ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
207

الركوب المجازية التي قالها الإمام الحسين (عليه السلام) ببلاغة التركيب المنتج للمعنى فتمّ للشاعر نزار سنبل باستحضار لفظي ناقص ـ كما أسميناه ـ أن ياتي باستحضار معنوي فيه الكثير من دقة المعنى فقال بعد أن مهّد لقوله بصورة مركبة عن إرتداء الدرب :

إرتدوا الدرب في الخفاء سراعاً * * * وإركبوا الليل أيّها الأزكياء

على أن الشاعر محمد سعيد المناميين يتوسّع مع قرينة الركوب ليفصّلها ويفكّكها إلى أدواتها ، ويوصل الركوب إلى الإمتطاء فيخصصه لأن الإمتطاء يكون ركوباً على ظهور الحيوانات فقط ليطابق مع لفظة النص ( جملا ) معنوياً ويستبدل لفظة ( الليل ) بلفظة ( الظلام ) وهو المطلوب من الليل في حديث الإمام الحسين (عليه السلام).

لكن المناميين يتوغل في مطابقة المعنى بإيراده للفظة ( صهوة ) وأضاف ( الظلام ) اليها ، ليحسن لديه جمال التركيب أيضاً إضافة إلى الإيجاز والتمكّن من حصر كل هذا في مجزوء الخفيف حيث قال :

فامتطوا صهوة الظلامْ * * * أسرعوا لا تلفّتوا

محطة ( دويّ النحل )

بعد أن رأينا التعامل مع الصورة البصرية فيما سبق سنتناول الآن صورة ( دويّ النحل ) السمعية ، ومع إن استحضار الواقعة التاريخية يجري عادة على المستوى الشعوري حسّاً وانفعالاً ، فإن الصورة البصرية تكون قريبة الاثر في الاستحضار أكثر من الصورة السمعية لأسباب تتعلق بطبيعة حاسة البصر وقابليتها التخييلية فهي

208

تعطي الإنفعال مساحة أوسع من قابلية حاسة السمع على ذلك ، نظراً للمسحة الموضوعية الدقيقة التي تتمتع بها السمعيات.

فالسمع والمسموعات أكثر عقلنة ـ إن صح التعبير ـ من البصر والمرئيات. وفي موضوع معالجتنا للصورة السمعية التي تناولها شعراء المجموعة سنفترض وجود اسلوبين من الاستحضار هما :

1 ـ الإستحضار المقترب :

وهو استحضار تدرّج في الاقتراب من اللفظ على الأقل وورد على نوعين :

أ ـ مقترب مطابق :

وهو إستحظار جاء فيه التركيب كاملاً ( دويّ النحل ) مثلما أورده الشيخ هادي كاشف الغطاء في إرجوزته :

لهم دويّ كدويّ النحل * * * من ذاكر لله أو مصلِّ

وجاء في ملحمة ( أهل البيت (عليهم السلام) ) للشيخ الفرطوسي :

كدويّ النحل ابتهالاً ونجوى * * * لهم في غياهب الظلماء

أو إستخدام السيد محمد رضا القزويني له في :

ولهم فيها دويّ كدويّ النحل قد غادر وكرا

أو الشيخ محمد حسين الأنصاري حين قال :

ودويّ كالنحل في صلوات * * * لو أتوها على الوجود لزالا

أو السيد الأمين في قصيدته ( همم على هام النجوم ) :

209

بات الحسين وصحبُه من حوله * * * ولهم دويّ النحل لمّا باتوا

ب ـ مقترب غير مطابق :

وهو في إستحضار جزء من التركيب لمتطلبات ومقتضيات جعلته هكذا كما في بائية السيد محسن الأمين :

باتوا وبات إمامهم ما بينهم * * * ولهم دويٌّ حوله ونحيب

أو الشيخ محمد سعيد المنصوري عندما أورده ناقصاً :

ثم باتوا لهم دويّ تعالى * * * بالمناجاة للإله المجيب

وكذلك فعل الشيخ عبد الكريم آل زرع :

يقضّي بها صحب الحسين دُجاهم * * * دويّاً كمن يُحصي بجارحة تعبى

2 ـ الإستحضار المُزاح :

وهو استحضار يتمثّل اللحظة جمالياً من خلال طاقتها الصوتية ويتمادى أحياناً في إستخدام جزء صغير من الظاهرة الصوتية وهو إهتزاز الحبال الصوتية فيركّب صورة ذهنية مرتبطة بالجوّ العام لكنها مزاحة بالكامل عن ألفاظها في النص ، مثل هذا الإستخدام ورد في قصيدة فرات الأسدي ( الليلة الآخرة ) :

عكفت تشحذ للموت نصالا * * * أو تهزّ الليل ذكراً وابتهالا

أو تتم الإزاحة إلى ظاهرة صوتية طبيعية أخرى عبر إستحضار مقترب غير مطابق كما عند الشيخ المصلّي عندما أزاح النحل عن الدويّ ليشكل صورة أخرى بربطه للدويّ بالنهر في إنشاء تصويري يفيض إيحاءً وترميزاً فيقول :

210

في دويّ كالنهر يملؤه التسبيح * * * ينساب من رُبى شلال

لكن الإزاحة عند الشيخ علي الفرج جاءت متشابكة مع الإقتراب المطابق حيث استخدم التركيب كاملاً ( دويّ النحل ) وأضاف اليه ظاهرة الإهتزاز أيضاً ليصورهما في بيت محبوك بحنكة ودراية وتأمل :

عجب أن أرى لديك ( دويّ النحل ) * * * يهتزّ من اسود الغاب

وقُصارى القول أن التحام الشاعر مع هذه الليلة الجليلة القدر يتم بوجل وخوف وخصوصاً عندما يتم اختيار الشعر لتوثيق الواقعة أو توصيلها بشكلها الشعري ، فكما هو معلوم ، فالشاعر ليس مدوّناً ولا موثّقاً ولا مسجّلاً للأحداث ، لكنه كائن نوعي ينفعل بواقعة عظيمة فيختار أن يوصلها عبر قنوات التعبير الفني والجمالي.

211

-

212

-

213

1 ـ للشيخ ابراهيم النصيراوي (1)

ليلة الحزن

يا ليلةَ الحزنِ خُطي للنُهى علما * * * فقد كتبناكِ في أعماقِنا ألما

ثارت بك الاُسدُ والعلياءُ مقصدُها * * * لِتحصُدَ الغيَّ مِمن عاثَ أو ظلما

هزَّتْ عروشَ بني سفيان قاطبةً * * * بصرخةٍ أسمعت من يشتكي الصمَما

قومٌ قليلونَ لكن عزمهُم جبلٌ * * * إذا دنا السيفُ منهم رنَّ وارتطما

اُولاءِ سُلاّكُ دربٍ قصده وهجٌ * * * مِنَ الضميرِ يرى فيض الدما نِعَما

يحدو بهم للمنايا نصرُ مبدئِهم * * * فعانقوا الفجرَ يَسقونَ العدى حِمما

ما زّل يوماً لهم في موقف قدمٌ * * * وما أقرّوا على ظُلمٍ لِمَنْ حكما

يستبشرون وهم في ليلةٍ مُلئتْ * * * رُعباً كأنّ المنايا كانت الحُلما

جَنَّ الظلامُ وأرضُ الطفِ مشرقةٌ * * * بأوجهٍ لم يُخالِط حُسنها السأما

تدنو المنيةُ والأصحابُ في شُغلٍ * * * عن الحياةِ ولم يَبدو لها ندما

ويعجبُ الناسُ إنّ الليلَ حين بدا * * * يَمدُّ جُنحاً من الظلماءِ مُحتدما

قال الحسينُ لهم خُفّوا على عجلٍ * * * فما سوايَ أرادَ المعتدونَ دما

____________

(1) هو : الخطيب الشاعر الفاضل الشيخ إبراهيم بن علوان النصيراوي ، ولد سنة 1376 ه في محافظة العمارة ـ العراق ، أكمل دراسته الأعدادية ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف عام 1399 ه ، وبعد أن أكمل مراحلها الأولى حضر درس السيد الخوئي (قدس سره) ، ومن تأليفاته : 1 ـ حديث كربلاء 2 ـ القواعد النحوية 3 ـ أعلام الفقهاء 4 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) ، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية والدينية.

214

هَبّوا وأعُينهم بالدمعِ ناطقةٌ * * * واللهِ دونكَ نرجو الساعةَ العدما

لو قطَّعونا بأسيافٍ لهم إرباً * * * لَما رضخنا ونمضي للفدا قُدُما

إنَّا على العهد لم نخذلكَ في غدنا * * * وكيفَ يخذلُ مَنْ في حُبكم فُطما

* * *

ثم انثنى لبناتِ الوحي ينظُرها * * * رأى الجلال على تلك الوجوهِ سَما

قد جلّلتهُنّ أيدي المكرماتِ فما * * * أرجفنَ في القول أو ثبَّطن من عزما

تقودهُنَّ إلى العلياءِ زينبُهمْ * * * تلك التي ورثت من حيدرٍ عِظما

قد ودّعت إخوةً عزّت نظائرُها * * * بأدمُعِ البِشرِ منها سالَ وانتظما

تضمُّ في كفّها قلباً لها وَجِلاً * * * وعَزمُها يتحدى ظالماً رَغما

تحكي علياً ويومُ الروعِ يعرفُه * * * يُعطي البسالةَ حقاً صارماً وفَما

ما احتجّ إلا وكان الندُّ مُنكسراً * * * أو كرَّ إلاّ وكان الخصمُ مُنهزِما

وهؤلاء بنوه الوارثون أباً * * * بسيفه وبه جبريلُ قد قسما

هُم هؤلاء لهم يهوى العُلا شرفاً * * * هُم هؤلاءِ رقوا في مجدهم قِمما

قد جَنّهم ليل حزنٍ حاملاً غُصصاً * * * لو مَست الطودَ أضحى صَلدُه رِمما

جيشانِ جيشٌ يحاكي الشمسَ منظرُه * * * وآخرٌ راح في درب الضلال عمى

يُعمّرون لهم ديناً على وهمٍ * * * وإنَّ أخسر شيءٍ من بنى وهما

-إبراهيم النصيراوي

8 / ذو القعدة / 1416 ه

215

الشيخ إبراهيم النصيراوي

هناك قلّة من خطباء المنبر الحسيني من يستطيع أن يفلت من متطلبات الخطابة عندما ينظم ، فهم ـ ومنهم النصيراوي ـ ذوو حس يتفوق عليهم فيوظّفون كل معارفهم لخدمة هذه الوسيلة المباركة للإتصال المحاطة بالعناية الإلهية المسددة.

