ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
157

ج ـ لا إكراه علىٰ المناصرة

ومما اتّسمت به أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) في تعاملهم مع الآخرين أنهم لا يفرضون أنفسهم عليهم بالغلبة والقوة ، بل يتركون لهم حرية اتخاذ القرار بأنفسهم.

كما نجد هذا واضحاً في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أصحابه ومَنْ حوله ، فلم يقسر أحداً علىٰ موالاته ، أو علىٰ صحبته أو بيعته ، فإن هناك من تخلّف عن بيعته ، ولم يجبر أحداً منهم علىٰ ذلك ، ولم يمنعهم عطاءهم.

ناهيك عن موقف الزبير وطلحة تجاهه ـ وذلك حينما أرادا الانصرافَ عنهُ ، استأذناه في الذهاب إلى العُمرة ، مع علمه (عليه السلام) بما يضمراه له من سوءٍ ، فلم يمنعهما من الانصراف بل أذن لهما ، مع علمه أيضاً أنهما سوف يؤلّبان الناس عليه.

ولما خرجا قال (عليه السلام) لأصحابه : والله ما يريدان العمرة وإنما يريدان الغدرة (1) فتركهما وشأنهما فكانت مكافأتهما له عداوته وجر الناس إلى حربه.

وغيرهما ممن تركه وانصرف عنه كالذين انصرفوا عنه إلىٰ معاوية بن أبي سفيان في جنح الليل ، وقد كان قادراً علىٰ منعهم وردهم إلا أنه ترك لهم حرية الرأي وتحديد المصير ، وإن كان علىٰ خلاف ما يريد ويهوىٰ ما لم يستلزم من ذلك محذوراً آخر يقتضي خلاف ذلك.

نعم لا ينافي هذا أنهم (عليهم السلام) يُرشدون أمثال هؤلاء إلىٰ طريق الحق ، كما لا

____________

(1) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 25 ، ح 8 ، ب 1 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 1 ، ص 232.

158

يدّخرون وسعاً في إيقاظهم وتوعيتهم وهدايتهم ، إن كان هؤلاء أهلاً لذلك ، وإلاّ خلوا بينهم وبين أنفسهم ، وهذا علىٰ خلاف ما جرت به سيرة الكثير من الذين يرغَموا الآخرين ـ وإن لم يقتنعوا بهم ـ على الانضواء في صفوفهم وفي حمايتهم ، بالقَسر والغلبة مما يؤدي بهم إلى الانخراط قهراً تحت سيطرتهم والدفاع عنهم خوفاً من بطشهم وجبروتهم ، وإذا ما دافعوا عنهم تعَرضوا حتماً للأذىٰ والبطش ، وإذا ما واجهوا الحرب فلا خيار لهم غيرها ، ولذا غالباً أمثالُ هؤلاء يقاتلون بالجبر والأكراه وليس عن قناعة من أنفسهم.

وأما إذا جئت تستوحي عظمة الأخلاق وسمو الرفعة والنبل في موقف الحسين (عليه السلام) مع أصحابه وأتباعه تجده مثالاً فريداً من نوعه في كيفية التعامل معهم ، فقد التحق بركبه كثيرٌ من الناس وهو في مسيره إلىٰ كربلاء إلا أنه كان يطلعهم علىٰ حقيقة الأمر فمن شاء التحق به ومن شاء انصرف عنه غير مُكرهٍ لأحد منهم علىٰ مناصرته واللحوق به.

كما أكَّد بهذا ونحوه علىٰ أصحاب الإبل حينما مَر عليهم بالتنعيم (1) قائلاً لهم : لا أكرِهُكُم ، مَنْ أحبَّ أنْ يمضي معنا إلى العراق أو فينا كراءَهُ وأحسنّا صحبتَهُ ، ومَنْ أحَبَّ أن يُفارقنا من مكاننا هذا أعطيناهُ من الكراءِ علىٰ قَدْر ما قطع من الأرض (2).

____________

(1) التنعيم : موضعٌ بمكة خارج الحرم ، هو أدنى الحلّ إليها ، على طريق المدينة ، منه يحرم المكيُّون بالعُمْرة ، به مساجدُ مبنية بين سرف ومكة. مراصد الأطلاع : ج 1 ، ص 277.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 290 ، الإرشاد للمفيد : ص 219 ، اللهوف : ص 30 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 367.

159

وفي ليلة عاشوراء بعد ما خَيّمَ الليلُ وأرخىٰ سترَهُ ، حيثُ إن الليل ستير ، والسبيل غير خطير ، يقف (عليه السلام) خاطباً في أصحابه آذنا لهم بالتفرق والأنصراف عنه ، في وقت يتطلب الناصر والمُعين ، قائلاً لهم : ألا وإني قد أذنت لكم ، فانطلِقُوا جميعاً في حِلٍّ ليسَ عليكُم حرجٌ مني ولا ذِمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي ، وتفرقوا في سوادكم ، ومدائنكم حتىٰ يُفرّج الله فإِن القومَ إنما يطلبوني ، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري (1) وفي رواية أخرى قال لهم : وأنتم في حلٍّ وسعةٍ من بيعتي وعهدي الَّذي عاهدتموني(2).

الأمر الذي يدل علىٰ عدم إكراهه (عليه السلام) لأحدٍ منهم علىٰ مناصرته.

وقد أكد هذا الأمر أيضاً للحضرمي حينما سمعَ أن ابنه اُسر في ثغر الري قال له (عليه السلام) رحمك الله ، أنت في حل من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك (3) ؟!

هذا ولم يُبدِ (عليه السلام) لهم وحشتَه وانكساره فيما لو تفرقوا عنه ، بل أكد عليهم أن انصرافهم عنه ليلاً أسهل منه نهاراً ، وذلك للاختفاء عن الأنظار بعكس النهار الذي قد لا يأمن فيه الهارب من الطلب.

ولذا قال (عليه السلام) كما في بعض الروايات : فالليل ستير والسبيلُ غير خطير ، والوقت ليس بهجير ... (4).

والحسين (عليه السلام) على الرغم من إبلاغ أصحابه بذلك وتركه الأمر لهم ، إلا أنه أخذ يؤكد عليهم في ذلك مِراراً ، كما حصل هذا مع نافع بن هلال ، وذلك حينما تبع

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ، الإرشاد للمفيد : ص 231.

(2) موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 401.

(3) أسرار الشهادة : ج 2 ، ص 219 ، اللهوف : ص 40 بحار الأنوار : ج 4 ، ص 392.

(4) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 271.

160

الحسين (عليه السلام) لما خرج في جوف الليل يتفقد التلاع والعقبات ، فلما رآهُ قال له (عليه السلام) : ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك ... (1).

الأمر الذي يدل علىٰ تأكيده لهم وعدم خصه أحداً بالبقاء معه ، بل خاطبهم جميعاً بما فيهم الصغير والكبير والعبد والحر حتىٰ نساءهم.

وقد وجدناه (عليه السلام) يومَ العاشر عند اشتداد الأمر ، وهو يطلق العنان لواحد منهم ، وقد أحلّه من بيعته وهو : الضحاك المشرقي الذي تعهد للحسين (عليه السلام) بالدفاع عنه ما رأىٰ معه مقاتلاً ، ولما بقي (عليه السلام) وحده ، قال للإمام : يا بن رسول الله قد علمت أني ما كان بيني وبينك ، قلتُ لك أقاتل عنك ما رأيتُ مقاتلاً فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلّ من الانصراف ؟ فقلتَ لي نعم.

فقال له (عليه السلام) : صدقت وكيف لك بالنجاء إن قدرت علىٰ ذلك فأنت في حلٍّ.

فأخرج فرسه من الفسطاط وركبه وهرب ونجا بنفسه (2).

وهذا الموقف النبيل في تعامل الحسين (عليه السلام) مع أصحابه لا تجده في سائر المعسكرات الأخرىٰ والتي قد يُتناسىٰ فيها العهود والمواثيق.

فلم يجبر الحسين (عليه السلام) أحداً من أصحابه علىٰ نصرته والدفاع عنه ، بل ترك الأمر لهم وباختيارهم ، وهذا في الواقع ما زاد في عزيمتهم وجعلهم يقاتلون بمحض إرادتهم عن عزيمة صادقة.

وكم هو فرق بين أن يقاتل المقاتل في المعركة عن رغبة وشوقٍ وبين أن يقاتل مُكرَهاً علىٰ ذلك ، أو من أجل المطامع الدنيوية التي هي منتهى الزوال والاضمحلال.

____________

(1) معالي السبطين : ج 1 ، ص 344 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 339.

161

د ـ السعي في قضاء حوائج الناس ومواساتهم

وهو : من أفضل الطاعات والقربات عند الله تعالىٰ ، وعنصر من عناصر المحبة والإخاء ، ومما يزيد في ترابط المجتمع ووحدتهم وقد ندب الإسلام وحث عليه ومن ذلك :

ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : من قَضى لأخيه المُؤمن حاجةً ، كان كمن عبدَ اللهَ دَهراً (1).

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال : ومَنْ قضى لأخيه المؤمن حاجةً ، قضى اللهُ ( عزوجل ) له يومَ القيامة مائة ألف حاجة من ذلك ، أوّلُها الجنة .. (2).

وَقد عَدّ الشرعُ الحنيف التهاونَ في قضاءِ حوائج المؤمنين خصوصاً مع القدرة عليها ، من رذائل الصفات ، ودليلاً على ضـعف الإيمان ، وباعثاً على سلب التوفيق ، ومما ورد في ذلك :

ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيّما رجل من شيعتنا أتىٰ رجلاً من إخوانه ، فاستعانَ به في حاجته فلم يعنْهُ ، وهو يقدر إلاّ ابتلاه اللهُ تعالىٰ بأن يَقضي حوائج عدّةٍ من أعدائنا ، يُعذّبهُ اللهُ عليها يومَ القيامة (3).

