________

توفي سنة 104 ( التهذيب ).

ضحاك ، من تلامذة عكرمة ( لسان الميزان ).

الحسن البصري ، زاهد ومفسر معروف ، توفي سنة 110 ( التهذيب ).

عطاء بن ابي رباح ، فقيه ومفسر مشهور ، من تلامذة ابن عباس ، توفي سنة 115 ( التهذيب ).

عطاء بن ابي مسلم ، من اكابر التابعين ، ومن تلامذة ابن جبير وعكرمة ، توفي سنة 133 ( التهذيب ).

ابو العالية ، من ائمة التفسير واكابر التابعين ، كان في المائة الاولى من الهجرة ( التهذيب ).

محمد بن كعب القرظي ، مفسر معروف ، وهو من اسرة يهودية من بني قريظة ، كان في المائة الاولى من الهجرة.

قتادة ، اعمى ، كان من اكابر المفسرين ، وهو من تلامذة الحسن البصري وعكرمة ، توفي سنة 117 ( التهذيب ).

عطية ، ينقل عن ابن عباس ( لسان الميزان ).

زيد بن اسلم ، مولى عمر بن الخطاب ، فقيه ومفسر ، توفي سنة 136 ( التهذيب ).

طاوس اليماني ، من اعلام عصره ، وهو تلميذ ابن عباس ، توفي سنة 106 ( التهذيب ).

(1) عبد الرحمن بن زيد ، يعد من علماء التفسير.

68

وكان منهج التابعين في التفسير انهم ينقلونه احيانا بصورة احاديث عن الرسول الكريم او الصحابة ، واحيانا ينقلونه بشكل نظريات خاصة بلا اسنادها الى احد ، فعامل متأخرو المفسرين مع هذه الاقوال معاملة الاحاديث النبوية واعتبروها احاديث موقوفة (1).

ويطلق على الطبقتين الاخرتين لفظة « قدماء المفسرين ».

( الطبقة الرابعة ) اوائل المؤلفين في علم التفسير ، كسفيان ابن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وعبد بن حميد وغيرهم. ومن هذه الطبقة ايضا ابن جرير الطبري صاحب التفسير المشهور (2).

____________

ابو صالح الكلبي ، النسابة المفسر ، وهو من اعلام القرن الثاني.

(1) الاحاديث الموقوفة هي التي لم يذكر فيها المروي عنه.

(2) سفيان بن عيينة ، مكي من طبقة التابعين الثانية ، وهو من علماء التفسير توفي سنة 198 ( التهذيب ).

وكيع بن الجراح ، كوفي من طبقة التابعين الثانية ، ومن مشاهير المفسرين توفي سنة 197 ( التهذيب ).

شعبة بن الحجاج البصري ، من طبقة التابعين الثانية ، وهو من مشاهير المفسرين ، توفي سنة 160 ( التهذيب ).

عبد بن حميد ، صاحب تفسير ، من طبقة التابعين الثانية ، كان في القرن الثاني من الهجرة.

69

ومنهج هذه الطبقة من المفسرين كان نقل اقوال الصحابة والتابعين بشكل احاديث في مؤلفاتهم التفسيرية بدون ذكر آرائهم الخاصة. الا ان ابن جرير في تفسيره قد يبدي رأيه في ترجيح بعض الاحاديث على بعضها وكيفية الجمع بينها. ومن هذه الطبقة تبدأ طبقات المفسرين المتأخرين.

( الطبقة الخامسة ) المفسرون الذين نقلوا الاحاديث في تفاسيرهم بحذف الاسانيد واكتفوا بنقل الاقوال والآراء.

قال السيوطي : فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل (1).

الا ان المتدبر في الاحاديث المسندة يرى ايضا كثيرا من الوضع والدس ، ويشاهد الاقوال المتناقضة تنسب الى صحابي واحد ، ويقرأ قصصاً وحكايات يقطع بعدم صحتها ، ويمر على احاديث في اسباب النزول والناسخ والمنسوخ لا تتفق مع سياق الآيات. ومن هنا نقل ان الامام احمد بن حنبل قال : ثلاثة لا اصل لها المغازي والملاحم واحاديث التفسير. ونقل عن الامام الشافعي ان الثابت من الاحاديث المروية عن ابن عباس مائة حديث فقط.

____________

ابن جرير الطبري ، محمد بن جرير بن يزيد ، من مشاهير علماء السنة ، توفي سنة 310 ( لسان الميزان ).

(1) الاتقان 2 / 190.

70

( الطبقة السادسة ) المفسرون الذين كتبوا التفسير بعد ظهور العلوم المختلفة ونضجها ، فكتب كل منهم حسب اختصاصه وفي العلم الذي اتقنه : فالنحوي ادرج المباحث النحوية كالزجاج والواحدي وابي حيان (1) ، والاديب اورد المباحث البلاغية كالزمخشري في كشافه (2) ، والمتكلم اهتم بالمباحث الكلامية كالفخر الرازي في تفسيره الكبير (3) ، والصوفي غاص في المباحث الصوفية كابن العربي وعبد الرزاق الكاشاني في تفسيريهما (4) ، والاخباري ملأ كتابه بالاحاديث كالثعلبي في تفسيره (5) ، والفقيه جاء بالمسائل الفقهية

____________

(1) الزجاج ، من علماء النحو ، توفي سنة 310 ( ريحانة الادب ).

الواحدي ، نحوي مفسر ، توفي سنة 468 ( الريحانة ).

ابو حيان الاندلسي ، نحوي مفسر قارىء توفي في مصر سنة 745 ( الريحانة ).

(2) الزمخشري ، من مشاهير علماء الادب ، مؤلف تفسير الكشاف ، توفي سنة 538 ( كشف الظنون ).

