اليتيم في القرآن والسنّة

- السيد عزالدين بحر العلوم المزيد...
116 /
55

أنه يوم الجوع الاسود ، والمرارة ، والالم حيث تنسد في وجه اليتيم أبواب الرحمة ، والاحسان فيئن من ألم الجوع ويتحمل المر في سبيل لقمة العيش.

في ذلك اليوم يتبرع المحسن ، فيطعم صغيراً تلاقفته عواصف الظلم الهوجاء ملبياً نداء الضمير بمد يد العون لهذا اليتيم البائس لينال بذلك الجزاء الاوفى بافتحام العقبة الكؤد.

( أو مسكيناً في يوم ذي متربة ).

ذلك المسكين وهو الفقير الذي لصق بالتراب من شدة جوعه ، وفقره.

اطعام هذا وأمثاله هو الذي يوجب اقتحام العقبة ليصل من ورائها الى الجنة فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

« ان امامكم عقبة كؤداً لا يجوزها إلا المثقلون ، وأنا أريد أن أخفف عنكم لتلك العقبة ».

وإذا فرعاية اليتيم ، وإكرامه بكل وسائل الرعاية هو أحد الاسس للجسد الذي يمر عليه المثقلون ليعبروا إلى شاطئ الامان.

الإنفاق بلا من :

وإذا كان الإنفاق في سبيل الله مرغوباً ، ومطلوباً له سبحانه ، وهو في توفير الثواب كحبةٍ تزرع ، فتنتج وتعطي الخبر الوفير ، فليكن ذلك بلا من ، واذى ، ولا تحميل على حساب الآخرين تماما كما تصرح به الآية الكريمة في قوله سبحانه :

( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا

56

أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (1).

وإذا كان الانفاق يتوخى من ورائه لم الشمل ، وانقاذ الطبقة الفقيرة من ويلات العوز فان هذه الفائدة تنعدم لو كان المنفق يتبع إحسانه بالمَنّ والأذى لمن ينفق عليه.

فالقضية ليست اشباعاً من جوع ، أو كساء من عري فقط بل إفهام الفقير أن هذه المساعدة مما يفرضها الذوق الانساني الرفيع ليصل المجتمع بعضه بالبعض الآخر.

( قول معروف ومغفرة خير من صدقه يتبعها أذى والله غني حليم ) (2).

فالكلام الحسن الجميل يرد به الانسان السائل ، ويعتذر منه خير من صدقة تستتبع ايذاء السائل لان السائل في هذه الصورة وان حصل على الصدقة إلا أن الثواب يحرم منه المسؤول.

وقد جاء في الحديث عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) « أنه إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ، ولين أما بذل يسير ، أو رد جميل » (1).

وبعد هذا فالله غني حينما يأمركم بهذا الاسلوب الرفيع لانه غني عن طاعاتكم وعما يقربكم ويمنحكم الثواب ، بل هو يدلكم على طرق الخير لحاجتكم إلى الثواب.

____________

(1) سورة البقرة : آية (262).

(2) سورة البقرة آية (263).

(3) مجمع البيان في تفسيره للآية المذكورة.

57

اليتيم حال القسمة :

( وإذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً ) (1).

ولم يترك الكتاب الكريم جانباً من جوانب انعاش اليتيم إلا وتعرض إليه ، وهذه الآية الكريمة تصور لنا مشهداً مألوفاً لنا طالما نرى مثله في حياتنا اليومية حيث يتجمع الضعفاء في كل مكان يرجون فيه خيراً من طعام ، أو كساء أو ما شاكل.

فنراهم اذا سمعوا بوليمة تجمعوا حول ذلك المكان علهم ينالوا من ذلك الطعام ما يسد به جوعهم.

وقد اختلف المفسرون في مجلس القسمة والذي يحضره هؤلاء الضعفاء من أولى القربى ، واليتامى ، والمساكين فهل هو مجلس تقسيم الميراث ، أو هو مجلس الوصية حيث يقسم الميت ما يستحقه من المال بعد وفاته ؟.

فقيل : ان المراد بذلك حضور الضعفاء من الاصناف المذكورة مجلس القسمة لميراث الميت فقد يتفق ان يحضر أقرباء الميت ممن لا ينالهم من الميراث شيء ، وهكذا من لف لفهم من اليتامى ، والمساكين يرجون أن ينالهم شيء من ذلك المال.

وعلى هذا التفسير ، فيكون الخطاب في قوله تعالى ـ فارزقوهم ـ موجهاً إلى الورثة الذين يستحقون الميراث بأن يأخذوا بعين الاعتبار رعاية هؤلاء الذين تجمعهم مع الميت وشائج النسب ، والرحم ولم تشملهم الفرائض الميراثية لوجود ممن هو أسبق منهم من الطبقات الميراثية.

____________

(1) سورة النساء : آية 80.

58

وبتعبير أوضح : المطلوب من الطبقات القريبة أن تعطف بشيء على الارحام تحقيقاً للاوامر التي تحث على رعاية صلة الرحم.

وهكذا بقية الطبقات الضعيفة ممن تناولتهم الآية الكريمة.

وذهب بعض المفسرين : إلى أن المجلس المذكور هو مجلس الوصية ، وحينئذ فيكون الخطاب موجها إلى ( المورثين ) وهم من تحضرهم الوفاة فقد أمروا أن لا يغفلوا ذوي قرباهم حين الوصية امتثالاً لما أوصى به الله من رعاية الارحام ، وتفقدهم وكذلك اليتامى ، والمساكين.

ولأي من التفسيرين يميل الباحث فان الآية الكريمة لا شك انها لاحظت باطارها العام جانب المعوزين ولم تتركهم حتى في حالة عدم استحقاقهم الشرعي وخاطبت الورثة ، أو المورث. على الخلاف فيه بلزوم رعاية المحتاجين من أرحامهم ليحققوا بذلك غاية نبيلة انسانية.

وتكون النتائج الحتمية لهذه العملية هي تقوية أواصر المحبة ، والود بين أفراد الاسرة الواحدة والتي تجمع أفرادها وحدة النسب ، والسبب.

وكان اليتامى على التفسيرين من جملة من شملهم العطف الالهي في هذه الوصية المقدسة.

* * *

3 ـ تربية اليتيم :

( ووجدك ضالاً فهدى ).

والآن وحيث استوفت الآيات القرآنية الجوانب المعاشية لليتيم ودفعت بالاثرياء لأن يساعدوا الايتام ، ويهيئوا لهم الملاجئ السكينة فلا بد من الاتجاه ، والحث على تربية هؤلاء تربية صالحة للئلا يبقى اليتيم عاطلاً لا تستفيد الامة من مواهبه.

59

وفي هذه الآية الكريمة يتضح لنا جانب من هذه النقطة الدقيقة حيث جاء سياقها مذكراً النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بما من الله عليه به من قبل فقد نشأ (صلى الله عليه وآله وسلم) في جو مليء بالعقائد المنحرفة ، والاوضاع المتلونة النابعة من عادات جاهلية سالفة لذلك شملته العناية الالهية باتمام العقل ، والهداية ، وجعله بالمنزلة اللائقة لتحمل أعباء الرسالة ، والسفارة السماوية لابناء الارض.

فالهداية من متممات النعمة ، والمنّة عليه ، ولذلك لابد من رعاية هذه الجهة بالنسبة إلى يتامى الناس ، وانتشالهم من هوة الجهل التي تلازم هؤلاء المساكين الذين باتوا ، ولا كافل لهم.

ولا بد من تطبيق هذا الدرس على يتامى الناس ، وإحتضانهم وهدايتهم بتثقيفهم ، وتعليمهم ، ورعايتهم من الجوانب التعليمية وجعلهم كأداة صالحة ، ونافعة في هذه الحياة.

فكما هداك ، ومن عليك من قبل لابد أن تسير على هذا النهج من التطبيق وقد أسلفنا ان هذا النوع من التذكير للنبي الاكرم إنما هو لاجل جعل المشرع الاسلامي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام أمر واقع مر به ، وذاق طعمه المرير ليكون التبليغ أوصل ، وأنفع.

( كلا بل لا تكرمون اليتيم ).

وفي هذه الآية الكريمة يبدو لنا واضحاً ما ترمي إليه من تصحيح المفاهيم الخاطئة والتي يبني البعض عليها الجوانب التي يتطلع إليها في حياته اليومية فقد جاءت هذه الآية تعقيباً لما يتصوره البعض من ذلك.

( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمّه فيقول ربي أكرمن ، وأما إذا ما اتبلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) (1).

____________

(1) سورة الفجر : آية ( 15 ـ 16 ).

60

لقد جعل الانسان هذا المقياس ركيزة يبني عليها واقعه الاجتماعي حيث يصرح بأن توفير الخير عليه هو لكرامته عند الله بينما يعتبر التقتير عليه مادياً اهانة له من الله.

ولكن الحقيقة تكمن وراء كل هذا اللف ، والدوران من هذا الانسان المراوغ.

أنه يجابه بها من القرآن الكريم في قوله تعالى :

( كلا بل لا تكرمون اليتيم ).

أنه ظن خاطئ يلجأ إليه الانسان في تكوينه لذلك المعيار الذي اعتبره لتحقيق كرامته ، واهانته.

إن الله جلٌت عظمته بيده كل شيء ورحمته أوسع من كل هذه الحيالات ، والتصورات فلا يوفر الرزق لكرامة الانسان ولا يقتره لاهانته ، بل يعطي ، ويمنح حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية ولربما كان التوفير على أحد في رزقه نقمة عليه.

( إنما نملي لهم ليزدادوا اثماً ).

وإنما الاهانة لها أسبابها الخاصة ومن تلك الاسباب هو : هذا الجفاء الذي يلاقيه الضعفاء منكم خصوصاً إذا كانوا يتامى ( كلا بل لا تكرمون اليتيم ).

والاكرام بنفسه شامل لكل صور حفظ اليتيم من ناحية حقوقه الاجتماعية سواء فيها الايواء ، أو الانفاق ، أو التربية.

فمن اكرامه عدم تركه بلا تربية ، وتعليم.

ومن اكرامه تهذيبه كما يهذب الشخص أولاده.

وليس المراد بالاكرام في الآية الكريمة هو الانفاق عليه فقط بل

61

المقصود ـ كما قلنا ـ كل ما يحقق اكرامه ، ويظهر لنا ذلك جلياً من المقابلة بينه ، وبين المسكين في الآية التي تلي هذه الآية.

