ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
57

على الحسين (عليه السلام) وأصحابه على المخيم ، فيقتلون الرجال ويسبون النساء في ساعةٍ واحدة ، ولذا قال الشيخ المفيد ـ (عليه الرحمه) ـ : وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين (عليه السلام) فيرون الخندق في ظهورهم ، والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان اُلقيَ فيه (1) ، ولم يكن لهم طريق إلا من وجه واحد ، فغضبوا بأجمعهم (2).

ويؤيد هذا ما جاء في الأنساب : واقتتلوا نصف النهار أشد قتالٍ وأبرحه ، وجعلوا لا يقدرون على إتيانهم إلاّ من وجه واحد لاجتماع أبنيتهم وتقاربها ، ولمكان النار التي أوقدوها خلفهم ، وأمر عمر بتخريق أبنيتهم وبيوتهم فأخذوا يُخرّقونها برماحهم وسيوفهم (3).

وما جاء في الكامل أيضاً : فلمّا رأى ذلك عمر أرسل رجالاً يُقوّضونها عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم ، فكان النفر من أصحاب الحسين (عليه السلام) الثلاثة والأربعة يتخلّلون البيوت ، فيقتلون الرجل وهو يُقوّض وينهب ويرمونه من قريب أو يعقرونه ، فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت.

فقال لهم الحسين (عليه السلام) دعوهم فليحرقوها فإنّهم إذا حرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها فكان كذلك (4).

وقد جاء في بعض الكتب أن بيوتَهم وخيمهم وفساطيطهم كانت مائة

____________

(1) الإرشاد للمفيد : ص 233.

(2) معالي السبطين للحائري : ص 347.

(3) أنساب الأشراف للبلاذري : ج 3 ، ص 194.

(4) الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 4 ، ص 69.

58

وسبعين ، السبعون للحسين (عليه السلام) وسائر بني هاشم ، والمائة للأنصار والأصحاب (1) والله أعلم بحقائق الأمور.

الإمام الحسين (عليه السلام) يرى جدّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في السَّحَر

روي إن الحسين (عليه السلام) لمّا كانَ وَقتُ السَّحَر خَفقَ برأسهِ خفقةً ثُمَّ استيقظَ فقال : أتعلمونَ ما رأيتُ في منامي السّاعةَ ؟ فقالوا : وَما الذي رأيتَ يا بنَ رسولِ الله ؟

فقال : رأيتُ كأنّ كلاباً قد شدَّت عَليَّ لتنهَشني (2) وَفيها كَلبٌ أبقع رأيتُهُ أشدَّها عَليَّ وَأظنُّ أنّ الذي يَتولّى قَتلي رجلٌ أبرص (3) مِن بين هؤلاءِ القومِ ، ثم إنّي رأيتُ بعدَ ذلك جَدي رسول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَمعَهُ جماعةٌ مِنْ أصحابه وهو يقولُ لي : يَا بُنَّي أنت شهيدُ آلِ محمّدٍ ، وَقد استبشرَ بكَ أهلُ السماوات وأهل الصفيحِ (4) الأعلى فليكن إفطارُكَ عندي الليلة عَجِّل وَلا تُؤخر ! فَهذا مَلكٌ قد نزلَ مِنَ السماءِ ليأخذَ دَمَكَ في قارورةٍ خضراء ، فهذا ما رأيتُ وَقد أزف الأمر ، واقترَبَ الرحيّلُ مَنْ هَذه الدنيا لا شَكّ في ذلك (5).

____________

(1) الإمام الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 258.

(2) وفي الفتوح : تُناشبني.

(3) وفي الفتوح : رجل أبقع وأبرص.

(4) الصفيح أو الصَّفْح : من أسماء السماء ، ومنه ملائكة الصَفْح الأعلى ، أي ملائكة السماء العليا. مجمع البحرين للطريحي : ج 2 ، ص 386.

(5) بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3 ، العوالم : ج 17 ، ص 247 ، الفتوح لابن الأعثم : ج 5 ، ص 111 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ص 251.

59

الأعداء يسمعون تلاوة الحسين (عليه السلام)

وكلام برير (1) معهم

روى الضحاك (1) بن عبد الله المشرقي قال : فلّما أمسى حسينٌ (عليه السلام) وأصحابُه

____________

(1) هو : بُرير بن خُضير الهمداني المشرقي ، وبنو مشرق بطن من همدان ، كان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن من شيوخ القراء ، ومن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين ، وهو القائل للحسين (عليه السلام) لما خطب في أصحابه الخطبة التي يقول فيها : أما بعد فإن الدنيا تغيّرت ... الخ. ثم قام برير فقال : والله يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، تقطع فيك أعضاؤنا حتى يكون جدك يوم القيامة بين أيدينا شفيعاً لنا ، فلا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم ، وويلٌ لهم ماذا يلقون به الله ، وأُفٍ لهم يوم ينادون بالويل والثبور في نار جهنم ، قُتل بين يدي الحسين (عليه السلام) وأبلى بلاءً حسناً.

راجع : إبصار العين للسماوي : ص 70 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 76 ـ 77.

(2) هو : الضحّاك بن عبد الله المشرقي ، كان قد أعطى الحسين (عليه السلام) عهداً أن يقاتل معه ما كان قتاله معه نافعاً ، فإذا لم يجد مقاتلاً معه كان في حلٍ من الانصراف ، قال الضحاك : لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا وقد خَلُص إليه وإلى أهل بيته ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي قلت له : يا ابن رسول الله قد علمت ما كان بيني وبينك ، قلت لك : أقاتل عنك ما رأيتُ مقاتلاً فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلٍّ من الانصراف ، فقلت لي نعم ، فقال : صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت على ذلك فأنت في حلٍّ ، قال : فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تُعقر أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت ، وأقبلت اُقاتل معهم راجلاً فقتلت يومئذٍ بين يدي الحسين رجلين وقطعت يد آخر ، وقال لي الحسين يومئذٍ مراراً : لا تشلل ، لا يقطع الله يدك جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط … الخ.

راجع : تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 339 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 64.

60

قاموا الليلَ كلَّه يُصلونَ ويستغفرون ويَدعونَ ويتضرعون ، قال : فتمرُ بنا خيلٌ لَهم تَحرِسُنا ، وإنّ حسيناً (عليه السلام) لَيقرأ : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (1).

فسمِعَها رَجلٌ مِنْ تلكَ الخيلِ التي كانت تحرسُنا ، فقال : نَحنُ وَربِّ الكعبةِ الطيبونَ مُيّزنا منِكُمْ ، قال : فَعرفتُه ، فقلتُ لبِرُير بنِ خُضَير : تدري من هذا ؟ قال : لا ، قلتُ : هذا أبو حَرْب السبيعي عبد الله بن شهر وكان مضحاكاً بطلاً ، وكانَ شريفاً شجاعاً فاتكاً ، وكان سعيد بن قيس ربَّما حَبسُه في جنايةٍ ، فقال له بُريرُ بنُ خضير : يا فاسق أنت يَجعلكَ اللهُ في الطيبينَ ، فقال له : من أنت ؟

قال : أنا بريرُ بنِ خضير ، قال : إنّا لله ، عزّ عليَّ هلكتَ والله هَلكت والله يا بريرُ ، قال : يا أبا حرب هل لك أن تتوب إلى اللهِ من ذنوبك العظام ، فوالله إنا لنحنُ الطيبونَ ولكنَّكُمْ لأنتُم الخبيثونَ ، قال : وأنا على ذلك من الشاهدين ، قلتُ : ويحك أفلا ينفعُكَ معرِفتُكَ ، قال : جُعلتُ فِداكَ فمَن يُنادمُ يزيدُ بنِ عذرة الغفري من عنز بنِ وائل ، قال : ها هو ذا معي ، قال : قَبّحَ اللهُ رأيَك على كلِ حال أنت سفيه ، قال : ثم انصرفَ عنا ، وكانَ الذي يحرسُنا بالليلِ في الخيلِ عَزْرةُ بنِ قيس الأحمسي وكانَ على الخيل (2).

وقد رويت هذه الحادثة بصورة اُخرى كما عن ابن الأعثم الكوفي

____________

(1) سورة آل عمران الآية : 178 ـ 179.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 419 ـ 420 ، البداية والنهاية لابن كثير : ج 4 ، ص 177 ـ 178 ، الإرشاد للمفيد : ص 232 ـ 233 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3 ـ 4.

61

والخوارزمي ، قالا : وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف اليل يتجسّس ومعه جماعة من أصحابه حتي قارب معسكر الحسين (عليه السلام) فسمعه يتلو قوله تعالى : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (1) الآية.

فصاح رجل من أصحاب شمر : نحن وربّ الكعبة الطيبون ، وأنتم الخبيثون وقد مُيّزنا منكم ، فقطع برير بن خضير الهمداني صلاته ، ثم نادى : يا فاسق ، يا فاجر ! يا عدو الله ، يابن البوال على عقبيه ، أمثلُك يكون من الطيبين !؟ والحسين ابن رسول الله من الخبيثين ، والله ما أنت إلا بهيمة لا تعقل ما تأتي وما تذر ، فابشر يا عدو الله بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم ، فصاح شمر : إن الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب.

فقال برير أبالموت تخوفني ؟! والله إن الموت مع ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحب اليَّ من الحياة معكم ، والله لا نالت شفاعةُ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قوماً أراقوا دماء ذريته وأهل بيته !

فجاء إليه رجل من أصحابه وقال : يا برير إن أبا عبد الله يقول لك : ارجع إلى موضعك ولا تُخاطب القوم ، فلعمري لئِن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء ، فلقد نصحت وأبلغت في النصح والدعاء (2).

____________

(1) سوره آل عمران : الآيه 178 ـ 179.

(2) الفتوح لابن الأعثم الكوفي : ج 5 ، ص 110 ـ 111 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 251.

62

عبادة الحسين (عليه السلام) وأصحابه

وَبات الحسينُ (عليه السلام) وأصحابُه ـ ليلةَ عاشوراء ـ وَلهم دويٌّ كَدويِّ النحلِ ، مَا بَينَ راكعٍ وساجد ، وقائمٍ وقاعد ، فَعبرَ عليهم مِنْ عسكرِ عُمر بنِ سَعد اثنانِ وَثلاثونَ رَجلاً ، وَكذا كانت سجيةُ الحسينِ (عليه السلام) في كَثرةِ صَلاتِه وَكمالِ صِفاته (1).

