المرأة في ظلّ الإسلام

- السّيدة مريم نور الدّين فضل الله المزيد...
368 /
255

جزلات بأجوبتهن ، المسكتة ، وأحاديثهن الممتعة وعلى سبيل المثال نذكر قصة قيلة بنت مخرمة مع حريث بن حسان وافد بكر بن وائل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قيلة بنت مخرمة

ذكر ابن طيفور في كتاب بلاغات النساء « قيلة بن مخرمة » من ربات الفصاحة والبلاغة ، أسلمت قديماً ولها صحبة ، قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وسمعت منه وصلت معه ، ولها حديث طريف قالت (1).

« لقد انطلقت الى اخت لي في بني شيبان ، أبتغي الصحابة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبينما أنا عندها ذات ليلة تحسب اني نائمة إذ جاء زوجها من السامر فقال : وأبيك لقد اصبت لقيلة صاحب صدق ، قالت : من هو ؟ قال : هو حريث ابن حسان ، غادياً ذات صباح وافد بكر بن وائل الى رسول الله (ص).

قالت : يا ويلها ، لا تخبر بهذا اختي ، فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها ، ليس معها من قومها رجل. قال : لا تذكريه ، فإني لست ذاكره لها.

فلما أصبحت ، وقد سمعت ما قالا : شددت على جملي فانطلقت إلى حريث ابن حسان ، فسألت عنه فإذا به وركابه مناخة فسألته الصحابة الى رسول الله (ص) فقال : فقال : نعم ... وكرامة.

فخرجت معه ، صاحب صدق ، حتى قدمنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فدخلنا المسجد حين شق الفجر ، وقد اقيمت الصلاة فصلى والنجوم شابكه ، والرجال

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ أعلام النساء لعمر رضا كحالة وغيرهم.

256

لا تكاد تعارف من ظلمة الليل ، فصففت مع الرجال وكنت امرأة وحديثة عهد بالجاهلية فقال لي رجل جنبي : امرأة أنت أم رجل ؟

قلت : امرأة : قال : « كدت تفتنيني ، عليك بالنساء وراءك ». فإذا صف من النساء قد حدث عند الحجرات ، لم أكن رأيته حين دخلت ، فصففت معهن.

فلما صلينا جعلت أرمي ببصري الرجل ذا الرداء والفثرد لأرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتى دنا رجل فقال : السلام عليك يا رسول الله.

فإذا هو جالس القرفصاء ، ضام ركبتيه الى صدره ، عليه اسمال ملسين ، كانتا مصبوغتين بزعفران فنعصا ، وبيده عسيب مقشور غير خوصتين من أعلاه فقال : وعليك السلام ورحمة الله.

فلما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، والتخشع في مجلسه أرعدت من الفرق ، فقال له جليسه : يا رسول الله ... أرعدت المسكينة (1).

فقال بيده : « يا مسكينة عليك السكينة » فذهب عني ما كنت اجد من الرعب.

قالت : فتقدم صاحبي أول من تقدم ، فبايعه على الإسلام ... وعلى قومه ، ثم قال :

يا رسول الله ، اكتب لنا بالدهناء ، لا يجاوزها من تميم إلينا إلا مسافر ... او مجاور ...

فقال : يا غلام اكتب له الدهناء.

____________

(1) أرعد الرجل من الخوف : أنزل به الرعدة ـ صيره يرتعد ! ارتعد : اضطرب واهتر ـ ترجرج ـ المنجد في اللغة.

257

قالت : فلما رأيت ذلك شخص بي وهي داري ... ووطني.

فقلت : يا رسول الله إنه لم يسلك السوية من الأمر ، هذه الدهناء عندك مقيد الجمل ، ومرعى الغنم ، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك.

قال : صدقتِ ... امسك يا غلام ... المسلم أخو المسلم يسعهم الماء والشجر يتعاونان على الفتان كذا ...

قالت : فلما رأى حريث وقد حيل دون كتابه ، صفق بإحدى يديه على الاخرى ثم قال :

كنت أنا وأنتِ كما قال الأول : « حتفها حملت ضان بأظلافها ».

قالت : فقلت أما والله لقد كنت دليلاً في الليلة الظلماء ، جواداً لدى الرحل ، عفيفاً عن الرفيقة ، صاحب صدق ، حتى قدمنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). عليَّ أسأل حظي ... إذا سألت حظك.

قال : وما حظك من الدهناء لا أباً لك ؟ قالت : قلت مقيد جملي ... سله لجمل امرأتك.

قالت : فقال : اما اني اشهد رسول الله (صلى الله عليه) ، اني لكِ أخ ما حييت إذ أثنيت هذا عليَّ عنده ».

هذه قيلة بنت مخرمة وغيرها كثيرات من النساء ، ذوات الفهم والتعقل ، قد أمدها الإسلام بالجرأة والإقدام.

وقفت في بادئ الأمر ترتعد خوفاً ... ورهبة من هيبة الرسول حتى طمأنها عليه الصلاة والسلام بقوله ( يا مسكينة ... عليك السكينة ).

سكنت ... واطمأنت عندما شاهدت النبي العظيم بتواضعه وأخلاقه

258

السامية وحلمه وسعة صدره وشريعته السمحاء.

أقدمت على المطالبة بحقها وحق قومها ، غير هيابة ولا وجلة ، فلا مداهنة ولا تدجيل ، ولا رياء ... أليس حرية الرأي والصدق والصراحة والديمقراطية من بنود شريعة محمد ؟

ثم نراها تثني على صاحبها ودليلها « حريث بن حسان وافد بكر بن وائل » مع وقوفها قبل برهة أمامه موقف الخصم ( ولكن الحق يعلو ولا يعلو عليه شيء ).

ومما لا شك فيه من أن المرأة المسلمة عندما استنشقت روح الحرية ، وتذوقت معنى الكرامة وسمعت قول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يوصي بالنساء خيراً ، سارعت الى مساعدة الرجل المسلم الصحيح ، وأخذت بعضده ، وسارت معه بكل إخلاص وإيمان لسلوك الصراط المستقيم.

فيا ليت فتيات العصر الحاضر ... يلتفتن قليلاً الى الماضي حيث جداتهن القدامي المجاهدات اللواتي لا يزال أريج ذكرهن عابقاً يعطر اجواء التاريخ على مرِّ الليالي والعصور.

ويا ليت فتيات العصر الحاضر ينصفن انفسهن وينظرن بمنظار الحق والعدل ، لتتضح لهن الحقائق. ويرجعن إلى رشدهن ، ويتركن كل ما أزرى بهن من عادات مخلة بالأدب ، وتقاليد مشينة بالأخلاق.

259

عقيلة الهاشميين زينب بنت علي (ع)

من المنبت الزاكي والشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.

في بيت تجمعت فيه صفات الإنسانية ، وخصال الرحمة والوفاء.

في المنزل الذي تتهادي في جنباته شمائل الشرف والبطولة والكرم والحياء.

في السنة الخامسة للهجرة ولدت لسيدة النساء فاطمة الزهراء ابنتها عقيلة الهاشميين « زينب ».

في هذا الجو العابق بالتقى والورع والإيمان ، تفتحت هذه الوردة الزكية المنبت ، الكريمة المحتد ، فرأت النور مشرقاً في وجه جدها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتفتحت عيناها على بسمة أبيها علي (ع) وحنان امها فاطمة سيدة نساء الأنام.

استقبل بيت الرسول الوليدة المباركة ، يفوح عبيرها في المهد ، عبير المنبت الطيب ، سلالة الأشراف ، ويرتسم في قسمات وجهها المضيء ملامح الأجداد الكرام ، والآباء العظام. وتلوح في طلعتها المشرقة هيبة امها الزهراء ، التي حباها الباري سبحانه بمنزلة عالية ... فكانت أحب الناس الى قلب أبيها الرسول ، وأشبههن به خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، « فاطمة مني » وميزها سبحانه فكانت الوعاء الطاهر للسلالة الطاهرة ، الأئمة الأطهار.

وقد ذكر المؤرخون وأهل الأخبار : أن ظلالاً حزينة ارتسمت على مهد

260

الوليدة تشير الى ما ستلاقيه من المصائب والويلات في حياتها المشحونة بالأحداث.

وتنقل المرويات : عن جدها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وكيف انحنى على الوليدة ، حفيدته الغالية ، يقبلها بقلب حزين وعينين دامعتين ، لأنه كان عالماً بتلك الأيام السوداء التي تنتظر الطفلة في المستقبل القريب.

ويقول أحد الكتاب : (1) « ترى إلى أي مدى كان حزنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رأى بظهر الغيب ، تلك المذبحة الشنعاء التي تنتظر سبطه الغالي !!

وكم اهتز قلبه الرقيق الحاني وهو يطالع في وجه الوليدة الحلوة ، صورة المصير الفاجع ؟ ».

ويذكر المؤرخون أيضاً : أن سلمان الفارسي أقبل على « علي بن أبي طالب » يهنئه بمولد الطفلة الجديدة ، فوجده واجماً قد ارتسم الحزن على جبينه ، ثم أخذ يتحدث بكل مرارة عما سوف تلقى ابنته من الفواجع في كربلاء.

