المرأة في ظلّ الإسلام

- السّيدة مريم نور الدّين فضل الله المزيد...
368 /
305

ويحدو بهن الاعادي من بلد الى بلد ، لا يراقبن ولا يؤوين ، يتشوفهن القريب والبعيد ، ليس معهن ولي من رجالهن ! وكيف يستبطأ في بغضنا من نظر الينا بالشنف والشنآن والاحن والاضغان ... ؟

أتقول « ليت أشياخي ببدر شهدوا » ؟ اغير متأثم ولا مستعظم وانت تنكث ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك !!

ولم لا تكون كذلك ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، باهراقك دماء ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، ولتردن على الله وشيكاً موردهم ، ولتودن انك عميت وبكمت وانك لم تقل : « فاهلوا واستهلوا فرحاً ».

... اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا. ثم قالت :

والله ما فريت إلا في جلدك ، ولا حززت إلا في لحمك وسترد على رسول الله (ص) برغمك ، وعترته ولحمته في حظيرة القدس ، يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث ، وهو قول الله تبارك وتعالى :

( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ).

وسيعلم من بوأك ، ومكنك من رقاب المؤمنين ، إذا كان الحكم الله ... والخصم محمد (ص) ، وجوارحك شاهدة عليك.

فبئس للظالمين بدلاً ايكم شر مكاناً واضعف جنداً.

مع اني والله يا عدو الله وابن عدوه استصغر قدرك واستعظم تقريعك ، غير

306

ان العيون عبرى والصدور حرى وما يجزى ذلك او يغني وقد قتل الحسين (عليه السلام) ، وحزب الشيطان يقربنا الى حزب السفهاء ليعطوهم اموال الله ، على انتهاك محارم الله.

فهذي الأيدي تنطف من دمائنا ، وهذه الأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات.

فلئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك.

تستصرخ يا ابن مرجانة !! .. ويستصرخ بك ، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان ، وقد وجدت أفضل زاد زودك معاوية قتلك ذرية محمد (ص).

فوالله ما اتقيت غير الله ... ولا شكواي إلا إلى الله ... فكد كيدك ، واسعى سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا يرحض عنك عار ما اتيت الينا أبداً.

والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة ، لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة ، اسأل الله أن يرفع لهم الدرجات ، وان يوجب لهم المزيد من فضله فإنه ولي قدير ».

وسكتت زينب بعد ان اضرمت النار في القلوب ، وهزت المشاعر وايقظت النفوس المتخدرة ، فأفاقت على الحقيقة التي اوضحتها العقلية في خطبتها التي اعجزت البلغاء ، ودقت أجراس الثورة والفداء ضد الظلم والفساد.

وحسبنا اقتناعاً ان خطبة زينب كانت البداية في إيقاظ المشاعر فإن الشام برغم انها كانت عاصمة الامويين ومقر خلافة يزيد لعنه الله. فقد سرت البلبلة بين الناس وكثر اللغط وساد الهرج.

307

ففي بعض المرويات : قيل ان « هند ابنة عبد الله بن عامر زوجة يزيد » سمعت ما يدور في مجلس زوجها ، وخطاب السيدة زينب ـ فتقنعت بثوبها وخرجت اليه فقالت :

يا يزيد أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ؟

قال : نعم ، فاعولي عليه ... لقد عجل عليه ابن زياد فقتله ...

فقالت : ابنات رسول الله سبايا فاطرق برأسه لان صوت زينب لا يزال يدوي في اذنيه.

فقالت له زوجته : غداً يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ... ويجيء الحسين وجده رسول الله شفيعه !. ».

زينب وحدها التي لم تغب لحظة عن مسرح المأساة والفاجعة الأليمة ، وهي التي سجلها التاريخ على صفحاته.

وهي وحدها التي سمعت الصيحة الأولى ، ولم تفارق الحسين لحظة واحدة منذ بدأ القتال حتى انتهى.

وهي وحدها كانت الى جانب المريض العليل « زين العابدين » (ع) تمرضه وتحافظ عليه ـ ومع المحتضر تواسيه والشهيد تبكيه.

وقال بعض الشعراء عندما مر على أرض المعركة قبل دفن الجثث :

وقفت على أجداثهم ومجالهم

فكاد الحشا ينفض والعين ساجمة

لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى

سراعاً الى الهيجا حماة خضارمة

308

تأسسوا على نصر ابن بنت نبيهم

بأسيافهم آساد غيل ضراغمه

وما أن رأى الراؤون أفضل منهم

لدى الموت سادات وزهر قماقمه

عقيلة بني هاشم في مدينة جدها الرسول (ص) :

عاد موكب السبايا الى مدينة جدهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تحدوهم الحسرات ، ويلفهم رداء الحزن والكآبة.

وكان منظرهم مؤلماً يتصدع له الصخر الأصم.

فقد هرع الناس لاستقبال الركب الحزين بمآتم مفجعة تبللها دموع البواكي ونوح الثكالى.

لكن العقيلة زينب لم تلتفت لشيء او تفوه بكلمة ، ولم تتوقف عن السير رغم تهافت الناس عليها. بل مضت في طريقها صامتة ، حتى وصلت المسجد النبوي الشريف فأخذت بعضادتي الباب وصاحت من قلب جريح :

يا جداه يا رسول الله ... جئت ناعية اليك أخي الحسين والاقمار من أهل بيته ... وخنقتها العبرة وماتت الكلمات على شفتيها ...

ثم كانت المآتم في بيوت بني هاشم ولم تبقى مخدرة في المدينة إلا خرجت نائحة تبكي.

وخرجت زينب بنت عقيل « اخت مسلم » ومعها نساؤها نادبة تلوي بثوبها وهي تقول :

309

ماذا تقولون إن قال النبي لكم

ماذا فعلتم ، وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

وتقول بعض المرويات : وسمع صوت من بعيد يقول :

أيها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذاب والتنكيل

رجعت زينب (عليها السلام) الى بيتها ومرت بديار أهلها فرأتها موحشة باكية تنعي أهلها وتندب سكانها. كما قال الشاعر :

مررت على أبيات آل محمد

فلم أرها أمثالها يوم حلت

فلا يبعد الله الديار وأهلها

وإن أصبحت منهم برغمي تخلت

وكان عمرو بن سعيد الاموي (1) والياً على المدينة ، وتذكر الأخبار أنه لما

____________

(1) لقد لاقى عمرو بن سعيد الاموي جزاء شماتته بقتلى بني هاشم ، إذ قتله عبد الملك بن مروان الاموي بالشام.

تقول بعض المرويات ، انه حينما دخل عمرو بن سعيد على عبد الملك بن مروان بالشام تنازعا

310

سمع واعية بني هاشم وبكائهن على الحسين ضحك وابتهج وقال : يوم بيوم يا عثمان ... وناعية بناعية عثمان ... ثم تمثل بقول عمرو بن معد يكرب :

عجت نساء بني زياد عجة * * * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب

شخصية السيدة زينب وأثرها على المجتمع :

يمضي التاريخ ليسجل بطولة سيدة عظيمة ، هي السيدة زينب بنت علي ، عقيلة بني هاشم الثائرة على الظلم ، المتمردة على الطغيان.

تلك السيدة الأبية ، التي أتمت مسيرة نهضة أخيها الحسين (ع). وإيقظت

____________

وكان نزاعهما حول الملك ـ او الخلافة بالشام ، فأمر عبد الملك صاحب حرسه ( أبا الزيزعة ) بضرب عنق عمرو بن سعيد الاموي.

وجاء في كتاب مروج الذهب للمسعودي ... ما ملخصه ، قال : ان عمرو بن سعيد خرج من منزله يريد عبد الملك ، فعثر بالبساط ، فقالت له امرأته نائلة : انشدك الله لا تأتيه.

فقال لها : دعيني عنك فوالله لو كنت نائماً ما أيقظني.

ودخل على عبد الملك وهو مكفر بالدرع ، فقال له : يا أبا امية أجئت للقتال ؟ وبعد كلام طويل بينهما قال له : اني كنت قد حلفت إن ملكتك لأشدنك في الجامعة ( أي القيد ). فلما وضع الجامعة في عنق عمرو بن سعيد أيقن عمرو بالهلاك. قال لعبد الملك : تخرجني الى الناس وأنا في جامعة ؟ فقال له عبد الملك : أتريد أن اخرجك الى الناس فيمنعوك ويستنقذوك من يدي ؟ ... ( أتماكرني وأنا أمكر منك ؟ ) ثم أضجعه وذبحه ولم يراع له عهداً ولا حرمة.

