المرأة في ظلّ الإسلام

- السّيدة مريم نور الدّين فضل الله المزيد...
368 /
205

انكبت عليه ( الزهراء ) تشمه وتصيح ... واكربي بك يا أَبتاه واكربي لكربك يا ابتاه.

وينظر إليها بكل عطف ... وحنان ... وإشفاق. ينظر إليها نظرة مودع لهذه الدنيا الزائلة ، المليئة بالهموم والأحزان.

ثم يقول : لا كرب على أبيك بعد اليوم. ويوصيها (عليه السلام) بالصبر وتقوى الله سبحانه ، وأسرَّ إليها أنه قد حان اجله وأنها أول اهل بيته لحوقاً به. وقال لها : « أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة. فتجلدي ... واصبري ».

الزهراء (ع) يوم وفاة النبي (ص) :

نزل القضاء الذي لا مفر منه ، ولحق الرسول العظيم بالرفيق الأعلى ، وبقيت الزهراء (عليها السلام) حزينة كئيبة يتيمة ، لا تجد للسلوان منفداً إلى قلبها ، ولا تجد الى العزاء سبيلاً.

وعلا الصراخ ... والعويل من البيت النبوي الشريف ، فعلم أهل المدينة بالمصاب الفادح الأليم ، وراحت الزهراء في غيبوبة أفقدتها الوعي.

ولما أفاقت من غيبوبتها ، وجدت الناس كالبركان الثائر سكارى من وقع المصاب ، حيارى من أمرهم ، فقد انصرف جماعة من الصحابة ، الى « سقيفة بني ساعدة » حيث الانصار قد اجتمعوا يتداولون في امر الخلافة ، وذلك بعد ما تأكدوا ان المهاجرين قد اجتمعوا يبرمون الأمر حسب ميولهم وتخطيطهم ، ضد أصحاب الأمر الشرعيين ، الذين نصَّ عليهم الرسول الكريم ...

وكان بين المهاجرين والأنصار حوار واسع وكلام كثير ، وأخذ ورد ، وكانت النتيجة لصالح « أبي بكر ».

206

وافتقدت الزهراء زوجها علياً (عليه السلام) ، وأين هو من هذا الخضم ؟ الذي تتعالى أمواجه ، وتتقاذف الناس من المسلمين حسب الأهواء ... والأغراض ...

وإذا به (عليه السلام) قد انصرف مع جماعة ، من خيار الصحابة عن كل شيء ، ولم يعد من هم لهم إلا تجهيز النبي لمثواه الأخير.

حدث كل هذا « وفاطمة » يغشى عليها ساعة بعد ساعة ، لكنها أخيراً جمعت كيانها المشتت ... وتحاملت على نفسها ، وذهبت تسعى الى قبر الحبيب أبيها الرسول (ص).

ويا له من منظر يفتت الأكباد ، ويتصدع له الصخر الأصم.

ألقت بنفسها على القبر ، ووقعت مغشياً عليها ، ولما أفاقت من غشيتها صاحت من قلب كئيب :

يا أبتاه ... أجاب ربا دعاه ... يا أبتاه في جنة الفردوس مأواه.

وفي طبقات ابن سعد : أن فاطمة قالت : يا أبتاه ، إن جبريل ينعاه ، يا أبتاه ، مِن ربه ما أدناه ، يا أبتاه من جنان الفردوس مأواه ، يا أبتاه ، أجاب رباً دعاه.

وخنقتها العبرات ، فبكت (عليها السلام) ، حتى تقرحت أجفانها ، وبكى الناس لبكائها ، ثم استرجعت وقالت :

اغبرَّ آفاق السماء وكورت * * * شمس النهار وأظلم العصران

فالأرض من بعد النبي كئيبة * * * أسفاً عليه كثيرة الرجفان

فليبكه شرق البلاد وغربها * * * ولتبكه مضر وكل يماني

وليبكه الطود المعظم جوده * * * والبيت ذو الأستار والأركان

يا خاتم الرسل المبارك ضوءه * * * صلى عليك منزل القرآن

207

واستعبرت باكية ، فبكى الناس رفقاً بها وتقطعت قلوبهم حزناً عليها ، وهم ينظرون اليها ، وهي تقلب التراب بين أناملها ، في حركة يائسة ، كمن فرغت من الدنيا ، ثم تأخذ حفنة من تراب القبر ، وتدنيها من عينيها اللتين قرحهما البكاء ثم راحت تشم ذلك التراب وهي تقول متفجعة :

ماذا على من شم تربة احمد * * * ألا يشم مدى الزمان غواليا

صُبَّت عليّ مصائب لو أنها * * * صبت على الأيام عدن لياليا

ورجعت (عليها السلام) ، مع بعض النسوة الى البيت ، والناس تتبعها بعيون دامعة ، وقلوب متصدعة ، حتى إذا بلغت دارها ، استأذن عليها أنس بن مالك وراح يسألها الصبر والعزاء ، فقالت له معاتبة :

يا أنس ، كيف طابت نفوسكم ، أن تحثوا التراب على رسول الله ؟؟

ثم قالت وقد شرقت بدمعها :

إِنا فقدناك فقد الأرض وابلها

وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب

فليت قبلك كان الموت صادفنا

لما نعيت وحالت دونك الكثب

قال ابن شهر اشوب في مناقبه : إن الزهراء (عليها السلام) ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس ، ناحلة الجسم ، منهدة الركن ، باكية العين ، محترقة القلب ، يغشى عليها ساعة بعد ساعة : تقول لولديها : أين ابوكما (1) الذي كان يكرمكما ويحملكما ؟ أين ابوكما الذي كان من أشد الناس حباً لكما وشفقة عليكما !!

____________

(1) ابوكما : تعني جدهما رسول الله (ص). كان يحبهما كثيراً وكان لهما بمنزلة الاب. وكان يقول : ولداي هذان سيدا شباب اهل الجنة.

208

ولا تزال تعدد معاملته لهما ، وموافقه منهما ، حتى يغشى عليها.

جاء في كتاب الأمالي « للصدوق » عن الإمام الصادق (ع) : قال : البكاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ويوسف ، وفاطمة بنت محمد (ص) وعلي بن الحسين زين العابدين (ع).

فأما آدم : فإنه بكى خوفاً من ربه لما خرج من الجنة.

وأما يعقوب : فإنه بكى على ولده يوسف حتى ذهب بصره ، وقيل له : ( تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ ) (1).

وأما يوسف : فإنه بكى على ابيه حتى تأذى منه من كان معه في السجن.

وأما فاطمة بنت محمد (ص) فقد بكت على ابيها حتى تأذى منها أهل المدينة ، وقالوا لها : لقد آذيتنا بكثرة بكائك.

فكانت تخرج الى المقابر ، فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تعود الى بيتها.

وأما علي بن الحسين : فقد بكى على ابيه عشرين عاماً ـ وقيل اربعين عاماً ـ وما قُدم له من طعام وشراب ، إلا اشتد بكاؤه ، فيقال له : ألا تأكل ؟ فيقول : كيف آكل ، وأبو عبد الله مات جائعاً ، وكيف أشرب ، وأبو عبد الله مات عطشاناً ... الخ.

بيت الأحزان :

وقد روى كثير من المؤرخين أن الإمام علي (عليه السلام) ، لما تضايق أهل المدينة من كثرة بكاء فاطمة ، بنى لها بيتاً في البقيع ، كانت تأوي إليه في

____________

(1) سورة يوسف آية 85.

209

ساعات من الليل والنهار ، تبكي اباها الرسول (ص) ما شاء لها. وسمي هذا البيت بيت الأحزان.

وفي كتاب ( أهل البيت ) (1) ان بيت الأحزان ، هو الموضع المعروف بمسجد فاطمة ، من جهة قبة مشهد الحسن ، والعباس ، الى ان يقول : وإليه أشار ابن جبير بقوله : « ويلي القبة العباسية بيت فاطمة الزهراء بنت الرسول ، ويعرف ببيت الأحزان ويقال انه هو البيت الذي آوت إليه والتزمت الحزن فيه ، منذ وفاة ابيها الى ان لحقت به ».

وجاء بنو هاشم وخيار الصحابة الى الزهراء (عليها السلام) ، يسألونها الصبر ... والعزاء ومن أين لها بالصبر والعزاء ... وكيف ؟!

« وكل مصاب بعد مصابها لمم !! ».

وجلس بنو هاشم والصحابة الأخيار ، يتحدثون مع علي والزهراء وما كان من أمر البيعة ... وكيف تمت لأبي بكر (رض) في سقيفة بني ساعدة.

ولم يكد يمضي على وفاة الرسول إلا يوم وساعات ، وأهله مشغولون عن كل شيء وهم منصرفون لتجهيزه لمقره الأخير. ونسمع علياً (عليه السلام) يقول : وفي نبرات صوته حزن عميق ، وألم دفين : « أفكنت ادع رسول الله في بيته مسجى ... بلا غسل (2) ... ولا تكفين ... وأخرج أنازع القوم الخلافة ».

أليست الخلافة هي حق شرعي لي على ما نصه الرسول (ص) ؟

____________

(1) تراجم اهل البيت ـ توفيق ابو علم.

(2) ذكر ابن سعد في طبقاته ـ ج 2 ـ ص 60 كان علي (رضي الله عنه) ، هو الذي تولى غسل الجسد الشريف.

