ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
107

الأنبياء (عليهم السلام) وَلم يَمنعهم كلُ ذلك من السعي قُدماً تجاه وظائفهم الشرعية من أجل إصلاح الأمة ، ودعوتهم إلى الله تعالىٰ وإن أدىٰ ذلك إلى الشهادة.

فكذلك الحسين (عليه السلام) الذي لا يثنيه عن عزيمته أمرٌ ولا يلويه أحدٌ عن موقفه الديني ، سار حسبما أملاه عليه الواجب الشرعي والديني وإن تعرض هو مع أهل بيته للتشريد والقتل والإبادة ما دام ذلك بنظر الله وأمره تعالى.

وقد ذكر الحجة الشيخ التُستري أعلى الله مقامه : أن للحسين (عليه السلام) تكليفين : واقعي وظاهري :

أ ـ أما الواقعي الذي دعاه للإقدام على الموت ، وتعريض عيالهِ للأسر وأطفاله للذبح مع علمه بذلك ، فالوجه فيه : أن عتاة بني اُمية قد اعتقدوا أنهم على الحق ، وأن علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل ، حتىٰ جعلوا سبَّه من أجزاء صلاة الجمعة ، وبلغ الحالُ ببعضهم أنه نَسي اللعن في خُطبة الجمعة فذكره وهو في السفر فقضاه ! وبنوا مسجداً سَمُوه « مسجدَ الذكر » فلو بايع الحسينُ يزيدَ وسَّلَّم الأمر إليه لم يبق من الحقِ أثرٌ ، فإن كثيراً من الناس يعتقدُ بأن المحالفة لبني أُمية دليلُ استصواب رأيهم وحسن سيرتهم.

وأما بعد محاربة الحسين لهُم ، وتعريض نفسه المقدسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم ، فقد بيَّن لأهل زمانه والأجيال المتعاقبة أحقيتهُ بالأمرِ وضَلال من بغى عليه.

ب ـ وأما التكليف الظاهري فلأَنه (عليه السلام) سعى في حِفظ نفسهِ وعياله بكل وجه ، فلم يتيسّر له وقد ضَيّقوا عليه الأقطار ، حتى كتب يزيد إلىٰ عامله على المدينة أن يقتله فيها ، فخرَج منها خائفاً يترقب ، فلاذَ بحرم الله الذي هو اَمْنُ الخائف وكهف

108

المستجير ، فجَدُّوا في إلقاءِ القبض عليه ، أو قتله غيلةً ولو وُجدَ مُتعلقاً بأستارِ الكعبة ، فالتزم بأن يجعل إحرامَهُ عُمرةً مُفردةً وترك التمتعَ بالحج ، فتوجه إلى الكوفة لأنهم كاتبوه وبايعوه وأكدوا المصيرَ إليهم لإنقاذهم من شرور الأمويين ، فألزمَهُ التكليف بحسب ظاهر الحال إلىٰ موافقتهم إتماماً للحجة عليهم ، لئلا يعتذروا يوم الحساب بأنهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين ، فاتهمهم بالشقاق ولم يغثهم مع أنه لو لم يرجع إليهم فإلى أين يتوجه ، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحُبت ، وهو معنى قوله لابن الحنفية : لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتىٰ يقتلوني (1) !

وقال لأبي هرّة ـ الأزدي ـ : إنَّ بني أُميةَ أخذُوا مالي فَصبرْت ، وَشتموا عِرضي فَصبرت ، وَطلبُوا دَمي فهرَبت (2) (3).

ولهذا كان (عليه السلام) يُؤكدُ للناس أنها وظيفةٌ شرعيةٌ لا محيص عنها ، وخصوصاً مع أُولئك الذين حاولوا صرفَهُ عن طريقه ، وتغيير وجهَة نظره ، فكان ينسبُ الأمر إلى الله تعالى وبأمرٍ من جده (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أوضح هذا إلىٰ أخيه محمد بن الحنفية حينما عزم على الخروج من مكة المكرمة ، وقد قال له أخوه ابن الحنفية : ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال : بلىٰ ، ولكن بعدما فارقتك أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال : يا حسين اخرج فان الله تعالىٰ شاءَ أن يراك قتيلاً.

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 288 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 218 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 99.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 226 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 368 ، اللهوف : ص 30.

(3) مقتل الحسين للمقرم : ص 170 عن الخصائص الحسينية ص 85.

109

فاسترجع محمد ، وحينما لم يعرف الوجه في حمل العيال معه وهو علىٰ مثل هذا الحال ، قال له الحسين (عليه السلام) : قد شاء الله تعالىٰ أن يراهنّ سبايا (1).

الأمر الذي يدل علىٰ أن هناك أمراً وتكليفاً شرعياً كما يُستفاد هذا أيضاً من كلمة « شاء الله » حيث قيل أنها المشيئة التشريعية التي يتعلق بها الأمر ، فاللهُ تعالىٰ يُريد أن يرى الحسين (عليه السلام) المُدافع والمُحامي عن الدين ، والمصلح لما فسد منه ، ولو أدىٰ ذلك إلى الشهادة والقتل في سبيله.

وقد أكَّد هذا أيضاً وذلك حينما اعترضه أحدهم يريد أن يثنيه عن عزمه ، قائلاً له : إني أُذكركَ اللهَ في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتُقتلنّ !!

فقال له الحسين (عليه السلام) أفبالموت تخوفني ، وهل يَعدو بكمُ الخطبُ أن تَقتلوني ، وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرةَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتىٰ * * * إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً

وواسى الرجال الصالحين بنفسه * * * وفارق مثبوراً وخالف مُجرماً

فإن عشت لم أندم وإن متُ لم اُلَمْ * * * كفىٰ بك ذُلاً أن تعيش وتُرغما (2)

وفي رواية أنه لما أكثروا عليه في ذلك قرأ (عليه السلام) بعد الأبيات المذكورة هذه الآية الشريفة : ( وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) (3) (4).

____________

(1) اللهوف : ص 28 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 364 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 167.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 305 ، مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 232 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 225.

(3) سورة الأحزاب : الآية 38.

(4) تذكرة الخواص لابن الجوزي : ص 217 ، نفس المهموم : ص 170.

110

وفي رواية قال (عليه السلام) بعد الشعر : لَيسَ شَأني شأَنَ مَنْ يَخافُ الموتَ ، ما أهوَنَ الموت علىٰ سبيل نَيْلِ العزِّ وإحياءِ الحقِّ ، ليسَ الموتُ علىٰ سبيلِ العزِّ إلا حياةً خالدةً ، وليستِ الحياةُ مَعَ الذُّلِّ إلاَّ المَوتَ الَّذي لا حَياةَ مَعَهُ ، أفَبالمَوتِ تُخوّفُني ، هيهاتَ طاشَ سهْمُكَ وَخاب ظَنّك لستُ أخافُ الموتَ ، إنَّ نَفْسي لا بْكرٍ وَهِمَّتي لأَعلىٰ مِنْ أن أحمِل الضَّيم خَوفاً مِنَ الموتِ ، وهل تقدرُون علىٰ أكثر من قتلي ؟! مرحباً بالقتل في سبيلِ اللهِ ، ولكنَّكُم لا تقدرُون علىٰ هَدم مَجدي ومَحو عزّي وَشرَفي فإذاً لا اُبالي بالقتل (1).

يقول السيد حيدر ـ (عليه الرحمه) ـ :

كيف يَلوي على الدنيَّة جيداً * * * لسوى الله مالواهُ الخضوعُ

ولديه جأشٌ أردُّ من الدُرع * * * لظمأى القنا وَهُنَّ شُروعُ

وبه يَرجعُ الحفاظُ لصدرٍ * * * ضاقتِ الأرضُ وهي فيه تَضيعُ

فأبىَ أن يعيش إلا عزيزاً * * * أو تجلى الكفاحُ وهو صَريعُ (4)

____________

(1) إحقاق الحق : ج 11 ، ص 601 ، أعيان الشيعة : ج 1 ، ص 581 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 360.

(4) ديوان السيد حيدر الحلي : ج 1 ص 87.

111

ب ـ البعد الديني في موقف أصحابه

(عليه السلام)

وإذا ما تتبّعنا الدوافع التي دفعت بأنصار الحسين (عليه السلام) للوقوف إلىٰ جانبه ونصرته إلىٰ آخر رمق في حياتهم ، وجدناها دوافع انبثقت من الشعور بالمسؤولية الشرعية ، والتي تأخذ بأعناقهم جميعاً وتلزمهم بالتضحية معه مهما كلفهم الأمر.

وقد أفصحت مواقفهم في هذه الليلة عن نواياهم الصادقة النبيلة ، وعلىٰ طهارة نفوسهم فارتقوا بذلك إلىٰ أرقى الكمالات النفسية ، إذ لم يمازح أهدافهم تلك أيُ نوعٍ من الأهداف الشخصيةِ ، أو المنافع المادية ، أو المطامع الدنيوية ، أو حُبُ الجاه والشهرة.

بل كانت غايتهم رضى الله تعالىٰ ونصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في شَخص الحسين (عليه السلام) فأصبحوا مصداقاً لقوله تعالىٰ : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) (1).

وإذا أمعنا النظر في أفعالهم وأقوالهم في هذه الليلة ، وجدناها تُفصحُ عن دوافعهم الإيمانية وشعورهم بالمسؤولية الشرعية التي لا مناص من الالتزام بها ، وهذا ما كان واضحاً جلياً في كلماتهم التي عاهدوا فيها الحسين (عليه السلام) على الشهادة حينما أذن لهم بالانصراف ، فمن تلك الكلمات ما يلي :

____________

(1) سورة الكهف : الآية 13 و 14.

112

1 ـ كلمةُ مسلم بن عوسجة والتي يقول فيها : أنحن نخلّي عنكَ ولمَّا نَعذرُ إلى الله في أداء حقكِ.

وهذا صريح في أن هذا الأمر واجب وفرض لا مناص منه ولِذا ابتدأ كلمته هذه بالاستفهام الإنكاري قائلاً : أنحن نخلي عنك ؟! موضحاً أن الإعذار إلى الله تعالى لا يتُم إلا بنصر الحسين (عليه السلام) والوقوف معه وأنه ملزم بالإعذار تجاه الله تعالىٰ وإنها مسؤولية شرعية ، معنى هذا أنه لو تخلىٰ عنها هو وأصحابه فلا يكونون معذورين عند الله تعالىٰ ، وجاءَ في رواية الشيخ المفيد ـ (عليه الرحمه) ـ بدل قوله : « ولمَّا نعذَر إلى الله » وبمَ نعتذر إلى الله في أداء حقك ، فبعدَ الاعتراف والإقرار بأن للحسين (عليه السلام) حقاً عليهم معنىٰ هذا أنهم إذا لم يَنصرُوه ولم يؤُدوا حقَه كانُوا مسؤولين أمام الله تعالىٰ وليس لهم حينئذٍ حجةٌ أمامَه يعتذرونَ بها.