فكان (صلوات الله عليه) كما وصفه ابنه إمامنا المهدي (عليه السلام) : كنت للرسول ولداً ، وللقرآن سنداً ، وللأُمة عضُداً ، وفي الطاعة مجتهداً ، حافظاً للعهد والميثاق ، ناكباً عن سبيل الفُسّاق ، تتأوّه تأوّه المجهود ، طويلَ الرّكوعِ والسّجود ، زاهداً في الدنيا زهدَ الرَّاحل عنها ، ناظراً إليها بعين المستوحشين منها (2).

وقيل للامام علي بن الحسين (عليهما السلام) : ما أقلَّ ولد أبيك ؟

فقال (عليه السلام) : العجب كيف ولدت له ، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، فمتى كان يتفرغ للنساء !! وحجّ خمسة وعشرين حجة راجلاً (3).

وروي عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) : أنّه في الليلة التي قُتل أبوه في غدها ، قال (عليه السلام) : إن أباه قام الليل كلَّه يصلّي ، ويستغفر الله ويدعو ويتضرع ، وقام أصحابه كذلك يدعون ويصلّون ويستغفرون (4).

____________

(1) اللهوف لابن طاووس : ص 41.

(2) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 239 ، نفس المهموم للقمي : ص 233.

(3) العقد الفريد للأندلسي : ج 3 ، ص 169 ، و ج 4 ، ص 384 ، دار الكتاب العربي و ج 3 ، ص 114 ـ 115 ، و ج 5 ، ص 133 نشر دار الكتب العلمية ، تاريخ اليعقوبي : ج 2 ، ص 247.

(4) إعلام الوري : ص 240 ، الإرشاد للمفيد : ص 232 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3.

63

وقيل : انه ما نام في هذه الليلة الحسين (عليه السلام) ولا أحد من أصحابه وأعوانه إلى الصبح ، وكذلك النسوة والصبيان وأهل البيت كلّهم يدعون ، ويوادعون بعضهم بعضاً (1).

قال السيد الأمين ـ (عليه الرحمه) ـ :

باتوا وبات إمامهم ما بينهم * * * ولهم دوي حوله ونحيب

من راكع أو ساجدٍ أو قاريءٍ * * * أو مَنْ يُناجي رَبَّهُ وَينيبُ (2)

وقال أيضاً ـ (عليه الرحمه) ـ :

باتَ الحسينُ وصَحبُه مِنْ حولهِ * * * وَلَهم دويُّ النحل لـمّا باتوا

من رُكّعٍ وَسطَ الظلامِ وسُجّدٍ * * * للهِ مِنهم تَكثر الدعواتُ

وتراءت الحورُ الحسانُ وزُيّنت * * * لقدومِهم بنعيمِها الجنّاتُ

وَبدا الصباحُ وَلم تنمْ عينٌ لَهمْ * * * كلاّ وَلا نَابتْهُمُ غَفواتُ (3)

عبادةُ أبي الفضل العباس (عليه السلام)

وكان العباس (عليه السلام) في العبادة وكَثرة الصلاة والسجود بمرتبة عظيمة ، قال الصدوق ـ (عليه الرحمه) ـ في ثواب الأعمال : كان يُبصَرُ بين عينيه أثَر السجود (4)،

____________

(1) الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 262.

(2) الدر النضيد للسيد الامين : ص 23.

(3) نفس المصدر : ص 73.

(4) ثواب الأعمال للصدوق : ص 259.

64

لكن وأي عبادة أزكى وأفضل من نصرة ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحماية بنات الزهراء ، وسقي ذراري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قيل : إن أصحاب الحسين (عليه السلام) باتوا ليلة العاشر من المحرّم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد ، لكن خُصّص العباس (عليه السلام) من بينهم بحفظ بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته ، كان راكباً جواده متقلّداً سيفه آخذاً رمحه يطوف حول الخيم ، لأنه آخر ليلة أراد أن يوفِ ما كان عليه ويرفع الوحشة عن قلوب الهاشميات حتى يَجدنَ طيب الكرى ، وقد أحاطت بهن الأعداء !

وكانت عيون الفاطميات به قريرةً ، وعيون الأعداء منه باكية ساهرةً ، لأنهم خائفون مرعوبون من أبي الفضل (عليه السلام) وما تنام أعينهم خوفاً من بأسه وسطوته ونكال وقعته ، وانقلب الأمر ليلة الحادي عشر ، قرّت عيون العسكر ، وبكت وسهرت عيون الفاطميات ، ولنعم ما قيل :

اليوم نامت أعينٌ بك لم تنمْ * * * وتسهّدت أخرى فعزّ منامُنها (1)

وقال الفرطوسي ـ (عليه الرحمه) ـ :

وبنو هاشم نطاقُ عيونٍ * * * مستدير على خيام النساءِ

وأبو الفضل فارسُ الجمع ترنو * * * مقلتاهُ لمقلة الحوراءِ (2)

ويقول السيد مدين الموسوي :

نامت عيونُ القوم أجمعُها * * * وعُيونهم مشبوحةُ النظرِ

لله ترمقهُ ويرمقُها * * * كِبراً وهم يعلون في كبرِ

____________

(1) معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 443.

(2) ملحمة أهل البيت للفرطوسي : ج 3 ، ص 292.

65

عبادةُ العقيلة زينب (عليها السلام)

كانت زينب (عليها السلام) في عبادتها ثانية أمّها الزهراء (عليها السلام) وكانت تقضي عامّة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن.

قال بعض ذوي الفضل : إنها ـ (صلوات الله عليها) ـ ما تركت تهجّدها لله تعالى طول دهرها ، حتى ليلة الحادي عشر من المحرم.

قال : وروى عن زين العابدين (عليه السلام) أنه قال : رأيتها تلك الليلة تصلّي من جلوس !

وعن الفاضل القائيني البيرجندي ، عن بعض المقاتل المعتبرة ، عن مولانا السجاد (عليه السلام) أنه قال : إن عمتي زينب (عليها السلام) مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية.

وعن الفاضل المذكور ، إن الحسين (عليه السلام) لمّا ودّع أخته زينب (عليها السلام) وداعه الأخير قال لها : يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل.

وفي مثير الأحزان (1) للعلامة الشيخ شريف الجواهري (قدس سره) : قالت فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام) وأما عمتي زينب (عليها السلام) فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة ـ أي العاشرة من المحرم ـ في محرابها تستغيث إلى ربها ، فما هدأت لنا عين ، ولا سكنت لنا رنّة (2).

____________

(1) مثير الأحزان للجواهري : ص 56.

(2) زينب الكبرى للنقدي : ص 81 ـ 82.

66

يقول العلامة النقدي (عليه الرحمه) :

ربيبة عصمة طُهُّرت وطابتْ * * * وفاقت في الصّفات وفي الفعالِ

فكانت كالأئمة في هُداها * * * وإنقاذ الأنام من الضلالِ

وكان جهادُها بالقول أمضى * * * من البيض الصوارم والنصالِ

وكانت في المُصلّى إذ تُناجي * * * وتدعو الله بالدمع المُذالِ

ملائكة السماء على دُعاها * * * تُؤمّن في خضوع وابتهالِ

روت عن أمها الزهرا علوماً * * * بها وصلت إلى حدّ الكمالِ

مقاماً لم تكن تحتاج فيه * * * الى تعليم علمٍ أو سؤالِ

ونالت رتبةً في الفخر عنها * * * تأخرت الأواخر والأوالي

فلو لا أمها الزهراء سادت * * * نساءَ العالمينَ بلا جدالِ (1)

الإمام الحسين (عليه السلام) يطلي بالنورة

وبرير يهازل عبد الرحمن

روي عن أبي صالح الحنفيِّ عن غلامٍ لعبد الرحمن بن عبدربه الأنصاري (2) ،

____________

(1) زينب الكبري للنقدي : ص 173.

(2) هو : عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي ، أحد الشخصيات البارزة ، وكان صحابياً ومن مخلصي أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو أحد الصحابة الذين شهدوا لأمير المؤمنين بالولاية ، لما نشدهم في الرحبة بحديث الغدير : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وقيل إن أمير المؤمنين هو الذي علّم

67

قال : كنت مع مولاي فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين (عليه السلام) أمر الحسين بفسطاط فضرب ثم أمر بمسك (1) فميث (2) في جفنة (3) عظيمة أو صفحة ، قال : ثم دخل الحسين (عليه السلام) ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة ، قال : ومولاي عبد الرحمن بن عبدربه وبُرير بن خضير الهمداني على باب الفسطاط تحتكّ مناكبهما ، فازدحما أيهما يطلي على أثره فجعل برير يهازل عبد الرحمن !

فقال له عبد الرحمن : دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل ! فقال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم !

قال : فلما فرغ الحسين (عليه السلام) دخلنا فاطّلينا (4) (5).

____________

عبد الرحمن القرآن وربّاه ، وكان عبد الرحمن أحد الذين أخذوا البيعة للحسين (عليه السلام) في الكوفة ، وجاء مع الحسين فيمن جاء من مكة ، وقُتل عبد الرحمن في الحملة الاُولى.

راجع : إبصار العين : ص 93 ، أنصار الحسين لشمس الدين : ص 97.

(1) روي عن يسار بن عبد الحكم قال : أنتُهب عسكر الحسين (عليه السلام) فوَجِدَ فيه طيب ، فما تطيّبت به امرأة إلا برصت. العقد الفريد : ج 4 ، ص 384 دار الكتاب العربي ، وج 5 ، ص 133 ، دار الكتب العلمية.

(2) موث : ماث موثاً وموثاناً ، الشيء بالشيء خلطه به ، والشيء في الماء أذابه فيه ، المنجد : ص 779.

(3) الجَفْنَة : القصعة الكبيرة.

(4) قد اُختلف في وقوع هذه الحادثة ليلاً ، وقد رواها أبو مخنف في اليوم التاسع ، قال الفاضل القزويني : ويظهر من ابن نما أيضاً أن ذلك كان في غداة يوم عاشوراء ، وهو بعيد جداً ، وأبعد منه أن ذلك كان في ليلة تاسوعاء ، صرح بذلك في الناسخ ، وقد ذكر جملة من وقائع ليلة عاشوراء في ليلة تاسوعاء ، وهو اشتباه في اشتباه. والأكثر ـ على ما صرحوا به ـ أنه كان في ليلة عاشوراء وهو الأصح نقلاً واعتباراً. الإمام الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 259.

