المرأة في ظلّ الإسلام

- السّيدة مريم نور الدّين فضل الله المزيد...
368 /
155

الصديق حيث كان يقيم في بيت الحارث بن الخزرج ... » (2).

عائشة أم المؤمنين :

هي بنت أبي بكر ، وإحدى زوجات النبي (ص) المحظوظات عاشت في كنف الإسلام ، وأخذت عن الرسول الأعظم (ص) الكثير من التعاليم ، وروت عنه الروايات الكثيرة في شتى المسائل.

كانت ذات نفوذ قوي بعد وفاة النبي (ص) ساعدها على ذلك أنها زوجة صاحب الرسالة ... وابنة أبي بكر ...

وبذكائها وفطنتها اغتنمت هذين الأمرين ، فأبرزت شخصيتها وخصوصاً في مطلع خلافة أمير المؤمنين علي (ع).

نظرت عائشة فوجدت أن علي بن أبي طالب أصبح خليفة للمسلمين ، وأن طلحة والزبير بايعا علياً (2) وهي لم ترضى بذلك ، ولم يوافق هواها.

وكيف ترضى أن يلي الخلافة بنو هاشم ، وخصوصاً علي بن أبي طالب زوج الزهراء ابنة ضرتها أم المؤمنين خديجة.

كانت مقومات الشخصية القوية مكتملة لدى ابنة أبي بكر ، فهي تعيش في

____________

(1) تاريخ الطبري.

(2) إن طلحة والزبير بعدما بايعا علياً (ع) نكثا البيعة عندما علما أنهما لن يحققا رغبتهما في الامرة والسلطان لأن علياً سيساوي بين افراد الامة ، ويعطي كل ذي حق حقه بلا تفاضل أو تمييز.

156

ظل بيت رفيع ، بيت صاحبة الرسالة. ـ منذ تزوجها الرسول الأعظم (ص) ـ وتستقي من لدنه علماً وأدباً ، يعينها على ذلك ، ذكاء حاد ، وفطنة وقادة ، مما جعلها موئلاً ، وملجأ لطالبي الحديث عن الرسول الأعظم (ص).

فروى عنها كبار مشايخ المسلمين الكثير مما حفظته من زوجها النبي (ص) والكثير مما استفادته هي من تجارب الحياة كقولها : كما في بلاغات النساء.

« مكارم الأخلاق عشرة ـ صدق الحديث ـ وصدق البأس ـ وأداء الأمانة ـ وصلة الرحم ـ والمكافئة بالصنيع ـ وبذل المعروف ـ والتذمم للصاحب ـ وقرى الضيف ـ ورأسهن الحياء » (1).

كانت السيدة عائشة تتمتع بشباب ناضر ، وجمال فتان ، بالإضافة الى صفات لها الأثر الكبير في زرع الثقة في النفس لدى الانثى ، هذه الثقة التي جرأت أم المؤمنين أن تخوض غمار الحرب ، وتسحر بعض المسلمين بطلاوة حديثها ، وعذوبة ألفاظها ، فتأخذ بأعنة النفوس ، وتصنع ما يصنع الرجال العظام.

إن شخصيتها ، وقوة إدراكها ، وتعقلها للامور وسعة افقها ... كل هذه الخصائص هي التي جعلتها تتفوق على صواحبها ، وتتغلب على كل ما يحيطها من مشاكل ، وتذلل أمام أهدافها الصعاب.

لكن السيدة عائشة انهزمت عند الصراع مع هواها وعواطفها ، وفشلت في تجريد نفسها من الغرائز الانثوية وبقيت الانثى ... انثى تشعر بالغيرة من غيرها.

صحيح ان لها مكان الصدارة بين زوجات النبي اللواتي كن يتوافدن الواحدة تلو الأخرى ، بعد موت خديجة التي أكرمها الباري سبحانه فلم تتجرع مرارة الضرائر ، ولم تكتوي بنار الغيرة التي تشعل صدورهن.

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ... هكذا وردت في الأصل.

157

وهنا لعبت الطبيعة دورها ، فالسيدة عائشة لا تتمكن من اخماد نار الغيرة التي تتأجج في صدرها ، وهي ذات الشعور القوي ... أليست الغيرة من صفات الأنثى ... من البشر !

ومن طريف ما يروى عن السيدة عائشة ، أن النبي (ص) قال لها مداعباً : « ما ضرك لو متِ قبلي ، فقمت عليكِ ... وكفنتك ... وصليت عليك ... ودفنتك ؟؟ ».

فأجابت وقد التهب صدرها بنار الغيرة : « ليكن ذلك حظ غيري. والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك ، لقد رجعت الى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك » (1).

لقد ضم بيت النبي (ص) عدداً من النساء ، من ذوات الجمال والذكاء ، علاوة على النسب الرفيع.

عاشت السيدة عائشة بين ضرائر من بينهنَّ السيدة الحسناء الأبية المترفعة أم سلمة بنت أبي أمية ـ زاد الركب ـ والسيدة ذات الشرف والحسب زينب بنت جحش ، وهي ابنة عمة الرسول التي كانت تفاخر ضرائرها بأن الله سبحانه زوّجها في السماء ، إشارة إلى قوله تعالى : ( فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) (2) وأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم مشركي مكة ، وقائد جيشها لحرب النبي (ص).

____________

(1) تاريخ الطبري ـ ابن جرير.

(2) سورة الاحزاب ـ آية 38.

وفي مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي : نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش الاسدية ، بنت اميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله (ص) فخطبها على مولاه زيد بن حارثة. وفي الحديث ان زينب كانت تفتخر على سائر نساء النبي وتقول : ( زوجني الله من النبي وأنتن إنما زوجكن اولياؤكن ).

158

ناهيك عن جويرية بنت الحارث التي تبهر الأنظار لروعة جمالها. وحفصة بنت عمر بن الخطاب. وصفية بنت حيي بن أحطب الناعمة ... الساحرة.

ولكن السيدة عائشة كانت تقول : ما غرت من امرأة قط كغيرتي من خديجة ... ولم أرها.

لقد حاولت السيدة عائشة أم المؤمنين الاستيلاء على قلب الرسول الزوج العظيم ، بشتى الطرق ، وجعلت سلاحها من أنوثتها ـ وذكائها ـ وصباها ـ وجمالها ـ.

ولكن المرارة ... مرارة الغيرة لم تقدر أن تستسيغها ، فالحب العميق الذي يكنه الرسول الأعظم (ص) لزوجته الراحلة خديجة (رض) كان شغلها الشاغل.

لقد بقيت خديجة (رض) تشارك عائشة عواطف الزوج وحنانه ، وهي بين الأموات ، وتحت الثرى ، ولكن طيفها ما زال ماثلاً أمام عيني الرسول ، ولسانه الشريف يلهج بذكرها يردد اسمها في كل حين ، ولم يسأم من الثناء عليها حتى تأججت نار الغيرة في قلب عائشة (رض) فلم تتمالك أم المؤمنين أن قالت مرة للرسول (ص) : لقد عوضك الله من كبيرة السن ... فغضب رسول الله (ص) من كلامها غضباً عظيماً حتى أسقطت من جلدها. فقالت في نفسها : اللهمَّ إن ذهب غضب رسول الله عني لم أعد أذكرها بسوء.

وقالت عائشة : كان النبي يكثر من ذكر خديجة وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة ؟ فيقول : إنها كانت وكان لي منها ولد.

فلا غرابة أن تزداد نار الغيرة في قلب السيدة عائشة (رض) وهي تسمع النبي يردد في كل حين ( كان لي منها ولد ) وعائشة تلك الشابة الحلوة ـ ذات الذكاء

159

والفطنة لم تنجب لزوجها ولداً ، في حين أن خديجة وهي العجوز قد انجبت له البنين والبنات.

ولا يمكن للسيدة عائشة أن تتجاهل ذلك الحب الشديد للأبناء ، والحرص على الانجاب الذي كان يكمن في قلب الرسول الأعظم (ص) ورجال ذلك العهد أجمع.

إن مرارة العقم ـ وحرارة عواطف الامومة ... المحرومة ... والكبت ... كل هذه الأشياء التي هي من صنع الطبيعة البشرية وقدرة الخالق الجبار ، كانت تثير في نفس السيدة عائشة دائماً شعوراً بوطأة الحرمان التي تجثم على صدرها. وتنظر الى بنات ضرتها ( خديجة ) متحسرة تشعر كأن حواجز منيعة تقوم بينها وبينهن. بل ترى أن كل واحدة منهن هي صورة عن ضرتها التي استأثرت بقلب الزوج الرسول وما بلغته من ايثار لم يبلغه احد من قبل ... ولا من بعد.

وهذا ما جعل السيدة عائشة تخرج الى حرب علي بن ابي طالب زوج فاطمة بنت محمد (ص) ابنة ضرتها التي احتلت مكان امها خديجة من قلب الرسول (ص).

وكانت وقعة الجمل الشهيرة في البصرة التي ذكرها جميع أهل التاريخ وأصحاب السير وليس هذا المجال مجال لذكرها.

ذكرت الدكتورة بنت الشاطئ : « لما تزوج النبي اسماء بنت النعمان التي أحست عائشة خطر جمالها منذ وقعت عيناها عليها ، وقدرت انها اذا لم تحل بينها وبين زوجها الرسول فسوف تكلفها من أمرها عسراً.

ومن ثم قررت أن تفرغ منها قبل أن يتم الزواج. وبدأت تعمل على الفور مستعينة بصواحبها ...

دعت إليها حفصة واخرى ممن يحرصن من إرضائها ، فقالت لهما :

160

« قد وضع يده في الغرائب يوشكن أن يصرفن وجهه عنّا » و ...

واتفقن على خطة موحدة ... أقبلن على العروس مهنئات ، يجلونها للزفاف ، ويوصينها بما تفعل ، وما تقول استجلاباً لرضا الزوج العظيم ... ومحبته ...

فكان مما نصحهن لها به ، أن تستعيذ بالله إذا ما دخل عليها ...!

وفعلت المسكينة ...

لم تكد ترى الرسول مقبلاً عليها ، حتى استعاذت بالله وفي حسابها أنها تستجلب محبته ورضاه ...

فصرف رسول الله وجهه عنها وقال : « لقد عذتِ بمعاذ ».