فلا محيص من التسليم بنفور الشعر من أن يصغي ويعمل وفقاً لشروط ومتطلبات من خارج قوانينه ، فلذا تتميز القصيدة المنبرية بمميّزات سنشرحُها عندما نتعرض لنصوص الشيخ محمّد سعيد المنصوري وإني آمل من خلال معرفتي برغبة ونزوع الشيخ النصيراوي لتطوير قابليته الشعرية والخطابية أن يكون من القلّة من الخطباء الشعراء.

وأنوّه أن للنصيراوي قصائد ولائية أخرى نلمس فيها بدقةٍ هذا المنحى الذي لا نجده في قصيدته هذه عن ليلة عاشوراء.

216

2 ـ للشيخ ابن حمّاد ;

وفاء الأصحاب

لست أنساهُ حين أيقن بالموت * * * دعاهم فقام فيهم خطيبا

ثم قال الحقوا بأهليكُم إذ * * * ليس غيري أرى لهم مطلوبا

شكر الله سعيكم إذ نصحتم * * * ثم أحسنتم لي المصحوبا

فأجابوه ما وفيناك إن نحن * * * تركناك بالطفوف غريبا

أي عذرٍ لنا يوم نلقى * * * الله والطهر جدّك المندوبا (1)

حاش لله بل نواسيك أو يأخذ * * * كلّ من المنون نصيبا

فبكى ثم قال جوزيتم الخير * * * فما كان سعيكم أن يخيبا

ثم قال اجمعوا الرجال وشبّوا * * * النار فيها حتى تصير لهيبا

وغدا للقتال في يوم عاشوراء * * * فأبدى طعناً وضرباً مُصيبا

فكأنّي بصحبه حوله صرعى * * * لدى كربلا شباباً وشيبا (2)

____________

(1) هكذا ورد في المنتخب وواضح أن صدر البيت جاء على مجزوء المتدراك المرفّل أي ( فاعلن فاعلن فاعلاتن ) وليس من بحر الخفيف الذي نظمت عليه القصيدة.

(1) المنتخب للطريحي : ص 399 ـ 400.

217

3 ـ للشيخ ابن مغامس ;

الإمام المفدّى

فديتك من ناعٍ إلى الناس نفسَهُ * * * وموذنِ أهليه بوشكِ وبالِ

كأن حياةَ النفسِ غير أحينةٍ * * * فمالك لا ترنو لها بوصالِ

لعمرك إن الموتَ مُرٌّ مذاقُه * * * فما بالُ طعم الموتِ عندك حالي

فديتُ وحيداً قد أحاط برحلهِ * * * لآل أبي سفيان جيشُ ظلالِ

يقول لأنصارٍ له قد أبحتُكُمْ * * * ذمامي وعهدي فاسمعوا لمقالِ

ألا فارحلوا فالليلُ مرخ سدولَهُ * * * عليكم ومنهاجُ البسيطةِ خالِ

فمالهم من مطلب قد تألَّبوا * * * عليه سوى قتلي ونهبِ رحالي

فقالوا جميعاً ما يُقال لنا وما * * * نقولُ جواباً عندَ ردِّ سؤالِ

تقيكَ من الموتِ الشديدِ نفوسُنا * * * ويرخصُ عندَ النفسِ ما هو غالِ

أمِنْ فَرَقٍ نبغي الفريق وكلُّنا * * * لأولاده والعيش بعدك قالِ

فطوبى لهم قد فاز والله سعيُهُم * * * فكلُهم في روضةٍ وظلالِ (1)

____________

(1) المنتخب للطريحي : ص 301.

218

4 ـ للسيد أحمد العطار (1) ;

اللؤلؤُ المنثور

لست أنسى إذ قام في صحبه * * * ينثر من فيه لؤلؤاً منثورا

قائلاً ليس للعدى بغية غيري * * * ولا بُدَّ أن أردّى عفيرا

اذهبوا فالدجى ستيرٌ وما الوقت * * * هجيراً ولا السبيل خطيرا

فأجابوه حاش لله بل نفديك * * * والموت فيك ليس كثيرا

لا سلمنا إذن اذا نحن اسلم * * * ناك وتراً بين العدى موتورا

أنخليّك في العدو وحيداً * * * ونولّي الأدبار عنك نفورا

لا أرانا الإله ذلك واختا * * * روا بدار البقاء مُلكاً كبيرا

بذلوا الجهد في جهاد الأعادي * * * وغدا بعضهم لبعض ظهيرا

ورموا حزب آل حرب بحربٍ * * * مأزقٌ كان شرّهُ مستطيرا

كم أراقوا منهم دماً وكأيٍّ * * * من كمّيٍ قد دمّروا تدميرا

فدعاهم داعي المنون فسّروّا * * * فكأن المنون جاءت بشيرا

____________

(1) هو : الحجة الفاضل السيد أحمد بن محمد بن علي بن سيف الدين الحسني البغدادي الشهير بالسيد أحمد العطار ، ولد في النجف الاشرف سنة 1128 ه ، كان فاضلاً فقيهاً اصولياً رجالياً ، أديباً شاعراً ، عَلماً من اعلام عصره ، وله مؤلفات في الفقه والأدب منها 1 ـ التحقيق في الفقه 2 ـ اصول الفقه في مجلدين 3 ـ رياض الجنان في اعمال شهر رمضان 4 ـ الرائق في الشعر والأدب ، توفي (عليه الرحمه) في النجف الاشرف سنة 1215 ه راجع : ادب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ص 69 ـ 70.

219

فاجأبوه مسرعين إلى القتل * * * وقد كان حظهم موفورا

فلئن عانقوا السيوف ففي مق * * * عدِ صدقٍ يُعانقون الحورا

ولئن غودروا على الترب صرعى * * * فسيجزون جنةً وحريرا

وغداً يشربون كأساً دهاقا * * * ويُلقّون نظرةً وسرورا

كان هذا لهم جزاءً من * * * الله وقد كأن سعيهم مشكورا

فغدا السبط بعدهم في عراص الطف * * * يبغي من العدو نصيرا

كان غوثاً للعالمين فأمسى * * * مستغيثاً يا للورى مستجيرا

فأتاه سهمٌ مشومٌ به انقضّ * * * جديلاً على الصعيد عفيرا

فأصاب الفؤاد منه لقد * * * اخطأ من قد رماه خطأً كبيرا

فأتاه شمرٌ وشَمّر عن سا * * * عد أحقاد صدره تشميرا

وارتقى صدره اجتراءً على * * * الله وكان الخبُّ اللئيم جسورا

وحسين يقول ان كنت من يجهل * * * قدري فاسأل بذاك خبيرا

فبرى رأسه الشريف وعلاّ * * * ه على الرمح وهو يُشرق نورا

ذبح العلمَ والتقى إذ براه * * * وغدا الحقّ بعده مقهورا

عجباً كيف تلفح الشمس شمساً * * * ليس ينفك ضوؤها مستنيرا

عجباً للسماء كيف استقرت * * * ولبدر السماء يبدو منيرا

كيف من بعده يضيء أليس البدر * * * من نوره وجهه مستعيرا

غادروه على الثرى وهو ظل الله * * * في أرضه يقاسي الحرورا (1)

____________

(1) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ، ص 64 ـ 66.

220

5 ـ للأُستاذ بولس سلامه (1)

(1)

مناجاة الحسين (عليه السلام)

ناولوني القرآن قال حسين : * * * لذويه » وجدَّ في الركعاتِ

فرأى في الكتاب سِفرَ عزاءٍ * * * ومشى قلبه على الصفحاتِ

ليس في القارئين مثلُ حسينٍ * * * عالماً بالجواهر الغالياتِ

فهو يدري خلف السطور سُطوراً * * * ليس كلُ الأعجاز في الكلماتِ

للبيان العُلوي ، في أنفُس الأطهار ، * * * مسرى يفوقُ مسرى اللغاتِ

وهو وقفٌ على البصيرة ، فالأبصارُ * * * تعشو ، في الأنجم الباهراتِ

يقذف البحرُ للشواطىء رملاً * * * واللآلي تغوص في اللُّجاتِ

والمصلُّون في التلاوة أشباه * * * وإنَّ الفروق بالنيّاتِ

فالمناجاة شعلةٌ من فؤادٍ * * * صادق الحس مُرهف الخلجاتِ

____________

(1) هو : الأديب اللبناني الكبير الأستاذ بولس سلامه ،ولد سنة 1910 م في قضاء جزين ـ لبنان ، درس الحقوق في الجامعة اليسوعية ، وعمل قاضياً سنة 1928 م ، وتوفي سنة 1979 م ، له عدة دراسات أدبية وفكرية معروفة ، من مؤلفاته : 1 ـ أيام العرب ( ملحمة ) ، 2 ـ عيد الغدير ( ملحمة إسلامية ) ، تناول فيها سيرة أهل البيت (عليهم السلام) في أهم ما يتصل بهم واختتمها بمأساة كربلاء ، وقد أنتج هذه الملحمة على فراش الألم كما يُذكر ، وذلك باقتراح من المرحوم الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره).

