ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
257

الأستاذ سعيد العسيلي

مع وحدة البحر ( بحر الكامل ) واختلاف القوافي ينفتح سعيد العسيلي في ملحمته علىٰ آفاق تعبيرية أرحب تعينه شاعرية تدور علىٰ الوثائقية التسجيلية بريشة متوثبة تهرب من أسار التأريخية لتتأمل فتُصور ظلالاً ذاتية تتخطى النظم المدرسي وجفافه لتنثر عبير الشعر وعطوره في فضاء النص ولكن بتحرج وتردد سرعان ما يعود إلىٰ قفص التأريخ ليسجل حوادث الليلة بلغة التقرير والخطاب الإخباري لكن نزوعه الشعري ومثابرته لتحديد موقف جمالي تُداخل بين اللغتين وتوازن بين المنحيين فنراه مصوراً بارعاً تارة

في :

والشمس تحتضن الرماح كأنها * * * ترمي عليها الف الف غطاءِ

أو :

يا غاسلاً بالدمع لون محاجري * * * حتىٰ غدت كالشمعة البيضاءِ

ونراه يزاوج التسحيل الوثائقي بالفن الشعري في :

ليت المنية اعدمتني والفنا * * * رقصت مصائبه علىٰ أشلائي

أو :

قالت اتغتصب الهدوء وأنت في * * * همٍّ لتؤنس وحشتي وشقائي

فلاحظ في ( والفنا رقصت مصائبه على أشلائي ) تداخل الوثيقة بالفن وكذلك ( أتغتصب الهدوء ) فحوارات الحوراء زينب (عليها السلام) تُقال عند العسيلي بلغةٍ فنيّة

258

جمالية تناسب عصرنا الحاضر مع عدم فقدانها للدلالة الأصلية التي قيلت من أجلها ، لكنه يخفق أحياناً في إضافاته عندما يتقابل نصه مع نص مثبّت من تلك الليلة العظيمة كما في المثال التالي :

ويقول افٍّ يا زمان حملت لي * * * هماً وكيداً حالف التنكيدا

عميت بصائر هؤلاء عن الهدى * * * ولقيت منهم ضلةً وجحودا

والأمر للرحمن جلّ جلاله * * * كتب المهيمن أن أموت شهيداً

فأعادة صياغة النصّ الاصلي جاءت مهلهلة ومترهلة ونستطيع أن نعزو ذلك إلى أن التقابل هنا تم مع نص شعري للإمام الحسين (عليه السلام) وهو إرجوزة وجدانية تفجّعية قالها الإمام (عليه السلام) من صفاء روحه الطاهرة وهي عصية على الترجمة واعادة الإنتاج بألفاظها الرقيقة وجرسها المنغّم الدافق ولا نراها تحمل سمة زمانية محددة بل هي لا تعبر عن لحظتها التأريخية فقط لكنها جاءت بلغة طافحة فوق كلّ زمان كنشيد أبديّ خالد ولذا ظهر عجز العسيلي عن التواشج معها والمقابسة وأخفق قبله الشيخ الفرطوسي عندما حاول محاذاتها في :

وهو يتلو يا دهر كم لك غدراً * * * من قتيل مضرّج بالدماءِ

لك اُفّ على مرور الليالي * * * من خليل مولّعٍ بالجفاءِ

علىٰ إننا نثني علىٰ شجاعة المحاولة وجرأة التجريب فتجربة العسيلي فيها الكثير الكثير من التجاوز على عادية الطريقة التسجيلية ومألوف الاسلوب التوثيقي مما يمتع المتلقي الباحث عن الفن والجمال.

259

11 ـ للشاعر الأستاذ سلمان الربيعي (1)

المساء الأخير

زينب (عليها السلام) تخاطب ليلة العاشر

طُلْ يا مساءُ فلا أروم صباحا * * * إن كان صبحُك للأسى مفتاحا

لو دَرّ ضرع الصبح خيراً لإمرىءٍ * * * فأنا سأُسقى ضيمَهُ أقداحا

وإذا تلألأ نورُهُ متبّسماً * * * ألقى عليَّ من الهموم وشاحا

يا ليلُ لم أسأم ظلامكَ طالما * * * عيناي تُبصرُ كوكباً لمّاحا

فمتى انجليت فسوف أُفجع بالذي * * * عنّي يزيل الغمَّ والأتراحا

لو كنت تعلمُ ما يحلُّ بنا غداً * * * لم تَطْوِ عن أفق الطفوف جناحا

يا ليلُ انَّ الأمّ تَسعدُ بابنها * * * وبه ترى صفو الحياةِ مُتاحا

ومتى توارى شخصُه عن عينها * * * قَضَت الحياةَ تأوّهاً ونواحا

فَلَكَمْ قلوبٍ سوفَ تذرفُ مِنْ دمٍ * * * دمعاً يفوقُ العارضَ السَّحّاحا

فغداً جميعُ الطاهرات بكربلا * * * كلٌّ ستثكل سيداً جِحجاحا

يا ليلُ صُبحك متخمٌ بفجائعٍ * * * دمها سيغمرُ أنجداً وبطاحا

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ سلمان عاصي الربيعي ، ولد سنة 1951 م في الحلّة ـ العراق ، له مشاركات في النوادي الأدبية والدينية ، صدر له ثلاثة دواوين شعرية : 1 ـ على أعتاب الديار 2 ـ الديار المحجوبة 3 ـ طيف الوطن.

260

فغداً بأرض الطفِّ طُهْرُ دمِ الهدى * * * يغدو بشرع الظالمين مُباحا

حيث الطغاةُ على ابن بنت نبيِّهم * * * جيشاً أراهم حشَّدوا وسلاحا

وأراه قلباً ظامئاً ما بينهُمْ * * * وسيوفُهم قد أثخنتْهُ جراحا

وأرى أخي العباس من طعن القنا * * * نسراً له جذَّ الطغاةُ جناحا

وعلى رمال الطفِّ أجساداً أرى * * * زُحلاً شأت بعلوّها وضُراحا

وجليلُ ما تبكي له عينُ الهدى * * * ويزلزل الأبدانَ والأرواحا

نحرُ الرضيعِ غداةَ يُرسَلُ نَحوَهُ * * * سَهمُ ( ابن كاهل ) خارقاً ذبّاحا

وأرى عيالَ محمدٍ أسرى العدى * * * مَنْ ذا سَيُطلِقُ للأسير سراحا

يا ليلُ إذ يقعُ الذي يُدمي الحشا * * * أتوَدُّ عيني أن ترى الإصباحا

إنّا إلى حكم الدعيِّ ورهطه * * * هيهات نَركنُ أو نلين جماحا

فليقتفِ الأحرارُ نهجَ زعيمِهِم * * * ليرَوْهُ في آفاقهم مصباحا

وليقصد الظمآنُ ماءَ غديرنا * * * ليذوقَ من فيض الجنان قراحا

لو لا دمانا ما استقامَ لمسلمٍ * * * دينٌ ولا بدرُ الكرامةِ لاحا

ما سال من نحر الحسين بكربلا * * * للمجد خَطَّ المنهجَ الوضاحا

-أبو أمل الربيعي

24 شوال 1417 ه

261

الأستاذ سلمان الربيعي

قصيدة الربيعي مثبّتة في المتن الشعري كنصٍّ يستحضر بإخلاص وجهد تجربة تدّعي التجارب الشعرية الجديدة أنها قد طواها الزمن لكن الربيعي يراها لا تزال حيّة ونابضة وله الحقُّ في ذلك طالما أن هناك فئات كثيرة من القرّاء لا زالت تستحسن ذلك وتعدّه صحيحاً وتجد في الربيعي من الشعراء مَنْ يُرسّخ ويثبّت هذا الإستصحاب لِما كان في نتاجه الغزير لإثراء هذا التوجه كمّاً ونوعاً.

وللإنصاف فالربيعي من الشعراء المعدودين الذين يواصلون سدّ إحتياجات المنبر الحسيني إلى الجديد من النصوص خطباء ومنشدي عزاء وهو شاعر على أهبة الإستعداد لتلبية نداءات الولاء والقضية الحسينية.

والقصيدة عند الربيعي تعبويّة التوجّه مخطّطٌ لها بإحكام يركن بجدّ إلى معطيات علوم العربية في كلّ تشعّباتها من نحوٍ وصرف وبلاغة وبيان ومعان وعروض ، وأغلب شعره يُرى فيه قابليته لأن يكون شاهداً من شواهد العلوم.

فالربيعي يستعرض ما تعلّمه من فنون وعلوم في شعره وخصوصاً في تفريعات العلوم اللغوية ويرى فيه نوعاً من الإنتماء إلى الأصيل والثابت الذي يشكّل هويته الشعرية والذي يُخلص في الالتحام به على الرغم من كون هذه النظرة نظرة تراثية إلى التراث نفسه ، لكن الربيعي يحتمي تحت سقفها وله فيها كل الحق.

ولا زلت أرى في خروجه على طوق النظم في بحر الكامل ـ الأثير لديه ـ وتثبيت هذا الخروج إنفتاحاً على إمكانات بنائية تمنحها الأبحر الأخرى للربيعي الذي بدأ ذلك في مجموعته الشعرية الثالثة ـ طيف الوطن ـ ولكن بحذرٍ شديد وتوجس.

262

12 ـ للشاعر الأستاذ شفيق العبادي (1)

إلى سيدتي الذكري

أطلّي ...