210

وهنا تكلمت فاطمة (عليها السلام) وقالت : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ان يصنع ... ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.

تقول الدكتورة بنت الشاطئ : وأخذ الجمع يتذاكرون بلاء علي في نصرة الإسلام ، ومكانه من رسول الله : لقد شهد علي مع الرسول مشاهده كلها :

كان يحمل لواء المهاجرين يوم أحد ، ولواء الرسول يوم غزوة بني قريظة ، وحمراء الاسد ، ويوم حنين.

وحمل يوم خيبر ، اول راية في الإسلام ... وكان (ص) ، قد اتخذها من برد لزوجه « عائشة » ام المؤمنين وقال : « لأدفعنَّ الراية الى رجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ويفتح عليه ... ».

فتطاول عمر بن الخطاب لها واستشرف ، رجاء أن يدفعها الرسول اليه ، فلما كان الغد ، دعا الرسول ( علياً ) ودفعها له.

ويوم الفتح كانت الراية مع ( سعد بن عبادة ) فقال الرسول ل ( علي ) « ادركه فخذ الراية منه ، فكن انت الذي تدخل بها ».

وقاد سرايا الرسول الى « فدك » في شعبان من السنة السادسة للهجرة. والى « الفلس : صنم طئ » في السنة التاسعة.

والى اليمن في السنة العاشرة ... وعاد منه جميعاً مظفراً منصوراً ...

وعلى « القصواء » ناقة الرسول المباركة ، خرج « علي » الى الحج بعد الفتح بعام ...

ويوم آخى بين المهاجرين والانصار ، اصطفى « علياً » اخاً له ...

ويوم خرج الى « بدر » غازياً ، ومعه أصحابه ، كل ثلاثة على جمل ، اختار

211

علياً وأبا لبابة زميلين ، وقد عرضا عليه (ص) أن يمشيا ليستريح في مركبه ، فأبى وقال :

« ما أنتما أقوى على المشي مني ، وما أنا أغنى عن الأجر منكما ».

وتذاكر القوم أحاديث الرسول لعلي وفي علي :

« أنت مني بمنزلة هرون من موسى ».

« أنت مني وأنا منك ».

« أنت ولي كل مؤمن بعدي ».

« من كنت مولاه ، فعلي مولاه ».

« لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق ».

أهناك من هو أحق بالخلافة من « علي » ربيب النبي ، وابن عمه أبي طالب ، وزوج ابنته الزهراء وأبي الحسنين ريحانتي الرسول ، وأول الناس إسلاماً ، وأطولهم في الجهاد باعاً ، وفتى قريش شجاعة ... وعلماً ...؟؟

وأمسكت الزهراء صامتة لا تعقب ، ومضت أيام وهي في عزلة عن الناس ، لا تنشط للنضال عن ميراثها الذي أباه عليها ابو بكر ... وهل أبقى لها الحزن من قوة تسعفها على نضال ...؟

وكانت بحيث تظل منطوية على جراحها وحزنها ، لو لم يدعها الواجب ، أن تؤدي حق زوجها وولديها عليها ، فتسعى في رد الأمر الى أهل بيت الرسول ... (1).

____________

(1) نقلت الدكتورة بنت الشاطئ عن طبقات ابن سعد والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجة ، وابن حنبل هذا الحديث.

212

كلام الزهراء لنساء المهاجرين والأنصار :

مرضت الزهراء (ع) ، ولم يتحمل جسمها النحيل الكوارث التي المَّت بها بعد وفاة ابيها.

وما أن فشا الخبر بالوعكة التي اصابتها ، حتى سارع حشد من نساء المهاجرين والأنصار لعيادتها ، وتوافدن للاطمئنان عن صحتها.

التفتت (عليها السلام) وقالت لهن معاتبة ، وذلك عندما قلن لها : كيف اصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟

ذكر الاستاذ عمر رضا كحالة كلام الزهراء (ع) لمن اتين لعيادتها من النساء قالت : (1)

« اصبحت والله عائفة لدنياكم ، قالية لرجالكم ، لفظتهم بعد ان عجمتهم ، وشنأتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحاً لفلول الحد ، وخور القنا أو كسره ، وخطل الرأي ، وبئسما قدمت لهم انفسهم أن سخط الله عليهم ... إلى أن تقول :

لا جرم لقد قلدتهم ربقتها ، وشنت عليهم عارها ، فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين.

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين ... الطبن (2) بامور الدنيا والدين.

ألا ذلك هو الخسران المبين.

____________

(1) اعلام النساء ـ للاستاذ عمر رضا كحالة.

(2) ألطبن : لغة الفطين والطبنة : الفطنة جمع طِبن.

213

وما الذي نقموه من أبي الحسن ، نقموا والله منه نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله.

وبالله لو تكافؤا على زمام نبذه رسول الله (ص) لسار بهم سيراً سجحاً ، لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه.

ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطاناً قد تحرى بهم الري غير منحل منهم بطائل بعمله الباهر ، وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

ألا هلممن ... فاسمعن ... وما عشتن أراك الدهر عجباً ... الى أي لجأ لجأوا ! واسندوا ، وبأي عروة تمسكوا ، ولبئس المولى ، ولبئس العشير ... الخ الى أن تقول :

والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على خاتم النبيين وسيد المرسلين ».

إن الزهراء (عليها السلام) لم تكن تطالب ببقعة من أرض ... أو بإرث مادي وهي الزاهدة العابدة ، المنصرفة عن ملذات الدنيا وطيبات الحياة.

بل كانت تطالب « بالحق » وإرجاعه الى أهله الشرعيين. فقد جعل رسول الله (ص) الخلافة في علي بن ابي طالب « زوجها ».

لقد عرفنا ما كانت عليه الزهراء (ع) من خشونة الحياة وشظف العيش ، وكانت الدنيا في عينيها أحقر من ذبابة طفيلية تنظر اليها باشمئزاز ، ولهذا كانت أكبر من أن تنازع ، أو تخاصم أحداً لأجل الأرث المادي وغيره من متاع الدنيا ، فهي تعلم علم اليقين بأن حياتها قصيرة لا تبقى بعد أبيها إلا أياماً معدودات ، كما أخبرها النبي بذلك.

214

أمضت الزهراء (ع) حياتها القصيرة ، المشحونة بالشجن والآلام ، وشظف العيش ، وخشونة الحياة ، المقرونة بالزهد والتقشف.

فكانت في ظل أب لم يشبع مرة واحدة من طعامه ... ثم انتقلت الى بيت زوج كان أكثر أدامه الملح ... والخل ... والزيت ، والدنيا في عينيه لا تساوي شسع نعل.

ومما لا شك فيه ، ولا يتمكن المؤرخون من إنكاره ، وإن وضع بعضهم غشاوة على بعض النواحي لكن لابد من القول « الواقع يفرض نفسه ».

فقد أثبت جميع المؤرخين ، وأهل السير ، أن الزهراء (سلام الله عليها) لم تكن تهمها « فدكا » ولا غيرها مما تركه والدها الرسول الكريم (ص) ...

بل المقصود من تصرفاتها ، ومطالبتها « إثبات الخلافة لأصحابها الشرعيين » وإحقاق الحق ، والحفاظ على الإسلام.

فالزهراء وزوجها عليّ بن أبي طالب (ع) كانت الدنيا في حسابهما أوهى من بيت العنكبوت ، وأهون من عفصة قعرة « أي مرة ».

ولنسمع علياً يقول عندما كانت خيرات الدولة الإسلامية على سعتها ، تحت تصرفه ... لا بل تحت قدميه : « فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا اذخرت من غنائمها وفراً ، وما أعددت لبالي ثوبي طمراً ولا حزت من ارضها شبراً ... الخ.

خطبة الزهراء (ع) في المسجد النبوي الشريف :

إن الزهراء (ع) كانت من طينة محمد (ص) أحاطها الله سبحانه بهالة من

215

الجلال ... والمهابة ... وعصمها من شطط القول والفعل ... وجموح الخيال.

نراها في محنتها ، ومصابها بموت أبيها ، والضوضاء والفوضى التي أعقبت الوفاة ، تستنكر ما حدث من المفاجآت. والنبي لا يزال جثة هامدة مسجى في بيته لم يوارى الثرى.

فسيدة النساء العاقلة الحكيمة ، التي هي باعتراف الجميع ذات العلم والعقل والفصاحة والبلاغة ، لم يوجد مثلها في النساء.

قالت السيدة عائشة : « ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة ، وقالت أيضاً ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير ابيها » (1).

لقد كانت الزهراء (ع) حريصة على تضامن المسلمين ، وإعلاء كلمة الدين ، لهذا نراها (ع) تقف ذلك الموقف المتصلب ، وتبين للناس حق علي بالخلافة ، وتزيل الغشاوة عن اعين بعض المسلمين السابحين في لجج الضوضاء.

انها ترى خلافة علي التي نص عليها الرسول (ص) هي امتداداً لرسالة أبيها المقدسة وتقول بعض الروايات أن انتزاع ( فدك ... والعوالي ) وسهم ذوي القربى من يد الزهراء ، وحرمانها من ميراث أبيها لم يكن داخلاً في حساب القوم لولا موقفها الحازم المتشدد من الخلافة.

اولاً : انما حرموها فدكا وغيرها ، حتى لا توفر على عليّ قسطاً من المال يعينه على المضي في موقفه المناوئ لهم.