221

فإذا لم تكن سوى رجع قولٍ * * * فهي لهو الشفاه بالتمتماتِ

إنما الساجد المُصلّي حسينٌ * * * طاهرُ الذيل ، طيّب النفحاتِ

فتقبّلْ جبريلُ أثمارَ وحيٍ * * * أنت حُمّلتهُ إلى الكائناتِ

إذ تلقَّاه جدُّه وتلاه * * * مُعجزاتٍ ترنُّ في السجعاتِ

وأبوه مُدوّن الذكر ، أجراه * * * ضياءً على سوادِ الدواةِ

فالحسين الفقيهُ نجلُ فقيهٍ * * * أرشد المؤمنين للصلواتِ

أطلق السبط قلبه في صلاةٍ * * * فالأريج الزكيّ في النسماتِ

المناجاة ألسُنٌ من ضياءٍ * * * نحو عرش العليِّ مرتفعاتِ

الإمام الحسين (عليه السلام) يرى جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

وهمت نعمةُ القدير سلاماً * * * وسكوناً للأجفن القلقاتِ

ودعاهُ إلى الرقاد هدوءٌ * * * كهدوءِ الأسحار في الربواتِ

وصحا غبَّ ساعة هاتفاً * * * « اختاهُ بنت العواتك الفاطماتِ

إنني قد رأيت جدي واُمي * * * وأبي والشقيقُ في الجناتِ

بَشّروني أني إليهم سأغدو * * * مُشرقَ الوجه طائرَ الخطواتِ »

فبكت والدموع في عين اُختٍ * * * نفثات البُركان في عبراتِ

صرختْ :ويلتاه ، قال : خلاك الشرُّ * * * فالويل من نصيب العتاةِ

الإمام الحسين (عليه السلام) يأذن لأصحابه بالتفرّق عنه

ودعا صحبَه فخفُّوا إليه * * * فغدا النسر في إطار البُزاةِ

222

قال إني لقيت منكم وفاءً * * * وثباتاً في الهول والنائباتِ

حسبكم ما لقيتم من عناءٍ * * * فدعوني فالقوم يبغون ذاتي

وخذوا عترتي ، وهيموا بجُنح الليل ، * * * فالليل درعُكم للنجاةِ

إن تظلوا معي فإن أديم * * * الأرض هذا يغصُّ بالأمواتِ

جواب الأنصار للحسين

(عليه السلام)

هتفوا يا حسين لسنا لئاماً * * * فَنخلّيك مُفرداً في الفلاةِ

فتقول الأجيالُ ويلٌ لصحب * * * خلَّفوا شيخهم أسير الطغاةِ

فَنكونُ الأقذارَ في صفحةِ التأ * * * ريخ والعارَ في حديثِ الرُواةِ

أو سُباباً على لسان عجوزٍ * * * أو لسان القصّاص في السهراتِ

يتوارى أبناؤنا في الزوايا * * * من أليم الهجاء واللعناتِ

سترانا غداً نشرفُ حَدَّ * * * السيفِ حتى يَذوبَ في الهبواتِ

يشتكي من سواعدٍ صاعقاتٍ * * * وزنودٍ سخيّةِ الضرباتِ

إن عطشنا فليس تَعطشُ أسيافٌ * * * تعبُّ السخين في المهجاتِ

لا ترانا نرمي البواتر حتى * * * لا نُبقّي منها سوى القبضاتِ

ليتنا يا حسين نسقط صرعى * * * ثم تحيا الجسوم في حيواتِ

وسنُفديك مرةً بعد اُخرى * * * ونُضحّي دماءنا مرّاتِ

* * *

223

أصبحوا هانئين كالقوم في عرس * * * سكوت مُعطّل الزغرداتِ

إنّ درع الإيمان بالحق درعٌ * * * نسجته أصابعُ المُعجزاتِ

يُرجع السيف خائباً ، ويردُّ * * * الرمح ، فالنصلُ هازئ بالقناةِ

مثلما يطعن الهواء غبيٌّ * * * فيجيب الأثير بالبسماتِ

يغلب الموتَ هازئاً بحياةٍ * * * لا يراها إلاّ عميق سُباتِ

فاللبيبُ اللبيبُ فيها يجوبُ العمر * * * في زحمة من الترّهاتِ

ويعيش الفتى غريقاً بجهلٍ * * * فإذا شاخ عاش بالذكرياتِ

ألمٌ في شبابه ، فمتى ولّى * * * فدمعُ الحرمان في اللفتاتِ

إنَّ ما يكسب الشهيدُ مضاءً * * * أمل كالجنائن الضاحكاتِ

فهو يطوي تحت الأخامص دُنيا * * * لينال العُلى بدهرٍ آتِ (1)

____________

(1) عيد الغدير لبولس سلامة : ص 262 ـ 265.

224

الأستاذ بولس سلامة

بسلاسة الألفاظ وعذوبتها ورقتها الوجدانية وجمال التراكيب والعبارات والجمل وبهاء صياغاتها ، وبكفاءة التخيّل وقدرة التأمّل والتصوّر تم لبولس سلامة ـ كشاعر متميز ـ أن يدور حول الحوادث والشخصيات والأمكنة في ليلة العاشر من المحرم ليقتنص ظلالها الشفّافّة فيوثّق التاريخ بريشة ساحرة ويرسم معادِلاً شعرياً للأفكار يحاذي ثباتها بمتغيراته ، ويوازي قطعيّتها باحتمالاته ، ويساوق أبديتها بلحظاته فيصطاد الرؤى الشعرية ويضع لها أجنحة تحلّق في آفاق الإبداع ويحيط الانفعال ليحرقه وقوداً للفكرة المقدسة الأبدية ، سنبدأ مع بولس سلامة من بيت جميل يقول فيه : ـ

فرأى في الكتاب سفر عزاء * * * ومشى قلبه على الصفحات

كيف يستطيع قلب أن يمشي على صفحات كتاب ؟ هذا ما سَنُسميه خرق المألوف وتجاوز السائد في اللغة والكلام اليوميين ، وهذا يتم للشاعر بعد إختياره الواعي بين أنساق الكلام وألفاظ اللغة ثمّ التأليف المتبصّر للكل من الأجزاء فيجد الشاعر مبرراته المقنعة للخروج على الاُلفة والعادات اللغوية كونه يتعامل مع البيان الإلهي ومع الإنسان الكامل ـ الإمام الحسين (عليه السلام) ـ فيقول مفسراً :

للبيان العلوي في ، أنفس الأط * * * هار مسرى يفوق مسرى اللغات

ومن هنا نرى أن القلب الذي يمشي على صفحات القرآن متابعاً للمسرى والطريق الإلهي الذي يجعل القلوب تتمشي على مفرداته والفاظه ونرى ـ أيضاً ـ أن

225

الشاعر يولي لفظة ( القلب ) إهتماماً خاصاً بقصد أو بدون قصد فنرى : ـ

1 ـ ( ومشى قلبه ... )

2 ـ ( فالمناجاة شعلة من فؤاد صادق الحس ... )

3 ـ ( أطلق السبط قلبه في صلاة فالأريج الزكي في النسمات )

ويكون التجاوز متمثلاً في تحول القلب إلى طائر مرتهن في قفص يطلقه الإمام الحسين (عليه السلام) في صلاته فيضوع من أثر التحوّل أريج يغمر النسمات.

هذا الإجتهاد المتميز في تركيب صور متجددة ومثيرة لهو نتاج الكفاءة في التخيّل المبدع والشاعرية المتحسّسة الدفّاقة التي تجتلي حالة الإتصال بالله تعالى عبر نورية المناجاة فتصوّرها هكذا :

فالمناجاة شعلة من فؤاد أو المناجاة ألسن من ضياء.

فالمناجاة عندما تكون قلبية فهي شعلة من فؤاد .. وعندما تكون لسانية فهي ألسن من ضياء .. ومن إشتعال الفؤاد وإنطاق الضياء يتحدد الإتصال من الإمام (عليه السلام) بالله الخالق الحق الذي أفاض من نوريته على الإمام وعلى أبيه (عليهما السلام) أيضاً.

فأبوه مدوّن الذكر ، أجراه * * * ضياء على سواد الدواة

فتتجمع الأجزاء النورية في وحدة عضوية تلفّ بناء القصيدة وتمنحه تماسكاً خفياً وقوة باطنية واُسّاً شاخصاً في مركز ثقل هيكل البناء ، ونقطة من نقاط الإرتكاز والثبات في عالم المعنى.

وهناك آلية اُخرى يستخدمها الشاعر ليؤكّد شاعرية نصه واختلافه ومغايرته لما هو سائد من آليات اللغة ، هذه الآلية الظاهرة في معالجته للمحسوسات والمجردات في تفاعل شعري يجمعهن ليعطي صفة إحداهن للاُخرى وبالعكس ،

226

في تآلف عجيب يؤكد غرائبية التصوّر والرؤيا التي تتفتّح على آفاق متعددة قابلة للقراءات المختلفة والتأويل المشروع ، فهو يهيّيء لحالة الحلم التي يتم خلالها التواصل بين الإمام (عليه السلام) وجده الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) [ بعد أن تم التواصل بينه وبين الخالق الحق ـ عزوجل ـ ] عبر هذه الآلية فنرى :

( وهمت نعمة القدير ...

إن نعمة القدير كمفهوم مجرّد إتخذت صفة حسية عندما ( همت ) أي سالت أو جرت ، لكن هذه السيولة أو الجريان الحسيّين توافقا مع مفهومين آخرين : ـ الاوّل مجرد هو السلام ، والثاني حسّيّ هو السكون ، في تآلف يجمعهما الإشتراك اللفظي في صوت حرف السين الذي تبدأ به اللفظتان ( سلام ـ سكون ) نقول مثلما قال الشاعر : إن نعمة القدير قد جرت سلاماً وسكوناً وهذا الجريان أو السيولة جريان بلين ورقّة ، فالفعل ( همى ) يعني السيولة أو الجريان برقة مثل تساقط الدموع السائلة على الخدود أو تساقط قطرات الندى من الأغصان فجراً ، فما أبرعه من تصوير للحلم لأن هذه النعمة الإلهية قد تساقطت على ( الأجفن القلقات ) لتمنحها ( السلام والسكون ) برؤيتها لسيد المخلوقات ( الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) )

وهمت نعمة القدير سلاماً * * * وسكوناً للأجفن القلقات

ودعاه إلى الرقاد هدوء * * * كهدوء الأسحار فى الربوات

وهناك امثلة اُخرى على هذه الآلية في تبديل موقع الحسّي بالمجرد أو بالعكس كما في ( معجزات ترنّ ) أو في ( المناجاة شعلة .. ) ( المناجاة ألسن .. ).

وهذه الآلية تصبّ ـ أيضاً ـ في مركز ثقل هيكل القصيدة كما قدمنا

هناك ـ أيضاً ـ تأثير الآداب المجاورة التي لابدّ أن تلقي ظلالها ـ بوعي من

227

الشاعر أو من غير وعي ـ فتظهر في نتاجه بشكل يدّل على التداخل أو إذا شئنا أن نستعير من أبي حيّان التوحيدي ما يدعوه ب ( المقابسة ) والذي يسمى حديثاً ب ( التناصّ ) والذي كان الجهد النقدي القديم يعدّه من السرقات عندما لا يتعاطف مع النصوص المتداخلة فيؤلف كتاب حول ( الإبانة عن سرقات المتنبي ) ويكون الرّد المتعاطف مع آليات التداخل بعبارة ( وقع الحافر على الحافر ).