2 ـ كلمةُ سعد بن عبد الله والتي يقول فيها : والله لا نُخليك حتى يعلمَ اللهُ أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك (1).

وهذه صريحة أيضاً كسابقتها في الدلالة في أن الأمر لا يَعدو كونَه تكليفاً شرعياً يتضمن الالتزام بحفظ غيبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والتي لا يختلف فيها اثنان ـ والمتمثلة في شخص الحسين (عليه السلام) الذي هو امتدادٌ لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا ما أشار إليه أيضاً زهير بن القين في كلمته التي يقول فيها : فلما رأيتُه ذَكرتُ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكانه منه (2).

3 ـ كلمة جماعة من أصحابه والتي يقولون فيها :فإذا نحن قُتلنا كُنا وَفينا

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 231.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 316 ، وقعة الطف لأبي مخنف : ص 194.

113

وقضينا ما علينا (1).

وهذه الكلمة تفصح أيضاً عن إيمانهم العميق بلزوم مؤازرته ، وشعورهم بالمسؤولية الشرعية التي تلزمهم بالدفاع عنه الذي هو حقّ للحسين (عليه السلام) عليهم كالدين الشرعي والذي لا يتحقق قضاؤه إلا بالقتل معه فإذا تم ذلك قضوا ما عليهم من الالتزام ووفوا بما عاهدوه عليه.

إلى غير ذلك من كلماتهم والتي أفصحوا فيها عن إحساسهم وشعورهم بالمسؤولية الشرعية الدينية ، والجري نحوها مهما كلف الأمر ، ولذا عاهدوه على الشهادة معه في سبيل الله تعالىٰ.

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318.

114

ج ـ الرضا والتسليم لله تعالىٰ.

وهو : ترك الاعتراض والسخط باطناً وظاهراً ، وَقولاً وَفعلاً ، وهو : من ثمراتِ المحبة ولوازمها ، إذ المُحب يَستحسنُ كُلمَا يصدر عن محبوبه ، وصاحبُ الرضا يستوي عندَهُ الفقرُ والغنىٰ ، والراحةُ والعناء ، والعزُ والذل ، والصحةُ والمرض ، والموتُ والحياة ، ولا يُرجحُ بعضَها على بعض ، ولا يثقلُ شيءُ منها علىٰ طَبعه ، إذ يرىٰ صُدورَ الكل من الله سبحانه ، وقد رسخ حُبه في قلبه ، بحيث يُحب افعالَه ، ويَرجُح علىٰ مُراده مُرادُه تعالىٰ ، فيرضىٰ لكل ما يكون ويرد.

وروي : أن واحداً من أرباب الرضا عمَّر سبعين سنةً ، ولم يَقل في هذه المُدة لشيءٍ كان : ليتَهُ لم يكن ، ولا لشيء لم يكن : ليته كان.

وقيل لبعضهم : ما وجَدتَ من آثار الرضا في نفسك ؟

فقال : ما فيَّ رائحةٌ من الرضا ! ومع ذلك لو جعلني اللهُ جسراً علىٰ جهنَّم ، وعبرَ عليه الأولون والآخرون من الخلائق ودخلوا الجنة ، ثم يلقوني في النار ، وملأ بي جهنَّم ، لأحببت ذلك من حُكمه ، ورضيتُ به من قسمه ، ولم يختلج ببالي أنه لِمَ كان كذا ، وليت لم يكن كذا ، ولِمَ هذا حظي وذاك حظهم.

وصاحبُ الرضا أبداً في رَوحٍ وراحةٍ ، وسُرورٍ وبهجةٍ ، لأنهُ يشاهدُ كلَ شيءٍ بعين الرضا ، وينظرُ في كلِ شيء إلىٰ نور الرحمة الإلهية ، وسر الحكمة الأزلية ، فكأن كلَ شيء حصل علىٰ وفق مُراده وهواه.

وفائدةُ الرضا ، عاجلاً ، فراغُ القلبِ للعبادة والراحة من الهموم ، وآجلاً ،

115

رضوان الله والنجاة من غضبه تعالىٰ.

والرضا بالقضاء أفضل مقاماتِ الدين ، وأشرف منازل المقربين ، وهو بابُ الله الأعظم ، ومن دخلهُ دخلَ الجنة ، قال الله سبحانه : ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (1).

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنه سأل طائفةً من أصحابه : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون. فقال : ما علامةُ إيمانكم ؟ فقالوا : نَصبرُ على البلاءِ ، ونشكُر عند الرخاء ، ونرضىٰ بمواقع القضاء. فقال : مؤمنون ورب الكعبة.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه (2).

ذلك هو الرضا والتسليم لله تعالىٰ في قضاءه وقدره من خير أو شر ، والذي هو من سمات وصفات الأولياء وأهل الإيمان والذين ينظرون إليه تعالىٰ ـ بعين الرضا وكأنه حصل وفق مرادهم.

وهذا الجانب الإيماني العظيم ظهر وبشكل بارز وواضح في سلوك أهل البيت (عليهم السلام) كما نراه واضحاً في سلوك سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) والذي ما انَفك عنه في كُل أحواله وأفعاله وأقواله ، ولم يظهر عليه أيُ أثرٍ خلاف ذلك.

بل كان في أعلىٰ درجات الرضا والتسليم للخالق تعالىٰ ، فكانت حكمتهُ في الحياة : رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبرُ علىٰ بلائه ، ويوفّينا أجور الصابرين (3).

وقد روي انه(عليه السلام) فَقدَ له ولداً في حياته فلم يُرَ عليه أثراً للكآبة فقيل له في

____________

(1) سورة المائدة : الآية 122.

(2) جامع السعادات للنراقي : ج 3 ، ص 202.

(3) اللهوف : ص 26 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 367.

116

ذلك ؟!

فقال (عليه السلام) : إنّا أهل بيتٍ نسأل الله فيعطينا ، فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا (1).

وتشهدُ له بهذا أيضاً المواقف المريرة ، ـ يوم العاشر ـ والتي يقول فيها : وقوله أيضاً عند اشتداد المصائب عليه وذلك لما قُتل رضيعه : هَوّنَ عليِّ ما نَزَل بي أنَّهُ بعين الله (2).

وقوله (عليه السلام) لمّا اُصيب بسهم : اللهم إنّ هذا فيك قليل (3).

يقول الشيخ الوائلي :

ومشت في شفاهك الغر نجوى * * * نمَّ عنها التحميد والتهليلُ

لك عتبي يا رب ان كان يرضيك * * * فهذا إلى رضاك قليلُ

وقال آخر على لسان حال الحسين (عليه السلام) :

تركت الخلق طراً في هواكا * * * وأيتمت العيال كي اراكا

فلو قطّعتني بالحب إرباً * * * لما مال الفؤاد إلىٰ سواكا

فكان ـ (صلوات الله عليه) ـ في أعلى درجات الإيمان والذي من إشعاعه الرضا والتسليم لأمر الله تعالىٰ وقضائه.

وأما ظهور هذا الأمر في هذه الليلة العظيمة ، فأمرٌ واضح في سلوكه (عليه السلام) ، مع ما هو فيه من البلاء العظيم الذي يحدق به وبأهله وأصحابه ، فكان كلما اشتد عليه

____________

(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) للقرشي : ج 1 ، ص 123.

(2) اللهوف لابن طاووس : ص 50 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 46.

(3) حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 284.

117

الأمرُ يكثر وقاره ، ويزيد اطمئنانه ، ويشرقُ لونه ، وتهدأُ جوارحه ، وتسكن نفسه (1) لأنه ـ (صلوات الله عليه) ـ يشاهد كل ما يجري عليه وعلى أهل بيته بعين الرضا والتسليم.

وكيف لا تطمئن نفسه وهو ينظرُ إلى في كل شيء بنور الرحمة الإلهية ، ولذا اختص بنداءٍ خاص (2) بقوله تعالىٰ : ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ ) واختص برضاه عن ربّه ورضاه عنه بقوله : ( رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) ، واختص بعبودية خاصة وجنة خاصة منسوبة إلى الله بقوله : ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي

____________

(1) جاء في معاني الأخبار للصدوق ـ (عليه الرحمه) ـ ص 288 باب معنىٰ الموت ( ونقله في بحار الأنوار أيضاً : ج 44 ، ص 297 ) : عن أبي جعفر الثاني ، عن أبائه (عليهم السلام) قال : قال علي بن الحسين (عليه السلام) : لمَّا اشتدَّ الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم ، لأنهم كلما اشتدُ الأمر تغيرت ألوانُهم ، وارتعدت فرائصُهم ووجلت قلوبُهم ، وكان الحسين (عليه السلام) وبعضُ مَنْ معه من خصائصه تشرقُ ألوانُهم ، وتهدأُ جوارحُهم ، وتسكن نفوسُهم.

فقال بعضهم لبعض : انظروا لا يُبالي بالموت !! فقال لهم الحسين (عليه السلام) : صبراً بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة ، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟ وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلىٰ سجن وعذاب ، إنَّ أبي حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. والموت جسر هؤلاء إلىٰ جنانهم ، وجسر هؤلاء إلىٰ جحيمهم ، ما كذبت ولا كُذبت.

(2) روي عن دارم بن فرقد قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إقرءوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم ، فإنها سورة الحسين بن علي (عليهما السلام) وارغبوا فيها رحمكم الله تعالى ، فقال له أبو اُسامة وكان حاضرَ المجلس : وكيف صارت هذه السورة للحسين (عليه السلام) خاصّة ؟ فقال : ألا تسمع إلى قوله تعالى ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ) الآية ، إنّما يعني الحسين بن علي (عليهما السلام) فهو ذو النّفس المطمئنّة الرّاضية المرضيّة ، وأصحابه من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هم الراضون عن الله يوم القيامة ، وهو راض عنهم. بحار الأنوار : ج 44 ، ص 218.

118

وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (1) (2).

ومن كلمات الرضا التي ظهرت في كلماته الشريفة في هذه الليلة قوله (عليه السلام) في ضمن أبيات أنشدها مراراً :

وإنما الأمر إلى الجليل * * * وكلُ حيٍّ سالكٌ سبيلي

قالها بكل ثقة واطمئنان مذكّراً بأنّ هذا سبيل كلّ إنسان ، وأن الأمر ينتهي إليه تعالى فلا رادَّ لقضائه ولا دافعَ لحكمته ـ عزّوجّل ـ.

ولما خطب في أصحابه هذه الليلة ابتدأها بكلماتِ الرضاء والتسليم لله تعالىٰ وبالثناء عليه والشكر له تعالىٰ قائلاً : أُثني على الله تبارك وتعالىٰ أحسنَ الثناء وأحمدَهُ على السّراء والضراء ، اللهم إني أحمَدُك علىٰ أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً فاجعلنا من الشاكرين (3).