( ولا تحاضون على طعام المسكين ) :

فالمسؤولية بالنسبة إلى المساكين إنما تنحصر في اطعامهم والانفاق عليهم ولذلك أخذ الشارع المقدس يصحح مفاهيمهم بإنكم لا تحاضون أي تتواصون على هذا الشيء فتتركون هؤلاء المساكين تفترسهم أنياب الفقر ، والجوع.

أما اليتيم فانكم لا تكرمونه ، والاكرام أمر يختلف عن التعبير بالتواصي على إطعام المسكين فهو يضم بين جوانبه كلما يحقق الأخذ بيده لما فيه رفعته ، وكلما يحتاج إليه كصبي فقد كفيله ، وليكن مكرماً كما لو كان أبوه حياً فبنفس تلك الطريقة من الايواء ، والانفاق ، والتربية لابد من معاملته ليحصل بذلك تكريمه.

4 ـ الرفق باليتيم :

وهناك جهة عالجها الشارع المقدس ، فأولاها عناية وأكد عليها وهي الإرفاق باليتيم في التحدث معه ، والابتسامة في وجهه لتبعد بذلك عنه الانكسار الذي يشعر به ، والذل الذي يحيط به من جميع جوانبه.

( فأما اليتيم فلا تقهر ).

درس بليغ في التحذير من قهر اليتيم فلماذا هذا التطاول عليه ، ولماذا هذا العبوس في وجهه وهو صبي لا ذنب له.

والآية الكريمة تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاشاه أن يقهر يتيماً ، أو يقطب في وجهه وهو الذي قال فيه عز وجل :

( وإنك لعلى خلق عظيم ).

62

وجاء في بعض الأخبار عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله :

« يا بني عبد المطلب انكم لن تسعوا الناس بأموالكم فألقوهم بطلاقه الوجه وحسن البشر » (1).

« وقيل كان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يأخذه أحد بيده فينزع يده حتى كان الرجل هو الذي يرسله ولم يكن ركبته خارجة من ركبة جليسه ولم يكن أحد يكلمه إلا أقبل بوجهه عليه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه » (2).

فالخطاب إنما هو للأمة على الصورة التذكيرية للنبي الأكرم.

ولماذا هذا القهر لليتيم وقد وجد في الاسلام مدافعاً عن حقوقه الاجتماعية ، والمالية.

أكرم اليتيم ولا تقهره ففي كنف الاسلام يأمن الضعيف.

وفي رعاية التشريع يجد اليتيم تلك اليد الرقيقة ا لتي تحنو عليه ، وتمسح على رأسه لتزيل عنه غبار اليتم ، وتضفي عليه هالة من العطف ، والحنان.

( أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ) (3).

فدفع اليتيم ، وقهره كان سبباً لان يكون القاهر في نظر الآية المباركة هو المكذب بالدين لأن المتمسك بالدين لا يقهر اليتيم ولا يمنعه حقه وليحسب الانسان بعد كل هذا يترك سدى يطلق لنفسه عنان الشهوات ويختار لنفسه ما يشاء دون أن يحاسب على أفعاله يقهر يتيماً ، ويدفع

____________

(1) المحجة البيضاء : للفيض نقلا عن المواهب المدنية.

(2) للقسطلاني 3 / 364.

(3) سورة الماعون : آية ( 1 ـ 2 ـ 3 ).

63

مسكيناً عن حقه فهو مخطئ حينما ينسج له مقاييس وهمية ليبني عليها واقعه الاجتماعي ، وليهرب من مواجهة الحقيقة ، ويبرر بذلك موقفه من موجات الظلم المتلاحقة الصادرة منه.

( إن ربك لبالمرصاد ).

يحاسبه على كل صغيرة ، وكبيرة ، وسيجازيه عن كل ما يرتكبه وليقول العبد في ذلك اليوم ( يا ليتني قدمت لحياتي ) ولتتمثل له عندها الطبقات الضعيفة تحاسبه على تجاوزه على حقوقها التي كانت له كنبتة الربيع.

( يومئذٍ لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه ) (1).

وصدق الله العظيم في وعده وليعض الظالم في ذلك اليوم على يديه ندماً ، ولتتحرق نفسه وهو يرى أن لا مناص من الجزاء وبذلة النادم يضرع إلى ربه وهو يصيح والموت يتراءى له بمنظره الموحش ليجسد له أعماله.

( رب ارجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ).

وجاء في تفسير الآية الكريمة أن المراد بما ترك تركته المالية حيث لم يؤد ما عليه من الحقوق وقيل : المراد فيما فرطت وليكن هذا أو ذاك فالمعنى يحوم حول ندمه على ما لم يقم به في دنياه مما فرضته عليه الشريعة المقدسة ولكن :

( كلا أنها كلمة هو قائلها ).

فقد فاتته الفرصة ، وخسر الجولة فقد جاءه الموت ليلفه بشراعه ، وليجد أعماله تنتظره إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.

____________

(1) سورة الفجر : آية ( 25 ، 26 ).

64

وتتوالى التوسلات والفرد يجد نفسه نال الجزاء وفي جهنم يبقى خالداً وقد صدق الله في إخباره حيث قال :

( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ).

( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالّيٌن ربنا اخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ).

وينتهي المشهد وتذهب التوسلات أدراج الرياح عندما يأتي النداء من الله عز وجل.

( قال اخسؤا فيها ولا تكلمون ) (1).

وهذه اللفظة تستعمل لزجر الكلب ونزلوا وهم في النار منزلة الكلاب المزجورة اذلالاً لهم ، وإهانة ، وإظهاراً للغضب عليهم.

وفي الآيات الكريمة التي تلي هذه الآيات عرض للأسباب التي نال بها هؤلاء هذه العقوبة وهذا الاعراض حيث كانوا يسخرون من الانبياء والمرشدين وكانوا منهم يضحكون.

2 ـ اليتيم وحقوقه المالية :

لا ملازمة لعنوان اليتيم مع الفقر فكثير من الأيتام لهم من الاموال ما ليس للكبار منها شيء.

ومشكلة اليتامى الاثرياء ليست بأقل من مشكلة اليتامى الفقراء لان المشكلة تكمن في الرواسب الخلفية ، والتي تفسح المجال

____________

(1) الايات الكريمة المذكورة من سورة المؤمنون : من آية ( 99 ـ 109 ).

65

للاقوياء في التسلط على الضعفاء. واليتيم في أغلب الموارد ضعيف فقد من يكفله ، وبقي تحت رحمة الاولياء والاوصياء. لذلك نجد الشريعة المقدسة تولي الإهتمام بهذه الجهة لتحافظ على الرصيد المالي لهذه الفئة الضعيفة كما أولتهم العناية بتوجيه النفوس إليهم في بقية المراحل الحياتية المعاشية ، والتربوية.

وقد بدى ذلك واضحاً من الآيات العديدة التي راعت هذه الجهة فأكدت على إحترام مال اليتيم ، وعدم التصرف فيه إلا بما فيه مصلحة تعود إليه.

لذلك نرى هذه المجموعة من الآيات ، والتي خصصت لمعالجة مشكلة اليتامى الأثرياء تتمشى مع اليتيم في ثلاثة مراحل :

المرحلة الأولى : في المحافظة على ما يترك لليتيم من مالٍ ميراثاً كان ذلك المال ، أو هبة تعود إليه ، وعدم التجاوز على حقوق هؤلاء الضعفاء.

المرحلة الثانية : وتتكفل ببيان الخطوط التي تنهي دور اليتم ، وترفع عنه هذا العنوان ، وبذلك تنتهي مهمة الاولياء ، والاوصياء عندما يشب الطفل ، ويترعرع فيصبح قابلاً لتسلم ماله من الاموال وقادراً على إدارتها بنفسه شأنه في ذلك شأن بقية الكبار.

المرحلة الثالثة : وهي في الحقيقة مرتبطة بالمرحلة الثانية حيث يؤكد فيها على تثبت ارجاع المال ، والتأكد من إستلامه بما يرفع النزاع في المستقبل من دعوى عدم التسليم أو دعوى نقصان المال المسلم ، ولذلك يطلق على هذه المرحلة إسم « الاشهاد على التسليم ».

ومع هذه المراحل بنحو من التفصيل :

66

1 ـ المحافظة على أموال اليتامى :

وبهذا الصدد يقول تعالى :

( وأتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم انه كان حوباً كبيراً ) (1).

أيتاء اليتامى أمولهم يكون بالصرف عليهم من ذلك المال في حالة الصغر ، وأما في حال البلوغ وإستئناس الرشد منهم فيتحقق ذلك بتسليمه اليهم كما تتكفل بيانه المرحلة الثانية.

وأول شيء تعرضت له الآية الكريمة هو ترك عملية تبديل أموال اليتامى حيث كان ذلك سائداً عندهم فقد نقل أئمة التفسير أن بعض الاوصياء كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم ، والغالي منه ، ويبدلونه بالرديء لذلك جاءت الآية الكريمة لتنهي عن هذه التجاوزات غير المشروعة بتبديل أموال هذه المجموعات من الصغار الضعفاء.

وتستمر الآيات الكريمة لتعالج جميع الحالات التي كان التجاوز فيها حاصلاً فيما بينهم على أموال الضعفاء من الايتام فتشمل ما هو أعظم من التبديل ، ذلك هو التجاوز على أصل المال حيث كان الفرد إذا أمن العقوبة يضم مال اليتيم إلى ماله فيتصرف بالجميع ، ويترك هذا المسكين يقاسي متاعب هذه الحياة الكالحة ، وقد جمع بهذا التجاوز على اليتيم إضافة إلى مشكلة يتمه ، مشكلة الفقر.

لذلك وقف القرآن وهو يصرخ في وجوه هؤلاء الأولياء المتجاوزين ويحذرهم مغبة هذا التعدي الوقح فقال سبحانه :

____________

(1) سورة النساء : آية (2).

67

( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً ).

إثم عظيم يقترفه الانسان بضم مال اليتيم إلى ماله ليجحف به ويوصل الضرر إليه.

وتتوالى الصرخات التحذيرية من القرآن الكريم ناهية عن هذا النوع من التجاوز غير المشروع.

( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) (1).