وروي أيضاً عنه (عليه السلام) : أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه ، وهو يقدر عليه

____________

(1) أمالي الطوسي : ص 481 ، بحار الأنوار : ج 71 ، ص 302 ، ح 40.

(2) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 192 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 71 ، ص 322 ، ح 90.

(3) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 366 ، بحار الأنوار : ج 75 ، ص 181.

162

عليه من عنده أو من عند غيره ، أقامَهُ اللهُ عزوجل يوم القيامة مُسودّاً وجهه ، مزرّقةً عيناهُ ، مغلولةً يداهُ إلىٰ عُنقه ، فيقال : هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ، ثم يؤمرُ به إلى النار (1).

وفي ليلة عاشوراء والتي تُمثل الظروف العصيبة تكتنف في طياتها ألواناً من الأخلاق الفاضلة ، والتي تمثل خُلق الإسلام الحنيف ، فهذا سيدُ شباب أهل الجنة ـ (صلوات الله عليه) ـ يضرب لنا مثالاً صادقاً في مواساة مَنْ معهُ ، وقضاءِ حوائجهم ، فتراه مَهموماً من أجل غُلام مُسلم قد أسر بثغر الري ، وقد وجد أباه مهموماً من أجله ، فيقول له (عليه السلام) : رحمك الله أنت في حِلٍّ من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك ، وقد أمر له بخمسة أثواب قيمتها ألف دينار ، ليستعين بها في فداءِ ابنه (2).

هذا وقد ترىٰ كأنَّ الحالة التي يعيشُها (عليه السلام) حالةً طبيعيةً في تلك الليلة حتى يطلب من أبي الغلام الأسير أن يسعىٰ لفكاك ولده من الأسر ويترك ما هو عليه ، بل ويجعله في حلٍ من بيعته !!

إنه بحق موقفٌ أخلاقي واجتماعي ، فريدٌ من نوعه ، وليس له أهلٌ غير من تَربّىٰ في حجر الرسالة وارتضع لبانَ الإباء صبياً ، وتخلق بأخلاق الأنبياء ، وتحلّىٰ بحُلية الأوصياء ، فهذه من أخلاقه الكريمة والتي أفرزت ليلةُ عاشوراء جانباً يسيراً منها !

ومن تلك المواقف أيضاً والتي تَدلُّ علىٰ مَدىٰ حرصِه (عليه السلام) في قضاء حوائج الناس وحفظ حقوقهم ، وإرجاعها إليهم مهما كَلَّفَ الأمر ، وذلك حينما أمر مُنادياً

____________

(1) أصول الكافي للكليني : ج 2 ، ص 367 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 71 ، ص 201 ، ح 83.

(2) اللهوف : ص 40 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 392.

163

في أصحابه ، لا يُقتل معنا رجل وعليه دين ، فقام إليه رجل من أصحابه فقال له : إنّ علي ديناً وقد ضمنته زوجتي فقال (عليه السلام) : وما ضمان امرأة (1) ؟

وروي عن موسىٰ بن عمير عن أبيه قال : أمرني الحسين بن علي (عليهما السلام) قال : نادِ أن لا يُقتلَ مَعي رَجُلٌ عليه دَينٌ ، ونادِ بها في الموالي ، فإنِّي سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقول : مَنْ مَات وعليه دينٌ اُخذ من حسناته يوم القيامة (2).

لقد أراد الإمام (عليه السلام) أن يكونَ المستشْهدُ بين يديه مُتحرّجاً في دينه خاليَ الذمة من حقوق الناس وأموالهم ، ولا يريد أن يكون سبباً في ضياع أيِّ حقٍ من حقوق الآخرين.

وهذا غاية سُمو الأخلاق والرفعةَ والنُبل ، ونموذج مِثالي من الدروس الأخلاقية العظيمة لكل الأجيال في كل زمان.

____________

(1) المعجم الكبير للطبراني : ج 1 ، ص 141 ، إحقاق الحق : ج 19 ، ص 429 ، حياة الإمام الحسين للقرشي : ج 3 ، ص 171.

(2) إحقاق الحق : ج 19 ، ص 429 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين : ص 417.

164

ه ـ الإيثار والتفاني

الإيثار ، وهو : من الصفات الكريمة التي تؤدي إلىٰ سمُوّ الإنسان ، وتكامل شخصيته ونكرانه لذاته وتفانيه في سبيل الحق والخير ، وقد عني به الإسلام عنايةً بالغة ، وأثنىٰ علىٰ مَنْ يتخلق به ، فقد مدح القرآن الكريم جماعةً من نُبلاءِ المسلِمين وأفداذِهم ، لأنهم آثروا إخوانَهم على أنفُسهم ، قال تعالىٰ : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (1) (2).

ولا تجد أجلىٰ مصداقاً للآية الشريفة سوىٰ مَنْ نزلت فيهم وأثنت عليهم ، وهم أهل بيت العصمة ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ الذين أثروا غيرهم علىٰ أنفسهم ، وناهيك عن صور الإيثار التي عرضها القرآنُ الكريم عنهم كما في سورة ـ هل أتىٰ ـ وغيرها ، كليلة مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) علىٰ فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلةَ الغار مؤثرَهُ علىٰ نفسه ، حتىٰ تعجبت من إيثاره ملائكةُ السماءِ ، وباهى الله به ملائكتَهُ.

فكانت هذه الصفة من صفاتهم البارزة ، والتي ظهرت في سيرتهم مع الآخرين ، وقد حفلتْ سيرتُهم بألوان من صور الإيثار كما لا يخفىٰ ذلك علىٰ من يراجع سيرتهم وحياتهم الخالدة.

وكان من الطبيعي أن يتخلق بهذه الخصلة كلُّ من يعاشرُهم ، ويقتفي أثرهم ،

____________

(1) سورة الحشر : الآية 9.

(2) راجع : النظام التربوي في الإسلام للقرشي : ص 299.

165

ويستقي من أخلاقهم ، مثلُ حواريهم وأصحابهم المُخلصين ، والذين تخلقوا بأخلاقهم ، وتحلّوا بصفاتهم وحذوا حذوهم.

وفي طليعة هؤلاءِ الذين مَجّدهم التاريخ وحفظ ذكرهم ، أصحاب الحسين (عليه السلام) والذين مثلوا أروع صُورِ الإيثار التي خلدها التاريخ وأثنىٰ عليها.

ومن تلك الصور الخالدة ، وقوفُهم ليلةَ عاشوراء مع الحسين (عليه السلام) وقد عاهدوهُ على التضحية والشهادة بين يديه ، ووقف كلٌّ منهم يُعاهدُ الآخر علىٰ أن يؤثرَه علىٰ نفسه ، وكلٌ منهم يُريد أن يَسبق الآخر إلىٰ ساحة القتال !!

ولذا لم يعرف التاريخُ أصحاباً أفضل منهم ، وذلك بما حازوا عليه من صفات شريفة ، وخصال حميدة ، وملكات نفسية ، أهلتهم أن يكونوا أفضل الأصحاب وخيرهم ، ومن ذلك هو تسابقُهم إلى الشهادة ، بإخلاصٍ وتفانٍ في سبيل الحق ، غير مكترثين بالحياة ساخرين من الموت ، متعطشين إلى الشهادة.

قال أحد الأعلام : السبقُ إلى النفع غريزةٌ في الأحياءِ لا يحيدون عنها ولا يُلامونَ عليها ، وقد يؤولُ إلى النزاعِ بين الأشخاص والأنواع ، ولكنَّ التسابق إلى الموت لا يُرىٰ في العُقلاءِ إلاَّ لغايات شريفة تَبلغُ في مُعتقدِهم من الاهتمام مبلغاً قصياً أسمىٰ من الحياة الحاضرة ، كما إذا اعتقدَ الإنسان في تَسابُقه إلى الموت نيلَ سعاداتٍ ولذاتٍ هي أرقىٰ وأبقىٰ من جميع ماله في الحياة الحاضرة.

ولهذا نظائرُ في تواريخِ الغُزاة والمجاهدين ، ففي صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (1) وتسابقوا إلى القتال بين يديه ، مُعتقدين أن ليس

____________

(1) سورة الأحزاب : الآية 23.

166

بينهم وبين جنان الخلد والفردوس الأعلىٰ سوىٰ سُويعاتٍ أو تُميراتٍ يأكلونها أو حملاتٍ يَحملونها ، وهذا من أشرف السباق ، وموتُه أهنأ موتٍ ، وشعارهُ أقوىٰ دليلٍ على الفضيلة والإيمان ، ولم يَعهد التأريخُ لجماعةٍ بِداراً نحوَ الموتِ وسباقاً إلى الجنة والأسنةً مثل ما عهِدناهُ في صَحبِ الحسين (عليه السلام).

وقد عَجم الحسينُ (عليه السلام) عودَهم واختبرَ حُدودَهُم ، وكَسب منهمُ الثقةَ البليغة ، وأسفرت امتحاناتُه كلُّها عن فوزه بصحَبٍ أوفياء وأصفياء وإخوانِ صدقٍ عند اللقاء ، قَلَّ ما فازَ أو يَفوزُ بأمثالهم ناهض ! فلا نجد أدنىٰ مبالغةٍ في وصفه لهم عندما قال : أما بعد ، فإني لا أعلمُ أصحاباً خَيراً مِن أصحابي ، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ وأوفى من أهلِ بيتي (1).

وكان الفضلُ الأكبرُ في هذا الانتقاء يَعودُ إلىٰ حُسن انتخاب الحسين (عليه السلام) وقيامهِ بكلِّ وجائب الزعامة والإمامة ، وقيامُ الرئيسِ بالواجب يَقود أتباعَه إلىٰ أداءِ الواجب ، واعتصامُ الزعيم بِمبدئِه القويم يسوقُ مَنْ معهُ إلى التمسُّك بالمبدأ والمسلك والغاية ، فكان سُرادق الحسين (عليه السلام) بما فيه من صَحبٍ وآلٍ ونساء وأطفالٍ كالماءِ الواحد لا يفترق بعضُه عن بعض ، فكان كلٌّ منهم مِرآةَ سيدهِ الحسين (عليه السلام) بحاله وفعاله وأقواله ، وكانوا يفتدونَه بأنفُسهم كما كان يتمنى القتلَ لنفسه قبلَهم (2).