لقد أخبره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : فبكى ولم يتمالك ...

أجل لقد بكى « علي » الفارس الشجاع ، والمقدام الهمام ، وخائض غمرات الحروب ، والملقب بأسد الإسلام الهصور.

وتمر الأيام تطوي الليالي ... بالنهار ، والطفلة المباركة تنمو كالزنبقة العطرة ، مغمورة بالحنان والعطف والدلال تدب في رحاب البيت العلوي الشريف متنقلة كالفراشة من حضن جدها العظيم الى ذراعي أبيها الكريم لترجع وتلوذ بصدر والدتها الحنون.

وتنتقل الحوراء زينب في مدارج صباها ، تحوطها رعاية الإم والسيدات

____________

(1) الكاتب الهندي ( محمد الحاج سالمين ) في كتابه سيدة زينب Sayyedah Zeinab.

261

الجليلات من البيت الرفيع ، بيت النبوة والوحي والإلهام.

نشأت « زينب » ترافق أخويها « الحسن ـ والحسين » ريحانتي رسول الله ، فنمت أفضل نمو ... وأورقت أيما إيراق.

رضعت من ثدي الإيمان ... وتغذت بعصارة الدين واقتبست المعرفة عن جدها الرسول صاحب الرسالة المقدسة.

انتهلت العلم والفهم من أبيها « علي » البحر الزاخر الذي تتلاطم أمواجه ، سيد البلغاء ... وأمير البيان.

وجدت أمامها أعظم من أنجبتهم الجزيرة ، من المسلمين والعلماء ، وصفوة الفقهاء ، والأبطال الكرام.

ترعرعت (عليها السلام) ... طاهرة السريرة ، عريقة الإيمان ، كريمة الخلق ، ذات عقل راجح وعقيدة ثابتة مع علم وأدب ، وفطنة وذكاء ... وصبر على البلاء وكما قيل :

حاكيت شمس الضحى والبدر مكتملاً

أباً وأماً وكان الفضل للحاكي

أبوك حيدرة والأم فاطمة

والجد أحمد والسبطان صنواكِ

المصاب الأليم ... والنبأ العظيم :

استيقظت عقيلة بني هاشم على النبأ المروّع الذي اهتزت له أرجاء الجزيرة من أقصاها الى أقصاها ، ألا وهو موت جدها العظيم والرسول الكريم « محمد » صاحب الرسالة.

262

ارتاعت الطفلة عندما سمعت صراخ المفجوعين ، واستقيظت على عويل الباكيات ، والباكين.

ثم هي ترى جدها الأعظم ، صامتاً لا يتكلم ، ساكناً لا يتحرك ، والدنيا من حوله في ضجيج وصخب وهياج ، وكأنما زلزلت الأرض أو اجتاحها إعصار رهيب.

ارتاعت الحوراء زينب الطفلة الذكية وهي ترى هذه المشاهد المؤلمة وترى جدها العزيز الجليل يحمل على آلة حدباء ويرحل الرحلة المحتومة على كل إنسان من بني البشر.

كم روع قلبها الخلي هذا الموقف وهي تسمع لحن الموت الحزين وترى موكب الرحيل الأليم.

وتعود الطفلة لتجد امها الزهراء (عليها السلام) حزينة القلب ، باكية العين ، فاقدة الصبر ، مصدعة الكيان ، كسيرة الفؤاد.

وتتوالى الأحداث والهموم والكوارث على البيت العلوي الشريف.

وتدور الأيام ثقيلة حزينة والحوادث تتلو بعضها بعضاً ... والحوراء « زينب » وإن كانت صغيرة السن ولكنها (سلام الله عليها) كبيرة العقل ، راجحة الإدراك.

تفهم وتعي جميع ما يدور حولها من أحداث ... ومفاجآت ومؤامرات نفثت سمومها وكادت نيرانها تحرق البيت الذي طهَّره الله من الرجس ورفعه عالي الأركان بالدين مبجَّلاً بالعالمين.

تأخذني الأفكار لأتمثل الحوراء « زينب » وهي طفلة لم تودّع عامها السادس ، لتشهد موت جدها الرسول وتعي مشاهد الذهول والحزن والجزع ، من هذه المصيبة التي ألمت بالمسلمين ، تجرُّ وراءها قافلة الهموم والأحداث والوقائع.

263

فمن سقيفة بني ساعدة وكيف مثَّلت أدوارها إلى احداث الخلافة وشحناءها ، الى الميراث و « فدك » ثم تلا هذا كله الوقائع ... والحروب الى جميع الأمور التي يتفطر القلب لها حزناً وتمزقِّ الأفكار جزعاً وتودع النفوس رعباً وتترك الحسرات والألم الدفين.

أجل أتمثل « زينب » في خضم المأساة المروعة تلوذ بأمها الزهراء فتجدها ذاهلة حزينة يغشى عليها من حين لآخر ، فتنعطف مذعورة لتحتمي بأبيها الإمام فتراه حزيناً كئيباً.

أي طائف من الحزن اجتاح قلب الطفلة المدللة ؟.

وأي خوف غامض غزا قلبها الخلي وروع روحها السَّاذجة البريئة ؟

عادت مع أخويها السِّبطين إلى البيت بيت أبيها أمير المؤمنين الذي تراكمت عليه الأحداث المفجعة ، وتوالت عليه المصائب المؤلمة فأحالت زهوه وضياءه الى ليل موحش مظلم.

لزمت « زينب » فراش امها الثكلى ، التي اعتلت بعد وفاة أبيها النبي ... تنظر اليها بإشفاق ، بادية اللهفة والخوف على حياة والدتها بضعة الرسول.

يحق للحوراء « زينب » إن فقد الام جدير بأن يجرع الطفلة مرارة الكأس.

لم يمض على وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة أشهر او ستة أشهر على أبعد الرّوايات ، حتى رحلت الزهراء عن هذه الدنيا الفانية.

وتمضي الى جوار ربِّها راضية مرضية ... وتترك تلك الصبية التي روِّعت بماساة الموت مرتين ، وفي أعز الناس لديها وأحبهما إليها جدها ووالدتها.

264

دور الزهراء تمثله زينب (ع)

ما أروع الشبه بين الأم والبنت إذا أردنا المقارنة وخصوصاً في الصمود أمام الكوارث في المواقف الحرجة والظروف الصعبة حيث يتحكم العقل ، تأمر الإرادة ، ويملي الدين.

بالأمس وقفت الزهراء (عليها السلام) تنظر الى موكب الموت وهو يحدو بعمها « أبي طالب » كفيل رسول الله ، وتلحقه امها « خديجة » الكبرى أم المؤمنين زوجة الرسول وساعده القوي.

ويبقى رسول الله يعاني مرارة الوحشة والفراق واضطهاد قريش ينوء تحت أعباء الرسالة المقدسة.

وتتوالي الأيام وتكر الأعوام ويعيد الماضي نفسه ، فتقف زينب بنت أمير المؤمنين كأنها الزهراء.

تمثل نفس الدور على مسرح الحياة ، وهي تعيش المأساة بكل مرارتها عندما فقدت جدها وأمها في عام واحد.

أجل وقفت زينب تنظر بلوعة وأسى الى أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يرزح تحت كابوس من الحزن والألم ، بعد أن فقد عزيزين غاليين عليه محمد وفاطمة.

265

كانا له الملجأ والمفزع ، كما يكون المطر للزرع غيثاً وعطاءً.

افتقد « علي » صاحب الرسالة الذي كان له الأخ والعم والمعلم ، وبعدها تتبعه ابنته « الزهراء » الزوجة الوفية المخلصة. ويبقى وحيداً حزيناً قد تنكر له الجميع.

وليس بمستغرب أن تتحمل زينب مسؤولية الأم في بيت أبيها وتحتل مكانة عالية فقد انضجتها الأحداث ، وهيأتها لأن تشغل مكان الراحلة الكريمة فتكون للحسن والحسين وباقي إخوتها اماً حنوناً ، لا تعوزها عاطفة الامومة بكل ما تحتويه من إيثار وإن كانت صغيرة السن يعوزها الاختبار.

لقد حفظت وصية امها ، وهي على فراش الموت ( بأن تصحب أخويها ، وترعاهما وتكون أماً لهما ).

تحملت السيدة زينب مسؤولية عظيمة وقامت بها خير قيام ، ولا عجب فهي ليس كباقي الفتيات ، تسرح مع لداتها ، وتقضي وقتها باللعب والسمر الذي يتطلبه عمرها الصغير.

كانت تربية « زينب » عالية فهي فرع من تلك الدوحة المقدسة ، وكلما تقدم بها الزمن ، انضجتها الأحداث ، وعلمتها النوائب كيف تستقبلها بقلب ثابت ملؤه البطولة والإيمان.

تقول الدكتورة بنت الشاطئ : « ولم تظفر صبية من لداتها فيما نحسب ، بمثل ما ظفرت به في تلك البيئة الرفيعة ، من تربية عالية ».