تصوير مرعب تطالعنا به الآية المباركة حيث صورت الفرد منا والنار تستعر في جوفه فيعلم أهل الموقف أن ذلك جزاء من أكل مال اليتيم ومن وراء ذلك جهنم سيصلاه مخلداً فيها.

وقد روي عن الامام الباقر (عليه السلام) أنه قال :

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يبعث اناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواهم ناراً فقيل له من هؤلاء فقرأ هذه الآية.

وجاء في كتب التفسير أن هذه الآية لما نزلت وكذلك قوله تعالى : ( ولا تأكلوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) (2) بادر كل من عنده مال ليتيم فعزل طعامه وشرابه واجتنبوا أمورهم نظراً لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم.

وطبيعي أن يوجب هذا الوضع التشويش ، والاضطراب في قلوب المسلمين لأن ذلك مما يوجب تنفير هذه الفئة الضعيفة منهم

____________

(1) سورة ا لنساء آية (10).

(2) سورة الانعام : آية (152).

68

وليس ذلك في صلاح هؤلاء الاطفال لذلك قصدوا للسؤال من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمر اليتامى ومخالطتهم وفيهم من لا يمكن تركه.

فجاءت الآية الكريمة لتخفف عنهم هذه الشدة ، وتصحح لهم المفهوم الخاطئ الذي تصوروه في ذلك فتسهل عليهم معاشرتهم.

( ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم ) (1).

وكان الجواب صريحاً في الطريق الذي لابد لهم من سلوكه مع الأيتام فلا داعي لهذا التجنب ولا داعي لهذه الهوة التي أحدثوها فيما بينهم فكلما فيه صلاح اليتيم لابد من رعايته وإذا كانت هناك مصلحة في مخالطتهم والتعايش معهم فهم اخوانكم ، والمخالطة مع الاخوان مما يؤكد عرى المحبة.

والاصلاح في الآية مطلق لا يقتصر على جهة معينة بل يشمل كل صور الاصلاح لأموالهم باستثمارها ، وتنحيتها ، والعمل بها في ميادين التجارة والكسب لتوفر على اليتيم ربحاً وفيراً في ماله.

وفي الوقت نفسه تشمل اصلاح اليتيم مع بقية نواحيه ولو كانت غير مالية كالتربية ، والتهذيب إذ أن الآية الكريمة تريد أن يكون اليتيم في نظر الآخرين كالاخ الصغير حيث يختضنه الأخ الكبير ، ويحوطه بعنايته فهو يقوم برعايته من النواحي المالية ، والاخلاقية ، ويخالطه ، ويعاشره بنحو لا يكون في البين طمع من الكبير في أموال الصغير ، بل رعايته ، وتوجيهه بحسن نية ، واخلاص ممزوجين بعطف أخوي.

ولم تقتصر الآيات الكريمة في مقام التهديد على النهي عن

____________

(1) سورة البقرة : آية (220).

69

التجاوز ، وأكل مال اليتيم ، والتوعيد بالعذاب الاخروي بل سلكت طريقاً آخر مستوحىً من الواقع الحياتي الذي يعيشه الفرد في كل يوم.

إن هذه الطريقة الجديدة تتمثل في تنبيه المتجاوزين بإنهم لو ظلموا اليتامى ، وتجاوزوا على حقوقهم ، فليحذروا أن يكون جزاؤهم نفس ما عملوه مع اليتيم ، ولينتظروا يوماً يعامل فيه أيتامهم بنفس الطريقة التي أساؤوا بها إلى أيتام الآخرين.

قال تعالى :

( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ) (1).

وقد جاء عن الامام الصادق (عليه السلام) قوله :

« إن أكل مال اليتيم يخلفه وبال ذلك في الدنيا ، والآخرة. أما في الدنيا : فان الله تعالى يقول : فليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله. وأما في الآخرة فان الله عز وجل يقول : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) (2).

إذاً فلرعاية الايتام أثار وضعية دنيوية ، وللإساءة اليهم مثلها إذ كل شخص في هذه الحياة عرضة إلى الموت وأبنائه معرضون إلى اليتم في كل لحظة ، فليتق الله في الأيتام ليتق غيره في أيتامه.

وبالعكس ، فرعايتهم ، والأخذ بأيديهم له الأثار الوضعية أيضاً

____________

(1) سورة النساء : آية (9).

(2) وسائل الشيعة : 12 / 181 حديث (4) الطبعة الجديدة.

70

فالله لا ينسى تلك الأيادي البيضاء على هؤلاء المقطوعين الذين لف كفيلهم رداء الموت.

وقد عرض القرآن الكريم نماذج من هذا النحو من الرعاية المتقابلة فقال تعالى :

( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ) (1).

لقد حفظ الله ، ورعى لاب هذين اليتيمين جزاء صلاحه يتيميه فقيظ لهما من بنى لهما الجدار الذي ذخر الكنز لهما تحته ريثما يبلغا أشدهما ، ويستخرجا كنزهما كل ذلك رحمة من ربك ، ومعاملة حسنة بالمقايضة ، والمقابلة.

حقوق الأولياء والأوصياء :

لم تقف الشريعة المقدسة في أثناء مرحلة ولاية الولي على اليتيم في وجه الولي لتمنعه من تناول شيء من المال جزاء أتعابه ، ورعايته في هذه المدة ، بل سمحت له بذلك إلا أنها قيدته بما يقتضيه الحال لرعاية حال اليتيم الذي يكون في الغالب محتاجاً إلى ما يدخر له من مال.

تقول الآية الكريمة موضحة الخط الذي يليق بالولي أن يسلكه في هذا الحال.

( ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ).

جاء ذلك بعد قوله تعالى :

____________

(1) سورة الكهف : آية (82).

71

( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافاً وبداراً ) (1).

لقد بدى واضحاً من الآية الكريمة أنها صنفت الاولياء إلى قسمين :

1 ـ ولي غني له من المال ما يكف نفسه عن تناول شيء من أموال اليتيم.

2 ـ وولي فقير قد يضر بحاله المالي أن ينشغل بادارة الشؤون المالية لليتيم لذلك نجده يصبو إلى أخذ شيء من المال لقاء ما يقدمه له من رعاية ، ومحافظة.

1 ـ الولي الغني : وقد خاطبت الآية هذا النوع من الاولياء بقوله تعالى : ( فليستعفف ).

والإستعفاف في اللغة هو : الامتناع عن الشيء. والإمساك عنه ، فهي إذا تخاطب الأغنياء بترك أموال اليتامى وعدم أكلها لا قليلاً ، ولا كثيراً فلماذا هذا الجشع ، والغني قد أعطاه الله من المال ما كفاه عن التطلع إلى هؤلاء الضعفاء ؟ وكيف تتم حلقة التكافل الاجتماعي ، والتضامن ما دام الغني يلاحق هؤلاء الصغار الذين فقدوا من يكفلهم ليضيف إلى مخزونه المالي ما يتقاضاه لقاء عمله لرعاية الايتام ؟.

وأين إذاًَ النوايا الحسنة ، والضمير النابض ليستيقظ فيتجه الغني إلى ربه مبتغياً وجهه سبحانه فيما يقدمه من خدمة ، ورعاية ربما يكون هو في مستقبل الأيام محتاجاً لمثل هذه الرعاية من

____________

(1) سورة النساء : آية (6).

72

الآخرين لو اختطفه الموت ، وخلف أيتاماً كهؤلاء الذين تولى هو أمرهم ، ورعايتهم ؟.

( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ) (1).

2 ـ الولي الفقير : أما إذا كان الولي فقيرا فقد خاطبته الآية الكريمة بقوله تعالى : ( فليأكل بالمعروف ).

وقد روعيت ظروف الفقير في هذه الحالة ، فان الاشتغال بهذه الرعاية المالية يوجب انشغال الفقير عن كسبه ، أو لا أقل من توزيع جهوده بين كسبه ، ورعاية اليتيم المالية لذلك سمحت له الاكل ، وهو كناية عن تناوله من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على بعض التفاسير مع تقييد كون هذا الاخذ على نحو الفرض حيث لابد من رده إذا تمكن بعد ذلك مالياً ، أو الأخذ على قدر ما يسد به جوعته ، وليستر به عورته لكن لا على جهة القرض بل على جهة تملك المأخوذ لقاء عمله ، ورعايته كما جاء في بعض التفاسير الأخرى.

وليكن هذا أو ذاك ، فالولي إذا كان فقيراً مقيد ، ومضيق عليه في تناول ما يشاء من مال المولى عليه.

( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) (2).

والتعدي عن المقدار اللازم في الاخذ من مال اليتيم هو أكل ذلك المال ظلماً ، وتجاوزاً وهو مهدد عليه بنص الآية الكريمة.

____________

(1) سورة النساء : آية (9).

(2) سورة النساء : آية (10).

73

وأخيراً فرفقاً بهؤلاء الصغار الذين تقتضي الرحمة الانسانية ان يحافظ على ماله إلى الوقت الذي يسلم إليه ليتمكن من مواجهة هذه الحياة بظروفها القاسية.

التجارة بمال اليتيم :

ونقصد بالتجارة بمال اليتيم كل تصرف يعود بالنفع عليه تجارة ، أو زراعة ، أو تنمية من قبل الجد ، أو الوصي من قبل الأب ، أو الحاكم الشرعي ، أو الاولياء المنصوبين من قبله ، وهكذا حيث تصل النوبة إلى عدول المؤمنين.

ولم تحدد الآية الكريمة في قوله تعالى :

( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي احسن ) (1).

أبعاد هذا التصرف ، بل نهت عن التقرب إليه إلا على النحو الاحسن.

وقد ذكر الفقهاء للقرب المذكور في الآية معاني عديدة ، وكذلك النحو الاحسن ذكروا له معاني عديدة أيضاً.

ومن مجموع ما ذكروه نخرج بالنتيجة التالية :

أن الأدلة الواردة في رعاية اليتيم ، والاحسان إليه ثبت فيها أنه إذا كان الترك للتصرف بمال اليتيم مفسدة حرم ذلك لانه إتلاف له ، وإفساده ، وهذا ما لا يريده الشارع المقدس.

وأما لو لم يكن في ترك التصرف مفسدة ، بل كان التصرف فيه

____________

(1) سورة الاسراء : آية (34).