(3) الامام فخر الدين الرازي ، متكلم مفسر مشهور ، صاحب تفسير مفاتيح الغيب ، توفي سنة 606 ( كشف الظنون ).

(4) عبد الرزاق الكاشاني ، من مشاهير علماء الصوفية في القرن الثامن الهجري ( ريحانة الادب ).

(5) احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي ، صاحب التفسير المشهور ، توفي سنة 426 او 427 ( الريحانة ).

71

كالقرطبي في تفسيره (1). وقد خلط جماعة آخرون في تفاسيرهم بين العلوم المختلفة كما نشاهده في تفسير روح المعاني (2) وروح البيان (3) وتفسير النيسابوري (4).

والخدمة التي قدمتها هذه الطبقة الى علم التفسير هي اخراجه من جموده واخضاعه للدرس والبحث ، ولكن الانصاف يقتضي القول بأن كثيراً من المباحث التي كتبها هؤلاء حملت على القرآن حملاً ولا تدل عليها الآيات.

أسلوب مفسري الشيعة وطبقاتهم :

الطبقات التي ذكرناها هي طبقات المفسرين من السنة ، وقد رأينا ان لهم منهجاً خاصا في التفسير ساروا على ضوئه من حين نشأته ، فجعلوه احاديث نبوية واقوال للصحابة والتابعين ولم يجيزوا اعمال النظر فيها لانه يكون من قبيل الاجتهاد

____________

(1) محمد بن احمد بن ابي بكر القرطبي ، توفي سنة 668 ( الريحانة ).

(2) تأليف الشيخ اسماعيل حقي ، توفي سنة 1137 ( ذيل كشف الظنون ).

(3) تأليف شهاب الدين محمود الالوسي البغدادي ، توفي سنة 1270 ( ذيل كشف الظنون ).

(4) غرائب القرآن ، تأليف نظام الدين حسن القمي النيسابوري ، توفي سنة 728 ( ذيل كشف الظنون ).

72

مقابل النص. ولكن لما ظهر التناقض والتضارب والدس والوضع فيها بدأت الطبقة السادسة تعمل رأيها فيها وتجتهد.

أما المنهج الذي اتخذته الشيعة في تفسير القرآن الكريم فيختلف مع منهج السنة ، ولذا يختلف تقسيم طبقاتهم مع الطبقات المذكورة.

تعتقد الشيعة ـ بنص من القرآن الكريم حجية اقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التفسير ، وترى ان الصحابة والتابعين كبقية المسلمين لا حجية في اقوالهم الا ما ثبت انه حديث نبوي. وقد ثبت بطرق متواترة في حديث الثقلين ان اقوال العترة الطاهرة من اهل بيته (عليهم السلام) هي تالية لاقوال الرسول ، فهي حجة ايضا. ومن هنا اخذت الشيعة في التفسير بما اثر عن النبي واهل بيته (عليهم السلام) ، فكانت طبقات المفسرين منهم كما يلي :

( الطبقة الاولى ) : الذين رووا التفسير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وائمة اهل البيت (عليهم السلام) ، وادرجوا الاحاديث في مؤلفاتهم المتفرقة ، كزرارة ومحمد بن مسلم ومعروف وجرير واشباههم (1).

____________

(1) زرارة بن اعين ومحمد بن مسلم من فقهاء الشيعة وخواص اصحاب الامامين الباقر والصادق (عليهما السلام).

معروف بن خربوذ وجرير من خواص اصحاب الامام الصادق عليه الصلاة والسلام.

73

( الطبقة الثانية ) : اوائل المؤلفين في التفسير ، كفرات بن ابراهيم الكوفي وابي حمزة الثمالي والعياشي وعلي بن ابراهيم القمي والنعماني (1).

وطريقة هؤلاء في تفاسيرهم تشبه طريقة الطبقة الرابعة من مفسري اهل السنة ، فقد رووا الاحاديث المأثورة عن الطبقة الاولى وادرجوها مسندة في مؤلفاتهم ولم يبدوا آراءهم الخاصة في الموضوع.

ومن الواضح ان الزمن الذي كان يمكن الاخذ فيه عن الائمة (عليهم السلام) كان طويلاً بلغ نحواً من ثلاثمائة سنة ،

____________

(1) فرات بن ابراهيم الكوفي ، صاحب التفسير المشهور ، من مشايخ علي بن ابراهيم القمي ( ريحانة الادب ).

ابو حمزة الثمالي ، من فقهاء الشيعة وخواص اصحاب الامام السجاد والباقر (عليهما السلام) ( الريحانة ).

العياشي ، محمد بن مسعود الكوفي السمرقندي ، من اعيان علماء الامامية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ( الريحانة ).

علي بن ابراهيم القمي ، من مشائخ الحديث الشيعي في اواخر القرن الثالث واوائل القرن الرابع الهجري.

النعماني ، محمد بن ابراهيم ، من اعيان علماء الامامية ، وهو تلميذ ثقة الإسلام الكليني ، كان في اوائل القرن الرابع الهجري ( الريحانة ).

74

فكان من الطبيعي ان لا يضبط الترتيب الزمني لهاتين الطبقتين بصورة دقيقة ، بل كانتا متداخلتين ومن الصعوبة بمكان التفريق الدقيق بينهما.

وقد قل عند اوائل مفسري الشيعة نقل احاديث التفسير بشكل روايات مرسلة في تفاسيرهم ، وكنموذج لنقل الاحاديث مروية بدون اسانيد نلفت الانظار الى تفسير العياشي الذي حذف بعض تلامذته اسانيده اختصاراً ، فاشتهرت نسخة التلميذ المختصرة وحلت محل نسخة الاصل.