وكان هذا كله بحيث يرضي « زينب » في صباها ، ويتيح لنا أن نراها مرحة مزهوة. ولكنها لا تكاد تشب عن الطوق حتى يقال انها عرفت النبوءة الأليمة.

266

وقيل انها كانت تتلو شيئاً من القرآن الكريم ، بمسمع من ابيها ، فبدا لها ان تسأله ، عن تفسير الآيات ففعل ، ثم استطرد ، متأثراً بذكائها اللامع يلمح الى ما ينتظرها في مستقبل أيامها ، من دور ذي خطر.

ولشد ما كانت دهشته حين قالت له « زينب » في جد رصين : « اعرف ذلك يا ابي ... أخبرتني به امي ... كيما تهيئني لغدي ».

ولم يجد الأب ما يقول ، فأطرق صامتاً وقلبه يخفق رحمة وحناناً.

267

الزواج المبارك

تفتحت زهرة آل البيت ، وبلغت « زينب » سن الزواج ، وذاع صيتها في المجتمعات ، فتوافد الطلاب من كل حدب وصوب ... من ذوي الشرف والجاه والمال.

لكن الامام علي (عليه السلام) : لا يخدعه المال او متاع الدنيا أليس هو قائل : « يا صفراء ويا بيضاء غرِّي غيري ».

ولا بحاجة الى ذوي الجاه ، فهو ذو الشرف الرفيع الذي لا يجارى.

وإنما يريد الكفؤ الكريم.

تقدم إليه ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وعبد الله هو الفتى الهاشمي الكفؤ ... والزوج المختار.

أليس هو ابن جعفر الطيار ؟ ذو الجناحين ... وأبو المساكين وحبيب رسول الله ، وأمير المهاجرين الى الحبشة ؟؟

تقول المرويات : انه صادف وصول جعفر من الحبشة الى المدينة يوم فتح خيبر. فاعتنق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعفراً وأخذ يقبله بين عينيه وهو يقول :

« لا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً ، بقدوم جعفر أم فتح خيبر ؟ » (1).

____________

(1) تاريخ الطبري ـ طبقات ابن سعد الكبرى.

268

وفي موقعة ( مؤتة ) كان أمير القوم ، وقطعت يداه في تلك المعركة ، وأخيراً احتضن الراية وظل يقاتل حتى استشهد (1).

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لآل جعفر راعياً ، وأباً ، يرعاهم بعطفه ، ويفيض عليهم بحنانه.

وفي رواية : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في عبد الله بن جعفر : « وأما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي » ثم أخذ بيمينه فقال :

« اللهم اخلف جعفراً في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ـ قالها ثلاثاً ـ وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ».

كان عبد الله فتى في مقتبل شبابه ، قد لاحت شمائل سؤدده ، وتميزت مخايل شخصيته التي لفتت أنظار المؤرخين ، وتغنت بها الشعراء ...

قال عبد الله بن قيس الرقيات :

وما كنت إلا كالأغرّ ابن جعفر

رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا

وقال الشماخ معقل بن ضرار :

إنك يا ابن جعفر نعم الفتى * * * ونعم مأوى طارق إذا أتى

ورُبّ ضيفٍ طرق الحي سُرى * * * صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى

وام عبد الله بن جعفر هي « أسماء بنت عميس » من المهاجرات الى الحبشة ،

____________

(1) الكامل في التاريخ لابن الاثير.

269

واحدى الأخوات المؤمنات اللواتي سماهن الرسول عندما قال : الأخوات المؤمنات هن : أسماء بنت عميس وميمونة ام المؤمنين ، وسلمى زوج حمزة بن عبد المطلب ، ولبابة زوج العباس بن عبد المطلب.

اقترن سليل دوحة الشرف عبد الله بن جعفر ، بحفيدة الرسول (ص) عقيلة الهاشميين « زينب ».

ضم عش الزوجية تحت جناحيه أنبل شخصين هما ...

عبد الله بن جعفر بمروئته ... ونبله ... وكرمه ... وسماحة خلقه ... وسخائه ، حتى لقب « ببحر الجود ـ أو قطب السخاء ».

و « زينب » ابنة علي التي كانت تشبه امها الزهراء لطفاً ورقة ، وانوثة ، وتشبه أباها « علياً » علماً ، وتقى ، وفصاحة ، وبلاغة.

انتقلت « زينب » إلى بيت ابن عمها لتضيء فيه شموعاً تنير الدنيا من حولها ... وتنجب البنين والبنات.

وتقول أكثر المرويات : أن السيدة « زينب » مكثت في خدرها محجبة تقية ، عالمة ورعة ، كان لها مجلس حافل تقصده جماعة من النساء اللواتي يردن التفقه في الدين.

270

بداية الاحداث

انتقلت الحوراء « زينب » الى بيت ابن عمها عبد الله بن جعفر ولكنها (عليها السلام) لم تتخل عن تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقها من إدارة بيت أبيها والاهتمام بشؤون أخويها ، اولاً ... وآخراً ... ( وصية امها الزهراء ).

وشاءت الأقدار أن تعيش « زينب » فصول الأحداث والمصاعب ، فما كانت تطبق جفنها على مأساة أو حادثة تلمّ بالبيت العلوي الطاهر ، حتى تلوح لها حادثة جديدة ، ومأساة اخرى ، فتقف بكل شجاعة صامدة بقلبها الكبير وصبر وإيمان على تقلبات الزمان رغم انها امرأة.

وألف رجل لا يعادل امرأة مثل « زينب » حملت البطولة على كتفها تجسدها بأجلى مظاهرها ، وتتحمل الكوارث ، وتصمد للنوائب بأفضل ما يصمد له الأبطال ، في معامع الحروب وساحات الوغى.

نراها واقفة تراقب ما رافق خلافة أبيها أمير المؤمنين بعد أن خذله الناس فيما مضى ، رغم النص على خلافته من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان ما كان ... من الأحداث.

وبعد مقتل ( عثمان بن عفان ) ألقت الخلافة بمقاليدها اليه رغم انه كان يحاول تجنب المشاكل ، التي يعلم حق العلم انها ستحدث حتماً.

271

فالإمام علي سيسير بالناس على غير ما يشتهون وسيحملهم على جادة الحق ( والحق مرّ ) لا يرضاه القوم.

قبض (عليه السلام) على بيت المال ، والناس عنده سواء لا محل للعواطف ... ولا مجال للأهواء ، أو الجاه ، أو القربى ...

ولا لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.

وكانت البداية المؤلمة ، إن أبا الحسن لا يعطي من دينه لدنياه ، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

لم يوافق هذا العمل الكثير من الناس ، أمثال طلحة والزبير وهما اللذان نكثا بيعة « علي » على أنهما على معرفة تامة بالإمام وسيرته ... وبلائه.

وكانت الفتنة الكبرى ، والنكسة العظمى التي ابتلي الإسلام بها إنها وقعة « الجمل » تلك التي جرت وراءها الأحداث والويلات ، ورمت المسلمين ببلاء عظيم.

وترتفع راية الحق ( وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) (1).

ويرجع المسلمون بالندامة والملامة ، وقلوبهم دامية على اقتتال المسلمين وتمزيق شملهم.

ولست بصدد إعادة حوادث التاريخ المؤلمة ، فالحديث شجون ... فهناك الكثير من الناس ممن اتخذ الإسلام له ذريعة للوصول إلى السلطة أمثال معاوية بن

____________

(1) سورة الاسراء آية 81.

272

أبي سفيان الذي لم تعجبه نتيجة وقعة « الجمل » بل آلمه انتصار « علي ».

أليس معاوية بن أبي سفيان سليل البيت الاموي المعروف بعدائه للبيت الهاشمي من قديم الزمان.

أليست العداوة والبغضاء متأصلة يتوارثها الأبناء عن الآباء ؟

ولقد صدق من قال :

عبد شمس قد أضمرت لبني هاشم * * * حرباً يشيب منها الوليد

فابن حرب للمصطفى ، وابن هند * * * لعلي ، وللحسين يزيد

أجل لم يتمكن « معاوية » من كبح جماح أطماعه التوسعية ورأى بدهائه أن الفرصة مؤاتية لمحاربة « علي » إذن ليتخذ من مقتل الخليفة « عثمان » ذريعة للوقوف بوجه ( الإمام الحق ).

لم يتوانى عميد بني أمية عن اغتنام الفرصة ، فقام بالاتفاق مع عمرو بن العاص « الداهية الماكر » الذي باع دينه بدنياه كما هو معروف عند أكثر أهل التاريخ والسير.

جاء في كتاب ظلال الوحي (1). قال : إن الكثير من سلاطين المسلمين ساروا على جادة الانصاف ، بخلاف معاوية الذي أفرغ وسعه وعمل جهده في صنع الخديعة حتى يسلب الحق من أهله ، وهذا يعرف من إرساله خلف عمرو بن العاص ، وقد كان عمرو انحرف عن عثمان ، لانحرافه عنه وتوليته مصر غيره ،

____________

(1) في ظلال الوحي : السيد علي فضل الله الحسني.

273

فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي ، كتب الى معاوية يهزه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان.