جادوا بأنفسهم في حُبِ سيدهم * * * والجودُ بالنفس أقصى غايةُ الجودِ

ومن صور الاقتداء والإيثار في هذه الليلة العظيمة هو حينما هبَّت الصفوةُ الطيبةُ من أنصاره ، وأهل بيته (عليهم السلام) بإيمانهم العميق بالمبدأ السامي للدفاع عن حريم

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 317 ، اللهوف : ص 39.

(2) نهضة الحسين للشهرستاني : ص 113.

167

الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يتعاهدون على الشهادة والتضحية بين يدي سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام) ويتنازعون فيما بينهم أيُّهم ينزل ساحةَ الحرب قبل الآخر.

فهذا العباس بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) يَقفُ خاطباً في إخوته وبني عمومته ، مؤكداً عليهم ومُحفزاً لهم على القتال ، وأنهم أولُ من يَبرزُ إلى ساحة القتال ، وأنَّ الحِملَ الثقيل لا يقومُ به إلا أهلُه ... ؟!

فيجيبُه بنو هاشم وقد سَلوا سيوفَهم في وجهه : نحنُ على ما أنت عليه !!

وأما الأنصارُ فقد وقف حبيب بن مظاهر الأسدي وهم حوله كالحلقة ، قائلاً لهم ومؤكداً عليهم : فإذا صار الصباحُ فأولُ من يَبرزُ إلى القتالِ أنتم ، نَحنُ نقدمهم للقتال ولا نرىٰ هَاشمياً مُضرجاً بدمه وفينا عرقٌ يضرب لئلا يقول الناس : قدَّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم ؟!

فهزُّوا سيوفَهمُ ، وقالوا : نحنُ علىٰ ما أنتَ عليه !!

ولما رأت زينب هذين الموقفين من الأنصار وبني هاشم تعجّبت من إيثارهم وصدق ثباتهم وشدة عزمهم ، فسكن قلبُها واطمأنّت نفسها ، فأخبرت الحسين (عليه السلام) بذلك متعجّبةً مما رأتُه !!

فقال لها (عليه السلام) : يا اُختاه اعلمي أن هؤلاءِ أصحابي من عالم الذرّ وبهم وعدني جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1).

وأما التفاني فهي صفحة أخرىٰ منقطعة النظير نقرؤها عند أنصار الحسين (عليه السلام) في ولائهم وإخلاصهم ، وقد ضربوا في ذلك أروع الأمثلة في صلابة عزمهم

____________

(1) معالي السبطين للحائري : ج 1 ، ص 340.

168

وتصميمهم على الدفاع عنه وعن أهل بيته ، ولم يكترثوا بتلك القوى الهائلة ، ولم يرتاعوا من القتل بل سخروا من الحياة واستهانوا بالموت ، واندفعوا نحو الحسين (عليه السلام) يعاهدونه على التضحية والفداء بالنفس ، وبكل ما يمكن الدفاع به لنصرته حتىٰ آخر رمق في حياتهم ، وهذا الموقف البطولي الباسل تجده واضحاً في مواقفهم ليلة العاشر ، وتشهد على ذلك كلماتهم التي تفيض بالفداء والتفاني في سبيله وذلك لمَّا أذن لهم بالانصراف عنه !!

وإليك بعضاً من تلك الكلمات التي يحار فيها العقل ويقف عندها بإعجاب وإكبار ، فمن كلماتهم ما يلي :

1) كلمة أهل بيته والتي يقولون فيها : لِم نفعل لنبقىٰ بعدَك لا أرانا الله ذلك أبداً ؟!

2) كلمة بني عقيل والتي يقولون فيها : لا والله لا نفعل تفديك أنفُسُنا وأموالُنا وأهلونا ، ونقاتل معك حتىٰ نرد موردك فقبّح الله العيش بعدك ؟!

3) كلمة مسلم بن عوسجة والتي يقول فيها : أما والله لا أفارقك حتىٰ أكسر في صدورهم رمحي وأضربُهم بسيفي ما ثبت قائمُه في يدي ، ولا اُفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتُهم بالحجارة دونك حتىٰ أموت معك !

4) كلمة سعد بن عبد الله الحنفي والتي يقول فيها : والله لو علمتُ أني اُقتلُ ثم أحيا ثم اُحرقُ حيَّاً ثم اُذرُّ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتُك حتى ألقىٰ حِمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلةٌ واحدةٌ ثم هيَ الكرامة لا انقضاء لها أبداً !!

5) كلمة زهير بن القين والتي يقول فيها : والله لوددت أني قُتلتُ ثم نُشرت

169

ثم قُتلتُ حتىٰ أُقتل كذا ألف قتلةٍ وأن الله يدفعُ بذلك القتل عن نفسك وعن أنفُس هؤلاء الفتية من أهل بيتك !

6) كلمة جماعة من أصحابه والتي يقولون فيها : والله لا نُفارقُك ، ولكن أنفُسَنا لك الفداء تقيك نحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قُتلنا كُنا وفينا وقضينا ما علينا (1).

7) كلمة بشر الحضرمي والتي يقول فيها : أكلتني السباعُ حيّاً إن فارقتُك (2).

8) كلمة نافع بن هلال والتي يقول فيها : ثكلتني أمي ، إن سيفي بألفٍ وفرسي مثلهُ ، فو الله الذي مَنَّ بِكَ عليَّ لا فارقتُكَ حتىٰ يَكلا من فري وجري (3).

9) كلمة القاسم بن الحسن (عليهما السلام) لمَّا قال له الحسين (عليه السلام) يا بني كيف الموت عندك ؟ قال : يا عم فيك أحلىٰ من العسل (4).

فهذه بعضٌ من كلماتهم والتي تفيض بالتفاني والإخلاص فهذا الحسين (عليه السلام) ينطق بالحق في ما يقوله عنهم حين قال لأخته زينب (عليه السلام) : والله لقد بلوتُهم فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلىٰ محالب أمه (5).

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 231.

(1) اللهوف : ص 40 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 392.

(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273.

(3) معالي السبطين : ج 1 ، ص 343.

(4) تقدم تخريجه.

170

-

171

-

172

-

173

من الأعمال التي قام بها الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة العظيمة هو الاستعداد التام لمواجهة الأعدء عسكرياً ، وقد أخذ علىٰ عاتقه كلَّ ما مِنْ شأنه تعزيز موقعهم في طريق مواجهو العدو.

هذا مع ما كان عليه (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في هذه الليلة الخطيرة التي حفِلت بالمكاره والصعاب والمخاطر ، وقد أصبحو بين اُناس ليس في قلوبهم ذرةٌ من الرحمة أو الشفقة ، فمنعوهم كلَّ الوسائل الحيوية ، وأهم ما يُعتمد عليه في الحياة إذ حالوا بينهم وبين الماء (1) الذي يلوح ببريقه يرونه ولا يصلون إليه !! حتى أضر العطش بالحسين وأهل بيته وأصحابه !!

كما مُنعوا وصولَ أي مدد للحسين (عليه السلام) من شأنه أن يُعزز مكانه ويقف إلى جانبه ، كما حالوا بينه (عليه السلام) وبين وصول الأسديين ، الذين جاءوا لنصرته والدفاع عنه ، بقيادة حبيب بن مظاهر من نواحي كربلاء (2) ، وقد أخذوا أيضاً يرقبون عن كثب تحركات الحسين (عليه السلام) وأصحابه ، وضيّقوا عليهم أشد تضييق وقد روي أنه نادىٰ ابن سعد : يا خيل الله اركبي وابشري ! فركب النّاسُ ، ثم زحف نحو الحسين (عليه السلام) وأصحابه فكانوا علىٰ مقربة من بيوتهم بحيث كانوا يسمعون أصواتهم (3).

هذا ولم يسلم الحسين (عليه السلام) وأصحابه حتىٰ من كلمات العدو الجارحة النابية ، والتي ما زالوا يسمعونها بين الآونة والأخرىٰ ، الأمر الذي يدل علىٰ خساسة

____________

(1) راجع : تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 312 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 389.

(2) راجع : الفتوح لابن الأعثم : ج 5 ، ص 100 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 386.

(3) راجع : تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 315 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 391.

174

عدوهم ودناءته !!

وأما حديث النساء والأطفال فأمرٌ آخر ، مع ما هم عليه من الفزع والرُعب ، فأحدقت أعينهم ولم يناموا ليلتهم وهم يَرون أنفسهم في قبضة عدوٍ لا يرحم أحداً ، مُحاصرين بين سياج من الأسنة والحراب ، وجيش بات علىٰ أهبة الاستعداد ينتظر أوامر قيادته للزحف والهجوم عليهم ، فكيف مع هذا كله يغمض لهم جفن ، أو يهدا لهم روعٌ ؟!

ومع هذا كله نجده ـ (صلوات الله عليه) ـ لم ينسَ أن يَتخذ التدابير اللازمة والإجراءات الوقائية في حماية أهل بيته ، والاستعداد لمواجهة الأعداء ، وما يتقوىٰ به على القتال في سبيل الله تعالى.

وقد ارتكز هذا الجانب العسكري علىٰ عدة أمور دقيقة وهي :

الأمر الأول : التعبئة المعنوية

التعبئةُ المعنوية لها دورٌ كبير في تكامل المواجهة وترسيخ النفس ، ومقاومتها لآخر رمق ; وذلك بالاقتناع التام بالهدف والمبدأ اللذينِ يُقاتل من أجلهما وفي سبيلهما ، إذ يهون حينها كلُّ شيءٍ ما دام يرى نفسَه علىٰ حقٍ ، وبعكس ذلك لا يمكن أن يقف في المواجهة طالما لا هدف له من وراءِ ذلك ، وما دامَ غير مُقتنع فحينها لا يكونُ موطّناً نفسه علىٰ ذلك.