( الطبقة الثالثة ) اصحاب العلوم المختلفة ، كالشريف الرضي في تفسيره الادبي والشيخ الطوسي في تفسيره الكلامي المسمى بالتبيان والمولى صدر الدين الشيرازي في تفسيره الفلسفي والميبدي الكونابادي في تفسيره الصوفي والشيخ عبد علي الحويزي والسيد هاشم البحراني والفيض الكاشاني في تفاسيرهم نور الثقلين والبرهان والصافي (1).

____________

(1) الشريف الرضي ، محمد بن الحسين الموسوي ، من اجلاء فقهاء الامامية ، اعلم اهل زمانه في الشعر والادب ، ومن تآليفه كتاب « نهج البلاغة » توفي سنة 404 او 406 ( ريحانة الادب ).

شيخ الطائفة ، محمد بن الحسن الطوسي ، من اعلام علماء الامامية ، من تآليفه « التهذيب » و « الاستبصار » اللذين هما اصلان من الاصول الاربعة الحديثية عند الشيعة ، توفي سنة 460 ( الريحانة ).

75

وهناك جماعة جمعوا في تفاسيرهم بين العلوم المختلفة ، ومنهم الشيخ الطبرسي في تفسيره « مجمع البيان » الذي يبحث فيه عن اللغة والنحو والقراءة والكلام والحديث وغيرها (1).

كيف يتقبل القرآن التفسير؟

الاجابة على هذا السؤال تتوضح من الفصول الماضية ، فان القرآن الكريم ـ كما ذكرنا ـ كتاب دائم للجميع ،

____________

صدر المتألهين ، محمد بن ابراهيم الشيرازي ، الفيلسوف المشهور ، مؤلف كتاب « اسرار الآيات » و « مجموعة تفاسير » ، توفي سنة 1050 ( روضات الجنات ).

الميبدي.

السيد هاشم البحراني ، صاحب تفسير « البرهان » في اربعة اجزاء كبار توفي سنة 1107 ( الريحانة ).

الفيض الكاشاني ، المولى محمد محسن بن المرتضى ، مؤلف كتاب « الصافي » و « الاصفى » ، توفي سنة 1091 ( الريحانة ).

الشيخ عبد علي الحويزي الشيرازي ، مؤلف كتاب « نور الثقلين » في خمسة اجزاء ، توفي سنة 1112 ( الريحانة ).

(1) أمين الإسلام ، الفضل بن الحسن الطبرسي ، من اعيان علماء الامامية ، صاحب « مجمع البيان » في عشرة اجزاء ، توفي سنة 548 ( الريحانة ).

76

يخاطب الكل ويرشدهم الى مقاصده وقد تحدى في كثير من آياته على الاتيان بمثله واحتج بذلك على الناس ، ووصف نفسه بأنه النور والضياء والتبيان لكل شيء ، فلا يكون مثل هذا الكتاب محتاجا الى شيء اخر.

يقول محتجاً على انه ليس من كلام البشر : ( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (1).

ليس فيه اي اختلاف ، ولو وجد فيه اختلاف بالنظرة البدائية يرتفع بالتدبر في القرآن نفسه.

ومثل هذا الكتاب لو احتاج في بيان مقاصده الى شيء اخر لم تتم به الحجة ، لانه لو فرض ان احد الكفار وجد اختلافا في شيء من القرآن لا يرتفع من طريق الدلالة اللفظية للايات لم يقنع برفعه من طرق اخرى ، كأن يقول النبي مثلاً يرتفع بكذا وكذا ، ذلك لان هذا الكافر لا يعتقد بصدق النبي ونبوته وعصمته ، فلم يتنازل لقوله ودعاويه.

وبعبارة اخرى : لا يكفي ان يكون النبي رافعا للاختلافات القرآنية بدون شاهد لفظي من نفس القرآن لمن لا يعتقد نبوته وعصمته ، والآية الكريمة ( أفلا يتدبرون

____________

(1) سورة النساء : 82.

77

القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) توجه الخطاب الى الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانهم لم يسلموا لاقواله لو لم يكن هناك شاهد قرآني صريح.

ومن جهة اخرى نرى ان القرآن نفسه يثبت حجية اقوال النبي وتفسيره ، كما ان النبي يثبت حجية اقوال اهل بيته وتفسيرهم.

ونستنتج من هاتين المقدمتين ان في القرآن آيات تفسر الآيات الاخرى ، ومكانة الرسول واهل بيته من القرآن كمرشد معصوم لا يخطأ في تعاليمه وارشاداته ، فما يفسرونه يطابق التفسير الذي يستنتج من ضم الآيات بعضها الى بعض ولا يخالفها في شيء

نتيجة البحث :

النتيجة التي توصلنا اليها في الفصل الماضي هي ان التفسير الواقعي للقرآن هو التفسير الذي ينبع من التدبر في الآيات الكريمة وضم بعضها الى بعض.

وبعبارة اوضح : يمكن ان نسلك في التفسير احدى طرق ثلاث :

78

1 ـ تفسير الآية لوحدها بالمقدمات العلمية وغير العلمية التي نملكها.

2 ـ تفسير الآية بمعونة الاحاديث المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام).

3 ـ تفسير الآية بالتدبر والدقة فيها وفي غيرها والاستفادة من الاحاديث.

الطريقة الثالثة هي المنهج الذي توصلنا اليه في الفصل الماضي ، وهو المنهج الذي حث عليه النبي واهل بيته (عليهم السلام) فيما اثر عنهم. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) « وانما نزل ليصدق بعضه بعضاً » ، وقال علي (عليه السلام) « ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ».

ومما ذكرنا يتوضح ان هذه الطريقة غير الطريقة المنهية في الحديث النبوي المشهور « من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » ، لان الطريقة المذكورة تفسير للقرآن بالقرآن لا بالرأي.

والطريقة الأولى من الطرق الثلاث لا يمكن الاعتماد عليها ، وهي في الحقيقة من قبيل التفسير بالراي الذي لا يجوز الا ما وافق منه مع الطريقة الثالثة.