68

وجاء في البداية : فعدل الحسين (عليه السلام) إلى خيمة قد نُصبت فاغتسل فيها وانطلى بالنورة وتَطيّب بمسك كثير ، ودخلَ بعدَهُ بعضُ الأمراء ففعلوا كما فعل ، فقال بعضهم لبعض : ما هذا في هذه الساعة ؟! فقال بعضهم : دعنا منك ، والله ما هذه بساعة باطل ! فقال يزيد بن حصين : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لا قون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا (1).

استبشار الأنصار بالشهادة

ولقد مزح حبيب بن مظاهر الأسدي ، فقال له يزيد بن خضير الهمداني ، وكان يقال له سيد القرآء : يا أخي ليس هذه بساعة ضحك ! قال : فأيُّ موضعٍ أحقُّ من هذا بالسرور ، والله ما هو إلا أن يميل علينا هذه الطُّغام بسيوفهم فنعانق الحور العين (2).

هكذا كان أصحاب الحسين (عليه السلام) مستأنسين بالمنيّة غير مكترثين بما يجري عليهم فقد روي أن نافع بن هلال البجلي ـ رضي الله تعالى عنه ـ قضى شَطرَ ليله في كتابة اسمه على سهام نبله ، إمعاناً في طلب المثوبة والأجر ، وإمعاناً في السخرية

____________

(5) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 321 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 4 ، ص 6 ، اللهوف : ص 41 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 1.

(1) البداية والنهاية لابن كثير : ج 4 ، ص 178.

(2) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ، ص 293 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 93.

69

من الخطر ، وإمعاناً في الترحيب بالموت (1).

وقد أجاد السيد مدين الموسوي إذ يقول :

ما هزهم عصفٌ ولا رعشت * * * أعطافهم في داهم الخطرِ

يتمايلون وليس من طربٍ * * * ويسامرون وليس من سمرِ

إلا مع البيض التي رقصت * * * بأكفهم كمطالع الزهرِ

يتلون سر الموت في سورٍ * * * لم يتلها أحد مع السورِ

ويرتّلون الجرح في ولهٍ * * * فكأنه لحنٌ على وترِ

خفّوا لداعي الموت يسبقهم * * * عزمٌ تحدى جامد الصخرِ

مُذ بان جنب الله مقعدهم * * * ورأوه ملءَ الروح والبصرِ

الإمام الحسين (عليه السلام) يرسل ابنه عليّاً (عليه السلام) لسقاية الماء

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الأمالي : ثم إن الحسين (عليه السلام) أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق وأمر فحُشيت حطباً ، وأرسل علياً ابنه (عليه السلام) في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء وهم على وجل شديد وأنشأ الحسين (عليه السلام) يقول :

يا دهر اُفٍ لك من خليلِ * * * كم لك في الإشراق والأصيلِ

من طالب وصاحب قتيلِ * * * والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ

____________

(1) أبناء الرسول في كربلاء ، خالد محمد خالد : ص 119 ، الدوافع الذاتية لأنصار الحسين ، محمد عابدين : ص 231.

70

وإنما الأمر إلى الجليلِ * * * وكلُ حيّ سالكٌ سبيلي

ثم قال (عليه السلام) لأصحابه : قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم وتوضّأوا واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم ، ثم صلّى بهم الفجر (1).

الأحداث بعد صلاة الفجر

قال بعض المؤرخين : إنه (عليه السلام) تيمّم هو وأصحابه للصلاة نظراً لعدم وجود الماء عندهم ، وقد أئتمَّ به أهله وصحبه ، وقبل أن يتموا تعقيبهم دقت طبول الحرب من معسكر ابن زياد ، واتجهت فرقٌ من الجيش وهي مدججةٌ بالسلاح تنادي بالحرب أو النزول على حكم ابن مرجانة (2).

ولما أصبح الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح ، قام خطيباً فيهم حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله تعالى أذن في قتلكم ، وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال (3).

التعبئة للحرب وإشعال النار في الخندق

وعبّأ (عليه السلام) أصحابه بعد صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مظاهر في ميسرة

____________

(1) أمالي الصدوق : ص 133 ـ 134.

(2) حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 179.

(3) كامل الزيارات لابن قولويه : ص 73 ، إثبات الوصية للمسعودي : ص 163 ، بحار الأنوار : ج 45 ص 86.

71

أصحابه ، وأعطى رايته العباس أخاه ، وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطبٍ وقصبٍ كان من وراء البيوت أن يُترك في خندق كان قد حُفر هناك ، وأن يُحرق بالنار مخافةَ أن يأتوهم من ورائهم.

وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم ، وهو يوم الجمعة ، وقيل يوم السبت ، فعبّأ أصحابه وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين (عليه السلام) وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس ، وعلى الرجالة شبث بن ربعي ، وأعطى الراية دُريداً مولاه.

دعاءُ الإمام الحسين (عليه السلام)

روي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) أنه قال : لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسين (عليه السلام) رفع يديه وقال : أللهم أنت ثقتي في كل كربٍ ، وأنت رجائي في كل شدةٍ ، وأنت لي في كل أمرٍ نزل بي ثقةٌ وعدة ، كم مِنْ همٍّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته اليك ، رغبةً منيّ إليك ، عمّن سواك ففرجته عني وكشفته ، فأنت وليُّ كل نعمة ، وصاحب كل حسنةٍ ، ومنتهى كلّ رغبةٍ.

الأعداء يجولون حول بيوت الحسين (عليه السلام)

قال : وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين (عليه السلام) فيرون الخندق في

72

ظهورهم ، والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان اُلقي فيه.

فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته : يا حسين أتعجّلت النار قبل يوم القيامة.

فقال الحسين (عليه السلام) مَنْ هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن !! فقالوا له : نعم.

فقال له : يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا !

ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهمٍ فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك.

فقال له : دعني حتى أرميه فإنه الفاسق من أعداء الله وعُظماء الجبارين وقد أمكن الله منه.

فقال له الحسين (عليه السلام) : لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم (1).

وجاء في الأمالي : عن الإمام الصادق (عليه السلام) : وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرس له ، يقال له : ابن أبي جويرية المزني ، فلما نظر إلى النار تتّقد صَفق بيده ونادى : يا حسين وأصحاب الحسين ، أبشروا بالنار فقد تعجّلتموها في الدنيا.

فقال الحسين (عليه السلام) : مَن الرجل ؟ فقيل : ابن أبي جويرية المزني.

فقال الحسين (عليه السلام) : اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا ، فنفرَ به فرسُه فألقاه في تلك النار فاحترق.

ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجلٌ آخر ، يقال له : تميم بن الحصين الفزاري ، فنادى : يا حسين ويا أصحاب الحسين ، أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيّات ، والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعاً.

____________

(1) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 233 ـ 234 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 4 ـ 5 ، تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 321 ـ 322.

73

فقال الحسين (عليه السلام) : مَن الرجل ؟ فقيل : تميم بن حُصين.

فقال الحسين (عليه السلام) : هذا وأبوه من أهل النار ، أللهم اقتل هذا عطشاً في هذا اليوم.

قال : فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه ، فوطأته الخيل بسنابكها فمات.

ثم أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد ، يقال له محمد بن أشعث بن قيس الكندي ، فقال : يا حسين بن فاطمة ، أيةُ حرمة لك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست لغيرك ؟!

قال الحسين (عليه السلام) : هذه الآية ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً ) (1). ثم قال : والله إنَّ محمداً لَمن آل إبراهيم وإن العترة الهادية لمن آل محمد ، مَن الرَجل ؟ فقيل : محمد بن أشعث بن قيس الكندي.

فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه إلى السماء فقال : أللهم أرِ محمدَ بن الأشعث ذُلاًّ في هذا اليوم لا تعزّه بعد هذا اليوم أبداً ، فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز فسلّط الله عليه عقرباً فلذعه فمات باديَ العورة.

فبلغ العطش من الحسين (عليه السلام) وأصحابه ، فدخل عليه رجل من شيعته يقال له : يزيد بن الحصين الهمداني ... فقال : يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتأذن لي فأخرج إليهم فآمُلُهم ، فأذن له.

فخرج إليهم فقال : يا معشر الناس إن الله ـ عزوجل ـ بعث محمداً بالحقِّ بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، وهذا ماءُ الفرات تقع فيه خنازير

____________

(1) آل عمران الآية : ص 33 ـ 34.

74

السواد وكلابها ، وقد حيل بينه وبين ابنه ؟

فقالوا : يا يزيد فقد أكثرت الكلام فاكفف فوالله ليعطش الحسين (عليه السلام) كما عطش مَنْ كان قبله.

فقال الحسين (عليه السلام) : اقعد يا يزيد ، ثم وثب الحسين (عليه السلام) متوكياً على سيفه ....الخ (1).

إلى هنا قد تم ما تسنّى لي جمعُه وإعدادُه من كتب السيرة والحديث في خصوص أحداث ووقائع هذه الليلة العظيمة على أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يرتبط بها ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وسيعلمُ الذين ظلموا ـ آل بيت محمدٍ ـ أيَّ منقلب ينقلبون ، والعاقبةُ للمتّقين.

وذلك في ليلة الخميس السابعة من شهر رجب المرجب عام ألف وأربعمائة وستة عشر للهجرة المباركة على مهاجرها وآله أفضل الصلاة والتسليم.

____________

(1) أمالي الصدوق : ص 134 ـ 135.

75

-

76

-

77

فضل إحياء ليلة عاشوراء بالعبادة

قد ورد في بعض الأحاديث التأكيد الشديد على إحياء هذه الليلة بالعبادة ، والمحافظة عليها وعدم إغفالها مهما أمكن ، وأن لها فضلاً عظيماً ، قال أحد الأعلام ـ (عليه الرحمه) ـ : في حديثه عن أعمال ليلة عاشوراء ويومها من الصلوات والدعوات ، إنها ـ أي الأعمال ـ ولو كانت واردة أيضاً يمكن أن يُحكم بترجيح الإشتغال بمراسم التعزية ، والصلوات له وللمستشهدين بين يديه (عليهم السلام) ، ولعن قاتليهم ـ على الإشتغال بالعبادة ـ وإن تأكيدها أيضاً ثابت بالروايات (1).