وغادرها من لحظته ، وأمرها أن تلحق بأهلها ...

فبعثت إليه ـ أو بعث أبوها ـ من يتوسط لردها ويتحدث عما كان من نسائه معها ، فلم يملك عليه الصلاة والسلام ، إلا أن يبتسم ويقول :

« إنهن صواحب يوسف ... وإن كيدهن عظيم ».

وبقي (ص) عند كلمته ، فلم يمسك تلك التي ( عاذت بمعاذ ).

وتخلصت عائشة من منافسة خطرة (1).

ومما روى ابن طيفور : أن عائشة (رض) لما احتضرت جزعت ، فقيل لها :

« أتجزعين يا أم المؤمنين وأنت زوجة رسول الله (ص) وأم المؤمنين ـ وابنة أبي بكر الصديق ؟!

____________

(1) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ.

161

فقالت متحسرة ...

ـ إن يوم الجمل معترض في حلقي ... ليتني مت قبله ـ أو كنت نسياً منسياً (1).

توفيت عائشة ام المؤمنين عن عمر يناهز السادسة والستين. وصلى عليها أبو هريرة. ودفنت بالبقيع مع امهات المؤمنين زوجات النبي الكريم (ص).

وتحت ثرى المدينة المنورة ـ يثرب ـ خمد ذلك الذكاء الوقاد ـ واللهيب الذي ظل يضطرم سنيناً وأعواماً طوالاً ...

وتحت ثرى ـ يثرب ـ جمع الموت بين الضرائر حيث لا تنافس ... ولا حقد ... ولا غيرة ...

أم المؤمنين أم سلمة :

إن ظهور الرسالة المحمدية أعظم حادث في تاريخ العرب خاصة ، والبشر عامة. قال تعالى :

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) (2) حتى كان قصارى جهد المسلمين ، تركيز دعائم الدين ، وجهادهم في اجتماعهم على الإسلام ، ونبذ ما كانوا عليه من الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء.

سرت تعاليم الإسلام في النفوس كضياء الشمس ينساب بنوره الخالد على قلوب

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور.

(2) سورة سبأ ـ آية ـ 28.

162

المؤمنين أنّى كانوا وحيثما رحلوا.

وهنا ظهرت المرأة التي كانت قد أنكرتها الأمم ، واضطهدتها الشعوب الى ميدان الحياة ، تؤدي رسالتها وتضرب المثل الأعلى في علو الهمة ـ والبطولة ـ والجهاد ـ ونصرة الحق ـ والتعاون على البر والتقوى ـ والتمسك بعرى الدين والإيمان ـ ومكارم الأخلاق.

كان من أبرز المجاهدات المهاجرات المؤمنات السيدة أم سلمة (رضوان الله عليها) ، وهي تعطينا صورة واضحة عن المرأة المسلمة في ذلك العهد ... ومدى مساهمتها في الجهاد.

أم سلمة هي بنت أبي أمية (1) الملقب بزاد الركب وهي مهاجرة جليلة من المسلمات السابقات الى الإسلام. تزوجها عبد الله بن الأسد المخزومي ، آمنت بالنبي (ص) وصدقته ، وهاجرت الى أرض الحبشة عندما أشار الرسول الكريم على المسلمين بالهجرة.

وقد كانت أم سلمة من طلاقة اللسان ، وحسن الرأي وكمال الهيئة ، وجمال الصورة ، ما تحدث عنه العرب.

وقد حزنت السيدة عائشة عندما تزوج رسول الله (ص) بام سلمة ، لما ذكروا لها من كمالها ، وأدبها ، وجمالها ، وقالت لما رأتها : « والله أضعاف ما وصفت لي ».

ومما يدلنا على طلاقة لسان السيدة أم سلمة وفطنتها نستمع إليها كما يحدثنا

____________

(1) هو سهيل بن المغيرة من بني مخزوم ، وهو ابن عمة رسول الله (ص) برة بنت عبد المطلب لقبه زاد الركب لأنه كان احد اجواد العرب ، فكان اذا سافر لم يحمل من يكون معه او برفقته زاداً ، بل هو يكفيهم جميعاً مؤونة السفر ، لجوده وكرمه.

163

التاريخ ، وهي تتكلم عن الذين هاجروا الى أرض الحبشة. وما كان من الحوار بين النجاشي ملك الحبشة ـ وجعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وهو أمير المسلمين في ارض الحبشة.

حديث أم سلمة (رض) :

ذكر ابن هشام في السيرة النبوية (1) عن أم سلمة قولها : « لما نزلنا أرض الحبشة ، جاورنا بها خير جار ـ النجاشي ـ أمّنا على ديننا ، وعبدنا الله تعالى ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئاً نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة. وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم (2).

فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية.

ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص. وأمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعوا الى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ، ثم قدما الى النجاشي هداياه.

ثم سلاه أن يسلمهم اليكما قبل أن يكلمهم ، قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده ... بخير دار عند خير جار ... فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما النجاشي وقالا لكل بطريق منهم :

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام ـ ج 1 ـ ص 358 ـ 359.

(2) الادم ، هو الجلد وكانت مكة والجزيرة العربية معروفة بالجلود الممتازة وهي من مصادر ثروتها.

164

« انه قد ضوى (1) الى بلد الملك منّا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم ، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا الى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم اليهم. فإذا كلمنا الملك فيهم ، فأشيروا عليه بأن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عيناً (2) وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.

قالت : ولم يكن شيء أبغض الى عبد الله بن أبي ربيعه وعمرو بن العاص ، من أن يسمع كلامهم النجاشي. قالت : فقالت بطارقته من حوله :

صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم اليهما ، فليرداهم الى بلادهم وقومهم.

قالت : فغضب النجاشي ، ثم قال : لا ها الله إذاً لا أسلمهم اليهما ، ولا يُكاد قوم جاوروني ، ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى ادعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم. فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم اليهما ، ورددتهم الى قومهم. وإن كانوا غير ذلك ، منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

قالت : ثم أرسل الى أصحاب رسول الله (ص) ، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم : ماذا تقولون للرجل إذا جئتموه ...؟

قالوا : نقول والله ما علَّمنا وما أمرنا به نبينا (ص) كائناً في ذلك ما هو كائن.

____________

(1) ضوى : لجأ اليه ـ ولصق به ـ أي اتى ليلا متخفياً ـ سراً.

(2) اعلى بهم عيناً ـ اي اعرف بهم وابصر ـ والمعنى : عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم يرون منهم ما لا يرى غيرهم.

165

فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي اساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ـ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين احدٍ من هذه الملل ...؟

قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن ابي طالب (رضوان الله عليه) ، فقال له : ايها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان.

وأمرنا أيضاً : بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.

ونهانا أيضاً عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات.

وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ... الخ قالت : فعدد عليه امور الاسلام.

فصدقناه وآمنا به.

واتبعناه على ما جاء به من الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً ، وحرمنا ما حرَّم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا الى عبادة الأوثان ، من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث.

فلما قهرونا وظلمونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا الى

166

بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ان لا نظلم عندك أيها الملك.

قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت : فقال له جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ. قالت : فقرأ عليه صدراً من ( كهيعص ). قالت : فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى اخضلوا (1) مصاحفهم ، حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا الدين ، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة (2) انطلقا ، فلا والله لا اسلمهم إليكما ، ولا يُكادون.

قالت : فلما خرجا من عنده ، قال عمرو بن العاص : والله لآتينه غداً عنهم بما أستأصل به خضرائهم (3). قالت : فقال له عبد الله بن ابي ربيعة وكان أتقى الرجلين : لا نفعل ، فإن لهم ارحاماً وإن كانوا قد خالفونا.

قال : والله لاخبرنه انهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. قالت : ثم غدا عليه من الغد ، فقال له : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً ، فأرسل إليهم ، فسلهم عما يقولون فيه.

قالت : ولم ينزل بنا مثلها قط : فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ...؟ قالوا : نقول والله ما قال الله ، وما جاءنا به نبينا ، كائناً في ذلك ما هو كائن.

____________

(1) اخضل : ابل ـ واخضلت لحيته : ابتلت.

(2) المشكاة : قال في لسان العرب : « وفي حديث النجاشي : إنما يخرجوا من مشكاة واحدة. المشكاة : الكوة غير النافذة ؛ وقيل هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل ». اراد القرآن ـ والأنجيل كلام الله تعالى ـ وأنهما من شيء واحد.

(3) خضراءهم ـ معناه : شجرتهم التي منها تفرعوا.

167

قالت : فلما دخلوا عليه ، قال لهم : ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالت فقال جعفر بن ابي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا (ص) يقول : هو عبد الله ورسوله ، وروحه وكلمته ، ألقاها الى مريم العذراء البتول.

قالت : فضرب النجاشي بيده الى الارض ، فأخذ منها عوداً ثم قال : والله ما عدا عيسى بن مريم بمقدار هذا العود ، فقالت : فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال :

فقال : وإن نخرتم والله ... اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ـ والشيوم الآمنون ـ من سبكم غرم ، ثم قال : من سبكم غرم ، ثم قال : من سبكم غرم : ما أحب ان لي ديراً من ذهب ، وإني آذيت رجلاً منكم ـ ردوا عليهما هداياهم ، فلا حاجة لي بها. فو الله ما اخذ الله منِّي الرشوة حين ردَّ علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.

قالت : فخرجا من عنده ، مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار ـ مع خير جار. ( انتهى ).

لقد كانت السيدة أم سلمة أول ظعينة دخلت الى المدينة المنورة مهاجرة ، وكان زوجها ابو سلمة قد سبقها إليها. وتروي لنا رحلتها الى ( يثرب ) المدينة المنورة فتقول : رحَّلت بعيري ، ووضعت ابني في حجري ، ثم خرجت اريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق الله ، فقلت اتبلغ بمن لقيت ، حتى أقدم على زوجي بالمدينة ، حتى إذا كنت بالتنعيم ، لقيت عثمان بن طلحة اخا بني عبد الدار ، فقال الى اين با ابنة أبي امية ؟ فقلت : اريد زوجي بالمدينة ، فقال : هل معك أحد ...؟ فقلت : لا والله إلا الله ... وابني هذا.