فقد أينع الشوقُ وانداحَ عطرُ الحنين

وجئنا على الوعد يا امرأةً زادُها الحزنُ والذكرياتْ

لأبنائها الراحلينْ

مع الشمس كي يُشعلوا ظُلمات المساءْ

لنقطف من شجر القلب أشهى القصائدْ

وننثُرها بين كفّيك يُنبوع ماءْ

قرابينَ

لكنها ...

ـ يالفرط البلاهة ـ

من أحرف مطفآت

لكيما ...

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ شفيق معتوق العبادي ، ولد سنة 1385 ه فى تاروت ـ القطيف اكمل الثانوية العامة ، يعمل حاليا موظّفا فى كلية الطب بجامعة الملك فيصل بالدمام ، يكتب الشعر والمقالة والقصة وينشر نتاجه الأدبي في الصحف المحلية وبعض الصحف العربية ، كتب عنه في عدد من الكتب التي تناولت ادب المنطقة وفي الدوريات الأدبية وله مشاركات بارزة على الصعيد الادبي والثقافي.

263

تُضمّد أحزانها وتطيرْ

وتبقين وحدك في وحشة الدرب

ترعين غرس الدماءْ

* * *

ولكنه العشق سيّدتي فاعذريني

إذا ما خدشتُ حياء القصيدةْ

فجاءتْك ترقص في موكب الحزن مأنوسة بالجراحْ

وقد راح غيري يروّيك بالأدمع الخاثراتْ

ففي حضرة الوجد مَنْ ذا يُطيق إغتصاب الحروفْ ؟

* * *

إذا ما انتحيت عن السرب حلّقتُ وحدي

أُعير جناحيَّ للريح كيما تحلّقَ بي للفضاءْ

فلا أُفق .. غير العيون المليحات يستوطن الشعرَ

لا شيء يُطرب هذا اليراع المعنّى

سوى لغةٍ منكِ تُذكي لظاهْ

ليرحلَ نحو النجومِ البعيدةْ

264

ويبحثَ عن لغةٍ طعمُها العشقُ

عن لغةٍ لونُها العشقُ

كي يستعير القوافي

ليستلهم الذكريات العذارى

ويروي الحروف الظماءْ

ويعزف من وجع القلب ذكرى هواهْ

وذكرى صباهْ

وذكرى الليالي الجميلةْ

فأنت العيون التي ألهمت ريشتي كلّ هذا الغناءْ

* * *

وأنت العيون التي شاغلتني خطاها طويلاً

وأوسعتها غزلاً

ذبتُ فيها جوى

سرتُ من أجلها في دروب المنافي

تأرجحت فوق حبال المشانقِ

خالفت في شرعة الحب كلّ القوانينِ

عارضت كلّ رجالِ القبيلةْ

فلولاكِ ..

265

لولاكِ ..

يا حلوتي ما تجشّمتُ هذا العناءْ

* * *

وسافرتُ بين سواحلها الزرق

أبحث عن نورس أنكرتْه الشواطئُ

ضاقت بعينيه كلّ الدروبْ

وقصَّ جناحيه بردُ المدينةْ

جزيرتُه في أقاصي البحار

وأعراقُها في حنايا السماءْ

يجيء على فرس الريح في كلّ عامٍ اليها

ليُسمِعها الأغنيات الحزينةْ

ويحمل ما بين عينيه ذكرى جديدةْ

لملحمة الكبرياء

ليغرس

أعشاشها في الذرى

ويرحل عنها لُقىً في العراءْ

-شفيق العبادي

20 / 2 / 1417 ه تاروت

266

الأستاذ شفيق العبّادي

شفيق العبّادي حسٌّ نابض بحيوية العاطفة وصدقها ، بجرأة المواجهة يُغنّي موّالاً مفرداً بأسى عميق لكن بلا دموع ، فهو يحتفل بحزنه الخاص على طريقته الخاصة أيضاً ، لذا فهو يعزف تحت شرفة الذكرى ، يعزف على أوتار الشوق اليانع والحنين المعطّر لكي تُطلّ عليه الليلة بحزنها وذكرياتها ليتمّ لقاؤه بها ، فينثر بين كفيها قصائده النابعة من القلب بأحرفها المطفآت ليعبّر لها عن الخيبة والمرارة لأنه صادق العواطف لكنّه يصاب بالبله أمام جلالها الآسر فلا يمنحها إلاّ خواء قصائده التي تضمّد أحزانها بعد اللقاء وتطير في سماواتها لتبقى الذكرى وحدها في عمليةٍ مستحيلة لغرس الدماء.

ويرجع العبّادي ثانية ليعزف على وتر آخر هو وتر العشق ليرقّص قصيدته المخدوشة في حيائها في الموكب العام للحزن ، في الإحتفالية الجماعية بقدوم الذكرى.

يحس العبّادي بتفرده فيسلك سلوكاً مغايراً للسائد والمتعارف وكل ذلك بسبب من علاقة حضور صوفيّة أسماها ( الوجد ) تضيع فيها اللغة وتعود للحروف بكارتها الاولى فلا يستطيع الواجد الصوفي أن يرى إغتصاب الحروف فيلجأ إلى نوع من الصمت الناطق بالحيرة والذهول والتفرّد والإنتحاء عن السرب والتحليق المنفرد التائه لأنه يعير أجنحته للريح لضياع أمكنته فلا أفق له ، لكن عيون الذكرى تستوطن الشعر وتشعل إنطفاءاته ليبتدئ البحث عن لغةٍ حسيّة بطعم العشق ولونه

267

فتكتمل أدوات الشاعر ليعزف على وتر الوجع ، تكتمل أدوات الفن كلّها ، ريشة ملهمة تغنّي ووتر يعزف ، ويبدأ عزف آخر على وتر الغزل لتنكشف تضحيات الشاعر وعناؤه وذوبانه ثمّ نفيه ثم بحثه عن قناع يندرج تحت ظلاله فيجده في نورسٍ منفيّ تنكره بيئته البحرية وتمنعه المدن بظواهرها غير الطبيعية من الطيران فيعاني غيبة وانقطاعاً عن المكان ، لكنه يتواصل مع الذكرى تواصلاً حياً دفّاقاً ، له موعدٌ محدّد يجدّد الذكرى التي يحملها ما بين عينيه ويغرس حنوّه والتحامه معها ثم يرحل أيضاً.

والعبّادي يحاصر تجربته بجوّ محزنٍ حادّ ويمسحها بجناح رومانسي محلّق ويطوّع نَفَساً ونبرة إيقاعيتين متبادلتين ومتعامدتين في تتابع مقاطع القصيدة ، فمع أفقية النَفَس ( الذي لا يفارق القافية بيسرٍ بل يختم مقاطع القصيدة بقافيةٍ همزيةٍ متكرّرة ـ الدماء ، الفناء ، العناء ، العراء ـ وهذه الظاهرة فيها بصمات الإكثار من النظم على طريقة العمود ) تقفز تلك النبرة المتخفية لتلملم شتات التداعيات ليسلم تأمله الشارد من أضطرابات اللاشعور الذي يكشف رغبات وأماني الشاعر المكبوتة في تجاوز الألم التقليدي وإكتشاف شعائر أخرى للتعامل مع المتخيَّل عند الجماعة ، فهو تجنّب السطحية والتقريرية والمباشرة لصالح الغموض وعَمَه الرموز الذي قد يؤدي إلى العجز عن تصوّر أو تشكيل رموزه عند المتلقّين مما يحقّق فجوة عريضة على مستوى التوصيل.

268

13 ـ للسيد ضياء الخباز (1)

(1)

صفحات من مسرح الدم

حرّكَ الليل سيفَهُ الأمويّا * * * يَرسمُ الصبحَ مسرحاً دمويّا

يطعنُ النجمَ والدراري اغتيالاً * * * غاضَهُ الأفقُ مُذ بدا قمريا

فتلقتُه أنجمٌ زاهراتٌ * * * سكبت فيه نورَها العلويا

نحتتهُ النجومُ ليلاً منيراً * * * تحسدُ الشمسُ نورَه السرمديا

ثم غنّتهُ للّيالي نشيداً * * * ملأ الأفقَ صرخةً ودويا

إنَّ لحناً به الحسينُ تغنّى * * * سوفَ يبقى على المدى أبديّا

* * *

خيّمَ الصمتُ والحسينُ هديرٌ * * * أرهبَ الصحبَ منه ذاكَ المُحيّا

واستدارت حروفُه في شِفاهٍ * * * تصهرُ الروحَ عزمةً ومضيّا

____________

(1) هو : الخطيب الفاضل السيد ضياء السيد عدنان الخباز ، ولد سنة 1396 ه في القطيف ، وفيها درس المقدمات الحوزوية والتحق بحوزة قم المقدسة سنة 1415 ه ولا يزال يواصل دراسته العلمية ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والدينية ومن تأليفه 1 ـ كتاب صفحات مشرقة من حياة الإمام السبزواري 2 ـ مجموعة شعرية في المناسبات وغيرها 3 ـ كتابات أُخرى.

