زواج بغير اعوجاج

- السيد حسين هادي الشامي المزيد...
119 /
101

تاسعا : أختي العزيزة ! راجعي من تثقين به من العلماء المتقين في مسألة كشف الوجه والكفين خصوصاً إذا كنت شابة بارزة في الجمال ، لأن الفقهاء اختلفوا حول هذه المسألة ، فمنهم جوّزوا كشف الوجه والكفين ، ومنهم حرموه وأوجبوا الستر وسمحوا بفتحة ضيقة لنظر العينين ، وبرهنوا على ذلك بأن فتنة المرأة تبرز في وجهها خصوصاً في هذا الزمان الذي اندلعت فيه نيران الشهوات والأهواء في قلوب الرجال ، خصوصاً الشباب منهم ، وبالتالي فأنت بصيرة على نفسك وتعلمين الحال والمآل. وإذا اطمأن قلبك بعد البحث والعلم على جواز كشف الوجه والكفين ، فيجب عليك ستر شعر الرأس كله وكذلك ستر الرقبة ، وتجاوزي به إلى جزء قليل من الفك الأسفل. واحذري كشف ما يتصل بالكفين من اليدين ، ولا تغفلي عن ستر القدمين ، ونبهي أخواتك المؤمنات على ذلك.

عاشرا : أناديك ـ أيتها الأخت العزيزة ـ للانتباه إلى الأمثلة الآتية في الحجاب والسفور :

(أ) إنك كاللؤلؤة القيمة تتلألئين بالشرف والفضيلة ، فاللؤلؤة لا يبعثر مكان حفظها بل يغلق حذرا من عدوان اللصوص ومد أيدي الخائنين اليها ( كذلك الحجاب والسفور ).

(ب) إنك عماد المجتمع الإنساني كالطاقة الكهربائية التي تزود الأجهزة المتصلة بها بما يُقوّم حياة الإنسان ، فهذه الطاقة تسير في أسلاك يجب أن تكون مغلفة ، فإذا نزع الغلاف عنها تنقلب الحياة إلى الممات ، وينقلب الهناء إلى الشقاء ( كذلك الحجاب والسفور ).

(ح( إنك كالحديقة الغنّاء تضم الأشجار الخضراء الزاهية ، والفواكه الطيبة العطرة ، والأزهار الجذابة الخلابة ، فهي محاطة بسياح شامخ راسخ يدخل فيها من أحل له الدخول من بابها الخاص ، فإذا هدم سياجها تكون عرضة لعبث

( زواج بغير اعوجاج )

102

العابثين ونهباً للصوص المجرمين ( كذلك الحجاب والسفور ).

(د) إياك إياك أن تطيعي زوجك إذا نهاك عن الحجاب ، فلا طاعة لمخلوق بسخط الخالق. واعلمي بأنك ستحشرين إلى الله قريبا يوم القيامة ، فلا ينفعك زوجك ولا ينجيك أحد من عذاب الله الشديد ، إلا إذا أطعت واتقيت ربك خصوصاً في أمر الحجاب ، وحاولي أن تنصحيه بالتي هي أحسن ، وآتيه بالمثل الآتي : إن الزوجة المحجبة كالسيارة الخاصة بالنسبة لزوجها ، أما إذا كانت سافرة فتصبح كالسيارة العمومية يتردد إليها الناس داخلين وخارجين ، فهي عرضة لتلويث مقاعدها وتدمير أطرافها وجوانبها الأخرى ، والجدير بالذكر هو أن التردد بالدخول والخروج بالنسبة للمراة لا ينحصر بالاتصال بها مباشرة ، بل يتجلى كذلك في تردد النظرات الخائنة إليها والهمسات الخبيثة الموجهة إليها ، وتلك هي الشرارات الجنسية التي تمتد إلى حرائق عاتية.

وأقول هنا : ويل للزوج الذي يسمع هذه النصيحة ويبقى مصرا على تعنته وطغيانه وفقدان غيرته على عرضه ، ويا حسرة عليه إذ يوبخه الحديث الشريف المروي وهو ( الغيرة من الإيمان ) فمن لا غيرة له لا إيمان له. ( نعوذ بالله ).

وأقول أيضا : ويل ثم ويل للزوجة التي يأمرها زوجها بالحجاب فلا تطيعه ، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث المشهور. ومضمونه أنه سيأتي في آخر الزمان نساء كاسيات ولكنهن عاريات ، وإلى الشهوات مائلات ومميلات ، وفي جهنم خالدات ، فلا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. ( نعوذ بالله ).