إنه بِحق أعظم موقف في مقام الشكرِ والامتنان لله تعالىٰ علىٰ ما أعطاه ومنحهُ من نِعَمٍ ، كما يثني عليه ويحمده على السراء والضراء الأمر الذي يدل على تسليمه لأمر الله ـ تعالى ـ ورضاه بقضائه في جميع الأحوال.

ومنها أيضاً قوله (عليه السلام) : في موقف مع أصحابه وأهل بيته (عليهم السلام) : فإنَّ اللهَ لا يُخليني من حُسنِ نظره كعادته في أسلافنا الطيبين (4) ، والذي يدل على ارتباطه

____________

(1) سورة الفجر : الآية 27 ـ 30.

(2) الخصائص الحسينية للتستري : ص 54.

(3) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 231.

(4) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223.

119

الشديد بالله ، وثقته العظيمة به وأنّ ما يجري عليه هو بنظره تعالى.

ومن كلماته (عليه السلام) في ذلك لهم : فاعلموا أن الله إنما يَهبُ المنازلَ الشريفة لعباده باحتمال المكاره ، وإن الله وإن كان قد خصَّني مع مَنْ مضىٰ من أهلي الذين أنا آخرُهُم بقاءً في الدنيا من الكرامات ، بما سهّل معها على احتمال الكريهات ، فإن لكم شطرَ ذلك من كرامات الله ، واعلموا أن الدنيا حُلوها مرّ ، ومرُّها حُلوٌ ، والانتباه في الآخرة ، والفائز مَنْ فازَ فيها والشقي من يشقى فيها (1).

إذ أخذ ـ (صلوات الله عليه) ـ يرغبهم في احتمال المكاره ، وأنه تعالىٰ يَهبُ المنازلَ باحتمالها وأنه يحتملُها كرامةً لله ـ تعالىٰ ـ ، كما أخذَ يُنَبهُهم من أمر الدنيا ، ويبين حقيقتها فالإنسان فيها إمّا أن يُسعد أو يشقى ، فسعادته هي سيرهُ وفقاً لما أراده الله عزوجل وسعياً لتحقيق الأهداف التي من أجلها خُلق ووجد ، وشقاؤه من اتباع شهوات الدنيا والتعلق بحبائلها والإنشغال بزخارفها.

وأوضح (عليه السلام) أن مرارة الدنيا وصعوباتها حين تكون في طريق الله سبحانه تتسم في نظر المؤمن بالحلاوة والجمال ، فالمؤمن مُحب لله ويستحسن كلما يجري عليه من أجل محبوبه.

____________

(1) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223.

120

د ـ الإستبشار بالشهادة

ليس من المُعتاد أن يفرح الإنسان ويبتهج وهو يعلم بدنو أجله وانقطاع حبل حياته من الدنيا ، فتراه إذا ما علم بدنو أجله ، اعتراه الخوف والوجل والاضطراب ، ولربما مات بسبب خوفه من الموت ، إذ أن كل إنسان يحب الحياة والبقاءَ ويتشاءم من الموت.

ولعلك تعجب إذا ما سمعت بأن أصحاب هذه الليلة باتوا ليلتهم وهم أشدُ الناس فرحاً ، وأبهجهم حالةً ، وأربطهم جأشاً ، مستبشرين بما أقدموا عليه وبما يصيرون إليه وقد أخذ يداعبُ بعضهم بعضاً ، مع علمهم بدنو آجالهم ، وأن أجسادهم سوف تصبح عن قريب طعمةً للسيوف ونهبةً للأسنة. ومرمىً للسهام.

ولعله لم تمر عليهم ليلةٌ بأسعد منها ، حتى بدت علىٰ وجوههم الطلاقة والإشراق والطمأنينة لا يستشعرون بخوف ولا وجل ، وذلك أنهم وجدوا أنفسهم يؤدون وظائفهم الشرعية تجاه سبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ سوف يحوزون علىٰ أعظم وأقدس شهادة عرفها تاريخ البشرية ، ثم ذلك النعيمُ الدائم الذي لا اضمحلال فيه ، فأصبحوا مصداقاً لقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1).

____________

(1) سورة الأحقاف الآية : 13 و 14.

121

وقوله تعالىٰ : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (1).

والجدير بالذكر انه جاء في زيارة على بن الحسين (عليهما السلام) : أشهد أنّك من ال ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (2) ، وتلك منزلةُ كلّ شهيدٍ فكيف منزلة الحبيب إلى الله ، القريب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (3).

فهذا ما كان عليه أهل بيت الحسين (عليه السلام) وأصحابه من الاستبشار والفرح بالشهادة في سبيل الله تعالى ، ولا غروان تتَنزّل عليهم الملائكة وتبشرهم وتطمئنهم ( أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ، وحسبك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الليلة أن يكون هو المبشر بهذا لولده الحسين (عليه السلام) باستبشار الملائكة به.

فقد جاء في الرواية أن الحسين (عليه السلام) لما خفق خفقة في سحر ليلة العاشر رأىٰ جده (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول له : يا بُني أنت شهيدُ آلِ محمدٍ ، وقد استبشرَ بكَ أهلُ السماوات وأهلُ الصفيح الأعلىٰ ، فليكن إفطارُك عندي الليلة عجل ولا تُؤخر ، هذا مَلكٌ قد نزل من السماءِ ليأخذ دَمَكَ في قارورة خضراء ..(4).

الأمر الذي يدل علىٰ استبشار الملائكة وأهل الفصيح الأعلىٰ بلقاء

____________

(1) سورة فصلت الآية : 30.

(2) سورة آل عمران الآية 170.

(3) بحار الأنوار : ج 98 ص 242.

(4) بحار الأنوار : ج 45 ، ص 3 ، الفتوح لابن الأعثم : ج 2 ، ص 153.

122

الحسين (عليه السلام) وأصحابه ، كما استبشر هو أيضاً بهذا اللقاء والذي ما فتىء يَحنو إليه واعتبر يوم يلقاه سعادة كما أشار إلى هذا في قوله (عليه السلام) : إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما (1).

وهو القائل (عليه السلام) :

وإن تكن الأبدان للموت اُنشئت * * * فَقتلُ امرئٍ بالسيف في الله أفضل (2)

فالقتل في سبيل الله عنده سعادة ، والاستشهاد بالسيف أفضل ، إذا كان في ذلك نصرٌ لدينه ، وإحياءٌ لأمره ، وحفظٌ لشرعه ، فكان حقيقاً به (عليه السلام) أن يبتهج ويشرق وجهُهُ استبشاراً بلقاء الله بنفس مطمئنة غير وجلة ، وهو القائل : لست أخاف الموت ، إن نفسي لأبكر وهمتي لأعلىٰ من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت ، وهل تقدرون علىٰ أكثر من قتلي ، مرحباً بالقتل في سبيل الله (3).

يقول السيد حيدر الحلي ـ (عليه الرحمه) ـ :

وسامته يركب إحدىٰ اثنتين * * * وقد صرَّت الحرب أسنانها

فأمّا يُرىٰ مذعناً أو تموت * * * نفسٌ أبى العزُّ اذعانها

فقال لها اعتصمي بالإبا * * * فنفس الأبيّ وما زانها

إذا لم تجد غير لبس الهوان * * * فبالموت تنزع جثمانها

رأى القتل صبراً شعار الكرام * * * وفخراً يُزين لها شأنها (3)

____________

(1) تقدم تخريجه.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 223 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 180.

(3) تقدم تخريجه.

(4) ديوان السيد حيدر الحلي ج 1 ص 109 ، رياض المدح والرثاء : ص 61.

123

فكان (عليه السلام) أربط جأشاً مع كل ما جرى عليه غير مكترث بعدتهم وعديدهم وقد انعكس هذا الأمر على أصحابه فكانوا غير مكترثين بما يجري عليهم ، مع علمهم بمصيرهم المهول ، إذ استقبلوه بشجاعةٍ فائقة ، لا يوجد فيها تخاذل أو تردّد بل على العكس هُم في عَدّ السويعات القليلة ، مع رجاء انقضائها وبزوغ شمس الجهاد والتضحية ، وفلق هام رؤوس الأشرار ، مع السرور والحبور وملاقاة الحور بشراء النفس ابتغاء مرضات الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف لا يكونون أشد الناس فرحاً وهم يَبلغون مَبلغَ الفتح العظيم ، ويستقبلون اعظم شهادة مقدسة عرفها التاريخ ، كما أشار إلى هذا سيد شباب أهل الجنة ـ (صلوات الله عليه) ـ في كتابه إلىٰ بني هاشم : فإن من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلف عني لم يبلغُ مبلغ الفتح ... (1).

وكما لا يخفى أن من آثار الفتح الفرح والاستبشار عند الفاتح ، ولعل إلىٰ هذا أشار سلمان الفارسي ـ (رضوان الله عليه) ـ في حديثه مع زهير بن القين ، وقد حدث به أصحابه لما التحق الأخير بركب الحسين (عليه السلام) قائلاً لهم : من أحب منكم ان يَتْبعني وإلا فهو آخر العهد.

إني سأحدثكم حديثاً ، إنا غزونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال سلمان الفارسي ـ رحمة الله عليه ـ : أفرحتم بما فتَح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟! قلنا : نعم ، فقال : إذا أدركتم سيدَ شباب آل محمد فكونوا أشدَ فرحاً بقتالكم معهم مما أصبتم اليوم من الغنائم ... (2).

____________

(1) اللهوف لابن طاووس : ص 28 ، المناقب لابن شهر آشوب : ج 4 ، ص 76 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 330 ، وج 45 ص 85.

(2) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 221 ، بحار الأنوار : ج 44 ص 372 ، تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 299.

124

وهذا ما كانوا عليه ـ (صلوات الله عليهم) ـ إذ أخذ كل منهم يداعب الآخر ويضاحكه استبشاراً منهم بالشهادة والتي سوف يحققونها عملياً على صعيد ذلك التراب الطاهر.

وهذا في الواقع يُمثل قمة الشجاعة والصمود حيث أنهم في ساعاتهم الأخيرة ، غير مكترثين بالأعداء ، ومواقفهم ليلة العاشر تَشهد علىٰ ذلك والتي منها : موقف برير مع عبد الرحمن لما أخذ يهازله ويضاحكه إقال له عبد الرحمن : دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل ؟ قال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ، ولو وددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم !! (1).

وموقف حبيب بن مظاهر مع يزيد بن الحصين الهمداني ، حينما رأى يزيدُ حبيبَ خارجاً يضحك !!

فقال له : ما هذه ساعة ضحك ؟!