269

قال « اُفٍّ » وليته لم يقلْها * * * فبها ظلّ دهرُنا أمويا

ويدُ الموتِ خلفَهُ تنسجُ الموتَ * * * طريقاً إلى العُلى دمويا

قبّلتْها أنصارُه في هيامٍ * * * وجدوا الموتَ في الحسينِ هنيّا

قرأوا في الدماءِ جناتِ عدنٍ * * * صاغها اللهُ مرفأً أزليا

فمضَوا للخلودِ في زورق الطفّ * * * وخاضوا نهر الدماءِ الزكيا

ما ألذّ الدماء في نُصرةِ الله * * * إذا كان نبعُها حيدريّا

* * *

وتلاقتْ على الهدى بسماتٌ * * * لم يرعْها موتٌ يلوحُ جليّا

ضحكوا يهزؤون بالموتِ شوقاً * * * للقاءٍ يحوي الإمامَ عليّا

وانبروا للّقاء في سكرةِ الحُبّ * * * الإلهيِّ بالصلاة سويّا

وانقضى الليلُ وهو يرسمُ صبحاً * * * نحتَ اللهُ شمسَهُ في الثريّا

أطفأتْ وهجَهُ السيوفُ فما * * * زالت رماداً ولم يزل هو حيّا

-ضياء الخباز

19 / شوال / 1416 ه

270

(2)

فصول من قصة الحسين (عليه السلام)

وغفا الليل في عيون الصحارىٰ * * * يتخفّىٰ في جفنها إعصارا

والعيونُ السمراءُ كانتْ رماداً * * * وهو تحت الجفون كان جِمارا

وإذا أقبلَ الصباحُ سيمت * * * دُّ ضباباً يخفىٰ لهيباً ونارا

فأعدَّ الحسينُ سيفاً من النور * * * ونحراً وثلةً أقمارا

هاتفاً يا ظلامُ ( أُفٍ ) فكم أطفأ * * * تَ فجراً وكم نحرتَ نهارا

ولقد آنَ أن تموت لتحيا * * * فوقَ أشلائِكَ الشموسُ العذارى

* * *

قصةُ الليل والحسين حَكاياتُ * * * جراحٍ تفجّرتْ أنهارا

قصةٌ لم تزل تتوّجُ عرشَ الفجر * * * نوراً وللشموس مدارا

فبها ينفخ الحسينُ فتسري * * * في شرايينها الحروفُ سكارى

قصةٌ صاغها الحسينُ ولولا * * * زينبٌ ما تمخّضتْ إعصارا

* * *

ورنت زينبُ البطولة في كفّ * * * أخيها سيفاً ونوراً ونارا

271

يوقد النارَ للألى طعنوا الشمس * * * ونوراً للتائهين الحيارىٰ

يعزفُ الموتَ للحياةِ وكان * * * السيفُ في وحي صمته قيثارا

قرأت في عينيه من لغة الدمّ * * * حروفاً قد عاهدتُه انتصارا

ورأته يبني الشموخَ على أطلالِ * * * جُرحٍ لم يعرف الإنكسارا

ويريقُ الشريانَ شلالَ هديٍ * * * كانَ ينسابُ من يديه بحارا

فانبرت والرمالُ تسبقُها خَطواً * * * إلى الشمس قبل أن تتوارىٰ

إيهِ يا شمسُ لا تموتي فإنّا * * * ما ألفنا من غير شمسٍ نهارا

إن عزمتِ على الغروب فردينا إلى * * * موطن إشراقك لنحياكِ ثارا

وهنا المسرحُ الحسينيُّ قد * * * أسدل ستراً وأطفا الأنوارا

-ضياء الخباز

25 / 10 / 1417 ه

272

السيد ضياء الخباز

إعلان الشاعرية أمام ساحة التلقي شيءُ ، ومواجهتها للجهد النقدي فحصاً وإختباراً شيءٌ آخر ، بمشاركتين يثبت السيد ضياء الخباز بدايته كسائر في طريق الإبداع الشعري الطويل ، زوّادته الولاء والحب والعشق الإلهي ، وأدواته الألفاظ الرقيقة والتراكيب الرشيقة والصور الخلاّبة المشرقة .. ولعلّ في قصيدتيه أصداء من الآخرين نجح في إخفائها بتفوّقٍ ظاهر مما يحقق لديه نتائج قراءاته وإصغائه في شكلٍ يتداخل فيه نصّه الشعري مع نصوص الآخرين الشعرية في عملية تلاقحٍ منتج تفيد تجربته الواعدة وتغنيها فنرجو منه أن لا يستسلم لعوامل الإحباط والخيبة ، فالعملية الشعرية عسرة المخاض والولادة ولاتتأتّى لصاحبها بالهيّن من الجهد بل بالمثابرة والتواصل والمتابعة المستمرة.

ونحن نترك للقرّاء إكتشاف هذه الموهبة الواعدة من خلال نصّيه المدرجين.

273

14 ـ الشيخ عبدالحسين الديراوي (1)

ليلة الحداد

يا ليلَ عَشرِ محرمٍ ألبستنا * * * ثوبَ الحدادِ فكلُّنا مثكولُ

وافيتنا بالنائباتِ وإنَّها * * * أمرٌ على كلِّ النفوس ثقيلُ

فجَّرْتها يومَ الطفوفِ عظيمةً * * * منها ربوعٌ قد بكت وطلولُ

حاربتَ مَنْ في فضلهم دون الورى * * * نطق الكتابُ ونوّهَ الانجيلُ

لما رأيتَ ابن النبي ونورَه * * * ( عُرضُ الدُنى فيه زها والطولُ )

أمَّ العراقَ بِفتيةٍ من أهله * * * ليُقيمَ أمراً قد عراه خمولُ

أثقلتَ كاهلَه بها وأعَقْتَه * * * من أن يحقّقَ ما هو المأمولُ

ورميتَه بسهام غدرٍ ما ابتلى * * * فيها وصيٌ قبلَه ورسولُ

خَذَلَتْه أقوامٌ تسابقَ رُسْلُهم * * * منهم مُريحٌ عنده وعجولُ

برسائلٍ مضمونُها وحديثُها * * * أن ليس غيرُك للنجاةِ سبيلُ

إنّا لأمرك طائعون فقم بنا * * * فإلامَ يحكم في البلاد جهولُ

عجِّل فدتك نفوسُنا فكبيرُنا * * * وصغيرُنا لك ناصحٌ ووصولُ

____________

(1) هو : الخطيب المعاصر الشيخ عبد الحسين عبد السادة الديراوي ولد في خوزستان وسلك في عداد خدّام المنبر الحسيني كما درس في الحوزة العلمية في قم المقدسة والأهواز ، وله ديوان شعر شعبي ( مطبوع ) أغلبه في واقعة الطف وله مشاركاتٌ في المناسبات الدينية وغيرها.

274

تالله إن لم تستجب لندائنا * * * فالدينُ دين أميّةٍ سيؤولُ

ومن المدينة حين راح يحفّه * * * مَنْ مالَهم في العالمين مثيلُ

قد نُزِّهوا عن كل ما من شأنهِ * * * يُوري فهم لذوي العُلا إكليلُ

نزلوا بأرض الغاضرية فازدهتْ * * * من نورهم ليت المقام يطولُ

باتوا وبات ابن النبي كأنَّه * * * بدرُ السماء وذالكمْ تأويلُ

أحيىٰ وأحيوا ليلَهم بتضرّعٍ * * * وتبتُّل وعلا لهم تهليل

وغدا يودّعُ بعضُهم بعضاً فما * * * أحرى بأن يبكي الخليلَ خليلُ

حتى إذا ولَّى الظلامُ وأصبحوا * * * أُسداً تجول على العدى وتصولُ

شهدت ببأسهم الفيالقُ إذ رأتْ * * * موتَ الزؤام له بهم تعجيلُ

فكأنَّ يومَ النفخ آن أوانُه * * * وبه الموكّل أُعطيَ التخويلُ (1)

منهم تهيَّب جيشُ آل أميةٍ * * * وعرا الجميعَ تخاذلٌ وذهولُ

وَعَلَيهِمُ حام القضا فدعاهُم * * * داعي المنونِ وإنَّه لعجولُ

فهووا على حرِّ الصعيدِ وبعدَهم * * * نُكِبَ الهدى إذ ربُّه المثكولُ

أمَّ الخيام إلى النساء معزِّياً * * * ومودِّعاً فبدا لهنَّ عويلُ

وغدا يُسَلِّي الثاكلاتِ وهكذا * * * حتى هَدَأنَ فقام وهو يقولُ

(مَنْ ذا يُقدّمُ لي الجوادَ ولامتي * * * والصحبُ صرعى والنصيرُ قليلُ)

____________

(1) في القيامة اقواءٌ واضح.

275

15 ـ للشاعر الشيخ عبد الله آل عمران (1)

الليلة الخالدة

خَيَّمَ الليل والذوي صقيعُ * * * وسجودٌ وشاحُهُ وركوعُ

وجه السبطُ محورَ القلب يدعو * * * بالعباداتِ قدرَ ما يستطيعُ

ودعا اللهَ سيدُ الكون يرنو * * * أن يطيل الظلامَ ربٌّ سميعُ

خَيَّم الليلُ فالعبادة وهجّ * * * يتمنى أن لا يضيء الصديعُ

لا لأن الرحيل صعبٌ ولكن * * * عشق النسك فالفراق مروعُ

حيث لو خيَّروه بين جنان * * * أو رجوع لها لقال : الرجوعُ

* * *

قال يا صاحب إننا سوف نمضي * * * للمنايا وليس منها منيعُ

فانظروا كيف تصنعون فكلٌ * * * في اختيار إذا عصى أو يطيعُ

فتلقوه بالصمود ونادوا * * * يا ابن بنت النبي نحن الدروع

____________

(1) هو : الشاعر الشيخ عبد الله بن أحمد بن مهدي آل عمران ، ولد سنة 1390 ه في جزيرة تاروت ـ القطيف ، أكمل دراسته الأكاديمة ، وحاز على شهادة البكالوريوس في العلوم الادارية من جامعة الرياض ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية الدينية.