ثانياً : إذا اعترف القوم للزهراء بالإرث وسلموا أمره لها ، يؤدي بهم الى

____________

(1) اعلام النساء للاستاذ عمر رضا كحالة.

216

الاعتراف بأمر الخلافة لزوجها « علي بن أبي طالب » صاحب الحق الشرعي علاوة على حجتها البالغة عليهم.

جاء في بلاغات النساء لابن طيفور قال : لما أجمع أبو بكر (رض) على منع فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعليها « فدك » وبلغ ذلك فاطمة (ع) لاثت خمارها على رأسها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم من مشية ابيها رسول الله (ص) شيئاً ، حتى دخلت على ابي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار ، فنيطت دونها ملاءة ، ثم أنَّت أنة ، أجهش القوم لها بالبكاء ، وارتج المجلس فأمهلت حتى سكن نشيج القوم ، وهدأت فورتهم ، فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه ، والصلاة على رسول الله (ص) فعاد القوم في بكائهم ، فلما أمسكوا عادت في كلامها ، فقالت :

لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تعرفوه تجدوه ابي دون آبائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، فبلغ النذارة صادعاً بالرسالة ، مائلاً على مدرجة المشركين ضارباً لثبجهم ، آخذاً بكظمهم ، يهشم الأصنام ، وينكث الهام ، حتى هزم الجمع ، وولوا الدبر ، وتفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين وخرست شقاشق الشياطين.

وكنتم على حفرة من النار ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتقاتون الورق ، أذلة خاشعين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله برسوله (ص) بعد اللتيا والتي ، وبعدما مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ـ ومردة أهل الكتاب ـ.

كلما حشوا ناراً للحرب أطفأها ، ونجم قرن للضلال وفغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخصمه ، ويخمد

217

لهبها بحده ، مكدوداً في ذات الله ، قريباً من رسول الله ، سيداً في أولياء الله ، وأنتم في بلهنية وادعون ... آمنون.

حتى اختار الله لنبيه دار انبيائه ، وظهرت خلة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الآفلين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مفرزه صارخاً بكم ، فوجدكم لدعائه مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين فاستنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأجمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير ابلكم ، وأوردتموها غير شربكم.

هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل بدار زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا ...

فهيهات منكم ، وأنى بكم ، وأنى تؤفكون ، وهذا كتاب الله بين اظهركم ، وزواجره بينة ، وشواهده لائحة وأوامره واضحة.

أرغبة عنه تدبرون ، أم بغيره تحكمون ، بئس للظالمين بدلاً ، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ، وهو في الآخرة من الخاسرين.

ثم لم تتريثوا إلا ريث ان تسكن نفرتها ، تشربون حسواً ، وتسرون في إرتقاء ، ونصبر منكم على مثل حز المدى.

وأنتم الآن تزعمون أن لا أرث لنا ، أفحكم الجاهلية تبغون !؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون.

ويا معشر المهاجرين ، أأبتز إرث ابي ، أفي الكتاب أن ترث أباك ؟ ولا أرث ابي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً.

فدونها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم

218

محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولكل نبأ مستقر ، وسوف تعلمون ، ثم انحرفت إلى قبر النبي (ص) وهي تقول :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * * * وكنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً ، ولا باكية منا ذلك اليوم » (1).

إن خطبة الزهراء (عليها السلام) ، وما تحتويه من جميل المعاني ، وعظيم الحكم ، وما تتضمنه من حسن البيان وبلاغة الكلام ، جديرة بأن تستجيب لها القلوب ، وتتفهمها الأفئدة قبل الألسن.

فلا غرابة في هذا ، فهي صادرة عن سيدة النساء ، ابنة سيد البشر ، وزوجة سيد البلغاء بعد محمد (ص).

وهنا نقف نتساءل ... لماذا وقف القوم من الزهراء وزوجها هذا الموقف !؟ مع علمهم بأنها بضعة الرسول ، يغضبه ما يغضبها ، ويرضيه ما يرضيها.

واحسب أنهم لو حاولوا معالجة الامور بالتعقل والروية ، لمواجهة موضوع الميراث وغيره لاستطاعوا الوصول إلى نتائج أعمق ، وأبعد من الحالة التي وصلوا اليها ارتجالاً من أقرب الطرق ، وربما اتيح لهم الربط بين أطراف المسلمين ، وَلم أشتات الفوضى العارمة.

ولكن شاء القدر ، وحكمت الأيام ، أن يلتوي تاريخ الإسلام ، في أيديهم ، ويأخذ شكلاً آخر ، ويصطبغ بصبغة ثانية.

لا نلومهم عليها ، وهم غير معصومين ... بشر لا يبرأون ... ونحن ايضاً

____________

(1) خطبة الزهراء (عليها السلام) ذكرها ابن طيفور كذلك ذكرها اكثر المؤرخين.

219

بشر لا نبرَّأ ... من ضعف وميول ، وهوى ، وإن كنا في الوقت نفسه ، نأسف لما ضاع على المسلمين من جهود وأتعاب ، وفرص لا تعوض ، وما يضيع على العلماء ، من صبر على البحث ، ودأب على الدرس وثبات على التحقيق. كانت هذه الاتعاب جديرة بأن تؤتي أحسن الثمر ، لو برئ الإنسان من شوائب الضعف البشري ... وهيهات ...

ومما لا شك فيه ، أن حرص الزهراء على مصلحة المسلمين ، واجتماع كلمتهم ، وتفانيها في خدمة الرسالة المقدسة. مما جعلها تذهب الى المهاجرين ، تخاطبهم بمنطقها البليغ ، الذي يشبه منطق الرسول ( فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ... ).

ثم تتوجه (عليها السلام) ، نحو الأنصار ... وتؤنبهم ، وقد اجتمعوا في المسجد الشريف حيث قالت :

يا معشر البقية ، وأعضاد الملة ، وحضنة الإسلام ، ما هذه الفترة عن نصرتي ؟ والونية عن معونتي ، والغمزة في حقي ، والسنة عن ظلامتي ، أما كان رسول الله (ص) يقول :

« المرء يحفظ في ولده » سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ، الآن مات رسول الله (ص) ، أمتم ... دينه ...!!

ها ان موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، وبعد وقته ، وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، وأضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، وتلك نازلة أعلن عنها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته فقال :

( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ).

220

أيها بني قيلة ...؟ اهتضم تراث ابي وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة ويشملكم الصوت ، وفيكم العدة ... والعدد ... والأداة ... والقوة وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار.

باديتم العرب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الإسلام ، ودر حلبه ، وخبت نيران الحرب ، وسكنت قوة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، فتأخرتم بعد الإقدام ونكصتم بعد الشدة وجبنتم بعد الشجاعة ، عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم (1) الى أن قالت : ألا وقد قلت ما قلت لكم على معرفة منِّي بالخذلة ، التي خامرتكم وخور القناة وضعف اليقين.

فدونكموها ، فاحتووها ، مدبرة الظهر ، ناقبة الخف ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ».

إن سيدة النساء فاطمة الزهراء ، كانت لا تهمها الجهة المادية ( وهي الزاهدة العابدة ) من الإرث ، بقدر ما كان يهمها من سير الدعوة الاسلامية ، ووصول الحق الى أهله. وهي ترى أن مصلحة الاسلام العليا تقتضي خلافة « علي » التي هي امتداد لصالح الاسلام ... والمسلمين.

ومما يدل على أن مصلحة الاسلام ، ونشر الرسالة المقدسة ، وتركيز دعائم الدين ، كل هذه الأشياء كانت في نظر الزهراء فوق كل شيء.

ذلك ما جاء في كثير من الروايات من سيرة علي وفاطمة (عليهما السلام) كشرح

____________

(1) إشارة الى ان النبي عليه الصلاة والسلام ، اخذ العهد من المسلمين بالبيعة والخلافة لعلي (عليه السلام) وذلك في حجة الوداع ـ في مكان يقال له غدير خم ـ.

221

النهج وغيره ، بما مضمونه ومعناه :

أن الزهراء (عليها السلام) عندما رجعت من المسجد الشريف الى منزلها ، مهضومة الحق ... كسيرة القلب ، حزينة ، وذلك بعدما خاطبت المهاجرين والأنصار ولم تجد تجاوباً منهم ، لم تتمالك من أن توجه اللوم الى زوجها ابي الحسن علي (عليه السلام) ، بكلام تبدو عليه ... القسوة ... والشدة ... والملامة.

وفيما هي تحدثه وتخاطبه لائمة إِياه على تقاعده وسكوته عن حقه الشرعي والمطالبة به وإِذا بصوت المؤذن يتعالى :

« الله أكبر ... أشهد أن لا إله إلا الله ... وأشهد أن محمداً رسول الله ».

عندها قام علي الى السيف ... واستله من غمده ، والتفت الى الزهراء قائلاً : ما معناه ...

يا بنت رسول الله ؟ لو نازعت القوم في طلب حقي ... وحاربتهم عليه وطالبتهم بحقك من الإرث ، لثارت ثائرتهم ، وذهبوا أشتاتاً ، ولم يبق للإسلام إسم ... ولا رسم. واختفى هذا الصوت الذي يتعالى في الأجواء مردداً :

«الله اكبر ... أشهد أن لا إله إلا الله ... أشهد أن محمداً رسول الله ».