فقال : والله مالك من منزل ـ فأخذ بخطام البعير ، فانطلق يهوي بي يقودني ، فو الله ما صحبت رجلاً من العرب أكرم منه.

168

كان إذا بلغ المنزل ، أناخ بي ثم تنحى الى شجرة ، فاضطجع تحتها ، ثم استأخر عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ، فحط عنه ثم قيده في الشجرة. فاذا دنا الرواح ، قام الى بعيري ، فقدمه ، فرحَّله ، ثم تأخر عني وقال : اركبي ... فإذا ركبت واستويت على بعيري ، أتى فأخذ بخطام البعير فقاده ، ولم يزل يصنع ذلك حتى قدم المدينة (1).

وفي وقعة أحد قتل ابو سلمة (رضوان الله عليه) مجاهداً ، فحزنت عليه زوجته ام سلمة ، ووجدت كثيراً على فقد الزوج المؤمن العطوف الذي كان دائماً يدعو لها بالخير والسعادة ، وطالما ردد قوله : « اللهم ارزق ام سلمة بعدي رجلاً خير مني ، لا يخزيها ولا يؤذيها ».

فلما مات قالت : من هذا الذي هو لي خير من أبي سلمة ...؟ وكأن الله قد استجاب دعاء ابي سلمة المجاهد المؤمن فتزوجها رسول الله (ص).

زواج رسول الله (ص) من أم سلمة :

حزنت أم سلمة على فقد الزوج الرؤوف ، وعطفت على اولادها ، ترعاهم بكل حنان وعطف حتى إذا انقضت عدتها أرسل إليها ابو بكر يخطبها ، فرفضت بكل إصرار ، وخطبها عمر بن الخطاب فرفضت أيضاً (2).

وأرسل رسول الله (ص) الى أم سلمة يخطبها ، فقالت مرحباً برسول الله

____________

(1) سيرة ابن هشام ـ ج 2 ـ ص 113. وفي الدر المنثور ص 531 اقول : لقد كان المسلمون الاول مثال الشهامة ، والمروءة ، والغيرة ، والحمية. فحديث ام سلمة عن عثمان بن طلحة ومرافقته لها في الطريق ومعاملته اياها المعاملة الحسنة حيث كان يتنحى الى جهة ثانية ويتأخر ، حتى تركب راحلتها لهي في منتهى الحشمة والادب.

(2) اعلام النساء ـ للاستاذ عمر رضا كحالة.

169

ورسوله. ولكن ارجع الى النبي وقل له : اني امرأة غيري ، واني ام أيتام ، وانه ليس احد من أوليائي شاهداً. فأرسل رسول الله (ص) : « أما قولك : اني ام ايتام « مصبية » فان الله سيكفيك صبيانك ، وأما قولك اني غيرى ـ فسأدعوا الله ان يذهب غيرتك وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهداً ولا غائباً إلا استرضاني ».

تزوجها رسول الله (ص) السنة الرابعة للهجرة ، من شهر شوال ، فكانت من خيرة نسائه ، ذات عقل راجح ، وإيمان راسخ ورأي صائب ، مع ورع وتقى.

شهدت ام سلمة (1) (رضوان الله عليها) فتح خيبر ، وقالت مع نسوة : على ما يروى ـ ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتب على الرجال ، فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم ، فنزلت الآية الكريمة والله اعلم ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) (2).

لقد كان لأم سلمة الرأي السديد ، وبعد النظر ، مع سلامة التفكير ، وحسن التعبير ، والحرص على مصلحة المسلمين ، واداء النصيحة لهم ، وإرشادهم الى طريق الصواب.

نصيحة أم سلمة للخليفة عثمان :

حينما ثار الناس على الخليفة عثمان بن عفان بسبب ليونته ومعاملته لأقربائه بالحسنى ، وإيثار بني أمية بالأموال والمناصب الرفيعة ، وتسلط مروان بن الحكم على أفكاره حتى اصبح عثمان لا يعمل عملاً إلا بمشورة مروان ، ولم يلتفت الى

____________

(1) اعلام النساء عمر رضا كحالة ـ ص 224.

(2) سورة النساء ـ آية ـ 31.

170

نصائح المسلمين عندما طلبوا منه الحد من سيطرة مروان ـ وأمثاله من بني أمية ـ واستئثارهم بمقدرات المسلمين ، واللعب بشؤون الخلافة ، الى غير ذلك مما لسنا بصدده.

ولما اجتاحت الثورة العارمة صبر المسلمين ، نرى السيدة ام سلمة تتوجه الى الخليفة عثمان بنصيحتها التي تفيض عطفاً ، وحرصاً على المصلحة العامة. وعدم تضعضع الصف ، وحفاظاً على الإسلام.

قالت له : يا بني ما لي ارى رعيتك عنك نافرين وعن جناحك ناقرين. لا تعف طريقاً كان رسول الله (ص) يحبها. ولا تقتدح بزند كان عليه الصلاة والسلام اكباه ـ وتوخ حيث توخي صاحباك فانهما ثكما الامر ثكماً ... ولم يظلما ...

هذا حق أمومتي قضيته اليك ، وإن عليك حق الطاعة (1).

حديث أم سلمة مع عائشة :

تتجلى لنا شخصية أم سلمة وتعلقها وبعد نظرها في عواقب الامور ، وذلك عندما ارادت عائشة أم المؤمنين الخروج للمطالبة بدم عثمان.

جاءت عائشة الى ام سلمة ، لاستشارتها من جهة ولاقناعها ، لعلّها تخرج معها من جهة ثانية.

وقد قامت عائشة بهذه المحاولة وهي تعرف حق المعرفة ما تتحلى به رفيقتها من قوة الشخصية ، وبعد النظر والاعتقاد بحق علي ، ومنزلته عند ربه ، وهو الإمام الحق.

____________

(1) اعلام النساء ـ عمر رضا كحالة.

171

قالت عائشة (رض) : يا بنت أبي أمية ، انت اول مهاجرة من أزواج رسول الله (ص) وأنت كبيرة امهات المؤمنين ، وكان رسول الله (ص) يقسم لنا من بيتك ، وكان جبرائيل أكثر ما يكون في منزلك ، فقالت أم سلمة : لأمر ما قلت هذه المقالة !؟ فقالت عائشة : « ان عبد الله ابن اختي اخبرني أن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائماً في شهر حرام ، وقد عزمت الخروج الى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة ، فاخرجي معنا ، لعل الله ان يصلح هذا الأمر على ايدينا ، وبنا » (1).

وكانت الذكريات ، تسرع بام سلمة وتعود بها الى عهد رسول الله (ص) ، حيث كانتا معاً هي وعائشة ، تريان بأم عينهما منزلة علي بن ابي طالب (عليه السلام) عند رسول الله (ص) يخلو به دون غيره من الصحابة ويناجيه ويسايره ويؤثره بعظيم حبه ، وينشر بين المؤمنين ما لعلي (عليه السلام) من درجات الفضل الرفيعة والمنزلة العالية.

ثم تمثلت علي بن ابي طالب وبطولته وتفانيه في الجهاد في سبيل الله وهو يضرب بسيفه يدافع عن الرسول الكريم ، ويلقي بنفسه في لهوات الحروب ، فيخوض المعارك ويغوص في دماء المشركين ويحصد الكفار حتى يفرق جمعهم فلا يبالي في سبيل نصرة الدين أوقع على الموت او الموت وقع عليه.

تمثلت ام سلمة العلم الجم الذي عند علي المقتبس من الرسول الأعظم المحيط الزاخر يملأ الآفاق والأكوان وذكرت قول النبي (ص) أنا مدينة العلم وعلي بابها.

وتمثلت في علي بن ابي طالب روح العدل التي تجري في عروقه.

وتمثلت (عليه السلام) في تقواه وورعه وزهده.

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ـ ص 169.

172

وتمثلته (عليه السلام) في توجيه الناس الى سنن الخير ، وصرفهم عن الاندفاع في شهوات الدنيا وحثهم على طريق الخير وسلوك سبل الهدى والإيمان وعبادة الرحمان.

وتمثلته (عليه السلام) في إرساء قواعد العدل ، وتثبيت دعائم الحق ، وإزهاق الباطل.

وتمثلت الرسول (ص) حيث قال في حق علي : « علي مع الحق والحق مع علي ـ يدور معه حيثما دار ».

وتمثلت أم سلمة أيضاً علياً وهو في كنف النبي عليه الصلاة والسلام وتحت رعايته.

وتمثلت خلق عليّ الكامل في روحه الإنسانية الشاملة.

وما أن وصلت السيدة أم سلمة الى هذا الحد من التصورات ، واستعادة الذكريات حتى التفتت الى رفيقتها السيدة عائشة ، وأجابتها بكل هدوء :

يقول الاستاذ عمر رضا كحالة : (1) قالت أم سلمة : إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان ، وتقولين فيه أخبث القول ... وانك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله (ص).

أفأذكرك ؟ قالت : نعم. قالت : أتذكرين يوم اقبل النبي (ص) ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلي يناجيه فأطال ... فأردت أن تهجمي عليهما ، فنهيتك ، فعصيتني ... فهجمت عليهما ...

فما لبثت أن رجعت باكية ؛ فقلت : ما شأنك ؟. فقلتِ : إني هجمت عليهما

____________

(1) اعلام النساء : عمر رضا كحالة.

173

وهما يتناجيان ، فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله (ص) إلا يوم من تسعة أيام ... ( أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي ؟! ) فأقبل رسول الله (ص) وهو غضبان محمر الوجه فقال : ارجعي وراءك ... والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان ... فرجعت نادمة ساقطة ...

قالت عائشة : نعم اذكر ذلك.

قالت أم سلمة : وأذكرك ايضاً ـ كنت أنا وأنت مع رسول الله (ص) وأنت تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس يعجبه ، فرفع رأسه وقال : يا ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الاذنب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط ؟

فرفعت يدي من الحيس فقلت : أعوذ بالله وبرسوله من ذلك ! ... ثم ضرب على ظهرك وقال إياكِ أن تكونيها ثم قال : يا بنت أبي أمية إياك ان تكونيها. أما أنا فقد انذرتك ...

قالت عائشة : نعم أذكر هذا ...