103

ختاما

إن السفور من النساء وسيلة --إن السفور من النساء وسيلة

وبه تباريح الغرام تثور من --وهج الصدور بلاعج الزفرات

حتى إذا تمت مراتبه وما --قد عدها شوقي (1) من الحالات

هجم الفجور على الصيانة والحيا --ورمى العفاف بأسهم الشهوات

ما في الرجال على النساء مؤمن --كم من ثقاة فتكوا ببنات

فتحجبي بنت العفاف ترفعا --عن أعين الفساق في النظرات

إن الحجاب وقاية الأعراض من --سفه السفور وذلة اللذات

* * *

قل لمن بعد حجاب --أبهذا يأمر الغيد الشرف

أسفور والحيا يحظره --وتقى الله وآداب السلف

ليست المرأة إلا درة --أيكون الدر إلا في الصدف

* * *

سيري لمجدك تحت ظل عفاف --وتجملى بمطارف الألطاف

ودعي التبرج والسفور ففيهما --سر السقوط ومنتهى الإسفاف

ليس التبرج للفتاة بزينة --تسمو به لمراتب الأشراف

لكنما هو دعوة من جاهل --متجاهر بالمكر والإرجاف

يبغي الوصول إلى مناه بخدعة --مستورة بمظاهر الإنصاف

لو كنت تدرين المراد لخفت من --عقبى الخداع وغائل الإجحاف

فتحذري سوء النهاية واتقى --لهب اللظى بتحجب وعفاف

____________

(1) يريد قول أحمد شوقي في قصيدة :

نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء.

104

ما الدر وهو مجرد عن حرزه --بمقدار كالدر في الأصداف

وتصان بالستر الثمار وتغتدى --ببروزها في معرض الإتلاف

ولذا يقول الدين لا تتبرجي --للأجنبي وحققي أهدافي

كي تسعدي بهدايتي وتحققي --هدف السمو بأمثل الأوصاف

* * *

يا ابنتي إن أردت آية حسن --وجمالا يزين جسماً وعقلا

فانبذي عادة التبرج نبذاً --فجمال النفوس أسمى وأعلى

زينة الوجه أن ترى العين فيه --شرفا يسحر العيون ونبلا

واجعلي شيمة الحياء خمارا --فهو بالغادة الكريمة أولى

والبسي من عفاف نفسك ثوبا --كل ثوب سواه يفنى ويبلى

* * *

رأيت النساء بعيني الخيال --وأبصرتهن بعين النظر

فكن محاسن هذا الوجود --يطالعنه بأحب الصور

إليهن مهوى قلوب الورى --وعنهن يصدر كل البشر

بهن الهدى ولهن الهوى --وهن الأمان وهن الخطر

* * *

حسب المرأة قوم آفة --من يدانيها من الناس هلك

وراها غيرهم أمنيةً --ملك النعمة منها من ملك

إنما المرأة مرآة بها --كل ما تنظره منك ولك

فهي شيطان إذا أفسدتها --وإذا أصلحتها فهي ملك

* * *

نظم الشاعر العراقي « الزهاوي » قصيدة نقد فيها الحجاب وحث النساء على السفور ، وانطلقت قصيدته من مدينة « بغداد » ولها اسم آخر هو « الزوراء » فمن أبياتها :

105

اسفري فالحجاب يا ابنة فهر --هو داء في الاجتماع وخيم

كل شيء إلى التجدد ماضٍ --فلماذا يُقر هذا القديم

اسفري فالسفور للناس صبح --زاهر والحجاب ليل بهيم

* * *

أقول : ليس كل قديم متجددا ( كما قال الزهاوي ) فأهم مقومات الحياة هي قديمة لا تتجدد هل تجددت الشمس القديمة ؟ هل تجدد الهواء القديم ؟ هل تجدد أصل الماء القديم ؟ هل تجددت اللحوم والفواكه ؟ كلا ثم كلا. كذلك قوانين الإسلام القديمة المقومة للإنسانية العليا لن تتبدل ولن تتحول كما قال تعالى :

(أ) ( فلن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ) ( فاطر : 43 ).

(ب) ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدّين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( الروم : 30 ).

وقد تصدى للزهاوي شاعر بالأبيات الآتية :

أكريمة الزوراء لا يذهب بك --هذا الخداع ببيئة الزوراء

لا يخدعنك شاعر بخياله --إن الخيال مطية الشعراء

حصروا علاجك في السفور وما دروا --أن الذي وصفوه عين الداء

أو لم يروا أن الفتاة بطبعها --كالماء لم يُحفظ بغير إناء

من يكفل الفتيات بعد بروزها --مما يجيش بخاطر العذراء ؟

ومن الذي ينهى الشبيبة رادعا --عن خدع كل خربدة حسناء ؟

ليس الحجاب بمانع تهذيبها --فالعلم لم يُرفع على الأزياء

أو لم يسع تعليمهن بدون أن --يملأن بالأعطاف عين الرائي ؟

* * *

106

أرادوا لهن حياة السفور --وتلك لعمري طريق الفجور

وكيف يصان عفاف الفتاة --وفي كل يوم خليل يزور ؟

هل الغيد إلا بدور بنى --لهن العفاف بروج الخدور

فأين التجدد من مدع --يرى الحزم في نبذهن الستور

* * *

أرجوك رجاء مخلصاً ( أيها القارئ العزيز ) مراجعة القصيدة ( صفحة : 60 ).