وقد وجدنا أنصار الحسين (عليه السلام) قد وطّنوا أنفسهم في مواجهة أعدائهم ، وذلك بعزيمة صادقة لا تردّدَ فيها ، وبإيمان لا يشوبُه شكٌ حيث الاقتناع التام بالمبدأ السامي الذي يدافعون عنه ويقاتلون من أجله ، فكانوا يتمتّعون بروحيّة عالية

175

تخوّلُهم الوقوفَ أمام ذلك الجيش الهائل ، فكان من يراهم يُصاب بالدهشة وذلك لعظم موقفهم ، وربط جأشهم وقلة مُبالاتِهم ، فأصبحوا في ذلك مَضرباً للمثل بحقٍ ، إذ لو تصفحت التاريخ لا تجد أنصاراً كهؤلاء قاتلوا بروحية عالية ، حيث يتمنىٰ أحدهم أن يُقاتل ويُقتل سبعين مرةً بلا ملل في سبيل الحسين (عليه السلام) ، حتى أصبحت هذه النخبة المباركة متكاملةً من جميع الجهات ، ووصلت إلى الذروة في الإقدام والبطولة والصمود.

والفضل في هذا كله يعود في الحقيقة إلى الحسين (عليه السلام) الذي انتخبهم وانتقاهم من بين الآخرين ، حيث كان (عليه السلام) يلاحظ ذلك بعين الاعتبار من حيث كفاءة الرجل ونزاهته وتوطينه للنفس ، وقد أعلنها كلمةً صريحة قُبيل خروجه إلى العراق قائلا : مَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، وموطنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإنني راحلٌ مصبحاً إنشاء الله تعالى (1) فكان (عليه السلام) حريصاً في أن تكون النخبة التي تقاتل معه وتقف إلى جانبه متكاملةً من حيث توطين النفس والإخلاص في التضحية ، ولهذا كان أحدهم كألف ، فكانوا كما قيل عنهم :

قومٌ إذا نودوا لدفع ملمّة * * * والخيل بين مدعّس ومكردس

لبسوا القلوب على الدروع كأنهم * * * يتهافتون إلى ذهاب الأنفس (2)

وقال كعب بن جابر قاتل برير في وصفهم :

ولم ترَ عيني مثلهم في زمانهم * * * ولا قبلهم في الناس إذا أنا يافعُ

أشدّ قراعاً بالسيوف لدىٰ الوغى * * * ألا كلّ من يحمي الذمار مقارعُ

____________

(1) اللهوف : ص 26.

(2) اللهوف : ص 48.

176

وقد صبروا للطعن والضرب جُسّراً * * * وقد نازلوا لو أن ذلك نافعُ (3)

وقد قال بعض المؤرخين يصف قتالهم يوم العاشر من المحرم : وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشد قتال خلقه الله (1).

الأمر الذي يدل علىٰ صدق نياتهم وشدة وثباتهم ، وناهيك عن شهادة أعدائهم لهم بذلك ، قيل لرجل شهد الطف مع ابن سعد : ويحك أقتلتم ذرية الرسول ؟!

فقال : عضضت بالجندل ، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابةٌ أيديها علىٰ مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً تلقي نفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ولا يحول حائلٌ بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت علىٰ نفوس العسكر بحذافيرها فما كنا فاعلين لا اُمَّ لك (3) !!

ووصفهم بعضهم بقوله : لقوا جبال الحديد ، واستقبلوا الرماح بصدورهم ، والسيوف بوجوهم وهم يُعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون ويقولون : لا عذر لنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن قُتل الحسين (عليه السلام) ومنا عينٌ تَطرُف ، حتى قُتلوا حوله (4).

فبعد هذا تعرف أن هؤلاء الصفوة هم الذين استبقاهم الحسين (عليه السلام) وانتقاهم من بين أولئك الطامعين أو الخائفين ، فهو لا يقبل كلَّ من وفد عليه ما لم يكن مؤهلاً ، فهذا عبيد الله بن الحر لمَّا دعاه الحسين إلى نصرته ليمحو بها ذنوبه الكثيرة

____________

(1) سفينة البحار للقمي : ج 5 ، ص 42.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 333 ، وقعة الطف لأبي مخنف : ص 228.

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 3 ، ص 263 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 69.

(4) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ، ص 293 / 133.

177

قال ابن الحر : فإن نفسي لا تسمح بالموت ولكن فرسي هذه الملحقة والله ما طلبت عليها شيئاً قط إلا لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته فخذها لك.

فقال له الحسين (عليه السلام) : أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ) (1) وإني أنصحك كما نصحتني ، إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبّه الله في نار جهنم (2).

فكان أمثال هؤلاء يجنّبهم الحسين (عليه السلام) ساحة القتال ، ويحذّرهم من سماع واعيته ما داموا غير موطنين أنفسهم للدفاع عنه.

ولذا كان لأذن الحسين (عليه السلام) لأصحابه بالتفرق عنه أكبر الأثر في ابقاء الصفوة الخالصة التي لا يحتمل في حقها الهزيمة أو الخذلان إذ من الطبيعي مَن كان صادقاً في عزيمته وموطناً على ذلك نفسه ـ وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية ـ لا يتخلىٰ عنه في ساعة المحنة وفي أحلك الظروف واشتداد الأمر ، ولذا بقي معه من وطَّن نفسه على ذلك وأبت حفيظتُهُ مفارقتَه ولسان حالهم يقول :

إنّا على العهد لم نخذلك في غدنا * * * وكيف يخذل مَنْ في حبكم فُطِما

وأما من كان غير متصف بهذا كان من الطبيعي أن يتخلىٰ عنه ولو بقي معه مثل هذا ! لا يؤمن منه أن يسلمه عند الوثبة ويخذله في ساحة الحرب ، فيكون أسوأ حالاً ممن انصرف عنه (عليه السلام) ليلة العاشر ، فعلىٰ هذا لا محالة يواجه خطرين عظيمين :

أحدهما : أنه يبوءُ بغضبِ الله تعالى لا نهزامه وزحفه من ساحة المعركة ، ولا

____________

(1) سورة الكهف : الآية 51.

(2) مقتل الحسين للمقرم : ص 189 ، تاريه الطبري : ج 4 ، ص 307 ، بتفاوت.

178

يخفىٰ أن هذا من أعظم الكبائر ، فيكون مصداقاً لقول الحسين (عليه السلام) : مَن سمع واعيتنا أو رأىٰ سوادنا فلم يجبنا أو يغثنا كان حقاً علىٰ الله عزوجل أن يكبّه علىٰ منخريه في النار (1).

ثانيهما : إظهار الوهن والخذلان في أصحاب الحسين (عليه السلام) كما يثير ذلك أيضاً شماتة الأعداء !!

وهذا ما دفع زينب (عليها السلام) أن تسأل الحسين (عليه السلام) عن صدق نيات أصحابه ؟

فقالت له : هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم فإني أخشىٰ أن يسلموك عند الوثبة ؟!

فقال لها : والله لقد بلوتهم فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلىٰ محالب أمه !!

وعلىٰ إثر هذا الكلام جاء حبيب بن مظاهر مع أصحابه وواجهوا النسوة قائلين : يا معشرَ حرائر رسول الله هذه صوارم فتيانكم آلوا ألا يغمدوها إلا في رقاب من يريد السوء فيكم وهذه أسنة غلمانكم أقسموا ألا يركزوها إلا في صدور من يفرق ناديكم (2) ، فعند ذلك طابت خواطرهن وسكنت قلوبهن. وذلك لما رأين عزائم الأبطال الصادقة وثبات موقفهم.

وبهذا يكونُ أصحاب الحسين (عليه السلام) متفوقين بالروح المعنوية علىٰ أعدائهم مع قلتهم ، وبمحض إرادتهم ، ودوافعهم النفسية والدينية ، وهذا كما لا يخفى له دورٌ كبير.

____________

(1) ثواب الأعمال للصدوق : ص 309 ، إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 1 ، ص 331 / 181 بحار الأنوار : ج 45 ص 84 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 190.

(2) معالي السبطين : ج 1 ، ص 345 ، الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ـ 274 ، مقتل الحسين للمقرم : ص 219.

179

في تعزيز المواجهة والاستعداد لدخول المعركة.

الأمر الثاني : تهيئة السلاح وإصلاحه

ومن الأمور العسكرية التي لاحظها الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء هو إعداد السلاح ، وذلك بشحذ السيوف وصقل الحراب وإصلاحهما ، ليتقوىٰ بذلك علىٰ قتال الأعداء ، وكما قال تعالى ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (1) ، إذ أنّ إعداد السلاح قبل لقاء الأعداء ، وما يتقوّىٰ به علىٰ قتالهم من الرجال وآلات الحرب أمورٌ مهمة في تعزيز الموقف.

ولذا من جملة أعمال الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة هو الإعداد لهذا الجانب وقد أشرف عليه بنفسه ، كما جاء في رواية الإمام زين العابدين (عليه السلام) : إني جالس في تلك العشية التي قُتل أبي صبيحتها وعمتي زينب عندي تُمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباءٍ له وعنده حوَّى مولىٰ أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويُصلحه (2).

وقد رجح البعض إرجاع الضمير في عبارة : ( وهو يعالج سيفه ويصلحه ) إلى جون مولىٰ أبي ذر ، لا إلى الحسين (عليه السلام) ، وقد عُرف عن جون أنه كان بصيراً بمعالجة آلات الحرب وإصلاح السلاح كما في كامل البهائي (3) وغيره (4).

وقد عُرف هذا أيضاً عن أبي ثمامة الصائدي ، الذي هو من فرسان العرب

____________

(1) سورة الأنفال : الآية 60.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 318 ، الإرشاد للمفيد : ص 232.