واما الطريقة الثانية فهي التي كان يتبعها علماء التفسير في الصدر الاول وكان العمل عليها عدة قرون ، وهي الطريقة

79

المعمولة حتى الان عند الاخباريين من الشيعة والسنة.

وهذه الطريقة محدودة لا تفي بالحاجات غير المحدودة ، لان ستة الاف وعدة مئات من الآيات التي نقرأها في القرآن الكريم تقابلها مئات الالوف من الاسئلة العلمية وغير العلمية ، فمن اين نجد الاجابة على هذه الاسئلة وكيف التخلص منها؟

هل نرجع فيها الى الرويات والاحاديث؟

ان ما يمكن تسميته بالحديث النبوي في التفسير ، المروي من طريق السنة لا يزيد على مائتين وخمسين حديثاً ، مع العلم ان كثيراً من هذه الاحاديث ضعيفة الاسانيد وبعضها منكرة.

نعم الاحاديث المروية عن اهل البيت (عليهم السلام) من طريق الشيعة تبلغ عدة الاف حديث ، وفيها مقدار كثير من الاحاديث التي يمكن الاعتماد عليها ، الا انها مع هذا لا تكفي للاجابة على الاسئلة غير المحدودة التي نواجهها تجاه الآيات القرآنية الكريمة.

هذا ، بالاضافة الى ان هناك آيات لم يرد فيها حديث اصلاً لا من طريق السنة ولا من طريق الشيعة ، فكيف نصنع بها؟

ففي هذه المشاكل : اما ان نرجع الى الآيات المناسبة لما

80

نروم تفسيره ، وهذا ما تمنع عنه هذه الطريقة الحديثية. واما ان نمتنع عن البحث في الآية بتاتاً ونغض الطرف عن حاجاتنا العلمية التي تدعونا الى البحث.

اذاً ماذا نصنع مع ما تدل عليه الآيات الكريمة التالية الحاثة على البحث والتدبر والتبيين؟

قال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ) (1).

وقال : ( أفلا يتدبرون القرآن ) (2).

وقال : ( كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر اولوا الالباب ) (3).

وقال : ( أفلم يدبروا القول ام جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين ) (4).

وقد ورد في احاديث صحيحة عن النبي وائمة اهل البيت (عليهم السلام) انهم حثوا على الرجوع الى القرآن

____________

(1) سورة النحل : 89.

(2) سورة النساء : 82.

(3) سورة ص : 39.

(4) سورة المؤمنون : 68.

81

الكريم عند حدوث الفتن وظهور المشاكل (1) ، فماذا نصنع بهذه الاحاديث؟

وقد ثبت ايضا عن طريق العامة في احاديث نبوية وعن طريق الخاصة في روايات متواترة عن النبي وائمة اهل البيت (عليهم السلام) ضرورة عرض الاخبار على كتاب الله تعالى (2) ، وبموجبها يجب عرضها على القرآن الكريم فما وافقه يؤخذ به وما خالفه يطرح.

من البديهي ان مضمون هذه الاحاديث يصح لو كانت الآيات تدل على مرادها ويكون لمدلولها ـ وهو التفسير ـ اعتبار ، فلو رجعنا لمعرفة محصل مدلول الآية ـ وهو التفسير ـ الى الحديث لم يبق موضع لعرض الحديث على القرآن.

ان هذه الاحاديث التي اشرنا اليها احسن شاهد على ان الآيات القرآنية كبقية ما يتكلم به المتكلمون لها مداليلها ، وهي في نفسها حجة مع غض النظر عن الاحاديث الواردة في التفسير.

قد تبين من البحوث السابقة ان واجب المفسر هو ملاحظة الاحاديث الواردة في التفسير عن النبي وائمة اهل البيت (عليهم السلام) والغور فيها ليعرف طريقتهم ، ثم يفسر

____________

(1) انظر اوائل تفسير العياشي والصافي والبرهان وبحار الانوار.

(2) بحار الانوار 1 / 137 ، باب اختلاف الاخبار.

82

القرآن الكريم بالمنهج الذي يستفاد من الكتاب والسنة ويأخذ بالاحاديث التي توافق الكتاب ويطرح ما عداها.

نموذج من تفسير القرآن بالقرآن :

قال الله تعالى : ( الله خالق كل شيء ) (1).

تكرر مضمون هذه الآية الكريمة في اربعة مواضع من القرآن ، وبحسب هذا المضمون جميع المخلوقات الموجودة في الكون هي من خلق الله تعالى وصنعه.

ويجب ان لا تغرب عنا هذه النكتة ان في مئات من الآيات صدق موضوع العلية والمعلولية ، ونسب فيها فعل كل فاعل اليه ، واعتبرت الافعال الاختيارية من افعال الإنسان نفسه ، وخصت الاثار بالمؤثرات كالاحراق بالنار والنبات الى الارض والمطر الى السماء وغيرها.

والنتيجة ان صانع كل شيء وفاعله ينسب فعله وصنعه اليه ، الا ان مفيض الوجود والموجد الحقيقي للفعل هو الله تعالى ليس غيره.

ومن هنا نعرف التعميم الذي نجده في قوله تعالى ( الذي

____________

(1) سورة الزمر : 62.

83

أحسن كل شيء خلقه ) (1) ، فلو انضمت هذه الآية الى الآية السابقة لرأينا الجمال والخلقة قرينين ، فكل ما وجد في عالم المخلوقات من خلق كان موصوفاً بالجمال.

ويجب ايضا ان لا تغرب عنا هذه النكتة ان الآيات القرآنية تعترف بالخير مقابل الشر والنفع مقابل الضرر والحسن مقابل السيء والجمال مقابل القبح ، وتعتبر كثيرا من الافعال والاقوال والافكار حسنة او سيئة ، ولكن هذه المساوىء والقبائح والشرور تبدو واضحة اذا ما قيست بما يقابلها ، فوجدوها نسبي وليس بنفسي.