قالت وأذكرك ايضاً : كنت أنا وأنتِ مع رسول الله (ص) في سفر له ، وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله (ص) فيخصفها ـ ويتعاهد اثوابه فيغسلها ، فنقبت له نعل ، فأخذها يومئذٍ يخصفها ، وقعد في ظل شجرة ، وجاء ابوك ومعه عمر فاستأذنا عليه ، فقمنا الى الحجاب ، ودخلا عليه يحادثانه فيما ارادا. ثم قالا له : يا رسول الله انا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً.

فقال لهما : اما اني قد ارى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو

174

إسرائيل عن هارون بن عمران ، فسكتا ... ثم خرجا.

فلما خرجا خرجن نحن الى رسول الله (ص) ، فقلتِ له : ( وكنت أجرأ عليه منا ) من كنت يا رسول الله مستخلفاً عليهم ؟ فقال : خاصف النعل ...

فنزلنا فلم نر احداً إلا علياً فقلت يا رسول الله : ما أرى إلا علياً ... فقال : هو ذاك ... يا عائشة ...

فقالت عائشة : نعم اذكر ذلك ...

عندما قالت السيدة ام سلمة : فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟! فقالت : إنما اخرج للإصلاح بين الناس (1).

ولما رأت السيدة ام سلمة ان موقف رفيقتها السيدة عائشة موقف عناد ... وإصرار ـ وقد أزمعت الخروج الى البصرة ، التي كانت فيها وقعة ( الجمل ) الشهيرة ـ ولم يثنها عن عزمها شيء كتبت اليها رسالة طويلة تعبر فيها عن مدى اسفها ... وعدم الأخذ بالروية والتعقل والحكمة (2).

والسيدة ام سلمة راوية جليلة من راويات الحديث وقد روت عن النبي (ص) وعن فاطمة الزهراء (عليها السلام) وروى عنها جل مشايخ المسلمين وكثير من الصحابة المعروفين.

وقد توفيت بالمدينة المنورة ( يثرب ) عن عمر يناهز الأربع وثمانين سنة ، ودفنت بالبقيع (رضوان الله عليها).

____________

(1) اعلام النساء ـ عمر رضا كحالة.

(2) ان رسالة السيدة ام سلمة الى رفيقتها السيدة عائشة قد ذكرها بالتفصيل اكثر المؤرخين ، وأصحاب السير.

175

فاطمة بنت الرسول (ص)

في مناخ الايمان والعقيدة يسمو الانسان ، وتتهاوى سدود انانيته ، وتتحطم حدود فرديته وحواجز المادة الطاغية.

فاذا تجرد الانسان من الادران والشوائب ، يشف اهاية ، وتشع نورانيته ، ويتجاوز الزمان والمكان الى الديمومة والخلود.

وبالعقيدة الراسخة ، والايمان القوي ، والاخلاق الفاضلة ، ترتفع اعمدة الحضارة والتمدن والرقي ، وتبنى قصور القيم ، وتتألق الحقيقة ويعم الوجود فيض من النور.

أجل في مناخ الإيمان والعقيدة ، نشأت فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وترعرعت في كنف ابيها الرسول الاعظم (ص) ، ورعاية أمها خديجة أم المؤمنين (رض). وقد اغدقا عليها العطف والحنان مما يفوق الوصف.

رضعت (عليها السلام) من ثدي الإيمان ، وربيت في حجر الاسلام ونهلت من المعين الصافي ، فكان الرسول الاعظم (ص) الوالد العطوف ، والمربي الشفوق ، والمعلم الكريم ، والمؤدب الحليم.

كانت حياة فاطمة (ع) مليئة بالاحداث ، حافلة بالمصاعب والمتاعب ، مشحونة بالمحن والآلام.

منذ طفولتها ذهبت مع ابويها العظيمين إلى شعب ابي طالب ، ولاقت هناك على طفولتها من شظف العيش ، وشدة الحصار ، واذية قريش ، ما لا يتحمله

176

جسمها الصغير ، وينوء تحت عبئة الشيخ الكبير.

ولكن الخطب الفادح الذي ألَّم بها وهي بعد لم تتهيأ للأحداث ، هو موت امها خديجة (رض) على مرأى منها ومسمع ، فقد اقض مضجعها ، وترك جرحاً عميقاً في القلب ، وحسرة ولوعة في النفس ، وعبرة حرّى تترقرق في العيون.

بكت الزهراء (عليها السلام) عند موت والدتها ، بحسرة ولوعة ، لا سيما عندما شاهدت ذلك النور ... ينطفئ ... ورأت وميض الحياة يخبو في عينيها ، بعدما احتدم اعواماً متتالية بالكفاح في سبيل الاسلام.

بكت الزهراء (ع) لرحيل امها التي نامت مستقرة تحت ثرى مكة وخلفت الدنيا من وراءها ، وقد امتلأت بالنفاق والشنئآن. والتاريخ مشغول باعظم حدث اهتزت له اركان الجزيرة بل العالم اجمع ألا وهو الاسلام والرسالة المحمدية ...

اجل رحلت خديجة وخلفت التاريخ يرصد الساعات بل الدقائق من حياة الزوج الكريم وللرسول العظيم تلك الحقبة الحافلة بمشاق اعباء الرسالة والجهاد الاكبر في سبيل الدعوة الى الاسلام وتعاليمه.

بكت الزهراء امها خديجة احرَّ بكاء ، بكتها من قلب ملهوف وفؤاد مكلوم ، حتى تقرحت اجفانها ...

ولكن الذي هون عليها الخطب هي ان تجد والدها الرسول الكريم يحنو عليها ، ويغمرها بعطفه الفياض ، ويجعلها كنفسه حيث يقول : ( فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها وان الانساب تنقطع يوم القيامة

177

غير نسبي وسببي وصهري (1).

الهجرة الى المدينة ( يثرب )

هاجرت فاطمة (عليها السلام) الى المدينة لتلتحق بأبيها النبي (ص) حيث كانت لا يقر لها قرار إلا بقربه ، ولا يهدأ لها بال إِلا بظله. ولا غرابة في ذلك فالنبي العظيم (ص) في ابوته الرحيمة ، وانسانية العالية ، وحنانه الفياض ، قد غمر الزهراء مزيداً من العطف والحب حتى ينسيها ذلك الشعور المرير المشحون بالوحشة لفراق امها.

ذكر أكثر أهل السير وأصحاب التاريخ : أن النبي (ص) أمر علياً (ع) قبل هجرته بالمبيت على فراشه. وأوصاه ان يلحق به مع النساء بعد تسليم الودائع والامانات الموجودة عند الرسول لأهلها.

وبعد هجرة النبي (ص) الى المدينة ، نفذ الامام علي (ع) امر الاموال والودائع ، ثم هيأ للنساء الرواحل ، واخرجهن من مكة في طريقه الى المدينة ، واشار الامام علي (ع) على المؤمنين ان يتسللوا ليلاً الى ذي طوى ، حيث يتوجه الركب منها باتجاه المدينة.

ولكن الامام علي (ع) خرج بالفواطم في وضح النهار غير مبال بالمخاطر اعتماداً منه على شجاعته واتكاله على الله.

وكان معه الفواطم وهن ... فاطمة الزهراء بنت محمد عليه الصلاة والسلام ...

____________

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي ـ ص 219.

178

وفاطمة بنت الحمزة ... وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب. وكان معه ايضاً : ام ايمن وابو واقد الليثي ...

فجعل أبو واقد يجد السير مخافة ان تلحق بهم قريش ، وتحول بينهم وبين اتمام المسير. فقال له علي (ع) :

أرفق بالنسوة يا أبا واقد وتمهل ... وارتجز علي يقول :

ليس إلا الله فارفع ظنكا * * * يكفيك رب الخلق ما اهمكا

وقد روي عن هجرة الزهراء (ع) الى المدينة غير هذا النحو تقول الدكتورة بنت الشاطئ : (1).

« هاجر النبي الى يثرب وعلى أثره هاجر علي بن ابي طالب وكان قد تمهل ثلاثة أيام بمكة ريثما أدى عن النبي المهاجر الودائع التي كانت عنده للناس.

وبقيت فاطمة واختها ام كلثوم حتى جاء رسول من ابيهما فصحبهما الى يثرب ، واغلقت دار محمد بمكة كما أغلقت دور المسلمين فيها هجرة ، ليس فيها ساكن.

ولم تمر رحلتها بسلام : فما كادتا تودعان أم القرى وينفصل الركب بهما ، مستقبلاً طريق الشمال ، حتى طاردهما اللئام من مشركي قريش ، وباء الحويرث بن نقيذ بن عبد بن قصي ، وكان ممن يؤذي أباهما النبي بمكة باثم اللحاق بهما حتى نخس بعيرهما فرمى بهما الى الأرض.

____________

(1) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ : وقد ذكروا هجرتها (ع) على عدة أوجه والله العالم.

179

وكانت فاطمة (ع) يومئذ ضعيفة نحيلة الجسم قد أنهكتها الأحداث الجسام التي لقيتها قبل ان تمتلئ شبعاً ورياً.

وترك الحصار المنهك أثره في صحتها ، وان زاد في معنويتها قوة على قوة. فلما نخس بها « الحويرث القرشي » فرمى بها واختها على اديم الصحراء الاوعث ، سارت بقية الطريق متعبة الى ان بلغت المدينة ـ وما تكاد ساقاها تنهضان بها.

فلم يبق هناك من لم يلعن الحويرث. وسوف تمر السنوات وابوها الرسول (ص) لا ينسى الفعلة الشنعاء الآثمة ، بل سنراه في العام الثامن للهجرة. يذكر « الحويرث » يوم الفتح الاكبر. ويسميه مع النفر الذين عهد النبي إلى امرائه ان يقتلوهم وان وجدوا تحت استار الكعبة.

وكان علي بن ابي طالب احق هؤلاء الامراء بقتل الحويرث وقد فعل. ».

180

زواج فاطمة من علي (عليهما السلام) :

في المدينة المنورة ، وفي بيت الرسول العظيم أقامت فاطمة (عليها السلام) ، تملأ بيت أبيها بعد الوحشة ، وتسهر على راحة ، ذلك الوالد العظيم ، بكل سرور واعتزاز. وقد سبحت (عليها السلام) شاكرة الباري سبحانه وتعالى على نعمه وآلائه وهي ترى أباها النبي عليه وآله الصلاة والسلام في أعز موضع مع أصحابه الذين يفدونه بالمهج والأرواح.