276

فامض : فينا فان أرواحنا تف * * * ديك حتى يسيلَ النجيعُ

قال : قد هوَّم الظلامُ فهبّوا * * * نحو إحيائه فلبى الجميعُ

فَهُمُ بين قارئٍ ومصلي * * * في اشتياقٍ وقد براهمْ خضوعُ

هكذا كان ليلُهم في وداعٍ * * * ولذا ما غشي العيونَ هجوعُ

* * *

ها هنا فرقتان فالسبط والآ * * * لُ وسربالُها التقى والخشوعُ

وبنو الحقد والنفاق وتبدو * * * في نفوس وقد غشاها الخنوعُ

هذه أنفسٌ من القدس صيغتْ * * * ونفوسُ الأعدادِ بناها وضيعُ

وهنا العزُ والبسالةُ روحاً * * * وهمُ ساقهم جبانٌ جزوعُ

وهنا عفةٌ وصدقٌ وحلمٌ * * * وهناكَ الدها وغدرٌ فظيعُ

وهنا للفداء عنوانُ حقٍ * * * وهناك فنُ القذارات ريعُ

وهنا العطف والحنان تسامى * * * وهم ما نجى ـ لديهم ـ رضيعُ

وهنا تزدهي الصراحةُ شمساً * * * وهم خادع له مخدوعُ

هذه صفحةٌ من الطُهر صيغت * * * وعلى تلكم الهوى والميوعُ

واشترى الله أنفساً طاهراتٍ * * * لا تحابي بمبدأ أو تبيعُ

ها هم الصحبُ بالوفاءِ تسمّوا * * * فمجال الوفاء قطعاً وسيعُ

* * *

277

قد بدا الحقدُ في ابن سعدٍ فجرماً * * * قد أتاه فساء منه صنيعُ

أسخطوا الوحي والسماءَ عليهمْ * * * إن حرب الحسين جرمٌ شنيعُ

ليس حرباً لشخصه بل لروحٍ * * * هي للدين أصله والفروعُ

فغذاً هذه الشموعُ ستدوّي * * * ذاك فوق الصعيد مرمى صريعُ

وعزيزٌ بكت عليه الثكالى * * * خضّبوهُ فسال منه النجيعُ

ونساءٌ يصحن إنا عطاشى * * * وأبو الفضل لليدين قطيعُ

وغداً تندب اليتامى لقتلي * * * صحْنَ قد ( قوض العماد الرفيعُ )

إنما هذه الضحايا ستبقى * * * وستهدي الأنام هذي الشموعُ

وسيبقى الحسينُ يجري بدمٍ * * * في عروقي فبالعبير يضوعُ

ويهيم الفؤاد في تلبياتٍ * * * كُلّما مرّ ذكرُهُ ويميعُ

ليلة السبطِ خلَّدت دينَ طه * * * حيث لولاه دينُ طه يضيعُ

-عبد الله أحمد آل عمران

20 / 11 / 1416 ه

278

الشيخ عبد الله آل عمران

القصيدة محاولة جادة بالأدوات الشعرية التوصيل رؤى الشاعر وتصوراته الخاصة عن ليلة عاشوراء ، وبطريقة تجريبية اختار الشاعر مساحة عريضة للتعبير ليفحص طول نَفَسه الشعري مع بحر مركّب التفعيلات متداخل الإيقاع هو بحر الخفيف وكذلك مع قافية صعبة المنال وعسرة الرويّ هي قافية حرف العين.

إن على الشاعر المتصدّي لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) أن ينتبه إلى أنه يطرح شعره أمام متلقين منصهرين النصوص ، فهم يتلون آيات القرآن الكريم في الصلاة وغيرها ، ويزورون الأئمة (عليهم السلام) بنص ، ويقرأون أدعيتهم بنصٍ أيضاً ، مما يجعل مساحة تعاملهم مع النصوص مساحة عريضة ، ودرجة تلقّيهم عالية التوتر ، فيجب الإلتفات إلى القابلية المتحصّلة لديهم لغرض تحقيق التوصيل الحامل للمتطلبات الفنية والأدبية والجمالية.

ونخلص إلى أن آل عمران مع حمله للبذرة الساحرة المسحورة التي تمكنه من الثبات والتفوق في الساحة الشعرية فقد حاول التعبير عن أحداث الليلة لاجئاً إلى التطابق الواقعي مع التفاصيل دون التطابق الفني فامتدّ نصه حين شرح التقابل بين المعسكرين لينتهي بعلاقته الشخصية بالإمام الحسين (عليه السلام) ويُقرر في النهاية قراراً نهائياً عن ليلة عاشوراء قائلاً :

ليلةُ السبطِ خلّدت دينَ طه * * * حيث لولاه دين طه يضيعُ

279

16 ـ للشيخ عبد الله العوى القطيفي (1)

منازل كربلاء

فمضى يخبّر صحبه عما جرى * * * ويُبين للأمر المهول الأكبرِ

هذي الطفوف وذي منازل كربلا * * * أفما ترون لسابقي لم يجسر

قد قال جدي إنها أوطاننا * * * وبها تسيل دماؤنا كالأبحر

وبها تسام الخسف نسوة أحمد * * * وبها تصيب الدين طعنة أكفر

لكنّكم في الحلّ مني فارحلوا * * * من قبل ابلاج الصباح المسفر

قالوا له انت الصباح وسيره * * * فيه الصلاحُ لعاقلٍ مستبصر

ماذا نقول إذا أتينا أحمداً * * * وأباك والزهراء عند الكوثر

تفديك يا نفس الرسول نفُوسنا * * * وأقل شيءٍ أن تُراق بمحضر

فاصدع بأمرك تحظ قصدك عاجلاً * * * وترَ الصحيح من القتال الأكبر

لله در نفوسهم لمّا علوا * * * فوق السوابق والخيول الضمَّر

فكأنَّهم فوق الخيول كواكبٌ * * * تسمو على مرّيخها والمشتري

وكأنَّ خيلهمُ نجومٌ قد هوت * * * رجماً لشيطانٍ وكلّ مكفّر

لم يحسبوا رشق النبال أذَّيةً * * * كلا ولا طعن الرماح بمُذعر

ولكم أبادوا من عُصاةٍ ذادةٍ * * * لبسوا الدروعَ واقبلوا كالأنسُر

حتى قضوا ما بين مشتبك القنا * * * وبقي حسينٌ مفرداً لم يُنصر (2)

____________

(1) هو المرحوم الشيخ عبد الله بن الشيخ علي بن محمد بن علي بن درويش القطيفي المشهور بالعوى ، أحد أعلام القرن الثالث الهجري توفي سنة 1210 ه.

(2) محرك الأشجان : للحاج أحمد العوى : ص 558.

280

17 ـ للشيخ عبد الكريم آل زرع (1)

العبق الفواح

أليلة عاشوراء يا حلكاً شَبَّا * * * حنينك أدرى من نهارك ما خبّا

وما خبّأ الآتي صهاريج أدهُرٍ * * * بساعَاتِه قد صبّ صاليَها صبّا

بساعات ليلٍ صرَّم الوجدُ حينها * * * يُناغي بها الولهان معشوقه حُبّا

يُقضِّي بها صحبُ الحسين دجاهُمُ * * * دَويّاً كمن يُحصي بجارحةٍ تعبى

لقد بيّتوا في خاطر الخلدِ نيةً * * * أضاءت دُجى التاريخ نافثةً شُهبا

وقد قايضوا الأرواح بالخلد والظما * * * برشف فرنْدٍ يحتسون به الصَّهبا

فواعظمهم أنصار حَقٍّ توغّلوا * * * إلى حِمِم الهيجاءِ واستنزفوا الصعبا

فأكبْر بهم عزّاً وأكرمْ بهم تُقىً * * * وأعظمْ بهم شُوساً وأنعمْ بهم صحبا

بهم ظمأٌ لو بالجبال لهدَّها * * * ولو بالصّخور الصُمِّ فتّتهّا تُربا

عزائمُهمْ لو رامت الشمسَ بُلِّغت * * * ولو رامت الأفلاك كانت لها تربا

وأعيُنُهمْ لا يَسبر الفكرُ غورَها * * * شُرودٌ بها قد حَيَّر الفِكرَ واللبّا

____________

(1) هو : الشاعر الشيخ عبد الكريم بن مبارك آل زرع ، ولد في تاروت ـ القطيف سنة 1381 ه ، يعمل حالياً في شركة ارامكو ، ولا يزال أيضاً يواصل دراسته الحوزوية في القطيف ، ومن نتاجه الأدبي القيّم ديوان شعر ( مخطوط ) أكثره في أهل البيت (عليهم السلام) ، وهو أحد النشطين بالمشاركة في النوداي الأدبية والدينية.