فقال حبيب له : فأي موضع أحق مِنْ هذا السرور ؟ والله ما هو إلا أن يميل علينا هذه الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين (2).

وكذلك أيضا موقف نافع بن هلال ـ رضي الله عليه ـ الذي قضىٰ شطرَ ليله في كتابة اسمه علىٰ سهام نبله إمعاناً في طلبه المثوبة والأجر ، وإمعاناً في السخرية من

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 321 ، اللهوف : ص 41.

(2) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ص 293.

125

الخطر ، وإمعاناً في الترحيب بالموت (1).

فكانوا حقاً كما قال فيهم الحسين (عليه السلام) : فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه (2).

وهذا ما استأثر بعناية بالغة عند شعراء وأدباء الطف إذ صوّروا ما كان عليه أصحاب الحسين (عليه السلام) من التفوق والروح المعنوية العالية ، واستبشارهم وفرحهم بالشهادة ، يقول السيد رضا الهندي ـ (عليه الرحمه) ـ :

يتمايلون كأنما غنّىٰ لهم * * * وَقعُ الظّبىٰ وسقاهُمُ أكوابا

وكأنَّهم مستقتبلونَ كواعباً * * * مستقبلين أسنةً وكعابا

وجدوا الردىٰ من دون آل محمد * * * عَذباً وبعدَهُم الحياة عذاباً (2)

وقال أيضاً :

أدركوا بالحسين أكبر عيد * * * فغدوا في منى الطفوف أضاحي (4)

ويقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ـ نور الله ضريحه ـ :

وبأسرة من آل أحمد فتتية * * * صينت ببذل نفوسها فتياتها

يتضاحكون إلى المنون كأنَّ في * * * راحاتها قد أُترعت راحاتها

وترى الصَّهيل مع الصَّليل كأنَّه * * * فيهم قيانٌ رجِّعت نغماتها

وكأنَّما سمر الرماح معاطفٌ * * * فتمايلت لعناقها قاماتها

____________

(1) الدوافع الذاتية لأنصار الحسين لعابدين : ص 231.

(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 219.

(3) رياض المدح والرثاء : ص 95.

(4) رياض المدح والرثاء : ص 97.

126

وكأنما بيض الظّبي بيض الدّمىٰ * * * ضمنت لمى رشفاتها شفراتها

وكأنَّما حمر النصول أنامل * * * قد خضَّبتها عَنْدَماً كاساتها (1)

ويقول السيد محمد حسين الكيشوان : (عليه الرحمه) ـ في وصفه لهم (عليهما السلام) :

تجري الطَّلاقة في بهاء وجوهِهم * * * إن قطَّبت فَرَقاً وجوهُ كُماتها

وتطلَّعت بدجى القتام أهلَّة * * * لكن ظهور الخيل من هالاتها

فتدافعت مشي النزيف إلى الردىٰ * * * حتّىٰ كأنَّ الموت من نشواتها

وتعانقت هي والسّيوف وبعدذا * * * ملكت عناق الحور في جناتها

وقال شاعر آخر :

ومُذ أخذت في نينوىٰ منهم النوىٰ * * * ولاح بها للغدر بعض العلائم

غداً ضاحكاً هذا وذا مُتبسّماً * * * سروراً وما ثغرُ المنون بباسم (1)

وبهذه الروح المعنوية العالية انتصروا وحققوا ما كانوا يصبون إليه وما يهدفونه ، مع قلتهم وكثرةِ عدوهم الذي كان يفقد الروح المعنوية في مواجهة الحرب إذ كانوا مدفوعين بالقوة لا هدف لهم سوى الباطل. فأخذوا يرقبون الحربَ وهم علىٰ خوف ووجل ، بخلاف ما كان عليه أصحاب الحسين (عليه السلام) الذين باتوا في أبهج حالة وأربط جأش مطمئنّين بما يجري عليهم ، فكانوا كلما اشتد الموقف حراجة أعقب فيهم انشراحاً وسروراً.

____________

(1) مقتل الحسين للمقرم : ص 381.

(2) نفس المصدر : ص 216.

127

-

128

-

129

قيل إن من آثار المحبة ولوازمها الشوق والاُنس في الخلوة مع المحبوب ، ولذة مناجاته ، كما أن من شأن المُحب أن يؤثر مراد محبوبه علىٰ مراده.

ولذا كان من شأن المُحب (1) للخالق تعالىٰ عدم الغفلة عن عبادته وذكره في كل أحواله ( إذ من أحب شيئاً أكثر ضرورةً ذكرَه وذكر ما يتعلق به ، فمحب الله لا يخلو عن ذكر الله وذكر رسوله وذكر القرآن وتلاوته ، لأنه كلامه ، ويكون محباً للخلوة ليتفرد بذكره وبمناجاته ، ويكون له كمالُ الأنس والالتذاذ بمناجاته ، وفي أخبار داوود : كَذبَ من ادعىٰ محبتي وإذا جنه الليل نام عني ، أليس كل محب يحب لقاءَ حبيبه ، فها أنا ذا موجود لمن طلبني ) (2).

وكذا أيضاً من آثار المحبة للخالق عزوجل عدم الصبر على فراقه والبعد عنه ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء كميل : فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي صبرت علىٰ عذابك ، فكيف أصبرُ علىٰ فراقك ، وكما جاء أيضاً في مناجاة الإمام زين العابدين (عليه السلام) : وغلتي لا يُبردها إلا وصلُك ، ولوعتي لا يطفيها إلا لقاؤُك ، وشوقي إليك لا يبله إلا النظر إلىٰ وجهك ، وقراري لا يقر دون دنوي منك (3).

ومن شأن العبد المُحب أيضاً الإحساس والشعور دائماً بالتقصير نحو الخالق تعالىٰ مهما كثرت عبادته وطالت مناجاته ، جاء في دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) :

____________

(1) كما لا يخفى أن محبة الله تعالىٰ تتفاوت من شخص لآخر حسب الإيمان ! وان كانوا مشتركين جميعهم في أصل المحبة باعتبارهم مؤمنين به تعالىٰ ، فعلىٰ هذا يترتب على المحبة شدةً أو ضعفاً آثار ولوازم.

(2) جامع السعادات للنراقي : ج 3 ، ص 176.

(3) جامع السعادات : ج 3 ، ص 154.

130

إلهي قد تقشّع الظلامُ ولم أقض من خدمتك وطراً ، ولا من حياض مُناجاتك صدراً (1).

الأمر الذي يدل على الشوق والأنس بمناجاة الخالق ، والرغبة الأكيدة في الاستمرار في عبادته بلا انقطاع بدون ملل ولا سأم عند اوليائه ، كل ذلك حُباً فيه (2) وتعظيماً له واعترافاً له بالعبودية والتي سمتها الخشوع والخضوع ، جاء في دعاء الحسين (عليه السلام) يوم عرفة : وَأقمني بصدق العُبوديَّة بين يدَيكَ.

إنه الموقف الصادق في سلوك أهل بيت العصمة (عليهم السلام) والذي يُمثل أعلىٰ مراتب الانقياد والطاعة والخشوع بين يدي المولىٰ ، والإقرار بمقام العبودية والإذعان له تعالىٰ ، فلا يأنسون إلا بذكره ، ولا تبرد غلتهم إلا بوصله ، ولا تنطفئ لوعتهم الا بلقائه ، فإذا ما سدل الليلُ ستَره ، ونامت العيون ، أخذوا في مناجاة الخالق بالعبادة في بُكاءٍ وخشوعٍ لا يشغلهم شاغلٌ عمّاهُم عليه من التوجه إلى الباري تعالىٰ ، فكانوا كما قال عنهم تعالى : ( كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (3) وقال تعالى : ( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (4).

____________

(1) بحار الأنوار : ج 46 ، ص 40.

(2) وهذه العبادة أفضل العبادات ، وهي التي تسمى بعبادة الأحرار ، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إنَّ العبادة ثلاثة : قومٌ عبدوا الله ( عزّوجل ) خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقومٌ عبدوا الله تبارك وتعالىٰ طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء ، وقومٌ عبدوا الله ( عزّوجلّ ) حبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة. بحار الأنوار : ج 70 ، ص 255.

(3) سورة الذاريات : الآية 17 و 18.

(4) سورة السجدة : الآية 16.

131

وإذا ما راجعنا سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في خصوص هذا الأمر ، وجدناه (عليه السلام) إذا ما جنّ عليه الليل خرج يبحث عن مكان يخلو فيه مع ربه ، كما شهدت له بُعيلاتُ النخيلِ بذلك ، وليلةُ الهرير ، وهو بين السهام والرماح ، ولم يثنه ذلك عن مناجاة الخالق تعالى.

وعلىٰ هذا المنهج سار أولادُه الطاهرون (عليهم السلام) وإنك لتجد ذلك واضحاً في سيرتهم كجزء من حياتهم لا ينفك عنهم ولا يبتغون غيره ولا يأنسون إلا به ، فهذا سيدُ شباب أهل الجنة الحسين (عليه السلام) يَحكي سيرةَ أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وَما كان عليه حالهُ في العبادة كَماً وكيفاً.

أما كمّاً ، فناهيك عمّا حَدّثَ به من هو أعرف الناس به والمُطلع علىٰ شؤونه وأسرار حياته ، ولدُه زينُ العابدين وسيدُ الساجدين (عليه السلام) لمَّا قيل له : ما أقلَ ولد أبيك ؟!

قال (عليه السلام) : العجبُ كيف ولدتُ له !! كان يصلي في اليوم والليلة ألفَ ركعة ، فمتىٰ كان يتفرغ للنساء (1).

وأما كيفاً ، فناهيك عمّا يعتريه إذا حضرته الصلاةُ من شدة الخوف ، فيتغير لونُه وترتعد مفاصلهُ ، فقيلَ له في ذلك ؟! فقال (عليه السلام) حقٌ لمؤمن يقف بين يدي المَلكِ القهار أن يَصفّرَ لونُه وترتعدُ مفاصلُه (2).

وقد تعجب الناسُ الذين شاهدوا حالتَه من شدة خوفه فقالوا له : ما أعظم

____________

(1) العقد الفريد للأندلسي : ج 4 ، ص 384.

(2) العوالم ( الأمام الحسين ) للبحراني : ج 17 ، ص 61 ، الخصائص الحسينية للتستري : ص 45.

132

خوفك من ربك ؟! فقال (عليه السلام) : لا يأمن يومَ القيامة إلا من خاف الله في الدنيا (1).