ومن الأحاديث الواردة فيها ما يلي :

1 ـ ما روي في كتاب دستور المذكّرين بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : مَن أحيا ليلة عاشوراء فكأنّما عبد الله عبادة جميع الملائكة ، وأجر العامل فيها كأجر سبعين سنة (2).

2 ـ ما روي عن الحارث بن عبد الله عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : إن استطعتَ أن تحافظ على ليلة الفطر ، وليلة النحر ، وأول ليلة من المحرّم ، وليلة عاشوراء ، وأوّل ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ، فافعل وأكثر فيهنّ من الدعاء والصلاة وتلاوة القرآن (3).

____________

(1) المراقبات ( أعمال السنة ) للملكي التبريزي : ص 15.

(2) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 45 ، وعنه بحار الأنوار : ج 95 ، ص 336.

(3) مصباح المتهجد للطوسي : ص 783 ، وسائل الشيعة : ج 5 ، ص 241 ، ح 10.

78

قال السيد ابن طاووس ـ (عليه الرحمه) ـ في ذكره فضل إحياء هذه الليلة : اعلم أنّ هذه الليلة أحياها مولانا الحسين ـ (صلوات الله عليه) ـ وأصحابه بالصلوات والدعوات ، وقد أحاط بهم زنادقة الإسلام ، ليستبيحوا منهم النفوس المعظّمات ، وينتهكوا منهم الحرمات ، ويسبوا نساءهم المصونات.

فينبغي لمن أدرك هذه الليلة ، أن يكون مواسياً لبقايا أهل آية المباهلة وآية التطهير ، فيما كانوا عليه في ذلك المقام الكبير ، وعلى قدم الغضب مع الله جلّ جلاله ورسوله (صلوات الله عليه) ، والموافقة لهما فيما جرت الحال عليه ، ويتقرّب إلى الله جلّ جلاله بالإخلاص من موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه (1).

وأما أعمال هذه الليلة وما ورد فيها من الصلوات والأدعية فنذكر هنا ما ذكره ابن طاووس ـ (عليه الرحمه) ـ من الأعمال الواردة فيها وقد ذكر ـ (عليه الرحمه) ـ أن اعتماده على مثل هذه الأحاديث هو على ما رواه عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه : من بلغه شيءٌ من الخير فعمل كان له ذلك ، وإن لم يكن الأمر كما بلغه (2). وإليك ما ذكره من الأعمال :

____________

(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 45.

(2) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 47.

79

أ ـ الصلوات الواردة في ليلة عاشوراء

1 ـ ما روي عن محمد بن أبي بكر المديني الحافظ من كتاب دستور المذكّرين بإسناده المتصل عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : مَنْ صلّى ليلة عاشوراء أربع رَكَعَات من آخر اللّيل ، يقرأ في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب وآية الكرسي ـ عشر مرّات ، و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ـ عشر مرّات ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ـ عشر مرّات ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ـ عشر مرّات ، فإذا سلّم قرأ ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مائة مرّة ، بَنَى الله تعالىٰ له في الجنّة مائة ألف ألف مدينة من نور ، في كلّ مدينة ألف ألف قصر ، في كل قصر ألف ألف بيت في كلّ بيت ألف ألف سرير ، في كل سرير ألف ألف فراش ، في كل فراش زوجة من الحور العين ، في كلّ بيت ألف ألف مائدة ، في كلّ مائدة ألف ألف قصعة ، في كلِّ قصعة مائة ألف ألف لون ، ومن الخدم علىٰ كلّ مائدة ألف ألف وصيف ، ومائة ألف ألف وصيفة ، علىٰ عاتق كلّ وصيف ووصيفة منديل ، قال وهب بن منبّه : صمّت أذناي إن لم أكن سمعت هذا من ابن عباس.

2 ـ ما روي أيضاً عن كتاب دستور المذكرين بإسناده المتصل عن أبي أُمامة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من صلىٰ ليلة عاشوراء مائة ركعة بالحمد مرة و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثلاث مرّات ، ويسلّم بين كلّ ركعتين فإذا فرغ من جميع صلاته قال : سُبحانَ الله والحمْدُ للهِ ولا إله إِلا اللهُ والله أكبرُ ولا حوْلَ ولا قُوّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم ـ سبعين مرّة.

قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من صلّىٰ هذه الصلاة من الرجال والنساء ملأ الله

80

قبره إذا مات مسكاً وعنبراً ، ويدخل إلىٰ قبره في كل يوم نور إلىٰ أن يُنفخ في الصور ، وتوضع له مائدة منها نعيم يتناعم به أهل الدنيا منذ يوم خلق إلىٰ أن يُنفخ في الصور ، وليس من الرجال والنساء إذا وضع في قبره إلا يتساقط شعورهم إلاّ مَنْ صلّىٰ هذه الصّلاة ، وليس أحدٌ يخرج من قبره إلا أبيض الشعر إلا من صلّىٰ هذه الصلاة.

والّذي بعثني بالحقِّ إنّه من صلّىٰ هذه الصلاة ، فإنّ الله عزوجل ينظر إليه في قبره بمنزلة العروس في حجلته إلىٰ أن يُنفخ في الصور ، فإذا نُفخ في الصّور يخرج من قبره كهيئته إلىٰ الجنان كما يُزفُّ العروس إلىٰ زوجها ـ إلخ.

3 ـ ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : تصلي ليلة عاشوراء أربع ركعات في كلِّ ركعة الحمد مرَّة ، و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) خمسون مرَّة ، فإذا سلّمت من الرّابعة فأكثر ذكر الله تعالىٰ ، والصلاة على رسوله ، والعن لأعدائهم ما استطعت.

4 ـ ما ذكره صاحب المختصر من المنتخب قال : الدعاء في ليلة عاشوراء أن يصلّي عشر ركعات في كلِّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة واحدة ، و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) مائة مرّة.

وقد روي أن يصلي مائة ركعة يقرأ في كلِّ ركعة الحمد مرّة و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثلاث مرّات ، فإذا فرغت منهنّ وسلّمت تقول : سُبْحان اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ ، ولا حوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم ، مائة مرّة ، وقد روي سبعين مرَّة ، وأستغفرُ الله مائة مرّة ، وقد روي سبعين مرَّة ، وصلىٰ الله على محمدٍ وآلِ محمدٍ مائة مرَّة ، وقد روي سبعين مرَّة (1).

____________

(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 46 ـ 48 ، وعنه بحار الأنوار : ج 95 ، ص 336 ـ 338 ، وذكرها بتفاوت في وسائل الشيعة : ج 5 ، ص 295 ، ح 3 ـ 6.

81

ب ـ الدعاء في ليلة عاشوراء

اَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ ، يٰا اَللهُ يٰا رَحْمٰانُ.

وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الْوَضِيئَةِ الرَّضِيَّةِ المَرْضِيَّةِ الْكَبيرَةِ الْكَثِيرَةِ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بأَسْمائِكَ الْعَزيزَةِ المَنِيعَةِ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بأَسْمائِكَ الْكٰامِلَةِ التّامَّةِ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأُلُكَ بِأَسْمائِكَ المَشْهُورَةِ المشْهُودَةِ لَدَيْكَ يٰا اَللهُ ، وَأَسْألُكَ بِأَسْمائِكَ الَّتِي لا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ أَنْ يَتَسَمّىٰ بهٰا غَيْرُكَ يٰا اَللهُ وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الَّتِي لا تُرٰامُ وَلا تَزُولُ يٰا اَللهُ ، وَأَسْألُكَ بِما تَعْلَمُ أَنَّهُ لَكَ رضاً منْ أَسْمائِكَ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الَّتِي سَجَدَ لَهٰا كَُلُّ شَيءٍ دُونَكَ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمٰائِكَ الَّتِي لا يَعْدِلُهٰا عِلْمٌ وَلا قُدْسٌ وَلا شَرَفٌ وَلا وقٰارٌ يٰا اَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ مَسٰائِلِكَ بِمٰا عٰاهَدْتَ أَوْفَى الْعَهْدِ أَنْ تُجِيبَ سٰائِلَكَ بِهٰا يٰا اَللهُ.

وَأَسْأَلُكَ بِالمَسْأَلَةِ الَّتِي أَنْتَ لَهٰا أَهْلٌ يٰا اَللهُ ، وَأسْأَلُكَ بِالمسأَلةِ الَّتِي تَقُولُ لِسٰائِلِهٰا وَذٰاكِرِها : سَلْ ما شِئْتَ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكَ اْلإجٰابَةُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ ، يٰا أَللهُ يٰا أَللهُ.

وَأَسألُكَ بِجُمْلَةِ ما خَلَقْتَ مِنَ المَسٰائِلِ الَّتِي لا يَقْوىٰ بِحَمْلِها شَيْءٌ دُونَكَ يٰا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ مَسائِلِكَ بِأَعْلاها عُلُوّاً ، وَأَرْفَعِها رِفْعَةً ، وَأَسْناها

82

ذِكْراً ، وَأَسْطَعِها نُوراً ، وَأَسْرَعِها نَجاحاً ، وَأَقْرَبِها إِجابَةً ، وَأَِتَمِّها تَماماً ، وَأَكْمَلِها كَمالاً وَكُلُّ مَسائِلِكَ عَظِيمَةٌ يا أَللهُ.

وَأَسْأَلُكَ بِما لا يَنْبغِي أَنْ يُسْأَلَ بِهِ غَيْرُكَ منَ الْعَظَمَةِ وَالْقُدْس وَالجَلالِ ، وَالْكِبْرِياءِ وَالشَّرَفِ وَالنُّورِ ، وَالرَّحْمَةِ وَالْقُدْرَةِ ، وَالإشْرافِ وَالمَسْأَلَةِ وَالجُودِ ، وَالْعَظَمَةِ وَالمَدْحِ وَالْعِزِّ ، وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، والرواج وَالمَسائِلِ الَّتِي بِها تُعْطِي مَنْ تُرِيدُ وَبِها تُبْدِئُ وَتُعِيدُ يا أَللهُ.