وأخيرا : ( أيتها الأخت العزيزة ) فإن أملي وطيد بأن نور الله قد سطع في قلبك وتفتح لك سبيل الحق والهدى فاسلكي فيه آمنة مطمئنة ولا تستوحشي من قلة السالكين ، فإن الله سبحانه وتعالى معك فهو نعم النصير والظهير ويقول : ( وقليل من عبادي الشكور ) واعلمي بأن الدين هو النصيحة فانصحي تلك المرأة التي جهلت أو تجاهلت أحكام القرآن الكريم وتزعم أنها ليست مقتنعة بأمر الحجاب ، فاقنعيها بما شرحناه لك ، وقولي لها أيضا « لماذا تقتنعين بوصفة الطبيب إذا كنت مريضة وتعملين بأوامره ولا تردين عليه وهو بشر لا تؤمن أخطاؤه ، ولا تعملين بأوامر رب العالمين وأحكم الحاكمين ؟!! وقد قال الله العليم الحكيم : ( قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم ) ( الحجرات : 16 ).

107

زواج رسول الله ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد طعن أعداء الإسلام في شخصية رسول الله ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقولوا عليه بأنه كان مشغوفا في حب النساء وقد جمع بين تسع زوجات ولكنهم ( مع الأسف الشديد ) قد جهلوا أو تجاهلوا ما يأتي :

أولا : لا عيب في حب النساء فذلك من مظاهر الفطرة الإنسانية السليمة وهو التجاذب بين الذكر والأنثى وإنما العيب أن يخرج المرء بالحب عن حدود العدالة الإنسانية. ويُعرض عن غرض وجوده القويم ففي ذلك انحراف عن الحق وتشويه للكرامة. فلو نظرنا إلى حياة ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) لوجدنا أن المرأه لم تشغله ولم تُلهه عن أعماله السامية الرفيعة فكانت حياته كلها كفاحا وجهادا لبناء تاريخ مجيد للإنسانية ! أجل إنه بنى أعظم تاريخ مشرق بنور الحق والعدل في حياته وبعد مماته ولكن من يُغلق عينيه دون النور يضر نفسه ولا يطفئ النور.

ثانيا : اتّسم ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) بالطّهر والعفة في شبابه فلم يستبح قط لنفسه ما كان شباب الجاهلية يستبيحونه لأنفسهم من اللهو والفساد الجنسي. وقد بقى إلى نحو الخامسة والعشرين من عمره وهو لم يتعسف في طلب الزواج الحلال مع تيسره ولما تزوج في تلك السنة كان زواجه ( بخديجة ) وعمرها أربعون سنة أكتفى بها إلى أن توفيت وهو يجاوز الخمسين مع العلم بانتشار عادة التعدد ووفرة النساء ورغبتهن فيه وعدم وجود المانع من جهة خديجة لأنها كانت أكبر منه سنا بالإضافة إلى تقواها التي تكبح بها جماح عاطفتها وغيرتها بالنسبة لتعدد زوجاته. وكان بيده طلاق خديجة إذا أبدت تعسفا وتعنتا فلا يحرم نفسه من لذة الجنس ولكن هيهات فإن

108

لذة القيام بأداء الرسالة الإلهية وهداية الناس إلى سبيل الرشاد كانت أعظم لديه من لذة الاجتماع بأجمل فتاة في عصره.

ثالثا : لو كان الهوى الجنسي متحكماً في نفس ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) لسارع إلى الزواج بعد خديجة بتسع فتيات بارزات في الجمال فيسرعن إليه راضيات فخورات وأولياء أمورهن أرضى منهن وأفخر بهذه المصاهرة ولكنه لم يتزوج بكرا غير ( عائشة ) وكان عمرها حوالي عشر سنوات ، أما بقية الزوجات فكلهن ثيبات ومنهن مسنات ( كسودة بنت زمعة ) وهي أول النساء بعد خديجة وقد تزوجها وعمره اثنتان وخمسون سنة وهو العهد الذي يتقلص فيه النشاط الجنسي. ومن النساء المسنات ( أم سلمة ) وماذا تقول ( أيها القارئ العزيز ) في بنت صغيرة كعائشة يتزوجها النبي ؟ هل كان ذلك بدافع جنسي ؟ كلا. لماذا لم يتزوج ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) فتاة بكرا عمرها عشرون سنة ( مثلا ) بدل البنت الصغيرة ؟

إذن : كان تعدد الزوجات لتحقيق مصلحة عامة ومن ذلك إعزاز من ذل من المطلقات المؤمنات والأرامل الصالحات وكذلك لتقوية الصلات بأكابر قريش والرؤساء من أصحابه وذلك لدعم رسالته ودعوته لنشر مبادئ الإسلام في اوسع نطاق وأقرب فرصة.