فهكذا كان حاله (عليه السلام) إذا حضرته الصلاة ، وقام بين يدي الله تعالىٰ وكأنه انتقل إلىٰ عالم آخر ، فلا يشعر بمن حوله ، وناهيك عن صلاته يوم العاشر وهو بين الأسنة والرماح وقد أحاط به الأعداء فلم يكترث بهم ولم يشغله ذلك عن مُناجاة الله تعالى ، الأمر الذي يدل علىٰ ارتباطه الشديد الوثيق بالخالق تعالىٰ ، والذي ما انفك عنه مذ خلقه الله تعالىٰ نوراً في الأنوار

ومهلِّلين مكبرين وآدم * * * من مائه والطين لن يتركبا

وقد كان (عليه السلام) في بطن أُمه ـ (صلوات الله عليها) ـ وكانت تسمع منه الذكر والتسبيح (2).

وأما التلاوة فكان يتلو كتاب الله آناءَ الليل وأطراف النهار وقد رُفع رأسُه على الرمح وسُمع منه الذكر وقراءة القرآن فقد روي عن زيد بن أرقم انه قال : مُرَّ به عليَّ وهو علىٰ رمح ، وأنا في غرفة لي فلما حاذاني سمعته يقرأ : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) (3) فوقف والله شعري وناديت رأسك والله يا بن رسول الله أعجب وأعجب (4).

وأما الدعاء فلم يبارح شفتيه وناهيك عن أدعيته في السراء والضراء وفي الأماكن المقدسة كدعاء عرفة وغيره وكأدعيته في ليلة عاشوراء ويومها إلىٰ أن

____________

(1) مناقب آل ابي طالب : ج 4 ، ص 69 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 192.

(2) الخرائج والجرائح للراوندي : ج 2 ، ص 844 ، بحار الأنوار : ج 43 ، ص 273.

(3) سور الكهف : الآية 9.

(4) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 245.

133

غمضت عينه ولسانه لهجٌ بذكره تعالىٰ.

هذا ما كان عليه (عليه السلام) في العبادة والذكر والمناجاة ولأجل هذا استمهل (عليه السلام) القومَ ليلة عاشوراء التي هي آخر ليلة من عمره الشريف فأراد أن تكون كسائر لياليه الماضية ، وليتزوّد فيها من العبادة بالصلاة والاستغفار والدعاءِ وقراءة القرآن.

وقد أفصح (عليه السلام) بهذا حين قال لأخيه العباس (عليه السلام) عصر تاسوعاء : فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة ، وتدفعهم عند العشية ، لعلنا نصلي لربِّنا الليلة وندعوه ونستغفر له ، فهو يعلم أني قد كنت أُحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار (1).

فجعل هذه الليلة العظيمة ليلة توديع وتزود من العبادة والمناجاة ، فبات ـ (صلوات الله عليه) ـ وأصحابه ولهم دوي كدويِّ النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، حتى الصباح فكانت ليلة عبادة ومناجاة كما أرادها (عليه السلام).

قال أحد الشعراء :

قال امهلونا يا طغاة إلىٰ غدٍ * * * وغداً سَيحكُم بيننا الصمصامُ

ودعوا سواد الليل أن يَلقىٰ بنا * * * قوماً بحبُ صلاتِهم قد هاموا

والله يعلم أن سبط محمدٍ * * * ما راعهُ كرُّ ولا إقدامُ

لكنه يهوى الصلاةَ لربه * * * ولهُ بها رَغم الخطوب غرامُ (2)

وقال آخر :

خَيّمَ الليلُ فالعبادة وهجٌ * * * يتمنىٰ ألا يضيءَ الصديعُ

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 316 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 392.

(2) كربلاء ( ملحمة أدبية ) : للعسيلي ص 289.

134

لا لأنّ الرحيل صعبٌ ولكن * * * عشقَ النسكَ فالفراق مروعُ

حيث لو خيروه بين جنانٍ * * * أو رجوع لها لقال : الرجوعُ

الأمر الذي يدل علىٰ تفانيه في العبادة ، وعشقه وتعلقه بالصلاة ، والمحافظة عليها ، والاهتمام بها مهما بلغ به الحال وكانت الظروف فلا يشغله شيءٌ عن ذلك حتى لو اجتمعت عليه الإنس والجن (1).

مع أنه مَنْ كان في مثل موقفه الرهيب كيف يتسنىٰ له أن يفرغ نفسه للعبادة ، وهو في ليلة حرب وقتال مع علمه بما يجري عليه وعلىٰ أهل بيته ؟ وأيُّ قلب يحمل مثل هذه الهموم يكون فارغاً للعبادة ويتعلق بالخالق مع تراكم الأحداث الأليمة وتعرضه للقتل والتشريد ، مع أن العبادة تحتاج إلى فراغ القلب وعدم الانشغال وراحة البال لتصفو له المناجاة مع الخالق.

ومع هذا كله نجد سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام) وبما اعتراه من المصائب والآلام يتوجه للعبادة ويفرغ نفسه لها وكأنه لم يحدث شيء من ذلك ، وهذا غاية التفاني في الله تعالىٰ والتعلق به والإخلاص إليه !.

ويذكرنا ـ (صلوات الله عليه) ـ بهذا أن الصلاة لا تُترك بحال من الأحوال ، لأنها الصلة والرابطة بين الخالق تعالىٰ والمخلوق فهي ربيع القلوب ، وشرف المؤمن ، وعمود الدين ، وروح العبادة ، وأول ما يُسأل عنها العبد يوم القيامة ، وهذا بعض ما يُستفاد من دروس ليلة الطف الخالدة.

____________

(1) روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه وباشرها بجسده وتفرغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عُسرٍ أم على يُسرٍ. سفينة البحار : ج 6 ، 271.

135

والجدير بالذكر أنّ هذه الليلة العظيمة من الليالي التي ينبغي إحياؤها بالعبادة وعدم إغفالها ، فقد جاء في الحديث المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله عبادة جميع الملائكة ، وأجر العامل فيها كأجر سبعين سنة (1).

وروي أيضاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : إن استطعت أن تحافظ علىٰ ليلة الفطر ، وليلة النحر ، وأول ليلة من المحرم ، وليلة عاشوراء ، وأول ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ، فافعل وأكثر فيهن من الدعاء والصلاة وتلاوة القرآن (2).

فعلىٰ هذا تُعدُّ ليلةُ عاشوراء من الليالي العبادية والتي ينبغي إحياؤها ، وهذا بلا شك يلحظه أهلُ البيت ـ (صلوات الله عليهم) ـ.

فكانت هذه الليلة الشريفة ـ ليلةُ الدعاء والعبادة ـ مع موعد لتتزامن فيه مع السبط الشهيد (عليه السلام) في مواقفه البطولية الرائدة ، لتكتنف في طياتها ما يمليه عليها ، وما يتركه من بصمات فيها ، ولتشهد الحدث والموقف ـ على تراب كربلاء الطاهر الذي شهد بعضاً منهما في السابق من مواقف بعض الأنبياء (3) (عليهم السلام) لتمليهما على الأجيال في كل زمان ومكان ، وتزيل بهما الحجب والأستار عن وجه الحق.

____________

(1) الإقبال لابن طاووس : ج 3 ، ص 45.

(2) مصباح المتهجد للطوسي : ص 783.

(3) روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال : خرج علي (عليه السلام) يسير بالناس حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل تقدّم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقذفان ، فقال قُتل فيها مائتا نبي ومائتا سبط كلّهم شهداء ، ومناخ ركاب ومصارع عشّاق شهداء ، لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من جاء بعدهم.

بحار الأنوار : ج 41 ، ص 295 ،ح 18.

136

فكان مما شهدته هذه الليلة العظيمة ، هو ذلك العروج الملكوتي والارتباط الروحي مع عالمَ الغيب ، وذلك حينما قام سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام) مع أصحابه بين يدي الخالق منقطعين إليه تعالىٰ بين راكع وساجدٍ ، وقارئ للقرآن ، ولهم دويٌ كدوي النحل ، فتراهم خُشعاً أبصارهم ، وقد كَستهم العبادة أنواراً إلهية ، فكان لها الأثر الكبير في تهذيب نفوسهم وشَحذ قلوبِهم وصقلها فتسلحوا بها علىٰ أعدائهم ، وحققوا بها أكبرَ انتصارٍ عرفهُ التاريخ.

يقول الشاعر :

ودويٌ كالنحل في صلوات * * * لو أتوها على الوجود لزالا

يَشحذون الفؤاد كي لا يهالا * * * حين ترتجُّ أرضُها زلزالا

وما أحقهم بوصف من قال :

لله قومٌ إذا ما الليلُ جنّهمُ * * * قاموا مِنَ الفُرش للرحمٰن عُبّادا

ويركبون مطايا لا تملّهمُ * * * إذا هُم بمنادي الصّبح قد نادى

همُ إذا ما بياض الصبح لاح لهمْ * * * قالوا من الشوق ليت الليل قد عادا

همُ المُطيعون في الدنيا لسيّدهم * * * وفي القيامة سادوا كلّ مَنْ سادا

الأرضُ تبكي عليهم حين تفقدهم * * * لأنّهم جُعلِوا للأرضِ أوتادا (1)

وقد كان لعبادتهم أيضاً أثر كبير في نفوس آخرين ، فقد اهتدىٰ بهم ـ كما في الرواية (2) ـ اثنان وثلاثون رجلاً من معسكر بن زياد إذ عبروا إليهم ، وقد كانوا بالقُرب من خيامِهم ، وذلك لمَّا استوقفتهم تلك الأصوات الرخيمة التي كانت تعلو

____________

(1) سفينة البحار للقمي : ج 5 ، ص 45.

(2) اللهوف : ص 41.

137

خيام الحسين (عليه السلام) بهمهمة التسبيح وتلاوة القرآن ، فجذبت قلوبَهم ورأوا أنفسهم يتحركون نحوهم حتىٰ انضموا إلىٰ ركبهم ، وهذا خيرُ دليل علىٰ صِدق عبادتِهم وطهارة نفوسِهم وإخلاصهم لله تعالىٰ.

هذا وقد أمضوا ليلتهم هذه حتى الصباح في عبادة وخشوع ، ومِنْ بينهم سيدُ شباب أهل الجنة ـ (صلوات الله عليه) ـ وهو يرتّلُ القرآنَ ترتيلاً ، وقد أحدقوا به يَستمدون من إشعاعاتهِ النورانية ما يهيئهم للقاء الله تعالىٰ ، وقد انعكس حاله وما كان عليه من المناجاة على حالهم ، فأقبلوا معه يتضرعون إلى الله تعالىٰ ويستغفرونه ويتلون كتابه ، فكانت عبادة بحق خالصة لوجهه الكريم ، ولهذا زادتهم صموداً واستعداداً في مواجهة الطغيان والتحدي.