وَأَسْأَلُكَ بِمَسائِلِكَ الْعالِيَةِ الْبَيِّنَةِ المَحْجُوبَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دُونَكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بأَسْمائِكَ المَخْصُوصةِ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الجَلِيلَةِ الْكَرِيمَةِ الحَسَنَةِ يا جَلِيلُ يا جَمِيلُ يا أَللهُ ، يا عَظِيمُ يا عَزِيزُ ، يا كَرِيمُ يا فَرْدُ يا وِتْرُ ، يا أَحَدُ يا صَمَدُ ، يا اَللهُ يا رَحْمانُ يا رَحِيمُ ، أَسْأَلُكَ بِمُنْتَهى أَسْمائِكَ الَّتِي مَحَلُّها فِي نَفْسِكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِما سَمَّيْتَهُ بهِ نَفْسَكَ مِمَّا لَمْ يُسَمِّكَ بهِ أحَدٌ غَيْرُكَ يا اَللهُ.

وَأَسْأَلُكَ بما لا يُرى مِنْ أَسْمائِكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ أَسْمائِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ يا أَللهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِما نَسَبْتَ إِلَيْهِ نَفْسَكَ مِمَّا تُحِبُّهُ يا أَللهُ ، وأَسْأَلكَ بِجُمْلَةِ مَسائِلِكَ الْكِبْرِياءِ ، وَبِكُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجدْتُها حَتّىٰ يَنْتَهِيَ إلى الاسْمِ الأعظم يا أَللهُ.

وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمائِكَ الحُسْنىٰ كُلِّها يا أَللهُ ، وَأسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ وَجَدْتُهُ حَتّىٰ يَنْتَهِي إلى الاسْمِ الأعظم الْكَبِيرِ الأكْبَرِ الْعَلِيِّ الأعْلىٰ ، وَهُوَ اسْمُكَ الْكامِلُ الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلى جَميِعِ ما تُسَمّي بِهِ نَفْسَكَ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا

83

يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا أَللهُ يا أَللهُ ، يا رَحْمانُ يا رَحِيمُ ، أَدْعُوكَ وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ هٰذهِ الأسْماءِ وَتَفْسِيرِها ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ تَفْسِيرَها أَحَدٌ غَيْرُكَ يا أَللهُ.

وَأَسْأَلُكَ بِما لا أَعْلَمُ وَلَوْ عَلِمْتُهُ سَألْتُكَ بِهِ ، وَبِكُلِّ اسْمٍ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلىٰ مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَمِينِكَ عَلىٰ وَحْيِكَ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي جَمِيعَ ذُنُوبِي ، وَتَقْضِيَ لِي جَمِيعَ حَوائِجِي ، وَتُبَلِّغَنِي آمالِي ، وَتُسَهِّلَ لِي مَحابِّي ، وَتُيَسِّرَ لِي مُرادِي ، وَتُوصِلَنِي إلىٰ بُغْيَتِي سَرِيعاً عاجِلاً ، وَترْزُقَنِي رِزْقاً واسِعاً ، وَتُفَرِّجَ عَنِّي هَمِّي وَغَمِّي وَكَرْبِي يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).

____________

(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 48 ـ 50 ، وعنه بحار الأنوار : ج 95 ، ص 338 ـ 340.

84

ج ـ المبيت عند الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء

ومن جملة الأعمال في هذه الليلة العظيمة هو المبيت في كربلاء عند قبر الحسين (عليه السلام) وله فضل عظيم.

قال ابن قولوية (قدس سره) : حدثني أبي وأخي وجماعةُ مشايخي عن محمد بن يحيى عن محمد بن علي المدائني ، قال : أخبرني محمد بن سعيد البجلي عن قبيصة عن جابر الجعفي ، قال : دخلت على جعفر بن محمد (عليهما السلام) في يوم عاشوراء فقال لي : هؤلاء زوار الله وحقٌّ على المزور أن يكرم الزائر ، من بات عند قبر الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء لقي الله ملطخاً بدمه يوم القيامة كأنما قتل معه في عرصته (1).

وقال : من زار قبر الحسين (عليه السلام) أي يوم عاشوراء وبات عنده كان كمن استشهد بين يديه (2).

وقال الشيخ المفيد (قدس سره) : حدثني أبوالقاسم قال : حدثني أبي وأخي وجماعة مشايخي (رحمهم الله) ، عن محمد بن يحيى عن محمد بن علي المدائني ، قال :

____________

(1) العَرَصَة بالفتح : كل بقعة بين الدار واسعة ليس فيها بناء ، والجمع العراص والعرصات ، ومنه : عرصات الجنة ، وفي الحديث : رجل اشترى داراً فبقيت عَرَصَة يعني لا بناء فيها مجمع البحرين للطريحي : ج 4 ، ص 174.

(2) كامل الزيارات لابن قولويه : ص 173 ، وعنه بحار الأنوار : ج 98 ، ص 104 ، ح 4 و 7 ، وسائل الشيعه : ج 10 ، ص 372 ، ح 3 و 4 ، مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 291 ، ح 1.

85

أخبرني محمد بن سعيد البلخي (1) عن قبيصة عن جابر الجعفي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : من بات عند قبر الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء ، لقي الله يوم القيامة ملطخاً بدمه كأنما قتل معه في عصره (2).

وقال : من زار قبر الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء وبات عنده ، كان كمن استشهد بين يديه (3).

وقال السيد بن طاووس (قدس سره) : وقال شيخنا المفيد في كتاب التواريخ الشرعية (4) : وروى أن من زاره (عليه السلام) وبات عنده في ليلة عاشوراء حتى يصبح ، حشره الله تعالى ملطّخاً بدم الحسين (عليه السلام) في جملة الشهداء معه (عليه السلام) (5).

وقال الشيخ الطوسي (قدس سره) : وروى جابر الجعفي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : من بات عند قبر الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء لقي الله تعالى يوم القيامة ملطّخاً بدمه كأنما قتل معه في عَرَصَة كربلاء.

وقال : من زار الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء وبات عنده كان كمن استشهد بين يديه (6).

____________

(1) في الكامل : البجلي كما مر عليك.

(2) في الكامل : عَرَصَته ، وفي مصباح المتهجد وإقبال الأعمال : عرصة كربلاء.

(3) كتاب المزار للمفيد : ص 51 ـ 52.

(4) انظر ، مسار الشيعة للمفيد : ص 44 ، ذكره مرسلاً.

(5) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 50.

(6) مصباح المتهجد للطوسي : ص 713 ، وعنه الإقبال : ج 3 ، ص 50.

86

د ـ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء

ويستفاد استحباب ذلك من الروايات الواردة في فضل المبيت عنده ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ، وقد عقد الحر العاملي (قدس سره) في الوسائل : باب تأكّد استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء ، وأورد عدة روايات منها ما يخص ليلة عاشوراء كرواية جابر الجعفي وما بعدها (1) ـ السابقتين ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) وكذلك المحدث النوري (قدس سره) أيضا في مستدركه (2).

وذكر الشيخ التستري ـ (عليه الرحمه) ـ في الخصائص من جملة الأوقات المخصوصة التي يزار فيها الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء ويومها ، وقال : وخصوصية فضل زيارة عاشوراء الدخول في زمرة الشهداء والتلطّخ بدم الحسين (عليه السلام) وإذا زاره ليلة عاشوراء وبات عنده وسقى عنده الماء (3) في ذلك الوقت كان كمن سقى عسكر الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء (4).

وقد ذكر ـ رفع الله مقامه ـ أن فضل زيارات الحسين (عليه السلام) المخصوصة

____________

(1) وسائل الشيعة : ج 10 ، ص 371 ، ب 55 ، ح 3 و 4.

(2) مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 291 ، ب 41.

(3) جاء في كامل الزيارات : ب 71 ، ص 174 ، عن ابن قولويه ـ (عليه الرحمه) ـ قال : وروى محمد بن أبي يسار المدائني بإسناده ، قال : من سقى يوم عاشورا عند قبر الحسين (عليه السلام) كان كمن سقى عسكر الحسين (عليه السلام) وشهد معه. وعنه أيضا بحار الأنوار : ج 98 ، ص 105.

(4) الخصائص الحسينية للتستري : ص 123 و 308.

87

بالأوقات هي عَرَفة وعاشوراء ، وقال : والذي يترجح أن خصوصية زيارة عاشوراء التي ورد فيها : أن زائره يحشر ملطّخاً بدم الحسين (عليه السلام) في زمرة الشهداء ، أعلى من كل خصوصية حتى من مائة ألف حجة ، وألف حجة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإن في زيارة عاشوراء قد ورد أيضاً مع هذه الخصوصية ، خصوصية أخرى وهي : أنه قد زار الله في عرشه (1) (2).

هذا ويناسب أن يُزار الحسين (عليه السلام) في ليلة عاشوراء بزيارة عاشوراء المعروفة ، كما أن هذه الزيارة الشريفة لا تختص بوقتٍ من الأوقات كما في رواية علقمة عن أبي جعفر (عليه السلام) : وإن استطعت أن تزوره في كل يوم بهذه الزيارة من دارك فافعل فلك ثواب جميع ذلك (3).

فتشمل يوم عاشوراء وغيره ، وسواءً كانت من قريب أو بعيد ، وقد دلّت أيضاً على استحباب ذلك الروايات الاُخرى الواردة في استحباب التسليم على الحسين (عليه السلام) والصلاة عليه من قريب وبعيد كل يوم (4) فرأينا من المناسب ذكرها هنا ولما لها من الفضل العظيم.

وكما لا يخفى أن زيارة عاشوراء كما دلت عليها التجارب فريدة في آثارها

____________

(1) كامل الزيارات : ص 174 ، مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 292 ، ح 3 و 5.

(2) الخصائص الحسينية للتستري : ص 309.

(3) مصباح المتهجد للطوسي : ص 718 ، بحار الأنوار : ج 98 ، ص 296 ، وسائل الشيعة : ج 10 ، ص 386 ـ 387 ، ب 63 ، ح 3.

(4) كامل الزيارات : ص 286 ، ب 96 ، وسائل الشيعة : ج 10 ، ص 385 ، ب 63 ، مستدرك الوسائل للنوري : ج 10 ، ص 305 ، ب 46.

88

وفي قضاء الحوائج ونيل المقاصد ودفع الأعادي.

وقد أكد أهل البيت (عليهم السلام) على هذه الزيارة وحثوا شيعتهم عليها بما فيها دعاء علقمة والذي يُقرأ بعد الزيارة.