مثلاً الحية والعقرب مؤذيان ، لكن بالنسبة الى الإنسان والحيوانات التي تتألم من سمهما لا بالنسبة الى الحجر والتراب والشيء المر والرائحة الكريهة منفوران ، لكن بالنسبة الى ذائقة الإنسان وشامته لا بالنسبة الى كل الحيوانات. وبعض الاعمال والاقوال تبدو شاذة ، لكن بالنسبة الى البيئة التي يعيش فيها الإنسان لا بالنسبة الى كل البيئات.

نعم لو لم نلاحظ النسبة والقياس وننظر الى الاشياء بنظرة مطلقة نراها في منتهى الجمال ونرى الوجود اخاذا يلفت النظر ولا يمكن وصف حسنه وجماله ، لان الوصف نفسه من الخلق الجميل الذي يحتاج بدوره الى وصف.

____________

(1) سورة السجدة : 7.

84

والآية المذكورة اعلاه تريد صرف الانظار عن وجوه الجمال والقبح النسبية والقياسية والاعتبارية لتوجهها الى الجمال المطلق وتجهز الافهام لادراك الكلي والعموم الذي هو الاهم.

اذا ما ادركنا النقاط المشروحة في مئات من الآيات القرآنية التي تصف عالم الوجود ـ بكل جزء جزء منه وبمجموعة مجموعة منه وبمختلف انظمته الكلية والجزئية ـ لنرى انه احسن دليل على التوحيد واعظم مرشد الى معرفة الله تعالى وكمال قدرته.

لو تأملنا في الايتين المذكورتين سابقاً وامعنا النظر فيما سبق من الكلام ، نعلم ان هذا الجمال المحير الذي ملأ عالم الوجود كله انما هو لمعة من الجمال الالهي ندركه نحن بواسطة الآيات السماوية والارضية ، وكل جزء من العالم كوة ننظر منها الى القدرة اللامتناهية لنعرف ان ليس لهذه الاجزاء شيء من القدرة الا ما افيض عليها.

ولهذا نرى في آيات قرآنية كثيرة نسبة انواع الجمال والكمال الى الله تعالى ، فتقول : ( هو الحي لا اله الا هو ) (1).

____________

(1) سورة غافر : 65.

85

و ( ان القوة لله جميعاً ) (1).

و ( فان العزة لله جميعاً ) (2).

و ( هو العليم القدير ) (3).

و ( هو السميع البصير ) (4).

و ( الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى ) (5).

فبمقتضى هذه الآيات كل جمال وكمال نراه في عالم الوجود هو في الحقيقة من الله تعالى وليس لغيره الا المجاز والعارية.

وتأكيداً لما مضى ذكره يوضح القرآن الكريم بأسلوب آخر ان الجمال والكمال المودع في مخلوقات العالم انما هو محدود متناهي ، وهو عند الله تعالى غير محدود وليس له نهاية ، قال عز من قائل : ( انا كل شيء خلقناه بقدر ) (6).

____________

(1) سورة البقرة : 165.

(2) سورة النساء : 139.

(3) سورة الروم : 54.

(4) سور الاسراء : 1.

(5) سورة طه : 8.

(6) سورة القمر : 49.

86

وقال : ( وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم ) (1).

عندما يتقبل الإنسان هذه الحقيقة القرآنية يرى نفسه امام الجمال والكمال اللامتناهي ، يحيط به من كل جانب وليس فيه خللاً اصلاً ، ينسى كل جمال وكمال في العالم ، وحتى نفسه التي هي من تلك الآيات ينساها وينجذب الى خالق الجمال والكمال قال تعالى : ( والذين آمنوا اشد حباً لله ) (2)

عند هذا يسلم العبد ارادته واستقلاله الى الله تعالى كما هو من شؤون الحب والعبودية الخالصة ، فينضوي تحت لواء الحق ويدخل في ولايته ، كما يقول عز وجل ( والله ولي المؤمنين ) (3) ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور ) (4).

فيجد حينئذ روحاً اخرى ويحيا حياة جديدة ويشرق في قلبه نور الحقيقة ، فتتفتح له طرق السعادة ليشق مسيرته الكريمة بين المجتمع قال تعالى ( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ) (5) ، وقال : ( اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ) (6).

____________

(1) سورة الحجر : 21.

(2) سورة البقرة : 165.

(3) سورة آل عمران : 68.

(4) سورة البقرة : 257.

(5) سورة الانعام : 122.

(6) سورة المجادلة : 22.

87

وفي آية اخرى يزمع تعالى الى كيفية حصول هذا النور فيقول ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وأمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ) (1).

وقد فسر الايمان بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في آية اخرى بالتسليم له واتباعه ، فقال ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (2).

ووضح الاتباع في آية اخرى ، فقال ( الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) (3).

واوضح من هذا نجد معنى الاتباع في آية اخرى ايضا حيث يقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) (4).

فبمقتضى هذه الآية الكريمة البرنامج الكامل الإسلامي هو المتطلبات التي يحتاج اليها من يعيش في الكون ، ونعني

____________

(1) سورة الحديد : 28.

(2) سورة آل عمران : 31.

(3) سورة الاعراف : 157.

(4) سورة الروم : 30.

88

بها القوانين والشرائع التي تدل عليها الفطرة الإنسانية ، الحياة غير المعقدة التي يحياها الإنسان المستقيم ، كما يقول تعالى في موضع اخر ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد افلح من زكاها * وقد خاب من دساها ) (1).

القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يساوي بين الحياة الإنسانية السعيدة والحياة الفطرية النزيهة ، وهو بعكس جميع الكتب والمناهج الاخرى يجمع بين البرامج الدينية والبرامج الحياتية ، فله رأيه الخاص في الفرد والمجتمع وله كلمته في كل الشؤون ، ودستوره ينظر الى الحقائق الثابتة ( معرفة الله تعالى ـ النظرة الشاملة الى الكون ) بأعمق النظرات.

ان القرآن يصف اولياء الله تعالى وعباده المخلصين بكثير من النعوت والخواص الصورية والمعنوية التي يتحلون بها نتيجة لايمانهم الخالص ويقينهم الثابت ، ويؤسفنا ان هذا الفصل القصير لا يسع لسردها بصورة مفصلة.

معنى حجية اقوال النبي والائمة :

قد ذكرنا فيما سبق ان القرآن نفسه يثبت حجية

____________

(1) سورة الشمس : 7 ـ 10.

89

اقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام) في التفسير.

هذه الحجية واضحة في اقوال النبي والائمة الصريحة والاحاديث قطعية الصدور ، اما الاحاديث غير قطعية الصدور ( المسماة بأخبار الاحاد والتي اختلف المسلمون في حجيتها وعدم حجيتها ) فأمرها يرجع الى المفسر نفسه.

ان السنة يعملون مطلقا بالخبر الواحد الصحيح ، واما الشيعة فالذي ثبت تقريبا عندهم في علم اصول الفقه حجية الخبر الواحد الموثوق الصدور في الاحكام الشرعية ولا يعتبر في غيرها.

ولمزيد التحقيق في الموضوع لا بد من الرجوع الى اصول الفقه.

تنبيه :

على فرض ان يكون « التفسير » بيان محصل مدلول الآية ، تدخل في علم التفسير البحوث التي له تأثير في تفسير الآية. اما البحوث التي لا يكون لها تأثير في معرفة محصل مدلول الآية ـ كبعض البحوث اللغوية والقراءة والبديع وما اشبهها ـ لا تكون هذه البحوث من تفسير القرآن في شيء.

90

الفصل الثالث

وحي القرآن الكريم

* المسلمون ووحي القرآن

* كتاب العصر والوحي والنبوة

* رأي القرآن في الوحي والنبوة

* حول الملائكة والشيطان والجن

* الإنسان في مسالك الحياة

* ضرورة القانون لرفع الخلافات

* كيفية وحي القرآن

91

المسلمون ووحي القرآن :

تحدث القرآن الكريم عن الوحي ومنزل الوحي اكثر من غيره من الكتب السماوية المقدسة كالتوراة والانجيل ، وحتى نجد فيه آيات تتحدث عن كيفية الوحي نفسه.

ويعتقد عامة المسلمين (1) في وحي القرآن : ان القرآن بلفظه كلام الله تعالى انزله على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة احد الملائكة المقربين.

هذا الملك الوسيط يسمى بـ « جبرائيل » و « الروح الامين » جاء بكلام الله تعالى الى الرسول في فترات مختلفة بلغت ثلاثاً وعشرين سنة. وكان على الرسول ان يتلو الآيات على الناس ويوقفهم على معانيها ويدعوهم الى ما فيها من المعارف الاعتقادية والآداب الاجتماعية والقوانين المدنية والوظائف الفردية.

وقام الرسول بأداء ما كان عليه نصاً بدون ان يتصرف في مواد الدعوة الالهية او يضيف عليها او ينقص منها او يقدم او يؤخر شيئاً من موضعه الذي وضعه الله تعالى فيه.

____________

(1) هذه العقيدة ناشئة مما يفهم من ظواهر الفاظ القرآن الكريم.

92

كتاب العصر والوحي والنبوة :

أما الباحثون وكتاب العصر الذين لهم بحوث حديثة في الاديان والمذاهب ، فيعتقدون في وحي القرآن والنبوة انه :

كان نبي الإسلام نابغة عارفاً بالاوضاع الاجتماعية ، وسعى في خلاص البشرية من مهوى الوحشية والانحطاط الخلقي ورفعها الى اوج المدنية والحرية ، فدعا الناس الى اعتناق آرائه الطاهرة التي تجلت بشكل دين جامع كامل.

يقولون : كان النبي يحمل روحاً نزيهة وهمة عالية ، عاش في بيئة يسودها الظلام وتتحكم فيها القوة والاراجيف والهرج الاجتماعي ، وتتسم بحب الذات والسيطرة غير المشروع على الاموال ، وتتجلى فيها كل مظاهر الوحشية المقيتة.

كان النبي في ألم نفسي دائم من هذه البيئة الفاسدة ، فكان كلما بلغت الالام في نفسه الكريمة مبلغها يأوي الى غار في احدى جبال تهامة ، فيبقى فيه اياماً يخلو الى نفسه ، وكان يتوجه بكل حواسه الى السماء والارض والجبال والبحار والاودية والآجام وما وضعته الطبيعة تحت تصرف البشرية من سائر النعم ، وكان يأسف على الإنسان المنهمك في الغفلة

93

والجهل ، الذي قد ابدل حياته السعيدة الهانئة بحياة نكدة تضاهي حياة الحيوانات الوحشية.

كان النبي الى حوالي اربعين سنة من عمره يدرك تلك المفاسد الاجتماعية ويتألم من جرائها بالالام النفسية ، فلما بلغ الاربعين من عمره وفق الى كشف طريق للاصلاح يمكن بواسطته ابدال تلك الحياة الفاسدة بحياة سعيدة فيها كل معاني الخير ، وذلك الطريق هو « الإسلام » الذي كان يتضمن ارقى الدساتير التي كانت تناسب مزاج ذلك العصر.