وكان رسول الله (ص) قبل وصول الزهراء إلى المدينة بمدة وجيزة آخى بين المهاجرين والأنصار وذلك لحكمة بالغة حتى لا يشعرون بوحشة الاغتراب وتجتمع كلمتهم ويشد ازر بعضهم بعضاً.

وفي السنة الثانية للهجرة من شهر رمضان المبارك ، زوج النبي (ص) ابنته فاطمة من علي (عليه السلام) وبذلك أصبح علي صهر النبي ... وابن عمه وأخاه.

ويذكر أهل السير ، انه لما عزم النبي على تزويج علي بن ابي طالب من ابنته فاطمة الزهراء (عليهما السلام) ، جمع الصحابة وخطب فيهم قائلاً (1) « الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع سلطانه ، المرغوب عن عذابه وسطوته النافذ أمره في سمائه وأرضه ، الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم باحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد (ص) وإن الله تبارك وتعالى اسمه وتعالت عظمته ، جعل المصاهرة سبباً لاحقاً وأمراً مفترضاً وانتهج بها الارحام وانتظم بها الانام وقال عز من قائل : « وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان

____________

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي ـ الحنفي ـ ص 207.

181

ربك قديراً » فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قدر اجل ولكل اجل كتاب ، يمحو الله ويثبت ويحكم ما يريد وعنده أم الكتاب ».

ثم قال عليه الصلاة والسلام : « ان الله امرني ان أزوج فاطمة بعلي ابن ابي طالب ابن عمي ، فاشهدوا اني قد زوجته بها ». ثم قال :

« يا علي إن الله تبارك وتعالى أمرني ان ازوجك فاطمة ، اني قد زوجتكما على اربعمائة مثقال فضة » فقال علي : « قد رضيتها يا رسول الله ورضيت بذلك عن الله العظيم ورسوله الكريم » ثم ان علياً خر ساجداً لله شكراً ، فلما رفع رأسه قال له رسول الله (ص) جمع الله شملكما وأعز جد كما واطاب نسلكما وجعل نسلكما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وامن الأمة وبارك الله لكما وبارك فيكما وبارك عليكما وأسعدكما وأخرج منكما الكثير الطيب.

« اللهم انهما مني وأنا منهما ، اللهم كما اذهبت عني الرجس وطهرتني فاذهب عنهما الرجس وطهرهما ... وطهر نسلهما ».

وقد ذكر جميع المؤرخين زواج فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنفس المعنى وبالفاظ مختلفة.

وبعد الخطبة قال النبي (ص) : يا علي لابد للعرس من وليمة ، فقال سعد بن عبادة : عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار اصوعاً من الاذرة فلما كانت ليلة البناء قال النبي عليه الصلاة والسلام : يا علي لا تحدث شيئاً حتى آتيك ، فأتى اليهما فدعا بماء فتوضأ منه ثم انضحه على علي وفاطمة وقال : اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما وبارك في شملهما (1).

____________

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي ـ الحنفي.

182

وفي طبقات ابن اسعد قال : « احتفل بنو عبد المطلب بهذا الزواج كما لم يحتفلوا بزواج مثله من قبل وجاء حمزة عم محمد وعلي بشارفين فنخرهما وأطعم الناس.

ولما انقضى الحفل وانصرف المهنئون دعا الرسول أم سلمة ... وعائشة وبعض أمهات المؤمنين وطلب منهن أن يمضين بالعروس إلى بيت علي (ع).

وبعد صلاة العشاء ذهب النبي (ص) إلى بيت علي وهناك تجلت عاطفة الأبوة الصحيحة ، وحنانه الفياض وحبه لفاطمة وزوجها (عليهما السلام).

دعا الرسول بماء فقرأ عليه بعض آي الذكر الحكيم ثم أمر العروسين أن يشربا منه وتوضأ بالباقي ونثره على رأسيهما وهو يقول : اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما » (1).

لقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء نبيه الكريم في تلك الساعة فبارك الله لعلي وفاطمة (عليهما السلام) في هذا الزواج السعيد وحصر ذرية النبي المختار في أولاد ابنته وحبيبته فاطمة الزهراء.

لم يتمالك الرسول إلا أن أرسل دموعه عندما قبل فاطمة وهي تبكي شأن كل انثى فارقت بيت أبيها ومرتع طفولتها وملاعب صباها.

ولما هم عليه الصلاة والسلام بالانصراف انحنى على فاطمة بكل عطف وحنان قائلاً : لقد تركتك وديعة عند أول الناس إسلاماً وأقوى الناس ايماناً وأكثرهم علماً وأفضلهم اخلاقاً (2) « أما والله يا فاطمة لقد زوجتك سيداً في

____________

(1) طبقات ابن سعد الكبرى.

(2) طبقات ابن سعد الكبرى.

183

الدنيا والآخرة » (3).

بيت الزوجية :

انتقلت فاطمة إلى المرحلة الثانية من حياتها ربة البيت وأم الأولاد ، بيت متواضع يسرح الإيمان في اجوائه ، وترقد السعادة في جنباته ، يرعاه زوج كريم الخلق ، عظيم الشأن ، في الدنيا والآخرة.

وعلى مر السنين يمتلئ البيت بالأولاد من بنين وبنات يحوط الجميع رعاية الرسول الأعظم (ص).

تقول الدكتورة بنت الشاطئ : « لا أصف هنا ما كان لهذا الحب الأبوي من أثر عميق في اسعاد « فاطمة » التي أرهقها الحزن وانهكها العبئ شابة ».

بل لا اصف هنا مدى ما بعث في حياتها الزوجية التي عرفنا خشونتها وقسوتها مادياً ، من بهجة وانس وإشراق. فلقد اسعد « فاطمة » ان تكون أماً لهذين الولدين الاثيرين عند ابيها (ص) ، وارضاها أن تستطيع بفضل الله أن تهيء لأبيها الحبيب بعد ان انتقلت من بيته هذه المتعة الغامرة ، التي يجدها في سبطيه الغاليين.

ولم يكن « علي كرم الله وجهه » أقل منها سعادة وغبطة. لقد سره بل ازدهى ان تتصل به حياة ابن عمه النبي (ص) هذا الاتصال الوثيق. فيمتزج دمه بدم النبي الزكي ، ليخرج من صلبه ذرية سيد العرب ، وبنو بنته الزهراء ، ويذهب دون الناس جميعاً بمجد الأبوة لسلالة النبي وآل بيته الاكرمين » (2).

____________

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي.

(2) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ.

184

« وعن ابن عباس قال : لما نزلت الآية ـ ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي ... وفاطمة وابناهما وان الله تعالى اجرى عليكم المودة واني سائلكم غداً عنهم » (1).

وعن علي قال : كنا مع النبي (ص) في حفر الخندق ، إذ جاءته فاطمة بكسرة من خبز ... وقالت : اخبزت لابني وجئتك منه هذه الكسرة فقال : بنيه انها أول طعام دخل في فم ابيك منذ ثلاثة أيام (2).

وفي رواية الحافظ الاصبهاني عن علي (عليه السلام) قال (3) : « كانت فاطمة ابنة رسول الله (ص) أكرم أهله عليه ، وكانت زوجتي ، فجرت بالرحاء حتى اثرت الرحاء بيدها واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها ، وقمت البيت أغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها ، وأصابها من ذلك ضر.

فاتت النبي (ص) تسأله خادماً ، فقال : لا اعطيك وأدع أهل الصفة (4) تطوي بطونهم من الجوع. أولا ادلك على خير من ذلك ؟!

إذا آويت إلى فراشك ، تسبحين الله تعالى ثلاثا وثلاثين وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين ، وتكبرينه اربعاً وثلاثين ».

أقول : ان المشاق التي لاقت الزهراء (ع) وحياة الكفاح المستمرة زادتها

____________

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي.

(2) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي.

(3) حلية الأولياء ـ للحافظ الاصبهاني.

(4) أهل الصفة ـ هم فقراء المسلمين المعدمين ، كانوا يجلسون في المسجد النبوي الشريف ينتظرون معونة الموسرين اليهم من طعام وغيره

185

ايماناً ، وشظف العيش لم يؤثر على صحتها وهي تكدح في الليل والنهار جاهدة في توفير أسباب الراحة لزوجها وبنيها.

كل هذه المتاعب كانت تتلاشى بسرعة البرق عندما ترى والدها الرسول العظيم ، يغمرها بفيض من الحنان الأبوي الذي يضيء حياتها سعادة وحبوراً. وتأخذها النشوة وهي ترى أبيها المصطفى في عظمته يحوطها برعايته ويغمرها مع ولديها السبطين بانقى الحب وأصفى الحنان.

وكيف يغيب عن ناظريها مرأى النبي المختار وهو يمشي في أسواق المدينة حاملاً حفيده على كتفه ، حتى إذا وصل إلى المسجد النبوي الشريف وقام للصلاة ، وضعه إلى جانبه في رفق ... وأقبل يؤم الناس.

وكيف لا تزهو وهي ترى أولادها يملؤن دنيا الرسول بهجة وسروراً ...

الحسنان ولداه ... وهو الوالد ... النبي البشر ، الذي يرقص قلبه الشريف فرحاً وهو يسمعهما وهما يقولان جداه ... أو يا ابتي ، هذه اللفظة السحرية التي شاءت الأقدار أن تحرم النبي (ص) منها ... ونراه يتلهف على سماعها ولنسمعه يقول دائماً ... ولداي هذان سيدا شباب أهل الجنة. ولا يعبر عن الحسنين إلا بكلمة ـ ولداي ـ.

حب الرسول (ص) لابنته فاطمة :

لقد ذكر أكثر أهل التاريخ حب رسول الله (ص) لابنته فاطمة ففي رواية : دخل النبي (ص) على فاطمة وهي تطحن وعليها كساء من وبر الابل ، فبكى وقال : « تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا ... لنعيم الآخرة ».

186

واقبلت فاطمة فوقفت بين يدي أبيها عليه الصلاة والسلام فنظر اليها وقد ذهب الدم من وجهها ، وعليها صفرة من شدة التعب والجوع فقال الرسول (ص) : ادن مني يا فاطمة ، فدنت حتى قامت بين يديه ، ورفع يده الشريفة حتى وضعها موضع القلادة ، وفرج بين أصابعه ثم قال :

« اللهم مشبع الجماعة ـ رافع الضيق ، ارفع فاطمة بنت محمد. » (1)

وقالت عائشة : ما رأيت أحداً كان اشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة ، وكانت إذا دخلت عليه قام اليها فقبلها ورحب بها ، كما كانت تصنع هي به (ص).