ويُعلن النقد الأكثر حداثة عن عدم براءة أي نص من التداخل ونرى مثلاً في أحد أبيات القصيدة

مثلما يطعن الهواء غبيّ * * * فيجيب الأثير بالبسمات

اقتباساً واضح المعالم من الكاتب الأسباني سرفانتيس في روايته ( دون كيشوت ) الفارس الذي يقاتل طواحين الهواء برمحه في عبثية وغباء.

ثم نرى مسألة اُخرى تزيد النص وحدة وتماسكاً وهي النظرة إلى علاقات الإمام (عليه السلام) فهو يبدأ في الإتصال بالله ـ عزوجل ـ عبر قنوات ثلاث هي :

1 ـ القرآن ..

ناولوني القرآن قال حسين * * * لذويه وجدّ في الركعات

2 ـ الصلاة ..

إنما الساجد المصلّي حسين * * * طاهر الذيل ، طيب النفحات

228

3 ـ المناجاة ..

المناجاة ألسن من ضياء * * * نحو عرش العليّ مرتفعات

ليحدث بعد ذلك تصعيد جديد في علاقات الإمام (عليه السلام) في اتصاله بجده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عبر قناة الحلم ويكون في معيّة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ايضاً اُمه الزهراء وأبوه أمير المؤمنين وأخوه الحسن (عليهم السلام).

إنني قد رأيت جدي وامي * * * وأبي والشقيق في الجنات

ليحدث تصعيد ثالث في علاقاته من خلال إتصاله بشقيقته زينب (عليها السلام)

وصحا غبّ ساعة هاتفاً * * * اُختاه بنت العواتك الفاطماتِ

ثم يحدث التصعيد الرابع في لقائه بأصحابه وأهل بيته :

ودعا صحبه فخفّوا اليه * * * فغدا النسر في إطار البزاة

وتتم الدورة باللقاء بالله ـ عزّوجلّ ـ شهيداً والانتقال إلى العالم الآخر

إنَّ ما يكسب الشهيد مضاء * * * أمل كالجنائن الضاحكات

فهو يطوى تحت الاخامص دنيا * * * لينال العلى بدهر آت

هذه الحركات الخمس أعطت للقصيدة إيقاعاً داخلياً وهّاجاً ليضيف لهيكل القصيده دعائم بنائية متواشجة مع نقاط الارتكاز الاُخرى أو لِنَقُل : الخيوط التعبيرية والتوصيلية التي تنسج شبكة النص.

هناك ـ أيضاً ـ إستخدام الحوارات المختصرة المعبّرة بشكل فني ينمّ عن وعي مسرحي عال يترجم الحوارات الاصلية التي قيلت ليلة العاشر من المحرم

حسبكم ما لقيتم من عناء * * * فدعوني فالقوم يبغون ذاتي

مقابل ( إنّ القوم إنما يطلبونني ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري )

229

أو :

وخذوا عترتي وهيموا بجنح الليل * * * فالليل درعكم للنجاة

مقابل : ( وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ـ هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا )

أو :

ليتنا يا حسين نسقط صرعى * * * ثم تحيا الجسوم فى حيوات

وسنفديك مرة بعد اُخرى * * * ونضحي دماءنا مرات

مقابل :( قال زهير بن القين : والله وددت إني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أُقتل كذا ألف مرة )

وربما تكون بعض المقتضيات الفنية قد جعلته يبتكر في الحوارات مالم يُقل نصّاً بل ما يُستشعر بأنه سيقال حتى أنه جاء بلغة معاصرة لا يمكن لأنصار الحسين أن يقولوا مثلها في زمنهم بل يقولونها بلغة عصرهم الذي عاشوا فيه :

فنكون الأقذار في صفحة التاريخ * * * والعار في حديث الرواةِ

أو سباباً على لسان عجوزٍ * * * أو لسان القصّاص في السهراتِ

يتوارى أبناؤنا في الزوايا * * * من اليم الهجاء واللعناتِ

وهذا التمكن في إستخدام أدوات الفنون الاُخرى كالمسرح أضفى على القصيدة درامية في التعبير تضاف إلى الحصيلة العامة مما أسميناه بالخيوط التعبيرية والتوصيلية الناسجة لشبكات الإتصال بين النص والمتلقي حين تنكشف معطيات القصيدة كإنجاز نوعي على مستوى المبنى الحامل للمعنى بموقف جمالي متقدم.

230

(2)

الكوكبُ الفرد

أنزلوه بكربلاء وشادوا * * * حوله من رماحهم أسوارا

لا دفاعاً عن الحسين ولكن * * * أهل بيت الرسول صاروا أُسارى

قال : ما هذه البقاعُ فقالوا * * * كربلاءٌ فقال : ويحكِ دارا

هاهنا يشربُ الثرى من دمانا * * * ويثيرُ الجمادَ دمعُ العذارى

بالمصير المحتوم أنبأني جدّي * * * وهيهات أدفع الأقدارا

إنْ خَلَتْ هذه البقاع من * * * الأزهار تمسي قبورُنا أزهارا

أو نجوماً على الصعيد تهاوت * * * في الدياجير تُطلعُ الأنوارا

تتلاقى الأكبادُ من كُلّ صوبٍ * * * فوقَها والعيونُ تهمي ادّكارا

مَنْ رآها بكى ومن لم يزرها * * * حَمَّل الريحَ قلبُه تِذكارا

كربلاءُ !! ستصبحين محجّاً * * * وتصيرين كالهواءِ انتشارا

ذكركِ المفجع الأليم سيغدو * * * في البرايا مثلَ الضياءِ اشتهارا

فيكون الهدى لمن رام هدياً * * * وفخاراً لمن يرومُ الفخارا

كُلّما يُذكر الحسينُ شهيداً * * * موكبُ الدهر يُنبت الأحرارا

فيجيءُ الأحرار في الكون بعدي * * * حيثما سرتُ يلثمون الغبارا

وينادون دولةَ الظلم حيدي * * * قد نقلنا عن الحسين الشعارا

فليمت كلُّ ظالمٍ مستبدٍّ * * * فإذا لم يمت قتيلاً توارى

ويعودون والكرامةُ مَدّت * * * حول هاماتهم سناءً وغارا

231

فإذا أُكرهوا وماتوا ليوثاً * * * خَلّدَ الحقُ للأُسود انتصارا

سَمِعَتْ زينبُ مقالَ حسينٍ * * * فأحسّتْ في مُقلتيها الدوارا

خالتْ الأزرقَ المفضّض سقفاً * * * أمسكتُهُ النجومُ أن ينهارا

خالتْ الأرض وهي صمّاءُ حزنٌ * * * حمأً تحت رجِلها مَوّارا

ليتني مُتُّ يا حسينُ فلمْ * * * اسمع كَلاماً أرى عَليه احتضارا

فُنيتْ عِترةُ الرسولِ فأنتَ * * * الكوكبُ الفردُ لا يزالُ منارا

مات جدي فانهدَّت الوردةُ ال * * * زهراءُ حزناً ، وخلَّفتنا صغارا

ومضي الوالدُ العظيمُ شهيداً * * * فاستبدّ الزمانُ والظلُّ جارا

وأخوك الذي فقدناهُ مسموماً * * * فبتنا من الخطوبِ سُكارى

لا تَمُتْ يا حسينُ تفديكَ منّا * * * مُهجاتٌ لم تقرب الأوزارا

فتقيكَ الجفونُ والهُدب نرخيها * * * ونلقي دون المنون ستارا

شقّت الجيبَ زينبٌ وتلتها * * * طاهراتٌ فما تركن إزارا

لاطماتٍ خُدودهنَّ حُزانى * * * ناثراتٍ شعورهنَّ دثارا

فدعاهنَّ لاصطبارٍ حسينٌ * * * فكأنَّ المياه تُطفئ نارا

قال : إن مت فالعزاءُ لَكُنَّ * * * الله يُعطي من جوده إمطارا

يلبس العاقلُ الحكيمُ لباسَ الصبر * * * إن كانتْ الخطوبُ كبارا

إنّ هذي الدنيا سحابةُ صيفٍ * * * ومتى كانت الغيومُ قرارا

حُبّيَ الموتُ يُلبسُ الموتَ ذلاً * * * مثلما يكسفُ الّلهيبُ البخارا (2)

____________

(1) عيد الغدير : بولس سلامة : ص 250 ـ 253.

232

6 ـ للشاعر الأستاذ جاسم الصحيّح (1)

تأملات في ليلة عاشوراء

ذكراكِ ملءُ مَحاجِرِ الأجيالِ * * * خَطَرَاتُ حُزنٍ يَزْدَهِي بِجَلالِ

وَرَفَيفُ سِرْبٍ من طُيُوفِ كآبةٍ * * * تختالُ بينَ عواصِفٍ ورِماَلِ

يَا لَيْلَةً كَست الزمانَ بِغَابَةٍ * * * مِنْ رُوحِها ، قَمرِيَّةِ الأَدْغالِ

ذكراكِ مَلْحَمةٌ تَوَشَّحَ سِفْرُهاَ * * * بروائعٍ نُسِجَت من الأَهْوَال

فَهناَ ( الحسينُ ) يَخِيطُ من أحْلامِهِ * * * فَجْرَيْنِ : فَجْرَ هوىً وَفَجْرَ نِضَالِ

وَ أَماَمَهُ الأجيال ... يلمحُ شَوْطَها * * * كَابٍ على حَجرٍ من الإِذْلالِ

فيجيشُ في دَمِهِ الفداءُ ويصطلي * * * عَزْماً يُرَمِّمُ كَبْوَةَ الأجيالِ

* * *

وَهُنِا ( الحسينُ ) يُرِيقُ نبضَ فؤادِهِ * * * مُتَمَرِّغاً في جَهْشَةِ الأطفالِ

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ جاسم محمد أحمد الصحيّح ، ولد سنة 1384 ه في الجفر إحدى قرى الأحساء ، حاز على بكالوريس في الهندسة الميكانيكية ، ويعمل حالياً موظفاً في شركة آرامكو السعودية ، ومن نتاجه الشعري الرائع ، أربعة دواوين وهي : 1 ـ عناق الشموع والدموع 2 ـ خميرة الغضب 3 ـ ظلّي خليفتي عليكم 4 ـ سهام أليفة ، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية والدينية.