74

مصلحة فقد صرحت الآية الكريمة بسلوك الطريق الاحسن في مثل ذلك التصرف ، وقد جاء ذلك بصورة النهي إلى جميع المعنيين بشؤون اليتيم ، ورعايته أن يقربوا ، وهو كناية عن التصرف ـ لمال اليتيم إلا بالشيء الذي يصدق عليه التصرف الاحسن ، ويكون ذلك بحفظه ، وتثميره ، والانفاق عليه بالمعروف على ما لا يشك أنه أصلح له ، فأما لغير ذلك فلا يجوز لأحد التصرف فيه.

وإنما خص اليتيم بذلك ، وان كان التصرف في مال البالغ بغير إذنه لا يجوز أيضاً مما هي خصوصية اليتيم.

والجواب عن ذلك : أن اليتيم إلى هذه الرعاية أحوج والطمع في مثله أكثر (1) لذلك جاءت الآية الكريمة تحفظ حقه في التأكيد على ما هو أصلح له عند التصرف بماله.

ونقف أخيراً أمام السؤال الذي يفرض نفسه علينا ، ونحن نرى الآية الكريمة تجيز التصرف بالنحو الاحسن بأنه : لو دار الامر بين الأصلح ، والمصلحة ، ويمثل لذلك ، بما إذا كان يباع هذا المال في مكان بعشرة دنانير ، ولكنه يباع بعشرين دينار بمكان قريب من ذلك المكان ، ففي هذه الصورة يعد بيعه في المكان الأول ـ مع إمكان بيعه في المكان الثاني ـ إفساداً للمال ، ولو ارتكبه عاقل عد سفيها ليست لديه ملكة إصلاح المال ، وتثميره (2).

وإذاً فلا بد من رعاية الاصلح إن لم يكن ذلك موجباً لادخال الضرر على من يتصدى للتصرف بمال اليتيم.

____________

(1) التبيان في تفسير القرآن في تفسيره لآية (34) من سورة الاسراء.

(2) مكاسب الشيخ الانصاري بحث الولاية.

75

وقد استدل الفقهاء على هذه الرعاية ، وعدم جواز الاخذ بالمصلحة في مورد يمكن الاخذ بالاصلح بعدة أدلّة :

الأول : أن الولي بحسب وضعه الاولي منصوب لرعاية مصلحة الصغير ، وإذا كان هذا الملاك ، فرعاية الاصلح مقدمة على المصلحة لان ذلك من مقتضيات نصب الولي ـ كما عرفت ـ..

الثاني : أننا نشك عند بيع مال اليتيم بالاقل رعاية للمصلحة ، وعدم البيع بالأكثر رعاية للاصلح بأن المال انتقل من ملك اليتيم إلى المشتري بدون وجود الاصلحية ففي هذه الصورة استصحاب ملكية اليتيم يحكم ببقائه ، وعدم إنتقاله أما لو راعى الولي حالة الاصلحية فان الاستصحاب لا يبقى مجال لجريانه كما هو واضح.

وهناك أدلة أخرى تعرضت لها الموسوعات الفقهية ، كما وقد ذكر من يكتفي بمجرد وجود المصلحة أدلة اعتمد عليها ، ودلل فيها على عدم لزوم تكليف الولي برعاية الاصلح ما دام عنوان المصلحة متحققا في التصرف بمال اليتيم. وليس بالإمكان التعرض لكل هذه الاراء ، والأدلة وملاحظة جميع ما ورد في هذا الموضوع. بل المهم أن نستفيد من وراء ما نقلناه أن رعاية اليتيم لا تقتصر على حفظ ماله ، وايداعه إلى أن يصل إلى حد البلوغ ليسلم إليه بل لابد من تثميره ، وتنميته رعاية لحق اليتامى ، واشعاراً لهم بأن القدر لو اختطف منهم اليد الحانية فقد عوضهم الله بمن يعطف عليهم لينسيهم مرارة الوحدة ، وذل اليتيم.

1 ـ تسليم أموال اليتامى :

أما من ناحية تسليم أموال اليتامى فقد حدد الشارع المقدس لذلك وقتاً خاصاً يكون بإمكان الولي ، أو الوحي التخلي عن هذه المسؤولية الملقاة على عواتقهم بدفع أموال اليتامى إليهم.

76

قال عز وجل :

( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً. أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ) (1).

وقال سبحانه :

( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالكيل ) (2).

وقال تعالى :

( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد ) (3).

خطوط المراحل النهائية للمحافظة على مال اليتيم حددتها الآيات الكريمة فبدى من خلالها لزوم شرطين أساسيين لتحقق هذه المرحلة الإنتقالية ، وهما :

1 ـ البلوغ.

2 ـ الرشد.

بلوغ النكاح : وهو كناية عن وصول الطفل إلى مرحلة النضوج البدني فيشهي بذلك النكاح والذي هو تعبير عن قدرة الطفل على ممارسة العملية الجنسية.

والرشد : وهو النضوج العقلي عند الانسان.

____________

(1) سورة النساء : آية (6).

(2) سورة الانعام : آية (152).

(3) سورة الاسراء : آية (34).

77

وبحصول هذين يكون اليتيم ناضجاً ، وقادراً على إدارة شؤونه والتصرف بأمواله بنفسه على النحو الذي يقوم به كل شخصٍ كامل ... على أن الفقهاء قد إستفادوا من الآيات الكريمة المذكورة الارتباط بين هذين الشرطين فلم يقولوا بدفع المال إلى اليتيم بمجرد وصوله إلى حد البلوغ فقط ، أو حصول الرشد لوحده دون البلوغ إذ لربما يصل الانسان إلى حد يتجاوز بها السن المقررة شرعاً في البلوغ ، ولكنه بعد لا يستطيع من القيام بأعباء المسؤولية المالية.

لقد لاحظ الشارع المقدس ، ومن خلال الآيات الكريمة أن رفع الولاية عن الصبي يتيماً كان ، أو ذا أب يتمتع بالحياة لابد له من المقدرتين البدنية ، والعقلية.

فلا فائدة في طفل اكتملت رجولته البدنية بالوصول إلى مرحلة من العمر ، وهو على أبواب الشباب بتخطيه الخامسة عشرة ما لم يكتمل نضوجه العقلي حيث تصبح لديه القدرة الكافية لتمييز مضاره من منافعه ، وما يصلح له مما يفسده وقد جعل المشرع لكلٍ من هاتين المرحلتين علامة تشعر بتحققها ، وإكتمالها.

البلوغ .. علاماته :

وقد ذكر الفقهاء للبلوغ أسباباً خمسة :

ثلاثة يشترك فيها الذكور ، والإناث.

واثنان تختص بالإناث.

أسباب البلوغ المشتركة :

أما الاسباب المشتركة فهي :

1 ـ الإنبات للشعر الخشن على العانة.

78

2 ـ السن.

3 ـ الاحتلام.

أسباب البلوغ المختصة :

وهي كما قلنا مختصة بالنساء وقد قررت كما يلي :

1 ـ الحيض.

2 ـ الحمل.

ومن الاجمال الى التفصيل. ونبدأ ببيان الاسباب المشتركة للبلوغ وهي كما قلنا :

1 ـ الانبات :

وفي اللغة : أنبتت الارض إذا أخرجت نباتها ، وبقلها. وأنبت الغلام : إذا بلغ مبلغ الرجال (1).

ويراد بالإنبات : في مصطلح الفقهاء : نبات الشعر على العانة للرجل ، والمرأة.

وأما لعانة : فيقول عنها اللغويون.

وعانة الإنسان إسبه : الشعر النابت على فرجه.

وقيل : هي منبت الشعر هناك (2).

وليس للفقهاء مصطلح خاص يختلف عما ذهب إليه اللغويون. بالنسبه إلى العانة بل يقول الجميع بنفس المقالة المذكورة.

____________

(1 ، 2) لسان العرب : مادة ( نبت ، وعون ).

79

الإنبات موضعه :

لا شك أن خروج الشعر حول ذكر الرجل ، وفرج المرأة في القبل هو مورد قبول الفقهاء من جميع المذاهب الاسلامية ـ عدا المذهب الحنفي ـ لانهم لا يقولون بأن الانبات علامة من علامات البلوغ ليبحث عن موضع ذلك أين يكون.

وأما وجود الشعر على غير العانة من بدن الانسان ، فقد وقع الخلاف فيه ، فذهب معظم الفقهاء إلى عدم إعتباره دليلاً على البلوغ ، ومن موارده الإنبات في الوجه في اللحية ، والشارب ، وفي الإبط أيضاً.

وإذاً فبحصول الإنبات على العانة يكون الصبي قد أحرز أحد الشرطين في عملية إنتهاء دور الصبا ، وتسلم ما له من المال عند الغير.

الإنبات صفته :

الشعر الذي ينبت على العانة ، ويكون علامة على بلوغ الصبي ، وانهائه دور اليتم قيده الفقهاء بكونه « خشناً » وفي مقام توضيحه يعبرون عن مقدار الخشونة بقولهم :

« بحيث يحتاج إلى الحلق بالموسى ، أو غيره في مقام إزالته ».

ولهذا صرحوا بعدم الاعتبار بالزغب ، أو الشعر الضعيف وقد عرف الزغب بأنه : صغار الشعر ، ولينه ، أو هو أول ما يبدو من الشعر.

وأما الضعيف : فهو الشعر الذي يلي هذه ا لمرحلة فينبت قبل الخشونة ، ولذلك بالامكان تقسيم الشعر في مراحله إلى هذه الادوار الثلاثة : زغب ، وضعيف ، وخشن.

80

غير الانبات من العلامات الجسدية :

ينفرد فقهاء المالكية بذكر بعض العلامات الأخرى غير الإنبات حيث اعتبروها دليلاً على البلوغ.

وقد ذكروا تلك العلامات على ما يلي :

1 ـ فرق أرنبة المارن : والمارن هو الانف ، وقيل هو طرفه ، وقيل ما لان من الأنف.

2 ـ نتونة رائحة الابط.

3 ـ بروز الشعر في الابط.

4 ـ نهود الثدي.

5 ـ غلظ الصوت.

وغير هذه من العلامات التي يستدل بها على أن وجودها معناه تبدل أعضاء البدن ، وإنتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة نضوج البدن ، وبلوغه السن الذي يكون الطفل قد أهل إلى تحمل التكاليف الشرعية.