رابعا : تزوج النبي ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) ( زينب بنت جحش ) ابنة عمته وكانت زوجة ( زيد بن حارثة ) وقد طلقها الزوج بعد العجز عن الإصلاح لأنها كانت تكرهه فلم تنسجم معه وكان النزاع بينهما مستمرا فكان زواج النبي بها لايوائها وإسعادها فلم يكن بدافع الهوى ( كما يزعم أعداء الإسلام ) لأنه لو كان كذلك لتزوجها ابتداء فهو الذي عرضها على ( زيد ) فتزوج بها. والجدير بالذكر هو أن زواج نبينا بزينب بنت

109

جحش تم بأمر من الله سبحانه وتعالى : ( .. فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها .. ) ( الأحزاب : 37 ).

خامسا : اجتمعت كلمة نساء النبي ( محمد ) (صلى الله عليه وآله وسلم) على الشكوى واشتددن فيها بأنهن لا يجدن نصيبهن من النفقة والزينة برخاء وترف من قبل زوجهن فهم النبي بتسريحهن وطلاقهن وخيرهن بين الصبر على معيشتهن والتسريح لأنه وجد أن حب الله والجهاد في سبيل إعلاء كلمته خير له من حب النساء بتحقيق شهواتهن وأهوائهن كما قال الله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن واسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً ) ( الأحزاب : 27 ـ 28 ) فتدبروا واعتبروا يا أولى القلوب الواعية. فلا تغرنكم نساؤكم ولا تستجيبوا لأهوائهن منحرفين عن الحق ، نعم متعوهن من طيبات الحياة وزينتها ووسعوا عليهن بما أنعم الله به عليكم وارضوهن بما لا تخسرون به رضوان الله تعالى فلهن عليكم حق التكريم والاحترام.

110

قصص الزواج

( مقتطفات من تفسير القرآن الكريم وكتب قصص الأنبياء )

أولاً : زواج النبي إبراهيم (عليه السلام) : لقد كافح وجاهد النبي إبراهيم (عليه السلام) في سبيل ربه لهداية قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام وذلك في « بابل » في أرض العراق ، حتى آل الأمر أنه دمر أصنامهم بالطريقة المشهورة التي ذكرها القرآن الكريم (1) وكان « نمرود بن كنعان » قد بسط سلطانه عليهم فإنه قد طغى وتجبر حتى ادّعى الربوبية. فلما جاء حدث تدمير الأصنام عزم قومه أن يحرقوا إبراهيم (عليه السلام) بالنار انتقاما لما فعله بآلهتهم ، فحبسوه في بيت كما قال تعالى : ( قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ) ( الصافات : 97 ) ثم جمعوا له من أصلب الحطب وأصناف الخشب حتى إنه كانت المرأة إذا مرضت تقول : لئن شفيت لأجمعن حطباً لإبراهيم. وكانت تنذر لما تحب أن تدركه لئن أصابته لتحتطبن حطبا وتجعله في النار التي يحرق بها إبراهيم احتساباً في دينها. فكانوا يجمعون الحطب شهرا حتى إذا كثر وجمعوا منه ما أرادوا أشعلوا النار فتوهجت إلى درجة أنها إذا مر الطير بها يحترق من شدة وهجها. ثم عمدوا إلى إبراهيم (عليه السلام) فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه ورموا به إلى النار في موضع شاسع ، فاستقبله جبريل (عليه السلام) فقال : يا إبراهيم الك حاجة ؟ قال : أما اليك فلا. قال جبريل : فاسأل ربك. فقال إبراهيم (عليه السلام) : « حسبي من سؤالي علمه بحالي ، حسبي الله ونعم الوكيل » أجل : إن الله سبحانه وتعالى قد نصره لأنه قد نصر دينه ، فقال تعالى : ( يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ) ( الأنبياء : 69 ) فانقلبت النار إلى روضة خضراء وإبراهيم

____________

(1) راجع سورة الأنبياء ( 57 ـ 67 ) الآيات.

111

جالس فيها ( فاعتبروا يا أولى الألباب ) ثم خرج بعد ذلك من بلده فارا بدينه إلى ربه ، وسكن ( حرّان ) حوالي الشام ، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث ، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى ، وكانت زوجته « سارة » من أحسن النساء وأجملهن ، وكانت تقية مطيعة لزوجها ولا تعصيه في شيء ، وقد ذكر أن إبراهيم (عليه السلام) قد أودع زوجته « سارة » في صندوق حين سفره ، وذلك غيرة عليها من إشراف أنظار الناس عليها ، فلما وصل إلى مصر أجبره فرعون أن يفتح الصندوق. فلما رأى زوجته بذلك الجمال الرائع أهوى إليها ليتناولها بيده ، فيبست يده إلى صدره. فلما رأى فرعون الجبار ذلك أعظم أمرها وقال : سلي ربّك أن يطلق يدي ، فوالله لا آذينك. فقالت « سارة » : « اللهم إن كان صادقا فأطلق له يده ». فأطلق الله يده. وقد فعل ذلك ثلاث مرات قصد أن يتناولها فيبست يده. روى أن إبراهيم (عليه السلام) قال له : « إن الله غيور يحب الغيور ».