233

طَعَنُوهُ من صَرخاتِهِمْ بِأَسِنَّةٍ * * * وَرَمَوْهُ من أَنَّاتِهمْ بِنِبالِ

( فَأَحَلَّ ) من ثَوْبِ التجلُّدِ حَانِياً * * * وَ ( أفاَضَ ) في دَمْعِ الحنانِ الغالي

وانْهارَ في جُرْحِ الإباءِ مُضَرّجاً * * * بِالحُزْنِ ... مُعْتَقَلاً بِغَير عِقَالِ

فَتَجَلَّتِ ( الحوارءُ ) في جَبَرُوتِها ال * * * قُدْسِيِّ تجلو موقف الأبطالِ

مَدَّتْ على البَطَلِ الجريحِ ظِلالَها * * * وَطَوَتْهُ بين سَوَاعِدِ الآمالِ

فَتَعاَنَقاَ ... رُوحَينِ سَلَّهُمِا الأسىٰ * * * بِصَفَائِهِ من قَبْضَةِ الصَلْصَالِ

وعلىٰ وَقِيدِ الهَمِّ في كَبِدَيْهِما * * * نَضَجَ العِنَاقُ خَمَائِلاً ودَواَليِ

* * *

وَهُناكَ ( زينُ العابدين ) يَشُدُّ في * * * سَاقَيْهِ صَبْرَهُماَ على الأَغْلالِ

و ( سُكَيْنَةٌ ) باتَتْ تودِّعُ خِدْرَهاَ * * * فَتدِبُّ نارُ الشوقِ في الاَسْدَالِ

والنسوةُ الخَفِراَتُ طِرَنَ حمائماً * * * حيرىٰ الرفيفِ كئيبةَ الأَزْجَالِ

مَا زِلْنَ خلفَ دموعِ كل صَغِيرةٍ * * * يَخْمِشنَ وَجْهَ الـصبرِ بالأذيالِ

حتَّى تفجَّرَ سِرْبُها في سَرْوَةِ ال * * * أحزانِ فاحْترقَتْ مِنَ المَوَّالِ

ووراءَ أروِقَةِ الخيامِ حكايةٌ * * * أُخْرَى تتيه طيُوفُها بِجَمَالِ

فَهُناَلِكِ ( الأَسَدِيُّ ) يُبْدِع صورةً * * * لِفِدائِهِ ، حُورِيَّةَ الأشكالِ

ويحاولُ استنفارَ شِيمَةِ نخْبَةٍ * * * زرعوا الفَلاةَ رُجُولَةً ومعَالي (1)

نادى بِهِمْ ... والمجدُ يشهدُ أنَّهُ * * * نادىٰ بِأعظمِ فَاتِحِينَ رِجاَلِ

فإذا الفضاءُ مُدَجَّجٌ بِصوارمٍ * * * وإذا الترابُ مُلَغَّمٌ بِعَوَال

____________

(1) حكم ( دوالي ـ معالي ) النصب عطفاً.

234

ومشىٰ بِهِم أَسداً يقودُ وَرَاءه * * * نحو الخلودِ ، كتيبةَ الاَشْبَالِ

حتى إذا خدرُ ( العقيلةِ ) أجهشتْ * * * أستارُه في مَسْمعِ الأَبْطَالِ

ألقىٰ السلامَ ... فما تبقَّتْ نَبْضَةٌ * * * في قَلْبِه لم ترتعشْ بِجَلالِ

وَمذ الْتَقَتْهُ ـ مَعَ الكآبةِ ـ زينَبٌ * * * مخنوقَةً من هَمِّها بِحِبَالِ

قَطع استدارةَ دمعةٍ في خَدِّها * * * وَأَراَقَ خَاطِرَها من البَلْبالِ

وَتَفَجَّرَ الفرسانُ بِالعَهْدِ الذي * * * ينسابُ حول رِقَابِهم بِدَلالِ

قرِّي فُؤَاداً يا ( عقيلةُ ) واحفظي * * * هٰذي الدموع .. فإنَّهنَّ غوالي

ما دامتِ الصحراءُ ... يَحْفَلُ قلبُها * * * مِنَّا ـ بِنَبْضَةِ فارِسٍ خَيَّالِ

سيظلُّ في تاريخ كلِّ كرامةٍ * * * ميزان عِزِّكِ طافِحَ المِكْيَالِ

عَهْدٌ زَرَعْناَ في السيوفِ بُذُورَهُ * * * وَسَقَتْهُ دِيمَةُ جُرْحِناَ الهَطَّالِ

* * *

أمّا ( الفراتُ ) فَمُقْلةٌ مَشبُوحَةٌ * * * نحو الصباح ، مُسَهَّدُ السَلْسَالِ

يَتَرقَّبُ الغَدَ ... بِالدِمَاءِ يَزُفُّهُ * * * عَبْرَ امْتِدَادِ أَبَاطِحٍ وتلالِ

وَيَتُوقُ ( لِلْعَبَّاسِ ) يَغْسِلُ مَاءََهُ * * * بِأَجَلِّ مَعْنىً للوفاءِ ، زُلالِ

-جاسم محمد أحمد الصحيّح

24 / شهر رمضان / 1416 ه

الجفر ـ الأحساء

235

الأستاذ جاسم الصحيّح

(1)

نحن إزاء شاعرية تهندس خطابها بصخب هادر وتُزاوج رؤاها بليونة الطين في يد النّحات المتمرّس.

هناك مخطط في بناء القصيدة لا يُخطئ المتلقي في فرزه وتمييزه ، وهناك جهد يختبئ خلف سطور النص ، وهناك جدارة تنزوي خوفاً من قسوة التلقّي وبطشه ، لكن هناك جرأة وشجاعة على مستوى التعبير وعلى مستوى الخروج على النمط لا يستطيع القارئ إغفاله :

يا ليلةً كست الزمان بغابةٍ * * * من روحها قمريّة الأدغال

إنّ القوافي سلسة المجيء إلى نهايات البيت الشعري ولها ما يبرر مجيئها في حشو البيت ، لكن ما هذه الجرأة في التركيب ( غابة من روحها ) وما هذا الإنشاء التصويري في المزاوجة بين خطابه لليلة وبين إكتساء الزمان منها بضوء قمر جاء على شكل غابة من الروح أدغالها نورانية الإشعاع ؟

وسنلاحظ هذا النهج في أكثر من بيت عند الصحيّح مما يؤكد أصالة الإلتصاق والإلتحام بما هو جوهري في التأمل الشعري وكيفية معالجته.

والامثلة تتعدد في قصيدته الهادرة فمثلاً نلاحظ :

فهنا الحسين يخيط من أحلامه * * * فجرين : فجر هوى وفجر نضال

وهنا الحسين يريق نبض فؤاده * * * متمرّغاً في جهشة الأطفال

ونلاحظ ( متمرّغاً في جهشة الأطفال ) التي لها معنى بعيد عن المعنى

236

المعجمي المحدود ، وكأن الصحيّح انتشلها من نسقها القديم ونظّفها من أغبرة الإستخدام المألوف وركّب لها جناحين لتطير في سماء شاعريته ، ونرى أيضاً :

فتعانقا روحين سلّهماالأسى * * * بصفائه من قبضة الصلصال

وكأنه يقول إنّ الألم الإنساني في تجلّياته المأساوية يجرّد الإنسان من طينيّته ليسمو روحاً تعانق الأرواح القدسية المتآخية.

ونلاحظ ايضا :

قطع استدارة دمعة في خدّها * * * وأراق خاطرها من البلبال

هذا النظر إلى كتلة الأجسام التي يصوّرها وتحديد أشكالها داخل منظور هندسي تتشابك المفردات في تظليلها وتلوينها ، يكشف اللمسات البارعة للريشة المبدعة التي يقبض عليها جاسم الصحيّح بكل كفاءة واقتدار تجعل من شاعريته الفيّاضة متقدمة بخطوةٍ أوسع من مجايليه.

237

7 ـ للشيخ جعفر الهلالي (1)

(1)

ليلة الشجى

ليلةَ العشرِ كمْ بعثتِ الضَّراما * * * لقلوبِ الأنامِ عاماً فعاما

ليلةَ العشرِ ما تزال حكاياكِ * * * تُثير الشجى دموعاً سجاما

حدّثينا عن المآسي العظيما * * * ت توالت على الهدى تترامى

حدّثينا عن غربة السبط تُبدي * * * زُمرُ الشركِ في عداه الخصاما

يوم جاءت يقودها البغيُ ظُلماً * * * واستشاطت لحربه أقزاما

حاولت أن تذلَّه ليزيدٍ * * * أو يذوقَ المنونَ جاما فجاما

فرأتهُ صعبَ المجسَّةِ صُلبَ العودِ * * * يأبى له الحجى أنْ يُضاما

وبوادي الطفوف سجّل مجداً * * * كلَّما مرَّ ذكره يتسامى

بات والأهلُ والصحابُ تُناجيه * * * بنطقٍ تعطيه فيه التزاما

تتفداه بالبنين وبالأهل * * * وتستعذبُ الردى حينَ حاما

____________

(1) هو : الشاعر الخطيب الشيخ جعفر بن الشيخ عبدالحميد الهلالي ، ولد سنة 1351 ه في مدينة البصرة ـ العراق ، درس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف والتحق بكلية الفقه وتخرج منها عام 1386 ه بشهادة بكالوريوس في الشريعة الإسلامية وعلوم العربية ، ويُعدُّ من ابرز الخطباء المعاصرين ، ومن مؤلفاته 1 ـ معجم شعراء الحسين (عليه السلام) 2 ـ الملحمة العلوية 3 ـ ديوان شعر 4 ـ محاضرات إسلامية.