ولكن بقية الفقهاء من بقية المذاهب لم يعتبروا هذه العلامات التي تفتقر في مقام تقييمها إلى الدليل الشرعي. وأما مجرد الغالبية لحصول هذه العلامات مع البلوغ ، وحصولها بحسب العادة في مثل هذه السن فهذا مما لا يكون دليلاً يجعل هذه العلامات كعلامة ( الإنبات ) على البلوغ حيث صرحت الادلة بأنه علامة من علامات البلوغ المشتركة بين الذكور والاناث.

2 ـ البلوغ بالسن :

تقرر كافة المذاهب الإسلامية ( عدى المالكية ) بأن وصول الصبي

81

إلى مرحلة خاصة من العمر هو : البلوغ ولكنهم إختلفوا في الحد المقررة من السن لكل من الذكر والأنثى.

لذلك لابد من بحث ذلك للذكر أولاً ، والأنثى ثانياً.

السن للذكر :

وقد تعددت أقوال المذاهب في ذلك.

1 ـ البلوغ بالخمس عشرة سنة ، وإلى هذا ذهب معظم الامامية. وهو المجمع عليه عندهم ، والمشهور فيما بينهم.

وبه قال الشافعية ، والحنابلة ، وهو القول المشهور لاصحاب مالك ، وبه قال كثير من فقهاء العامة غير أصحاب المذاهب.

2 ـ البلوغ سبعة عشرة سنة ، أو ثمانية عشرة وهو المنقول عن أبي حنيفة.

3 ـ القول بالاكتفاء بما بين أربعة عشرة سنة إلى ستة عشرة وإلى هذا ذهب بعض فقهاء الامامية.

4 ـ أنه لا حد للبلوغ بالسن ، وإلى هذا القول ذهب مالك ، وداود الظاهري.

وهناك أقوال أخرى قد لا تكون مهمة.

السن لبلوغ الأنثى :

وكما اختلفت كلمة الفقهاء بالنسبة للسن لبلوغ الذكر كذلك اختلفت كلمة الفقهاء بالنسبة لبلوغ الأنثى من ناحية السن.

فالقول السائد عند الامامية ، والمجمع عليه عندهم هو : اكمال التسع سنوات ، ويذهب البعض منهم إلى بلوغها بكمال العشر. أما

82

الشافعية ، والحنابلة فقد ذهبوا إلى بلوغها باستكمال الخامسة عشرة سنة.

أما الاحناف فقد نقل عن أبي حنيفة رأيه في البلوغ ، وأنه سبعة عشرة سنة برواية ، وبرواية أخرى خمسة عشرة سنة.

3 ـ البلوغ بالاحتلام :

والاحتلام في اللغة هو الجماع ، أو يرى في منامه رؤيا وتكون من نتائج ذلك هو خروج المادة المنوية منه من الطريق المعهود. وعند الفقهاء : هو خروج المني ، وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الذكر ، والانثى.

هذا كله في أسباب البلوغ المشتركة بين الذكور والاناث. أما الاسباب المختصة بالاناث فقد تقدم أن قلنا أنها : الحيض ، والحمل.

1 ـ الحيض :

وتتفق كافة المذاهب على أن الحيض علامة على بلوغ الأنثى ، وانها بذلك تكون مكلفة بكافة الأحكام الشرعية سواءً منها المشتركة بينها ، وبين الذكر البالغ ، أو الأحكام المختصة بها كأنثى مما لا يكلف بها الذكور.

ولسنا في صدد معرفة أن حيض المرأة هل هو البلوغ بنفسه ، أو أنه علامة على سبق البلوغ عليه ، فهذا النزاع ليس له كثير أهمية في موضوعنا بعد أن نعلم أن الانثى اليتيمة إذا حاضت ، فقد وصلت إلى السن الذي تصلح لأن يسلم إليها ما لها لو حصل الشرط الثاني ، وهو الرشد.

83

2 ـ الحمل :

وقد اتفقت كلمة المذاهب الاسلامية على كون الحمل علامة على بلوغ المرأة مقربين وجهة نظرهم بأن الحمل لا يكون إلا بعد حصول الانزال من المرأة ، والذي هو خروج المني حيث اقتضت الحكمة الإلهية ان يخلق الجنين مكوناً من مائي الرجل والمرأة ، وهذا معناه أن الحمل إنما يكون بعد تكون الماء عند المرأة ونضوجها البدني ، وإنزالها إلى الرحم ليختلط به ماء الرجل فيتكون من المائين الجنين.

ولم تختلف وجهة نظر كافة المذاهب في هذه الجهة.

3 ـ الرشد :

وهو ـ كما قلنا ـ الشرط الثاني في عملية تسليم أموال اليتيم إليه.

وقد عرفه اللغويون بأنه : نقيض الغي ، ونقيض الضلال.

ويقولون : رشد إذا أصاب وجه الأمر ، والطريق.

أما الرشد عند الفقهاء فهو :

1 ـ القول بأنه إصلاح المال ، وتدبيره.

وإلى هذا القول ذهب معظم الامامية ، والاحناف ، والمالكية والحنابلة.

2 ـ القول بأنه صلاح الدين لا غير.

وإلى هذا القول ذهب الظاهرية ، والزيدية.

3 ـ القول بأنه إصلاح المال ، والدين معاً.

وإلى هذا القول ذهب الشافعي ، وبعض فقهاء الامامية.

84

هل للرشد سن معينة ؟ :

لم يحدد الفقهاء سناً معينة للرشد على العكس مما فعلوه في البحث عن البلوغ بالسن.

وعدم التحديد بالنسبة إلى السن لحصول الرشد يعتبر من الامور الطبيعية بعد أن أوضح تعريفه بما يلي :

أنه : كيفية نفسانية مانعة من تبذير المال ، وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء.

وهذا الايضاح للتعريف مما تتفق عليه كافة المذاهب من حيث المضمون.

وبناءً على هذا التعريف ، وشبهه فليس من البعيد أن تحصل هذه الكيفية النفسانية قبل بلوغ الصبي السن المقررة للبلوغ ، وقد تحصل بعده حيث لا يحصل للانسان مثل هذا الاستعداد ، والتدبير حتى يتقدم في السن ، ويطعن فيه. وعليه : فان حصول هذه الحالة تتبع الظروف الإجتماعية والنفسية للشخص قرب إنسان يكون محاطاً بأشخاص لهم تجاربهم العديدة ، والتي تضفي على الطفل المعلومات الكافية لتدبير حاله ، وإنعاش حياته كفرد مدبر ، ومعتدل في صرفه للأموال بينما يفقد الآخر هذا النوع بينما يفقد الآخر هذا النوع من الحنو من الآخرين.

يضاف إلى ذلك : إستعداد الطفل ، وثقافته ، وذكائه وتربيته الخاصة لذلك نرى الآية الكريمة لم تحدد ذلك بسن معينة ، بل خاطبت الاولياء بقوله تعالى :

( فان أنستم منهم رشداً ).

ومن هذا المنطلق إذاً لم يكن بعيداً على بعض فقهاء الامامية وغيرهم من بقية المذاهب أن يقول في هذا الصدد.

85

لو بلغ الصبي غير رشيد لم يدفع إليه ماله ، وان صار شيخاً كبيراً ، وطعن في السن.

وإذا ففي هذه الحالة يبقى الولي محافظاً على مال اليتيم ولم يسلمه إليه نظراً لعدم تحقق الشرطين المأخوذين كأساس لعملية التسليم لأموال اليتامى : الرشد ، والبلوغ. إذ من المفروض أن البلوغ حصل ولكن الرشد لم يحصل والبلوغ لوحده لا يكفي لتسليم المال إليه وإمضاء تصرفاته المالية.

وينفرد أبو حنيفة برأي يقول فيه : أنه لو بلغ خمساً وعشرين سنة وهو باق على سفهه ، وعدم رشده سلم المال إليه ولم ينتظر بأكثر من هذا السن محجوراً عليه من هذه الجهة.

وقد رد هذا الرأي من طرف بقية فقهاء المذاهب ولم يأخذوا به.

كيف يثبت الرشد ؟ :

يثبت الرشد ـ كما يقرره الفقهاء ـ بأحد طريقين :

1 ـ الإختبار.

2 ـ الشهادة.

1 ـ كيفية الإختيار :

لم يحدد الفقهاء كيفية خاصة لإختبار الصبي ذكراً كان أم أنثى ، بل أوكلوا الأمر إلى ما تقتضيه طبيعة الطفل الاجتماعية. ـ وعلى سبيل المثال ـ فقد ذكروا بأن أولاد التجار يكون إختبارهم بالبيع ، والشراء ، فان أحسنوا التصرف علم رشدهم.

أما لو كانوا من أولاد الطبقات غير التجارية دفع إليهم مقدار من

86

المال ، ويراقبون في صرفه فإن أحسنوا التصرف في ذلك المال دلّ ذلك على نضوجهم العقلي ، وتحولهم من عالم الطفولة إلى مراحل التكليف الشرعي.

وهكذا المرأه تختبر فيما يعود إلى تدبيرها المنزلي ، وتصرفها الإجتماعي وإن قامت بدورها على النحو الذي تقوم به غيرها من الأهل ، ومتعلقيها دل ذلك على تحولها من طفلة إلى ربة بيت ، وحينئذٍ تسلم إليها أموالها كما تسلم إلى البالغ الرشيد.

وتجمع المذاهب الإسلامية على إعتبار هذا كقاعدة أساسية لبيان كيفية الإختبار من غير فرض مثالٍ خاص لذلك سواءً في الذكر ، أو الانثى.

وفي الحقيقة أن هذه القاعدة مستوحاة من قوله تعالى : في الآية المتقدمة ( فإن أنستم منهم رشداً ).

حيث تركت الآية الكريمة إيناس الرشد من دون تقييده بكيفية خاصة تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية المحيطة بالطفل سواءً كان الطفل ذكراً ، أم أنثى.

2 ـ ثبوت الرشد بالشهادة

وكبقية الموارد التي تقبل فيها الشهادة نرى موردنا ، وهو حصول الرشد ، فيثبت بشهادة رجلين ، أو رجل وإمرأتان.

يقول تعالى :

( وإستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (1).

____________

(1) سورة البقرة : آية (281).

87

3 ـ الإشهاد على تسليم أموال اليتامى :

وكما أوصى الله باليتيم ، ورعى له مصالحه لاحظ في الوقت نفسه جانب الولي من حيث تسليم أموال اليتيم.