لقد أظهر عمرو بن سعيد الشماتة حين مقتل بني هاشم بعد موقعة كربلاء ... وما أحسن قول الشاعر :

فقل للشامتين بنا أفيقوا * * * سيلقى الشامتون كما لقينا

311

مشاعر الناس ببلاغتها وصمودها وجهادها ، فهيجت فيهم شعوراً لاذعاً ممضاً بالحسرة والندم تارة ، وبالخزي والعار طوراً.

توافد الناس على عقيلة بني هاشم ، فكانت تتكلم لتجلي الضباب عن البصائر ، ويبقى كلامها يدوي في آذانهم ليخترق الضمائر مذكراً بالجريمة النكراء ، والفعلة الشنعاء قتل الحسين وأهل بيته وأصحابه الأبرياء.

يتكهرب جو المدينة ... ويلتهب ... تلهبة الثائرة المطالبة بدم الشهداء الأبرار.

تلهبه شعلة الثائر وعنوان البطولة ، التي كانت المعول الأول في هدم عرش بني امية وأمثالهم من الطغاة المستبدين.

« زينب » تلك التي أعطت البشرية درساً في الصمود ، والإباء والشرف ، والوقوف بوجه الجور والتعسف والطغيان تتناقله الأجيال.

يمضي الوالي عمرو بن سعيد الأموي ، فيرسل الى يزيد أن أهل المدينة في هياج. ثم يقول : « إن كان لك بالمدينة شغل فأخرج بنت علي منها فإنها ألَّلبت الناس عليك ».

ويأتي الفصل الأخير من حياة المجاهدة البطلة ، عندما يطلب منها الوالي عمرو بن سعيد الأموي ، مغادرة المدينة ، بل الحجاز.

فتجيب (عليها السلام) قائلة : ويلكم أمن حرم جدنا تخرجوني ؟ ... لك الويل يا ابن سعيد ... الله أعلم بما صارت إليه حالنا بعد سيد الشهداء ...

صبرنا على قتل خيرنا ... وحملنا على الأقتاب ، وساقونا كما تساق الأنعام ، فلست بخارجة من مدينة جدي ... فافعل ما أنت فاعل.

312

واشتد الموقف بين الوالي ... وبين عقيلة بني هاشم « زينب » وهي لا تبالي ، ماضية في أداء رسالتها التي كلفها بها سيد الشهداء الحسين (ع) بالنهوض والمحافظة على رسالة جدها الرسول الأعظم (ص).

والوالي عمرو بن سعيد ماض في تركيز دعائم ملك بني أمية ، وتنفيذ أوامر الطاغية يزيد.

ويأتي الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) ليقنع عمته « زينب » بالخروج كي لا تتجدد المأساة على أهل بيت الرسول.

إن الأمويين لا يتورعون عن ارتكاب أفظع الجرائم في سبيل توطيد حكمهم.

وينساب صوت الإمام زين العابدين (ع) :

« عمتي يا زينب ... لقد صدقنا الله وعده ، وسيجزي الله الظالمين ... إرحلي الى بلد آخر ... والله حسبنا ونعم الوكيل ».

ولم تتمكن السيدة زينب إلا الأخذ برأي الإمام زين العابدين فقررت السفر لعل خوف الأمويين من وجودها بالمدينة يهدأ قليلاً.

وقف موكب السيدة زينب عند مسجد الرسول الأعظم (ص). ومن حوله بنو هاشم ، الرجال والنساء والبقية الصالحة من أهل المدينة المؤمنين.

وكان المشهد مؤثراً ، والوداع حاراً ، فقد صاحت زينب (ع) بصوت ملتاع يتصدع له الصخر الأصم :

يا جداه ... يا رسول الله ... ها أنا تاركة المدينة منفية ، كأني قد أتيت أمراً نكرا ، ثم تأوهت متحسرة ... وكما يقول الشاعر :

313

مشردون نفوا عن عقر دارهم

كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر

وسجل التاريخ على صفحاته ، موقف السيدة زينب الرائع المؤثر ، الذي تتجلى فيه العزة والإباء مع الاحزان ، والشجن الدامي والأسى العميق.

ومن ذا الذي لا يهزه موقف زينب ، وقد تذكرت امها الزهراء (ع) وما لاقته من المتاعب والمصاعب ، وكما قيل :

عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا

فلما دهتني لم تزدني بها علما

أحن الى الكأس الذي شربت به

وأهوى لمثواها التراب وما ضما

وقد اختلف أهل التاريخ والسير ، فمنهم من قال : انها ذهبت الى مصر ، ولها مقام مقدس وعظيم يؤمه الناس.

ومنهم من قال : انها في الشام ومقامها ايضاً معروف هناك يقصده الزوار ، من جميع الأقطار. وهو القول المشهور.

وعلى كل حال سواء كان مثوى السيدة زينب (عليها السلام) في الشام ... أم في مصر ... فقد هيجت الاحساس ، وأوقدت نيران الثورة على أنظمة الظلم والطغيان وشلت عرش الأمويين المستبدين في وقت قصير.

لم تخب تلك الشعلة الملتهبة ، بل ظل كلامها يتجاوب صداه في ابواق التاريخ ، يرن في الآذان وهي تخاطب الطاغية يزيد بقولها :

« فوالله لا تمحو ذكرنا ... ولا تميت وحينا ... ولا تدرك أمدنا ... »

314

لقد عجز الطغاة عن طمس ذكر أبطال الحق ، وشهداء العدل ، ذكر زينب وآلها الكرام ... المشعل الذي يضيء الطريق أمام الهداة ، وأصحاب الضمائر الحرة. والنبراس الذي يهتدي به كل من ثار من أجل العقيدة ، والدين والكرامة ، والانسانية ، والإباء.

315

السيدة سكينة بنت الحسين (ع)

ما عساني أن أكتب عن حفيدة الزهراء السيدة سكينة بنت الحسين (ع) بعد أن جال ابطال اهل التاريخ وأصحاب السير في أفكارهم وأقلامهم ، كلٌّ في مجاله ، وحسب ميله وهواه.

وما عساني أن أقول فيمن ولدت في حجر الإيمان ، وترعرعت في كنف معدن القداسة ، وعجنت طينتها بالعفة والنزاهة. فنشأت متأثرة بحسن التربية ، وكرم الأخلاق ، وعنوان المجد والسؤدد.

جللها كرم الأصل بجلباب الشرف ، وألبسها مطارف الحياء والمعرفة والأدب.

ومما لا ريب فيه فقد بلغت حفيدة الزهراء ، وسليلة البيت النبوي الشريف ، الذروة العليا في الجمال والكمال ، والتقى والورع ، وسلكت السبيل الواضح في مجاهدة النفس ، والطريق الذي لا يشوبه أي انحراف أو ميل نحو ملذات الدنيا.

لقد كانت السيدة سكينة سابحة بين امواج العبادة والزهد والقداسة ، ترشف العلم من معينه ، وتجني الأدب من مستقاه ، حتى انعكست في مرآة نفسها ملامح الجلال والمهابة ، وفازت بشهادة الإمام الحسين (ع) حيث قال :

« الغالب عليها الاستغراق مع الله ».

316

ذكر السيد عبد الرزاق الموسوي : أن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين (ع) أتى عمه ابا عبد الله الحسين (ع) يخطب إحدى ابنتيه « فاطمة ـ او سكينة » فقال له أبو عبد الله (ع) :

اختار لك فاطمة ، فهي أكثرهما شبهاً بامي فاطمة بنت رسول الله (ص) أما في الدين ، فتقوم الليل كله ، وتصوم النهار ، وفي الجمال ... تشبه الحور العين.

وأما سكينة : فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح للرجل (1).

اجل لقد ذهبت السيدة سكينة بحب أبيها واعزازه لها ، وفازت بتلك المكانة العالية ، والعطف الفياض ، لذلك نراه (عليه السلام) يردد قائلاً :

لعمرك انني لاحب داراً * * * تحل بها سكينة والرباب

احبهما وابذل جل مالي * * * وليس لعاتب عندي عتاب

إلى ان يقول :

ولست لهم وان عتبوا مطيعاً * * * حياتي أو يغيبني التراب

يمضي الزمن وتدور الأيام ، والسيدة سكينة تبز نساء عصرها علماً وتقى وورعاً وزهادة.