281

تُراعي بأشباح الظلام عُيونُهم * * * حريماً وأطفالاً مُرَوَّعَةً سغبى

حريماً وأطفالاً براهُنَّ غائلٌ * * * من الوجَل المحتوم مُنقَدحاً كربا

على وجلٍ يخفقنَ من كلِّ همسةٍ * * * يُنمنْمُ هولُ الخطبِ في عينِها عَضبا

خيامٌ عليها خيَّم الوجدُ ناحِلاً * * * وَجَلّى عَليهَا الغمُّ بالهم مُنصَبَّا

بنفسِيَ آلُ المصطفى أَحدَقتْ بهم * * * ضُروبُ الرزايا حَزَّبتْ حَولهمُ حِزبا

تدور عليهم بالشجى فكأنّهم * * * بفطرتهم كانوا لجمرتها قُطبا

ألا ليتني حيث التمني عبادةٌ * * * لمن ليس في عينيه غير المنى دربا

خباءٌ به النيران كفٌ تقطّعت * * * وصدرٌ غدا للخيل مضمارها نهبا

وقلبٌ تفرّى بالظَّما وجوارحٌ * * * تُوزَّعُ بالأسياف مَحمرّةً إربا

بنفسي أبو الأحرار ما ذاق جُرعةً * * * ليجرع كأس العزِّ مُترعةً نخبا

ألا ليت لي لثم الضريح ورشفهُ * * * من العبق الفواح ألثمُه عبّا

وأهتف يا مولايَ جئتك دمعةً * * * نشيداً ، جراحاً ، دامياً ، ولِهاً ، صَبَّا

ألا ليتني بين السيوفِ فريسةً * * * لإيقاعها غنَّت جوارحيَ التعبى

أقي قلبك الصادي بقلبٍ أذابَهُ * * * نوى هجرك الممتدِّ يا سيدي حقبا

اُفدِّيك إجلالاً وأنشدُك الحُبّا * * * أتُحرمُ عذبَ الوِرد يا مورداً عذبا

ويا عنصر الألطاف من روح أحمدٍ * * * بأوردة الدنيا يُكلّلها الخصبا

ويا عبقاً من رحمة الوحي فاتحاً * * * تَنشَّقَ منه الماحلُ النسمَ الرطبا

ويا قبساً في العين يُثقلها رؤى * * * تفرَّسُ بالايمان تخترقُ الحُجبا

ويُكحلها التقوى حياءً وعفّةً * * * ويسكبُ فيها من هواه المدى سكبا

فأنت الذي في العين يُذكي سناءَها * * * فتحلو إذا ترنو أو اثّاقلت هدبا

282

لأنّ مراسيها هواكم ونورُكم * * * وإكسيرُها فيضُ المودة في القربى

أفدِّيك يا من الهبَ الشمس والسما * * * نجيعاً فذابا في قداستهِ ذوبا

على أنّ مُحمرّ السماءِ تألَّقٌ * * * لتُزجي به من فيضك الشرق والغربا

أفدّيك يا فرع الرسالة يا هوى * * * لأحمد في الآفاق يملؤها حُبّا

ويا مبسماً يحكي شفاهَ مُحمّدٍ * * * وريّاه ما قلّت ولا عطرُها أكبى

عليه ولا أدري أتقبيل عودةٍ * * * بها شغفٌ أم رام يوسعه ضربا

ويا كبداً حرّى تفرَّت من الظما * * * وفيها الفراتُ انساب سائغهُ شُربا

ويا صارماً لولا الحنانُ أعاقَهُ * * * لَقَدَّ الدنى قَدّاً وقَطَّعهَا إربا

بمهجته الغيرى وان نزَّ جُرحُها * * * يرصُّ معاني المجد مملوءةً لبا

ويا صامداً ما زعزعتْ من كيانهِ * * * صنوفُ الردى بل لم تحرك له هدبا

ويا مقلةً ما زال يعصرها الأسى * * * لترويْ بقايا الآهِ والدمَ والجدبا

بكت قاتليها والذين تَجمَّعُوا * * * لثاراتِ بدرً ضدَّه اجتمعوا إلبا

رأت روحُك الإسلام جرحاً فلم تطقْ * * * هواناً وصبراً فاعتلتْ تُعلنُ الحربا

وتلثمُ صابَ الدهرِ جذلى ولا ترى * * * جراحاً تنزُّ الآه قد ذربت ذربا

وسالت على جرح الهدى اعتصمتْ به * * * وصبَّت حياة القدس في فمه صبّا

اُفدِّيك يا من قبَّل السيفُ نَحرَه * * * ففاض وأضفى وانثنى يكرَهُ النصبا

ويا واحدا لا نِدَّ شاركَهُ المدى * * * وَوهْجَ الجهادِ الحرِّ والدمَ والدربا

اُنبِّيكَ ما زال الزمانُ مردّداً * * * صداكَ ملأتَ البحرَ والأُفقَ والرحبا

وأنَّ سياجاً من دماك وجمرِها * * * وأحمرِها ما زالَ متقَّداً شهبا

يحيطُ الطواغيتَ اللئام بلفحِهِ * * * فيصبُغُهمْ ذعراً ويملؤهم رعبا

283

إلى الآن وقعُ اسم الحسين بسمعِهمْ * * * وأحرفِهِ ما زالَ مستصعباً صعبا

تصارعُ أحقابُ الدهورِ ونفسها * * * على أن ترى ندّاً يجدّده وثبا

يعيد لميدان الجهاد وميضَه * * * ويُذكى أواراً من سوى فيك ما شَبّا

ويوقظُ افكاراً عليها من الونى * * * تراكمُ أحقابٍ مخثّرةٍ حجبا

ويروي بسلسالِ النجيعِ عقيدةً * * * بغيرِ دماكَ الطهرِ لم تعرفِ الخصبا

ويصنعُ يا مولاي ما كنتَ صانعاً * * * ويهمي علينا من بسالتِه صوبا

ولكنه الدهرُ الذي عَقمتْ به * * * لياليهِ أن تأتي بمثلكَ أو تُحبى

ولو رام نِدّاً لاستشاركَ عنوةً * * * لأنَّك أولى مَنْ يخطّطُه لحبا

وأدرى به علما وأجلى به رؤىً * * * ولكنّه يأبى وإنّك لا تأبى

لقد خسر الدهرُ الرهانَ فلم يطق * * * محالٌ عليه اليوم ان كرّر الذنبا

وقد صدَقَ الحُسادُ أنَّ يزيدَهم * * * تكرّر في الأزمان ممتلئاً عُجبا

ونحن نقولُ السبطُ ما زال باقياً * * * هو السبطُ لا قولَ افتراءٍ ولا كذبا

-عبد الكريم آل زرع

28 / 10 / 1416 ه

تاروت ـ القطيف

284

الشيخ عبد الكريم آل زرع

الشاعر آل زرع يختبر طاقاته التعبيريه والتوصيلية إختباراً مطوّلاً مع بحرٍ عصيّ وقافيةٍ غير مطواعة عاصت جهده ودأبه في أكثر من موضع ، فتراكيبه وأبنيته تُظهره لنا صائغاً يحاول أن يتفرّد في استخدامه للألفاظ والعبارات ، فيرفع عن كفيه أصابع الآخرين حين الكتابة ، وهذه المحاولة جادّةٌ وظاهرة عنده فقصيدته لها شخصيةٌ متميّزه لعلها لا تُحاكي أحداً ولا تُصغي لقول الآخرين الشعري بحيث تبدو بصمات الغير على قماش القصيدة أو إطارها ، وأمام آل زرع مهمة شاقّة لأن قصيدته طرقٌ متأنٍّ على حجرٍ صلد يحاول الشاعر أن يقنعنا أنه قد شكّل أو كوّن ما يمكن معرفته ، لكنّي أقول إنه متعجّلٌ في التعامل مع مادّته الشعرية ، فهو يطهو على نار هادئة لكنّه يُنزل قدره قبل النضج بفترة وجيزة ـ إن صحّ التشبيه ـ وهذا واضح عند تأمّل أبياته فهو صاحب بيتٍ شعري متماسك الصدر دائماً لكنه يتعب في عجز البيت غالباً فيصل القافية منهكاً ، فنلاحظ هذا الصدر المتجاوز للمألوف بصياغته المتفرّدة

يقضّي بها صحبُ الحسينِ دُجاهمُ ... دوياً ...

فما أجمل هذه المحاذاة الناقلة لحالة ( دويّ النحل ) لكن آل زرع تعجّل بإلصاق عبارة تشبيهية تُضرّ بجمال ما تقدّم وهي عبارة ( كمن يحصي بجارحة تعبى ) فما علاقة الإحصاء بالجارحة التعبى بحالة العبادة والخشوع التي يؤدّيها الأصحاب في اُفق الإنتظار ، ونلاحظ أيضاً هذا البيت :

285

وقد قايضوا الارواح بالخلد والظما برشف فِرَنْدٍ ...

فينتقل من الرشف وهو شرب على رقّةٍ للسوائل من المشروبات إلى الاحتساء الذي هو شرب أيضا ولكنّه للأغذية الصلبة التي اُسيلت فتُشرب حارة عادةً ، فدخل البيت إلى منطقة القلق في المعاني بعبارة ( يحتسون بها الصهبا ) فكان الجمال في التصوّر والتأمل لكنّ الألفاظ خانت التعبير.

وكذلك الحال في أكثر من موضع حيث تنقلب الأعجاز على الصدور الجميلة فتخنقها فمثلاً :

على وجلٍ يخفقن من كلِ همسةٍ ...

فأنت الذي في العين يُذكي سناءها ...

ويا مبسماً يحكي شفاه محمد ...

من أين تأتّى لهذا الغرّيد الفذّ أن يكبو هذه الكبوة ؟

في نظري أن آل زرع إختار أن يتحدّى قالباً شعرياً من أعسر القوالب في إختياره بحر الطويل التام وفي إختياره لحرف الباء المفتوح كرويٍّ لقصيدته ، فبحر الطويل التام أطول بحور الشعر العربي قاطبة وخصوصاً في الأعجاز التي يستمرّ الشاعر في النظم عليها إلى نهاية القصيدة ، فعلى الشاعر أن يحشو فيه بكثرة لكي يصل إلى آخره ، فلم يستطع الأفذاذ من شعراء العربية أن يكتبوا به نتاجهم الأفضل منذ إمرئ القيس في :

ألا أنعم صباحاً أيّها الطلل البالي * * * وهل ينعمنْ من كان في العصر الخالي ؟

وهذا الحكم سائرٌ على القصيدة العربية المنظومة به كقاعدةٍ قابلة للإستثناء.