238

وعويلُ النساءِ والصبيةِ الأطفال * * * في ليلةِ الوداعِ يتامى

وابنةُ الطهرِ زينبٌ عمّها الوجدُ * * * فآبت تدعو الحسينَ الإماما

يا أخي من لنا يُحيط حمانا * * * إن فقدناك حارساً مقداما

ليت لا كان يومَ عاشوراء لكن * * * ما قضى الله كان حتماً لزاما

-الشيخ جعفر الهلالي

15 / شوال / 1416 ه

239

(2)

دجى الليل

يا ليلةَ العشر كم تسمو بكِ الفكَرُ * * * وفي دروسك ما تحيى به العِبرُ

رهطٌ لنسل رسول الله يطرده * * * عن داره موغلٌ بالظلم مؤتزرُ

رهطٌ تقاذفه البيداء لا سكنٌ * * * يأوي إليه ، عليه حَوّم الخطرُ

يا للعجائب كم للظلم من صورٍ * * * يأتي بها بشرٌ في فعله أشِرُ

مثل الحسين الذي في جدّه نَعُمتْ * * * هذي الأنام غدا يُجفى ويُحتقرُ

ونغلُ ميسون بين الناس حاكمُها * * * وهو الذي لم يصنه الدين والخفرُ

يُملي على السبط إذعاناً لبيعته * * * ودون ما يبتغيه الصارم الذّكرُ

حاشا ابن فاطمة أن يغتدي تبعاً * * * وهو الذي غُصنه ما عاد ينكسرُ

* * *

يا ليلةَ العشرِ من عاشور أيّ فتىً * * * قد بات ليلك لا ماءٌ ولا شجرُ

وحوله النسوةُ الأطهار ذاهلةً * * * وسط الخيام ومنها القلبُ منفطرُ

كلٌ تراها وقد أودى المصاب بها * * * وعندها من مآسي صبحها خَبرُ

وبنيها زينبٌ والهم يعصرها * * * ودمعها من جفون العين ينحدرُ

ترى الحسينَ أخاها وهو يُعلمها * * * بقتله والعدا من حوله كُثُرُ

240

فأعولت والأسى يُذكي جوانبها * * * ممّا دهاها ونار الحزن تستعرُ

فراح يطلب منها ان تشاطره * * * عُظمَ المهمة مهما يعظم الضررُ

يا اخت لا تجزعي ممّا يُلمُّ بنا * * * فذاك أمرٌ به لله نأتمرُ

* * *

يا ليلةَ العشرِ ما خرّت عزائم مَنْ * * * للبسط دون الورى في الحق قد نصروا

باتوا ومثلُ دوّي النحل صوتُهمُ * * * وللصلاة لهم في ليلهم وطرُ

وبين من يقرأ القرآن ديدنُه * * * حتى الصباح فما ملّوا وما فتروا

أكرم بهم من حماةٍ ما لهم شبهٌ * * * بين العباد وإن قلّوا وإن نزروا

هم إن دجى الليل رهبان سماتُهمُ * * * وفي النّهار ليوث الغاب إن زأروا

صلى الأله عليهم ما همّت سُحُب * * * وما أضاء بأنوار له القمر

-الشيخ جعفر الهلالي

7 / 12 / 1417 ه

241

الشيخ جعفر الهلالي

خطاب منفتح على ليلة عاشوراء لتحديد أثرها العاطفي حرقةً في القلوب على مدى التاريخ ، وحكايا تثير الأحزان دموعاً ساكبات ، ثمّ يدور الخطاب ليصبح حواراً مع الليلة أو مطالبةً بالحديث من الليلة كي تسرد الحوادث والمآسي وهي طريقة يختصّ بها الخطباء الشعراء ضمن طرقهم لشرح ما يدور من وقائع حيث يستنطقون حالةً ما أو شخصيةً ما أو غيرها في سرد الحوادث التي جرت على الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، والشيخ الهلالي من الخطباء الذين يوظّفون معارفهم وعلومهم وأدبهم خدمة للمنبر الحسيني فلا يفوته فنٌّ شعري أو أسلوب أدبي أو طريقة خطابة إلاّ وجنّدها في صفّه ليغني منبره ويجوّد خطابته ، وكيف وهو شاعر أيضاً يختار لمقدّمات خطابته ما جوّدته القريحة الموالية وما أحسنت صنعه الشاعرية المتفاعلة مع قضية الإمام الحسين (عليه السلام).

242

8 ـ للشاعر الأستاذ جواد جميل (1)

(1)

ودعيني

ودّعيني ففي غدٍ يشرب السيفُ وريدي ويحفرُ القلبَ نصلُ

وغداً تذعرين حين ترين الخيلَ في وجهها جنونٌ وقتلُ

وغداً تحملين أشلائيَ الحمراء غِمداً لألف سيفٍ يُسلُّ

وغداً تُنهب الخيامُ وخلفَ النارِ تبكي النسا ويهربُ طفلُ

وغداً لا يَظلُّ من يوم عاشوراء إلاّ جراحنا ... والرملُ

هاهنا تصرخ الرؤوس الخضيبات ويبكي على صداها النخلُ

وترضُّ الخيولُ صدري فيبكي النهرُ في صمته وتبكي الخيلُ

آهِ يا زينبَ البطولةِ خلّي الصبرَ رمحاً على خيامكِ يعلو

ودعي الدمعَ جمرةً ولهيباً من كُوى الغيب كلُّ آنٍ يَطلُّ

فطريقُ الخلودِ صعبٌ وفيه يفتحُ المرءُ جُرحَهُ أو يذلُّ

-جواد جميل

الأحد 27 شوال 1416 ه ق

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ جواد جميل ، ولد سنة 1373 ه في سوق الشيوخ إحدى مدن العراق الجنوبية ، تخرج من كلية الهندسة سنة 1395 ه ، وحاز على البكالوريوس فيها ، ومن نتاجه الأدبي الحسين (عليه السلام) لغة ثانية وله مجاميع شعرية اُخرى ، وله مساهمة فعالة في النوادي الأدبية والثقافية.

243

(2)

ليلة الأسى والدموع

آهِ ، يا ليلة الأسى والدموعِ ، أطفئي في دمِ الطفوف شموعي

ودّعيني أعيش في ظلمة الحزن ، فعمري شمسٌ بغير طلوعِ

وانثري في عيوني الجمرَ وقّاداً ، وخلّي اللهيب بين ضلوعي

وامسحي بالسواد لون وجودي فلقد كفّنَ الرمادُ ربيعي

واحمليني لكربلاءَ خيالاً بجناحٍ من عبرةٍ .. وخشوعِ

حيث نحر الحسين ينتظر الماءَ ، ويهفو لرأسهِ المقطوعِ

وجراحاته تئنُّ ، فيبكي ألفُ كونٍ ، على الصدى الموجوعِ

والشفاهُ المخضّباتُ نجومٌ شاحباتٌ من الظما والجوعِ

وتمنّى « الفراتُ » لو طهّرتهُ قطرةٌ من دماءِ نحر الرضيعِ

يا عيوني أين البكاءُ ؟ ففيضي هذه كربلا وهذا شفيعي

هذه كربلا ... وهذي الخيولُ الجُرْدُ تعدو على التريبِ الصريعِ

هذه كربلا ... وهذا رسول الله يبكي في ساعة التوديعِ

-جواد جميل

21 / 11 / 1416 ه

244

الأستاذ جواد جميل

شاعريّة الحيوية الإنسانية المتدفقة المنتصبة أمام الفناء والموت بكل شموخ الموقف الوجودي التفصيلي الذي يصون ويديم قيم الحياة ونقاءها الخلاّب ، شاعرية الرؤى والتأملات الهاربة خلف نزقٍ طفولي يمسك بطين الإبداع ليشكّله وفق أعين الكبار الذين يرون فيه توازناً وانسجاماً مفقوداً لديهم.

لذلك فشاعرها يبكيهم لكن ليس من أجل البكاء ، فلا يصل بكاؤه إلى مناطق العويل لأنه سرعان ما ينتبه إلى التدفّق والنموّ والنضارة والطراوة التي تحيط الأشياء فيهرب اليها بلا وقار ولا تصنّع.

إن النزق العابث هو روح شاعرية جواد جميل الذي يلائم نصّه مع حاجاته الإتصالية بكل سلاسة فهو ذو رؤيا ملتفتة بشدّة إلى البدء الاول أو إلى الجوهري والصميمي من الأشياء ، وعلاقته بمادته علاقة حدسيّة متوقّدة يستشرف النهايات بعمقٍ منذ الوهلة الاولى ، وهو أكثر إخلاصاً لما لم يتشكّل بعد ، وما لم يأت بعد ، وما لم يخن الجذور الاولى ، فتأتي قصيدته دائماً مثل حلم اليقظة ، حلم وطفولة وبدائية منفتحة على كل الإحتمالات والإمكانات من جهة ، وفي الجهة الاخرى هي يقظةٌ ووعي وموقف واستشراف للأبعاد المستترة والخفية ، ومن معطيات هذا الوعي واليقظة محاولة جادة متسلطة على قصيدة العمود ذات الشطرين لتحديثها من خلال ضخّ الكريّات الأدونيسية في دمها بشكل يمكن أن نصطلح على تسميته ب ( أدنسة العمود ) مع خشيةٍ حريصة على عدم تشتّت وتبعثر الأوليات إلى شظايا شعرية متناثرة ، فهذه المحاولة لا تزال في افق التجريب والإختبار ، مع كفاءتها في التوازي

245

والتجاور وقدرتها على الإمتداد والثبوت والإنطلاق.

أما عن قصيدتيه ( ليلة الاسى والدموع ـ ودّعيني ) فهما صدى محاكي لتجربة الشاعر في ديوانه الأخير ( الحسين .. لغة ثانية ) ولم تستطيعا تجاوز الافق الشعري الذي افترضته تلك التجربة المجدّدة ، بل إن الشاعر لا يزال يناغي الرؤيا ذاتها ويشتغل على موضوعة ليلة عاشوراء بنفس الآليات ولكن بمخطّطٍ مبتور عن الوحدة العضوية التي نسجت شبكات التعبير والتوصيل في الديوان ، فنراه قد لجأ إلى تكنيك الحوار في كلتا القصيدتين ففي قصيدة ( ليلة الاسى والدموع ) كان الحوار يدور بين ذات الشاعر ـ كمحاوِرٍ نوعيّ ـ وبين الليلة ـ كمخاطَبٍ جماعي ـ له أن يردّ أو لا يردّ الخطاب ، مما جعل الحوار ذا بعد وطرف واحد فتقلّص إلى مونولوجٍ داخلي يسرد ما يحدث بإحاطة وشمولية العارف بكل شيء.

وفي قصيدة ( ودّعيني ) يرتدي الحوار حنجرة الإمام الحسين (عليه السلام) محاوراً الحوراء زينب (عليها السلام) في عرض بانورامي لما سيحدث بلغة التنبؤ وإستشراف المستقبل.