إن مرحلة تسليم أموال اليتامى بعد وصولهم إلى سن الرشد والنضج العقلي ليس إلا وضع الحد النهائي لسلطة الولي أو الوصي ، وبدء مرحلة السلطة لاصحاب الاموال أنفسهم حيث كان بإمكانهم في تلك المرحلة من القيام بإدارة أنفسهم من دون أن يكون في البين ولي ، أو وصي يقوم بذلك.

وفي هذه المرحلة نبّه الشارع المقدس الاولياء لنقطة قد تحصل نتيجة معاكسات ، ومشاكسات تلازم هذه المرحلة الدقيقة ، وهي حصول إتهام الولي في المستقبل ، وتوجيه اللوم له من جهة اليتيم يرميه بالاختلاس ، أو التقصير ، وعدم القيام بما يلزم من التصرف ، أو المحافظة على المال على نحو يكون قد وصل إليه حقه.

واليتيم بعد كل هذا بشر ، ومهما يكن فقد يشك بالولي كأي إنسان آخر تحصل له الشكوك من بعض الملابسات ، والقضايا الخارجية ، فبدلاً من أن يقوم بما يمليه عليه الواجب من أداء فروض الشكر لمن رعاه طيلة هذه المدة نراه يتهمه بما بيٌناه من الإختلاس ، وعدم وصول حقه كاملاً إليه.

لذلك كانت الآية الكريمة تدفع بالأولياء ، وتهيب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة ، والتدبير لانفسهم بالإشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة فراداً مما قد يقع فيه من محذور الإتهام نتيجة إحسانه وأتعابه.

( فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً ) (1).

____________

(1) سورة النساء : آية (6).

88

فكما كانت الشريعة تحافظ على حقوق الضعفاء من تلاعب الاقوياء كذلك تقضي الرحمة الإلهية أن تحمي الاقوياء من اتهام الضعفاء ، والتنكر لهم ، فرعاية المصلحة العامة ، وملاحظة الصالح العام تأخذ بنظر الاعتبار كل الجوانب. والافراد بنظر القانون سواسية فهو يحمي جميع الطبقات فلا يتجاوز قوي على ضعيف ـ وفي الوقت نفسه ـ لا يسمح بأن يتطاول ضعيف على قوي ، فلا أثرة لفئة على فئة بل كلهم عباد الله ، وفي نظر الشريعة سواسية.

هل الإشهاد واجب ؟ :

لم يقرر الفقهاء وجوب الإشهاد على الولي رغم أن الآية الكريمة خاطبت الأولياء ، والاوصياء بصيغة الامر فقالت :

( فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ).

وذلك لان هذا الحكم ارفاقي إحتياطي روعي فيه حال الاولياء ليحتاطوا لانفسهم بالإشهاد عليهم عند تسليم الاموال ليبعدوا التهمة عنهم. أما إذا لم يرد الولي أن يسلك هذا الطريق ، وشاء أن يسلم المال بلا إشهاد ، فإنه سيتحمل تبعات ما قد سيحدث لو أنكر اليتيم تسليم المال إليه ، أو ادعى أن فيه نقصاً ، أو تبديلا ، وما إلى ذلك من صور الإتهام.

وقد تكررت مثل هذه الأوامر في موارد عديدة وجاء ذلك في آيات أخرى من الكتاب الكريم.

يقول تعالى :

( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) (1).

____________

(1 ، 2) سورة البقرة : آية (281).

89

وقال سبحانه : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) (1).

ولم يقل أحد من الفقهاء بلزوم ، ووجوب الكتابة عند حصول المداينة بين الاشخاص ، أو حصول معاملة بيعية ، بل ترك ذلك إلى الاطراف التي تتبايع ، أو تتداين ، أو الأولياء ، والأوصياء عند تسليم أموال اليتامى إليهم ، فإن شاؤوا أخذ الحيطة لانفسهم فهو ما يريده الشارع المقدس لهم من الارفاق وحسم مادة النزاع ، وإن أبوا إلا أن تسير أمثال هذه الامور إعتماداً على الثقة المتبادلة بين الطرفين من دون كتابة أو إشهاد كان ذلك من تبعات مسؤولياتهم الشخصية ، والانتظار لكل ما تفرضه الظروف المعاكسة في بعض الاحيان.

إن عملية الإشهاد في هذه الموارد هي عملية طبيعية تفرضها ظروف المجتمعات العامة ، وتقتضيها طبيعة الإنسان في هذه الحياة تماماً كما يحمل الإنسان السلاح تجنباً لما قد يلاقيه من أخطار ، ومخاوف.

وأخيراً تختم الآية الكريمة الأمر الاحتياطي بضرورة الإشهاد على عملية تسليم أموال اليتامى من قبل الاولياء ، أو الاوصياء بقوله تعالى :

( وكفى بالله حسيباً ).

ورقيباً عليكم في أعمالكم ليحافظ كل فرد على ما هو مقرر في حقه ، فكما كان التشريع يقف في جانب اليتيم يحذر الآخرين مغبة التجاوز عليه ، ويشوقهم إلى مساعدته ، والأخذ بيده ، كذلك حذره من التطاول على من رعاه ، وسهر على شؤونه وهو الولي ، أو الوصي فلا يحسن به أن يعامله المعاملة السيئة فيرميه بالاختلاس ، والتقصير في الوقت الذي يكون بعيداً عن كل ذلك ، فإن الله ليس بغافل عن حساب الجميع ، وكفى به حسيباً ، ورقيباً في كل صغيرة ، وكبيرة ، وهو المطلع على السرائر ، ولا تخفى عليه خافية سواءً من جانب الاولياء في دور

____________

(1) سورة البقرة : آية (281).

90

وليائهم على اليتامى ، أو بعد ذلك مما قد يتعقب عملية تسليم الاموال من إتهامات يوجهها اليتامى لاوليائهم.

المرأة وحقها الطبيعي :

لقد كان المجتمع الجاهلي يجور على المرأة بشكل خاص ، ويعاملها معاملة ملؤها الظلم ، والتعدي في جميع المراحل التي تمر بها فكانت سلعة رخيصة بيد الرجل يسيرها كيف يشاء ، ويتحكم في أمرها تماماً كما يفعل بالرقيق فلم تجد في تلك العصور للكرامة أي معنىً ، ولعزتها أي أثر.

لقد كانت المرأه في نظر الرجل قاصرة حتى ، ولو تزوجت وتقدم بها السن فليس لها في أمرها شيء على الصعيدين :

الاجتماعي ، والمالي.

أما على الصعيد الاجتماعي : فإنها كانت محتقرة ، ومظلومة.

ويبدأ ذلك من الدقائق الأولى عندما تبدأ مسيرتها الحياتية فعند ولادتها نرى الاب بدلا من أن يستقبل وليدته ، وفلذة كبده ليطبع على جبينها قبلة الحب ، والحنو. وإذا به كما يحدث القرآن الكريم :

( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من سوء ما بشر به أيمسكه على هونٍ أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) (1).

نظرة ملؤها الإحتقار يلقيها الرجل على زهرته المتفتحة وهي تستقبل حياتها الجديدة مكفهر الوجه مقطب الجبين يكظم غيظه ، ويحاول السيطرة على أعصابه كأنه أصيب بكارثة وهو يتجلد أمامها.

____________

(1) سورة النحل : آية (58).

91

( يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ).

ولماذا هذا التخفي من الناس ؟ ويأتي الجواب. بان هذا الاجراء ليس إلا لأن الله قد منحه العنصر الثاني الذي يشكل القاعدة الكبرى لخلق الإنسان لانه سبحانه خلقهم من :

ذكر ، وأنثى. من غير تفضيل لبعض على بعض ، فكما يكون الرجل طرفاً لايجاد النسل ، كذلك الأنثى هي الطرف الآخر في هذه العملية التناسلية ، والتي منها يتكون هذا البشر.

ويبقى الاب الحائر وهو في صراع عنيف مع نفسه فماذا يصنع أيبقى ، والذل يحيطه من كل جانب ينظر كل يوم إلى وليدته وهي تتخطى عتبة الطفولة ، وتتفتح إلى الحياة ، أم يدفنها في التراب ، ويتخلص من هذا العار ، وينفض عن يديه غبار الجريمة النكراء ؟.

وأخيراً يقود ، ويصمم ، ويرجح الرأي الثاني. وإذا به يذهب بها ليدفنها ، وهي حية.

( وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت ) (1).

أما إذا افلتت من الموت حيث كانت بعض النساء يخفين الوليدة ، ويظهرن أمام الرجل بانهن قمن بعملية الدفن ، أو كانت القبلية تتسامح في موضوع الدفن ، فان المرأة كانت تعيش رخيصة في كنف الرجل ليس لها أن تختار من تقترن به في حياتها الزوجية ، بل يكون ذلك راجعاً إلى من يقوم عليها فهو الذي يتحكم في ذلك يتركها وحيدة ، ومحرومة من الزواج أو يزوجها ممن يشاء.

أنها كانت تفقد حرية الإختيار الزوجي ، بل كان الرجل ـ كما قلنا ـ هو الذي يقود مصيرها ، ولتبقى تندب حظها التعس في كل لحظة تمر

____________

(1) سورة التكوير : آية (9).

92

عليها لا لشيء إلا لانها إمرأة لا غير.

وأما على الصعيد المالي : فان المرأة كانت تمنع من التجارة والميراث بحجة أنهم كانوا يورثون من يقاتل ، ويحمل السلاح ويدافع عن الحريم. أما المرأة فهي من الحريم.

وإذاً فلها على الرجل أن يحميها كما يحمي متاعه ، وأمواله ولتعيش بعد ذلك في كنفه تتناول ما يمنّ به عليها من فتات ما يأكل ، ويبقى بازاء ذلك مسيطراً على ما يصلها من ميراث يتمتع به كيف يشاء يمنعها من التصرف بحقها الطبيعي الشرعي.

يتامى النساء :

وقد كان من تعسف الرجل يزداد بشكل أكثر بالنسبة إلى يتامى النساء فان الكثير منهن كن يواجهن مشكلة أخرى غير حرمانهن من الميراث ، أو حرمانهن من اختيار الزوج تلك هي حبس اليتيمة ، وعدم تزويجها طمعاً في مالها ، وليس ذلك إلا لانها يتيمة فقدت كفيلها ، وبقيت تحت رحمة الاولياء ، والاوصياء.