وإذا أضفنا أن آل زرع إختار حرف الباء المفتوح كرويّ لقافيته فستزداد

286

الصعوبة ويتعسّر الطلب ، وللشاهد سنذكر قصيدتين كانتا على بحر الطويل التام وزناً وعلى حرف الباء المفتوح رويّاً لنثبت ـ على سبيل المثال ـ ما قدّمنا.

القصيدة الاولى للسيد حيدر الحلي ومطلعها :

لحى الله دهراً لو يميل إلى العتبى * * * لأوسعت بعد اليوم مسمعه عتبا

والقصيدة الثانية للسيد مصطفى جمال الدين بعنوان ( معلّم الأمة ) والتي مطلعها :

جذورُكَ في بغداد ضامئةٌ سغبى * * * وظلُّك في طهران يحتضن العربا

فالمتتبع لنتاج الشاعرَيْن يرى بوضوح أن هاتين القصيدتين ليستا من جيّد شعرهما مما يؤكّد ما ذهبنا اليه في أن الشاعر عبد الكريم آل زرع ركب المركب الصعب.

وعلى قسوة هذه الملاحظات فإنها تشد على يد الشاعر بإخلاص للتأني وعدم العجلة فإن في قصيدته المزيد من الموفقية ولعلي أختم بإبداء إعجابي بأكثر أبيات القصيدة توفيقاً وهو :

لأنَّ مراسيها هواكم ونوركم * * * واكسيرها فيض المودّة في القربى

287

18 ـ للشيخ عبد المنعم الفرطوسي (1)

من الملحمة الحسينية

خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في أصحابه مساء يوم التاسع

ولقد قام خاطباً سبطُ طه * * * بعَد جمعِ الأصحابِ في كربلاءِ

قال أُثني علىٰ إله البرايا * * * شاكراً فضلَه بخيرِ ثَناءِ

وله في البلاء حَمدي وشُكري * * * مثل حَمدي له علىٰ السرَّاءِ

وله الحمدُ حين مَنّ علينا * * * كرماً في نبوّة الأنبياءِ

وحبانا التفقيه في الدينِ رشداً * * * بعدَ تعليمِنا كتابَ السَّماءِ

لم نكن مشركينَ حين اصطفانا * * * وهدىٰ للتوحيد خير اهتداءِ

بعد خَلق الأبصارِ والسمعِ منا * * * وبناء القلوب خير بناءِ

أُشهد اللهَ ما رأيتُ كصحبي * * * أبداً في الولا وصدقِ الوفاءِ

أهل بيتي ولا أبرّ واتقىٰ * * * منهمُ ما رأتهُ مقلةُ رائي

____________

(1) هو : شاعر أهل البيت (عليهم السلام) العلامة الحجة الشيخ عبد المنعم بن الشيخ حسين الفرطوسي ، وفاضل محقق ، ولد في النجف الأشرف عام 1335 ه ، قرأ المقدمات على يد فريق من أرباب الفضيلة وأخذ الفقه والأصول على يد السيد محمد باقر الشخص الأحسائي ، ولازم أخيراً بحث آية الله العظمى المرحوم السيد الخوئي (قدس سره) ، ومن آثاره العلمية 1 ـ شرح كفاية الأصول ( الجزء الاول ) 2 ـ شرح المكاسب 3 ـ ديوان شعر 4 ـ ملحمة أهل البيت ( وقد تناول فيها سيرة أهل البيت (عليهم السلام) ) توفي سنة 1404 ه ودفن في جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف راجع شُعراء الغري للخاقاني : ج 6 ، ص 3 ـ 7.

288

ولقد قال مُخبِراً لي بقتلي * * * سيّدُ الرُسلِ خَاتمُ السُفرَاءِ

سوف تمضي لكربلاءَ فَتغدو * * * بعدَ سَوق لها من الشُهداءِ

وأظنُّ اليومَ الذي فيه نلقىٰ * * * هؤلاءِ الخصومَ ليس بنائيِ

فَجُزيتم عنّي بخير جزاءٍ * * * في مواساتكم وأسنىٰ حباءِ

لكم قد أذِنتُ طُرّاً فسيروا * * * بافتراقٍ عنّي وطولِ تنائي

أبداً ما عليكم من ذمامٍ * * * وحقوقٍ تُقضىٰ بوقتِ الأداءِ

جَنَّ هذا الظلامُ فاتّخذوه * * * جملاً للنجا وأضفىٰ غشاءِ

وليصاحب مِنْ أهلِ بيتي منكم * * * كلُّ شخصٍ شخصاً بخيرِ إخاءِ

جواب بني هاشم له

(عليه السلام)

فأجابَ الحسينَ بَعدَ قيامٍ * * * مِنْ بني هاشم أُسودُ الإباء

وأخوه العباسُ يقدمُ فيهم * * * وهُمُ خلفَه بخيرِ اقتداء

لمَ يا ابنَ الرسول نفعلُ هذا * * * ألنَبْقىٰ وأنتَ رَهنُ الفناء

لا أرانا الإلهُ بَعدكَ هذا * * * يا سليلَ النبيّ طولَ البقاء

ورنا قائلاً لآلِ عقيل * * * فاذهبوا أنتم بغيرِ جَفاء

قد كُفيتم في قَتل مُسلمَ عمّا * * * أنتم فيه أحسنَ الاكتفاء

فأجابوه كيف نذَهبُ عنكم * * * بسلامٍ في ساعةِ الابتلاء

أيُّ شيءٍ يقولُه الناسُ عنّا * * * ولهم ما نقولُ عندَ اللقاء

إن خذلنا أعمامَنا وتركنا * * * شيخَنا وهو خيرةُ الأصفياء

289

دون ضربٍ ودونَ طعنٍ ورميٍ * * * معهم عندَ ساعةِ الالتقاء

أَمَا واللهِ إنّنا سوف نلقىٰ * * * ما تلاقونه بحدٍّ سَواء

ونواسيك بالنفوسِ ونغدو * * * لك عندَ الطعانِ خيرَ فداء

جواب الأنصار له

(عليه السلام)

ولقد قال مُسلمٌ ليس نمضي * * * أبداً عنكم بيومِ البلاء (1)

وبأي الامورِ نُبدي اعتذاراً * * * حينَ نمضي عنكم لربِّ السماء

بعد تركِ الحقِّ العظيمِ علينا * * * لك من ربِّنا بدونِ قَضاء

ليس نمضي بدونِ طعنٍ وضربٍ * * * في صدور العِدا بأقوىٰ مضاء

ولو انّي فقدتُ كلَّ سلاحٍ * * * حينما ألتقي بأهلِ العداء

لقذفتُ العِدا لألقىٰ حِمامي * * * دونَكُم بالحجارةِ الصَمَّاء

وسعيدٌ أهابَ كالليث فيهم * * * صارخاً في بسالة وضراء (2)

لا نُخلّي عنكم ونذهب حتىٰ * * * يعلمَ اللهُ بَعدَ حُسن البلاء

أنّنا كلّنا حفظنا غياباً * * * فيكم حقَّ خاتمِ الأنبياء

ولو انّي أُحْرِقْتُ بالنارِ حرقاً * * * أنا سبعينَ مرّة باقتفاء

بعد قتلٍ للسيف يتلوه قتلٌ * * * وأُذرّىٰ في إثرِها بالهواء

ليس أمضي عنكم وَما هي إلاّ * * * قتلةٌ عندَ ساعةِ الالتقاء

____________

(1) هو مسلم بن عوسجة.

(2) هوَ سعيد بن عبد الله الحنفي.

290

بعدها نحنُ بالكرامة نَحظىٰ * * * وهي تبقىٰ لنا بدونِ انقضاء

ولقد قال لو قُتلتُ زهيرٌ * * * ثم اُحييتُ يا أبا الأزكياء (1)

هكذا ألفُ مرّة بي يجري * * * وأنا مُذعِنٌ بِحُكم القضاء

هان هذا عليَّ واللهُ يُنجي * * * مِنكُمُ فتيةً كشُهبِ السماء

وجميعُ الأصحابِ أَدْلَوا بقولٍ * * * يُشبهُ البعضُ بعضَهُ بجلاء

فجزاهم خَيراً وأثنىٰ عليهم * * * بعدَ صدْقِ الولا بخيرِ ثنَاء

موقف الحضرمي الصادق

وتراءىٰ الإخلاص بابن بشيرٍ * * * وهو في مثلِ حالهِ المترائي (2)

حين أوحىٰ وكانَ بعضُ بنيه * * * أخبروه عن أسره وهو نائي

قائلاً ما وددتُ أنّيَ أبقىٰ * * * وهو يُمسي فِيهم من الأسراء

وأجابَ الحسينُ أنت بحلٍّ * * * من ذمامي فاذهب لبذلِ الفداء

قال واللهِ لَستُ أذهبُ عنكُم * * * حين يَغدو في شدّةٍ أو رخاء

قال هذي الثيابُ خُذها وارسل * * * عنك للريّ صنوَهُ في الإخاء

ساعياً بالفكاكِ وهي تُساوي * * * ألفُ دينار ساعةَ الإفتداء

وهو أوحىٰ لصحبه حين أبدىٰ * * * غامضَ السرِّ مِنْ ضميرِ الخَفاء

إنّكم تُقتلونَ حتىٰ رَضيعي * * * وأنا في غدٍ بغيرِ امتراء

____________

(1) هو : زهير بن القين.