فكن أيها الزوج غيوراً على زوجتك ، ولا أقول لك أودعها في صندوق خشبي أو حديدي ، بل أودعها في صندوق العفة والحشمة لتكسب محبة الله وتأييده ونصره. ثم وهب فرعون مصر جارية اسمها « هاجر » إلى « سارة » إجلالاً لما رآه من مكانتها السامية عند الله تعالى ، وبعد ذلك وهبت ( سارة ) جاريتها « هاجر » إلى زوجها إبراهيم (عليه السلام) » ، فقالت له : « إني أراها امرأه وضيئة فخذها لعل الله تعالى يرزقك منها ولداً ». وكانت سارة قد مُنعت الولد حتى أسنت (1) ، فتزوج

____________

(1) اقتضت حكمة الله تعالى أن تلد « سارة » بعد ذلك « إسحاق » وكان عمرها تسعين سنة ، فسبحان الله لهذا الحدث الخطير الكبير ، جل جلاله وعظمت قدرته.

112

إبراهيم (عليه السلام) بهاجر فولدت له « إسماعيل » (عليه السلام). وقد روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : ( إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذمة ورحما ).

ثانيا : زواج النبي « موسى » (عليه السلام) : لما تآمر زبانية فرعون على قتل « موسى » (عليه السلام) ، خرج متوجها تلقاء أرض « مدين » داعيا الله أن ينجيه من القوم الظالمين ، وأن يهديه سواء السبيل. فلما ورد ماء مدين وجد جماعة من الناس يسقون مواشيهم من البئر ، ووجد من دونهم امرأتين تمنعان غنمهما. فسألهما عن ذلك ، فأخبرتاه بأنهما تنتظران حتى يفرغ الرعاء من السقي لأنهما لا تقويان على المزاحمة ، ووالدهما كبير السن لا يستطيع الحضور للسقي. فرق قلبه لهما فأسرع إلى بئر كان على رأسها صخرة عظيمة ، وكان النفر من الرجال يجتمعون إليها حتى يرفعوها ، فرفع « موسى » (عليه السلام) الصخرة ، وأخذ دلوا لهما وقال لهما : قدما غنمكما. فسقى لهما الأغنام حتى أرواها ، فرجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس.

فقال لهما : ما أعجلكما وأسرع رجوعكما. قالتا : وجدنا رجلا صالحا فرحمنا فسقى لنا أغنامنا. فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه إليّ. فجاءته إحداهما وهي تمشي على استحياء قالت له : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فقام موسى ، فتقدمته وهو وراءها ، فهبت ريح فألصقت ثوب المرأة بردفها. فكره موسى أن ير ذلك منها ، فقال لها موسى : امشي خلفي ودليني على الطريق. فإذا أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجا ، فإنا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء ( تدبر هذا المشهد أيها القارئ العزيز ـ وخذ منه درسا رائعا للعفة والفضيلة الجنسية ) فنعتت المرأه الطريق لموسى إلى منزل أبيها ومشت خلفه ، حتى دخل على أبيها « شعيب » بناء على المشهور.

113

وهناك من خالف هذا المشهور ورفض أن يكون « شعيب » والد الامرأتين ، بل هو شخصية أخرى (1). فسأل الوالد موسى عن حاله وقصته فأخبره الخبر. فقال له : لا تخف نجوت من القوم الظالمين. فقالت إحداهما وهي التي كانت الرسول إلى موسى : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين. فقال لها أبوها : إنك عرفت قوته من رفع الصخرة على البئر ، فكيف عرفت أمانته ؟ فأخبرته بما أمرها موسى من استدبارها إياه في الطريق. فازداد فيه الأب رغبة فزوّجه ابنته التي جرت قصة الطريق منها. ورعى له موسى عشر سنين.

ذكرى لأولى القلوب الواعية : أختي العزيزة : هكذا انتخبي الزوج ومحصى واختبري السلامتين في بدنه وروحه ، واحذري الاقتصار على اختيار صحة بدنه وجمال صورته.

رواية طريفة : روى أن موسى (عليه السلام) لبث عند شعيب ما شاء الله ، ثم استأذنه في الانصراف مع زوجته واسمها « صفورا » فأذن له وقال له : ادخل هذا البيت وخذ عصا من العصى لتكون معك تدرأ بها السباع عنك وعن غنمك ـ وكانت عصا الأنبياء عند شعيب ـ فلما دخل موسى البيت وثبت إليه العصا فصارت في يده ، فخرج بها فقال شعيب : ردها وخذ غيرها. وذلك أن شعيبا كان قد أخبر بأمر العصا ، ولم يدر شعيب أن صاحبها هو موسى. فردّها موسى إلى البيت فألقاها وذهب ليأخذ غيرها. فوثبت الأولى حتى صارت في يده. ففعل ذلك مرارا فقال له شعيب : ألم أقل لك خذ غيرها ؟ فأخبره موسى بما جرى ، فعلم شعيب أن ذلك أمر يريده الله تعالى ، فقال له : خذها.