إن الولاية على اليتيمة كانت تتضاعف ، فهي مضافاً الى كونها امرأة يتمية فقدت تلك اليد التي تربت على كتفها أو تمسح على رأسها ، أو تجفف دموعها.

المرأة في ظل الإسلام :

لقد عالج التشريع الاسلامي كل هذه الجهات ، وغيرها مما يمت إلى المرأة بصلة فنظم حياتها المعيشية ، والاجتماعية أما من الناحية الاجتماعية : فقد ندد القرآن الكريم بأولئك الذين يهينون المرأة ، ولا

93

يرون لها حق التمتع بهذه الحياة فحارب بشدة العادات البالية ، والرخيصة ، والتي كانت تجعل من الرجل عبوسا ، ومحبوسا لولادة الأنثى ، بل وصف تبرم الرجل وضيقه ، وعدم قبوله بهذه المنحة الإلهية بأنه من الأحكام السيئة الجائرة وليس فيها ما يمت إلى الانصاف بصلة.

وعلى العكس فقد بدأ يبين في كثير من الأحاديث الكريمة التي جاءت من طريق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الوليد إذا كان انثى فهي أدعى للبركة ، أو أنها مدعاة للرزق ، وتحسين الحالة المادية بفضل الله سبحانه.

وفي مقام تعليمها ، وحقوقها الاجتماعية الأخرى نرى التشريع لا يفرق بينها ، وبين الرجل إلا في بعض ما فرضه الله عليها من الحجاب ، والحشمة وما ذلك إلا ليحفظ بذلك كرامتها ، ويبعدها من الإبتذال عندما تلاحقها نظرات الرجل المسعورة.

وهكذا الحال بالنسبة إلى حرية الاختيار الزوجي فان الشريعة أناطت ذلك إليها فمنعت الرجل أن يتدخل في أمرها ليمنعها من الاقتران بمن تريده فتىً لأحلامها.

نعم : شرك معها الأب ، والجد في هذا الاختيار إذا كان في ذلك الاقدام منها ما يضر بمصلحتها ما دامت باكراً أما إذا كانت ثيباً فان لها وحدها حرية الاختيار ، وليس لاحد معها في ذلك شيء.

وأما من الناحية المالية ، والتنظيم المعيشي ، فقد قرر لزوم الانفاق عليها من قبل الزوج ما دامت في حبالته ، ومرتبطة معه برباط الزواج المقدس.

ـ وفي الوقت نفسه ـ فقد حفظ لها حقها في المال الذي يخلفها قريبها الميت حيث طفحت سورة النساء من القرآن الكريم بذكر الآيات

94

التي تصدت لتنظيم الميراث ، وتقسيمه بين الرجل والمرأة بعد أن أخذت بعين الاعتبار ظروف الرجل ، وتكليفه بالانفاق على المرأة ، وعلى الاسرة التي تحيط به.

وكذلك لاحظت ظروف المرأة ، وأخذت في حسابها أنها في الغالب تكون في كفالة الرجل فكان من جراء هذه الاعتبارات زيادة حظ الرجل من الميراث أما ما يصلها من الميراث فقد جعلت أمره بيدها ، وأنها هي التي تقرر كيف تتصرف به بكامل الحرية والاختيار ، وبذلك نرى التشريع الإسلامي قد كفل للمرأة جميع حقوقها المالية ، والاجتماعية.

وعلى الخصوص نرى الشريعة قد أولت يتامى النساء عناية أكثر فعالجت مشكلة اليتامى الصغيرات من الناحيتين أيضاً المادية ، والاجتماعية.

وبهذا الخصوص جاءت آيتان مرتبطتان من حيث الغاية والهدف لمعالجة هذه المشكلة :

يقول تعالى في الآية الأولى :

( يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليماً ) (1).

لقد نددت الآية الكريمة بأولئك الذين لم يلتفتوا إلى التشريع الاسلامي الكافل لحقوق المرأه المالية ، بل أصرّوا على التجاوز على ميراثها فقال تعالى :

____________

(1) سورة النساء : آية (3).

95

( اللاتي لاتؤتونهن ما كتب لهن ) وما كتب لهن هو ما أنزله الله من آيات المواريث التي سبق وان تقدمت في أوائل السورة وهي سورة النساء.

ومضافاً إلى جريمة التجاوز على الحقوق المالية من عدم اعطائهن ما كتب لهن من الميراث ، فإنهم كانوا يرغبون في الزواج منهن لاجل ذلك المال ، وطمعاً فيه.

أما إذا راعى الولي ، أو الوصي فحفظ لليتيمة من ميراث وتزوجها لاجل الاقتران لا لمالها فان هذا العمل منه خير.

( وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليماً ).

وهو الرقيب عليكم يعلم حركاتكم ، وسكناتكم ، وما تنطوي عليه نفوسكم إن خيراً ، أو شراً.

وقد نقل السدي أن جابر بن عبدالله الانصاري كانت له بنت عم عمياء ذميمة قد ورثت من أبيها مالاً فكان جابر يرغب في نكاحها ، ولا ينكحها مخافة أن يذهب الزوج بمالها فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال :

أترث إذا كانت عمياء فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

نعم : فأنزل الله فيه هذه الآية : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ) الخ (1).

ومن مجموع ما جاء في تفسير هذه الآية يتضح لنا أن القرآن الكريم حرص على تكريم المرأة ، وندد بهؤلاء المتجاوزين على حقوقها سواءً المالية ، أو الاجتماعية.

أما الآية الثانية : فهي ما جاء في قوله تعالى :

( وان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من

____________

(1) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية.

96

النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك ادنى الا تعولوا ) (1).

وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة.

أنها نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها ، فيرغب في مالها وجمالها يريد أن ينكحها بدون صداق مثلها ، فنهو أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن إلى الأربع من النساء ، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ممن سواهن أو ما ملكت أيمانكم » (2).

أن اليتيمة كغيرها من النساء لها الحرية الكاملة في إختيار من تشاء من الازواج ، وتهب له ما قرر لها من مهر المثل إذا كان ذلك نابعا من رغبتها ، وإرادتها. أما أنها تقهر على ذلك فهذا ما لا يريده الشارع لها.

والوصي كأحد الخاطبين لا تمنعه الشريعة المقدسة من الإقدام على الخطبة لليتيمة ، أو غيرها لو كان مستكملاً للشروط التي يقررها الشارع في الزوج.

ولكن النفوس غير المؤمنة تأبى أن تخضع للواقع ، وتترك الاثرة جانباً ، بل كانت تصر على أن تكون اليتيمة العوبة يتلاقفها من هي تحت يده من دون أن يكون لها أي إختيار في أمرها ، وفي صداقها.

إن الشارع المقدس : وهو الرحيم الودود لا يترك الباب مفتوحاً أمام الاقوياء ليتجاوزوا على الضعفاء دون أن يردعهم ، ويوجههم إلى ما فيه خير الامة ، وصلاحها.

____________

(1) سورة النساء : آية (3).

(2) تفسير التبيان في تفسيره لهذه الآية الكريمة.

97

يتامى بني هاشم :

ويشمل اللطف الإلهي طائفة خاصة من الايتام هم أيتام ( بني هاشم ) فيميزهم عن بقية اليتامى ، فيخصص لهم سهماً معيناً في الخمس الذي فرضه الله في موارد معينة من أموال الناس.

ولا بد لنا وقبل الدخول في طلب الموضوع من بيان بعض الايضاحات التي لها مساس في بحثنا وهي :

1 ـ الخمس ... ما هو ؟

2 ـ الموارد التي يجب فيها الخمس.

3 ـ من يستحق الخمس ؟

4 ـ الخمس ... تشريعه.

1 ـ الخمس ما هو ؟ :

الخمس : حق مالي فرضه الله سبحانه على عباده في موارد مخصوصة فكلفهم بإخراج سهم واحد من كل خمسة سهام مما يحصلون عليه من تلك الموارد المالية ، والتي سنتعرض لبيانها في ضمن البحث ، وإيصالها الى المستحقين ، والفقراء ممن تكتمل فيهم الشروط التي أخذت في أولئك الذين عينتهم الشريعة مصرفاً للخمس ، ومورداً له.

2 ـ الموارد التي يجب فيها الخمس :

لقد فرض الله الخمس في الموارد الآتية :

1 ـ غنائم دار الحرب.

2 ـ المعادن.

3 ـ الغوص.

4 ـ الكنوز.

98

5 ـ أرباح المكاسب.

6 ـ الحرام المختلط بالحلال.

7 ـ أرض الذمي المنتقلة إليه من المسلم.

ومن الإجمال في هذه العناوين إلى التفصيل.

أما الغنيمة : فهي ما يحوزه المسلمون بإذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (عليه السلام) من أموال أهل الحرب بغير سرقة ، ولا غيلة وهي الأخذ بغتة ، وإختلاساً من منقول ، وغيره ، ومن مال البغاة ، وهم : الذين يخرجون على الإمام المعصوم (عليه السلام).

وأما المعادن : فهي ما يستخرج من الارض مما كانت الارض أصلاً له ، ثم اشتمل على خصوصية يعظم الإنتفاع كالجواهر من العقيق ، والزبرجد ، والفيروز ، والملح ، وما شاكل ذلك.

وأما الغوص : فهو ما يؤخذ من داخل الماء من اللؤلؤ والمرجان والذهب ، والفضة ، والعنبر ، وما شاكلها مما تخبئه البحار ، والانهار بشرط أن لا تكون على الذهب ، والفضة.

وأما الكنوز : فهي الأموال المذخورة تحت الارض في دار الحرب من غير تقييد بوجود أثر للاسلام عليه ، أو في دار الاسلام وليس عليه أثر الاسلام أما إذا كان أثر الإسلام عليه فيعتبر لقطة وللقطة أحكامها الخاصة.

وأما أرباح المكاسب : فهي ما يربحه الإنسان ويحصل عليه من تجارة أو زراعة بل كلما يكتسب به ولو بنماء أو تولد وما شاكل.

وأما الحلال المختلط بالحرام : فهو ما يختلط عند الانسان من أمواله الحلال بأموال حرام بحيث يكون الاختلاط مانعاً من تمييز أحدهما عن الآخر وإلا فان أمكن التمييز كان المال الحرام حكمه حكم المال المجهول

99

مالكه ، وفي صورة عدم التمييز يكون إخراج الخمس منه موجباً لتطهير ، وحلية الجميع.