عندها هدأت ثورة الزهراء وسكنت ، وتعلًّقت بالإمام (عليه السلام) ، ودموعها تنساب على خديها وهي تقول : بل اصبر يا ابن عم ... حسبي ... وغايتي ... بقاء هذا الصوت والحفاظ على بقاء رسالة ابي ... وتركيز دعائم الاسلام ونشره.

222

وفاة الزهراء (ع)

يذكر المؤرخون ان الزهراء (ع) استسلمت للحزن فلم ترى قط منذ وفاة والدها النبي (ص) إلا باكية العين كسيرة الفؤآد.

الزهراء رافقت دعوة أبيها منذ بدايتها ، وتأصلت في نفسها أركان الرسالة حتى أصبحت وكأنها جزء من حياتها وقاعدة عظيمة من كيانها ، تمدها بالثبات على الحق ، والدفاع عن المظلومين والضعفاء والمحرومين والمعذبين.

تضحي بكل ما لديها لإسعاد البشر ، وإقامة العدل ولا تتواني مهما كان الثمن غالياً.

وكانت (عليها السلام) تتمثل دائماً بابيات من الشعر تتذكر بها أيام أبيها فتقول :

صبت علي مصائب لو أنها * * * صبت على الأيام عدن لياليا

قد كنت أرتع تحت ظل محمد * * * لا اختشي ضيماً وكان جماليا

واليوم اخضع للذليل واتقي * * * ضيمي وادفع ظالمي بردائيا

واخيراً مرضت الزهراء (ع) ، وساء حالها ، فبادرت نساء المسلمين لعيادتها ...

نظرت اليهن ثم أشاحت بوجهها عنهن قائلة :

223

اجدني كارهة لدنياكن مسرورة بفراقكم ، وسأشكوا إلى الله ورسوله ما لقيت من بعده ... فما حفظ لي حق ، فخرجن من عندها كسيرات ، يتلاومن ... وقد ادهشن ما سمعن ورأين.

وصية الزهراء (ع) :

ذكر أصحاب التاريخ وأهل السير وصية الزهراء (ع) على عدة أوجه ، ففي رواية : انها لما احست (عليها السلام) بدنو أجلها ، استدعت اليها زوجها « عليا » امير المؤمنين (ع) فاوصته وصيتها ، وطلبت منه ... وألحت عليه ان يواري جثمانها في غسق الليل ، حتى لا يحضر جنازتها أحد من الذين ظلموها ، وجحدوا حقها ، وان يعفى موضع قبرها.

واوصته أيضاً أن يتزوج ابنة اختها « امامة » لتقوم على رعاية ابنائها ، قالت له :

« يا ابن عم لابد للرجال من النساء ، فإذا أنا مت ، فعليك بابنة اختي « امامة » فانها تكون لأولادي ... مثلي ...

يقول ابن سعد في طبقاته : « ان فاطمة احبت ان يصنع لها نعشاً يواري جثمانها ، لأن الناس كانوا يومذاك يضعون الميت على سرير مكشوف لا يستر. فكرهت ذلك ، واحبت ان لا ينظر جثمانها أحد وهي محمولة على أكتاف الرجال.

فاستدعت « أسماء بنت عميس » وشكت اليها نحول جسمها وقالت لها : اتستطيعين ان تواريني بشيء ؟

قالت اسماء اني رأيت الحبشة يعملون السرير للمرأة ، ويشدون النعش

224

بقوائم السرير ، فأمرتهم بذلك وعمل لها نعش قبل وفاتها ، ولما نظرت اليه قالت :

« سترتموني ستركم الله ».

وفي رواية : لما نظرت اليه ابتسمت ، وكانت هذه أول ابتسامة لها بعد وفاة ابيها ».

والذي وعاه التاريخ ، ان الزهراء (ع) ، كان يبدو عليها الارتياح في اليوم الاخير من حياتها ، فقامت من فراشها ونادت أولادها ، فعانقتهم طويلاً وقبلتهم ثم أمرتهم بالخروج إلى زيارة قبر جدهم رسول الله (ص).

وكانت أسماء بنت عميس تتولى خدمتها وتمريضها (1) فطلبت منها بصوت واه ضعيف ، ان تهيء لها ماء لتغتسل.

وبكل ارتياح ، بادرت أسماء إلى احضار طلبها ، فاغتسلت (ع) ولبست أحسن ثيابها وبدا عليها الحبور ، فظنت أسماء انها تماثلت للشفاء.

ولكن تبددت ظنونها عندما طلبت منها ان تنقل لها الفراش إلى وسط البيت. وقفت أسماء والدهشة بادية على وجهها ، وقد ساورها قلق شديد عندما رأت الزهراء قد اضطجعت على الفراش واستقبلت القبلة ، ثم التفتت اليها قائلة :

« اني مقبوضة الآن وراحلة عن هذه الدنيا ، إلى جوار رب رحيم ، لاحقة بأبي الرسول الكريم ... »

____________

(1) وفي رواية ثانية أن أم رافع مولاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هي التي كانت تسهر عليها ، وتتولي تمريضها.

225

وتسمرت أسماء في مكانها وقد عقدت الدهشة لسانها لما رأت وسمعت ...

لقد اذهلها الخطب العظيم ، واستبد بها القلق والجزع والخوف على الزهراء وما هي إلا دقائق معدودات حتى حم القضاء وعلت صفرة الموت وجه سيدة النساء.

صاحت أسماء وناحت ، وعلا الصراخ، فاسرعت زينب والحسنان لاستفسار الخبر ، فوجدوا أمهم قد فارقت الحياة ...

واجتمع الناس على صوت البكاء والعويل ، واحاطوا بدار علي بن أبي طالب وهم بين باك وباكية ، ومتفجع ومتفجعة وقد اشتد بهم الحزن والاسى على بضعة الرسول فاطمة الزهراء (ع).

وعن ينابيع المودة عن أم سلمة (رض) قالت :

اشتكت فاطمة في وجعها ، فخرج « علي » لبعض حاجته فقالت لي فاطمة :

يا اماه اسكبي لي ماء ، فسكبت لها ماء ، فاغتسلت أحسن غسل ، ثم قالت : يا اماه ناوليني ثيابي الجدد ، فناولتها ثم قالت : قدمي فراشي وسط البيت ، فاضطجعت ووضعت يدها اليمنى تحت نحرها ، واستقبلت القبلة ثم قالت : يا اماه اني مقبوضة الآن ، فلا يكشفني أحد ، ولا يغسلني أحد.

قالت أم سلمة : فقبضت مكانها (صلوات الله وسلامه عليها).

قالت : ودخل « علي » فاخبرته بالذي قالت ، فقال علي : والله لا يكشفها

226

أحد. فدفنها بغسلها ولم يكشفها أحد. ولم يغسلها أحد (1).

واختلفت الروايات ، فقيل : « لما توفيت غسلتها أسماء بنت عميس وعلي ( رضي الله عن الجميع ) ودفنها ليلاً (2).

ورحم الله القائل :

ولأي الأمور تدفن ليلاً * * * بضعة المصطفى ويعفى ثراها

ضاقت الدنيا على علي بن أبي طالب (ع) ، واشتد به الحزن على أم الحسنين زوجته فاطمة بنت الرسول (ص).

وبعد دفنها هاج به الألم ، فوقف على القبر يتحسر ، وقلبه يعتصر اسى ولوعة ثم قال : (3)

« السلام عليك يا رسول الله ،عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ، ورق عنها تجلدي ، إلا ان لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك فإنا لله وانا اليه راجعون.

فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ، أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم.

وستنبئك ابنتك بتضافر امتك على هضمها ، فاحفها السؤال ، واستخبرها

____________

(1) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ...

(2) مرآة الجنان ـ لليافعي المكي ـ ج 1 ـ ص 60.

(3) اعلام النساء للاستاذ عمر رضا كحالة.

227

الحال ، هذا ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر. والسلام عليكما سلام مودع لا قال ، ولا سئم ، فإن انصرف فلا عن ملالة ، وإن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين.

ثم تمثل علي (ع) عند قبرها فقال :

ارى علل الدنيا علي كثيرة * * * وصاحبها حتى الممات عليل

لكل اجتماع من خليلين فرقة * * * وكل الذي دون الممات قليل

وان افتقادي فاطماً بعد احمد * * * دليل على ان لا يدوم خليل

وخشع الإمام (عليه السلام) ، ولم يتمالك من البكاء وهو يسوي التراب ، ففاضت عبراته ، وأخذ ينفض يديه بحركة يائسة ، وكأنه قد فرغ من الدنيا بعد ما وارى تحت الثرى ، زوجته الحبيبة ، وشريكة حياته التي ملأت عليه دنياه ووقفت بجانبه تشده وتوآزره في السراء والضراء. كما كانت أمها « خديجة » تناضل وتكافح وتضحي في كل غال ورخيص مجاهدة مع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

228

الذكريات

وطافت الذكريات بالإمام علي (ع) واستولى عليه الحزن واستسلم لذكريات الماضي الحبيب ، وأخذت تمر هذه الصور في مخيلته متلاحقة تذكره بالراحلة الطاهرة الزكية التي كانت أشبه الناس بأبيها.

تذكرها يوم وقفت تلك الوقفة العظيمة ، تُذكِّر المسلمين ما أنساهم إياه الدهر ... أو تناسوه كما جاء في كتاب الغدير (1). حيث قالت : نسيتم قول رسول الله (ص) يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » وقوله أيضاً (ص) : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

وكانت من أقرب الناس الى أبيها في الجود والسخاء والكرم ؛ ألم تسمعه يقول :

« السخاء شجرة من أشجار الجنة ، أغصانها متدلية الى الأرض ، فمن أخذ منها غصناً قاده ذلك الغصن إلى الجنة ».