صحبت والدها الإمام (ع) إلى كربلاء ، وشاهدت تلك المجزرة العظيمة ، ومصرع أهلها الميامين.

____________

(1) السيدة سكينة ـ للسيد عبد الرزاق الموسوي المقرم ص 33.

317

وقفت بجانب عمتها العقيلة زينب ، تتلقى المصائب صابرة محتسبة. وتكويها الأحزان بنار ملتهبة. وتذوق مرارة فقد الاحبة ، فلا تزيدها كل هذه الآلام إلا عزوفاً عن ملذات الدنيا ، ويصفها والدها الحسين (ع) « خيرة النسوان ».

في ساعة الوداع يوم « طف كربلاء » افتقد الحسين ابنته الحبيبة سكينة فوجدها منحازة عن النساء ، باكية العين ، كسيرة الفؤاد.

اكب عليها يقبلها في لهفة وحنان ، ثم رفع رأسه وقال في شجاعة واشفاق :

« هلا ادخرت البكاء ليوم غد ؟ تجلدي يا حبيبتي واصبري ان الله مع الصابرين ».

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي * * * منك البكاء إذا الحمام دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة * * * ما دام مني الروح في جثماني

فإذا قتلت فانت أولى بالذي * * * تأتينه يا خيرة النسوان

ها هي السيدة سكينة ، واقفه على أرض كربلاء ، بجانب جثة ابيها الإمام (ع) مهيضة الجناح ، حزينة القلب ، تتزاحم الدموع في مقلتيها في حين تطوي الألم والحسرات بين أضلعها وتردد :

ان الحسين غداة الطف يرشقه * * * ريب المنون فما ان يخطئ الحدقة

بكف شر عباد الله كلهم * * * نسل البغايا وجيش المرق الفسقة

أأمة السوء هاتوا ما احتجاجكم * * * وجلكم بالسيف قد صفقه

الويل حل بكم إلا بمن لحقه * * * صيرتموه لا رماح العدى درقه

يا عين فاحتفلي طول الحياة دماً * * * لا تبك ولداً ولا أهلاً ولا رفقه

318

لكن على ابن رسول الله فانسكبي * * * قيحاً ودماً وفي اثريهما العلقة

ويختلط صوت سكينة مع صوت أمها الرباب ، الثكلى الوالهة. تلك التي صغرت الدنيا في عينيها ، وكبرت المصيبة عليها ، فلم تقو على حملها لا تعرف غير البكاء والعويل. ونسمعها تردد وتقول :

واحسيناً فلا نسيت حسيناً * * * اقصدته اسنة الأعداء

غادروه بكربلاء صريعاً * * * لا سقى الله جانبي كربلاء (1)

اجل : الرباب الزوجة الوفية المخلصة التي ترعى العهد والذمام فقد ذكرت الأخبار انها استغرقت في حزنها على الحسين ، نادبة حزينة ، لا يظللها سقف. وقد خطبها الكثير من الوجهاء والأشراف ، ولكنها رفضت باصرار وقالت :

ما كنت لاتخذ حماً بعد رسول الله (ص).

ثم تشرق بدمعها وتقول نادبة :

ان الذي كان نوراً يستضاء به * * * بكربلاء قتيل غير مدفون

سبط النبي جزاك الله صالحة * * * عنا وجنبت خسران الموازين

قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به * * * وكنت تصحبنا بالرحم والدين

من لليتامى ومن للسائلين ومن * * * يغني وياوي اليه كل مسكين

والله لا ابتغي صهراً بصهركم * * * حتى اغيب بين الرمل والطين

____________

(1) والرباب هي زوجة الحسين (ع) ووالدة سكينة ، وهي التي طلبت رأس الحسين من ابن زياد ، فلما رأته أخذته ووضعته في حجرها وقالت هذه الأبيات.

319

شخصية السيدة سكينة الاجتماعية :

لقد استطاعت السيدة سكينة ان تنفرد بمكانة اجتماعية مرموقة ، لم ترق اليها سيدة سواها في ذلك العصر ، فكانت الشخصية الاولى في المجتمع الحجازي ... بل الاسلامي من حيث التقى والزهد والورع والمعرفة والأدب.

على أن السيدة سكينة كانت مشغولة البال ، تراعي حركات الوالد الشفوق في معركته الجبارة ضد الظلم.

إن الأحداث العنيفة التي جذبت سكينة الى دوامة الاعصار ، وشغلتها عن كل ملذات الحياة وبهارجها. هي التي صنعت منها الزهد والاستغراق في العبادة ، كما فعلت الأحداث بعمتها العقيلة زينب التي عاشت في صميم المعركة وألهتها الفجيعة بأخيها الحسين (عليه السلام) عن ولديها اللذين استشهدا في الدفاع عن الحق.

وكذلك كان حال الرباب والدة سكينة لم نسمع من المؤرخين أنها كانت تذكر ولدها عبد الله بل كانت تبكي الحسين وترثيه ، حتى ماتت حزناً وكمداً ... بعد وقعة كربلاء بعام واحد.

وبعدما ذكرنا لمحة موجزة من سيرة السيدة سكينة لابد لنا من ذكر بعض من كتب عنها وأغرق في كتابته ، ونسب إليها اموراً لم تكن بها ، كأبي الفرج الأصبهاني مثلاً قال :

« اجتمع نسوة من أهل المدينة ، من أهل الشرف ، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه ، فتشوقن إليه وتمنينه ، فقالت سكينة بنت الحسين (ع) أنالكنَّ به.

320

فأرسلت إليه رسولاً وواعدته « الصورين » وسمت له الليلة والوقت ، وواعدت صواحباتها فوافاههن عمر على راحلته ، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن فقال لهن : والله إني لمحتاج لزيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والصلاة في مسجده ، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئاً.

ثم انصرف الى مكة وقال :

قالت سكينة والدموع ذوارف * * * منها على الخدين والجلباب

ليت المغيري الذي لم أجزه * * * فيما أطال تصيدي وطلابي

كانت ترد لنا المنى أيامنا * * * إذ لا نلام على هوى وتصابي

خبرت ما قالت فبت كأنما * * * ترمي الحشا بنوافذ النشاب

أسكين ما ماء الفرات وطيبه * * * مني على ظمأ وطيب شراب

بالذِّ منك وإن نأيت وقلما * * * ترعى النساء امانة الغياب (1)

وما رواه صاحب الأغاني ، البارع في وضع القصص والكثير من المفتريات وخصوصاً على البيت الهاشمي ، فشأنه معروف لأنه أموي النسب « والعداء بين البيت الهاشمي النبيل والبيت الأموي متغلغل في النفوس ».

إن كل عاقل ومنصف يكاد يقطع أن المراد من سكينة في الأبيات التي قالها عمر بن ابي ربيعة ... هي في سكينة بنت خالد بن مصعب.

والظاهر أن صاحب الأغاني الأموي ، أراد أن يبرئ ساحة سكينة بنت

____________

(1) الاغاني لأبي الفرج الاصبهاني.

321

خالد مما كانت عليه من الاستهتار والمجون ، فوجد من اسم سكينة بنت الحسين (ع) باباً واسعاً للتورية وتضليل البسطاء.

عند ذلك نسب أفعال سكينة بنت خالد بن مصعب الى سكينة بنت الحسين.

جاء بعد ذلك بعض المؤرخين والكتاب ، فأخذوا عن ابي الفرج الأصبهاني من دون أي انتباه ... أو روية ... الى الأسباب التي حملت الأصبهاني على المواربة والتحريف والتورية.

على أن قول عمر بن ابي ربيعة في شعره : « أسكين ما ماء فرات » الخ.