(3) كامل البهائي : ج 2 ، ص 280.

(4) الإمام الحسين وأصحابه للقزويني : ج 1 ، ص 92.

180

ووجوه الشيعة ، فهو الآخر كان بصيراً بالألحة وشؤونها (1).

وعلىٰ أية حال ، فإن معالجة السلاح وإصلاحه حتىٰ وإن تمت على يد جون (رضي الله عنه) أو غيره من الأنصار فإنها لم تخرج عن إشراف الحسين (عليه السلام) ورعايته وأمره ، إذ المقطوع به أنهم كانوا جميعاً رهنَ إشارته وفي خدمته ولا يصنعون شيئاً دون رضاه ـ (صلوات الله عليه) ـ.

الأمر الثالث : تنظيم الخيام

ومن الأمور التي قام بها (عليه السلام) أنه أمر أصحابه أن يجعلوا خيامهم في خط واحد ، وأن يقربوا البيوت بعضها من بعض ويدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وقيل إنها صارت علىٰ شكل الهلال مما يعزز جبهتم القتالية.

وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم (2). وإنما فعل هذا لئلا يتسلل الأعداء من منافذها.

الأمر الرابع : حفر الخندق

وقد أمر (عليه السلام) أصحابه بحفر خندق في مكان منخفض كأنه ساقية وراء الخيام ، كما أمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت ، وذلك لاستخدامه في الصباح وإشعال النار فيه ، وذلك ينفعهم في أمور وقائية هامة منها :

أ ـ لتكون عوائلهم في أمان من العدو ومن أولئك الذين يتجولون حول

____________

(1) الكنىٰ والألقاب للقمي : ج 1 ، ص 34.

(2) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 319 ، الإرشاد للشيخ المفيد : ص 232.

181

خيامهم وخصوصاً ساعة المعركة إذ ليس هناك ما يمنع الأعداء من اقتحامها والهجوم على النساء وأسرهن كرهينةٍ بأيديهم إذ لا رادع لهم عن ذلك.

ب ـ ليستقبلوا الأعداء من جهة واحدة ، ويمنع تعدد جبهات القتال عليهم ، وهذا ما يعزز موقفهم وترابطهم ولذا جاء في الرواية : ففعلوا وكان لهم نافعاً (1).

الأمر الخامس : تفقد التلاع والعقبات

وهذه واحدة من أعماله (عليه السلام) والتي لم يغفل عنها مع ما هو فيه ، إذ خرج في جوف الليل بنفسه إلىٰ خارج الخيام يتفقد التلاع والعقبات والروابي المحيطة بهم والمشرفة علىٰ بيوتهم مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل (2).

الأمر الذي يدل علىٰ إحاطته وبصيرته وحنكته في ذلك ، وغيرته علىٰ عياله وأهل بيته ، وبهذا يكون ـ (صلوات الله عليه) ـ قد أنجز المهمات العسكرية الضرورية استعداداً للمواجهة.

كما أنه (عليه السلام) نظم أصحابه صباح عاشوراء استعداداً للقتال فجعل زهير بن القين في الميمنة ، وحبيب بن مظاهر في الميسرة ، وثبت هو (عليه السلام) وأهل بيته في القلب ، وأعطىٰ رايته أخاه العباس (عليه السلام) ، لأنه وجده أكفأ من معه لحملها ، واحفظهم لذمامه ، وأرأفهم به ، وأدعاهم إلىٰ مبدئه ، وأوصلهم لرحمه ، وأحماهم لجواره ، وأثبتهم للطعان ، وأربطهم جأشاً ، وأشدهم مراساً (3).

____________

(1) تاريخ الطبري : ج 4 ، ص 320.

(2) الدمعة الساكبة : ج 4 ، ص 273 ، معالي السبطين : ج 1 ، ص 344.

(3) مقتل الحسين للمقرم : ص 225.

182

-

183

-

184

-

185

(1)

من خصائص الأدب الشيعي وميزاته

مما لا شكّ فيه أن الشعر ـ بما له من مميزات ـ يُعتبر من العوامل المؤثرة إلى حدٍّ كبير في إحياء وحفظ الوقائع والأحداث ، وما ينبغي تخليده وتدوينه وخصوصاً القضايا التي لا غنى للمسلم عن معرفتها والوقوف على حقيقتها ، إذ أنَّ ما سجله الشعر تتلقاه الأجيال ، ويبقى في قلوب الناس.

وقد كان الشعر ـ خصوصاً في تلك الأيام ـ الوسيلة الوحيدة التي بها يُناط نقل الأخبار والأحداث ، إذ لم تكن في السابق وسائل إعلام كما هو عليه الحال في الزمان الحاضر ، ولذا دأب الشعراء على تسجيل ما هو مهم في نظرهم في الشعر ولذلك ترى الكثير من الوقائع والأحداث تلقيناها من طريق الشعر ، هذا مع ما مرّ عليه من ظروف وملابسات ، ولهذا اُعتبر الشعر مدرسة مهمة في حفظ التاريخ والحوادث بصورها الواقعية ، وقد يؤرخها بأجلى أبعادها وأصدق معانيها.

ومن مميزات الشعر التي لا تنكر كونه عاملاً مساعداً في تفجير العواطف النفسية واستمالة القلوب والضمائر ، والانشداد التام فيجعل من السامع كأنّما يعيش الواقعة تماماً وكأنه يراها أمام عينيه ، وما ذلك إلاّ لاشتماله على المؤثرات النفسية التي يتميز بها عن غيره.

ولهذا كلّه تعرف سبب اهتمام أهل البيت (عليهم السلام) وإلحاحهم الشديد في تخليد شهادة الحسين (عليه السلام) وما جرى على أهل بيته ـ في الشعر خاصة ـ فقد تواتر عنهم

186

أنهم ركَّزوا تركيزاً بالغ الاهتمام في نظم الشعر في فضائلهم ومصائبهم (عليهم السلام) وخصوصاً في الحسين (عليه السلام) ، ولم يقتصروا على ذلك بل تحدَّثوا أيضاً عن فضله وثوابه العظيم عند الله ـ تعالى ـ ترغيباً لهم في ذلك ، ولا شك في أن إنشاد الشعر فيهم (عليهم السلام) هو مصداق من مصاديق إحياء أمرهم ، وإليك بعض ما ورد في ذلك :

1 ـ ما روي عن عبيد بن زرارة عن أبيه قال : دخل الكميت بن زيد على أبي جعفر (عليه السلام) وأنا عنده ، فأنشده : « من لقلب مُتيّم مستهام » ، فلما فرغ قال (عليه السلام) للكميت : لا تزال مؤيداً بروح القُدُس ما دمت تقول فينا (1).

2 ـ ما روي عن علي بن سالم عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ما قال فينا قائلٌ بيتاً من شعر حتى يؤيّد بروح القُدُس (2).

3 ـ ما روي عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : من قال فينا بيت شعر ، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة (3).

4 ـ وروي أن جعفر بن عفان دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له : أنك تقول الشعر في الحسين (عليه السلام) وتجيده قال : نعم ، فاستنشده فلما قرأ عليه بكى حتى جرت دموعه على خديه ولحيته وقال له : لقد شهدت ملائكة الله المقرّبون قولك في الحسين (عليه السلام) وإنهم بكوا كما بكينا ولقد أوجب الله لك الجنة ثم قال (عليه السلام) : من قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى غفر الله له ووجبت له الجنة (4).

____________

(1) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 2 ، ص 467 / 366 ، وعنه بحار الأنوار : ج 47 ، ص 324 ، ح 20.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق : ج 2 ص 15 ،ح 2 ،وعنه بحار الأنوار : ج 26 ، ص 231 ،ح 4.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق : ج 2 ص 15 ، ح 1 ، بحار الأنوار : ج 26 ص 231 ح 3.

(4) إختيار معرفة الرجال للطوسي : ج 2 ، ص 574 / 508 ، بحار الأنوار : ج 44 ، ص 282 ، ح 16.

187

5 ـ ما روي عن الحسن بن الجهم قال : سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به ، إلاّ بنى الله له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرّات يزوره فيها كل ملك مقرّب وكل نبي مرسل (1).

وغير ذلك من الأخبار التي أكدوا فيها (عليهم السلام) ورغبوا شيعتهم في ذلك مع بيان فضل الإنشاد وما له من الثواب والجزاء عند الله ـ تعالى ـ ، وما ذلك كلّه إلاّ لأهمية الشعر وأثره الكبير في إحياء ذكرهم.

وامتثالاً لأمرهم (عليهم السلام) هبّ الاُدباء والشعراء ـ قديماً وحديثاً ـ لهذا النداء فأخذوا يبثّون فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ويُظهرون مظلوميتهم وما جرى عليهم من قتل وتشريد وتعذيب في السجون ونفي عن الأوطان ، وخصوصاً واقعة الطف الدامية وما جرى فيها على ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكتفوا بذلك إذ ضمّنوا أشعارهم الاحتجاجات الصارخة المدوية والاستنكار الشديد على قاتليهم وظالميهم ، ولذلك كان الشعر الحسيني ولا يزال يُدوي في ضمير التاريخ ، ويلهب النفوس ويوقظ النائمين وينبه الغافلين والذين عُتمت عليهم الحقيقة ولتصحو كلُ نفس من سباتها العميق.

فالادب الشيعي الحسيني هو من قوام وأساس التعبير الصادق الذي يُظهر لنا المأساة بأجلى أبعادها وصورها وأصدق معانيها الواقعية.

قال أحد الأعلام : أنا لا أنكر ما للأدب الشيعي من الروعة ، وما فيه من الجمال ، لأنّ هذه الظاهرة في الأدب الشيعي واضحة يجدها كل قارئ تذوّق

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق : ج 2 ، ص 15 ، ح 3 ، بحار الأنوار : ج 26 ، ص 231 ،ح 5.