روي عن صفوان أنه قال : قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : تعاهَدْ هذه الزيارة وادعُ بهذا الدعاء وزُرْ به فإني ضامنٌ على الله لكل من زار بهذه الزيارة ودعا بهذا الدّعاء من قُربٍ أو بُعد ، أنّ زيارته مقبولة وسعيه مشكور وسلامه واصل غير محجوب وحاجته مقضيّة من الله تعالى بالغةً ما بلغت ولا يخيّبُه.

يا صفوان ، وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن أبي ، وأبي عن أبيه عليّ بن الحسين (عليهما السلام) مضموناً بهذا الضمان عن الحسين (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) عن أخيه الحسن (عليه السلام) مضموناً بهذا الضمان والحسن (عليه السلام) عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) مضموناً بهذا الضمان ، وأمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضموناً بهذا الضمان ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل (عليه السلام) مضموناً بهذا الضمان وجبرئيل عن الله عزّوجلّ مضموناً بهذا الضمان ، وقد آلى الله على نفسه عزّوجلّ أنّ من زار الحسين (عليه السلام) بهذه الزيارة من قُرب أو بُعد ودعا بهذا الدعاء قبلتُ منه زيارته وشفّعته في مسألته بالغاً ما بلغت ، وأعطيته سؤله ثم لا ينقلب عنّي خائباً ، وأقلبه مسروراً قريراً عينه بقضاءِ حاجته والفوز بالجنة والعتق من النار وشفّعته في كل من شفع خلا ناصب لنا أهل البيت آلى الله تعالى بذلك على نفسه ، وأشهدنا بما شهدت به ملائكة ملكوته على ذلك ، ثمّ قال جبرئيل : يا رسول الله ـ إن الله ـ أرسلني إليك سُروراً وبشرى لك ، وسروراً وبشرى لعليّ وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولدك وشيعتكم إلى يوم البعث.

89

ثم قال صفوان : قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : يا صفوان إذا حدث لك إلى الله حاجة فزُرْ بهذه الزيارة من حيث كنت وادْعُ بهذا الدعاء وسَلْ ربّك حاجتك تأتِكَ من الله ، والله غير مخلفٍ وعده ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنّه والحمدُ لله ... (1).

وقال شيخنا ثقة الإسلام النوري ; : أما زيارة عاشوراء فكفاها فضلاً وشرفاً أنها لا تسانخ سائر الزيارات التي هي من إنشاء المعصوم وإملائه في ظاهر الأمر ، وإن كان لا يبرز من قلوبهم الطاهرة إلاّ ما تبلغها من المبدأ الأعلى ، بل تسانخ الأحاديث القدسية التي أوحى الله ـ جلّت عظمته ـ بها إلى جبرئيل بنصها بما فيها من اللعن والسّلام والدعاء فأبلغها جبرئيل إلى خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

وإليك زيارة عاشوراء برواية الشيخ الطوسي ـ (عليه الرحمه) ـ كما في المصباح :

____________

(1) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : ص 723 ـ 724 ، بحار الأنوار : ج 98 ، ص 299 ـ 300.

(2) مفاتيح الجنان : ص 463.

90

زيارة عاشوراء

السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا أبَا عبد الله ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ فاطِمَةَ الزّهراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللهِ وابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ المَوْتُورَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى الأرْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَتْ بِرحْلِك عَلَيْكُمْ مِنّي جميعاً سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ.

يَا أبَا عبد الله ، لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ ، وجَلّتْ وعَظُمَت المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَى جَمِيعِ أهْلِ الإسلام ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمَوَاتِ عَلَى جَمِيعِ أهْلِ السَّمَوَاتِ ، فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسَّسَتْ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أهل البيت ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ وَأوْلِيائِهِمْ.

يَا أبَا عبد الله ، إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَوليٌ لِمَنْ والاكُم وعدوٌّ لِمَنْ عَاداكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ، وَلَعَنَ اللهُ آل زِيَادٍ وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي اُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسْرَجَتْ وَألجَمَتْ وَتَهيّأتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ ، بِأبِي أنْتَ وَاُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ، فَأسْالُ اللهَ الّذِي أكْرَمَ مَقامَكَ ، وَأكْرَمَنِي بِكَ ، أنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إمامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صَلّى الله

91

عَلَيْهِ وَآلِهِ.

اللّهمّ اجْعَلْني عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلام فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ مِنَ المقَرّبينْ.

يَا أبَا عبد الله ، إنِّي أتَقَرَّبُ إلى اللهِ تعالى ، وَإلَى رَسُولِهِ ، وَإلى أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَإلَى فاطِمَةَ ، وإلى الحَسَنِ وَإلَيْكَ بِمُوالاتِكَ ، ومُوالاةِ أَوليائِك وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ وَنَصبَ لَكَ الحَربَ ، وبالْبَرَاءةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ ، وَعلى أشياعِكُم وَأبْرَأُ إلى اللهِ وَإلى رَسُولِهِ وَبِالبراءِةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ ذلِكَ ، وَبَنى عَلَيْهِ بُنْيانَهُ ، وَجَرَى في ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأتَقَرَّبُّ إلى اللهِ وَإلى رَسولِهِ ثُمَّ إلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُم وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أعْدائِكُمْ ،وَالنَّاصِبِينَ لَكُم الحَرْبَ ، وَبِالبَرَاءَةِ مِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ ، يا أبا عبد الله إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأسْألُ اللهَ الّذِي أكْرَمَني بِمَعْرِفَتِكُمْ ، وَمَعْرِفَةِ أوْلِيائِكُمْ ، وَرَزَقَني البَراءَةَ مِنْ أعْدائِكُمْ ، أنْ يَجْعَلَني مَعَكُمْ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَأنْ يُثَبِّتَ لي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْقٍ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَأسْألُهُ أنْ يُبَلِّغَنِي المقامَ المَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِي مَعَ إمَامٍ مَهْدِيٍّ ظَاهِرٍ نَاطِقٍ بالحقِّ مِنْكُمْ ، وَأسْألُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أفْضَلَ ما يُعْطِي مصاباً بِمُصِيبَتِهِ ، يا لَها منْ مُصِيبَةٍ مَا أعْظَمَها وَأعْظَمَ رَزِيّتهَا فِي الإسلام وَفِي جَمِيعِ أهلِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ.

اللّهُمَّ اجْعَلْني في مَقامِي هذا مِمَّن تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ

92

وَمَغْفِرَةٌ.

اللهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَماتي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآل ِمُحَمَّدٍ.

اللهُمَّ إنَّ هَذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو اُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الأكْبادٍ ، اللعِينُ بْنُ اللعِينِ عَلَى لِسانِكَ وَلِسانِ نَبِيِّكَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ في كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَوْقِف وَقَفَ فِيهِ نَبيُّكَ ـ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ.

اللّهُمَّ الْعَنْ أبَا سُفْيانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وآلَ مَرْوَانَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللعْنَةُ أبَدَ الآبِدِينَ ، وَهذا يَوْمٌ فَرِحَتْ بِهِ آلُ زِيَادٍ وَآلُ مَرْوانَ عَليهِمُ اللَّعْنةُ بِقَتْلِهِمُ الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السًَلام.

اللهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللعْنَ وَالعَذابَ الألِيم.

اللهُمَّ إنِّي أتَقَرَّبُّ إلَيْكَ في هذَا اليَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هَذا ، وَأيَّامِ حَيَاتِي بِالبَرَاءَةِ مِنْهُمْ ، وَاللعْنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيِه و عليهم السلام.

ثمّ يقول :

اللهُمَّ الْعَنْ أوّلَ ظالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَآخِرَ تَابِع لَهُ عَلَى ذلِكَ ، اللهُمَّ الْعَنِ العِصابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السًَلام وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ. اللهُمَّ الْعَنْهم جميعاً ( يقول ذلك مائة مرّة ).

ثمّ يقول :

السَّلأمُ عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِ اللهِ وَعلَى الأرْواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَت برَحْلِك عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ

93

آخِرَ العَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ ، أهْلَ البَيتِ السَّلامُ عَلَى الحُسَيْن ، وَعَلَى عَليِّ بْنِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أوْلادِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أصْحابِ الحُسَينِ الذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُم دُونَ الحُسين ( يقول ذلك مائة مرّة ).

ثمّ يقول :

اللهمَّ خُصَّ أنْتَ أوّلَ ظالمٍ بِاللّعْنِ مِنِّي ، وَابْدَأْ بِهِ أوّلاً ، ثُمَّ الثَّانِي ، وَالثَّالِثَ وَالرَّابِع.

اللهُمَّ الْعَنْ يزِيَدَ خامِساً ، وَالْعَنْ عبيد الله بْنَ زِيَادٍ وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَشِمْراً وَآلَ أبي سُفْيانَ وَآلَ زِيَادٍ وآلَ مَرْوانَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ثم تسجد وتقول :

اللّهمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرينَ لَكَ عَلَى مُصابِهِمْ ، الحَمْدُ للهِ عَلَى عَظِيمِ رَزِيّتي.

اللّهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الحُسَيْن عَلَيْهِ السًَلام يَوْمَ الوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأصْحابِ الحُسَيْن الّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَيْن عَلَيْهِ السًَلام.

قال علقمة : قال أبو جعفر (عليه السلام) وإن استطعت أن تزوره في كل يوم بهذه الزيارة من دارك فافعل فلك ثواب جميع ذلك.

94

دعاء علقمة

روى محمد بن خالد الطيالسي ، عن سيف بن عُميرة ، قال : خرجت مع صفوان بن مهران الجمَّال وعندنا جماعة من أصحابنا إلى الغريّ بعد ما خرج أبو عبد الله (عليه السلام) فسرنا من الحيرة إلى المدينة ، فلمَّا فرغنا من الزيارة صرف صفوان وجهه إلى ناحية أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، فقال لنا : تزورون الحسين (عليه السلام) من هذا المكان من عند رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) من هَهنا أومأ إليه أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) وأنا معه.