وقالت أيضاً : السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد عن النار ، وإن الله جواد يحب كل جواد.

____________

(1) الغدير ـ للشيخ الاميني ـ ج 1 ـ ص 197.

229

وبلغ من جودها (ع) وسخائها العظيم ، انها كانت تؤثر المحتاجين على نفسها ، وتعطي الفقراء قوتها الذي لا تملك سواه كما كان يفعل أبوها النبي وزوجها علي وبهم نزلت الآية الكريمة : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (1).

وبدا الإمام (ع) في حزنه كسير القلب ، متصدع الأركان مع أنه ذلك الأسد الهصور، والبطل الهمام.

وتذكر الزهراء (ع) ، والحسرة تعصر قلبه ... لما لاقته في حياتها من أتعاب ، وآلام وأفراح وأحزان ، صاحبة النفس الرحيمة والقلب الكبير التي قضت حياتها وأفنت عمرها القصير في الجهاد والتضحية لخدمة الإسلام والمسلمين.

فكيف ينسى الإمام (ع) زوجته ، هذه الإنسانة الحورية ... وينسى مواقفها البطولية ، وشجاعتها وبلاغتها وعلمها وفصاحتها ، مع ثباتها على الحق.

وإذا اشتد به الأسى والألم نجده عائداً إلى بيته وألم الحزن يحز في نفسه.

وكيف لا يكون ذلك وقد فقد شخصين عظيمين من أعز الناس عليه وهما « محمد ... وفاطمة » تلك الشجرة الطيبة والغمامة ذات الظل الوارف ، والعلم الزاخر والغضل الذي لا يدرك مداه.

____________

(1) سورة الحشر ـ آية ـ 9.

230

لقد ظلت الزهراء (عليها السلام) ، بعد وفاة ابيها (ص) ، تكافح من أجل احقاق الحق ، وارجاعه لاهله ، وتثبيت ، دعائم العدل ، ودفع الظلم الذي أحيط بها وبزوجها « علي » ، وبقيت تناضل الى ان فارقت الدنيا ، تاركة احسن صورة للانوثة الكاملة ... المقدسة.

ما اجمل تعبير الاستاذ العقاد حيث يقول :

( ان في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة ، يتخشع بتقديسها المؤمنون ، كأنما هي آية الله من ذكر وانثى.

فاذا تقدست في المسيحية صورة « مريم العذراء. » ففي الاسلام لا جرم أن تتقدس صورة « فاطمة الزهراء ... البتول ».

وسيظل ذكر الزهراء على لسان المؤمنين ، يخلدونه ، ومركزها ومكانتها وجلال قدرها الرفيع بين اعلام النساء ، وعباد الله المكرمين ).

واختلف في تاريخ وفاتها ، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته ، انها توفيت بعد ابيها بثلاثة أشهر ، وعمرها عشرون عاماً ، وقيل بستة أشهر ، وقيل لحقت بأبيها بعد خمسة وسبعين يوماً ، وذلك في اليوم الثالث من شهر رمضان الى غير ذلك من الروايات.

وضم ثرى المدينة المنورة ، جثمان الصديقة الطاهرة ، فاطمة الزهراء كما احتوى من قبل على جثمان ابيها الرسول (ص).

وأوحشت ديار بني هاشم بعد النبي وابنته وافتقد اهلها النور الذي كانوا يهتدون به والركن القويم الذي اليه يستندون ويلجأون.

231

حزن علي على فراق زوجته الزهراء (ع) :

تقول المرويات كان علي بن ابي طالب (عليه السلام) يزور قبر زوجته الزهراء في كل حين ، واقبل ذات يوم فانكب على القبر ، وبكى بكاء مراً وأنشأ يقول :

مالي مررت على القبور مسلماً * * * بر الحبيب فلم يرد جوابي

يا قبر مالك لا تجيب منادياً * * * أمللت بعدي خلة الاحباب ؟

فأجابه هاتف يقول :

قال الحبيب وكيف لي بجوابكم * * * وانا رهين جنادل وتراب

أكل التراب محاسني فنسيتكم * * * وحجبت عن اهلي وعن اترابي

فعليكم مني السلام تقطعت * * * مني ومنكم خلة الاحباب

وبات أهل المدينة والمسلمون وقد خيم عليهم الحزن وظللتهم الكآبة لفقد الزهراء بضعة الرسول.

ماتت الزهراء بجسمها ، ولكنها بقيت بروحها ، ولا تزال حية في قلوب المؤمنين ... ورمزاً حياً للمرأة المسلمة ، وقدوة صالحة للمقتدين ...

بقي صدى كفاحها (عليها السلام) ، وثباتها على الحق وجهادها في سبيل الاسلام يقضُّ مضاجع حكام السوء ، وطغاة العصور على مر الأيام والسنين.

روت عن ابيها الرسول الأعظم (ص) الكثير من الاحاديث والروايات ،

232

فقد ولدت في بيت الوحي ومهد النبوة وترعرعت تحت ظل صاحب الرسالة. ورافقتها حتى آخر حياتها الشريفة.

وعت الاسلام ووقائعه وانتصارته. وقد روى عنها ولداها الحسن والحسين ، ووالدهما علي بن ابي طالب (ع).

كذلك روت عنها السيدة عائشة ام المؤمنين والسيدة ام سلمة وسلمى أم رافع ، وانس بن مالك وغيرهم الكثير من كبار الصحابة ومشايخ وعلماء المسلمين الصالحين ...

وما عساني ان اكتب عن الزهراء (عليها السلام) ... ولكن اكتفي بالقول ان قلمي عاجز ...

يحق لي ان اعترف بالعجز عن الاحاطة بما كتب عن حياتها التي قضتها في الجهاد والكفاح في سبيل الاسلام والعقيدة مع ابيها النبي ... وزوجها الامام علي وولديها السبطين الحسن والحسين (ع).

واعترف ايضاً بالقصور عن ادراك معرفتهم ، وسبر غورهم ، والاحاطة بصفاتهم وفضائلهم ...

« وفوق كل ذي علم عليم »

بآل محمد عرف الصواب * * * في ابياتهم نزل الكتاب

وهم حجج الاله على البرايا * * * وبجد هم لا يستراب

233

المرأة في صدر الاسلام :

ان صدر الاسلام ليس له تحديد معين بارقام سنين لا يتعداها ، ولكننا نقصد به ذلك الزمن الذي مضى من بدء دعوة محمد (ص) عهد الرسول الكريم وخلفائه الراشدين (1).

ذلك العهد الذي كان الناس يتقيدون باحكام الشرع العظيم ، وتعاليم الدين القويم.

وصدر الاسلام هو عهد انتقال من البداوة وعاداتها وتقاليدها ، وجاهليتها الى الاسلام وشريعته السمحاء ونظمه الحضارية وقوانينه المدنية.

وقد بذل المسلمون الجهود الجمة الجبارة ، ولاقوا المتاعب والمصاعب لسلوك الطريق الافضل ، بين التقاليد الموروثة والاعتقادات والعادات القديمة ... وبين ما جاء به الاسلام من تنظيم ديني ... ومدني ... وتوحيد لله سبحانه ، بالاضافة الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونحن اذ نتكلم أو نكتب عن المرأة في صدر الاسلام وما بعده حتى الآن ، ونشرح ما اصاب المرأة واخلاقها من التبدل والتطور ، يجب ان نشير ايضاً الى الرجل وما طرأ عليه من تطور وتبدل.

أليس كلاهما عضو فعال في الهيئة الاجتماعية الواحدة يؤثر فيها ... ويتأثر بها ؟!

____________

(1) الخلفاء الراشدين ... حسب اصطلاح المؤرخين.

234

ولا يمكننا ان نتجاهل تأثير الرجال الشديد بصورة خاصة على المجتمع النسائي.

اخلاق المرأة المسلمة في صدر الاسلام :

ان شمائل المرأة العربية واخلاقها الحميدة ، لهي اجمل صفة كانت تتحلى بها ، فقد كانت بحكم البيئة والمجتمع القديم رغم تسلط الرجل عليها ، وتعسفه واستئثاره ، تحتفظ بمزايا فطرية عظيمة ونبيلة.

كالشجاعة ... والجرأة الادبية ... والعفاف ... والكرم ... والوفاء ... وحفظ الجوار ... واغاثة الملهوف ... والعفو عن المقدرة ... الى غير ذلك من الاخلاق الفاضلة ، والمزايا الحميدة ...

فلما جاء الاسلام أبقى على هذه المزايا والشمائل ، وتعهدها واضاف اليها صفات جديدة ...

كالتقى والايمان ... والورع ... والتدين وكان الاسلام حريصاً على مكارم الاخلاق كما ورد في الحديث الشريف عن الرسول الاعظم (ص) « انما بعثت لأتم مكارم الاخلاق ».

وحتى نتمكن من الاحاطة بما فعله الاسلام من تبديل وتطوير وتأثير على اخلاق المرأة وسير حياتها ، لابد لنا من استعراض بعض مآثرها في النواحي الاجتماعية لتوضيح ما كان من سيرة حياتها في ذلك العهد.