____________

(1) راجع كتاب قصص الأنبياء : تأليف عبد الوهاب النجار.

114

ثالثا : تزويج سعيد بن المسيب (1) : إنه شخصية إسلامية مشهورة ، فقد خطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته إلى ولي عهده « الوليد بن عبد الملك » ، وكانت من أحسن النساء جمالا وكمالا وأعلمهن بكتاب الله وسنة رسوله ، ولكن سعيد بن المسيب لم يتردد في الاعتذار عن ذلك ، وأصر عليه رغم ما أوقعه به عبد الملك من إيذاء ، حتى ضربه مائة سوط لما عرف به الوليد من مجون واستهتار. وعاد سعيد بن المسيب إلى المدينة المنورة فزاره عبدالله بن أبي وداعة أحد تلامذته فسأله عن حاله ، وعلم منه وفاة زوجته فقال له : « هلا استحدثت امرأة ؟ » فقال : يرحمك الله تعالى ، ومن يزوجني وما أملك سوى درهمين أو ثلاثة ؟! فقال له سعيد : أنا أزوجك ..! قال : وتفعل ؟! قال : نعم. فزوجه ابنته على درهمين أو ثلاثة. وهكذا آثر سعيد بن المسيب الفقير التقى الذي توفرت له الكفاءة في الدين على الأمير الغني الذي يفتقر إليها. ولم يكتف بذلك بل بلغ به الاطمئنان والثقة في دين ذلك الفقير.

يقول عبدالله بن أبي وداعة : « فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح .. فصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وممن أستدين ؟ فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي ، فأسرجت وكنت صائما فقدمت طعامي لأفطر وكان خبزأ وزيتا ، وإذا بابي يقرع فقلت : من هذا ؟ قال : سعيد. ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ، وذلك أنه لم يُر أربعين سنة إلا بين داره والمسجد. فخرجت إليه فإذا به سعيد بن المسيب فظننت أنه قد بدا له. فقلت : يا ابا محمد .. لو أرسلت إليّ لأتيتك. فقال : لا .. أنت أحقّ أن تؤتى. قلت : فما تأمر ؟ قال إنك كنت رجلا عزباً فتزوّجت ، فكرهت أن

____________

(1) عن كتاب إحياء العلوم للغزالي ( كسر الشهوتين ).

115

تبيت هذه الليلة وحدك. وهذه امرأتك ..!! وإذا هي قائمة خلفه في طوله. ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب وردّه ، فسقطت المرأه من الحياء. فصعدت السطح وناديت الجيران فجاءوني وقالوا : ما شأنك ؟ قلت : ويحكم !! زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم !! وقد جاء بها الليلة على غفلة. فقالوا : أو سعيد زوجك ؟!! قلت : نعم. قالوا : وهي في الدار ؟!! قلت : نعم. فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي ، فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام. فأقمت ثلاثا ثم تزوجتها ، فإذا هي من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرفهم بحق الزوج. فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته العلمية ، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام ولم يكلّمني حتى تفرق الناس من المجلس. فقال : ما حال ذلك الإنسان ؟ فقلت : بخير يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو. فانصرفت إلى منزلي فوجه إلى بعشرين ألف درهم ». فما أعظم اطمئنان ذلك الوالد إلى مصير ابنته ، حتى إنه لم يفكر في استقصاء أحوالها لأنّه علم أنها في كنف رجل تقى يخشى الله تعالى ، ويعرف حقها عليه ، ومكانتها منه.

أيها الآباء الأغنياء : متعوا بناتكم بحياة طيبة بتزويجهن للفقراء الأبراء وأغنوهم من أموالكم لتكسبوا ذرية مطيعة لربّ العالمين وذلك هو الفوز العظيم.

116

ختام البحث

قال الله تعالى : ( وإذا النفوس زوّجت ) ( التكوير : 7 ).

أيها الإخوة ـ أيتها الأخوات : اعملوا لهذا الزواج فإن له شأنا عظيما ومظهرا خطيرا. أجل : اعملوا ليوم تتزوج فيه أرواحكم بأبدانكم بعد تناثر أجزائها في التراب وخارجه فإن الله سبحانه وتعالى سيحييكم بعد موتكم وهو على كل شيء قدير (1). فيزوج المؤمن بالحور العين للاتي لا يهرمن ولا يمرضن في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا بالإضافة إلى ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ويزوج المؤمنات بأزواجهنّ الذين تزوجوا بهن في الحياة الدنيا فينشئ كلا الزوجين بأحسن الجمال الجسدي والكمال النفسي فلا نزاع ولا صراع ولا أضغان ولا أحقاد كما كانت سابقا. قال تعالى : ( لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً ) ( الواقعة : 25 ).