قال : فدعا صفوان بالزيارة التي رواها علقمة بن محمد الحضرمي ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في يوم عاشوراء ثم صلَّى ركعتين عند رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) وودَّع في دبرهما أمير المؤمنين وأومأ إلى الحسين بالسلام منصرفاً بوجهه نحوه ، وودَّع وكان فيما دعا في دبرهما :

يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، يَا مُجيبَ دَعوَةِ المُضْطَّرينَ ، يَا كَاشِفَ كُرَبِ المَكْرُوبِينَ ، يَا غِيَاثَ المُسْتَغِيثِينَ ، يَا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ ، يَا مَنْ هُوَ أقْرَبُ إلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، يَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَيَا مَنْ هُوَ بِالمَنْظَرِ الأعْلَى ، وَبِالاُفُق المُبِينِ ، وَيَا مَنْ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وَيَا مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، ويَا مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، يَا مَنْ لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الأصوات ، وَيَا مَنْ لا تُغَلِّطُهُ الحَاجَاتُ ، وَيَا مَنْ لا يُبْرِمُهُ

95

إلحاحُ المُلِحِّينَ ، ويَا مُدْرِكَ كُلِّ فَوْتٍ ، وَيَا جَامِعَ كُلِّ شَمْلٍ ، وَيَا بَارِئَ النُّفُوسِ بَعْدَ المَوْتِ ، يَا مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ في شَأْنٍ ، يَا قَاضِيَ الحَاجَاتِ ، يَا مُنَفِّسَ الْكُرُبَاتِ ، يَا مُعْطِيَ الْسُّؤلاتِ ، يَا وَلِيَّ الرَّغَبَاتِ ، يَا كَافِيَ المُهِمَّاتِ ، يَا مَنْ يَكْفِي مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلا يَكْفِي مِنْهُ شَيٌ فِي السَّمٰواتِ وَالأرْضِ ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَبيين وَعَلِيٍّ أمير المُؤمنين ، وَبِحَقّ فَاطِمَةَ بنتِ نَبيِّكَ ، وَبِحَقِّ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ.

فَإنِّي بِهِمْ أتَوَجَّهُ إلَيْكَ فِي مَقَامِي هَذَا ، وَبِهِمْ أتَوَسَّلُ ، وَبِهِمْ أتَشَفَّعُ إلَيْكَ ، وَبِحَقِّهِمْ أَسْأَلُكَ وَاُقْسِمُ وَأعْزِمُ عَلَيْكَ ، وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَهُمْ عِنْدَكَ وَبِالْقَدْرِ الّذِي لَهُمْ عِنْدَكَ ، وَبِالَّذِي فَضَّلْتَهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَبِاسْمِكَ الّذَي جَعَلْتَهُ عِنْدَهُمْ ، وَبِهِ خَصَصْتَهُمْ دُونَ الْعَالَمِينَ ، وَبِهِ أبَنْتَهُمْ وَأَبَنْتَ فَضْلَهُمْ من فَضْلِ الْعَالَمِينَ حَتَّى فَاقَ فَضْلُهُمْ فَضْلَ الْعَالَمِينَ جميعاً أسألُكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وَأنْ تَكْشفَ عَنِّي غَمِّي وَهَمِّي وكَرْبِي ، وَتَكْفِيَنِيَ المُهِمَّ مِنْ اُمُورِي ، وَتَقْضِيَ عَنِّي دَيْنِي ، وَتُجِيرَنِي مِنَ الْفَقْرِ ، وَتجْيرَني مِنْ الفَاقَةِ ، وَتُغْنِيَنِي عَنِ المَسْأَلَةِ إلى المَخْلُوقِينَ ، وَتَكْفِيَنِي هَمَّ مَنْ أخَافُ هَمَّهُ ، وَجَورَ مَنْ أَخافُ جَوْرَه ، وَعُسْرَ مَنْ أخَافُ عُسْرَهُ ، وَحُزُونَةَ مَنْ أخَافُ حُزُونَتَهُ ، وَشَرَّ مَن أخَافُ شَرَّهُ ، وَمَكْرَ مَنْ أخَافُ مَكْرَهُ ، وَبَغْيَ مَنْ أخَافُ بَغْيَهُ ، وَسُلْطَانَ مَنْ أخَافُ سُلْطَانَهُ ، وَكَيْدَ مَنْ أخَافُ كَيْدَهُ ، وَمَقْدُرَةَ مَنْ أخَافُ مَقْدُرَته عَلَيَّ ، وَتَرُدَّ عَنِّي كَيْدَ الْكَيَدَةِ ، وَمَكْرَ المَكَرَةِ.

اللّهُمَّ مَنْ أرادَني فَأرِدْهُ ، وَمَنْ كَادَنِي فَكِدْهُ ، وَاصْرِفُ عَنِّي كَيْدَهُ وَمَكْرَهُ وَبَأْسَهُ وَأمَانِيَّهُ ، وَامْنَعْهُ عَنِّي كَيْفَ شِئْتَ ، وَأنّى شِئْتَ.

96

اللّهُمَّ اشْغَلْهُ عَنِّي بِفَقْرٍ لا تَجْبُرُهُ ، وَبِبَلاءٍ لا تَسْتُرُهُ ، وَبِفَاقَةٍ لا تَسُدَّهَا ، وَبِسُقْمٍ لا تُعَافِيهِ ، وَذُلٍّ لا تُعِزُّهُ ، وَبِمَسْكَنَةٍ لا تَجْبُرُها.

اللّهُمَّ اضْرِبْ بِالذُلِّ نَصْبَ عَيْنيهِ ، وَاَدْخِلْ عَلَيْهِ الْفَقْرَ فِي مَنْزِلِهِ ، وَالْعِلَّةَ وَالسَّقْمَ فِي بَدَنِهِ ، حَتَّى تَشْغَلَهُ عَنِّي بِشُغْلِ شَاغِلٍ لا فَرَاغَ لَهُ ، وَأنْسِهِ ذِكْرِي كَما أنْسَيْتَهُ ذِكْرَكَ ، وَخُذْ عَنِّي بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَلْبِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ ، وَأدْخِلْ عَلَيْهِ في جَميعِ ذَلِكَ السُّقْمَ ، وَلا تَشْفِهِ حَتَّى تَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُ شُغْلاً شَاغِلاً بِهِ عَنِّي وَعَنْ ذِكْرِي.

وَاكْفِنِي يَا كافِي مَا لا يَكْفِي سِوَاكَ فَإنَّكَ الْكَافِي لا كافِيَ سِوَاكَ ، وَمُفَرِّجٌ لا مُفَرِّجَ سِوَاكَ ، وَمُغِيثٌ لا مُغِيثَ سِوَاكَ ، وَجَارٌ لا جارَ سِوَاكَ ، خَابَ مَنْ كَانَ جَارُهُ سِوَاكَ ، وَمُغِيثُهُ سِوَاكَ ، وَمَفْزَعُهُ إلى سِوَاكَ ، وَمَهْرَبُهُ إلى سِوَاكَ ، وَمَلْجَأُهُ إلى غَيْرِكَ ، وَمَنْجَاهُ مِنْ مَخْلُوقٍ غَيْرِكَ ، فَأنْتَ ثِقَتِي وَرَجَائِي وَمَفْزَعِي وَمَهْرَبِي وَمَلْجَايَ وَمَنْجَايَ ، فَبِكَ أسْتَفْتِحُ ، وَبِكَ أسْتَنْجِحُ ، وَبِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أَتَوَجَّهُ إليْكَ وَأتَوسَّلُ وَأتَشَفَّعُ ، فَأَسْأَلُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، فَلَكَ الحَمْدُ ، وَلَكَ الشُّكْرُ ، وَإلَيْكَ المُشْتَكَى وَأنْتَ المُسْتَعَانُ ، فَأسْألُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ ، بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآل مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَكْشِفَ عَنِّي غَمِّي وَهَمِّي وَكَرْبِي فِي مَقَامِي هَذَا كَمَا كَشَفْتَ عَنْ نَبِيِّكَ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَكَرْبَهُ ، وَكَفَيْتَهُ هَوْلَ عَدُوِّهِ ، فَاكْشِفْ عَنِّي كَمَا كَشَفْتَ عَنْهُ ، وَفَرِّجْ عَنِّي كَمَا فَرَّجْتَ عَنْهُ ، وَاكْفِنِي كَمَا كَفَيْتَهُ واصْرِفْ عَنّي هَوْلَ مَا أخَافُ هَوْلَهُ وَمَؤُونَةَ مَا أخَافُ مَؤُونَتَهُ ، وَهَمَّ مَا أخَافُ هَمَّهُ بِلا مَؤُونَةٍ عَلَى نَفْسِي مِنْ ذلِكَ ، وَاصْرِفْنِي بِقَضَاءِ حَوَائِجِي ، وَكِفَايَةِ ما أهَمَّنِي هَمُّهُ مِنْ أمْرِ آخِرَتِي وَدُنْيَايَ.

97

يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَيَا أبَا عبد الله ، عَلَيْكُما مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِكُمَا وَلا فَرَّقَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُما.

اللهُمَّ أحْيِنِي حيَاةَ مُحَمَّدٍ صَلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَأمِتْنِي مَمَاتَهُمْ ، وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِمْ ، وَاحْشُرْني في زُمْرَتِهِمْ ، وَلا تُفَرِّقْ بَيْني وَبَيْنَهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ أبَداً في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَيَا أبَا عبد الله ، أَتَيْتُكُمَا زائِراً وَمُتَوَسِّلاً إلى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمَا ، وَمُتَوَجِّهاً إلَيْهِ بِكُما ، وَمُسْتَشْفِعاً بِكُمَا إلى اللهِ تَعَالَى في حَاجَتِي هذِهِ فَاشْفَعَا لِي فَإنَّ لَكُما عِنْدَ اللهِ المَقَامَ المَحْمُودَ ، وَالجَاهَ الوَجِيهَ ، وَالمَنْزِلَ الرَّفِيعَ وَالوَسِيلَةَ ، إنِّي أنْقَلِبُ عَنْكُما مُنْتَظِراً لِتَنَجُّزِ الحَاجَةِ وَقَضائِهَا وَنَجاحِهَا مِنَ اللهِ بِشَفاعَتِكُما لِي إلى اللهِ في ذلِكَ فَلا أخِيبُ ، وَلا يَكُونُ مُنْقَلَبِي مُنْقَلَباً خَائِباً خَاسِراً بَلْ يَكُونُ مُنْقَلَبِي مُنْقَلَباً رَاجِحاً مُفْلِحاً مُنْجِحاً مُسْتَجَاباً بِقَضاءِ جَمِيعِ الحَوَائِجِ وَتَشْفَعا لِي إلى اللهِ ، انْقَلَبتُ عَلَى مَا شَاءَ اللهُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ ، ومُفَوِّضاً أمْري إلى اللهِ ، مُلْجِئاً ظَهْري إلى اللهِ ، مُتَوَكِّلاً عَلَى اللهِ ، وَأقُولُ حَسْبِيَ اللهُ وَكَفَى ، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعَا ، لَيْسَ لي وَراءَ الله وَوَراءَكُمْ يا سادَتِي مُنْتَهى ، ما شاءَ رَبِّي كانَ ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ أسْتَوْدِعُكُم اللهَ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي إلَيْكُمَا ، انْصرَفْتُ يَا سَيِّدِي يَا أميرَ المُؤْمِنِينَ وَمَوْلايَ وَأنْتَ يَا أبَا عبد الله ، يَا سَيّدِي وَسَلامِي عَلَيْكُما مُتَّصِلٌ مَا اتَّصَلَ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَاصِلٌ ذلِكَ إلَيْكُمَا غَيْرُ مَحْجُوبٍ عَنْكُمَا ، سَلامِي إنْ شَاءَ ، اللهُ وَأسْأَلُهُ بِحَقِّكُما أنْ يَشاءَ ذلِكَ وَيَفْعَلَ فَإنَّهُ حَمِيدٌ مَجيدٌ ،