ليس في القارئين مثلُ حسينٍ * * * عالماً بالجواهر الغاليات

فهو يدري خلف السطور سطوراً * * * ليس كلُ الاعجاز في الكلمات

للبيان العُلويّ في أنفس الأطهار * * * مسرى يفوقُ مسرى اللُغات

وهو وقفٌ على البصيرة ، فالأبصار * * * تَعشو ، في الأنجم الباهرات

يَقذفُ البحرُ للشواطئ رَملاً * * * واللآلي تغوصُ في اللُّجات

والمصلون في التلاوة أشباهٌ * * * وإن الفروقَ بالنيات

فالمناجاةُ شعلةٌ من فؤادٍ * * * صادقِ الحسّ مرهف الخلجات

فإذا لم تكن سوىٰ رجع قول * * * فهي لهوُ الشفاه بالتمتمات

إنما الساجد المصلي حسينٌ * * * طاهرُ الذيلِ طَيّبُ النفحات (1)

____________

(1) عيد الغدير لبولس سلامه : ص 262.

138

-

139

-

140

-

141

أ ـ الصدق والصراحة في التعامل

الصدق هو : من الصفات الكريمة ومن أشرفها ، والتي تؤدي إلى سمو الإنسان ورفعته وتكامل شخصيته ، وأساس ثقة الناس به ، وهو أحد الأركان التي عليها مدار نظام المجتمع الإنساني.

ولذا عنى الإسلام بهذه الصفة الكريمة وبالغ في التحلي بها ، وقد أثنىٰ علىٰ من تخلق بها ، قال تعالىٰ : ( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (1) كما أثنىٰ تعالىٰ علىٰ نبيه إسماعيل به وقال : ( إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا ) (2).

ومما ورد عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) في مدح هذه الخصلة الشريفة والتحلي بها :

ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال : إن الله لم يبعث نبياً إلا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر (3).

وروي عنه (عليه السلام) يوصي شيعته : كونوا دعاةً للناس بالخير بغير ألسنتكم ، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع (4).

____________

(1) سورة الأحزاب : الآية 23.

(2) سورة مريم : الآية 54.

(3) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 104 ، ح 1.

(4) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 105 ، ح 10.

142

وكما لا يخفى أن هذه الخصلة الشريفة من خصال أهل بيت العصمة (عليهم السلام) ، والتي ظهرت بشكل واضح علىٰ أفعالهم وأقوالهم ، فهمُ الصديقون حقاً ، كما عناهم القرآن الكريم بذلك في قوله تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (1) فهمُ الصادقونَ الذين أمر القرآنُ الكريم باتباعهم والسيرَ علىٰ منهجهم الشريف.

وقد استأثرت هذه الخصلة الشريفة بعناية بالغة عندَهم (عليهم السلام) مؤكدين عليها ، وملتزمينَ بها في حياتهم ، وفي تعاملهم مع سائر الناس ، بعيداً عن المداهنة والخداع والتضليل ، حتىٰ في وقت الشدائد ووقوع المكاره ، فقد اتسم طريقُهم بالصِدقِ والصراحة في جميع فترات حياتهم ، وإن أدىٰ ذلك إلى تفرُّق الناس عنهم ، ما داموا على الحق والذي لا يعدلون به إلىٰ غيره.

إذ ليسوا كغيرهم ـ (صلوات الله عليهم) ـ من أولئك الذين يصلون إلىٰ غاياتهم ، بكل وسيلة ما دام ذلك يُعزِّرُ موقفهم والتفاف الناس حولَهم ، ويُحقّق لَهمُ الفوزَ والغلبةَ علىٰ مُناوئيهم ولو بالمُداهنة والخُداع والتضليل.

إلا أن أهلَ البيت (عليهم السلام) المتميزين عن غيرهم بما خَصهُم اللهُ تعالىٰ ومنحهمُ به ، لا يتوصلونَ للحق إلا مِنْ طريق الحق ، فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أشار عليه المُغيرة بن شعبة أن يبقيَ معاوية بن أبي سفيان أميراً على الشام ولا يعزله كيما يستتب له الأمر ، ثم بعد ذلك يعزله.

قال له (عليه السلام) : أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال : لا ،

____________

(1) سورة التوبة : الآية 119.

143

قال (عليه السلام) لا يسألني الله عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ) (1) الخبر (2).

ومما حدّث به بعضهم في فضائله (عليه السلام) قال : ثمّ ترك الخديعة والمكر والغدر ، إجتمع الناس عليه جميعاً فقالوا له : أكتب يا أمير المؤمنين إلى من خالفك بولايته ثمّ اعزله ، فقال : المكر والخديعة والغدر في النار (3).

وكذا إذا لاحظنا موقفه (عليه السلام) يومَ الشورىٰ حينما بُويع بعد وفاة الخليفة الثاني علىٰ أن يعمل بسيرة الشيخين لم يُساومهم ولم يخادعهم ، بل كان صريحاً معهم في موقفه من ذلك وقال (عليه السلام) : بل علىٰ كتاب الله وسنّة رسوله واجتهاد رأيي ، فعدل عنه إلى الخليفة الثالث (4) ولم يكن (عليه السلام) بوسعه أن يسلك طريقاً لا يراه ، بل أوضح لهم المنهج الذي يَسير عليه ، وإن ذهبت الخلافةُ إلىٰ غيره.

فهو (عليه السلام) يَبني أساس الحكم على الصدق والحق ، وعدم الالتواء مع الآخرين وإن كان ذلك يُحقق له انتصاراً وغلبةً على الآخرين.

وإلى غير ذلك من الشواهد الأخرىٰ في سيرتهم ، والتي أوضحوا فيها منهجَهم الصادق القائم العدل والحق.

ويتضح هذا الأمر أيضاً في مواقف الحسين (عليه السلام) وفي منهجه الشريف والذي اتسم بالصدق والصراحة ، بعيداً عن تلك الأساليب التي ينتهجها بعضهم في ساعة المحنة ،

____________

(1) سورة الكهف الآية : 51.

(2) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب : ج 3 ، ص 195 ، وعنه بحار الأنوار : ج 32 ، ص 34 ، ح 20 ـ 22.

(3) بحار الأنوار : ج 40 ، ص 105 ، ح 117.

(4) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد : ج 1 ، ص 188.

144

والصراخة ، بعيداً عن تلك الأساليب التي ينتهجها بعضهم في ساعة المحنة ، فيخدعون الآخرين بكل وسيلة وحيلة من أجل البقاء علىٰ سلامة رؤوسِهم ، ولو كلف ذلك إبادتهم جميعاً !!.

( فكان ـ (صلوات الله عليه) ـ في جميع فترات حياته لم يوارب ولم يُخادع ، ولم يَسلك طريقاً فيه أيَ التواء ، وإنما يَسلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي ، وابتَعد على المنعطفات التي لا يقرّها دينُه وخُلقُه ، وكان من ألوانِ ذلك السلوك النَيِّر أن الوليد حاكم يثربَ دعاه في غَلس الليل ، وأحاطهُ علماً بهلاك معاوية ، وطلب منه البيعةَ ليزيد مُكتفياً بها في جنح الظلام ، فامتنع (عليه السلام) وصارحَه بالواقع قائلاً : يا أمير إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد فاسق فاجر ، شارب الخمر ، قاتلُ النفس المحرمة ، مُعلنٌ بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله (1) ، وكشفت هذه الكلمات عن مدىٰ صراحته ، وسمُو ذاته ، وقوة العارضة عنده في سبيل الحق.

ومن ألوان تلك الصراحة التي اعتادها وصارت من ذاتياته أنه لما خرج إلى العراق وافاه النبأُ المُؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم بن عقيل (عليه السلام) ، وخُذلان أهل الكوفة له ، فقال للذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحق : ... فَمَن أحبَّ مِنكُم الانصراف فلينصرفْ ، لَيْسَ عَليه منّا ذِمامٌ (2) ، فتفرق عنه ذوو الأطماع ، وبَقىٰ معه الصفوةُ من أهل بيته.

لقد تجَنّب (عليه السلام) في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها إلى الناصر

____________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 184 ، اللهوف : ص 10 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 325.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 300 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 374.

145

والإغراء والخُداع ، مؤمناً أن ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربها والمؤمنة بعدالة قضيتها ) (1).

ويتضحُ هذا الأمرُ جلياً في هذه الليلة التي خَلّدها التاريخ ، وذلك من خلال موقفه (عليه السلام) في ساعات هذه الليلة الأليمة مع أهل بيته وأصحابه ، وذلك حينما أوقف أصحابه علىٰ الأمر الواقع ولم يخفِ عليهم ليكونوا علىٰ بينة من أمرهم ومستقبلهم ، فوقف قائلاً لهم : إني غداً أُقتل وكلكُم تُقتلون معي ولا يبقىٰ منكم أحد (2) حتى القاسم وعبد الله الرضيع (3).

مؤكداً عليهم أن كلَ من يَبق معه منهم سوف يستشهد بين يديه ، فهو (عليه السلام) لا يُريد أن يتركَهُم في غَفلة من أمرهم ، ولئلا يتوهم أحدٌ منهم بأنه ربّما يُهادنُ القومَ فيما بَعد ، أو يقبل بخيار آخرَ غيرِ القتال ، ولكنه (عليه السلام) بَيّن لهم أنه يُقتل وهُم أيضاً يُقتلون إذا مَا بقُوا معه ! وبهذا يكون (عليه السلام) قد أوقفهم علىٰ حقيقة الأمر.

وقد أكد هذا الأمر مرةً أخرىٰ فيما قال لهم ، مشفقاً عليهم قائلاً : لهم أنتم جئتم معي لعلمِكم بأني أذهب إلىٰ جماعة بايعوني قلباً ولساناً ، والآن تجدونَهم قد استحوذَ عليهم الشيطانُ ونسوا الله ، والآن لم يكن لهم مقصدٌ سوىٰ قتلي ، وقتل من يجاهد بين يدي ، وسبي حريمي بعد سلبهم ، وأخاف أن لا تعلموا ذلك ، أو تعلموا ولا تتفرقوا للحياء مني ، ويحرم المكر والخدعة عندنا أهل البيت (4).

____________

(1) حياة الإمام الحسين (ع) للقرشي : ج 1 ، ص 119 ـ 120.

(2) نفس المهموم : ص 230.

(3) مقتل الحسين للمقرم : ص 215.

(4) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 222 ، الإيقاد : ص 93.

146

فأحاطهم علماً بأنه يُقتل ومن معه أيضاً ، وأن حريمَه تُسبىٰ بعد قتله ، إذ لعل بعضهم يكره هذا ، خصوصاً من جاء بنسائه فيكون علىٰ علم بهذا الأمر. كما أنه (عليه السلام) عَدَّ إخفاءَ هذا الأمر عليهم خُدعةً ومكراً وأن ذلك محرمٌ عندهم لا يجوز بحال من الأحوال ، إذ كانوا (عليهم السلام) أبعد الناس عن مثل هذه الامور التي لا يقرونها لأحدٍ مهما كلف الأمر.