وعلى مستوى الألفاظ وطرق تركيبها فهو لا يتجاوز قاموسه الخاص ولا يتخطّى طرقه المعتادة في التركيب والبناء ، فلا يزال النسق الناري ينتظم بمفرداته ( إطفاء الشموع ، الشمس ، الجمر الوقّاد ، اللهيب ، النجوم الشاحبات ) وتدفّق مفردات النسق المائي ماثلة ( دم الطفوف ، انتظار الماء ، الظمأ ، الفرات ، قطرة من دماء ، فيضي ، يشرب السيف وريدي ، يبكي النهر ، الدمع ) إضافة للسيوف والأغماد والخيول والخيام والرماح والخضاب والرماد.

ومع انتظام الإيقاع وفق ما يؤثره الشاعر من أبحر الشعر فقد إختار تراكب الحركات الإيقاعية لبحر الخفيف لتنظيم هيكلية القصيدتين البنائية.

246

9 ـ للشيخ الخليعي ;

الصبر الجميل

ها هنا تُنحر النحور ولم يبقَ * * * لنا في الحياة غير القليلِ

ها هنا يصبح العزيزُ من الأشراف * * * في قبضة الحقير الذليلِ

ها هنا تُهتك الكرائم من آلِ * * * عليٍّ بذلةٍ وخمولِ

من دمي يُبلَل الثرى ها هنا * * * واحرّ قلبي على الثرى المبلولِ

ورقى فوق منبرٍ حامد الله * * * يُثني على العزيز الجليل

ثم قال أربعوا فقتلي شفاءٌ * * * لصدورٍ مملوءةٍ بالذحولِ

فأجابوه حاشَ لله بل يُفديك * * * كلٌّ بالنفس يا بن البتولِ

فجزاهمُ خيراً وقال لقد * * * فُزتم ونلتم نهاية المأمولِ

ومضى يقصدُ الخيامَ ويدعو * * * ودّعيني يا أخت قبل الرحيلِ

ودّعيني فما إلى جمع شملٍ * * * بكم بعد فرقةٍ من سبيلِ

ودّعيني واستعملي الصبر إنّا * * * من قبيلٍ يفوقُ كلّ قبيلِ

شأنُنا إن طغت علينا خطوبٌ * * * نتلقّى الأذى بصبرٍ جميلِ

لا تشقي جيباً ولا تلطمي خداً * * * فإنّا أهل الرضا والقبولِ

واخلفيني على بناتي وكوني * * * خير مستخلفٍ لأكرم جيلِ

وأطيعي إمامك السيد السجّاد * * * ربّ التحريم والتحليلِ

فاذا ما قضيت نحبي فقولي * * * في الإله ( الجليل ) خير سبيلِ

واذكريني أذا تنفلتِ بالليلِ * * * عقيب التكبير والتهليلِ (1)

____________

(1) المنتخب للطريحي : ص 489 ـ 490.

247

10 ـ للشاعر الأستاذ سعيد العسيلي

(1)

فديتك يا أخي

هلاّ علمتَ بيوم عاشوراءِ * * * ماذا جرى من كربةٍ وبلاءِ

فيه الحرائر قد بكين من الأسى * * * وجفونهنّ نأت عن الإغفاء

وصغارهنّ تعجّ من فرط الظّما * * * والأرض تغرق حولهم بالماء

وتلفّ أنوار اليقين ضلالةً * * * كاللّيل لفّ البدر بالدّهماء

وصهيل خيل الظلم قد بلغ المدى * * * حتى تجاوز قمة الجوزاء

والشمس تحتضن الرماح كأنها * * * ترمي عليها ألفَ ألفِ غطاء

والحزن ضمّ جفون آل محمدٍ * * * وقلوبهم بنوازل البلواءِ

وبدا الحسين يسنُّ شفرة صارمٍ * * * فيه يواجه كثرة الأعداء

ويعاتب الدهرَ الخؤون بحسرةٍ * * * منها يقاسي شدة الأرزاء

سمَعتُه حاميةُ العيال فأسرعت * * * تَرنو اليه بمقلةٍ حوراء

قالت فديتُكَ يا أخيّ بمهجتي * * * وحشاشتي ومحاجري ودمائي

ليت المنيّة أعدمتني والفنا * * * رقصت مصائبه على أشلائي

تشكو زمانك هل يئست من البقا * * * وجماله يا فلذة الزهراء

يا غاسلاً بالدمع لون محاجري * * * حتى غدت كالشمعة البيضاء

سيطول بعدك يا أُخيّ تنهّدي * * * وتلوّعي وتأسّفي وبكائي

248

فأجابها اعتصمي بحبل محمدٍ * * * وتصبري فالصبر خير عزاء

قالت أتغتصب الهدوء وأنت في * * * همٍّ لتؤنس وحشتي وشقائي

فبكى وقال لها فلو ترك القطا * * * ليلاً لنام بمهمه الصحراء

آن الوداع وإنما هي ليلةٌ * * * فتودّعي من رؤيتي ولقائي

وأطلّ نور الفجر بعد أن انقضى * * * ليلٌ مريرٌ فيه كل شقاء

فمضى إلى صون العيال بخندقٍ * * * ترتدّ عنه غارة النذلاء

والنار فيه أوقدت ولهيبها * * * خلف الخيام يذيب عين الرائي

نادى على أصحابه مستبشراً * * * كالنور يضحك في دجى الظلماء

اليوم عرس شهادةٍ نرجو بها * * * رضوان خالقنا وفيض هناء

ودماؤنا تروي الفلاة وتكتسي * * * منها الرمال بحلّةٍ حمراء

والصّبر ليس لنا سواه إذا جرت * * * خيل الردى خبباً على البيداء

ورنت إلى خيل العدى أنظاره * * * فرأى بها بحراً على الصحراء

والموج يزخر بالضلالة والعمى * * * وبه تموت ضمائر السفهاء

فتوجّهت أبصاره نحو السما * * * ودعا بكل تضرعٍ وثناء

ربّاه أنت من المصائب منقذي * * * يا عدتي في شدتي ورخائي

أنت الكريم عليك حُسن توكلي * * * حمداً وأنت مُعَوّلي ورجائي

فاجعل خواتيم الفعال محجّة * * * بيضاء واكتبني مع الشهداء (1)

____________

(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 302 ـ 304.

249

(2)

رهبان الليل والنجم

سَلْ كربلاء ويومها المشهودا * * * وسَلِ السهول وَسلْ هناك البيدا

وسل الرّبى عمّا رأته من الأسى * * * والدمع أغرقَ سهلهَا وجرودا

وسل النجومَ البيض تعلم أنها * * * صارت على هول المصائب سودا

هذي الفواطم من بنات محمدٍ * * * يلبَسن من خوف المصير برودا

والجوّ مربدّ الجوانب قاتمٌ * * * والريح تبعث في الرمال وقيدا

ما كان يسمع غير وَلْوَلَة النسا * * * وصياحهن يفجّر الجلمودا

وبكاءُ أطفالٍ ونهدةُ مرضعٍ * * * لم تستطع أن ترضع المولودا

وبرغم قرب الماء ليس ينالُه * * * أحدٌ وباتَ على الحسين بَعيدا

من دونه خيلُ العدى وصوارمٌ * * * بيضٌ أقامت بالفرات سدودا

والظالمون تنكّروا لمحمدٍ * * * علناً وأمسوا للضلال عبيدا

وتبادرت للذبّ عنه عصبةٌ * * * عقدتْ على هام الزمان عقودا

تستقبل الموتَ الزّؤامَ كأنها * * * تلقى بمعترك النزال الغيدا

كانوا ضراغمةً يرون أمامَهم * * * جَيشاً كثيفاً أنكرَ التوحيدا

وبرغم ذلك يضحكونَ كأنهُمْ * * * فوقَ المعالي يرتقونَ صعودا

يتهازلون وهزلهم لا ينطوي * * * إلاّ على تقوى تصافح جودا

هذا بُرَير ضاحكٌ مستبشرٌ * * * وحبيبُ يَعزفُ للمنونِ نشيدا

250

رهبانُ ليلٍ والعبادةُ دأبُهم * * * أما الضحى فَيُرى الجميع أسودا

والليلُ يطربه نشيد صلاتهم * * * والنجمُ يرعى للأُبَاة سجودا

خطبوا الردى بدمائهم فكأنما * * * قد أمهروه ذمةً وعهودا

يفدون بالمُهج الحسينِ لأنهم * * * عرفوا ومُذ كان الحسينُ وليدا

أنّ الوصية لم تكن في غيره * * * والناس ما برحوا لذاك شهودا

وبرغم قِلتِهمْ ونَقصِ عديدِهم * * * كانت لهم غُرُب السيوف جنودا

هي ليلةٌ كانت برغم سوادها * * * بيضاء تبعث في الهدى تغريدا

راح الحسين السبط يُصلح سَيفَهُ * * * فيها ليهزم بالشفار حشودا

ويذيق أعناق الطغاة بحده * * * ضرباً يثير زلازلاً ورعودا

وبدا يعاتب دهره وكأنه * * * قد كان منه مُثقلاً مجهودا

ويقول أفٍّ يا زمان حملت لي * * * همّاً وكيداً حالف التنكيدا

عُميت بصائر هؤلاء عن الهدى * * * ولقيت منهم ضلةً وجحودا

والأمر للرحمن جلّ جلاله * * * كتبَ المهيمِنُ أن أموت شهيدا

سمعت عقيلة هاشمٍ إنشادَه * * * فأتتهُ تلطمُ بالأكفّ خدودا

وتقول واثكلاه ليت منيتي * * * جاءت وشقت لي فداك لحودا

اليوم ماتت يا ابن أميَ فاطمٌ * * * واليوم أصبح والدي ملحودا

واليوم مات أخي الزكّي المجتبى * * * والحزن سَهّد مقلتي تسهيدا

فأجابها كلُ الوجود إلى الفنا * * * إلا الذي وهب الحياة وجودا

لا تجزعي أختاه صَبراً واعلمي * * * أني سَالقى في الجنان خلودا

مهما تمردت الطغاة فإنما * * * جنح البعوضة أهلك النمرودا

251

وبكت حرائر آل بيت محمدٍ * * * وندبنَ بحراً للهدى مورودا

قال الحسين برقّةٍ نبويةٍ * * * حملت لهنّ من الفؤاد ورودا

لا تخمشنّ عليّ وجهاً إن أتى * * * حتفي وصرتُ على الثرى ممدودا

شدّوا العزائمَ واستعدّوا للعنا * * * ودعوا الرسالة تبلغ المقصودا

لا يستقيم الدّين إلا في دمٍ * * * من منحري إن سال يخضب جيدا

والخيل تمشي في حوافرها على * * * ظهري وتحتز السيوفُ وريدا

وبذاك أعتبرُ المنيةَ فرحةً * * * كبرى وأعتبرُ الشهادة عيدا (1)

____________

(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 295 ـ 298.