وسئلت عائشة (رض) : أي الناس كان أحب إلى رسول الله (ص) ؟ قالت : فاطمة ؛ قيل : ومن الرجال ؟ قالت : زوجها.

وقالت عائشة (رض) ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها (2).

« ان الزهراء (ع) لا تنسى موقف أبيها الرسول ، وقد أخذ بكتفي الحسين وهو صغير وقدماه على قدميه (ص) يرقصه قائلاً : « ترق ... ترق » فما يزال الصبي الصغير حتى يضع قدميه على صدر جده الشريف ، فيقول له الرسول : افتح فاك ... فيفتحه ... فيقبله (ص) وهو يقول : « اللهم احبه فاني احبه ».

محمد الإنسان البطل بشراً ورسولاً » (3).

____________

(1) طبقات ابن سعد الكبرى.

(2) السيرة الحلبية ـ برهان الدين الحلبي.

(3) تراجم سيدات بيت النبوة الدكتورة بنت الشاطئ.

187

وهل تنسى الزهراء (ع) أبيها الرسول (ص) وقد وقف يخطب بجمع من المسلمين فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان احمران ، وهما يمشيان ويعثران ، فما كان من الرسول الأعظم (ص) إلا أن قطع كلامه ونزل عن المنبر وحملهما ووضعهما بجانبه بكل رفق وحنان ثم التفت إلى الناس معتذراً :

« صدق الله سبحانه حيث يقول : « انما أموالكم وأولادكم فتنة لكم » ، لقد نظرت إلى هذين الصغيرين ، يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما إلي ».

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تواترت بها الانباء من أصحاب التواريخ وأهل السير. وكلها تحدثنا عن ذلك الحب الكبير الذي يكشف عن جانب من عظمة ذلك النبي المختار.

فاطمة الزهراء مع أبيها يوم فتح مكة :

مرت الأيام هنيئة صافية ، واحست سيدة النساء فاطمة الزهراء بالسعادة تغمر كيانها وهي ترى نور الإسلام قد أضاء القسم الأكبر من الحجاز ، وتشاهد إياها الرسول عليه الصلاة والسلام في جهاده المؤيد بنصر من الله سبحانه.

لقد احست بالغبطة عندما رأت جبابرة الجزيرة تخضع لسلطان الإسلام ، وتدين برسالة أبيها محمد (ص).

وها هو الرسول العظيم ، يتأهب للسفر إلى فتح مكة ... حرب قريش الظالمة. إلى الوطن الحبيب الذي فارقه منذ ثمانية أعوام مهاجراً بعدما قاسى مر العذاب.

والزهراء (ع) لا تطيق البعد عن أبيها ، وقد اسبغ عليها من آيات

188

حبه (ص) ، وعلى زوجها وولديها ما لا نستطيع أن نصفه.

اتت الزهراء (ع) تطلب من أبيها (ص) مرافقته إلى البلد الأمين ، إلى مسقط رأسها مكة المكرمة ، فأذن لها ، حتى تظل بقربه تنعم بعطفه وحنانه ...

وطافت الذكريات ، وتوالت المرئيات أمام عيني بضعة الرسول ، وسيدة النساء ، وراحت تسائل نفسها وتقول : ترى هل تزال مكة كما تركناها منذ ثمانية أعوام ؟. أم تغيرت ... ودار الأهل والأحبة ... هل محت يد الحدثان من معالمها شيئاً ؟ ... أم غدا عليها العدو فصيرها خراباً بلقعاً.

وملاعب الصبا ... أما تزال تذكر من رحل عنها من المؤمنين الأحباب الصالحين ؟ ... أم نسيتهم على مر الأيام وتطاول الأعوام ؟

وتذكرت الكعبة الشريفة ، التي شهدت أول صلاة اقيمت ... وشهدت قريشاً وهي تكيل الأذى لإبنها البار محمد (ص) ...

وتذكرت (عليها السلام) ، قبر أمها خديجة الكبرى ، وقبر أبي طالب كفيل النبي (ص) ، وغير ذلك من سيرة الأهل والأحباب.

وفي غمرة ذكرياتها ، تراءت لها قريش مع عتوها وعنفوانها وكبريائها ، ترسل أحد زعمائها إلى المدينة المنورة لتفاوض النبي (ص) على تمديد الهدنة التي تم الاتفاق عليها في الحديبية في العام السادس من الهجرة.

أرسلت قريش زعيمها أبا سفيان إلى الرسول العظيم ليفاوضه ، ويستأمنه ، بعد ان اخلت قريش بالشروط التي تم الاتفاق عليها في ( الحديبية ) وساعدت بني بكر أحلافها ... على خزاعة حليفة النبي (ص).

189

وها هو محمد مع المسلمين قد اصبحوا قوة ليس بامكان قريش او غيرها من القبائل تجاهلها.

قريش تنتدب ابا سفيان لمفاوضة النبي (ص)

أرسلت قريش ابا سفيان بن حرب حامل لواء المشركين ، وعدو محمد والمسلمين ، وزوج آكلة الاكباد « هند » التي صنعت بشهداء « أحد » ما تقشعر له الابدان. ومثلت بحمزة عم النبي ، ولاكت كبده فلم تستسيغها. علاوة على انها راحت تغري قومها ، بنبش قبر آمنة بنت وهب ... أم محمد (ص) اشتفاء ... وحقداً (1).

لقد تألم أبو سفيان لمَّا رأى ما بلغ من نفوذ النبي وارادته التي اصبحت هي الارادة العامة ، وساءه ان يرى المسلمين وقد اصبحوا قوة هائلة لا يمكن لقريش مقاومتها ، وراعه تأهب « محمد » لحرب قريش ، وفتح مكة.

اتى ابو سفيان الى المدينة سفيراً لقريش ، فرأى من قوة الاسلام وضخامة استعداد الجيش العظيم ، المعبأ للزحف على قريش وفتح مكة المكرمة ، ما روَّعه واذهله ، فلم يدرِ ما يفعل ، او يقول ... بل وقف ذاهلاً يشحذ فكره ، ويلم شتات رأيه ، ليجد له منفذاً ، او حيلة يصل بها الى محمد ... ويكلمه في أهل بلده وعشيرته.

دخل ابو سفيان على ابنته رملة « ام حبيبة » وهي زوجة رسول الله (ص) ، فما كاد يهم بالجلوس على فراش كان بحجرتها ، حتى اسرعت وطوته ، فقال لها :

____________

(1) سيرة النبوية لابن هشام.

190

ارغبت بهذا الفراش عني ... أم رغبت به عليّ ؟ فأجابته أم حبيبة : هذا فراش رسول الله (ص) طاهر ، وانت رجل مشرك نجس ، يعادي المسلمين ، ويكيد للاسلام :

خرج ابو سفيان من عند أم حبيبة وقد اظلمت الدنيا في عينيه ، وزاد غمه ، وحزنه ، لهوانه حتى على ابنته ، ولم يكن يتصور ان الاسلام يجعل للمسلمين هذه الصلابة.

وكاد ييأس ... وعظمت عليه ان يرجع خائباً ، وكيف يقابل قريشاً ، وسخريتها به ( وهو الآمر ... الناهي ) وكيف يغطي فشله الذي كاد ان يخنق انفاسه ... وما الحيلة ؟

وفي خضم حيرته لمع في خاطره بارقة أمل ... لماذا لا يذهب الى علي بن ابي طالب ... فهو الوحيد الذي ربما يصغي اليه محمد (ص).

ان علياً وزوجته الزهراء من اقرب الناس الى قلب محمد ، واحبهم اليه. وما ان وصل الى هذا الحد من التفكير ، حتى تنفس الصعداء ، وتوجه على الفور ، الى دار علي بن ابي طالب (ع) ، ولما دخل قال له :

« يا ابا الحسن انك اقرب الناس اليّ ، وامس القوم بي رحماً ، واني قد جئتك في حاجة ، لا أجد لها غيرك فلا تردني خائباً ».

فقال له الامام علي (ع) ... تكلم ماحاجتك ؟ فقال حاجتي أن تشفع عند ابن عمك رسول الله (ص) في نجاح مهمتي حتى أرجع الى قريش ...

ردَّ عليه الامام علي قائلاً ! ويحك يا ابا سفيان ، والله ان رسول الله ان عزم على امر لا يستطيع احد من الناس ان يكلمه.

191

وقف ابو سفيان يتحرق لوعة وتوجه الى الباب لينصرف وقد اظلمت الدنيا في عينيه ، والتبست عليه الامور ، ثم لم يلبث ان وقف وقال بإنكسار :

« يا أبا الحسن ، اني ارى الأمور قد اشتدت علي ، وأرى الزمان الذي كنت في آمراً ... وناهياً قد ولى ، فلا تبخل عليًّ في ارشادي ونصحي » ...

ولاحت لابي سفيان بارقة أمل اخرى ، لماذا لا يكلم الزهراء ... ألم تشفع اختها زينب لزوجها ابي العاص بن الربيع يوم كان مشركاً ...

ان الزهراء ابنة محمد ، واحب خلق الله اليه ، ذات القلب الرحيم ، وتوجه الى فاطمة ، وكان الحسن والحسين يدبان بين يديها ، ويعثران فقال لها :

« يا ابنة محمد ، هل لك ان تأمري احد ولديك هذين فيجير بين الناس ؟ ... ويكون سيد العرب الى آخر الدهر. اجابت الزهراء (ع) بكل هدوء ووقار : والله ما بلغ ولدي هذا أن يجير بين الناس. وما يجير أحد على رسول الله (ص).

وابت الزهراء أن تتدخل مع أبيها في مثل هذه الأمور ولكن أبا سفيان ظل يلح عليها ويتوسل اليها بولديها ، ونبرات صوته تتقطع من الفشل والخيبة وفاطمة (ع) بقيت على موقفها السلبي منه.