كان النبي يفرض ان افكاره الطاهرة هي كلام الهي ووحي سماوي يلقيها الله تعالى في روعه ويتكلم بها معه. كما كان يفرض روحه الخيرة التي تترشح منها هذه الافكار لتستقر في قلبه هي « الروح الامين » و « جبرائيل » والملك الذي ينزل الوحي بواسطته.

وسمى النبي بشكل عام القوى التي تسوق الى الخير وتدل على السعادة بـ « الملائكة » ، كما سمى القوى التي تسوق الى الشر بـ « الشياطين » و « الجن ». وقد سمى ايضا واجبه الذي املاه عليه وجدانه بـ « النبوة » و « الرسالة ».

* * *

الرأي الذي ذكرناه باختصار هو للباحثين المعتقدين بالله تعالى وينظرون الى الدين الإسلامي بنظرة فيها شيء من

94

الانصاف والتقييم. اما الملحدون الذين لا يعتقدون بالله تعالى فانهم يعتبرون النبوة والوحي والتكاليف الالهية والثواب والعقاب والجنة والنار سياسات دينية بحتة ، وهم يذهبون الى ان هذه كلها اكاذيب قيلت لمصالح خاصة ضرورية في حينها.

يقولون : ان الانبياء كانوا مصلحين جاؤا ببرامج اصلاحية في اطار ديني. ونظرا الى ان الناس كانوا في العصور السالفة منهمكين في الجهل والظلمة والخرافات ، وضع لهم الانبياء النظم الدينية في ظل سلسلة من العقائد الخرافية تتمثل في مسائل المبدأ والمعاد.

ماذا يقول القرآن في الموضوع :

تفسير الوحي والنبوة بالشكل الذي بيناه انما هو لاولئك الباحثين الذين اشتغلوا بالعلوم المادية الطبيعية ، فهم يرون ان ما يوجد في الكون لا بد ان يفسر بالتفسير المادي الطبيعي ، وتنتهي جميع الحوادث والاحداث عندهم الى الاسباب الطبيعية البحتة. ومن هنا فسروا التعاليم السماوية بتفاسير اجتماعية تتفق واتجاههم الطبيعي ، ونظروا الى تلك التعاليم كأحداث ظهرت لتفاعلات اجتماعية خاصة.

فهي أذا تشبه الاحداث التي ظهرت على ايدي بعض

95

النوابغ امثال الملك كورش وداريوش والاسكندر المقدوني ، فكما لا تفسير لاعمال لو نسبوها الى الله تعالى والاوامر السماوية الا ما مضى فكذا لا تفسير لاعمال الانبياء الا ما ذكروه.

نحن لا نريد هنا البحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة ، كما لا نريد ان نقول لهؤلاء الباحثين : ان لكل علم ان يبحث فيما يدخل في اطاره من مسائله الخاصة ، ولا يحق للعلوم المادية التي تختص بشؤون المادة وخواص آثارها ان تبحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة نفيا او اثباتا.

لا نريد هذا ، ولكننا نقول : ان التفسير المذكور للوحي والنبوة يجب أن يعرض على الآيات القرآنية التي هي سند نبوة النبي الكريم ، لنرى هل يلتقيان معا أم لا يلتقيان؟

القرآن الكريم صريح في عكس التفسير السابق للوحي والنبوة ولا يلتقي معه في شيء من آياته. ولا بأس ان نقارن هنا مقاطع ذلك التفسير الموهوم مع ما جاء في القرآن ، فنقول :

1 ـ كلام الله تعالى :

يقول التفسير السابق : كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمي افكاره الطاهرة التي كانت تنقدح في ذهنه بـ « كلام الله ».

96

ومعنى هذا التفسير ان تلك الافكار كبقية افكار النبي كانت نتيجة لما تدور في خلده ، ولكنها لما كانت طاهرة ومقدسة نسبت الى الله تعالى ، فيه منسوبة الى النبي بالنسبة الطبيعية ومنسوبة الى الله بالنسبة التشريفية.

ولكن القرآن الكريم يصرح في آيات التحدي بنفي كونه من كلام النبي او اي انسان اخر ، فيقول : ( ام يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ) (1).

ويقول : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين ) (2).

ويقول : ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (3).

ويقول : ( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا

____________

(1) سورة يونس : 38.

(2) سورة هود : 13.

(3) سورة الاسراء : 88.

97

بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين ) (1).

ويقول : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ) (2).

من الواضح البديهي ان هذه التصريحات لا تناسب كون القرآن من كلام الرسول وقد نسب الى الله تشريفا ، بل تثبت قطعا انه من كلام الله تعالى لا غير.

وبالاضافة الى هذا يسرد القرآن في مئات من اياته ما ظهر من المعاجز وخوارق العادة على يد الانبياء (عليهم السلام) اثبتوا بواسطتها نبوتهم واستدلوا بها على رسالتهم. فلو كانت النبوة ذلك النداء الوجداني والوحي تلك الافكار الطاهرة ـ كما يقول التفسير المذكور ـ لما احتاج القرآن الى اقامة الحجة تأكيدها على نبوة الانبياء بسرد قصص المعاجز والكرامات.

وقد اوّل بعض الكتاب هذه المعاجز الصريحة بشكل مضحك ، الا ان كل واحد من القراء عندما يراجع ما قالوه في تأويلاتهم يرى ان مدلول الآيات القرآنية لا يتفق مع ما ذهبوا اليه من الآراء الخاطئة.

لا نريد في هذا البحث اثبات امكان تحقق المعجزة

____________

(1) سورة البقرة : 23.

(2) سورة النساء : 82.

98

وخوارق العادة ، او التأكيد على صحة القصص القرآنية. بل نحاول القول بأن القرآن اثبت صريحا للانبياء السابقين كصالح وابراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) معاجز خاصة ، ولا يمكن حمل هذه القصص الا على خوارق للعادة. ولا نحتاج ـ كما قلنا ـ الى المعاجز في اثبات النداء الوجداني والفكر الطاهر.