ليس من الضروري أن يكون المراد سكينة بنت الحسين. بالاضافة الى ذلك نرى أغلب الرواة يروون الشعر على النحو التالي :

قالت « سعيدة » والدموع ذوارف

منها على الخدين والجلباب

إلى أن يقول :

« أسعيد » ما ماء الفرات وطيبه

مني على ظمأ وفقد شباب

تقول الدكتورة بنت الشاطئ :

« قال ابو الفرج : وسعيدة ... هي سعدي بنت عبد الرحمن بن عوف ، كان عمر قد تعرض لها بعد طوافه فقالت له :

ويحك يا ابن أبي ربيعة ، ما تزال سادراً في حرم الله متهتكاً ! تتناول بلسانك ربات الجمال من قريش !...

322

آمرك بتقوى الله وترك ما أنت عليه ؟

قال أبو الفرج : وإنما غيَّره المغنون ، فقالوا : « سكينة ».

وقال أبو إسحاق الحصري ( ت 413 ه ) بعد أن أورد هذه الأبيات كرواية القالي : ( كذب من روى هذا الشعر في سكينة رضي الله عنها ) (1).

____________

(1) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ.

323

عرض وتحليل

إن السيدة سكينة سليلة بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل ، من الاسرة الهاشمية العريقة التي ضربت المثل الأعلى بالإباء والشمم والعزة والكرامة ، حتى صارت مناراً لكل من أراد أن يدفع الضيم عن نفسه ويموت عزيزاً كريماً.

والدليل على ذلك ما فعله مصعب بن الزبير حينما أراد الخروج لحرب عبد الملك ابن مروان بعدما انفضَّ عنه أصحابه.

جاء مودعاً زوجته السيدة سكينة فقالت له :

لا تفجعني بك ... واحزناه عليك يا مصعب ...

فالتفت إليها وقال لها : أو كل هذا لي في قلبك !؟

ثم قال : لو كنت اعلم ان هذا كله لي عندك ، لكانت لي ولك حال ، ولكن أباك لم يترك لحر عذراً ، وأنشد :

وإن الاولى بالطف من آل هاشم

تأسوا فسنوا للكرام ، التأسيا

لا أجافي الحق إذا قلت أن بني هاشم الكرام ، الذين وصفهم الفرزدق

324

بقصيدته المشهورة التي منها :

ولكن إلى أهل الفضائل والنهى * * * وخير بني حواء والخير يطلب

أقول : كيف يروق لبني هاشم ، أهل الفضائل والنهى ترك كريمتهم وابنة سيدهم الإمام الحسين (ع) تسرح وتمرح وتعقد مجالس اللهو والسمر ، وتساجل الشعراء ، وفي بني هاشم الغيرة والحمية والأنفة ؟

على أن السيدة سكينة عاشت جل حياتها في بيت أخيها علي بن الحسين زين العابدين (ع).

أجل زين العابدين الذي كان يواصل الليل بالنهار باكي العين حزناً على والده الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة.

كان يقول لمن يطلب منه تخفيف البكاء والتصبر :

« إني ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا تذكرت فرارهن من خيمة الى خيمة ... ».

في هذا الجو المفعم بالحزن والبكاء كانت السيدة سكينة مع اخيها السجاد وأهل بيتها الثكالى ، فكيف والحالة هذه أن يصدر منها ما يشين كرامتها وينافي الامور المتبعة في البيت الهاشمي الشريف.

علاوة على ذلك ، كيف يترك الإمام زين العابدين (ع) وهو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، شقيقته سكينة التي رافقته في مراحل المحنة القاسية ، من المدينة ... إلى كربلاء ... وإلى الشام سبايا ... ثم إلى المدينة.

ألم يكن بإمكانه (ع) وعظها ؟ ... وإرشادها إلى جادة الصواب ، وحملها على العمل بسيرة السلف الصالح من الامهات ... والجدات.

325

حاشا الإمام زين العابدين أن يرضى بذلك ... وحاشا السيدة سكينة من مقالة السوء ... ومن كل افتراء.

جاء في كتاب الأغاني : « ان إسحاق الموصلي غنى الرشيد بشعر عمر بن أبي ربيعة :

قالت سكينة والدموع ذوارف

منها على الخدين والجلباب

فغضب الرشيد حتى سقط القدح من يده ... ونهره وقال :

لعن الله الفاسق ، ولعنك معه ! ... فسقط في يد إسحاق ، فعرف الرشيد ما به.

فسكن الرشيد ثم قال : ويحك أتغني بأحاديث الفاسق ابن أبي ربيعة في بنت عمي ، وبنت رسول الله ؟ ...

إلا تتحفظ في غنائك ؟ ... أو تدري ما يخرج من رأسك ؟ »

ألا ترى معي أيها القارئ ، كيف غضب الرشيد على إسحاق الموصلي وأخذته حمية النسب لأنه هاشمي ؟... مع العلم أن ، العباسيين كانوا أعداء العلويين ، آل ابي طالب في زمانهم.

فكيف يسكت ... أو يرضى آل علي الكرام بما نسب للسيدة سكينة ؟ ...

وعلى الأخص الإمام المعصوم زين العابدين (ع) ؟

وحاشا السيدة سكينة بنت الإمام من هذه المفتريات. فهي أجل ... وأنقى ... وأطهر ... سليلة المقدسين الأطهار.

مطهرون نقيات ثيابهم * * * تجري الصلاة عليهم اينما ذكروا

326

وقبل ان ننتهي من حديث السيدة سكينة ، لابد لنا من الاشارة إلى بعض الأقوال من كتّاب سامحهم الله وهداهم.

يقول الدكتور زكي مبارك في كتابه « حب ابن أبي ربيعة ، وشعره ـ ص ـ 181 ... » (1).

« لا يغضب قوم إن ذكرنا انها كانت ( يعني سكينة ) في عفافها نزقة طائشة ، تؤثر الخفة على الوقار ، وتهوى ان يخلد حسنها في قصائد الشعراء ...

وما اظن هذه السيدة سلمت في صلتها بابن ابي ربيعة من متورع يرميها على طهرها بالخلاعة والمجون ».

إلى آخر ما هنالك من المفتريات التي لم يعفّ قلم الدكتور زكي مبارك عنها.

اقول وبمنتهى الأسف ، لم يكن من المنتظر ان يأتي ( في الزمن الأخير ) بعد الأصبهاني ، امثال الدكتور زكي مبارك فيجعل من السيدة الجليلة ، حفيدة الرسول ، الزاهدة الورعة جليسة للشاعر الماجن المستهتر عمر بن ابي ربيعة.

ثم يجرد قلمه فيصف السيدة سكينة بأوصاف لا تتصف بها امثالها من جليلات القدر ، والمكانة المرموقة.

وبعدها يجعل من دار سكينة بنت الحسين مرتعاً للمجون وملاذاً للشعراء.

إن الدكتور زكي مبارك لم يستند لدليل على أقواله ، بل راح يكتب عن خيال ، وكأنه في حفلة ساهرة ...

لعله يظن أنه حين يكتب تصدَّق اقواله ... لماذا ؟ ... لأنه دكتور ، وعلى

____________

(1) حب ابن ربيعة وشعره ـ الدكتور زكي المبارك.

327

هذا سقطت كتابته وأقواله عن الموضوعية ـ وكان من جراء أقواله السخيفة ، نرى أن كل من قرأ كتابته وتخيلاته بخصوص السيدة سكينة قد انتقده ، لأن الكاتب قبل أن يكتب يجب عليه أن يعي ما يقول ، ويعرضه على عقله ، ويتثبت من صحة الرواية وثقة الراوي.

وتقول الدكتورة بنت الشاطئ ، أيضاً :

« لكن المأساة أن اكثرنا قد صدقوا كل ما قال عمر ، وصدقوا اولئك القصاصين الذين راحوا ينسجون الحكايات حول هذه القصيدة او تلك من غزلياته. وهي قصص لا شك في أنها اخترعت بأجرة ، كما قال الدكتور طه حسين بحق ».

ثم تقول :

« على حين اخذ الدكتور زكي مبارك كل هاتيك الأخبار والقصص والمغامرات اخذاً لمَّا ، وصدقها غير مرتاب فيها ولا متظنن » (1).

____________

(1) تراجم بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ ـ ص 929.

328

جهاد المرأة المسلمة ووضعها الاجتماعي

لقد انتزعت المرأة المسلمة المؤمنة ، المزيد من المنزلة الاجتماعية بمساهمتها في جميع المجالات السياسية والثقافية ونافست الرجال في شتى الميادين.