وكان فيما كتب به إليه :

« ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه ؟ فاصنع ما أنت صانع ».

فبعث إليه معاوية : فسار إليه.

فقال له معاوية : بايعني ... قال : لا والله ، لا اعطيك من ديني حتى أنال من دنياك.

قال : سل ؟ قال : مصر طعمة.

فأجابه الى ذلك ، وكتب له به كتاباً.

وقال عمرو بن العاص في ذلك : كما رواه المسعودي في « مروج الذهب ».

معاوية لا اعطيك ديني ، ولم أنل

به منك دنيا ، فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً ، فاربح بصفقة

أخذت بها شيخاً يضر وينفع

أجل لقد استغل معاوية وعمرو بن العاص « سذاجة الشاميين » فقد انطلت الحيلة على أهل الشام ، الحيلة والمكر والخديعة وهي « المطالبة بدم عثمان ».

ولو سأل أهل الشام أنفسهم : ترى لو لم يتبوأ « علي » منصب الخلافة ، أكان معاوية سيحمله على دم عثمان ؟

كلا ... إنها خديعة ... وغايته محاربة علي فقط.

274

وكانت وقفة « صفين » التي شتتت أمر المسلمين ، وفتكت بهم ، ولم تزل نيرانها تكوي جباههم.

دارت رحى الحرب في « صفين » وأبطال المسلمين يجندل بعضهم بعضاً ؛ وكان ممن قتل يوم ذاك الصحابي الجليل « عمار بن ياسر » الذي قال الرسول له : يا عمار تقتلك الفئة الباغية.

وعندما مني معاوية بالهزيمة. لجأ إلى الخديعة والمكر مرة ثانية ، فاحتال « برفع المصاحف » حتى اضطر الإمام (عليه السلام) قبول التحكيم ، رغم أنه يعلم أنها خدعة ، كما صرَّح بذلك.

وانتهت المأساة ، وقتل ما ينوف على مئة وعشرين ألفاً من المسلمين ، وأدرك زعيم بني أمية بعض ثأره من الهاشميين.

تمر الأيام ب « زينب » وهي بالكوفة « مقر الخلافة » تراقب بعين ساهرة أبيها الإمام وأخويها السبطين (عليهم السلام) فلا يغمض لها جفن ، ولا يهدأ لها بال ، حتى تراهم.

وعلى توالي خمسة أعوام و « عقيلة الهاشميين » تتألم وهي ترى الإمام (عليه السلام) يخوض المعارك ، وقد ذرف على الستين ، وهو الذي حمل سيف الجهاد ، ولما يبلغ الحلم كما ورد في خطبة الجهاد وعند قوله (عليه السلام) مخاطباً أصحابه :

« لله أبوهم ؛ وهل أحد منهم أشد مراساً ، وأقدم فيها مقاماً مني ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا قد ذرَّفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع » (1).

____________

(1) نهج البلاغة ـ شرح ابن ابي الحديد.

275

العاصفة الهوجاء والاحداث المؤلمة

لا أريد أن القي بنفسي في غمار الأحداث التأريخية ، والتحدث عن الوقائع التي خاضها المسلمون ، لو أن السيدة « زينب » كانت بعيدة قابعة في مدينة جدها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، شأن غيرها من النساء لا تهتم إلا بشؤونها الخاصة.

ولكن عقيلة بني هاشم تختلف عن غيرها ، فهي دائماً في صميم الدوامة التي تلف الدولة الإسلامية بالعاصفة الهوجاء.

نراها (عليها السلام) قد رحلت إلى الكوفة ( مقر خلافة علي (ع) مع زوجها عبد الله بن جعفر ، الذي كان أميراً من أمراء جيش صفين. ثم تعود إلى المدينة بعد مقتل الإمام علي ـ وصلح الحسن لترافق أخيها الحسين (عليه السلام) إلى العراق فتساهم في موقعة الطف وتكون « بطلة كربلاء ».

صحيح ان السيدة « زينب » لم تكن من حملة السيوف ، ولا نراها في ساحة الوغى حيث الضجة والدوي الذي يصم الآذان.

لكن نجدها هناك ... في ميدان السياسة وقد ظهرت على مسرح الأحداث. بطلة من الأبطال.

ان صلتها بالقادة والأبطال وثيقة ، ومكانتها من البيت الهاشمي رفيعة ، ومواقفها شهيرة علاوة عن اصالة الرأي وسلامة التفكير.

276

ومن هنا أقدم عذري ، إذا تكلمت عن بعض المعارك بايجاز لأنه لا مندوحة من ذلك.

لقد شاءت الأقدار للسيدة زينب ان ترافق الأحداث فترى الأمر الذي كان مقرراً لأبيها ينتقل إلى « أبي بكر » ثم إلى « عمر » ثم إلى « عثمان » ثم إلى « علي » وتشتعل نار الفتن التي لم تخب حتى مدة طويلة من الزمن.

خمس سنوات قضتها السيدة زينب بالكوفة ترافق الإمام « علي » الذي لم يهدأ له بال ، ولم يستقر له قرار فمن وقعة « الجمل » الى حرب « صفين » الى محاربة الخوارج في « النهروان » يجاهد في سبيل الرسالة المقدسة لعله يتمكن من هداية الناس إلى طريق الصواب ، وحملهم على المحجة البيضاء ... والصراط المستقيم.

يشاء القدر ان يجرع السيدة زينب مرارة اليتم ويروع قلبها الكبير ، بفقد الأب العطوف.

ففي اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك ، عام اربعين للهجرة ، توجه الإمام (عليه السلام) نحو المسجد بالكوفة للصلاة ، وآذان الفجر يشق عنان السماء ، ويتعالى في الاجواء.

وهناك في ناحية المسجد ، كمن عدو الله « ابن ملجم » الخارجي ليضرب الإمام بسيفه المسموم ، ويصرعه وهو ساجد في محرابه منقطع إلى خالقه.

وتتجلى حكمة الباري عز وجل ... ومشيئته حيث التشابه بولادة الإمام واستشهاده.

277

ولد الإمام علي (عليه السلام) « بالكعبة المشرفة » بيت الله بمكة وقتل في مسجد الكوفة « بيت الله ».

تقف عقيلة الهاشميين وقلبها يتفطر اسى ولوعة ، حين ترى اباها الحبيب ، الإمام العظيم محمولاً على الأعناق.

جمعت (عليها السلام) كيانها المتداعي من هول الصدمة ، وتحاملت على نفسها ، واكبت على أبيها تغسل جرحه بدموعها المنسابة.

ونراها واقفة تسمع أباها أمير المؤمنين ، وقد جمع اولاده وأوصاهم وصيته التي ذكرها التاريخ المملؤة بالحكم والمواعظ الصادرة عن سيد البلغاء.

وصية الامام علي بن ابي طالب (ع) :

ذكر الطبري في تاريخه : لما حضرت علي بن أبي طالب الوفاة ، أوصى فكانت وصيته :

بسم الله الرحمن الرحيم :

هذا ما أوصى به علي بن ابي طالب اوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون.

ثم ان صلاتي ، ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك امرت وأنا من المسلمين :

ثم اوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

278

واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، فإني سمعت أبا القاسم (صلى الله عليه وسلم) يقول : ( ان صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ).

انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم ، يهون الله عليكم الحساب.

الله الله : في الأيتام فلا تُغبّوا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم.

والله الله : في جيرانكم فانهم وصية نبيكم (ص) ما زال يوصي به حتى ظننا انه سيورثه.

والله الله : في الجهاد في سبيل الله باموالكم وانفسكم.

والله الله : في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب.

والله الله : في ذمة نبيكم ، فلا يظلمن بين أظهركم.

والله الله : في أصحاب نبيكم ، فإن رسول الله اوصى بهم.

والله الله : في الفقراء والمساكين فاشركوهم في معايشكم.

والله الله : فيما ملكت ايمانكم.

الصلاة الصلاة : لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من ارادكم ، وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان ان الله شديد العقاب.

حفظكم الله من أهل بيت ، وحفظ فيكم نبيكم.

استودعكم الله ، واقرأ عليكم السلام ، ورحمة الله وبركاته.

279

ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض (رضي الله عنه). وذلك في شهر رمضان سنة أربعين ، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر (1).

سمعت زينب وصية أبيها ، ووعتها بكل جوارحها لتقوم بتنفيذها لأن سلسلة الأحداث لم تزل في البداية.

وعن محمد بن عمر قال :

ضرب علي (عليه السلام) ليلة الجمعة فمكث يوم الجمعة وليلة السبت وتوفى ليلة الأحد لاحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة (2).

وفي رواية ثانية : انه (عليه السلام) دعا الحسن والحسين فقال : اوصيكما بتقوى الله ، وألا تبغيان الدنيا وان بغتكما ، ولا تبكيا على شيء زوي عنكما وقولا الحق ، وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف ، واصنعا للآخرة ، وكونا للظالم خصماً ، وللمظلوم ناصراً ، واعملا بما في كتاب الله.

ولا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنيفة فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال نعم ، قال : فإني اوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير اخويك ، لعظم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمراً دونهما.