جهاد المرأة في الاسلام :

لقد كانت الشجاعة في ايام الجاهلية عنوان القوم ، ومدار اهتمامهم ،

235

والمحور الذي تدور عليه مفاخرتهم واشعارهم وغزواتهم وحروبهم.

ولما ظهر الاسلام بنور تعاليمه الساطعة ، انبرت المرأة للمساهمة بنصيبها الاكبر في الجهاد.

فكانت مع الرجل جنباً الى جنب تروي ظمأه اذا عطش وتضمد جراحه اذا اصيب ، وتثير الحماس في رؤوس المقاتلين.

واذا اضطرت للدفاع ، او تعرضت للاهوال ، وقفت وقفة الابطال ، واقبلت على محاربة الاعداء ، غير هيابة ولا وجلة ، بشجاعة وثبات ... وصلابة وعقيدة.

في حين نرى ان بعض الرجال البارزين ، يعجز ... أو يهاب ان يقف موقفها.

جهاد الهاشميات :

ان جهاد بني هاشم في سبيل الاسلام معروف ومشهور لا ينكره احد.

فكما كان للرجال جهاد ، كان للنساء مواقف سجلها التاريخ على صفحاته وفي مقدمة النساء كن الهاشميات فقد ساهمن في سبيل الدفاع عن الاسلام ، واعلاء كلمته ما وسعهن المساهمة. سواء بالشجاعة والاقدام ... او بالخطب والكلام. واولهن الصحابية الجليلة سليلة البيت الهاشمي الرفيع. « صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول ».

236

صفية بنت عبد المطلب :

لقد حدثنا التاريخ عن بطولة وجهاد سيدة عظيمة هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم ( عمة الرسول ).

ذكر ابن هشام في سيرته (2).

« كان رسول الله (ص) ، اذا خرج لقتال عدوه ، اصطحب بعض نسائه معه ، ففي غزوة ( الخندق ) رفع ازواجه ونساءه في حصن حسان بن ثابت ، وكان من احصن آكام المدينة.

فمر رجل يهودي وجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول الله (ص) والمسلمون في نحور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا الى ذلك الحصن إن اتاه آت.

فقالت صفية : يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، واني والله ما آمنه ان يدل على عورتنا من ورائنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله (ص) واصحابه ، فانزل اليه فاقتله.

فقال حسان : يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب ! والله لقد عرفت ما انا بصاحب هذا.

____________

(1) ذكر هذا الحديث جميع اهل التاريخ والسير ـ كالسيرة الحلبية ـ والسيرة النبوية لابن هشام ـ كتاب الدر المنثور لزينب فواز ـ اعلام النساء عمر رضا كحالة وغيرهم.

237

فلما سمعت صفية كلام حسان ، قامت فأخذت عموداً ثم نزلت من الحصن الى ذلك اليهودي فضربته في العمود فقتلته.

ثم رجعت الى الحصن فقالت : يا حسان. انزل اليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل.

فقال لها حسان : « ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب ».

وتقول بعض المرويات : ان صفية لما قتلت اليهودي ، وقطعت رأسه ، قالت لحسان :

« قم فأطرح رأسه على اليهود وهم أسفل الحصن ».

فقال : والله ما أستطيع ذلك. قالت : فقمت فرميت رأسه على اليهود ، فأدهش ذلك اليهود وقالوا :

« لقد علمنا أن هذا ( محمداً ) لم يكن ليترك أهله خلواً ليس معهم أحد. فتفرقوا خائفين ».

وهذه الراوية تشهد لصفية بنت عبد المطلب بالشجاعة الفائقة والاقدام على نصرة الاسلام.

ولكنها لم تنقص من قدر حسان بن ثابت شاعر الرسول الأعظم (ص) ولم يكن خاملاً ...

حسان بن ثابت ليس رجل حرب ... وليس بمقدوره مقارعة الفرسان ...

بل إن جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق ونشر راية الاسلام كان بشعره ولسانه وبيانه ... لا بسيفه ورمحه وسنانه.

أجل إن شاعر الرسول « حسان بن ثابت » وإن كان جباناً في القتال ،

238

لكن له مواقفه الجليلة ، حيث يصنع اللسان ما يعجز عنه السنان.

ومما يروى عن الرسول الأعظم (ص) ، انه كان ينصب المنبر لحسان بيده الشريفة ويقول : « اللهمَّ أيد حساناً بروح القدس ... ما دافع عن رسولك ».

ولحسان بن ثابت أشعار كثيرة في تأييد الرسول (ص) والرسالة وتأييد الوصية لعلي بن أبي طالب (ع) فمن ذلك قوله في يوم غدير خم.

يناديهم يوم الغدير نبيهم * * * بخم واسمع بالنبي مناديا

فقال فمن مولاكم ونبيكم * * * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبينا * * * ولم تلق منا في الولاية عاصيا

فقال له : قم يا علي فإنني * * * رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليه * * * فكونوا له أتباع صدق مواليا

هناك دعا اللهمَّ وال وليه * * * وكن للذي عادى علياً معاديا

« وشهدت صفية ( عمة الرسول ) غزوة ( أحد ) ولما انهزم المسلمون قامت وبيدها رمح تضرب في وجوه الناس وتقول :

انهزمتم عن رسول الله ؟!

فلما رآها رسول الله (ص) قال لابنها الزبير بن العوام : إلقها فارجعها حتى لا ترى ما بشقيقها الحمزة بن عبد المطلب. فلقيها الزبير فقال لها : يا أماه ... إن رسول الله (ص) يأمرك أن ترجعي ، فقالت : ولمَ ؟ ... فقد بلغني أنه مثل بأخي « حمزة » وذلك في الله عز وجل قليل ، فما أرضانا بما كان من ذلك. لأحتسبن ولأصبرن إنشاء الله تعالى.

فلما جاء الزبير رسول الله (ص) فأخبره بذلك قال : خل سبيلها.

239

فأتت صفية الحمزة ، فنظرت اليه ، وصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له.

ثم أمر رسول الله (ص) به فدفن (1) وقالت تبكي أخاها الحمزة وترثيه.

أسائلة أصحاب أحد مخافة * * * بنات ابي من أعجم وخبير

دعاه إله الحق ذو العرش دعوة * * * الى جنة يحيا بها وسرور

فوالله لا أنساك ما هبت الصبا * * * بكاء وحزناً محضري ومسيري

فيا ليت شلوي عند ذاك واعظمي * * * لدى أضبع تعتادني ونسور

كانت صفية شجاعة مقدامة ، عملت جهدها في سبيل نصرة الاسلام والمسلمين ، وتوفيت رحمها الله في سنة عشرين للهجرة ، ودفنت في البقيع.

____________

(1) أمر رسول الله (ص) بدفن عمه الحمزة (رضي الله عنه) حيث قتل ولا يزال قبره الى الآن عند جبل احد.

واحد ـ جبل قرب المدينة المنورة. دارت قربه المعركه المشهورة ـ بوقعة احد.

240

فاطمة بنت اسد بن هاشم

سيدة جليلة حافظت على رسول الله (ص) حفاظ الصدر على جنانه ، والطرف على إنسانه ، كانت تؤثره عليه الصلاة والسلام على أولادها ، وترعاه بعناية تامة ، وتحنو عليه أكثر من حنو الوالدة على رضيعها.

لذلك نرى النبي (ص) قابل صنيعها الجميل ، وما قامت به من خدمات أحسن مقابلة.

روي عن الرسول (ص) لما توفيت فاطمة بنت اسد بن هاشم (1) زوجة أبي طالب ، ووالدة علي أمير المؤمنين (ع) كفنها رسول الله (ص) في قميصه وصلى عليها ، وكبر عليها سبعين تكبيرة ، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنه يوسعه ، ويسوي عليها ، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان. وجثا في قبرها ، فلما ذهب قال له عمر بن الخطاب :

يا رسول الله رأيتك فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد ؟ فقال : يا عمر إن هذه المرأة كانت بمنزلة امي التي ولدتني.

____________

(1) ذكر السيد الامين في كتابه أعيان الشيعة ـ أن فاطمة بنت اسد سبقت الى الاسلام وهاجرت الى المدينة في أول الهجرة. وروى الحاكم في المستدرك قال : كانت فاطمة بنت اسد اول هاشمية ولدت من هاشمي ، وكانت بمحل عظيم من الإيمان ، في عهد رسول الله وتوفيت في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

241

إن أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة ، وكان يجمعنا على طعامه ، فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيباً فأعود فيه.

روى صاحب أعلام النساء : أن فاطمة بنت أسد لما توفيت بالمدينة ، ألبسها رسول الله (ص) قميصه ، واضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه ؟

فقال : إنه لم يكن أحد بعد ابي طالب أبر بي منها ، إنما ألبستها قميصي لتكتسي من حلل الجنة ، وأضطجعت معها ليهون عليها الحساب (1).

أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم :

كانت أروى مثال المرأة المسلمة ، جاهدت في سبيل الله بلسانها وبيانها ، في كل دور من أدوار الإسلام الذي مرَّ عليها ، ولم تأل جهداً في أداء النصيحة وإرشاد الناس الى سلوك طريق العدل والانصاف ، وإرجاع كل ذي حق حقه ، بكل ما تقدر عليه ، غير هيابة ولا وجلة ، لا تأخذها في الله لومة لائم.