شقت طريقها بفضل الاسلام وتعاليمه ، وأنارت حياتها بنور العلم والإيمان ، فأصبحت داعية للقرآن ، راوية للحديث ، سابقة إلى الإجادة في ضروب الشعر ، خطيبة تأخذ بأعنة النفوس ، محافظة على نشاطها الاجتماعي الذي بعثه فيها الدين الإسلامي العظيم.

ففي الصراع الدامي بين امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ومعاوية بن ابي سفيان في صفين ، ظهرت كثيرات من النساء اللواتي أبلين بلاء حسناً في نصرة الحق ... أهل بيت الرسول.

وأكثر من ذلك كله فإنهن على جانب من الشجاعة وحرية الرأي ، لا يعرفن المواربة ولا التملق ، ولا يخفن إلا الله سبحانه. وتتجلى جرأة المرأة الأدبية عندما تحضر المعارك الحربية وتلقي الخطب المثيرة ، تنشد الأشعار الحماسية التي تدفع المقاتلين على الاستبسال.

وعلى سبيل المثال لابد من ذكر بعض النساء اللواتي جاهدن في سبيل الحق منهن سودة بنت عمارة رحمها الله. لقد كان ثاقبة الرأي في السياسة. نافذة البصيرة في الزعامة ، تمثل قومها في الخطوب ، وتنوب عنهم في المحافل على الرغم

329

مما عرف عن قومها ( بني همدان ) من نبل السلوك وبأس عند اللقاء. حتى قال فيهم الإمام علي (عليه السلام) :

ولو كنت بواباً على باب جنة * * * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمدانية :

جاء في بلاغات النساء : استأذنت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان ، فأذن لها ، فلما دخلت عليه قال :

هيه يا بنت الأشتر ؟ ألست القائلة يوم صفين :

شمَّر كفعل ابيك يا ابن عمارة * * * يوم الطعان وملتقى الأقران

وانصر علياً والحسين ورهطه * * * واقصد لهند وابنها بهوان

إن الإمام أخو النبي محمد * * * علم الهدى ومنارة الإيمان

فقد الجيوش وسر أمام لوائه * * * قدماً بأبيض صارم وسنان

قالت : اي والله ما مثلي من رغب عن الحق ، او اعتذر بالكذب.

قال لها : فما حملك على ذلك ؟

قالت : حب علي (عليه السلام) ، واتباع الحق. قال : فوالله ما أرى عليك من أثر علي شيئاً.

قالت : انشدك الله يا أمير ، وإعادة ما مضى ، وتذكار ما قد نسي. قال : هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى ، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك.

330

قالت : صدق فوك ، لم يكن اخي ذميم المقام ، ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء :

وان صخراً لتأتم الهداة به * * * كأنه علم في رأسه نار

قال : صدقت لقد كان كذلك. فقالت : مات الرأس ، وبتر الذنب وبالله اسألك يا أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه. قال : قد فعلت فما حاجتك ؟

قال : إنك أصبحت للناس سيداً ، ولأمرهم متقلداً ، والله سائلك من أمرنا ، وما افترض عليك من حقنا ، ولا يزال يقدم علينا من ينوه بعزك ، ويبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة ، هذا بسر بن ارطاة ، قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي ، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة ، فإما عزلته عنا فشكرناك ، وإما لا فعرفناك.

فقال معاوية : أتهدديني بقومك ؟ لقد هممت أن احملك على قتب أشرس ، فأردك إليه ، ينفذ فيك حكمه. فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول :

صلى الإله على جسم تضمنه * * * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً * * * فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال لها : ومن ذلك ؟ قالت : علي بن ابي طالب (عليه السلام). قال : وما صنع حتى صار عندك كذلك ؟ قالت : قدمت عليه في رجل ولاه صدقاتنا ، فكان بيني وبينه وما بين الغث والسمين ؛ فأتيت علياً (عليه السلام) ، لأشكوا إليه ما صنع ، فوجدته قائماً يصلي. فلما نظر إلي انفتل من صلاته ، ثم قال برقة وتعطف : ألك حاجة ؟ فأخبرته الخبر. فبكى ثم قال : اللهم إنك أنت الشاهد

331

عليَّ وعليهم ، إني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقك ، ثم أخرج من جيبه قطعة كهيئة طرف الجراب. فكتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم « قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ».

إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام.

فأخذته منه والله ما ختمه بطين ، ولا خزمه بخزام.

فقال معاوية : اكتبوا لها بالإنصاف والعدل عليها ، فقالت : إليَّ خاصة أم لقومي ؟ قال : وما أنت وغيرك ؟

قالت : هي والله الفحشاء واللؤم ... إن لم يكن عدلاً شاملاً وإلا فأنا كسائر قومي. قال : هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله : (1)

فلو كنت بواباً على باب جنة * * * لقلت لهمدان أدخلي بسلام

لقد كانت السيدة سودة تتمتع بمزايا عظيمة من قوة الحجة على الدعوى وعمق الاحساس بالقضية الملقاة إليها. مع قدر كاف من حسن التعبير ودقة التصوير.

ومن أبرز الصفات للوعي الاجتماعي عند المرأة في صدر الإسلام هو ذلك الصمود الذي لا تفلّه الغلبة وذلك الثبات الذي لا تزعزعه الحوادث والكوارث. والصبر مع الإيمان الذي لا ينفذ عند استبطاء النصر. ولا يتلاشى عند مجابهة الأعداء.

____________

(1) اعلام النساء لعمر رضا كحالة ـ بلاغات النساء لابن طيفور ـ والعقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي.

332

الزرقاء بنت عدي

هذه المرأة من المسلمات الأول اللواتي لا يعرفن التملق والحيل والخداع ، كانت من ربات الفصاحة والبلاغة والعقل والرأي ، ناصرت علي بن ابي طالب (ع) يوم صفين (1) ولما تم الأمر لمعاوية قال لأصحابه : ايكم يحفظ كلام الزرقاء ؟

فقال القوم : كلنا نحفظه يا امير المؤمنين. قال : فما تشيرون عليَّ فيها ؟ قالوا : نشير عليك بقتلها. قال بئس ما اشرتم عليَّ به ... ايحسن بمثلي ان يتحدث الناس اني قتلت امرأة بعدما ملكت ، ثم دعا كاتبه ، فكتب الى عامله بالكوفة ان اوفد اليَّ الزرقاء بنت عدي.

فلما قدمت على معاوية قال لها : مرحباً واهلاً ، هل تعلمين لما بعثت اليك ؟ قالت : سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم ، وهل يعلم ما في القلوب إلا الله. قال : بعثت اليك ان اسألك ؟

« الست راكبة الجمل الأحمر يوم ( صفين ) بين الصفين ، توقدين الحرب

____________

(1) صفين : موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس.

333

وتحرضين على القتال ، فما حملك على ذلك ؟ ».

قالت : يا أمير المؤمنين انه قد مات الرأس ، وبتر الذنب ، والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر.

قال لها : صدقت ، فهل تحفظين كلامك يوم صفين ؟ فقالت : ما أحفظه. قال : ولكنني أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين : « أيها الناس أنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن المحجة فيالها من فتنة عمياء صماء تسمع لنا عقها ، ولا تسلس لقائدها ، ان المصباح لا يضيء في الشمس ، وأن الكواكب لا تنير مع القمر ، وأن البغل لا يسبق الفرس ، وأن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلا الحديد.

إلا من استرشدنا أرشدناه ، ومن استخبرنا أخبرناه ، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها.

فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأن قد اندمل شعب الشتات ، والتأمت كلمة العدل ، وغلب الحق باطله ، فلا يعجلن أحد فيقول كيف العدل وأنّى ؟ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

« إلا أن خضاب النساء الحناء ، وخضاب الرجال الدماء والصبر خير عواقب الأمور. أيهاً إلى الحرب قدماً غير ناكصين ولا متشاكسين فهذا يوم له ما بعده.

ثم قال معاوية : والله يا زرقاء لقد شركت علياً في كل دم سفكه فقالت : أحسن الله بشارتك يا أمير ، وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه.

334

قال لها : وقد سرك ذلك ؟ قالت : نعم. والله لقد سرني قولك فأنى لي بتصديق الفعل.

فقال معاوية : والله لوفاؤكم له بعد موته ، أعجب الي من حبكم له في حياته ، أذكري حاجتك ، قالت : يا أمير أني قد آليت على نفسي ان لا أسأل أميراً أعنت عليه شيئاً (1).