2 ـ جبرائيل والروح الامين :

يسمى التفسير السابق روح الرسول الطاهرة التي كان دأبها طلب الخير والاصلاح الاجتماعي بـ « الروح الامين » ، ويسمى ما تلقيه الروح الزكية في روعه المبارك بـ « الوحي ».

ولكن القرآن الكريم لا يؤيد ما ذهب اليه هؤلاء ، لانه يصرح بأن وسيط الوحي يسمى بـ « جبرائيل » ، وعلى التفسير المذكور لا موجب لهذه التسمية بتاتاً. يقول تعالى : ( قل من كان عدواً لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله ) (1).

نزلت هذه الآية في اليهود الذين سألوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عمن يأتيه بالوحي ، فأجابهم انه جبرائيل الملك ، قالوا : ذاك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لاتبعناك (2).

____________

(1) سورة البقرة : 97.

(2) الدر المنثور 1 / 90 ، ونور الثقلين 1 / 87 ـ 89 ، وغيرهما.

99

يرد الله تعالى في هذه الآية على اليهود ، ويؤكد بأن جبرائيل انما جاء بالوحي باذن منه عز شأنه ، فيثبت بأن القرآن من كلام الله تعالى وليس من كلام جبرائيل.

وواضح بأن اليهود كانوا اعداءاً لملك سماوي كان يأتي بالوحي من السماء ، وكان ذلك الملك غير موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله صلى الله عليهما ، كما انه لم يكن روحيهما الطاهرة.

والقرآن نفسه الذي صرح في الآية المذكورة ان وسيط الوحي هو جبرائيل ، صرح في آية اخرى انه الروح الامين فقال : ( نزل به الروح الامين على قلبك ) (1).

ويقول تعالى في موضع اخر بصدد التعريف بوسيط الوحي : ( انه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم امين * وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالافق المبين ) (2).

وهذه الآيات تدل دلالة واضحة على ان جبرائيل من الملائكة المقربين عند الله تعالى ، وهو ذو قوة عظيمة ومنزلة رفيعة وهو المطاع الامين.

____________

(1) سورة الشعراء : 193.

(2) سورة التكوير : 19 ـ 23.

100

ويصف الملائكة المقربين في موضع آخر بقوله : ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ) (1).

تدل الآية على ان الملائكة موجودات لهم ارادتهم ومداركهم واستقلالهم ، لان الاوصاف المذكورة فيها ـ كالايمان بالله والتسبيح له واستغفار للمؤمنين ـ لا تتوفر الا فيمن يتم له الاستقلال الكامل والمدارك التامة والارادة الخاصة.

ويقول تعالى في الملائكة المقربين ايضا : ( لن يستنكف المسيح ان يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعاً ) الى ان يقول : ( واما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً اليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً ) (2).

ان المسيح والملائكة المقربين لا يعصون الله طرفة عين ، ولكن مع ذلك هددهم تعالى بالعذاب الاليم لو تلبسوا بالمعصية ، والتهديد من عذاب يوم القيامة المتفرع على ترك نوع من التكليف لا يصح الا بالاستقلال واردة.

ويتضح من الآيات المذكورة ان الروح الامين ـ الذي

____________

(1) سورة المؤمن : 7.

(2) سورة النساء : 173.

101

يسمى جبرائيل ايضا وهو الذي يأتي بالوحي الالهي ـ له استقلاله وارادته ومداركه ، بل يستفاد من خلال آيات سورة التكوير « مطاع ثم امين » انه يأمر وينهي في الملأ الاعلى وتطيعه الملائكة المقربون ، بل نرى في بعض الاحيان ان الوحي ربما يأتي على يد ملائكة يأتمرون بأوامره ، كما تشير الى ذلك الآيات الواردة في سورة عبس ( كلا انها تذكرة * فمن شاء ذكره * في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة* كرام بررة ) (1).

3 ـ الملائكة والشياطين :

يؤكد التفسير السابق ان « الملائكة » اسم للقوى الطبيعية الداعية الى الخير والسعادة ، « والشياطين » اسم للقوى الطبيعية الداعية الى الشر والشقاء.

ولكن المستفاد من القرآن الكريم خلافه ، فانه يعتبر الملائكة والشياطين مخلوقات لا تدرك بالحواس الظاهرية الا ان لها وجودا خارجيا وهي ذات اداراك واردة مستقلة.

اما الملائكة فقد نرى التصريح في الآيات الماضية بأنها موجودات مستقلة مؤمنة تصدر منها اعمال تحتاج الى الارادة والادراك ، وفي القرآن كثير من امثال هذه الآيات لا يسع البحث سردها كلها

____________

(1) سورة عبس : 11 ـ 16.

102

واما الشياطين فقصة ابليس وعدم سجوده لادم (عليه السلام) والمحاورات التي جرت بينه وبين الله تعالى مذكورة في عدة مواضع من القرآن ، فقد قال بعد ان اخرج من صفوف الملائكة ( لاغوينهم اجمعين * الا عبادك منهم المخلصين ) ، فقال تعالى له : ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين ) (1).

وغير خفي ان الجزاء والعقاب لا يصح الا للمريد الذي يدرك الحسن والقبح ، ومعنى هذا ان الشياطين لها كامل الادراك والارادة.

وفي آية اخرى نرى ان الله تعالى وصف ابليس بالظن الذي هو من مصاديق الادراك ، فقال : ( ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين ) (2).

ويصرح في آية اخرى بأن ابليس يدفع اللوم عن نفسه ، وهذا لا يكون الا ممن يدرك ، وله الارادة التامة ، فيقول تعالى : ( وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ) (3).

____________

(1) سورة ص : 83 ـ 85.

(2) سورة سبأ : 20.

(3) سورة ابراهيم : 22.