188

الأدب ، أدب الشيعة صدى لعواطف ملتهبة ، أخمد الزمان لهيبها أن يظهر ، وأطلق الأدب دخانها أن يثور ، ففاح كما يفوح النَّدُ حين يحترق ، وماء الورد حين يتصعد.

وفي الأدب الشيعي رقة الدمع ورهبة الدم ،والحزن للقلوب الكئيبة ، كالنار حين تنفي خبث الحديد وتنقي الذهب الأبريز ، ويستطيع الأديب الشيعي أن يبكي في ثورته وأن يثور في بُكائه وأن يُسيطر على الموقف في كلتا الحالتين ، لأنه يُلقي من شظايا فؤاده.

لم تستطع الشيعة أن تعمل ولكنها استطاعت أن تقول ، والكبت حين يشتد يتصل بأعماق النفس ليمزج العقيدة بالعاطفة ، ثم يتصعد مع الزفرات أدباً يُلهب ويتلهب ويبكي ويستبكي ، وفي أنّة الحزين معاني لا تستطيع أن تعبر عنها أنةُ المعافى وإن تشابهتا في التوقيع.

هذا ما يجعل أدب الشيعة في القمة من أدب المسلمين وفي الذروة من أدب العروبة وهذا بعض ما استفادته من يوم الحسين (عليه السلام) وأيام العترة في التاريخ ، وأيامهم في التاريخ دموعاً ودماً (1).

ولما كانت هذه بعض خصائص ومميزات الأدب الشيعي ، وقف المناوئون ـ لأهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً بنو اُمية وأتباعهم ومن نحا نحوهم لاتخاذ المواقف الحازمة ، والتدابير اللازمة ضد شعراء أهل البيت (عليهم السلام) والذين جعلوا على عاتقهم إظهار مظلوميتهم انتصاراً للحق مهما كلفهم ذلك ما دام أنه يرضي الله ورسوله ، إذ أن الأمويين واتباعهم يُدركون تماماً مدى خطورة التفاعل الشعري على نواياهم وافعالهم.

____________

(1) كتاب مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية لزين الدين : ص 88.

189

ومع ذلك كلّه نجد بعضاً من ذلك الشعر مدحاً ورثاءً قد وصل إلينا على امتداد العصور مع ما لابسه من محن ومتاعب ، ناهيك عمّا ضمّته موسوعات الشعر الحسيني في ذلك والذي يمثل ثروة أدبية لا غنى للمكتبة الإسلامية عنها.

ولأهمية هذا الأدب الثري يضم هذا القسم ما جاء في ليلة عاشوراء ـ قديماً وحديثاً ـ من قصائد الولاء والتي ارسلت أضوأها على أحداث ومواقف هذه الليلة العظيمة تخليداً لذكراها الأليمة.

190

(2)

أهمية النقد الأدبي الموضوعي

إنّ من أهم الدراسات الأدبية هي الدراسات النقدية الموضوعية ، والتي تستأثر بأهمية بالغة عند الدارسين والباحثين في الأدب ، وموضع عناية الأديب والناقد والشاعر ، وحتى القارئ النبيه الذي تستهويه مثل هذه الدراسات.

وكما لا يخفى أنّ للنقد الأدبي قيمته الذاتية ، إذ هو يُقوّم النص الأدبي ، ويُميّز جيده من غيره ، ويحلله ويدرسه على ضوء أدوات النقد الأدبي ومعادلاته الخاصة ، والتي منها ـ كما قيل ـ :

الذوق السليم ، والتجربة الشخصية ، والقواعد العقلية ، والمعرفة اللغة العربية وقواعدها ، والإحاطة بأساليب البيان ، بعيداً عن كلّ نزعة وتعصب أو ميول نفسية ، ومَنْ ثَمَّ الحكم على النص من خلال قراءته وملاحظة عناصره الأخرى.

ومن الضرورة بمكان أن يتناول النقدُ القصيدة من جهاتها المُهمّة والتي تنصب على مستوى اللفظ وسلامته والمعنى وصحته ، واستقامة الغرض ، وملاحظة الوزن والقافية ، وائتلاف كل منهما مع الآخر ، ويتناولها أيضاً من الناحية الفنية والجمالية والإشارة إلى مفاهيمها ، واستخراج معانيها النفيسة التي يرمي اليها الشاعر والأغراض التي إعتمدها الشاعر في بناء قصيدته ، ومقدار عمقها وسعة خيالها ومزاياها الأدبية الاُخرى ، كما يبحث أيضاً عن خلل القصيدة واضطرابها وعيوبها إن وجد ذلك.

191

فعلى هذا أصبح من الضروري أن يقف الشاعر على نقاط الضعف في قصيدته ، الأمر الذي يجعله أكثر دقة وتلافياً لأخطائه في محاولاته الاُخرى اللاحقة.

وهذا هو شأن الدراسات النقدية الأدبية البنّاءة الهادفة والتي تُعد ثروة فكرية لا غنى عنها في عالم الأدب.

وانطلاقاً من ذلك وللأهمية المتوخاة نقدّم دراسة نقدية موضوعية بقلم الأستاذ ثامر الوندي حول ما جاء في ليلة عاشوراء من قصائد وتقويم مستواها وذكر بعض مزاياها وأغراضها والإشارة أيضاً إلى خللها واضطرابها إن وجد ذلك ،كما تناول دراسة عامة لبعض السمات المشتركة فيما يخص ليلة عاشوراء ، فلم يألُ جهداً في هذه الدراسة القيّمة والتي إستغرقت منه وقتاً ليس بالقصير فجزاه الله خيراً.

وكما لا يخفى أنّ الأستاذ الناقد لا تخفى قدرته النقدية وعمقه في معاني الشعر ، وإني أخاله يستنطق القصيدة بلا عناء فتُفصح له عن أسرارها الكامنة فتُخرج له ماخبأه الشاعر في أعماقها بما في ذلك أسرار شاعرية صاحبها ، ليقف الشاعر على ما تركه من لمسات في نصّه الشعري ليكون له حافزاً في تطوره مستقبلا.

وآمل أن تكون مثل هذه الدراسات مستوعبة أدب الجيل بالشكل المناسب وتعطيه أهميةً بالغةً لما في ذلك من تقدم أدبي على صعيد أفضل مما يجعله أكثر تطوراً من ذي قبل.

192

-

193

(3)

مرايا ليلة عاشوراء

بقلم الأستاذ الوندي (1)

داخل هذا التخصيص والحصر ، لا يمكن للإستقصاء الباحث عن النصوص الشعرية أن يصل إلى أقصى مما وصل إليه الباحث في الحصول على نصوص تخصّ ليلة العاشر من المحرم وحدها ، وهذا الجهد الظاهر والعناء الواضح من لدن الباحث في تضاعيف المنشور والمطبوع من النصوص المختصة يصاحبه جهد وعناء آخر تحمّله الإخوة الشعراء المعاصرون الذين طاردتهم رغبة الباحث وملاحقاته الجادة وحتى توسلاته ـ جزاه الله كل خير ـ ولا أرى فيه إلا معرفته الحقّة بما يعتري الشعراء من نزقٍ منطلقٍ بلا قيودٍ ونزوعٍ طفوليّ إلى التحرر والإنعتاق من كل فكرة ضاغطة ومشروع يفرض على الشاعرية ما يريده لا ما تريده هي ، وإذ نحيّي سعي الباحث الدؤوب نكبر كذلك الروح الولائية الوثّابة والاستجابة الكريمة التي أولاها الإخوة الشعراء لهذا المشروع الرائد.

لنقرّر إبتداءً بعض نقاط الإنطلاق كفرضيات قابلة للإمتداد التطبيقي في

____________

(1) هو : الأديب الناقد الأستاذ ثامر محمد الوندي ، شاعر ناقد ، مضطلع في الثقافة والفنون ولد سنة 1377 ه في البصرة ـ العراق ، يحمل شهادة الدبلوم في صحة البيئة ، له بعض المقالات النقدية المنشورة ، والنصوص المسرحية والقصصية والموشحات الإسلامية ، وله مشاركات شعرية في الملتقيات الأدبية والدينية.

194

قراءتنا للنصوص الشعرية وهي :

1 ـ إن الأحداث التي جرت في ليلة عاشوراء هي مادة أولية خام سيتناولها الشاعر أو الأديب في نصّه فيعمل كلّ على شاكلته ، بمعنى الإختلاف في طرق وأساليب التناول مما يفرز نتاجات مختلفة أو حتى متقاطعة متباينة لكنها مؤطّرة بالإطار الكلي العام.

2 ـ تباين الرؤيا الشعرية عن الرؤية التأريخية حيث تُعنى الثانية بالتطابق مع المقطع الزمني للحادثة بتفاصيلها في شكل الصدق الواقعي ، أما الاُولى فتُعنى بالعلاقة الضمنية أو حتى التلازمية مع الحادثة في شكل الصدق الفني الجمالي.

3 ـ إن الشاعرية عمل إنساني كباقي الأعمال الإنسانية الاُخرى ، ففيها عرض عريض بين القوة والضعف ، وبين الإجادة والكبوة ، والإتقان والرداءة ، فربما نواجه شاعراً مُجيداً لم تتوفر في نصّه هنا عوامل الإجادة والإتقان والتوفيق ، فلن تمنعنا إجادته في نصوصه الاُخرى عن مُساءلته نقديّاً والإشارة إلى مواطن الضعف في نصّه مع جليل إحترامنا لتجربته ورصيده.

4 ـ هناك نصوص شعرية مكتوبة للقراءة الشعرية سيكون انحياز الإهتمام والرعاية النقدية لها مبرّراً ، لقابلية مثل هذه النصوص على إعطاء الفحص والاستقصاء النقدي أكثر من مفتاح لذلك ، مع الاشارة المستعجلة لثلاثة أنواع من النصوص المنظومة الاُخرى : ـ أوّلها منظوم للتوثيق ، والثاني للخطابة ، والثالث للإنشاد.