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ـ اعلام النساء.

335

بكارة الهلالية

لنقف أيها القارئ الكريم ، ونلقي نظرة خاطفة على بكارة الهلالية تلك المرأة المؤمنة ، التي كانت تحمل بين جنبيها قلباً حافظاً ، وإيماناً راسخاً وعقيدة ثابتة.

كانت من النساء المسلمات المؤمنات ، الموصوفات بالشجاعة والاقدام والفصاحة ، والشعر والنثر والخطابة.

حضرت حرب صفين وكانت من أنصار الحق وبجانب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

دخلت على معاوية بن أبي سفيان بعد ان كبرت سنها ودق عظمها ، ومعها خادمان لها وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز ، وكان عنده مروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص ، فابتدأ مروان فقال :

أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ومن هي ؟

قال : هي التي كانت تعين علينا يوم صفين ، وهي القائلة :

يا زيد دونك فاستثر من دارنا * * * سيفاً حساماً في التراب دفينا

قد كنت أدخره ليوم كريهة * * * فاليوم أبرزه الزمان مصونا

فقال عمرو بن العاص ، وهي القائلة :

أترى ابن هند للخلافة مالكاً * * * هيهات ذاك وما أراد بعيد

336

منتك نفسك في الخلاء ضلالة * * * اغراك عمرو للشقاء وسعيد

فارجع بانكد طائر بنحوسها * * * لاقت علياً أسعد وسعود

فقال سعيد : يا أمير المؤمنين وهي القائلة :

قد كنت آمل ان أموت ولا أرى * * * فوق المنابر من أمية خاطبا

فالله أخر مدَّتي فتطاولت * * * حتى رأيت من الزمان عجائبا

في كل يوم لا يزال خطيبهم * * * وسط الجموع لآل أحمد عائبا

ثم سكت القوم فقالت بكارة :

نبحتني كلابك يا معاوية ... واعتورتني ، فقصر محجتي وكثر عجبي ، وعشي بصري !

أنا والله قائلة ما قالوا : لا أدفع ذلك بتكذيب ، فامض لشأنك ، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين علي.

فقال معاوية : لا يضعك شيء ، فاذكري حاجتك ؟ قالت : الآن ... فلا ... (1).

____________

(1) العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي ـ بلاغات النساء لابن طيفور ـ اعلام النساء لعمر رضا كحالة.

337

أم الخير بنت الحريش البارقية

سيدة جليلة ، لا تقل شجاعة واقداماً عن اللواتي ناصرن الحق ، وحرية الرأي هي أم الخير بنت الحريش ، مثال المرأة المسلمة المؤمنة الصالحة ، وهي من ربات الفصاحة والبلاغة.

وقد ذكر أهل التاريخ ان معاوية بن أبي سفيان كتب الى واليه بالكوفة : ان أوفد عليّ أم الخير بنت الحريش.

فلما ورد الكتاب ركب الوالي اليها وأبلغها. فقالت له : أما أنا فغير راغبة عن طاعة ولا معتلة بكذب :

ولما قدمت على معاوية ، انزلها مع الحرم ثلاثة أيام ، ثم أذن لها في اليوم الرابع وجمع الناس.

فدخلت عليه فقال : بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم.

قالت : مه ... يا هذا لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته.

قال : ليس لهذا أردناك.

قالت : إنما أجري في ميدانك ، إذا أجريت شيئاً فاسأل عما بدا لك.

قال : كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر ؟

338

قالت : لم أكن والله رويته من قبل ، ولا زورته بعد ، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة ، فإن شئت ان أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت.

قال : لا أشاء ذلك ، ثم التفت الى اصحابه فقال : أيكم يحفظ كلام أم الخير ؟

قال رجل من القوم : أنا أحفظه يا أمير.

كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية ، وهي على جمل أرمك ، وقد أحيط حولها ، وبيدها سوط منتشر الضفر وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول :

أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم. ان الله قد أوضح الحق ، وأبان الدليل ، ونور السبيل ، ورفع العلم ، فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمة ، فالى اين تريدون رحمكم الله ؟ أفراراً من الزحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتداداً عن الحق ؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ).

ثم رفعت رأسها الى السماء وهي تقول : اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين ، وانتشر الرعب ، وبيدك يا رب أزمة القلوب. فاجمع الكلمة على التقوى ، وألّف القلوب على الهدى ، ورد الحق الى أهله.

هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل ، والوصي الوفي والصديق الأكبر.

انها والله إحن بدرية ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحدية ، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس.

ثم قالت : ( قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) صبراً معاشر

339

المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم ، وكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة ، فرت من قسورة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى وعما قليل يصبحن نادمين حتى تحل بهم الندامة ، فيطلبون الإقالة ! انه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل ومن لم يسكن الجنة نزل النار.

أيها الناس : ان الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطأوا مدة الآخرة ، فسعوا لها. والله أيها الناس : لولا ان تبطل الحقوق وتعطل الحدود ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون رحمكم الله ؟ عن ابن عم رسول الله (ص) وزوج ابنته وأبي ابنيه ، خلق من طينته ، وتفرع من نبعته وخصه بسره ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبه المسلمين ، وأبان ببغضه المنافقين ، فلم يزل كذلك يؤيده الله عز وجل بمعونته ، ويمضي على سنن استقامته ، لا يعرج لراحة اللذات ، وهو مفلق الهام ومكسر الأصنام إذ صلى والناس مشركون وأطاع والناس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ، وفرق جمع هوازن ، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً وردة وشقاقاً ، وقد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقال معاوية : يا أم الخير ما اردت بهذا إلا قتلي ؛ والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك ؟ قالت : والله ما يسوءني يا ابن هند ان يجري الله ذلك على يد من يسعدني الله بشقائه.

340

أم وهب زوجة عبد الله بن عمر الكلبي

ان الكثيرات من النساء الصالحات ، هن افضل من الكثير من الرجال ، بعقلهن وإيمانهن وتدينهن وشجاعتهن ، وكانت الدنيا في اعينهن لا تعادل شيئاً في سبيل الله سبحانه ، والدفاع عن الكرامة والدين.

ذكر السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه ( حديث كربلاء ) ، قال : حينما قتل عبد الله بن عمر الكلبي في واقعة كربلاء الشهيرة وكان من اصحاب الحسين (عليه السلام) ، مشت اليه زوجته أم وهب ، وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول :

« هنيئاً لك الجنة ، اسأل الله الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك » ، فقال الشمر لغلامه رستم : اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت مكانها ، وهي أول امرأة قتلت من اصحاب الحسين (ع).

وقطع رستم رأسه ورمى به الى جهة اصحاب الحسين ، فأخذته امه ومسحت الدم عنه ، ثم أخذت عمود خيمة وبرزت الى الاعداء ، فردها الحسين وقال : ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد (1).

____________

(1) حديث كربلاء او مقتل الحسين ذكره السيد عبد الرزاق المقرم وغيره كثير امثال الطبري ـ وابن شهر اشوب ـ وابن الأثير وغيرهم.

341

فرجعت امتثالاً لأمر الحسين (عليه السلام).

وهذه هي حال المرأة الصالحة المسلمة ، التي لم تتوقف عن خوض المعارك والدفاع عن الدين والعقيدة ، ولم تعوزها الشجاعة والأقدام لو سمح لها الامام الحسين (عليه السلام) بالجهاد.

342

عكرشة بنت الاطرش

من ربات الفصاحة والبلاغة والبيان وقوة الحجة وحرية الرأي ، دخلت على معاوية فسلمت فقال لها :

يا عكرشة الآن صرت امير المؤمنين ؟ ... قالت : نعم اذ لا علي حي ... قال الست صاحبة الكور المسدول والوسيط المشدود ، والمتقلدة بحمائل السيف ، وانت واقفة بين الصفين يوم ( صفين ) تقولين :

يا ايها الناس عليكم بأنفاسكم لا يضركم من ضل اذ اهتديتم ، ان الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها ، ولا يحزن من سكنها فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها. كونوا قوماً متبصرين. ان معاوية دلف اليكم بعجم العرب غلف القلوب لا يفقهون الايمان ، ولا يدرون ما الحكمة ، دعاهم بالدنيا فاجابوه واستدعاهم الى الباطل فلبوه.