وأما النساء العزبات في الدنيا فيزوجهن رب العالمين كذلك بأزواج من رجال الدنيا. ولا يبعد أن يخلق في الجنة أزواجا آخرين في أحسن الجمال والكمال فيتم زواج النساء بهم. وأما الكافرون فيزوجهم الله تعالى ويقرنهم بالشياطين في نار جهنم وبئس المصير. ذلك ما ذكر في تفسير الآية الكريمة السابقة ( وإذا النفوس زوّجت ) ( والله أعلم ). وبالتالي : قول الله تعالى :

(أ) ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) ( التوبة : 105 ).

(ب) ( يوم تجد كل نفس ما عملت مُحضراً وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ) ( آل عمران : 30 ). وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

____________

(1) أرجو مراجعة الصفحة : ( 12 ـ 13 ـ 14 ). المراجعة هامة جدا.

117

استدارك

أولا : الزواج والدماء الثلاثة : ( لا حياء في أحكام الدين بل الحياء في معصية رب العالمين ) لا يجوز للزوج أن يلامس زوجته ملامسة جنسية باطنية خلال حال الحيض والنفاس إلا بعد طهارتها بالتأكد من زوال الأثر الكلي للدم ولو من صفرة رقيقة بإدخال قطنة (1) كما مر سابقا. أما الملامسة السطحية فهي جائزة. والدماء الثلاثة هي ( الحيض. النفاس. الاستحاضة ).

(أ) يكون دم الحيض غالباً أسود أو أحمر حاراً عبيطاً يخرج بدفق وحرقة ، وقد يكون أصفر رقيقا عند انتهائه. أما دم الاستحاضة فيكون غالبا أصفر بارداً رقيقا يخرج بفتور ، وأحيانا قد يكون بصفات الحيض. وينقسم إلى ثلاثة أقسام

الأولى : الاستحاضة القليلة : تكون إذا لم يتجاوز الدم سطح القطنة إلى الداخل ففي هذه الحالة تطهر المستحاضة الموضع ، وكذلك القطنة أو تبدلها وتتوضأ لكل صلاة فلا يجوز لها أن تصلي صلاتين بوضوء واحد.

الأولى : الاستحاضة المتوسطة : تكون إذا تجاوز الدم سطح القطنة إلى داخلها فقط ، ففي هذه الحالة تعمل كالسابق وتطهر الرباط أيضا ، وتضيف غسلا واحداً للصلاة التي حدثت الاستحاضة قبلها ابتداء. وإذا استمرت فتغتسل لصلاة الفجر فقط يوميا ، والأحوط الوضوء مثل الغسل.

الثالثة : الاستحاضة الكثيرة : وتكون إذا تجاوز الدم القطنة وخرج من الجهة الثانية ، ففي هذه الحالة نعمل كالقليلة ، أي أنها تطهر الموضع والقطنة والرباط وتتوضأ لكل صلاة وتضيف ثلاثة أغسال : الأول لصلاة الفجر ، والثاني لصلاة الظهر والعصر بدون فصل بينهما ، والثالث للمغرب العشاء بدون فصل بينهما كذلك. وفي سائر الأحوال يجب على المستحاضة أن تعجل إلى الصلاة بعد تأديتها لما وجب عليها من غسل ووضوء. ويجب عليها أن تلاحظ الأمور الآتية :

1 ـ تحرص على حبس الدم بالرباط لكيلا يتجاوز إلى الخارج.

2 ـ تختبر حالها قبل كل صلاة لتعرف أنها من أي قسم من الأقسام الثلاثة.

3 ـ تتوقف صحة صومها على أداء الأغسال المقررة ، وهي : الغسل لصلاة

____________

(1) يختص الفحص في الحيض قبل انتهاء الأيام العشرة التي تعتبر بنهاراتها ولياليها المتوسطة.

118

المغرب والعشاء من الليلة السابقة لنهار الصوم ، والغسل لصلاة الصبح منه. والغسل الثالث لصلاة الظهر والعصر من نهار الصوم كذلك.

تنبيه هام : أيتها الاخت العزيزة : لا تجزعي من الأوامر التي مر ذكرها ، فإن الجزع وسوسة من الشيطان. فإن متاعب الدنيا وصعوباتها هي أكثر من القيام بأحكام الدين. وأما دم النفاس فهو الذي يستند إلى الولادة ، وله أحكام مفصلة لا مجال لذكرها في هذا الكتاب. فيجب على المرأة أن تتعلمها بنفسها أو بواسطة أبيها أو زوجها ، ولا عذر لها على كل حال (1). كذلك تتعلم أحكام الحيض والاستحاضة كما مر سابقا ، وذلك لاجتناب خطر بطلان عباداتها ( الصلاة. الصوم. الحج ) فإن الله تعالى لم يخلق المرأه لتأكل وتشرب وتتمتع بزينة اللباس والمسكن والأولاد فقط بل قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات : 56 ).