وعاد زعيم المشركين يتحدث مع علي ، وقلبه يتفطر ويقول له بكل انكسار : لا أدري بأي لسان ارجع إلى قريش ، وقد عقدت علي الأمال ، واوفدتني إلى محمد ، وهي ترجو ان لا ارجع اليها أجر أذيال الخيبة والخسران.

قال له الإمام (ع) : والله لا أرى لك مخرجاً غير ان تقوم على ملأ من الناس ، فتجير بين الفريقين من سادة كنانة ، ومع هذا فإني لا اظن ان

192

ذلك يجديك نفعاً.

خرج أبو سفيان حتى انتهى إلى جمع من المسلمين ، فصاح : ألا اني قد اجرت بين الناس ، ثم دخل على النبي وقال : لا اظنك ترد جواري يا محمد ... فلم يزد النبي (ص) في جوابه على قوله : انت تقول ذلك.

واتجه أبو سفيان نحو مكة ، وهو يتعثر باذيال الفشل والخذلان.

حدث كل هذا وفاطمة (ع) واقفة تسبح الله وتمجده. وهي ترى ابا سفيان رأس الشرك ، يتململ ذليلاً بين أيدي المسلمين ، ويرجع أخيراً بالفشل والخسران المبين.

وقفت (عليها السلام) مزهوة بانتصار الحق على الباطل والإيمان بالله ... على الشرك والضلال. وعادت بها الذاكرة يوم كانت مع أبيها بمكة قبل سنوات ثمان ، فتذكرت الزهراء مواقف قريش ، كيف كانت تطارد النبي وأصحابه المسلمين ، بشتى أنواع الاساءة والأذى ... حتى خرج (صلوات الله عليه) في جوف الليل متجها نحو يثرب التي وجد فيها أنصاراً له مخلصين عاهدوه على بذل المهج والأرواح ، ليمنعوه من قريش وأحلافها ، ومن كل من يضمر للاسلام كيداً.

دخول جيش المسلمين مكة

سار النبي (ص) في عشرة آلاف من المسلمين ، ميمماً شطر مكة المكرمة ، ولواؤه مع ابن عمه وصهره ووصيه علي ابن ابي طالب (ع).

ومن قبل كان عليّ حامل « العقاب » في خيبر وهي اول راية للرسول

193

الأعظم ـ كما ورد في طبقات ابن سعد.

وكذلك حمل ـ علي ـ راية الرسول في غزوة بني قريظة ... وحمل لواء المهاجرين يوم أحد. وحمل بعد ذلك لواء الرسول (ص) يوم حنين (1).

وذكر الطبري في تاريخه : « أمر رسول الله سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (2).

وقال سعد حين توجه داخلاً : « اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة » فسمعها رجل من المهاجرين فقال :

يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة ، وما نأمن أن تكون له في قريش صولة !

فقال رسول الله (ص) : لعلي ابن أبي طالب أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها ».

ودخل رسول الله من اذاخر ، حتى نزل باعلى مكة ، ضربت له قبة هناك قريبة من مثوى خديجة.

كانت الزهراء معه ، خرجت فيمن خرج من النساء المؤمنات ، ترافق أبيها وتشاهد فتح مكة والنصر المبين ، وقد أنساها الفرح الأكبر كل ما ألم بها من تعب وعناء.

ولكن أطياف الماضي أخذت تحوم حولها وتتراآى لها.

____________

(1) طبقات ابن سعد الكبرى.

(2) كداء ـ جبل بأعلى مكة.

194

تذكرت أمها خديجة (رض) ... وعمها أبا طالب ، واختيها زينب ورقية وقد هاجرتا مثلها من مكة ، ولكن إلى غير رجعة ... لقد رقدتا تحت ثرى المدينة المنورة.

وها هي ( الزهراء ) ترجع وحدها مع أبيها الفاتح العظيم وزوجها البطل الكبير ، وكم تمنت لو أن أمها ... وعمها وجميع الأحباب المفقودين يشاركونها الفرحة الكبرى بالنصر المبين.

انهملت الدموع من عينيها غزيرة ، فقد هاجت بنفسها الأشجان ، وبقيت مع أطيافها وهي تقترب من أم القرى وفي غمرة شجونها وأساها ، صحت من تأملاتها على صوت الحق المنبعث من حناجر المسلمين الفاتحين.

كادت الجبال تتصدع خشية ورهبة ... من هتاف عشرة آلاف مسلم قائلين :

« الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله والله أكبر ».

وقفت (عليها السلام) وهي تنظر إلى أهالي مكة ، وطواغيت قريش ... وهم يفرون من وجه تلك الجموع الدافقة ... وقد استولى عليهم الذعر والخوف والجزع. وكاد قلبها يطير فرحاً عندما شاهدت أباها النبي العظيم (ص) بين أصحابه ، يحفون به وهو محني الرأس تواضعاً لله وشكراً له على ما أنعم عليه سبحانه.

ودخل الرسول (ص) على هذه الصورة ، حتى لتكاد جبهته الشريفة تمس رحل الناقة ... ورأته عليه الصلاة والسلام يوصي قادة جيشه بعدم مقاتلة أحد. ويعلن العفو عن الجميع مستثنياً أفراداً قلائل من الرجال والنساء ،

195

سماهم بأسماهم ، وأمر بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة (1).

وقفت الزهراء (ع) فخورة مزهوة بنصر الله ، وكأن السماء ترعى ذلك الحشد الضخم من المسلمين المجاهدين ، وتحفظ تلك الجموع الملتفة حول القائد الرسول ...

« وطافت الملائكة تبارك انتصار حزب الله على حزب الشيطان قال تعالى : ( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) » (2).

وذكر الطبري في تاريخه وابن هشام في سيرته ، أن رسول الله (ص) قام قائماً حين وقف على باب الكعبة ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.

الا كل مأثرة (3) او دم او مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ... إلى قوله (ص) :

يا معشر قريش ، إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب. ثم تلا رسول الله (ص) : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم

____________

(1) تحت استار الكعبة : مراده عليه الصلاة والسلام لعظيم الذنوب التي اقترفوها. منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح لأنه كان قد اسلم وارتد مشركاً. ومنهم عبد الله بن خطل من تميم ، لأنه قتل مسلماً وارتد مشركاً. وكانت له قينتان تغنيان بهجاء الرسول (ص).

والحويرث بن نقيذ كان ممن يؤذي الرسول (ص).

ومقيس بن صبابة لأنه قتل الانصاري الذي قتل اخاه خطأ ورجع الى قريش مرتداً. وعكرمة بن ابي جهل ... وغيرهم ... ومن النساء : هند بنت عتبة « أم معاوية » التي مثلت بشهداء أحد ولاكت كبد الحمزة ... وسارة مولاة عمر بن هاشم بن عبد المطلب وغيرهم.

(2) سورة المائدة ـ آية ـ 56.

(3) المأثرة : هي الخصلة ـ او العادة التي تتوارثها الناس ويتحدثون بها.

196

مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ).

يا معشر قريش ويا أهل مكة ، ما ترون إني فاعل بكم ؟ قالوا خيراً ... اخ كريم ... وابن أخ كريم.

ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ...

وكانت الزهراء واقفة وعيناها معلقتان بأبيها وقد رأته عليه وآله الصلاة والسلام وسط الجموع الزاخرة وطاف بالبيت الحرام سبعة اشواط ثم جلس برهة يستريح ، ريثما يطمئن الناس اثر موجة الفتح الدافقة.

وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه : « ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله (ص) على الإسلام فجلس لهم على الصفا ».

ولما فرغ رسول الله (ص) من بيعة الرِّجال بايع النساء واجتمع إليه نساء من نساء قريش ، فيهن هند بنت عتبة بن أبي ربيعة وكانت متنقبة. متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها ( بحمزة ) يوم أحد.

فهي تخاف أن يأخذها رسول الله (ص) بحدثها ذلك.

فلما دنون منه ، ليبايعنه ، قال رسول الله (ص) : تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئاً ؟ فقالت هند :

والله إنك لتأخذ علينا امراً ما تأخذه على الرجال ! وسنؤتيكه. قال : ولا تسرقن ؟ قالت : والله إن كنت لأصيب من مال ابي سفيان الهنة والهنة ، وما أدري أكان ذلك حلاً لي أم لا ؟.

فقال رسول الله (ص) : وإنك لهند بنت عتبة !؟

فقالت : انا هند بنت عتبة ، فاعف عما سلف ... عفا الله عنك.

197

قال : ولا تزنين ـ قالت : يا رسول الله هل تزني الحرة ؟! قال : ولا تقتلن أولادكن ؟ قالت : ربيناهم صغاراً ، وقتلتهم يوم بدر كباراً.

قال الرسول : ولا تأتين ببهتان تفترينه بين ايديكن وأرجلكن. قالت والله إن إتيان البهتان لقبيح ... ولبعض التجاوز امثل.

قال : ولا تعصينني في معروف ؟ قالت : ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف ... الخ.

أقبل المساء بعد نهار حار ، مشحون بالتعب ؛ فرجع الرسول البطل الظافر الى قبته ، حيث كانت تنتظره ابنته الزهراء (عليها السلام) بفارغ الصبر.

احلام ... وتصورات ... وذكريات :

لقد تمثلت روح امها الطاهرة تطل من عُلاها ؛ ترعى زوجها الحبيب النبي العظيم في هذا اليوم المشهود ... يوم النصر.

التفت الزهراء (عليها السلام) ، فرأت أبيها النبي بابتسامته المشرقة وعطفه وحنانه ، فهبت تتلقاه مرحبة مهنئة ، ثم تنفست الصعداء وأردفت تقول :

ألا ليت أمي ( خديجة ) التي بذلت جميع أموالها ، وضحت بالنفس والنفيس لتقوية الإسلام ، ودعم محمد ... وإرساء قواعد الرسالة المقدسة.

ليتها بقيت الى هذا اليوم المشهود لتقر عينها بمرأى تحطيم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ؛ وجميع الاصنام التي كانت داخل الكعبة المشرفة وعلى سطحها ، وقد تكسرت تحت أقدام المسلمين ، وتحطمت بيد علي أمير المؤمنين.

وليت أمي ( خديجة ) بقيت الى هذا اليوم : لتشهد معي الفرحة الكبرى ،

198

وترى اولئك الطغاة ، وقد تركتهم قبل سنوات قليلة يلاحقون النبي العظيم وأصحابه المسلمين المؤمنين ، ويكيلون لهم أنواع الأذى والاستهزاء.