5 ـ في غمرة هذا الخليط لم نجد ما يشترك به الشعراء والناظمون ليؤلّف سمة مشتركة يمكن تحديدها وإبرازها لذا آثرنا أن نتعامل مع النصوص بشكل مفرد

195

وقد أهملنا بعض النصوص إما لخلوّها من القيم الجمالية الفنية ، أو اختصاراً لوجود تجارب مشابهه مع الاعتذار من كل الاخوة.

6 ـ رأيت أن أتوسع مع الشاعر بولس سلامة لمقتضيات عقائدية ، لانّه كتب عن أهل البيت (عليهم السلام) وهو مسيحي الديانة ، ولمقتضيات فنية لانّ شعره نموذج للتجربة الشعرية الناضجة فنيّاً ، ولمقتضيات تأريخية لانّه كتب ملحمته شعراً عمودياً في سنين الخروج على هذا الشكل من النظم بالشكل الجديد المسمى ( الشعر الحر ) أعوام 1947 ـ 1948 م.

7 ـ سأبدأ بدراسة عامة لبعض السمات المشتركة عند شعراء المجموعة فأتناول أولاً الخطاب الشعري الخاص بالشعراء لليلة عاشوراء على المستوى المضموني ثم أدرس ثانياً وعلى المستوى الشكلي البنائي ظاهرة الإستحضار الحسي أو الشعوري في شعر بعض الشعراء الذين وثّقوا لحالتين أسميتهما على التوالي ( إتخاذ الليل جملا ... ودويّ النحل ) وهذه هي السمات المشتركة التي وجدتها في النصوص وإن لم يشترك فيها معظم الشعراء.

فنرجو أن تروق لكم هذه المحاولة ونسأل الله السداد والتوفيق.

196

القسم الأول : الخطاب الشعري لليلة عاشوراء

عندما نمتلك وعياً نقدياً مبسّطاً ونقرأ من خلاله المشهد الشعري المجاور لحركة بثّ المنظومة المعرفية الحسينية على إختلاف وسائطها ، لا نرى هناك إلا الشعر محرّكاً للوجدان والضمير الموالي ، ولا نجد سواه وَقوداً ملتهباً متأججاً بانفعالاته المتولدة من صوره وتراكيب ألفاظه وجمله.

فلو تأملنا مجلساً حسينياً بلا شعر ، فهل يستطيع خطيب أن يقرّب سامعيه من الأبعاد المأساوية بِقِطَعٍ نثرية ؟ وكيف سيتمكّن من تصوير المصاب بإغفال الجذوة الجيّاشة بالعواطف والأحاسيس والمشاعر التي يحملها الشعراء في حبات قلوبهم ؟ لابد من تأشير ذلك لئلا يُهمّش دور الشعر في الحمّى التبخيسية التي تتعرض لها كلّ الأنشطة الإنسانية الحقة والتي تملأ الفراغات الحساسة في حيات البشر ، بعد غَلَبة الأفكار المُسلّطة التي تحمل طابع السطو على المجالات والحقول المؤثّرة والفاعلة في الإنسان الفرد والمجتمعات.

ولعلّي أجد أكثر من مبرّر أحتمي تحت ظلاله في محاولتي قراءة نصوص المجموعة إنطلاقاً من النصوص نحو ليلة عاشوراء وليس العكس ، أي من ليلة عاشوراء نحو النصوص.

فليلة عاشوراء لا تحتاج الأدب إلا كحلّة لها ، وصورة تتجلّى بها ، ووتر يرنّم انشودة العطاء والفداء والتضحية.

ربّ سائل يطرح هذه الإثارة ( ما علاقة النقد الأدبي بليلة عاشوراء ؟ ) ونحن

197

بدورنا نجيب :

أنها علاقة أي نشاط إنساني حيوي بمبادئه وثوابته ومرتكزاته العقائدية والدينية من خلال الواقع والتاريخ الذي يعيشه ، فمادام هناك أدب يُكتب عن المأساة الحسينية ( شعراً كان أو غيره من الأجناس الأدبية والفنية ) فلابد من وجود نقد يختبر ويفحص ويؤشّر ويقوّم ويثمّن ويوجّه ويفتتح طرق التلقي السليم ويُشذّب أساليب القراءة الصحيحة.

فالنقد يُفعّل عملية الإلتفاف حول الأدب ( مؤلفين وقراء ) وكذلك هو يرفع من درجات الإهتمام بالنشاط الأدبي كنشاط إنساني ضروري يكتسب مشروعيته من حاجة الناس اليه لإيجاد حالة التوازن في الجانب الشعوري الوجداني لبني البشر.

وبعد .. فالشاعر الولائي بحاجة إلى الإحتضان والرعاية والإحتفاء ، لأنه المعادِل العاطفي الوجداني للعالِم والمفكّر والفيلسوف ، وهو حنجرة الأماني المستترة ، وصوت الضمير النابع من أعماق الذات المتفاعلة مع النداء الإلهي المتجلي ، دائماً وأبداً على صفحات الولاء الحق لحملة النور الرباني المتوهّج ، بسيد الأكوان والمخلوقات الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآلِ بيته المعصومين (عليهم السلام).

ليلة عاشوراء ما هي إلا محطة من محطات المسيرة العظيمة ، وهي موقف يمتد وأفق إنتظار لما سيحدث ، فلا غرو أن تُثير عند الشعراء كوامن الإبداع وينابيع العطاء ليقفوا أمام جلالها وعظمتها وقفة حيرة ووجل.

ما الذي يفعله كائن سينتهي في يوم ما من أيام الزمن مع واقعة تشمخ على قوانين الزمن الصارمة ؟.

إن لليلة عاشوراء من الخصائص ما يجعلها تحقق إمتدادات متنائية النهايات ،

198

ومساحات مترامية الأبعاد ، وحجوماً غائرة الأعماق في الوجود الإنساني عبر أزمانه المتعددة.

تُرسل الواقعة رسالتها ـ إلى هدا الكائن الحساس في زمنه المحصور المهشّم ـ عبر سياق يحفظ للرسالة هويتها وصفاتها ، وهذا السياق هو ـ عملية نقل الوقائع التاريخية المهمة ـ وسيكون هناك نظام إتصال مادّي يؤمّن وصول الواقعة بطزاجتها ونضارتها وحيويتها من المرسل ( ليلة عاشوراء ) إلى المستلم ( وهو الشاعر هنا ) وستنبري شيفرة محددة خاصة ـ يعرف الشاعر المستلم مفاتيحها ـ لإعادة حدوث الواقعة في ذهن المستلم.

بعد هذا ما الذي سيحدث ؟

هل يصح أن نعدّ المفردات التاريخية لليلة عاشوراء كمواد أولية خام للعملية التحويلية الشعرية التي ستتناولها أم لا ؟

إن مفردات ليلة عاشوراء ـ أحداثاً وشخصيات وحوارات وخِطباً ـ لحظات زمنية خاصة تجاوزة خصوصيتها المشخصة ، وتخطة إثباتها في السجلّ التاريخي لتستمرّ في نفض أغبرة النسيان عنها بنبض حيوي متصاعد لتتواصل ، مع كل اللحظات والأزمان الخاصة التي ستعقبها وتليها ، بنداء حيّ متدفق فتخاطب عقولاً وقلوباً لم تعش معها تلك اللحظة التاريخية ولم تعاصرها ولم تتزامن معها.

فهي مواد أوليّة لعملية الكتابة تشعّ إمكانات وقدرة وطاقة هائلة لا يمكن أن يحيط بكلياتها متأمل ، ولا يستطيع أن يستوعب جزئياتها متفكر ، فنرى الشعراء حيارى بين من يقارب الوثيقة التاريخية بنظمه موثّقاً ، وبين من يستبطن مفرداتها ويدور حولها متصوّراً.

199

سنقف عند أحد المداخل المتفاعلة مع الليلة ، وهذا المدخل هو الخطاب الذاتي الخاص بالشاعر عندما ينادي ليلة عاشوراء لنرى سمات وصفات وأبعاداً سنحددها تباعاً من مجمل خطابات شعراء المجموعة كالآتي :

أ ـ البعد المأساوي المجرّد :

لابدّ لظاهرة الألم والتوجّع أن تطفو على السطح في الغليان الإنساني المنفعل بالقضية الحسينية على وجه العموم ، لكني أقصد هنا حصر الخطاب الشعري لليلة عاشوراء بالصورة العامة للألم والمأساة بدون تفاصيل فنرى الشيخ النصيراوي يخاطبها :

ياليلة الحزن خطّي للنهى علما * * * فقد كتبناك في أعماقنا ألما

ب ـ البعد المأساوي المتجسّد :

وهو بعد يوضح أثر الليلة على حزن الشاعر ، حيث يتجسد هذا الحزن بصورة دمع يسيل دماً عند الشيخ المنصوري في خطابه لها :

بك يا ليلة الوداع الرهيب * * * سال دمعي دماً لرزء الغريب

أو أن يتجسد جمراً وحرقة في الأكباد عند السيد القزويني :

ليلة العاشر قد خلّفت حتى الحشر في الأكباد جمراً

ج ـ البعد الحركي :

وهو بعد يخاطب فيه الشاعر الليلة كحق مضيّع ، فيسقطها تاريخياً على

200

الحاضر والمستقبل ليتم التحرك نحو ثارات الإمام الحسين (عليه السلام) كما عند السيد مدين الموسوي :

لا تتركي حجراً على حجرِ * * * يا ليلة الأرزاء والكدر

صبّي على الدنيا وما حملت * * * من نار غيضك حارق الشرر

يا ليلة وقف الزمان بها * * * وجِلاً يُدوّن أروع الصور

ونهج الشاعر ناجي الحرز المنهج نفسه لكن بتفصيل بالمطالبة للثارات ليقول :