وقد حَذَّروا من هذا الأمر وذموا من يتصف به ، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه قال : ليس منّا مَنْ ماكر مسلماً.

وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان كثيراً ما يتنفس الصُعداء ويقول : واويلاه يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم وأعرف منهم بوجوه المكر ، ولكني أعلم أن المكر والخديعة في النار ، فأصبرُ علىٰ مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا (1).

وهذا أيضاً مما تميز به منهجهم ـ (صلوات الله عليهم) ـ الذي حوىٰ كل صفات الأخلاق الرفيعة والمُثل العليا.

ولذا وقف سيدُ الشهداء (عليه السلام) في هذه الليلة العظيمة مُشفقاً علىٰ أصحابه ، ليطلعهم علىٰ ما خفي عليهم ما داموا قد وطنوا أنفسهم معه علىٰ ذلك الأمر الخطير ، فهو لا يُريد ناصراً قد منعه الحياء عن نصرته ، ما لم يكن عن علمه وبقناعته الشخصية في ذلك.

وهذا من أعظم الدروس الأخلاقية والتربوية المستفادة من ليلة الطف العظيمة ،

____________

(1) جامع السعادات للنراقي : ج 1 ، ص 239.

147

التي ينبغي الوقوف عليها والاستفادة منها.

وهنا لا ننسىٰ أيضاً ظهور هذا الجانب الأخلاقي العظيم في سلوك أنصار الحسين (عليه السلام) إذ ظهر الصدقُ علىٰ أقوالهم وأفعالهم ، حينما عاهدوه على الشهادة معه والدفاع عنه ، فكانت نياتُهم في ذلك صادقةً لا يشوبها أيُّ تَردّدٍ أو ميل ، فكانوا عازمين بالفعل علىٰ نصرته والذب عنه ، وخير شاهد علىٰ ذلك هو وفاؤهم بما ألزموا به أنفسهم ، وتسابقهم إلى الشهادة بين يديه ، فلم تنحل عزيمتُهم وهم في أوج المحنة وشدتها ـ في ظهر عاشوراء ـ مع شدة العطش وحرارة الشمس ، وجراحات السنان ، وطعنات الرماح ، إذ أن النفس ساعتها ربما سَخت بالعزم وتناست الوعد ، وتعلقت بحب البقاء ، وحينها يتلاشىٰ ما التُزم به من وعود وعهود.

إلا أنهم ـ (رضوان الله عليهم) ـ ثبتوا أمام الأعداء بلا تراجع أو تردد وقاتلوا بجدارة فائقة منقطعة النظير ، وَوفَوا بما التزموا به ، فوافقت ظواهُرهم بواطَنهم ، وبهذا وصلوا إلىٰ أعلىٰ مراتب الإخلاص في صدقهم ، كما أن الوفاءَ بالعهد أفضل أنواع الصدق القولي فكانوا بحق مصداقاً لقوله تعالى : ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (1).

والجديرُ بالذكر أن الحسين (عليه السلام) كان يُردّد هذه الآية الشريفة حين مقتل أصحابه (2) ـ (رضوان الله عليهم) ـ ، الأمر الذي يدل علىٰ وفائهم وصدق موقفهم النبيل.

____________

(1) سورة الأحزاب : الآية 23.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 331 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 20.

148

ب ـ الصبر وقوة التحمل

الصبر : هو حبس النفس عمّا تنازع إليه من ضد ما ينبغي أن يكون عليه ، وضده الجزع قال :

فَإنْ تَصبِرا فالصَّبْرُ خَيْرٌ مغبَّة * * * وإِن تجزَعا فالامرُ ماتَريانِ (1)

( ومما يدعو إلىٰ تماسك الشخصية وتوازنها الصبر علىٰ الأحداث وعدم الانهيار أمام محن الأيام وخطوبها ، وقد أكد الإسلام علىٰ هذه الظاهرة بصورة خاصة ، وحث المسلمين على التحلي بها وأن من يتخلق بها فإن الله يَمنحهُ الاجرَ بغير حساب ، قال تعالىٰ : ( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (2) ، وقال تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (3) ، وقال تعالى : ( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) (4) ، وقال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (5) ، وقال تعالىٰ في مدحه لنبيه أيوبَ (عليه السلام) : ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (6).

____________

(1) مجمع البيان للطبرسي : ج 4 ، ص 855.

(2) سورة النحل : الآية 96.

(3) سورة الزمر : الآية 10.

(4) سورة الإنسان : الآية 12.

(5) سورة السجدة : الآية 24.

(6) سورة ص : الآية 44.

149

إنَّ الصبر نفحةٌ من نفحات الله ، يَعتصمُ به المؤمن فيتلقى المكارهَ والمصاعب بحزمٍ ثابت ونفسٍ مطمئنة ، ولولاهُ لانهارت نفسُه ، وتحطّمت قواه ، وأصبحَ عاجزاً عن السير في رَكب الحياة ، وقد دعا الإسلامُ إلى الاعتصام به لأنه من أهم الفضائل الخُلقية ، وقد ذكرهُ القرآنُ الكريم في سبعين آية ، ولم يذكر فضيلة أخرىٰ بهذا المقدار ، وما سببُ ذلك إلا لعظيم أمره ، ولأنه من مصادر النهوض الإجتماعي ، فالأمة التي لا صَبرَ لها لا يُمكن أن تصمُدَ في وجهِ الأعاصير ، مضافاً لذلك أنه يُربي ملكاتِ الخير في النفس فما فضيلة إلا وهي محتاجةٌ إليه.

وقد أثر عنهم في ذلك الشيء الكثير من الأخبار ، فقد قال الإمام أبو جعفر(عليه السلام) : الجنة محفوفةٌ بالمكاره والصبر ، فمن صَبَر على المكاره في الدُنيا دخل الجنة (1) ، وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام) : الصبرُ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبرَ له (2).

إن الصبر بلسمٌ للقلوب المكلومة التي أثكلها الخطب وجار عليها الزمانُ ، وهو عزاءٌ للنفوس الحزينة التي هامت بتيار الهواجس والهموم ، وهو تسليةٌ للمعذبين يجدون فيه الاطمئنان ، وتحت كنفه ينعَمون بالراحة والاستقرار ) (3).

وفي ليلة عاشوراء التي حَفلت بعظيمِ المكاره والمصائب والأرزاء ، والتي لا يُعهد لها مثيل في تاريخ البشرية ، نرىٰ وقد برزَ الصبرُ فيها ، وصار أحدَ سِماتها ، وصفةً قد تحلىٰ بها أصحابُها ، حتىٰ أصبحَ كلُ واحد منهم كالجبل الأصم لا تهزه

____________

(1) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 89 ، ح 7 ، بحار الأنوار : ج 68 ، ص 72 ، ح 4.

(2) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 89 ، ح 4 ، بحار الأنوار : ج 68 ، ص 81 ، ح 17.

(3) النظام التربوي في الإسلام : للقرشي ص 283.

150

العواصف ومِنْ بينهم سيدُ شباب أهل الجنة ـ (صلوات الله عليه) ـ الذي كُلما ازداد الموقف شدةً ازداد صبراً وإشراقةً.

يقول الأربلي : شجاعةُ الحسين (عليه السلام) يُضربُ بها المثل ، وَصبرُه في مأقط الحرب أعجزَ والاواخر الأوائلَ والأواخر(1).

وكما قيل : إن في بشاشة وَجه الرئيس أثراً كبيراً في قوُة آمال الأتباع ونشاط أعصابهم ، فكان أصحابه كلما نظروا إليه (عليه السلام) ازدادوا نَشاطاً وصمُوداً ، هَذا مع ما هو فيه ـ (صلوات الله عليه) ـ من البلاء العظيم والخطب الجسيم في ليلة لم تمر عليه بأعَظمَ منها ، حيث يرَى الأعداءَ قد اجتمعوا لقتاله وقتال أهل بيته ، وهو يَرىٰ أهلهَ يرقبونَ نزولَ البلاء العظيم مع ما هُم فيه من العطش الشديد ، بلا زادٍ ولا ماء حتىٰ ذَبُلت شِفاهُهُم وغارت عيونُهم ، وبُحّت أصواتهم ، وذعُرتْ أطفالهم ، وارتاعت قلوبهم ، في وَجَل شديد علىٰ فراق الأحبة وفقد الأعزة ، ومَنْ يرىٰ ذلك كيف لا ينهار ولا يضعُف ولا تقل عزيمته وهو يرىٰ ما يَبعثُ على الالم ويُحطِّم القُوىٰ !!

إلا أن الحسين (عليه السلام) الذي كان يَلحظ ذلك بعينه ، لا تجد أثراً من ذلك في نفسه بل كان يزدادُ صبراً وعزيمةً ، وتحمل تلك الأعباء الثقيلة ، وتسلح بالصبر على الأذىٰ في سبيل الله تعالىٰ وهو القائل : ومَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين (2) فكان (عليه السلام) نعم الصابر المحتسب عند الله تعالىٰ.

وقد جاء في الزيارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) : وصَبرتَ على الأذىٰ في جنبه

____________

(1) كشف الغمة للإربلي : ج 2 ص 20.

(2) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 330.

151

محتسباً حتىٰ أتاك اليقين (1).

وناهيك تعجب ملائكة السماء من صبره كما جاء في الزيارة : وقد عجبت من صبرك ملائكةُ السموات (2).

وكان يقول (عليه السلام) في أوقاتِ الشدة يوم عاشواء وهو متشحّط بدمه : صَبراً علىٰ قضائك يا رب لا إلهَ سِواكَ ، يا غِياثَ المستغيثين (3) ما لي ربٌّ سواك ولا معبود غيرك صبراً علىٰ حكمك (4) وناهيك عن موقفه المرير وهو يُشاهد مقتلَ رضيعه الصغير وهو يقول : اللهم صبراً واحتساباً فيك (5).

وكيف لا يكونُ صابراً محتسباً وهو من الذين عناهم الله تعالىٰ في قوله : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) (6) وقوله : ( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) (7).

فالحسين (عليه السلام) شخصيةٌ منفردةٌ بجميع صفات الكمال ، وتجسدت فيه كلُ صور الأخلاق ، وقد أراد (عليه السلام) أن يضفي من كماله علىٰ أصحابه وأهل بيته بوصاياه لهم بالصبر الجميل ، وتوطين النفس ، واحتمال المكاره ، ليستعينوا بذلك في تحمُّل الأعباء ومكابدة الآلام ، وليحوزوا علىٰ منازل الصابرين وما أعَد اللهُ لهم.

____________

(1) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 293 و ج 98 ، ص 256.

(2) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 240.

(3) أسرار الشهادة : ج 3 ، ص 68.

(4) مقتل الحسين للمقرم : ص 283.

(5) معالي السبطين : ج 1 ، ص 343.

(6) سورة السجدة : الآية 24.

(7) سورة الإنسان : الآية 12.