ولا غرابة فقد كانت السيدة أروى فريدة زمانها ، وبليغة عصرها إذا خطبت أعجزت ، وإن تكلمت أوجزت لانها إبنة البلاغة ومعدن الفصاحة.

ومن جملة نصحها للإسلام ، وإرجاع الحق الى أهله ، دخولها على معاوية بن أبي سفيان وهو في أبهة سلطانه ، وشموخه بأنفه بين أعوانه.

____________

(1) ذكر صنيع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اكثر المؤرخين وأصحاب السير ، كالسيد الامين في ايمان الشيعة وعمر رضا كحالة في أعلام النساء والسيد علي فضل الله الحسني في كتابه الاخلاق الاسلامية وغيرهم.

242

دخلت عليه تؤنبه وتقرعه لتنكبه جادة الحق ، وسلوكه طريق الباطل واغتصابه الخلافة من أهلها الشرعيين.

حديث اروى بنت الحارث بن عبد المطلب مع معاوية :

ذكر ابن طيفور مروياً عن أنس بن مالك قال :

« دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ، على معاوية بن أبي سفيان بالموسم ، وهي عجوز كبيرة ، فلما رآها قال : مرحباً بك يا عمة قالت :

كيف أنت يا ابن أخي ، لقد كفرت بعدي بالنعمة ، وأسأت لابن عمك الصحبة ، وتسميت بغير اسمك. وأخذت غير حقك ، بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام.

ولقد كفرتم بما جاء به محمد (ص) ، فأتعس الله منكم الجدود ، وأسعر منكم الخدود ، حتى رد الله الحق الى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا ونبينا محمد (ص) هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون.

فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً حتى قبض الله نبيه (ص) مغفوراً ذنبه مرفوعاً درجته شريفاً عند الله مرضياً ، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم.

وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول : « يا ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » ولم يجمع بعد رسول الله (ص) لنا شمل ، ولم يسهل لنا وعر ، وغايتنا الجنة ، وغايتكم النار.

قال عمرو بن العاص : أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك وغضي من

243

طرفك ، قالت : ومن أنت لا أمَّ لك قال : عمرو بن العاص. قالت : يا ابن اللخناء النابغة ، اتكلمني ..! اربع على ظلعك ، وأعن بشأن نفسك ، فوالله مما أنت من قريش في اللباب من حسبها ، ولا كريم منصبها ، ولقد ادعاك ستة من قريش كلهم يزعم أنه ابوك ، ولقد رأيت امك أيام منى مع كل عبد عاهر ( أي فاجر ) فأتمَّ بهم فإنك بهم أشبه.

فقال مروان بن الحكم : أيتها العجوز الضالة ، ساخ بصرك مع ذهاب عقلك ، فلا تجوز شهادتك ، قالت : يا بني أتتكلم ! فوالله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم ، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك مع قصر قامته ، وظاهر دمامته ، لقد رأيت الحكم ماد القامة ظاهر اللامة سبط الشعر ، وما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب ، فاسأل امك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن ابيك إن صدقت.

ثم التفتت إلى معاوية فقالت : والله ما عرضني لهؤلاء غيرك ، وإن أمك القائلة في يوم أحد في قتل حمزة رحمة الله عليه :

نحن جزيناكم بيوم بدر * * * والحرب يوم الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر * * * أبي وعمي وأخي وصهري

شفيت وحشي غليل صدري * * * شفيت نفسي وقضيت نذري

فشكر وحشي علي عمري * * * حتى تغيب أعظمي في قبري

فأجبتها بقولي :

يا بنت رقّاع عظيم الكفر * * * خزيت في بدر وغير بدر

صبحك الله قبيل الفجر * * * بالهاشميين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفري * * * حمزة ليثي وعلي صقري

244

إذ رام شبيب وأبوك غدر * * * أعطيت وحشياً ضمير الصدر

هتَّكَ وحشي حجاب الستر * * * ما للبغايا بعدها من فخر

فقال معاوية لمروان وعمرو : ويلكما أنتما عرضتماني لها ، وأسمعتماني ما أكره.

ثم قال لها : يا عمة اقصدي قصد حاجتك ، ودعي عنك أساطير النساء. قالت : تأمر لي بألفي دينار ، وألفي دينار ، وألفي دينار.

قال : ما تصنعين يا عمة بألفي دينار ؟ قالت : أشتري بها عيناً خرخارة ، في أرض خوارة تكون لولد الحارث بن عبد المطلب.

قال : نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : ازوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم ...

قال : نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟

قالت: أستعين بها على عسر المدينة ، وزيارة بيت الله الحرام.

قال : نعم الموضع وضعتها ، هي لك نعم وكرامة.

ثم قال : أما والله لو كان علي ما أمر لك بها ...

قالت : صدقت إن علياً أدَّى الأمانة ، وعمل بأمر الله وأخذ به ، وأنت ضيعت أمانتك وخنت الله في ماله ، فأعطيت مال الله من لا يستحقه وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها ، وبينها فلم تأخذ ، ودعانا ( أي علي ) الى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا. فشغل بحربك عن وضع الامور مواضعها ، وما سألتك من مالك شيئاً فتمنَّ به ، إنما سألتك من حقنا ، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا.

أتذكر علياً فضَّ الله فاك ... وأجهد بلاءك ، ثم علا بكاؤها وقالت :

245

ألا يا عين ويحك أسعدينا * * * ألا وابكي أمير المؤمنينا

رزينا خير من ركب المطايا * * * وفارسها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال او احتذاها * * * ومن قرأ المثاني والمئينا

إذا استقبلت وجه ابي حسين * * * رأيت البدر راع الناظرينا

ولا والله لا أنسى علياً * * * وحسن صلاته في الراكعينا

أفي الشهر الحرام فجعتمونا * * * بخير الناس طرّاً أجمعينا (1)

وفي رواية : قال لها معاوية : عفا الله عما سلف يا خالة ، هاتِ حاجتك.

قالت : مالي إليك حاجة ، وخرجت عنه.

فقال معاوية لأصحابه : والله لو كلمها من في مجلسي جميعاً ، لأجابت كل واحد بغير ما تجيب به الآخر. وإن نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم.

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور والعقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي وغيرهما.

246

مساهمة المرأة في نصرة الاسلام

لقد سارعت المرأة إلى نصرة الاسلام ، مندفعة بكل ما تملكه من شجاعة وإقدام وتضحية في سبيل الدين والعقيدة.

ولا بأس بأن نذكر بعض النساء اللواتي ساهمن مساهمة فعالة ، في نصرة الحق والدفاع عنه ، بما يتلاءم مع كيانهن وطبيعتهن ، وذلك ضمن نطاق الحشمة والأدب والشرع الشريف.

أم رعلة القشيرية :

« سيدة من ربات الفصاحة والبلاغة. وفدت على النبي (ص) فقالت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ... أنا من ذوات الخدور ، ومحل ازر البعول ، ومربيات الأولاد ، وممهدات المهاد ، ولا حظّ لنا في الجيش الأعظم ، فعلمنا شيئاً يقربنا من الله عز وجل.

فقال لها النبي (ص) : عليكن بذكر الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار ، وغض البصر وخفض الصوت.

ثم أقبلت بعد وفاة النبي (ص) الى المدينة فحزنت عليه حزناً شديداً وأخذت بالحسن والحسين تطوف بهما بأزقة المدينة ، وهي تبكي بكاءً مراً ، وترثيه برثاءٍ مؤلم منه :

247

يا دار فاطمة المعمور ساحتها * * * هيجت لي حزناً حييت من دار

فهاجت المدينة لمأتمها ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وأهلها يبكون (1).

ام ورقة بنت عبد الله بن الحارث الانصارية :

كانت من فواضل نساء عصرها ، وكان رسول الله (ص) يزورها ويسميها الشهيدة. ولما غزا رسول الله بدراً قالت له : إِيذن لي أن اخرج معكم ، أداوي جراحكم ، وأمرض مرضاكم ، لعل الله يهدي إلي الشهادة.

فقال لها رسول الله (ص) : إن الله يهديك الشهادة ، وقري في بيتك فإنك شهيدة ...

وكانت جمعت القرآن فأمرها النبي (ص) أن تؤم أهل دارها ، وكان لها مؤذن ... وكانت تؤم أهل دارها ، حتى قتلت ... فقالوا : صدق رسول الله ... إنها شهيدة (2).

سبيعة بنت الحرث الاسلمية :

قال ابن عباس : (3) صالح رسول الله (ص) بالحديبية مشركي مكة ، على من اتاه من اهل مكة ، رده عليهم ، ومن اتى اهل مكة من اصحاب رسول الله (ص) فهو لهم ، ولم يردوه عليه. وكتبوا بذلك كتاباً ، وختموا عليه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية ، مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ،

____________

(1) الاصابة لابن حجر ـ وأعلام النساء لعمر رضا كحالة وغيرهما.

(2) طبقات ابن سعد الكبرى ـ تهذيب التهذيب لابن حجر.

(3) عن مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للطبرسي.

248

والنبي (ص) بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم قال مقاتل هو « صيف بن الراهب » في طلبها وكان كافراً فقال :

يا محمد اردد على امرأتي ... فإِنك قد شرطت لنا ، ان ترد علينا من اتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد ... فنزلت الآية :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1).