أليلة يوم عاشوراء عودي * * * بكلّ الصحوّ والهمم العظام

أعيدي فتحك القدسيّ زهواً * * * حسينياً على الداء العقام

وصبي النور في شرق وغرب * * * وليس على عراق أو شآم

لقد عمّ الظلام وعاد حياً * * * أبو سفيان ينفخ في الظلام

أو أن يتوجه الشاعر لكشف حركية الليلة وما تولّده في الحركة العامة للانسان والكون والحياة كما عند الشيخ مهدي المصلي :

ليلة أسهرت عيون الليالي * * * لترينا عزائم الأبطال

وترينا الشموس تفترس الليل * * * لتمحو عصر الليالي الطوال

وترينا التاريخ أشرق فيه * * * عِقد نور مُرصّع باللآلي

وترينا الإنسان يسمو على النجم * * * مناراً ورجله في الرمال

وترينا الليل الذي يلد الفجر * * * فيهوي ظلامه للزوال

أو هي حركيّة قيم ومُثُل وتجاوز على ثبات التاريخ في نداء أخلاقي سلوكي كما عند يقين البصري :

201

يا ليلةً يا مخاضَ الدهرِ يا حِقباً * * * قدسيةً يا نضالاً مورقاً ذهبا

يا ليلة من عذابات مطرّزة * * * بالكبرياء شطبت المحل والجدبا

يا ليلة عمرها التاريخ أجمعه * * * والمجدُ أشرفُه بالعزّ ما اكتسبا

أو هي حركية سموّ ورفعة على الزمن بأيامه ولياليه كما عند السيد محمد شعاع فاخر :

أليل سجى في كربلاء أم الحشر ؟ * * * تسامت به الأيام وافتخر الدهر

د ـ البعد الزمني المتقابل :

وهو بعد يقابل فيه الشاعر الليلة مع النهار كمفاهيم زمنية ليُخرِج الليلة من زمنيتها ولحظويتها كما عند الشاعر عبد الكريم آل زرع :

أليلة عاشوراء يا حلكاً شبّا * * * حنينكِ أدرى من نهارك ما خبّا

أما تقابل صفات الليل والنهار ، فبين السواد والبياض يعرض سعيد العسيلي ذلك :

هي ليلة كانت برغم سوادها * * * بيضاء تبعث في الهدى تغريدا

ه ـ البعد التشكيلي :

وهو بعد الإستبطان وإعادة الصياغة والإنشاء التصويري للمفردات ، فالليلة تبدو فاجعة في إنعكاسها عند الشيخ علي الفرج ليصفها هكذا :

أنت يا ليلة إنخساف المرايا * * * في وجوه السنين والأحقاب

ويطالب الشاعر جواد جميل الليلة أن تُطفئ شموعه بدم الطفوف في تشكيل صوري بين سيولة الدماء واشتعال الشموع في تقابل ( الماء ـ النار ) من

202

العناصر الأربعة في جدلها عندما يخاطب الليلة قائلاً :

آهِ يا ليلة الأسى والدموعِ * * * أطفئي في دم الطفوف شموعي

وسنتوسع مع أحد أبيات الشاعر جاسم الصحيّح فيما بعد والذي يحقق هذا البعد أيضاً حين يقول :

يا ليلة كست الزمان بغابةٍ * * * من روحها قمرية الأدغالِ

أما الشاعر فرات الأسدي فقد خاطب الليلة عبر إخراجها عن دلالتها الزمنية إلى دلالة تشكيلية ملونة بلون النزيف حقّق فيها ظاهرة لغوية قرآنيّة في التلاوة تسمّى تعانق الوقف ، فبإمكاننا أن نقرأ بيته التالي :

فَناوِلي دمه يا ليلةً عبرتْ * * * إلى النزيف جريح الخطو منسكبا

إمّا أن تكون شبه الجملة ( إلى النزيف ) عائدةً إلى ( يا ليلةً عبرت ) أو عائدةً إلى ( فناولي دمه ) لتندمج بذلك حالتا التشكيل الرؤيويّة واللفظيّة كما هو معهود عنده.

203

القسم الثاني : ظاهرة الإستحضار الحسي

بعد أن يتم الإتصال بين الشاعر ـ في لحظته الزمنية الهشّة .. وبين الواقعة التي تكرّست كموقف وجودي للإنسان النوعي في لحظتها الزمنية الخارجة على التسلسل الطبيعي لسيرورة الزمن ـ يقرّر الشاعر أن يشتغل على إستحضار الهيئة الحسيّة أو الشعورية للواقعة ، فيكون هناك مفترق طرق في أساليب التناول والمعالجة.

ولأن الواقعة أرسلت تفاصيلها رسالة إليه ( عبر نظام إتصال ماديّ ـ كتب المقاتل والسير والتأريخ عادة ـ ضمن سياق تاريخي حاضر يؤطرها ويحميها ويؤمّن توصيلها كمعنى حيوي وطازج ، إضافة إلى وجود شفرة شفافة موجّهة ومحفزة لانتباه المتلقي للرسالة ) عبر طريق إتصال كتابي ، فسيكون الإشتغال على الوثيقة المكتوبة الناقلة للواقعة كظاهرة لغوية فإما أن يطابقها باستنساخ فوري على ورقة أخرى ـ إن صح التعبير ـ أو أن لا يفعل ذلك ، ولغرض فحص هذه الفرضية سنتعرض ـ على مستوى الإمتداد التطبيقي للفرضية ـ إلى محطتين أو موقفين من مواقف ليلة عاشوراء الحافلة بالمواقف لنلاحظ كيف عالج الشعراء هذين الموقفين في شعرهم :

204

محطة ( اتخاذ الليل جملاً )

نبدأ أولاً بالنص الذي حاور به الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه ليلة العاشر من المحرم ليتركوه وحده للأعداء في نص يحمل كلّ أسرار البلاغة العلوية حين قال لهم : ( هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ).

فسنرى كيف تناول الشعراء مقطعاً منه تحديداً وإختصاراً وهو نص ( فهذا الليل فاتخذوه جملاً ) فعند محاولة استحضاره وأستضافته سيكون هناك استحضاران للأداء الشعري المقابل في صيغة إعادة إنتاج أو مقاربة متدرجة وهما :

1 ـ الإستحضار اللفظي :

في هذا الجزء من النصّ الأصلي ثلاث كلمات هي ( الليل ، فاتخذوه ، جملاً ) وبما أن السياق الذي جاءت فيه هذه الكلمات في النص هو سياق الخطاب النثري غير الموزون فسوف يقرّبه الشعراء إلى واقع النظم وفقاً لمتطلبات الأوزان العروضية التي سيستخدمونها ، وسنقسّم هذا الإستحضار اللفظي وفقاً لوجود الكلمات الثلاث إلى :

أ ـ لفظي تام :

إستطاع الشعراء أن يستخدموا الكلمات الثلاث فيه ومنهم الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في إرجوزته حيث قال من بحر الرجز :

205

الليل قد أجنّكم وأقبلا * * * فاتخذوه للنجاة جملا

وكذلك السيد محد رضا القزويني حيث قال من بحر الرمل :

أقبل الليل ألا فاتخذوه جملاً فالستر أحرى ...

ب ـ لفظي ناقص :

إستخدم الشيخ عبد المنعم الفرطوسي لفظة ( الظلام ) بدلاً عن لفظة ( الليل ) لمقتضيات عروضية إقتضاها النظم على بحر الخفيف فقال :

جنّ هذا الظلام فاتخذوه * * * جملاً للنجا وأضفى غشاء

ومن بحر الكامل قال السيد محسن الأمين في قصيدته ( همم على هام النجوم ) :

جاء المسا فدعاهمُ قوموا اذهبوا * * * فالليلُ ستر جهرهُ إخفات

وقال في قصيدته الاُخرى بعد أن إستبدل لفظة ( الليل ) بلفظة ( المساء ) ولم يذكر الكلمتين الأخريتين :

وأتى المساء وقد تجهّم وجهه * * * واليوم محتشد البلاء عصيبُ

قال اذهبوا وانجوا ونجّوا أهل * * * بيتي إنني وحدي أنا المطلوب

وقال السيد أحمد العطار بعد إبداله نفس اللفظة بلفظة ( الدجى ) ولم يذكر غيرها أيضا من بحر الخفيف :

إذهبوا فالدجى ستير وما الوقت * * * هجيراً ولا السبيل خطيرا

وكذلك الشيخ محمد سعيد المنصوري باستبدالها بلفظة ( الغروب ) ولم يذكر غيرها أيضاً من بحر الخفيف :

206

قال يا صحبي الكرام وفيتم * * * فاذهبوا في ظلام هذا الغروب

ومن الشعراء من ذكر لفظة ( الليل ) دون غيرها كما فعل الشيخ ابن مغامس من بحر الطويل :

ألا فارحلوا فالليل مرخٍ سدوله * * * عليكم ومنهاج البسيطة خالِ

وكذلك فعل الشاعر بولس سلامه من بحر الخفيف :

وخذوا عترتي وهيموا بجنح الليل * * * فالليل درعكم للنجاة

وكذلك الشاعر ابن الخلفة من بحر الكامل :

قوموا بحفظ الله سيروا واغنموا * * * ليلاً نجاة النفس قبل فواتها

وكذلك العسيلي في ملحمته من بحر الكامل :

هذا سواد الليل مدّ ظلامه * * * وجناحه من فوقكم مسدول

هيا إذهبوا إن الفلاة وسيعة * * * وجبالها حصن لكم ومقيل

وكذلك الشيخ النصيراوي من بحر البسيط :

ويعجب الناس أن الليل حين بدا * * * يمدّ جنحاً من الظلماء محتدما

قال الحسين لهم : خفّوا على عجل * * * فما سواي أراد المعتدون دما

وممن إستبدل لفظة ( الليل ) بتركيب ( قبل الصبح ) الشيخ لطف الله الحكيم فقال من بحر الكامل :

يا قوم من يُردِ السلامة فليجدَّ * * * السير قبل الصبح وليترحّلِ

2 ـ الإستحضار المعنوي :

جرى التفاعل هنا مع الصورة البصرية لاتخاذ الليل جملا ، فاستحضرت هيئة