ثم قال أوصيكما به فإنه شقيقكما ، وابن ابيكما وقد علمتما ان اباكما كان يحبه.

وقال للحسن : اوصيك أي بني بتقوى الله ، وأقام الصلاة لوقتها ، وإيتاء

____________

(1) تاريخ الطبري ـ ج 5 ـ ص 147 ـ 148.

(2) تاريخ الطبري ـ ج 5 ـ ص 153.

280

الزكاة عند محلها ، وحسن الوضوء ، فإنه لا صلاة إلا بطهور.

ولا تقبل صلاة ، من مانع زكاة ، واوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ ، وصلة الرحم ، والحلم عند الجهل ، والتفقه في الدين ، والتثبت في الأمر ، والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واجتناب الفواحش (1).

هذا بعض ما ذكره المؤرخون من وصية الإمام علي (عليه السلام) لأولاده أو لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام).

ان أمير المؤمنين الإمام علي يعلم حق العلم ان الحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة كما مر معنا مراراً عن لسان الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى هذا فلا يعقل أن يصدر من سيدي شباب أهل الجنة أي ذنب يخل بالسيادة ولكن أمير المؤمنين اراد من هذه الوصية وأمثالها ارساء قواعد الدين ومكارم الاخلاق للعالم اجمع وليسير على طبقها الخلف بعد السلف ليس غير ذلك وان ابناء علي (عليه السلام) كما قال فيهم الشاعر :

مطهرون نقيات ثيابهم * * * تجري الصلاة عليهم اينما ذكروا

وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) :

جلجل الخطب ، ولبى الإمام (عليه السلام) نداء ربه ، فارتجت الكوفة لهذا النبأ المروع ، نبأ وفاة امام الهدى « علي بن ابي طالب ».

رحل الإمام إلى جوار ربه ، وترك زينب تندب أباها البطل الهمام ، باكية متفجعة ، تتجرع الحسرات.

____________

(1) تاريخ الطبري ـ ج 5 ـ ص 147.

281

وقفت (عليها السلام) تذرف العبرات بصمت كئيب ، فدورها لم يحن بعد ... ينتظرها في كربلاء.

امسكت قلبها تعتصره في ذعر وهلع ، واصغت في وجوم إلى الضجة ، وإلى صيحات الألم واللوعة ، المنبعثة من حناجر المؤمنين تعلن ... مات أمير المؤمنين.

نرى عقيلة بني هاشم ترعى الإمام الحسن وقد وقف بين الجمع يقول :

« لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه الآخرون بعمل. ولقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح عليه ، وما خلف صفراء ولا بيضاء ... ثم خنقته العبرة فبكى ، وبكى الناس معه (1).

وقال أبو الأسود الدؤلي :

الا ابلغ معاوية بن حرب * * * فلا قرت عيون الشامتينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا * * * بخير الناس طراً اجمعينا

قتلتم خير من ركب المطايا * * * ورحلها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها * * * ومن قرأ المثاني والمبينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين * * * رأيت البدر راع الناظرينا

لقد علمت قريش حيث كانت * * * بانك خيرها حسباً ودينا

____________

(1) تاريخ الطبري.

282

عقيلة بني هاشم مع اخيها الامام الحسن (ع) :

رحل الامام امير المؤمنين الى جوار ربه مشيعاً بالحسرات وترك العقيلة « زينب » تطوى احزانها بين اضلاعها وتحتسب عند الله كل ما تلاقيه.

لكن سلسلة الاحداث لم تفرغ حلقاتها ، والاحزان لم تنته ، والبيت الهاشمي لا تهدأ له زفرة ولا تجف له دمعة.

لأن حقد الامويين متغلغل في الأعماق ، ونفوسهم المنطبعة على الكراهية لآل بيت الرسول مشرئبة ، تتحين الفرص لأخذ الثأر من آل النبي المختار.

بويع الامام الحسن (عليه السلام) بالخلافة ، ( وهو الخليفة الحق ) والبيعة له تؤثر على معاوية المشرئبة نفسه للخلافة.

« معاوية » الداهية يوآزره عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وامثالهما من طلاب الدنيا الذين شيمتهم الخداع والمكر والغدر.

يجيدون حبك المؤامرات ، ويشترون ضمائر الناس بالاموال تارة وبالوعود والاماني طوراً.

والحسن (عليه السلام) : الامام المعصوم كأبيه علي لا يحيد عن الحق ، ولا يسعه ان يشتري الناس بالاموال ، كما يفعل معاوية.

ان بيت المال للمسلمين فلا يجوز ان يصرف منه شيء الا في سبيل مصلحة الاسلام والمسلمين.

283

والناس عبيد الدنيا ، الا فئة قليلة هداهم الباري الى طريق الرشاد يقول الطبري (1) :

« بايع الناس الحسن بن علي (عليه السلام) بالخلافة ، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن ، وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر الفاً.

واقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن ، فبينما الحسن في المدائن ، اذ نادى منادٍ في العسكر : « الا ان قيس بن سعد قد قتل ، فانفروا ، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن (عليه السلام) حتى نازعوه بساطاً كان تحته.

تخدر الناس بمال معاوية ، فتخاذلوا عن الامام الحسن (عليه السلام) واضطر الى الصلح الذي عقده مع معاوية.

وبعدها رجع الى مدينة جده الرسول ، بصحبة أخيه الامام الحسين واخته العقيلة زينب وزوجها عبد الله بن جعفر.

كل هذه المواقف والمشاهد ، عاشتها عقيلة بني هاشم وفي قلبها الف غصة ، وفي عينيها تترقرق الدمعة.

تتابع تطورات الموقف بأهتمام ، وتحسب للمستقبل الف حساب وترى اخويها السبطين بلهفة وشفقة.

معاوية يخشى الحسن ومهما خدر أعصاب الناس بالاموال فالحق دائماً هو الأعلى ، اذن لماذا لا يرتاح من هذا الخصم العظيم ؟

ووجد المخرج ، لقد دس السم للامام الحسن (عليه السلام) بواسطة زوجته

____________

(1) تاريخ الطبري ـ ج 5 ـ ص 159 ـ حوادث سنة 40.

284

« جعدة بنت الاشعث » لعنها الله.

ارتاعت الحوراء زينب عندما سمعت بخبر سم اخيها الحسن فوقفت ترمق السبط الكريم وهو يلفظ كبده قطعاً من شدة السم.

تجلدت (عليها السلام) ، وكتمت الحسرات ، واخفت الزفرات زينب البطلة لم تخلق للبكاء والنحيب.

انها رمز الصمود ، الانسانية النبيلة ، والمؤمنة الصابرة انها بنت علي ، ومن بني هاشم الذين « القتل لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة ».

ولكن فراق الأحبة صعب ومرير.

شيع المسلمون ، الامام الحسن الى مثواه الأخير مصحوباً باللوعة والأسف.

ورجعت زينب الى البيت الحزين ، بعد ان وُسِّد شقيقها الغالي في ملحودة قبره ، ورقد الفقيد الراحل الى جوار امه الزهراء « بالبقيع » عام 49 هجرية وهو في الثامنة والاربعين من عمره كما جاء في مقاتل الطالبين.

في خضم الاحداث :

لم تنته المصاعب ، والحوادث المؤلمة ، بموت الامام الحسن (عليه السلام) ، وما رافق دفنه من الحزازات والآلام بل أخذت التيارات السياسية العاتية ، تلوح بالافق ، وتنذر بمأساة لها خطرها الجسيم.

والسيدة زينب تعيش في دوامة التيارات بكل مآسيها وتقف الى جانب

285

اخيها الحسين القائم بأمر الرسالة المقدسة ، التي انتقلت اليه ، بعد وفاة أخيه الحسن (عليه السلام).

جاء دور الحسين (سلام الله عليه) ، فوقف في وجه معاوية السلطان الداهية الذي افرغ جعبة دهائه ... وخداعه ، ومكره ليأخذ البيعة لولده يزيد ، ويجعل من الخلافة الإسلامية ، ملكاً عضوداً وارثاً موروثاً.

فوجئ المجتمع الاسلامي بهذا التدبير.

يزيد حفيد « هند » يتولى خلافة المسلمين ... يرثها من الأجداد ... كلما مات هرقل قام هرقل ...

شمَّر زعيم بني أمية « معاوية » عن ساعديه ليصرف الخلافة عن الحسين حفيد « خديجة » أم المؤمنين والمسلمة الأولى ، الطاهرة الزكية ... وسبط الرسول الأعظم (ص).

ليجعلها في ولده يزيد حفيد « هند » آكلة الأكباد.

لكن معاوية فكر ودبر ، وعزم على أخذ البيعة ليزيد مهما كان الثمن ... لقد قرر تذليل جميع العقبات التي تعترضه ، ودفع بكل اساليبه الجهنمية الى تمهيد السبيل.

وتحت وطأة الإرهاب تارة والرشوة وبذل المال والحيلة والدهاء تارة أخرى ، تمت المؤامرات ، وبايع أهل الشام.