ثانيا : أخي الزوج ـ أختي الزوجة : يجب عليكما أن تأمرا أولادكما بأداء أحكام الإسلام ، خصوصاً البنت إذا أكملت تسع سنوات قمرية ، فإن الله تعالى قد كلفها بذلك فلا تهملا أمر صلاتها وصيامها وخصوصا حجابها : فإن احتقرتما هذا القول فذلك هو الاحتقار للدين الحنيف ، والاستصغار لحكمة رب العالمين ، فهو الذي أحكم خلق المرأة ولم يكلفها بما لا تطيقه فهو أرحم الراحمين. وقد ثبت في علم النفس التربوي أن البنت في سن تسع سنوات تملك مشاعر وطاقات إنسانية أقوى من الابن في نفس السن بل أكثر منها بسنوات.

فاحذرا أيها الوالدان : تلبيس إبليس الذي يصد عن الحق ويدعو إلى الباطل والضلال.

ثالثا : لقد جرت العادة بين كثير من المتزوجين أن يتختموا بالذهب ، فذلك حرام بإجماع المذاهب الإسلامية ، فقد روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنه رأى رجلا قد لبس الذهب أو كان متختما به فخلعه من يده ورماه على الأرض ، وحذر الرجل قائلا ما مضمونه : ( أيحب أحدكم أن تكون جمرة من النار على يديه ؟ ) لا والله لا نطبق ذلك لحظة واحدة. فإن لبس الذهب والتختم به حرام على الرجال وحلال للنساء ، بشرط عدم إبدائه للرجال ما عدا المحارم. فعلى الزوجة أن تنهى زوجها عن هذه المعصية وتأمره أن يتختم بالفضة ، ولا تتشاءم من هجره للتختم بالذهب بل يجب عليها أن تتشاءم من نار جهنم ذات

____________

(1) لا يحق للمرأة أن تبقى بلا صلاة أو صوم لعشرة أيام إذا كانت عادة حيضها أقل من عشرة أيام فتحسب النفاس بقدر أيام العادة والباقي استحاضة وإذا لم تكن ذات عادة عددية فتحسب نفاسها بقدر عادة أقاربها ( والأحوط الأم أو الأخت أو الخالة ) وإذا كانت عادتهن أقل من العشرة احتاطت فيما زاد عنها إلى العشرة.

119

اللهب ، بتركها للامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

رابعاً : لقد صدَّ الغناء وآلاتُه أفراد الأسرة عن ذكر الله سبحانه وتعالى ، فقست قلوبهم وفسدت سرائرهم ، خصوصاً بالنسبة للأغاني الخليعة والمغنيات المتبرجات اللاتى يبرزن على شاشة التليفزيون ، فيا حسرة على أولئك الذين يزعمون أن الغناء هو غذاء الروح ، قد جهلوا أن خالق الروح قد قرر غذاءها أن يكون بالعلم النافع وحكم أن تكون تزكيتها بتحليها بالفضائل ، وتخليها عن كل لغور باطل. ومن أخطر فروع اللغور الباطل هو الغناء وملحقاته. ومن أهم الكتب التي بحثت حول هذا الموضوع هو كتاب ( حكم الإسلام في الغناء ) تأليف : ابن القيم الجوزية. وأقدم إلى القراء الأعزاء قسماً مما أورده من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المروية الشرح :

(أ) ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله .. ) لقمان ( 6 ، 7 ) رجح معظم المفسرين أن المقصود بلهو الحديث هو الغناء.

(ب) قال تعالى للشيطان وحزبه : ( واستفززت من استطعت منهم بصوتك ) ( الإسراء : 64 ) عن مجاهد : وصوته الغناء والباطل.

(ج( قال تعالى : ( أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون ) ( النجم : 59 ـ 61 ). عن ابن عباس : السمود (1) هو الغناء في لغة حمير يقال : أسمدي لنا ، أي غنى لنا.

(د) الحديث المروي : ( من استمع إلى قينة ( مغنية ) صب في أذنيه الاتك ( الرصاص المذاب ) يوم القيامة ).

(ه( الحديث المروي : ( لا تبيعوا لاقينات « المغنيات والإماء » ولا تشتروهن ولا تعلموهن ، ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام ) وبالتالي فلينه القارئ العزيز نفسه عن هوى الغناء لكيلا يهوى في جهنم أسفل سافلين.

خامسا : يظن بعض المتزوجين أن الزوجة تكره زوجها إذا كان ذا لحية ، فظنهم باطل ، فإن المرأة تحب من الرجل خشونته ، فمنها في شعر بدنه ومنها شعر اللحية فهل تكره المرأة الشارب واليدين والرجلين ؟ كلا. وقد وردت نصوص شرعية تحرم حلق اللحية ، لذلك يجب على كل مسلم أن يبحث عنها ليدأر عن نفسه خطر المسؤولية.

« ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم »

____________

(1) قال الشاعر :

وكأن العزيف فيها غناء --للندامى من شارب مسمود

والمسمود : الذي غُنى له.