قال ابن عباس : إِذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الكفار ، الى دار الإسلام ، فامتحنوهن ... امتحانهن أن يستحلفن ، ما خرجت من بغض زوج ، ولا رغبة عن ارض الى ارض ، ولا التماس دنيا ، وما خرجت إلا حباً لله ورسوله.

فاستحلفها رسول الله (ص) : ما خرجت بغضاً لزوجها ، ولا عشقاً لرجل منا ، ولا خرجت إلا رغبة في الإسلام.

فحلفت ... بالله الذي لا إله إلا هو ... على ذلك فأعطى رسول الله (ص) زوجها مهرها ، وما أنفق عليها ، ولم يردها عليه.

ام كلثوم بنت عقبة :

قال الجبائي : (2) إن ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، جاءت مسلمة ،

____________

(1) سورة الممتحنة ـ آية ـ 10.

(2) مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي.

249

مهاجرة من مكة ، فجاء اخواها الوليد ... وعمارة ، الى المدينة فسألا رسول الله ردها عليهما.

فقال رسول الله (ص) ان الشرط بيننا في الرجال لا في النساء. فلم يردها عليهما.

قال الجبائي : وإنما لم يجر هذا الشرط في النساء ، لأن المرأة إذا اسلمت ، لم تحل لزوجها الكافر !! فكيف ترد عليه وقد وقعت الفرقة بينهما.

زينب بنت رسول الله (ص) :

قال الشعبي : (1) كانت زينب بنت رسول الله (ص) امرأة أبي العاص بن الربيع ، فأسلمت ، ولحقت بالنبي (ص) في المدينة.

وأقام ابو العاص مشركاً بمكة ، ثم أتى الى المدينة فأمنته زينب ، ثم أسلم فردها عليه رسول الله (ص).

وقال الجبائي : لم يدخل في شرط صلح الحديبية ، إلا رد الرجال دون النساء المسلمات ، ولحقن بالرسول (ص) ، أمثال : أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأميمة بنت بشر وغيرهن كثيرات مما يضيق المجال عن ذكرهن.

ام رميثة بنت عمر بن هاشم بن عبد المطلب :

مجاهدة جليلة ، وسيدة عاقلة ، اسلمت ، وبايعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وشهدت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتح خيبر ، وأطعمها رسول الله أربعين وسقاً تمراً وخمسة اوسق شعير (2).

____________

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للطبرسي.

(2) سيرة ابن هشام ـ تاريخ الطبري ـ الإصابة لابن حجر.

250

ام حكيم بنت الحارث المخزومية :

مجاهدة جليلة ، أسلمت يوم الفتح ، واستأمنت لزوجها عكرمة بن ابي جهل ، فأمنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخرجت في طلبه وقد هرب الى اليمن فأدركته في ساحل من سواحل تهامة وقد ركب البحر. فجعلت تصيح إليه وتقول :

يا ابن عم ، جئتك من أوصل الناس ، وأبر الناس ، وخير الناس ، لا تهلك نفسك ، وقد استأمنت لك منه ، فأمنك. فقال : أنتِ فعلت ذلك ؟ قالت : نعم أنا كلمته فأمنك. فرجع معها.

ولما وصل عكرمة ، وانتهى الى باب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجته معه ، فسبقته ، فاستأذنت على الرسول ، فدخلت وأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقدوم عكرمة ، فدخل عكرمة وأسلم.

وشهدت أم حكيم وقعة اليرموك (1) وأبلت فيها بلاءً حسناً فقاتلت فيها أشد القتال.

وفي وقعة مرج الصغر ، خرجت بعمود الفسطاط ، فقتلت سبعة من الروم (2).

ام حبيب بنت العاص القرشية :

مجاهدة جليلة ، أدركت عصر النبي ، ولها صحبة ، وشهدت اليرموك ، وحرضت الرجال على القتال ، لما شدَّ طرف من الروم على عمرو بن العاص ، فانكشف هو وأصحابه ، حتى دخلوا أول المعسكر وهم في ذلك يقاتلون ويشدون.

____________

(1) اليرموك : وادٍ بناحية الغور ـ ومرج الصغر واقع بنواحي دمشق.

(2) تاريخ الطبري ـ طبقات ابن سعد ـ سيرة ابن هشام.

251

عند ذلك نزل النساء من التل ، بعمد الحديد يضربن وجوه الرجال.

وقادت ام حبيب الناس قائلة : قبح الله رجلاً يفر عن حليلته ... وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته ... فتراد المسلمون ، فزحف عمرو واصحابه حتى عادوا الى قريب مواقفهم (1).

بركة بنت ثعلبة ام ايمن :

هذه المهاجرة ، هي مولاة النبي (ص) ، وحاضنته ، وكانت من المهاجرات الاول :

هاجرت الهجرتين الى ارض الحبشة ـ والى المدينة ، وقد شهدت أم ايمن حنيناً ... واحداً ... وخيبراً ... وكانت في أحد تسقي الماء (2).

بما انني ما زلت في صدد ذكر بعض المسلمات المجاهدات اللواتي رافقن الرسالة النبوية الشريفة ، وما قمن به من خدمات جليلة ، وما ادّين من واجبات نحو الاسلام والمسلمين وهن كثيرات منهن.

حمنة بنت جحش :

مهاجرة جليلة ، جاهدت مع رسول الله (ص) وشهدت أحداً ، فكانت تسقي العطاش.

وقد اطعمها رسول الله (ص) في خيبر ثلاثين وسقاً ... مثل الرجل (3).

____________

(1) الاستيعاب لابن عبد البر ـ اعلام النساء لعمر رضا كحالة.

(2) طبقات ابن اسعد ـ تاريخ الطبري.

(3) طبقات ابن اسعد ـ تاريخ الطبري.

252

ليلى الغفارية :

مجاهدة وغازية ، كانت تخرج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مغازيه ، وكان يسهم لها.

ولما خرج علي بن ابي طالب الى البصرة ، خرجت معه ، وأتت عائشة ام المؤمنين فقالت لها : هل سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضيلة في علي ؟

قالت : نعم ... دخل علي على رسول الله وهو معي ، وعليه جرد قطيفة ، فجلس بيننا ، فقلت : أما وجدت مكاناً هو أوسع لك من هذا ؟ ...

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عائشة ... دعي لي اخي فإنه أول الناس اسلاماً ، وآخر الناس بي عهداً ، وأول الناس لي لقياً يوم القيامة (1).

ام ذر الغفاري :

هي زوجة ابي ذر الغفاري (رضي الله عنه) ، الصحابي الجليل الذي ذكره الرسول الكريم بقوله : « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر ».

كانت شاعرة من شواعر العرب ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبتسم قال لأبي ذر : يا أبا ذر ... حدثني عن بدء إسلامك ؟

قال أبو ذر : كان لنا صنم يقال له « نهم » فأتيته فصببت له لبناً ، ووليت فحانت مني التفاتة ، فإذا كلب يشرب ذلك اللبن فلما فرغ ، رفع رجله فبال على الصنم ، فأنشأت أقول :

____________

(1) الاستيعاب لابن عبد البر ـ أعلام النساء لعمر رضا كحالة.

253

ألا يأنهم اني قد بدا لي * * * مدى شرف يبعد منك قربا

رأيت الكلب سامك حط خسف * * * فلم يمنع قفاك اليوم كلبا

فسمعتني أم ذر فقالت :

لقد اتيت جرماً ، وأبت عظماً ، حين هجرت نهماً ؟!

فلما أخبرتها الخبر ... فقالت :

ألا فابغنا رباً كريما * * * جواداً في الفضائل يا وهب

فما من سامه كلب حقير * * * فلم يمنع يداه لنا برب

فما عبد الحجارة غير غاوٍ * * * ركيك العقل ليس بذي لب

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : صدقت ام ذر ... « فما عبد الحجارة غير غاوٍ » (1).

____________

(1) اعلام النساء : عمر رضا كحالة.

254

انتعاش المرأة اجتماعياً في صدر الاسلام

تتطور أخلاق الناس بتطور أفكارهم ومقاييسهم وتتأثر بالبيئة ... والمجتمع.

وفي صدر الإسلام ، لما اتيح للمرأة الحرية ... وشعرت بمكانتها وشخصيتها ، وما انعم عليها الباري سبحانه وتعالى من الخير ، وما اوجب لها الإسلام من الحقوق ، أصابها ما يصيب الناس الذين ينتقلون فجأة من حال إلى حال.

لقد انتقلت المرأة بفضل تعاليم الاسلام وتشريعاته من الذل والهوان ... الى العزة والكرامة ... من الحرمان والاضطهاد ... الى الحرية والنور واحترام الشخصية والعطاء ... من الجهل والانزواء ، والجهالة العمياء ... الى الدين والتقى والورع والانطلاق ، والتحرر من العادات والتقاليد الظالمة والطقوس المشينة.

انتعشت المرأة ، وانطلق كل من الرجال والنساء على قدم المساواة كل فرد بحسب طبيعته وعلى قدر استطاعته ، وفق القوانين الإسلامية والتعاليم النبوية الشريفة.

ولقد كان الحافز إلى النهضة والتفاني بالجهاد ، الايمان بالله العظيم ورسالة النبي الكريم بالإضافة الى حلاوة الإسلام ، وزهو النصر المؤيد من الله رب العالمين. وكان من بين النساء التقيات الورعات ، المجاهدات ذوات العقل والدين المتحدثات بكل جرأة وأدب وانطلاق يبدين الرأي ، ويتحدثن بتفهم وروية ...