وكتب معاوية الى عماله في الأمصار ، يأمرهم بأخذ البيعة بالخلافة لولي عهده يزيد المتهتك.

286

ويأمرهم ايضاً باستعمال الشدة والعنف ممن لم يبايع أو لم يقبل الرشوة ثمن البيعة.

وتقول بعض المرويات : ان معاوية جلس ليأخذ البيعة ليزيد ، وعندما خطب بالناس وعرّفهم بما يريد ...

هناك كثر اللغط ... وتعالت الهمسات بين الرفض والانكار ... أو السكوت على مضض.

عندها قام أحد المقربين من معاوية فقال : يا معاوية انا لا نطيق ألسنة مضر ... وخطبها ؟! انت امير المؤمنين ، فان هلكت فان يزيد من بعدك ، فمن ابى ... فهذا وسل سيفه.

ومهما كانت السبل الملتوية التي سلكها معاوية بن ابي سفيان في تحقيق مآربه ، واستعملها في بلوغ اطماعه ، فقد استطاع في النهاية ان يجعل من يزيد المستهتر حاكماً للمسلمين.

أجل لقد افرغ معاوية حقده ، ونال ابن ابي سفيان مأربه من بني هاشم ، وتمادى في غيه غير مبالٍ لاوامر الباري سبحانه وسنة الرسول الأعظم (ص).

بعد مقتل ( علي ) نقض معاوية شروط الصلح التي عقدها وابرمها مع الإمام الحسن (ع) وأمر بسب « علي » بن أبي طالب ( اخي رسول الله ـ وابن عمه ـ وزوج الزهراء ـ واول القوم اسلاماً ) على منابر المسلمين.

وقتل الكثير من الصلحاء ، والمؤمنين الابرياء امثال « حجر بن عدي الكندي » واصحابه ، ثم بعد هذا دس السمَّ للامام الحسن (ع).

واخيراً ألحق زياد بن ابيه بابي سفيان ، مخالفاً حكم القرآن وسنة الرسول ، واجماع المسلمين على ذلك.

287

ولنستمع الى أحدهم يخاطب معاوية بعد الحاقه زياداً قال :

ألا ابلغ معاوية ابن حرب * * * مغلغلة عن الرجل اليماني

أتغضب ان يقال ابوك عفٌّ * * * وترضى ان يقال ابوك زاني

ولم يكفه كل هذا ! بل أخذ يبدد اموال بيت المسلمين يهبها لأنصاره وأعوانه ، امثال الماكر الداهية « عمرو بن العاص » وطريد رسول الله « مروان بن الحكم » والدعي الفاسق « زياد بن ابيه ».

ولم يخرج معاوية من الدنيا إلا بعد ان سلط ولده يزيداً على رقاب المسلمين.

288

نذر المأساة

انكر أهالي مدينة الرسول ، وبقية الصحابة الاخيار والمؤمنون حكومة يزيد ، وامتنع الكثير من البيعة.

ارسل « يزيد » الى ابن عمه « الوليد بن عتبة بن ابي سفيان » والي مدينة ، يأمره ان يأخذ البيعة من الحسين بأي اسلوب كان ، او حيلة.

وذكر صاحب اعيان الشيعة : (1)

« فصار الحسين (ع) الى الوليد فوجد عنده مروان بن الحكم ، فنعى اليه الوليد معاوية ، فاسترجع الحسين (ع) ثم قرأ عليه كتاب يزيد ، وما امره فيه من اخذ البيعة منه ليزيد.

فلم يرد الحسين (ع) ان يصارحه بالامتناع من البيعة ، واراد التخلص منه بوجه سلمي ، فورى عن مراده وقال :

«أني اراك لا تقنع ببيعتي سراً حتى أبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس ».

فقال له الوليد : اجل ، فقال الحسين (ع) تصبح وترى رأيك في ذلك.

فقال له الوليد : انصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس.

فقال له مروان بن الحكم : والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها ابداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، ولكن احبس الرجل ، فلا يخرج من عندك حتى يبايع او تضرب عنقه.

____________

(1) اعيان الشيعة ـ السيد محسن الامين ـ ج 4 ـ ص 73.

289

فلما سمع الحسين (ع) هذه المجابهة القاسية من مروان صارحهما حينئذ بالامتناع من البيعة ، وانه لا يمكن ان يبايع ليزيد أبداً.

وثب الحسين (ع) عند ذلك وقال لمروان : ويلي عليك يا ابن الزرقاء ... انت تأمر بضرب عنقي ؟! كذبت والله ولؤمت ...

ثم أقبل على الوليد فقال : ايها الامير إنا اهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ...

ويزيد فاسق ، وشارب الخمر ، قاتل للنفس المحرمة ، معلن بالفسق. ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون اينا احق بالخلافة والبيعة. »

ثم خرج (عليه السلام) يتهادى بين مواليه ، وهو يتمثل بقول يزيد بن المقرع :

لا ذعرت السوام في غسق الصب

ح فقيراً ولا دعيت يزيدا

يوم اعطي مخافة الموت ضيماً

والمنايا يرصدنني ان احيدا

رجع الحسين (ع) الى منزله ، فوجد شقيقته « زينباً » ساهرة قلقة تنتظر عودته ، لتعرف منه موقفه مع الوليد ، وإن كانت (عليها السلام) تعلم حق العلم ان الحسين لا يلين ، نفس ابيه بين جنبيه ، لا يعطي بيده اعطاء الذليل ، ولا يقر لاحد اقرار العبيد.

وصل الامام الحسين الى البيت فتلقته اخته الحوراء « زينب » متلهفة ، وكانت جلسة طويلة ، اطلعها على كل شيء ، وصارحها بعزمه على المسير الى العراق ،

290

واعرب لها عن قراره الاخير وقد اختارها لتصحبه وتتحمل المسؤولية الجسيمة التي تنتظرها في غدها المظلم.

وكانت العقيلة زينب في وسط هذه العاصفة الهوجاء ، تقف على مسرح الاحداث صامدة بقلب ابيها « علي » ، ومعنويات امها « الزهراء » وصبر اخيها « الحسن » وبطولة وشجاعة سيد الشهداء « الحسين ».

وارتاع بنو هاشم لقرار الحسين المفاجئ ، وعزمه الاكيد على المسير الى العراق. فاجتمعوا اليه يطلبون منه البقاء في حرم جده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والعدول عن السفر الى الكوفة مع نسائه واطفاله وجميع اهل بيته.

وخاطبه في ذلك « محمد بن الحنفية » وعبد الله بن عباس ـ وعبد الله بن جعفر ـ وعبد الله بن مطيع ـ وعبد الله بن عمر ... وغيرهم لكن الحسين (ع) قد عزم ولا يرده عن عزمه شيء ، وقرر فلا يعدله عن قراره احد. لقد قال : « ما قضي كائن لا محالة ».

وردد قول الشاعر :

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

اذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما

وواسي رجالاً صالحين بنفسه

وخالف مثبوراً وفارق مجرما

فان عشت لم اندم وان مت ألم

كفى بك ذلاً ان تعيش وترغما

ومضت قافلة الحسين (عليه السلام) في طريقها الى العراق ، تاركة وراءها

291

قلوبا ملتاعة ونفوسا متحسرة وأولئك الذين أشاروا عليه بالبقاء في الحجاز يأسفون والاسى يعتصر قلوبهم ، خوفا عليه من المصير المحتوم على أيدي الطغاة.

وجد السير وكانت العقيلة زينب مع النساء تلتفت من حين لآخر تلقي نظرة على ربوع الأهل والاحباب ولسان حالها يقول :

وتلفتت عيني فمذ خفيت

تلك الطلول تلفت القلب

ثم اخذتها الذكريات ورجعت بها الى الماضي لقد هاجرت الى العراق اول مرة يوم كان والدها امير المؤمنين خليفة المسلمين حيث جعل من الكوفة مقراً لدار الخلافة.

هاجرت الى العراق مع والدها العظيم الذي كان يملأ عليها دنياها.

وها هي تسير الى العراق مرة ثانية ولكن شتان بين الامس واليوم.

لقد مرت الاعوام التي زادت على العشرين مثقلة كئيبة مشحونة بالمصاعب والآلام فقدت فيها والدها العظيم واخاها الحسن الامام الشفوق وفقدت بفقدهما المرح والعيش الهنيء.

وتسيل الدموع من مقلتيها غزيرة وهي تلقي نظرة ملؤها العطف والحنان على هذا الركب العظيم الذي يلغه الليل بسكونه.

هؤلاء احبابها ... اخوها الامام ... وبنوها ... وبنو اخيها ... وبنو عمها ... زهرة شباب بني هاشم الصفوة من آل الرسول الكرام.

292

السيدة زينب في يوم الطف

وصل الركب الى العراق ، وحط رحاله في كربلاء ، وقف الحسين (عليه السلام) : يسأل : ما اسم هذه الارض ؟ فقيل له نينوى ... قال : هل لها اسم آخر ؟ قيل له : الغاضرية ... قال : او لها اسم غير ذلك ؟ قيل له : كربلاء ... فقال : ارض كرب وبلاء هنا محط رحالنا ... ومقتل رجالنا.