(2) هو : محمد بن بشير الحضرمي.

291

دونَ زين العبّادِ يَحفظ منّي * * * فيه نسلَ الأئمةِ الامُناء

فأجَابوهُ نَحمدُ اللهَ شُكراً * * * وامتناناً علىٰ عظيمِ العَطاء

إذ حبانا فضلَ الشهادةِ فوزاً * * * معَكُم في كرامةٍ وعُلاء

أفلا ترتضي بأنّا سنغدو * * * معَكُم في منازلِ السُعداء

الإمام الحسين (عليه السلام) يُري أصحابه منازلهم

في الجنّة

وأراهم وقد رأىٰ الصدقَ منهُم * * * في الموالاةِ بعد كشفِ الغطاء

ما لهم من منازلٍ قد أُعدت * * * في جنانِ الخلودِ يومَ الجزاء

ولعمري وليس ذا بعسيرٍ * * * أو غريبٍ من سيّدِ الشُهداء

فلقد أطْلعَ الكليمُ عليها * * * منهمُ كلَّ ساحرٍ بجلاء

حينما آمنوا بما جاء فيه * * * عند إبطال سحرهمْ والرياء

بعد خوفٍ من آل فرعون مُردٍ * * * لهم منذرٍ بسوءِ البلاء

فأراهُم منازلَ الخيرِ زُلفىً * * * وثواباً في جنّة الأتقياء

لازديادِ اليقينِ بالحقّ فيهم * * * بعد دحضٍ للشكّ والإفتراء

وثَباتاً منهم علىٰ الدينِ فيما * * * شَاهدوه مِن عالمَ الإرتقاء

ليلة الوداع

هذه ليلةُ الوداعِ وهذا * * * آخرُ العهدِ منهم باللّقاء

292

عَمّرُوها من التقىٰ فأماتوا * * * شهواتِ النفوسِ بالإحياء

يومَ باتوا علىٰ هدىٰ صلواتٍ * * * بين خوفٍ من ربهِم ورجاء

كدويِّ النحلِ ابتهالاً ونجوىً * * * لهُمُ في غياهبِ الظلماء

وهُمُ بينَ راكعٍ بخضوعٍ * * * وخشوعٍ وضارعٍ في دُعاء

يتهادَون والهدايا تحايا * * * بُشرياتٍ بغبطةٍ وَهناء

هذه الجنّةُ التي قد أُعدّتْ * * * تتراءىٰ لأُعين الشُهداء

لم تكن غيرَ ساعةٍ هي فصلٌ * * * بين أُخرىٰ الهنا ودُنيا الشقاء

ثم تحظىٰ بخيرِ فوزٍ ونعمىٰ * * * بعد مأوىٰ لجنّةِ الأتقياء

وبنو هاشمٍ نطاقُ عيونٍ * * * مستديرٌ علىٰ خيامِ النساء

وأبو الفضلِ فارسُ الجمع ترنو * * * مقلتاهُ لمقُلةِ الحوراء

الاستعداد للحرب

ولقد قاربوا الخيامَ جميعاً * * * دونَ بُعدٍ ما بينها وتنائي

واُحيطت في خَندق ملأوهُ * * * حطباً حولهَا بخيرِ امتلاء

ليشبّوا يومَ الوغىٰ فيه ناراً * * * فيكونَ القتالَ عند اللقاء

حينما يحملونَ فيه لوجهٍ * * * واحدٍ دونَ سائرِ الأنحاء

كلُّ هذا قد كان منهم بأمرٍ * * * أخذوه عن سيّدِ الشهداء

293

كلام الحسين (عليه السلام) مع نافع

وتهادىٰ سبطُ النبوّةِ ليلاً * * * لاختبار الرُبىٰ بظلِّ الخفاء

حذراً أن تكونَ دون اختبارٍ * * * مكمَناً للعدا وخيرِ وقاء

ورأىٰ نافعٌ إمامَ البرايا * * * خارجاً في غياهبِ الظلماء

فاقتفىٰ إثرَهُ احتفاظاً عليه * * * خيفةً من غوائلِ الأعداء

فرنا قائلاً : أنافُع هذا * * * ما الذي جاء فيكَ بعدَ العشاء

قلتُ يا سيّدي خروجُك ليلاً * * * لثنايا مُعسكرِ الخُصَماء

قال فاسُلكْ ما بينَ تلك الروابي * * * وانجُ بالنفس من عظيم البلاء

هي واللهِ ليلةُ الوعد صدقاً * * * وهو وعدٌ خلوٌ من الافتراء

قلتُ واللهِ ما أنا عنكَ ماضٍ * * * قطّ حتىٰ أذوقَ كأسَ الفناء

فَرسي هَذهِ بألفٍ وسيفي * * * مثلُها سيّدي بحدٍّ سواء

لستُ أنأىٰ حتّىٰ يَكِلاّ بفريٍ * * * وبجريٍ منّي بأيّ تنائي

حبيب والأصحاب أمام خيمة النساء

وسمعتُ الحوراءَ حينَ توارىٰ * * * وأنا واقفٌ أمامَ الخباء

تَتناجىٰ معَ الحسينِ وقالت * * * وهي تبكي يا سيّدَ الشُهداء

هل تبيّنتَ وابتليتَ النوايا * * * من جميعِ الأصحابِ خيرَ ابتلاء

294

إنّ طعمَ الحِمام مُرٌّ وأخشىٰ * * * أنا أن يُسلموك دونَ عناء

عندَ وقتِ اصطكاكِ كلّ سنانٍ * * * بسنانٍ في وثبةٍ شعواء

قال جرّبتُهم فلم أر إلاّ * * * أشوساً أقعساً شديدَ المضاء

وهُمُ يأنسونَ بالموت دوني * * * رغباً في مسرّةٍ وهناء

مثلما في محالب الأمِّ شوقاً * * * يأنسُ الطفلُ عند وقت الغذاء

قلت إي والإله وانصعتُ أسعىٰ * * * لحبيبٍ في حَسرةٍ ورثاء

قلتُ هذا جرىٰ فهلاّ تُنادي * * * كلَّ أصحابنا بخير نداء

قال سمعاً وطاعةً ودعاهُم * * * يا ليوثَ الهيجا بخيرِ دُعاء

فأجابوا لبّيكَ حينَ تجلَّوا * * * كأُسودِ الشرىٰ وشُهب السماء

قال ردّوا فلا سهرتُم عُيوناً * * * لبني هاشمٍ عيونُ العلاء

وحكىٰ للصحاب ما قد حكاهُ * * * نافعٌ عندَ ساعةِ الإبتداء

فأجابوه كلُّهم لو أَتَتنا * * * ساعةُ الإذنِ من أبي الأزكياء

لبدأناهُمُ جميعاً عُجالاً * * * نَحنُ بالحرب دونَ أيّ رخاء

قال سيروا معي وكان أمامَ الصَحب * * * يَسري عَدْواً وهُم من ورَاء

وهُمُ يَهرعونَ جنباً لجنبٍ * * * وَجثوا قرب خيمة الحوراء

وحبيبُ نادىٰ فنادوَاوا جميعاً * * * يا كريماتِ خاتم الأنبياء

هذهِ هذهِ السيوفُ المواضي * * * من جميعِ الغُلمان والأولياء

قد أصرّوا طُرّاً بأن يُغمدُوها * * * في نَحور العدا بيوم اللقاء

والعوالي آلوا بأن يركزُوها * * * دونَكُم في صدورِ أهل العِداء

سوفَ نفديكم بكلِّ نفيسٍ * * * ونفوسٍ مخلوقةٍ للفداء

295

لن تُصابوا ونحنُ تَطرفُ فينا * * * مقلةٌ قطّ بالأذىٰ والعَناء

لا نرى منكُمُ قتيلاً وفينا * * * رَمقٌ مِن نوابض الأحياء

فتعالىٰ من النساء صُراخٌ * * * ضجّ منه بالنوحِ كلُّ فناء

دافعوا عن بناتِ طهِ وحاموا * * * غيرةً عن حرائرِ الزهراء

فعراهُم من النحيبِ دوّيٌ * * * طَبّقَ الأفقَ مِن رحيبِ الفضاء

الإمام الحسين والحوراء زينب

(عليهما السلام)