فالله الله عباد الله في دين الله ، وإياكم والتواكل فان في ذلك نقض عروة الاسلام ، واطفاء نور الإيمان ، وذهاب السنة ... واظهار الباطل ، هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى.

قاتلوا يا معشر الانصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم واصبروا على عزيمتكم ، فكأني بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة والبغال الشحاجة تضفع ضغع البقر ، وتروث روث العتاق ... الخ.

343

دارمية الحجونية

لا يخفى ان قوة العقيدة ، وعزة النفس ، يسجلان للانسان اسمى الفضائل ، ويجعلان منه مثلاً ساميا وقدوة صالحة ، فلا تزيده مر الليالي والأيام الا رفعة واعظاماً.

لقد سجل التاريخ على صفحاته موقف درامية الحجونية ، فسجل الصراع بين الحق والباطل وبين قوة السلاح وقوة العقيدة.

حج معاوية بن ابي سفيان ، فسأل عن امرأة من بني كنانة ، كانت تنزل بالحجون ، يقال لها درامية الحجونية ، وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها ، فبعث اليها فجيء بها.

فقال : ما حالك يا بنة حام ؟ فقالت : لست لحام ان عبتني ، انا امرأة من كنانة. قال صدقت ، اتدرين لم بعثت اليك.

قالت لا يعلم الغيب الا الله. قال : بعثت اليك لأسألك علام احببت علياً وابغضتني وواليته وعاديتني ؟

قالت : او تعفيني يا امير. قال : لا اعفيك. قالت : اما اذا أبيت فاني احببت علياً على عدله في الرعية ، وقسمه بالسوية وابغضتك على قتالك من هو أولى منك بالأمر ، وطلبتك ما ليس لك بحق ، وواليت علياً على ما عقد له

344

رسول الله (ص) من الولاء وحبه للمساكين واعظامه لأهل الدين.

وعاديتك على سفك الدماء ، وجورك في القضاء ، وحكمك بالهوى.

قال : فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك ، وربت عجيزتك.

قالت : يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك ـ لا ـ بي.

قال معاوية : يا هذه اربعي ، فانا لم نقل الا خيرا ، انه اذا انتفخ بطن المرأة ثم خلق ولدها ، واذا عظم ثدياها تروي رضيعها ، واذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها ، فرجعت وسكنت.

قال لها : يا هذه هل رأيت علياً ؟ قالت : أي والله.

قال : فكيف رأيته ! قالت : رأيته والله لم يغتنه الملك الذي فتنك ، ولم تشغله النعمة التي شغلتك ، قال : فهل سمعت كلامه ؟

قالت : نعم : والله كان يجلو القلب من العمى ، كما يجلو الزيت صدأ الطست. قال : صدقت. فهل لك من حاجة ؟

قالت : او تفعل اذا سألتك ؟ قال : نعم. قالت : تعطيني مائة ناقة حمراء ، فيها فحلها وراعيها. قال : تصنعين بها ماذا ؟

قالت : اغذوا بالبانها الصغار ، واستحيي بها الكبار واكتسب بها المكارم ، واصلح بها بين العشائر ، قال : فان اعطيتك ذلك ، فهل احل محل علي بن ابي طالب ؟

قالت : ماء لا كصداء ، ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا

345

كمالك (1).

ثم قال : أما والله لو كان علي حياً ، ما اعطاك منها شيئاً.

قالت : لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين (2).

____________

(1) صداء : عين لم يكن عندهم ماء اعذب من مائها ـ والسعدان ، نبت ذو شوك ، وهو افضل مراعي الابل ولا تحسن على نبت حسنها عليه ـ ومالك : هو ابن نويرة ، وقد قال اخوه متمم هذا فيه لما قتله خالد بن الوليد.

(2) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي.

346

ام البراء بنت صفوان بن هلال

ما اعظم الاسلام ، وما أجل قدره ، لقد بعث في قلوب المسلمين الجرأة والاقدام ، والتفاني في سبيل الله وعدم الاكتراث بأي تهديد او وعيد ، حتى لترى المرأة المسلمة الصالحة ليثا هصورا ، اتخذت من الايمان والعقيدة سلاحاً ماضياً ينحط عنده كل سلاح.

« وأم البراء ، شاعرة ذات لسان فصيح ، ومنطق مبين ، وهي ممن دخلن على معاوية بن ابي سفيان ، فأستأذنت عليه فاذن لها ، فدخلت في ثلاثة دروع ، تسحبها ، قد كارت على رأسها كوراً ، كهئية المنسف فسلمت ثم جلست. فقال : كيف حالك يا بنت صفوان ؟

قالت : بخير يا امير ، ضعفت بعد جلد ، وكسلت بعد نشاط.

قال : سيان بينك اليوم وحين تقولين :

يا عمرو دونك صارماً ذا رونق * * * عضب المهزة ليس بالخوار

اسرج جوادك مسرعاً ومشمراً * * * للحرب غير معرد لفرار

اجب الامام ودب تحت لوائه * * * وافر العدو بصارم بتار

يا ليتني اصبحت ليس بعورة * * * فاذب عنه عساكر الفجار

قالت : قد كان ذلك يا امير ، ومثلك عفا والله تعالى يقول عفا الله عما سلف.

347

قال : هيهات اما انه لو عاد لعدت ، ولكن اخترم دونك ، فكيف قولك حين قتل ؟ قالت ، نسيته يا امير. فقال بعض جلسائه هو والله حين تقول :

يا للرجال لعظم هول مصيبة

فدحت فليس مصابها بالهازل

الشمس كاسف لفقد امامنا

خير الخلائق والامام العادل

يا خير من ركب المطي ومن مشى

فوق التراب لمحتف او ناعل

حاشا النبي لقد هددت قواءنا

فالحق اصبح خاضعاً للباطل

فقال معاوية : قاتلك الله يا بنت صفوان ، ما تركت لقائل مقالاً ، اذكري حاجتك.

قالت : هيهات بعد هذا والله لا سألتك شيئاً ثم قامت فعثرت ، فقالت : تعس شأنيء علي (1) ...

رحمك الله يا ام البراء ، هيهات ان تباع الضمائر الحرة ... ويسيطر القوي الغاشم على الاحرار الاوفياء اصحاب العقيدة والإيمان.

لا تخضعن لمخلوق على طمع

فان ذلك وهن منك في الدين

واسترزق الله مما في خزائنه

فانما الأمر بين الكاف والنون (2)

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ اعلام النساء عمر رضا كحالة وغيرهما.

(2) هذان البيتان من الديوان منسوب للامام علي (عليه السلام).

348

آمنة بنت الشريد

هي زوجة عمرو بن الحمق الخزاعي ، امرأة شجاعة ذات عقل ودين عزيزة الجانب فصيحة اللسان عظيمة الشأن ، ومن ذوات الشرف والمروءة.

لقد جاهدت عن عقيدتها ورأيها ما استطاعت ، ولا فرق بالجهاد بين اللسان والسنان.

قتل معاوية بن ابي سفيان زوجها عمرو بن الحمق ، لأنه كان من أصحاب علي بن ابي طالب (عليه السلام) وذلك حينما ظفر به بواسطة واليه عبد الرحمن بن الحكم. ولما قتله بعث براسه الى معاوية ( وهو اول راس حمل في الاسلام ). وكان معاوية قد أخذ بالتنكيل من اصحاب علي (عليه السلام) : امثال : ( حجر بن عدي الكندي وأصحابه (رض) ).

« فلما اتى معاوية الرسول بالرأس ، بعث به الى آمنة بالسجن وقال للحرسي : احفظ ما تتكلم به حتى تؤديه الي ، واطرح الرأس في حجرها.

ففعل هذا ، فارتاعت له ساعة. ثم وضعت يدها على رأسها وقالت : واحزنا لصغره في دار هوان ، وضيق من ضيمه سلطان ، نغيتموه عني طويلاً ، واهديتموه الي قتيلاً ، فاهلاً وسهلاً ، بمن كنت له غير قالية ، وانا اليوم له غير ناسية ، ارجع به ايها الرسول الى معاوية وقل له ولا تطوه دونه.