نزل الامام (عليه السلام) وضرب فسطاطه ، ونصب اصحابه الخيام ...

وكان في الجهة الثانية جيش عمر بن سعد عليه لعنة الله.

وهنا يظهر التفاوت بين الجيشين !!...

الامام الحسين بن علي (ع) ، مع آل الرسول الاطهار واصحابه العلماء الابرار.

وعمر بن سعد لعنة الله عليه مع رعاع أهل الكوفة وطلاب المال.

جمع الحسين اصحابه وقال لهم : (2)

« أما بعد فاني لا أعلم اصحابا اوفى ولا أخير من اصحابي « ولا أهل بيت ابر ولا اوصل ، من اهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً الا واني لا اظن

____________

(1) الكامل في التاريخ لابن الاثير. ج 3 ـ ص 285.

293

يومنا من هؤلاء الاعداء غداً ، واني قد اذنت لكم جميعاً ، فانطلقوا في حل ليس عليكم من ذمام ، هذا الليل قد غشيكم ، فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً ، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فان القوم يطلبوني ، ولو اصابوني لهوا عن طلب غيري.

فقال له أخوته وأبناؤه ، وابناء اخوته ، وابناء عبد الله بن جعفر :

لم نفعل هذا ؟

لنبقى بعدك !! لا ارانا الله ذلك ابداً.

فقال الحسين : يا بني عقيل ، حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا فقد اذنت لكم.

قالوا : وما نقول للناس ؟؟

نقول : تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام ، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا.

لا والله ... لا نفعل ، ولكنَّا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح الله العيش بعدك.

وقام اليه مسلم بن عوسجة الاسدي فقال :

انحن نتخلى عنك ؟ ولم نعذر الى الله في اداء حقك ، اما والله لا افارقك ، حتى اكسر في صدورهم رمحي ، واضربهم بسيفي ، ما ثبت قائمه بيدي ، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى اموت معك.

وتكلم اصحابه بنحو ذلك فجزاهم الله خيراً.

وسمعته اخته زينب تلك العشية ، وهو في خباء له يقول وعنده مولى ابي

294

ذر الغفاري يعالج سيفه :

يا دهر اف لك من خليل * * * كم لك بالاشراق والاصيل

من صاحب او طالب قتيل * * * والدهر لا يقنع بالبديل

وانما الأمر الى الجليل * * * وكل حي سالك السبيل

فاعادها مرتين او ثلاثة ، فلما سمعته لم تملك نفسها ان وثبت تجر ثوبها حتى انتهت اليه ونادت : واثكلاه ، ليت الموت اعدمني الحياة. اليوم ماتت فاطمة أمي ، وعلي ابي وحسن اخي ، يا خليفة الماضي ، وثمال الباقي.

فذهب اليها وقال : يا اخية : لا يذهبن حلمك الشيطان. قالت : بابي انت وامي ... استقتلت ؟ نفسي لنفسك الغداء فردد غصته ، وترقرقت عيناه ثم قال : ( لو ترك القطا ليلاً لغفا ونام ).

عندها لطمت وجهها وشقت جيبها ، وخرت مغشياً عليها. فقام اليها الحسين ، فصب الماء على وجهها ، وقال : اتقي الله يا اختاه ، وتعزي بعزاء الله ، واعلمي ان أهل الارض يموتون ، واهل السماء لا يبقون ، وان كل شيء هالك إلا وجه الله.

ابي خير مني ... وامي خير مني ... واخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله اسوة.

فعزاها بهذا العزاء ونحوه ، ثم قال لها.

يا اخية اني اقسم عليك ( فابري قسمي ) لا تشقي عليّ جيباً ، ولا تخمشي عليّ وجها ، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور ان انا هلكت.

ثم خرج الى اصحابه ، فلما امسوا قضوا الليل كله يصلّون ويستغفرون ،

295

ويتضرعون ، ويدعون.

سمة العبيد من الخشوع عليهم

لله إن ضمتهم الاسحار

فاذا ترجلت الضحى شهدت لهم

بيض القواضب انهم احرار

وقف الحسين (ع) ونادى بأعلى صوته : « يا عمرو بن سعد ، ويا اصحابه ، تباً لكم ايتها الجماعة وترحا ، يا عبيد الأمة وشذاذ الاحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ، ومحرفي الكتاب ، ومصطفي السنن ، وقتلة الانبياء ... الخ في كلام يضيق المجال عن ذكره.

ثم قال (ع) : إلا واني زاحف بهذه الأسرة ، مع قلة العدد وكثرة العدو ، وخذلان الناصر.

ثم وصل (ع) كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادي فقال :

فان نهزم فهزامون قدما * * * وان نغلب فغير مغلبينا

وما ان طبنا جبن ولكن * * * منايانا ودولة آخرينا

فأفنى ذلكم سروات قومي * * * كما افنى القرون الأولينا

فلو خلد الملوك اذن خلدنا * * * ولو بقي الكرام اذن بقينا

فقل للشامتين بنا افيقوا * * * سيلقى الشامتون كما لقينا

زينب في خضم المعركة :

عقيلة بني هاشم وحدها دون النساء والبنات تدور من خباء الى خباء ، تتفقد العليل تارة والصغير اخرى.

296

يتعلقن بها بين صبي يئن من العطش ، ووالهة أذهلها المصاب ، وطفلة مذعورة خائفة تطلب الأمن ، وأخرى تنشد الماء.

حرائر بيت العصمة ، وودائع الرسالة ، اللواتي لا يعرفن إلا سجف العز والمجد والسؤدد ... ورداء الجلال والدلال. حائرات ذاهلات.

وزينب واقفة بوسط هذا الخضم الهائج ، حائرة قلقة تراقب المعركة التي دارت رحاها في جنون لا مثيل له ... ومنجل الموت يحصد في أحبابها ، بني هاشم الصفوة الأبرار ...

يقول السيد المقرم « أما عقيلة بني هاشم زينب الكبرى » فإنها تبصر هذا وذاك ، فتجد عروة الدين الوثقى عرضة للانفصام وحبل النبوة آيلاً الى الانصرام ، ومنار الشريعة الى الخمود ، وشجرة الإمامة الى الذبول (1).

تنعي ليوث البأس من فتيانها

وغيوثها إن عمت البأساء

تبكيهم بدم فقل بالمهجة الحرا

تسيل العبرة الحمراء

حنت ولكن الحنين بكاً وقد

ناحت ، ولكن نوحها ايماء (2)

وبعد مقتل الحسين (ع) حملت النساء اسارى على الأقتاب ، وبلغت بهم القسوة والجفاء ، فمروا بهن على جثث القتلى زيادة في التنكيل.

____________

(1) مقتل الحسين (عليه السلام) : عبد الرزاق المقرم ـ ص 338.

(2) الابيات من قصيدة للشيخ كاشف الغطاء.

297

وما حال ام المصائب زينب ؟ عندما رأت هذا المشهد الفظيع ...

بكل صبر وتجلد وإيمان ، رفعت كلتا يديها الى السماء وقالت : « اللهم تقبل منا هذا القربان ».

وجاء في كتاب مقتل الحسين (ع) عن أمالي الصدوق (1) :

« روى أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) أن الحسين (ع) دخل على أخيه الحسن (ع) في مرضه الذي استشهد فيه فلما رأى ما به بكى ، فقال له الحسن : ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال : أبكي لما صنع بك ...

قال الحسن (عليه السلام) : إن الذي اوتي إلي سم اقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله. وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يدَّعون أنهم من امة جدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك ، وسفك دمك ، وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك.

فعندها تحل ببني امية اللعنة ، وتمطر السماء دماً ورماداً ، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار.

ورحم الله السيد حيدر الحلي حيث يقول :

حشدت كتائبها على ابن محمد * * * بالطف حيث تذكرت آباءها

الله اكبر يا رواسي هذه الا * * * رض البسيطة زايلي ارجاءها

يلقى ابن منتجع الصلاح كتائبا * * * عقد ابن منتجع السفاح لواءها

ما كان اوقحها صبيحة قابلت * * * بالبيض جبهته تريق دماءها

____________

(1) مقتل الحسين (عليه السلام) عبد الرزاق المقرم.

298

من أين تخجل أوجه أموية * * * سكبت بلذات الفجور حياءها

قهرت بني الزهراء في سلطانها * * * واستأصلت بصفاحها امراءها

ملكت عليها الأمر حتى حرمت * * * في الأرض مطرح جنبها وثوائها

ضاقت بها الدنيا فحيث توجهت * * * رأت الحتوف أمامها ووراءها

إلى أن يقول :

وقلوب أبناء النبي تفطرت * * * عطشا بقفر أرمضت أشلاءها

هتك الطغاة على بنات محمد * * * حجب النبوة خدرها وخباءها

فتنازعت أحشاءها حرق الجوى * * * وتجاذبت أيدي العدو رداءها

ما كان أوجعها لمهجة ( أحمد ) * * * وأمض في كبد ( البتولة ) داءها

عقيلة بني هاشم بالكوفة :

سار موكب الاسرى يحث السير نحو الكوفة ، وكان أبشع موكب ، وأفظع حدث شهده التاريخ.