152

فأما أصحابه فقد أوصاهم (عليه السلام) مراراً بالصبر والتسلُّح به في مواجهة النوائب والمحن ، والصبر علىٰ حدِّ السيف وطعن الأسنَّة وعلىٰ أهوال الحرب.

وكما لا يخفىٰ أن هذا ليس بالأمر السهل إذ أن مواجهة ذلك يحتاج إلى التدرُّع بالصبر والحزم ، وعدم الجزع من أهوال المعركة والثبات عند القتال ، وعدم الاستسلام أو الانهزام ، فإذا ما تسلح المقاتل بالصبر كان في قمة المواجهة ، لا يبالي بما يلاقيه وما يتعرَّض إليه من ألم السنان وجرح الطعان.

ولذا نادى ـ (صلوات الله عليه) ـ فيمن تبعه من الناس ـ في بعض المنازل ـ قائلاً لهم : أيها الناسُ فمَنْ كان منكم يصبر على حدِّ السيف وطعن الأسنة فليقُمْ معنا وإلا فلينصرف عنَّا (1).

فإذا كان المقاتل لا صبر له علىٰ ذلك كيف يثبت في ساحة القتال حينما يرى أهوال المعركة إنّ هذا وأمثاله لا يؤمن منه الجزع ، فإما أن ينهزمَ أو يستسلم للأعداء.

وهنا لا ننسى تأكيد القرآنُ الكريم في هذا الجانب إذ حثّ المجاهدين في سبيل الله تعالى علىٰ التحلَّي بالصبر والثبات في ساحة القتال قال تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ) (2) ، وقال تعالىٰ : ( إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (3) ، وقال تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

____________

(1) ينابيع المودة : ص 338 ، كلمات الإمام الحسين : ص 348.

(2) سورة آل عمران : الآية 200.

(3) سورة الأنفال : الآية 65.

153

لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1).

ومن الواضح أن نجد الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة ـ استعداداً للمواجهة ـ أن يوصي أصحابه بذلك ويرغبهم في احتمال المكاره قائلاً لهم : فإن كنتُم قد وطأتم أنفسكم علىٰ قد وطّأتُ عليه نفسي ، فاعلمُوا أن الله إنما يَهبُ المنازلَ الشريفةَ لعبادة باحتمال المكاره ، وإن الله وإن كان قد خَصَّني مع مَنْ مضىٰ من أهلي الذين أنا آخِرهُم بَقاءً في الدُنيا من الكرامات ، بما سَهّل معها علىٰ احتمال الكريهات ، فإنَّ لكم شطرَ ذلك من كرامات الله ، واعلموا أن الدُنيا حُلوها مرٌ ، ومرُّها حُلوٌ ، والانتباه في الاخرة ، والفائزُ من فاز فيها والشقي من يشقىٰ فيها (2).

الأمر الذي أثَّر في نفُوسهم وزاد في تَحمُّلهم ، حتىٰ أوقفهم علىٰ غامض القضاء ، وكَشف عن أبصارهم فرأوا منازلهم من الجنة وما حباهُم الله تعالىٰ من النعيم.

كما أوصاهم (عليه السلام) بهذا أيضاً ونحوه بعد ما صلَّىٰ بهم الغداةً قائلاً لهم : إن الله تعالىٰ أذنَ في قتلكم وقتلي في هذا اليوم ، فعليكم بالصبر والقتال (3).

وكذلك لما رآهم وقد تناوشتهم السيوف وقف (عليه السلام) قائلاً لهم : صَبراً يا بَني عُمومتي صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتُم هَواناً بعد هذا اليوم أبداً (4).

وكذا يوصي غلاماً له وقد قُطعت يده ، فضَمّهُ إليه قائلاً له : يا بن أخي اصبر

____________

(1) سورة الأنفال : الآية 45.

(2) أسرار الشهادة للدربندي : ج 2 ، ص 223.

(3) كامل الزيارات لابن قولويه : ص 73 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 86.

(4) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 2 ، ص 27 ، بحار الأنوار : ج 45 ، ص 36.

154

علىٰ ما نَزلَ بك واحتسب في ذلك الخير (1).

وفي رواية أنه يقول (عليه السلام) بعد ما يُقتل طفله الرضيع ويضع كفيه تحتَ نحره : يا نفس اصبري ، واحتسبي فيما أصابَكِ (2).

وأما أهل بيته وعياله فقد أوصاهم ـ (صلوات الله عليه) ـ غير مرة بالصبر والتقوىٰ وعدم الجزع ، وتحمل المتاعب في سبيل الله تعالىٰ والتوكل عليه ، والقيام بالمسئولية علىٰ أحسن حال.

ومن وصاياه لهم : ولا بدّ أن تروني على الثرىٰ جديلاً ، ولكن أُوصيكم بالصبر والتقوىٰ ، وذلك أخبر به جدكم ولا خُلف لوعده ، وأسلمُكم علىٰ من لو هتك الستر لم يستره أحد (3).

ومن وصاياه أيضاً (عليه السلام) لأخته زينب (عليها السلام) وذلك حينما رآها وقد أثّر عليها ألمُ المُصاب وحرارةُ الفراق ، أوصاها قائلاً :

يا أختاه تعزي بعزاء الله وارضي بقضاء الله (4).

يا أخية لا يذهبنَّ حلمَك الشيطان ...

يا أُخية اتقّي اللهَ وتعزّي بعزاءِ الله ، واعلمي أن أهل الأرض يَموتون وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كلَ شيء هالكٌ إلا وجْهَ اللهِ الذي خلقَ الأرض بقُدرتهِ ، ويبعث الخلقَ فيعودون وهو فردٌ وحدَه ، أبي خيرٌ مني وأمي خيرٌ مني وأخي خيرٌ مني ولي وَلهُم ولكل مُسلمٍ برسولِ الله أسوةٌ.

____________

(1) وقعة الطف : ص 254 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 241.

(2) تظلم الزهراء : ص 203 ، معالي السبطين : ج 1 ، ص 423.

(3) أسرار الشهادة : ج 2 ، ص 222.

(4) مقتل الحسين للخوارزمي : ج 1 ، ص 238.

155

قال : فعزّاها بهذا وَنحوهِ ، وقال لها : يا أخيّةُ إني أقسمُ عليك فأبرِّي قسمي ، لا تشُقي عليَّ جَيباً ولا تخمشي عليَّ وَجهاً وَلا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت (1).

وفي رواية ثم قال (عليه السلام) : يا اُختاه يا أمَّ كلثوم وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب إذا أنا قُتلت فلا تَشققنَّ عليَّ جيباً ، ولا تخمشن عليَّ وجهاً ، ولا تقلن هجراً (2).

وقد أخذ (عليه السلام) في وصاياه يؤكد عليهنَّ بالصبر على الاحداث الأليمة ، والتجلد في المواقف الرهيبة والكوارث الأليمة ، وأن يتمالكن أنفسَهُنّ حين يَرينهُ صريعاً مُجدلاً.

وخصوصاً أخته زينب (عليها السلام) والتي حَمّلها مسؤليةَ حفظ الحرم والأطفال ، وقد أكّدَ عليها كثيراً بالصبر والتجلد لكي تقوم بالمسؤلية ، ولتؤدي وظيفتها علىٰ أحسن حال في حفظ ورعاية العيال والأطفال ، الذين ليس لهم مُحامٍ ومدافع سواها ، ولكي تُشاطرَهُ في مهمته ، ولئلا يَغلب عليها الأسىٰ في إبلاغ حجته ، وإتمام دعوته ، خصوصاً في المواقف الحرجة الأليمة في الكوفة والشام.

وَكلُّ هذا التأكيد عليها في وصاياه لها ( إعلامٌ لها بتحمُّل المسؤولية وأن تكون أمام الكوارث المقبلة كالجبل الأشم ، والصخرة الصماء ، تتكسر عليها كل عوامل الذلة والانكسار ، ولا تستولي عليها دوافع الضعف ، وعوامل الانهيار ، وأن تتأسّىٰ بجدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتتعزىٰ بعزاء الله.

إنه عبءٌ ثقيل في تحمُّل مسؤولية الكفاح المتواصل لربط الثورة بأهدافها

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 319 ، الإرشاد للمفيد : ص 232.

(2) اللهوف : ص 36.

156

المتوقعة وعواملها المنتظرة ، وقد تجسّدت لها الحوادث بعد أن أطلعها الحسين علىٰ كثير من مهماتِها ، وَفتحَ أمامَها نوافذَ مهمة مَهّدَ لها طُرقَ التسلية عمّا تلاقيه فيها من بلاءٍ وما تصطدم بها من نكبات.

ولقد كانت علىٰ موعد مع هذا الحدث العظيم ، حدثتها اُمها فاطمة الزهراء (عليها السلام) وسمعت من أبيها علي (عليه السلام) ، ما يدل علىٰ وقوع ذلك ، وكما لمّح لها أخوها الحسن (عليه السلام) بآثار الفاجعة ، وصرّح لها الحسين (عليه السلام) بدنو ما كانت تخشاه ، وحلول ما كانت تتوقعه.

ولقد تحملت مسؤولية إتمام الرسالة التي قام بها الحسين (عليه السلام) فأوضحت للعالم عواملَ الثورة ، فنبّهت الغافل ، وفضحت تلك الدعايات المُضلِلة ، لقد مَثّلت زينب (عليها السلام) دورَ البطولة في ميدان الجهاد ، وثبتت أمام المحن والمكاره ، ثبوتَ الجبلِ أمامَ العواصف ، واحتسبت ما أصابها من بلاءٍ في جنب الله ، طلباً لمرضاته وجهاداً في سبيله ، وإعلاءً لكلمته ، لقد أدّت واجبها في ساعة المحنة ، فهي تسلي الثاكل وتُصبر الطفل ، وتُهدّئُ روعَ العائلة.

وانظر إلى موقفها كيف وقفت أمام مجتمع الكوفة فحملتهم مسؤولِيةَ هذه الجريمة الكبرىٰ ، ووسمتهُم بالذُلِ وألبستهم العار ، وكيف قابلت يزيد الماجن المستتر الطائش ، فأوضحت للملأ الحادَه وكفرَه ، وسلبتهُ مواهب التفكير ، فوقف أمام قوة الإيمان موقف ذلةٍ وانكسار ، فكان النصرُ حليفَها ولا زال إلى الأبد ) (1).

وتشاطرت هي والحسينُ بدعوةٍ * * * حتمَ القضاءُ عليهما أن يُندبا

هذا بمشتبك النصولِ وهذه * * * في حيث مُعترك المكاره في السبا (2)

____________

(1) مع الحسين في نهضته لأسد حيدر : ص 202 بتصرف.

(2) للعلامة المرحوم ميرزا محمد علي الأوردبادي نور الله ضريحه.