252

(3)

البدر بين النجوم

وكفاه فخراً أنّه للمرتضى * * * شبلٌ وللهادي العظيم سليلُ

والنورُ أدنى من ضياء محمدٍ * * * وكأنهُ بإزائه قنديلُ

وقفَ الحسينُ وحولَهُ أصحابُه * * * كالبدرِ ما بينَ النجوم يقولُ

هذا سوادُ الليل مَدّ ظلامَه * * * وجناحه من فوقكم مسدولُ

هَيّا إذهبوا إنّ الفَلاةَ وسيعةٌ * * * وجبالُها حصنٌ لكم ومقيلُ

ولقد وقفتُ إلى الوداع كأنما * * * يدعو إلى هذا الوداع رحيلُ

فالقومُ لا يبغونَ غير مقاتلي * * * فيها تجولُ بواترٌ ونصولُ

وغداً سألقى الظالمين بصارمٍ * * * منه الجبالُ على السهول تميلُ

فأدقُّ أصلاباً ثوى فيها الخنا * * * وأشقُّ أكباداً بها التضليلُ

ثابوا إليه كالأسود عوابسٌ * * * بعزائمٍ منها يغيضُ النيلُ

قالوا وقد زار اليقينُ قلوبَهُم * * * تفدّيك منّا أنفسٌ وعقولُ

فغداً ترانا بين معترك القنا * * * كالنار بين الظالمينَ نجولُ

وسيُوفُنا تشوي الوجوهَ كأنها * * * لهبٌ لها فوقَ الرقابِ صليلُ

لله يا تلك النفوس وقد أبت * * * إلاّ نزالاً ليس عنه بديلُ

فمضت لخالقها بعزّ شهادةٍ * * * طابت وقاتِلُها هو المقتول (1)

____________

(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 293.

253

(4)

على أعتاب ليلة عاشوراء

رَكبٌ يحلُ بكربلا وخيامُ * * * نُصبتْ وقد غَدرَتْ به الأيامُ

فيه حرائرُ آلِ بيتِ محمدٍ * * * تحت الهجيرِ على الرمالِ تنامُ

لا ظلَّ إلا الشمسُ حرَّ لهيبها * * * نارٌ بها تتقلّب الأجسامُ

تهفو إلى ماء الفُراتِ ولا ترى * * * إلا الأسنّةَ حَولهنَّ تُقامُ

والخيلُ تصهلُ والسيوفُ لوامعٌ * * * والجوّ فيه غِبرةٌ وقتامُ

والرعبُ خَيَّمَ والجفونُ دوامعٌ * * * والخوفُ بين ضلوعهنَّ سهامُ

عَجباً وأبناءُ الرسالة في عنا * * * ويزيدُ مِنْ فوقِ الحرير ينامُ

عجباً وسبطُ محمدٍ يشكو الظما * * * ويحيطُ فيه على الفُرات لئامُ

والشمرُ يَنعُمُ في الظلال وَيرتوي * * * من مائه ويلفُه الإنعامُ

لم لا تغيبـي يا نجومُ من السما * * * أسفاً ويحَتلُّ الوجودَ ظلامُ

والبدرُ يُخسفُ فى علاه وينتهي * * * عمرُ الكواكبِ والمعادُ يُقامُ

والناسُ تُنشرُ للحساب لكي ترىٰ * * * قوماً بأحضانِ الضلالةِ ناموا

واستكبرُوا وعتوا وضلّوا وانطوى * * * هَديٌ وعاشت فِيهُمُ الأصنامُ

منعوا الحسينَ من الورودِ كأنّما * * * هذا الورودُ على الحُسين حرامُ

أطفالهُ عَطشى تعجُّ من الأسى * * * ونساؤه طافتْ بها الآلامُ

فَكأنهُم حَرموا النبيَّ محمداً * * * من ماءِ زمزمَ والنبيُّ يُضامُ

254

باعَ ابنُ سعدٍ جنةً أزليةً * * * بجهنَّمٍ فيها يُشبُّ ضرامُ

أغراه مُلكُ الرّيّ فاختارَ الشقا * * * وتحكّمت بمصيرهِ الأزلامُ

نادى الخبيثُ إلى الوغى فتحرّكت * * * خيلٌ عليها سيطر الإجرامُ

ورأت تحرُّكَهَا العقيلةُ زينبٌ * * * فأصابها مما رأت أسقامُ

وتلفّتتْ نحوَ الحُسينِ وإذ به * * * غافٍ تُراود جفنَهُ الأحلامُ

قالتْ أُخيَّ شقيقَ روحي جانِحي * * * أَغَفَوتَ ؟ إنَّ الحادثاتِ جسامُ

هذا العدو أتاك يزحف وهو في * * * حقدٍ عليكَ تَقُودُه الظلاّمُ

فصحا وقال رأيتُ جدي المصطفى * * * حينَ اعترني بالغفاء منامُ

هو زفَّ لِي بُشرى نهاية مصرعي * * * بشهادةٍ يعلو بها الإسلامُ

ذُعرَتْ لما سمعت وجرّح قلبها * * * خبرٌ يهونُ لهولهِ الإعدامُ

راحت تنادي ويلتاهُ وحُزنُها * * * منه تذوبُ مفاصلٌ وعظامُ

وتحرّكَ العباسُ نحو من اعتدى * * * كالليثِ إنْ خَطُرَتْ به الأقدامُ

قال امهلونا يا طغاةُ إلى غدٍ * * * وغداً سيحكم بيننا الصمصام

ودعوا سوادَ الليلِ أنْ يلقي بنا * * * قوماً بُحبِّ صلاتِهم قد هاموا

واللهُ يعلم أنَّ سبطَ محمدٍ * * * ما راعَهُ كرٌّ ولا إقدامُ

لكنهُ يهوى الصلاةَ لربهِ * * * وله بها رغمُ الخطوبِ غرامُ (1)

____________

(1) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 288 ـ 290.

255

(5)

الجفونُ المُسّهَدة

فرَّ التقىٰ وتبرّأ القرأنُ * * * ممَّن بهِم تتحكّمُ الأوثانُ

إسلامُهُم ما كان إلا خدعةً * * * فيها تجلّى الزورُ والبهتانُ

باعوا الضمائرَ بالضلالِ وآثروا * * * دنُيا بها يتعطّلُ الوجدانُ

وعدوا الحسينَ بنصره وتخلّفوا * * * عنه وعهدُ محمّدٍ قد خانوا

والبغيُ أنهضهم إليه وأعلنوا * * * حَرباً عِواناً قادها الطغيانُ

وتجمّعوا حولَ الفُراتِ بخسةٍ * * * ما ردَهُم شَرفٌ ولا إيمانُ

أطفالُه مثلُ الورودِ بِلا ندى * * * والماءُ ـ جارٍ قُربُهم ـ غِدرانُ

والرعبُ حولَ نسائِهِ بعثَ الأسىٰ * * * فيهنَّ وهو محاصَرٌ ظمآنُ

سامُوهُ أن يَردَ الهوانَ أو الردىٰ * * * وهل الصقورُ تُخيفُها الغُربانُ ؟

فأبى الهوانَ لأنَّ فيه مذلةً * * * وبه لربّ محمدٍ عِصيانُ

أنَّى لشبلِ المرتضى أن يرتضي * * * عاراً حَوتهُ مذلَّةٌ وهوانُ

فاختارَ حرباً كاللهيبِ غمارُها * * * حمراء منها تفزعُ الأزمانُ

وتبادرت نحو المنيةِ عصبةٌ * * * معَهُ بها يستبشرُ الميدانُ

وسمتْ أماجدُها إليه كأنّهُ * * * مَلِكٌ سَمَتْ لجلالِه التيجانُ

ومَشتْ إلى الغمراتِ لا ترجو سوى * * * رضوانِه فتباركَ الرضوانُ

يمشي الهوينا نحو خيمةِ زينبٍ * * * أُمّ العيالِ وكلّهُ اطمينانُ

256

أصحابُهُ مثل الصقور ، كواسرٌ * * * عند اللقاء وكلهم إخوانُ

قالت هل استعلمتَ عن نيَّاتِهمْ * * * وثباتِهم إنْ جالت الفُرسانُ

فلعلَّهمْ قد يُسلموكَ إلى الردى * * * بالخوفِ أو يُغريهِمُ السلطانُ (1)

فأجابَها إني اختبرتُ ثباتَهم * * * فوجدتُهُم وكأنَّهمْ عُقبانُ

يستأنسونَ إذا المنيةُ أقبلتْ * * * والحربُ إن صَرَّتْ لها أسنانُ

كالطفلِ يأنسُ في محالبِ أمّه * * * ويضُمُهُ عندَ البُكاءِ حنانُ

وبكتْ حناناً والدموعُ تَسيلُ من * * * جفنٍ به تتوقدُ الأحزانُ

قال الحسينُ وقد تهدّجَ صوتُه * * * لا تحزني فلنا الجنانُ أمانُ

أُختاهُ إنَّ الصبرَ خيرُ وسيلةٍ * * * لا يَذهبَنَّ بحلمِكِ الشيطانُ

ومضت من الليلِ المُعذّبِ فترةٌ * * * سوداءَ لم تَغفُ بها الأجفانُ (2)

لكن أبيُّ الضيمِ مالَ لغفوةٍ * * * أذكت جواهُ ، وطرفُهُ وسِنانُ

وصحا فقالَ : رأيتُ كلباً أبقعاً * * * قُربي يلوحُ بوجهِهِ الكُفرانُ

أنيابُهُ حمراء تَنهشُ مهجتي * * * ويبينُ في قسماتِهِ الخزيانُ

ثم استعدوا للردى فتحنّطوا * * * والكلُّ منهُم ضاحكٌ جذلانُ

والطيبُ راحَ يُشمُّ مِنْ أجسادهم * * * طيباً به يستأنسُ الغُفرانُ (3)

____________

(1) لا نعرف سبباً لجزم ( يسلموك ).

(2) جاءت ( تغفُ بها ) على ( مفتعلن ) في حشو البيت وهي من العيوب العروضية الواضحة.

(3) كربلاء ( ملحمة ) للعسيلي : ص 299 ـ 301.