ليتها تراهم اليوم كيف ضرب الله عليهم الذلة. يلوذون بالنبي عليه وآله الصلاة والسلام ، يتململون بين يديه بكل انكسار مخافة العقاب والقصاص.

ليتها بقيت الي هذا اليوم ، لتسمع صوت ( بلال ) تتجاوب اصداؤه في شعاب مكة، وهو يهتف من على سطح الكعبة المشرفة ... « أشهد أن لا إله إلا الله ... وأشهد أن محمداً رسول الله ... ».

ليت ( خديجة ) بقيت الى الآن ، حتى تسمع صوت بلال يؤذن لصلاة الصبح من فوق الحرم الأقدس فيخشع الكون لجلال الأذان وروعة الدعاء ... وهيبة المكان ... ويهب المؤمنون من مضاجعهم ، بكل نشاط ، ساعين الى المسجد الحرام بقلوب طافحة بالايمان ونفوس قوية بالعقيدة ، يسبحون للخالق الديَّان وألسنتهم تلهج بالتهليل والتكبير ، ليؤدوا للمرة الأولى فريضة الإسلام في البيت العتيق والكعبة المشرفة المطهرة من الأوثان ... تجلت عظمة الخالق الديان.

لكن مشيئة الباري تعالى قضت على ( خديجة ) أن ترحل عن الدنيا الزائلة وفي قلبها حسرة ... وفي نفسها لوعة ، ولكنها رضي الله عنها لشدة إيمانها على ثقة بأن النصر في النهاية حليف الإسلام والنبي محمد. وأن الناس سيدخلون في دين الله افواجاً.

وتحلو الأيام للزهراء (عليها السلام) ، لتقضي مع الرسول في ( مكة ) أياماً حافلة.

وتسعد لترى معاقل الشرك تنهار تحت اقدام ابيها الرسول وترى ايضاً فلول المشركين لا تجد بديلاً لها عن قبول الدعوة الإسلامية.

199

جاءت نساء الأنصار الى الزهراء يتساءلن ... هل سيقيم النبي بمسقط رأسه ( مكة ) وينسى المدينة وأهلها الأنصار ؟؟

إن ابتهاج الرسول (ص) بالفتح وإسلام قريش وحرصه على تآلفهم وغبطته بالرجوع الى ( مكة ) بعد الهجرة والاغتراب مما يثير بالأنصار نوازع القلق والحيرة.

خصوصاً بعدما رأى رجال الأنصار عفو النبي العظيم عن طواغيت قريش ومن والاها.

فقال قائلهم :

« لقد لقي والله رسول الله (ص) ... قومه !! »

عتب الانصار على الرسول (ص) :

أنشد الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري « يعاتب الرسول (ص) إيثاره قريشاً وغيرها من قبائل العرب « بالعطاء والفيء » دون الأنصار قال حسان ذلك في قصيدة منها :

وأت الرسول وقل يا خير مؤتمن

لمؤمنين إذا ما عُدِّد البشر

علام تدعى « سليم » وهي نازحة

قدام قوم هموا آوو وهم نصروا

سماهم الله أنصاراً بنصرهم

دين الهدى وعوان الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل الله واعترفوا

للنائبات وما ضاقوا وما ضجروا

200

والناس ألب علينا فيك ، ليس لنا

إلا السيوف وأطراف القنا وزر

فما ونينا ، وما خنا ، وما خبروا

منا عثاراً وكل الناس قد عثروا !

وبلغ سمع سيدة النساء ( فاطمة ) ما قاله حسان ... وما أشار إليه من الوجد الذي خامر نفوس الأنصار ... فقدرت أن لهذا العتاب الصريح تفاعلات ... له ما بعده ، وقفت واجمة حيري.

ولكنها (عليها السلام) كانت مطمئنة إلى أن أباها الرسول (ص) سوف يجد له مخرجاً ولا يدع الأنصار إلا أن يجعلهم في اطمئنان قريري العين.

ذكر الطبري في تاريخه عن أبي سعيد الخدري قال :

« لما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة (1) وحتى قال قائلهم :

« لقي والله رسول الله قومه ».

فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله ، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ، لما صنعت في الفيء الذي أصبت.

قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاماً من قبائل العرب ، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء.

قال (ص) : فأين أنت من ذلك يا سعد ...؟

____________

(1) القالة : الكلام المتداول ـ السيء.

201

قال : يا رسول الله ما أنا إلا من قومي. !

قال : فاجمع لي قومك في الحظيرة ...

قال : فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ...

فجاءه رجال من المهاجرين ، فتركهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا إليه أتاه سعد فقال :

قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل.

ثم قال : يا معشر الأنصار ما ـ قالة ـ بلغتني عنكم ؟

وموجدة (1) وجدتموها في أنفسكم !؟

ألم آتكم ضلاّلاً فهداكم الله ، وعالة (2) فأغناكم الله ، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم. ؟

قالوا : بلى ـ لله ولرسوله المن والفضل ...

فقال : إلا تجيبوني يا معشر الأنصار. ؟

قالوا : وبماذا نجيبك يا رسول الله ، لله ولرسوله المن والفضل ...

قال : أما والله ، لو شئتم لقلتم : فصدقتم ولصُدّقتم ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسيناك ...

وجدتم في انفسكم يا معشر الانصار في لعاعة (3) من الدنيا ، تألفت بها قلوب قومٍ ليسلموا ، ووكلتكم إلى اسلامكم !؟

____________

(1) المعروف عند اهل اللغة ـ الموجدة اذا اردت الغضب.

(2) عالة : جمع عائل ... وهو الفقير.

(3) لعاعة : بالضم ... بقلة ناعمة ...

202

أفلا ترضون يا معشر الأنصار ان يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله الى رحالكم.

فو الذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت إمرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً (1) وسلكت الأنصار شعباً ،لسلكت شعب الأنصار ... ثم قال :

« اللهمَّ ارحم الانصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ».

قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا :

« رضينا برسول الله قسماً وحظاً » ثم انصرف رسول الله (ص) ، وتفرقوا » (2).

بقيت الزهراء (ع) إلى جانب أبيها بمكة حوالي شهرين وبعض الأيام ...

فقد جاءت مع ابيها وزوجها وجيش المسلمين الى البلد الحرام ، في شهر رمضان من العام الثامن للهجرة ، وغادرتها مع ابيها وزوجها والأنصار الى المدينة المنورة في آخر شهر ذي الحجة من العام نفسه.

لقد سعدت الزهراء (ع) عامين كاملين ، ونعمت بالهدوء والاستقرار ، تستجلي طلعة أبيها النبي (ص) في الغدو والآصال تلك الطلعة البهية المشرقة.

وقد ابتسمت لها الأيام ، فاستردت بعض قواها ، التي ذهبت بها الصدمات التي لاقتها في حياتها الأولى ، واستعادت نشاطها فعكفت توفر الراحة لزوجها الإمام علي (ع). وتبذل ما في وسعها لتربية أولادها « أحفاد الرسول وأحبابه وذريته وامتداد نسله ».

____________

(1) الشعب : الطريق بين جبلين.

(2) كما ذكر هذه الرواية الطبري في تاريخه ، كذلك ذكرها ابن هشام في سيرته ، وغيرهما من أهل التاريخ والسير ...

203

تاركة شؤون الدار وخدمته لجاريتها ( فضة ) التي جاء بها الإمام علي (ع) من الغنائم التي نالها في المعارك.

الزهراء (ع) واليقظة المروِّعة :

امتد الحلم الهنيء ... وابتسمت الأيام ... وراحت « فاطمة » (عليها السلام) تنعم في غيبوبة من السعادة والحبور ...

ثم أفاقت من حلمها على ما هز كيانها وكانت اليقظة المروعة.

اشتكى النبي (ص) من مرض ألَّم به في أواخر شهر صفر في السنة الحادية عشر للهجرة.

وكان عليه وآله الصلاة والسلام قد جهز جيشاً لمحاربة الروم وأعدَّ لقيادة هذا الجيش العظيم « اسامة بن زيد » وكان في مطلع شبابه.

أمر النبي جميع المهاجرين والأنصار ان ينضموا إليه ... وجعل يستحثهم على الخروج ... ويلح ... ويقول : « نفذوا جيش اسامة ».

وظن اكثر المسلمين وبنو هاشم انها وعكة طارئة لا تلبث ان تزول ولم يفكر أحد أو يخطر على باله أنه مرض الموت.

ويشتد المرض بالنبي العظيم ... يوماً بعد يوم ولكن سيدة النساء الزهراء لم تكد تسمع بشكوى أبيها ، حتى أجفلت وارتج قلبها ... وانهارت اعصابها ... وكأنها والموت على ميعاد.

ألم تسمعه عليه وآله الصلاة والسلام وقد وقف بين أصحابه يعظهم ويقول : أوشك أن ادعى فأجيب.

204

وسمعته في حجة الوداع على جبل عرفات وقد وقف بين المسلمين يقول لهم : ( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ).

ورأته مراراً يخرج الى زيارة القبور ويخاطبهم بكلمات تشعر بدنو أجله.

وما ان سمعت شكواه حتى أسرعت وقلبها يرتجف وقد استولى عليها الحزن ... والخوف ، ولكنها كانت تتجلد صابرة.

رأته (ص) يجمع اصحابه ، ويوصيهم بأهل بيته خيراً بنصوص كثيرة وفي كتاب ظلال الوحي قوله :

« على ان حياة النبي كانت مفعمة بتلك النصوص ، منذ يوم الانذار في دار ابي طالب فما بعده من الأيام حتى سجي على فراش الموت والحجرة غاصة بأصحابه فقال :

أيها الناس ، يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا وإني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال : هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض » (1).

ورأته عليه الصلاة والسلام يطلب من أصحابه دواة وقرطاساً ، ويلح في طلبه ويكرر قائلاً : « آتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي ابداً ... ».

وخانها تجلدها واصطبارها ، وقد رأت اباها الرسول يتململ من شدة الألم ويأخذ الماء بيده الشريفة ليمسح به رأسه لعله يخفف وطأة الألم. ثم يتأوه قائلاً : واكرباه ...

____________

(1) عن كتاب في ظلال الوحي ـ للسيد علي فضل الله الحسني.