« ايتم الله ولدك ، واوحش منك اهلك ، ولا غفر الله ذنبك » فرجع الرسول الى معاوية فأخبره بما قالت : فارسل اليها ، فاتته وعنده نفر فيهم

349

اياس بن حسل اخو مالك بن حسل وكان في شدقيه نتؤعن فيه لعظم كان في لسانه ، وثقل اذا تكلم. فقال لها معاوية :

أأنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني به ؟

قالت : نعم غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له ، فلعمري اجتهدت في الدعاء ان نفع الاجتهاد ، وان الحق لمن وراء العباد ، وما بلغت شيئاً من جزائك ، وان الله بالنقمة من ورائك.

فاعرض عنها معاوية ، فقال اياس : اقتل هذه يا امير المؤمنين ؟ فوالله ما كان زوجها احق بالقتل منها ، فالتفت اليه ، فلما رأته ناتئ الشدقين ، ثقيل اللسان ، قالت : تباً لك ويلك ، بين لحيتيك كجثمان الضفدع ثم انت تدعوه الى قتلي ، كما قتل زوجي بالأمس ، ان تريد الا ان تكون جباراً في الأرض وما تريد ان تكون من المصلحين ؟

فضحك معاوية ثم قال : لله درك اخرجي ثم لا اسمع بك في شيء من الشام.

قالت : وأبي لاخرجن ، ثم لا تسمع لي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ، ولا احن فيها إلى سكن ، ولقد عظم فيها ديني ، وما قرت بها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ، ولا حيث كنت بحامدة.

فاشار اليها ببنانه اخرجي ... فخرجت وهي تقول : وا عجبي لمعاوية يكف عني لسانه ، ويشير إلى الخروج ببنانه ، أما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد شديد أوجع من نوافذ الحديد أو ما أنا بابنة الشريد من

350

كلام طويل (1).

خرجت آمنة بنت الشريد من الشام ، بعد ما لاقت من الذل والهوان ما يعجز عنه البيان ، في زنزانة معاوية بن أبي سفيان وجلاوزته ، وذلك طيلة عامين كاملين ، وليس لها من ذنب إلا العقيدة الراسخة والإيمان القوي وحرية الرأي الذي بعثه فيها الدين الإسلامي العظيم.

____________

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ اعلام النساء عمر رضا كحالة.

351

عمرة بنت النعمان الانصارية

ان التاريخ يحدثنا عن مسلمات صالحات ، كمن مرَّ ذكرهن ، اذ أن المرأة المسلمة العربية المؤمنة ، الصادقة بعقيدتها قد قامت بدور عظيم في مجال التوجيه الاجتماعي والديني والأخلاقي والسياسي.

ان حادثة عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارية من أروع الحوادث التي تدلنا على تمسك المرأة المؤمنة بالعقيدة والوقوف بجانب الحق مما جعلها تسير في صف أعاظم الرجال.

كانت عمرة بنت النعمان زوجة المختار الثقفي (1) الذي قتله مصعب بن الزبير بعد انتصاره عليه في الحرب التي دارت بينهما.

وبعد مقتل المختار أرسل مصعب وأحضر عمرة بنت النعمان زوجة المختار وطلب منها أن تتبرأ من زوجها أمام الناس وتطعن في دينه.

____________

(1) المختار الثقفي هو الذي قام بأخذ ثأر الحسين (عليه السلام). ممن قتله ، او أشرك بدمه وكان شعاره : يا لثارات الحسين : ولما قتل المختار عبيد الله بن زياد واتباعه لعنهم الله ... استتب الامر للمختار. وبعث عبد الله بن الزبير اخاه مصعباً الى العراق واليا. فدارت بين المختار وبين مصعب معارك كثيرة كانت الغلبة فيها لمصعب على المختار فقتله وقتل زوجته عمرة. فرحم الله المختار وزوجته شهداء العقيدة والمبدأ.

352

ولكن عمرة وقفت مواقف الاشراف الأباة ، وهيهات أن تذل الحرة ، وتبيع عقيدتها ، أمر مصعب بقتلها لعلها تنهار أمام التهديد والخوف. واستعمل جميع وسائل الإغراء من بذل المال وأطماعها بالجاه ، وغير ذلك.

لكنه وقف أمام عقيدتها الراسخة ووفائها وصمودها الجبار عاجزاً مقهوراً. فباء بالفشل والخيبة ، ولم تنفعه الحيل.

بعد ذلك أمر أن توضع ( عمرة بنت النعمان ) في حفرة وأمر السياف أن يقف على رأسها ووقف مصعب بجانبها يتوعدها تارة ويتهددها اخرى.

لكن عمرة لم تكترث بالموت ، ولم تبالي بما يحيط بها من دواعي الشر بل انطلقت تقول بصوت ملؤه الإيمان بالله ، تصرخ في وجوه الظالمين : كيف اتبرأ من رجل يقول ربي الله !؟ اني اعهده صائماً نهاره ، قائماً ليله ، وقد بذل دمه في سبيل الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « شهادة أرزقها ثم اتركها ! الله اشهد اني متبعة لنبيك وابن بنته ... وأهل بيته ... وشيعته.

وحينما ابت عمرة الانصياع لمصعب وراعه صمودها أمام السياف فضربها ثلاث ضربات على رأسها حتى ماتت ، وهي باقية على عقيدتها.

وفي مقتل عمرة بنت النعمان الانصارية ، قال عمر بن ابي ربيعة :

ان من أعجب الاعاجيب عندي * * * قتل بيضاء حرة عطبول

قتلوها ظلماً ومن غير جرم * * * ان لله درها من قتيل

كتب القتل والقتال علينا * * * وعلى الغانيات جر الذيول (1)

____________

(1) حادثة عمرة بنت النعمان الانصارية. ذكرت بعدة اوجه :

ذكرها الطبري في تاريخه ، وابن عبد ربه الاندلسي في العقد الفريد ـ والسيد علي فضل الله الحسني في الاخلاق الاسلامية وغيرهم.

353

ولا ننسى ان نذكر ( اروى بنت عبد المطلب ) تلك المرأة الجليلة صاحبة المراثي من الشعر الجيد.

وكذلك أم هاني بنت ابي طالب التي اجارت من استجار بها يوم فتح مكة فقال لها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ( لقد اجرنا من اجرت وامنا من امنت ).

وعندما مات زوجها هبيرة المخزومي خطبها رسول الله (ص) فقالت له : يا رسول الله لأنت أحب إلي من سمعي وبصري ، وحق الزوج عظيم ، فاخشى ان اقبلت على زوجي ، ان اضيع بعض شأني وولدي ، وان اقبلت على ولدي ان اضيع حق الزوج ...

فقال رسول الله (ص) : ان خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، احناهن على ولد في صغره ، وارعاهن على بعل في ذات يده.

وكانت رواية من راويات الحديث.

وكذلك اسماء بنت عميس التي اسلمت قبل دخول رسول الله (ص) دار الأرقم بمكة ، وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جعفر إلى الحبشة ، وروت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وروى عنها الكثير من اجلاء الصحابة كعبد الله بن العباس ، وعمر بن خطاب ، وحفيدها القاسم بن محمد بن ابي بكر وابناها عبد الله وعون ابناء جعفر بن ابي طالب وحفيدتها أم عون بنت محمد بن جعفر وعروة بن الزبير وغيرهم.

وعائشة أم الدرداء التي برعت في الفقه والدراية وهي القائلة « لقد طلبت العبادة في كل شيء فما أصبت لنفسي أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم ».

ولو سلكن المسلمات اليوم طريق المسلمات الأول وانتهجن المنهج الصحيح الذي كانت تسيطر عليه المبادئ الاسلامية العظيمة من قوة العزيمة ، وطهارة

354

القلوب ، وبراءة النفوس ، وصدق النية والأخلاص في العمل في سبيل العقيدة والشرف ، لأصبحت المرأة المسلمة في عصرنا الحاضر القدوة الصالحة لجميع نساء العالم.

ولكن هيهات ... ان يسجل التاريخ أمثال المسلمات الاوائل ، إلا اذا رجعن نساء اليوم الى حظيرة الدين والايمان.

لأن الدين هو النور الذي يرينا خفايا أسرار الوجود ، والأمل الوضاء الذي ينعش انفسنا ويضيء أمامنا الطريق نحو الحرية والكرامة.