رؤوس الصفوة الأطهار من بني هاشم ، يتبعهم النساء المفجوعات والأيامى والأيتام ...

وصل الموكب الكوفة ، وسط الجموع المحتشدة لمشاهدة اسارى بيت الرسول

299

العظيم في طريقهم الى عبيد الله بن زياد.

صاحت نساء الكوفة باكيات على حال حرائر الرسول الذليلات.

لكن زينب ابنة علي مثال الإباء صاحت بهم زاجرة ثم قالت : كما ذكر الرواة (1).

« أما بعد يا أهل الكوفة ، أتبكون ؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة ... إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تزرون.

أي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلاً ، فقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل ابداً. وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومدار حجتكم ومنار محجتكم ، وهو سيد شباب أهل الجنة ؟ ...

لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء ...!

أتعجبون لو أمطرت السماء دماً ؟! ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون.

أتدرون أي كبد فريتم ، وأي دم سفكتم ، وأي كريمة أبرزتم ؟!

لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً ».

وصل الموكب الرهيب الى دار الإمارة ، فأمسكت « زينب » قلبها المتصدع وهي ترى الدعي « عبيد الله بن زياد » جالساً حيث كان أبوها الإمام « علي »

____________

(1) ذكر هذه الخطبة اكثر الرواة : منهم الشيخ الطوسي في اماليه ـ وابن شهر اشوب ، واحتجاج الطبرسي ، ومقتل الحسين.

300

وأخوها الإمام « الحسن » (ع) أكثر من عشرين سنة في الكوفة.

ذكر الطبري في تاريخه قال : (1) « فلما دخل برأس الحسين وصبيانه ، وأخواته ، ونسائه ، على عبيد الله بن زياد ، لبست « زينب » ابنة فاطمة أرذل ثيابها ، وتنكرت وحفت بها اماؤها.

فلما دخلت جلست فقال عبيد الله بن زياد : من هذه الجالسة ؟ فلم تكلمه. قال ذلك ثلاثاً ، وكل ذلك لا تكلمه. فقال بعض امائها : هذه زينب ابنة فاطمة.

فقال لها عبيد الله : الحمد لله الذي فضحكم ، وقتلكم ، وأكذب احدوثتكم.

فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وطهرنا تطهيراً لا كما تقول أنت : إنما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر.

قال : فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب عليهم القتل ، فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجُّون إليه ، وتخاصمون عنده.

قال : فغضب ابن زياد واستشاط ، قال : فقال له عمرو بن حريث : أصلح الله الامير إنما هي امرأة ، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها ! إنها لا تؤاخذ بقول ، ولا تلام على خطل ، فقال لها ابن زياد : قد أشفى الله نفسي من طاغيتك ، والعصاة المردة من أهل بيتك ، قال : فبكت ثم قالت : لعمري لقد قتلت كهلي ، وأبرت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن يشفك هذا فقد أشتفيت ، فقال لها عبيد الله :

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 5 ـ ص 457.

301

هذه شجاعة ، لقد لعمري كان أبوك شاعراً سجاعاً.

قالت : ما للمرأة والشجاعة إن لي عن السجاعة لشغلاً ... ».

ثم التفت ابن زياد عليه لعنة الله فرأى علي بن الحسين (عليه السلام) وكان مريضاً قد أنهكته العلة فأراد قتله ، عندها تعلقت به عمته زينب (سلام الله عليها) ، وقالت له : يا ابن زياد حسبك من دمائنا ما سفكت ، فإذا أردت قتله فاقتلني دونه ، فقال : عجبت للرحم ودت لو أنها تقتل دونه.

وهكذا دافعت بطلة بني هاشم عن سليل النبوة بمنطقها البليغ ، وشجاعتها وإقدامها على المخاطر ، وجرأتها العظيمة التي ورثتها عن جدها وأبيها وامها وأخيها ، فكان الله معها في كل مكان حلت به ، وصارت إليه.

زينب عقيلة بني هاشم في الشام :

خرج موكب الاسارى من الكوفة ، بقيادة شمر بن ذي الجوشن عليه لعائن الله ، يجد السير نحو الشام عاصمة بني امية ، مقر الطاغية يزيد لعنه الله.

ولما أشرف الركب على الشام ترنح يزيد في مقصورته طرباً فقال :

لما بدت تلك الحمول وأشرقت * * * تلك الرؤوس على شفا جيرون

نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح * * * فلقد قضيت من الرسول ديوني

وأدخلت الرؤوس والسبايا ، على يزيد وهو في مجلسه يحف به أعوانه ورجال بلاطه.

ووضع رأس الحسين الشريف (ع) بين يدي يزيد لعنه الله فالتفت الى أصحابه وقال لهم : هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام :

302

أبى قومنا أن ينصفونا فانصفت

قواضب في أيماننا تقطر الدما

يفلقن هاماً من رجال أعزة

علينا وهم كانوا أعق وأظلما

تقول المرويات : « نظر رجل شامي الى فاطمة بنت علي (1) فطلب من يزيد أن يهبها له لتخدمه ، ففزعت ابنة امير المؤمنين وتعلقت باختها العقيلة زينب وقالت لها : كيف أخدم ؟

قالت زينب : لا عليك إنه لن يكون هذا ابداً.

فقال يزيد : لو أردت لفعلت ...

فقالت له : إلا أن تخرج عن ديننا ، فرد عليها بتهكم :

إنما خرج عن الدين أبوك وأخوك ...

قالت زينب : بدين الله ودين جدي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً.

قال : كذبت يا عدوة الله !

فرقت (عليها السلام) وقالت : أنت أمير مسلط ، تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك » (2).

لقد توقعت الناس يومئذٍ ، أن تحني الكارثة المؤلمة جبهة زينب (سلام الله عليها) وتصدع أركانها. وتنقاد لعاطفتها فتطأطئ رأسها.

____________

(1) وفي بعض الروايات ... انها فاطمة بنت الحسين (ع) وليست فاطمة بنت علي ...

(2) مقتل الحسين ـ للسيد عبد الرزاق المقرم ـ تاريخ الطبري ـ تاريخ ابن الأثير.

303

ولكنها حفيدة الرسول ... وابنة علي ... وسليلة بيت المجد والكرامة والإباء والأنفة فلا مجال للعاطفة ، والانكسار والذل.

إنها البطلة الصامدة ، والمؤمنة الصابرة ، لم تخلق للنياحة ، ولم تتهيأ للبكاء والعويل.

إنها تحمل وصية امها الزهراء ، وأخيها الحسين سيد الشهداء ، فهي صاحبة رسالة ، يجب عليها أن تتحمل في سبيلها المتاعب والمصاعب.

وعن ابن طيفور في بلاغات النساء قال :

« لما كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) الذي كان ، وانصرف عمر بن سعد لعنه الله بالنسوة ، والبقية من آل محمد (ص) ووجههن الى ابن زياد لعنه الله فوجههن هذا الى يزيد لعنه الله وغضب عليه.

فلما مثلوا بين يديه ، أمر برأس الحسين (عليه السلام) فأبرز في طست ، فجعل ينكث ثناياه بقضيب في يده وهو يقول :

يا غراب البين أسمعت فقل * * * إنما تذكر شيئاً قد حصل

ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حكت بقباء بركها * * * واستمر القتل في عبد الأشل

لأهلوا واستهلوا فرحاً * * * ثم قالوا يا يزيداً لا تشل

فجزيناهم ببدر مثلها * * * وأقمنا ميل بدر فاعتدل

لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل (1)

____________

(1) بلاغات النساء ـ لابن طيفور.

304

خطبة السيدة زينب (ع) في مجلس يزيد في الشام :

يذكر المؤرخون وجميع أهل السير أن السيدة زينب وقفت في مجلس يزيد والإباء والأنفة يملآن نفسها ، ثم توجهت (ع) إليه تسمعه من التقريع والتوبيخ بل تعدت للتهديد والتنديد غير هيابة ولا وجلة ، مستصغرة قدره وسلطانه ، ومستعظمه ومستنكره لفعلته النكراء وجريمته الشنعاء.

قالت (عليها السلام) : (1)

« صدق الله ورسوله يا يزيد ـ ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ (2) أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ » (3).

أظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض ، وأكناف السماء ، فأصبحنا نساق كما يساق الأسارى ، ان بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة.

وان هذا العظيم خطرك ! افشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلاناً فرحاً حين رأيت الدنية مستوسقة لك ، والامور متسقة عليك ، وقد امهلت ونفست ، وهو قول الله تبارك وتعالى :

( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ).

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك نسائك وإمائك ؛ وسوقك بنات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ وقد هتكت ستورهن وأصحلت أصواتهن ، مكتئبات تجري بهن الأباعر ،

____________

(1) عن بلاغات النساء لابن طيفور.

(2) السوآى : تأنيث ـ او مصدر وصف به ـ تفسير القرآن للسيد عبد الله شبر.

(3) سورة الروم ـ آية ـ 10.