98

انْقَلَبْتُ يَا سَيِّدَيَّ عَنْكُما تَائِباً حَامِداً للهِ ، شاكِراً رَاجِياً لِلإجابَةِ ، غَيْرَ آيِسٍ وَلا قانِطٍ ، آئِباً عَائِداً راجِعَاً إلى زِيَارَتِكُمَا غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْكُما وَلا عَنْ زِيارَتِكُما ، بَلْ رَاجِعٌ عَائِدٌ إنْ شاءَ اللهُ ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ العَليِّ العَظِيمِ ، يَا سَادَتي رَغِبْتُ إلَيْكُمَا وَإلَى زِيارَتِكُمَا بَعْدَ أنْ زَهِدَ فِيكُمَا وَفي زِيَارَتِكُمَا أهْلُ الدُّنْيا فَلا خَيَّبَنِي اللهُ مَا رَجَوْتُ ، وَمَا أمّلْتُ فِي زِيَارَتِكُمَا ، إنّه قَرِيبٌ مُجِيبٌ (1).

____________

(1) المصباح للشيخ الطوسي : ص 715 ـ 723 ، وعنه بحار الأنوار : ج 98 ، ص 293 ـ 299.

99

-

100

-

101

تمهيد

إن لهذه الليلة العظيمة أبعاداً مختلفةً ، وجوانبَ متعددةً ، وعِبَراً نافعةً ، في ميادين العقيدة والشريعة الإسلامية يجدُرُ الوقوفُ عليها ، واستكناه ما في سويعاتها العصيبة التي نزلت بساحة أهل بيت الوحي والتنزيل (عليهم السلام) ، وما أعقبها من أحداث مُنيَ بها الإسلام والمسلمون بأفدح ما عرفهُ تاريخ البشرية أجمع ، وكيف لا وقد اتفقت الكلمةُ علىٰ إبادة أهل بيت الوحي ومعدن الرسالة ومهبط التنزيل.

إن ليلة عاشوراءَ الأليمة من سنة ( 61 ه ) وإن كانت في حساب الليالي ليلةً واحدةً ذات سُويعات محدودة ، إلا أنها في حساب التاريخ شكلت مُنعطفاً حاداً في تاريخ الإسلام ، لم تشهده ليلةٌ من لياليه مُنذ فجره وإلىٰ يومنا هذا ، سوىٰ ليالٍ معدودة شاءَ اللهُ أن يجعلها شموساً في تاريخ الإسلام ، والتي منها ليلةُ مبيتِ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) علىٰ فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليلةٌ سَمعت فيها فاطمة الزهراء (عليها السلام) صوتَ بلال يُردّد : أشهد أن محمداً رسول الله ، وأبوها العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) ملبٍّ نداء الله ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) (1).

وليلةٌ سمعت فيها عقيلةُ الهاشميين (عليها السلام) إخاها الحسين (عليه السلام) ينشد ويردد : يا دهر اُفٍ لك من خليل ...

____________

(1) سورة الفجر : الآية 27 و 28.

102

إنها ليلةُ عاشوراء التي أعاد صبحُهَا أحداثَ بدرٍ الكُبرىٰ ، مجسمةً حيّةً على رمال كربلاءَ ، حيثُ تصارعَ الكفرُ والإيمانُ ، وانهزم فيها السيف الجبان ، وانتصر الحقُّ بحدِّ اللسان وَكانت كلمةُ الله هي العليا ، وكلمة الكُفر هي السُفلىٰ.

صحيح أن أحداثَ ليلة عاشوراءَ قد غشيها الظلامُ ، إلا أن الحسين (عليه السلام) جعل من ذلك الليلِ المظُلم شُموساً وأقماراً تُضيءُ التِلال والآكام ، وتدلُ على الحق وتُعرّف أهله ، وتشخّصُ الباطلَ وتلعنُ اهله في كل عصر وجيل.

وإذا ما نظرنا بعين الاعتبار في هذه الليلة العظيمة أدركنا أهمية هذه الليلة وضرورةَ الإطلاع عليها وعلىٰ أبعادها العقائدية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها ، ودراستها وفَهم ما أرادَه سيدُ الشهداء (عليه السلام) منها.

ولا ندعي استيعابَ جميع ما فيها من أبعاد ، فهي أوسع من أن تُحصر أو تُعدّ لأنها الحد الفاصلُ بين محض الإيمان ولبابه ، وبين مَكر الشيطان وأوليائه ، إلا أن ما لم يُدرك كُلّه لا يُترك جلّه ، وفي إدراك اليسير النافع من أبعاد هذه الليلة ومحاولة الاستفادة منها وتجسيدها علىٰ أرض الواقع هو ما نرجوه ومن الله التوفيق والعون.

103

-

104

-

105

أ ـ البعد الديني في موقف الحسين

(عليه السلام)

إن ليلة عاشوراءَ وما ترتب عليها من آثار ومواقف جاءت نتيجة لموقف الحسين (عليه السلام) الشرعي ، وانطلاقاً من مبدئه السامي القائم علىٰ طلب الإصلاح في أُمة جده (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أوضح هذا قبل خروجه قائلاً :

وأني لم أخرُج أَشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسِداً ولا ظالِماً ، وإِنما خَرجتُ لطِلبِ الإصلاح في اُمّة جَدّي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، اُريدُ أَن آمرَ بالمعروف وأَنهىٰ عن المُنكر ، وأَسيرَ بسيرةِ جَدّي وَأبي علي بن أبي طالب ، فمن قَبلني بقَبول الحق فاللهُ أولى بالحق َ ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبرُ حتىٰ يقضي اللهُ بيني وبين القوم وهو خيرُ الحاكمين (1).

وقد أكد علىٰ ذلك أيضاً في خطبته التي خطبها في ذي حُسْم (2) قائلاً :

إنَّهُ قد نَزل بنا مِن الأمر ما قد تَرون ، وإِنَّ الدُّنيا قَدْ تَغيَّرت وتَنكّرَت وأَدبر معرُوفُها ، واستمرَّت جِدّاً ، فلم يَبقَ مِنْها إلا صُبابَةٌ كصُبابةِ الإناءِ ، وخَسيسُ عَيشٍ كالمرعى الوبيلِ ، أَلا تَرَونَ أن الحَقَّ لا يُعملُ بهِ ، وأن الباطل لا يُتناهىٰ عنهُ ، ليرغَبِ المؤْمنُ في لقاءِ اللهِ مُحقّاً ، فإنّي لا أَرى المَوتَ إلا سعادةً ، ولا الحياةَ مع الظالِمين إلا بَرماً (3).

____________

(1) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 329 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 188ـ 189 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 139.

(2) قيل : إنه موضع بالكوفة أو جبل في طريق البر ، وفيه استقبل الحر الرياحي في ألف فارس.

(3) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 305 ، تاريخ دمشق لابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) ) : ص 214 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 381.

106

فقد أوضح (عليه السلام) في خُطبته أن الدنيا تغيرت عمّا هو المرجو من جريانها ، وأنكرت وأدبر معروفها ، بحيث صار المُنكر مَعروفاً والمعروف مُنكراً ، ولا بدَ من إصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج ، وإن أدىٰ ذلك إلى الشهادة ، وهو ما عَبّر عنه بقوله (عليه السلام) : ليرغب المؤمنُ في لقاءِ الله مُحقاً.

ومما أشار إليه (عليه السلام) في خطبته هو أنه يرى الحياةَ مع الظالمين برماً ، ولِذا وَقف موقفاً صارماً وحازماً من بيعة يزيد بن معاوية.

وحيث أن الإمام الحسين (عليه السلام) إمامٌ معصومٌ مفترضُ الطاعة فيجب على الأمة الانقياد إليه والائتمار بأمره ، فما رآه (عليه السلام) ودعا إليه فهو الحق وما رفضه ونهىٰ عنه فهو الباطل ، فلما رأىٰ (عليه السلام) بأن وظيفته وتكليفه يحتمان عليه السير في إصلاح ما فسد في الأمة ، ليحق الحق ويبطل الباطل سار علىٰ ذلك وإن انتهى به الأمر إلى الشهادة ، وله بهذا أسوةٌ بالأنبياء (عليهم السلام) الذين واجهوا الصعاب في سبيل الله تعالىٰ ، حتى أُوذوا وشُرِّدوا ونُفوا عن أوطانهم ، ومنهُم من تَعرَّض للقتل ونُشر بالمنشار ، ومنهم من قُطع رأسُه في سبيله تعالىٰ كيحيىٰ بن زكريا (عليه السلام) وأُهدي رأسُه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

واختار يحيىٰ أن يُطاف برأسه * * * وله التأسي بالحسين يكونُ

ومنهم من أرادوا إحراقه بالنار لولا أن نجاه اللهُ كإبراهيم الخليل (عليه السلام) الذيِ سار علىٰ ضَوءِ ما يُمليِه عليه الواجب الديني ، فَكسّرَ أصنام المشركين فكانت النتيجة تعرضه للقتل ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ ) (1) وغيرهما من

____________

(1) سورة الأنبياء : الآية 68.