وأما أرض الذمي المنتقلة إليه من المسلم : وتصويرها :

أن الذمي والذي هو ـ الكافر الذي يدخل في ضمان المسلمين وعهدتهم على شروط مذكورة في مباحث الجهاد من كتب الفقه ـ إذا انتقلت إليه أرض من المسلم سواءً بشرائها من المسلم أو بكل نوع من أنواع الإنتقال على الخلاف بين علمائنا في ذلك فإن في تلك الأرض الخمس ، ولا بد أن يدفع الذمي هذه الضريبة كبقية الضرائب التي يتقرر عليه دفعها بموجب بنود عقد الذمة ودخوله في حماية المسلمين وتختلف هذه الصورة عن الصور الستة السابقة فان الخمس في تلك كانت على المسلم يخرجه من ماله أما في هذه الصورة فان على الذمي دفع الخمس كضريبة عليه يقول الإمام الصادق (عليه السلام) :

« الذمي إذا إشترى من المسلم الارض فعليه فيها الخمس » (1).

هذه هي الاصناف السبعة التي يجب فيها الخمس وإنما تعرضنا لها على سبيل الايجاز كعرض لما يجب فيه الخمس الذي كان للايتام من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حصة فيه. أما الشروط في كل صنف والخلافات بين العلماء في كل منها فقد تجنبنا التطرق له لخروجه عن موضوعنا المبحوث عنه ، والذي هو ـ كما قلنا ـ وجود حصة ليتامى آل البيت المحمدي.

3 ـ من يستحق الخمس :

يقسم الخمس بنص الآية الكريمة ، والاخبار الواردة عن أهل البيت (عليه السلام) إلى ستة أقسام :

____________

(1) وسائل الشيعة : الباب (9) من أبواب ما يجب فيه الخمس / حديث (2).

100

قال تعالى :

( واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) (1).

( وبمثل هذا التقسيم جاء مكرراً في الاخبار الكريمة أن الخمس يقسم إلى هذه الاقسام الستة (2).

وقد صنفت هذه الأقسام الستة إلى قسمين :

ويشمل الأول : سهم الله ، وسهم رسوله ، وسهم ذوي القربى.

أما الثاني : فهو سهم اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل.

أما القسم الاول : فهو في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له بأقسامه الثلاثة ، وذلك لان سهمه له (عليه السلام) بالاصالة. وأما سهم الله فهو لوليه أيضاً ، والسهم الثالث ، والذي هو لذوي القربى فإنه للإمام (عليه السلام) حال حياته ولا إمام غيره وأما بعد وفاة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لخلفائه الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بدءاً بالإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وختاماً بالحجة محمد المهدي (عليه السلام) وقد خصوا هؤلاء بهذه السهام الثلاثة ، وفي زمن غيبة الإمام هذه تختص هذه السهام بالامام الحجة صاحب الزمان (عليه السلام).

يقول الامام الرضا (عليه السلام) في تفسير هذه الآية الشريفة بعد أن سئل « فما كان لله فلمن هو ؟ فقال :

لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو للإمام.

وبعد ثبوت هذه السهام الثلاثة فعلاً للإمام (عليه السلام) إنه في زمن غيبته ، وعدم تمكننا من الوصول إليه فعلاً فيرجع أمره إلى نائبه ، وهو

____________

(1) سورة الانفال : آية (41).

(2) وسائل الشيعة : الباب (1) من أبواب قسمة الخمس / حديث (8).

101

المجتهد الجامع للشراط. وليس بوسعنا التطرق بشكل أوسع إلى الاقوال في تعيين الوظيفة بالنسبة إلى سهمه (عليه السلام) في زمن غيبته فإنها كثيرة ـ وفي الوقت نفسه ـ ضعيفة المدرك إلا أن ما يذهب إليه الفقهاء ممن لهم الكلمة في مجال الفتوى من الامامية هو القول برجوع أمر هذا النصف وهو :

الذي يطلق عليه إسم ( سهم الامام ) إلى نواب الامام في غيبته وهم ـ كما قلنا ـ المجتهد الجامع للشرائط من الامامية الإثنا عشرية.

أما القسم الثاني فقد صرحت الآية الكريمة بأنه :

إلى اليتامى والمساكين ، وابن السبيل.

ولم توضح بأكثر من ذلك.

ولكن فقهائنا إستفادوا من الاخبار الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تخصيص هؤلاء الطوائف الثلاث :

بالايتام ، والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم. وهو جد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وذريته محصورة في ولده : عبد المطلب وإسمه ( شيبة الحمد ) وأولاده عشرة وهم :

عبدالله ، أبو طالب. العباس ، حمزة ، الزبير ، أبو لهب ، ضرار ، الغيداق ، مقوم ، الحارث.

وقد إنحصر نسل عبد المطلب في عبدالله ، وأبي طالب ، والعباس ، وحمزة ، والزبير.

ولولا حظنا ملياً لرأينا : أن نسل عبد المطلب إنحصر في الأربعة غير عبدالله ، وذلك :

لان عبدالله ليس له إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والنبي إنحصر نسله في سيرة

102

النساء فاطمة (عليها السلام) وأمير المؤمين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فدخل نسله في أبي طالب (1).

وإعطاء ذرية هؤلاء الأربعة هو المشهور بين فقهاء الإمامية بل عليه الإجماع (2).

وهكذا الاخبار تصرح بذلك فقد جاء عن الامام الكاظم (عليه السلام) قوله :

« وهؤلاء الذين جعل اك لهم الخمس هم : قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين ذكرهم الله فقال : ( وانذر عشيرتك الأقربين ).

وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر ، والأنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد » (3).

وقد صرحت روايات عديدة بأن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب ، أو لا تحل الصدقة لولد العباس ، ولا لنظرائهم من بني هاشم ، أو بابني عبد المطلب ، أو بابني هاشم. إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم (4).

وعن الامام الصادق (عليه السلام) قوله :

« إن الله لا إله هو لما حرم علينا الصدقة أبدل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام ، والخمس لنا فريضة ».

ومن الخبر الاخير يفهم أن الخمس إنما هو بدل الصدقة فحيث منعهم الله من الصدقة فقد عوضهم الخمس. ومن الاخبار المتقدمة نرى أن بني هاشم ممن منعوا من الصدقات فكان لهم الخمس ومن هنا يرى فقهائنا بأن بني عبد المطلب جميعهم يستحقون الخمس وقد صرحوا بذلك يقول الشيخ صاحب الجواهر :

____________

(1 ، 2) جواهر الكلام : 16 / 104 / طبعة دار الكتب الإسلامية / طهران.

(3) وسائل الشيعة : باب (1) من أبواب قسمة الخمس / حديث (8).

(4) وسائل الشيعة : باب (29) من أبواب المستحقين للزكاة.

103

« لم يعرف منهم ـ أي من ذرية عبد المطلب ـ إلا المنتسب إلى الأولين ... وهم ذرية أبي طالب ، والعباس ، بل لم يبارك الله إلا في ذرية الأول منهما ، وان كان لا خلاف في إستحقاق الجميع الخمس » (1).

وقد يقف الباحث مع هذا الإطباق من الفقهاء على استحقاق بني عبد المطلب الخمس على بعض الاخبار التي يظهر منها حصر المستحق بآل محمد ، وأهل بيته ، أو ذريته (عليه السلام) وما شاكل من هذه العبارات التي لا يظهر منها التعميم لكل من ولده هاشم حتى ولو كان من غير أبي طالب.

ومن تلك الاخبار ما جاء مرفوعاً في قوله :

« الخمس على خمسة اشياء ـ إلى قوله ـ والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (عليهم السلام) الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس » (2).

ومنها : ما عن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال فيها : « نحن والله عنى ( الله ) بذي القربى الذين قرننا بنفسه وبرسوله ـ إلى أن قال : ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً أكرم الله رسوله ، وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس » (3).

وبمثل هذا جاءت بعض الروايات الأخرى.

وقد أجيب عن هذه الروايات ، وبالإمكان تلخيص الاجوبة على النحو التالي :

أولا : أن بعض الاخبار مما يفيد ظاهرها الاختصاص بآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

(1) جواهر الكلام : 6 / 104 طبعة دار الكتب الاسلامية / طهران.

(2) وسائل الشيعة : باب (1) من أبواب قسمة الخمس / حديث (9).

(3) وسائل الشيعة : باب (1) من أبواب قسمة الخمس / حديث (7).

104

ضعيف السند كما في مثل هذين الخبرين المذكورين (1).

وثانيا : أن هذا النوع من الإختصاص محمول على نوع من التغليب لان أهل البيت هم السبب في تشريع الخمس (2).

وثالثا : أنه لا منافاة بين كثير من هذه الاخبار ، وتلك الاخبار التي يظهر منها التعميم فان هذه محمولة على أن بعض الخمس لهم وهم ينوهون عن ذلك (3).

ورابعاً : أنه لا منافاة بين ما يظهر من بعض هذه الاخبار أنها مختصة بهم بإعتبار أن الصدقة محرمة عليهم تكريماً منه تعالى لهم (عليهم السلام) وبين تحريمها على غيرهم من سائر بني هاشم أيضاً لاقتضاء تكريمهم (عليهم السلام) عموم التحريم لاقربائهم (4). على أن بعض الاخبار تعبر عن أن الخمس لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرابة تشمل غير أهل بيته من أولاد عمومته.

4 ـ الخمس : تشريعه :

من مجموع ما تقدم بيانه حيث عرضنا التقسيم الثنائي للخمس وتنصيفه بين حق الله ، ورسوله ، وقرباه من جهة ، وبين اليتامى والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم ، ومن الاخبار التي مرت علينا يتضح لنا أن فكرة الخمس في الموارد المالية يتوخى من ورائها تحقيق الأمور التالية :

____________

(1 ، 2) لاحظ مستند العروة الوثقى : ص ( 319 ـ 320 ) مطبعة الأداب / النجف الأشرف.

(3) لاحظ مستمسك العروة الوثقى : 9 / 576 / مطبعة الأداب النجف الأشرف.

(4) مستند العروة الوثقى / 320 مطبعة الأداب ، النجف الأشرف.