وعليُّ السجادِ أنبأ فيها * * * بحديثٍ عن سيّد الشُهداء

قد رأيتُ الحسينَ يُصلحُ سَيفاً * * * بينَ كفيّهِ تحتَ ظل الخباء

وهو يَتلو يا دهرُ كم لك غدراً * * * من قتيلٍ مُضرّجٍ بالدماء

لك أُفٍّ علىٰ مرور الليالي * * * من خليلٍ مُولّعٍ بالجفاء

فَتفهّمتُ ما أرادَ بهذا * * * وتيقّنتُ في وقوع البلاء

وأتت عمّتي وقد سمعتْها * * * من أخيها تجُرّ ذيلَ الرداء

وهيَ تدعو بالثّكل ليت حياتي * * * قبل هذا قد اُعدمَتْ بالفناء

يا ثمال الباقين من أهل بيتي * * * ولمن غاب خيرة الخلفاء

هكذا يا أُخيُّ يُصنَعُ ظُلماً * * * بكَ منهم يا نبعةَ الأصفياء

قال لا يذهبنّ في حلمك الشيطانُ * * * طيشاً أُختاه دون ارعواء

وتَعزِّ استكانةَ واصطباراً * * * بعزاءِ الرحمن خيرَ عزاء

ليس يبقىٰ أهلُ السماء وأهلُ * * * الأرض يُفنونَ مثلَ أهل السماء

296

ولنا اسوةٌ وخيرُ عزاءٍ * * * بالمنايا في خاتم الأنبياء

وبكى رقّةً عليها وحزناً * * * حينَ أهوت من غشية الإغـماء

قال فاربط أمناً علىٰ القلبِ منها * * * منكَ بالصبر يا إلهَ العطاء

وهو أوصىٰ إلىٰ العقيلة جهراً * * * ولزين العُبّادِ تحت الخفاء

فهي تعطي الأحكامَ للناس فتوىً * * * بعد أخذٍ من زينة الأولياء

كلُّ هذا ستراً عليه وحفظاً * * * لعليٍّ من أعيُنِ الرُقَباء

الإمام الحسين (عليه السلام) يرىٰ جده في الرُؤيا

ورأى جدَّه فأوحىٰ اليه * * * قد تدانىٰ ميعادُ يومِ اللقاء

سيكونُ الإفطارُ منك بحقٍّ * * * في غدٍ عندنا بوقت المساء

بك أهلُ الجنان زادوا ابتشاراً * * * والصفيحُ الأعلىٰ بأصفىٰ هناء (1)

ولقد جاء من إله البرايا * * * مَلَكٌ من أكارم الاُمناء

ليصون الدماءَ منكَ احتفاظاً * * * بين جنَبيْ قارورةٍ خضراء

____________

(1) الصفيح : السماء.

297

برير وعبد الرحمن

قال عبد الرحمن حُبّاً ونُصحاً * * * لبريرٍ بدون أيِّ جفاء (1)

حينما هازلَ ابتهاجاً وبُشراً * * * شخصَه في تَحبُّبٍ وإخاء

ليس هذي بساعةٍ يعتريها * * * باطلٌ دونَ ريبةٍ وامتراء

قال واللهِ ما ودَدتُ اشتياقاً * * * أبداً كلَّ باطلٍ ورياء

طولَ عُمري طفلاً وكهلاً وقومي * * * لي بهذا من خيرةِ الشُهداء

غير أنّي مُستبشرُ النفسِ فيما * * * سوف نلقاهُ من نعيم البقاء

ليس إلاّ بأن يَميلوا علينا * * * بالمواضي في ساعة الإلتقاء

ثم إنّا نعانقُ الحورَ فوزاً * * * بعدَ هذا في جَنّة السُعداء

وحبيبٌ عندَ التبسُّم أوحىٰ * * * ليزيدٍ هذا بحدٍ سواء (2)

لو أتاني إذنُ الحسين لعجّلتُ * * * عليهم مِنْ ساعتي باللقاء (3)

____________

(1) عبد الرحمن الأنصاري وبرير بن خضير الهمداني.

(2) يزيد بن الحصين الهمداني.

(3) ملحمة أهل البيت (عليهم السلام) للشيخ الفرطوسي : ج 3 ص 288 ـ 296.

298

الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي

ليس هناك في التأريخ البشري ـ حسب علمنا ـ قصيدة أو منظومة أو ملحمة شعريّة نظمت من بحر واحد وقافية واحدة ورويٍّ واحد واجتاز طولها آلاف الأبيات مثل ( ملحمة أهل البيت (عليهم السلام) ) التي نظمها الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ولا أدري إن كان ما يسمىٰ في الغرب بكتب الارقام القياسية قد وصلته هذه المعلومة أم إنها قد طويت جهلاً أو تبخيساً مثل كلّ الإنجازات الخارقة والأعمال الباهرة التي لا يُلتفت أليها عمداً وقصداً.

فهذه الملحمة ـ ان صحّ التعبير ـ ماراثون طويل بنفسٍ واحد وبخطوةٍ متكررة واحدة وبحركةٍ حثيثة واحدة ويكفي الشيخ الفرطوسي فخراً أنه أطالها وتجاوز في إطالتها ولو لم يكن له منها إلا هذا الطول لكفاه.

أما ما يخصّ ليلة عاشوراء فلدينا 157 بيتاً من الملحمة توثّق كلّ ما جرىٰ في هذه الليلة العظيمة علىٰ طريقة المنظومات مع حساب الفارق فالنظم هنا على بحر مركّب التفعيلات هو بحر الخفيف وليس بحر الرجز السهل النظم ـ فالعرب تسمّيه حمار الشعر وتسمّي من ينظم فيه راجزاً لا شاعراً تفريقاً ـ إضافة إلىٰ القافية الموحّدة في ملحة الفرطوسي وهي غير قوافي المزدوجات السهلة اليسيرة.

299

19 ـ للشاعر الأستاذ عبود الأحمد النجفي (1)

الغد الدامي

في غدٍ يشرق الصباح مدمىً * * * وعلى الترب أنجمٌ مُطفآتُ

واشتعال الرمال يلهب أفقاً * * * أجّجته ضغائن وهناتُ

والمدى الرحب خلفه يتوارى * * * فيه غابت شموسه النيّراتُ

وجفون السماء تقطر دمعاً * * * سكبته عيونُها الباكياتُ

علّها تُطفئ اللظي بزلال * * * وعلىٰ الأرض أكبدٌ ظامئاتُ

أغلقت دونها الينابيع عذباً * * * بعدما شحّ بالرواء الفراتُ

أيبس الطفّ والقلوب جفافٌ * * * ونفوسٌ عن الرؤىٰ مجدباتُ

لن ترى غير مقتل الحق نصراً * * * فهي في صحوة الحياة سباتُ

غادرت يقظة الضمائر موتىٰ * * * فتعرّت أشلاؤها الصدئاتُ

رسمت لوحة الخطيئة بحراً * * * من جحيمٍ وعمقه الظلماتُ

أبحرت فيه والمتاه دليلٌ * * * مزّقتها عواصفٌ مهلكاتُ

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ عبّود الأحمد النجفي ، ولد في النجف الاشرف سنة 1367 ه ، أكمل الدراسة الثانوية واتّجه بعدها للعمل الحر ، مارس كتابة الشعر الشعبي ثم الشعر العمودي والحر قبل الثمانينات ، عمل في مؤسسات تحقيقية ، وشارك في عدة ندوات أدبية وأمسيات شعرية ، أصدر مجموعة شعرية بعنوان ( اهتزاز الذاكرة ) عام 1417 ه.

300

نبذت قبر عريها كلّ أرضٍ * * * فهي في رقدة العذاب شتاتُ

في غدٍ تملأ الشعاب صبايا * * * ونساءٌ فواجعٌ ثا كلاتُ

أثقلتها مصائبٌ ورزايا * * * غاب عنها أعزّةٌ وحماةُ

طاردتها شمس الظهيرة جوّاً * * * وقفارٌ تحت الخطى مسعراتُ

خلفها يُشعل الخيامَ ضرامٌ * * * حاط فيها توحّشٌ وقساةُ

وخيول الأعداء تطحن صدراً * * * وضلوعاً تهفو لها الكائناتُ

جسدٌ ضمَّ في ثناياهُ كوناً * * * يتسامى وفيضُهُ المكرماتُ

عانقَ الموتَ والشهادةَ شوقاً * * * فجنانٌ لشوقهِ عاشقاتُ

ووحيداً يُلقّن الحشدَ درساً * * * بثباتٍ يحارُ فيه الثباتُ

حوله من بنيه والصحب جمعٌ * * * جمعتهم مواقفٌ خالداتُ

وقفوا وقفةَ الإباء بحزمٍ * * * وسيوفٍ تهاب منها الكُماةُ

سطّروا صفحةَ الوفاء وساروا * * * بطريقٍ تهيم فيه الأباةُ

فإلى الخلد أنفسٌ تتعالى * * * وعلى الرمل أبدنٌ زاكياتُ

سال منها دمُ الحياة نديّاً * * * بربيع الجراح تَحيى المواتُ

* * *

في غدٍ يرحل الزمان مجّداً * * * وتباريُ أيامَه اللحظاتُ

وإلى الشام يستحثّ مسيراً * * * وإلى الشام تنتهي الخطواتُ

فعلى الرمح ثورةٌ رؤوسٌ * * * وعلى النوق أنفسٌ حائراتُ

301

سوف تجتاح في غدٍ معقل الظلم * * * وتنهار أعرشٌ نكراتُ

وستبقى الدماءُ ما دام فيها * * * صحوةُ الدين والفدا والعظاتُ

وستبقى الدماء أغلى وجوداً * * * من حياةٍ يعيش فيها الجناةُ

ينحني السيفُ خاشعاً وذليلاً * * * وخضوعاً ستركع المرهفاتُ

حين أعطت قيادها للئامٍ * * * ثم أودت بعزّها عثراتُ

فاستحقّت مدى الزمان عتاباً * * * وتنامت بفعلها النائباتُ

-عبّود الأحمد النجفي

1 / 11 / 1417 ه

302

الأستاذ عبّود الأحمد النجفي

عبّود الأحمد النجفي شاعرٌ يصارع الألم ولايزال في تفاصيل حياته ، فلذا يتبدّى ولاؤه للمأساة الحسينية في أشكال ذاتية يتحسّسها بقربٍ روحي عميق ، وإذا أضفنا إلى ذلك تمرّسه في الكتابة باللهجة المحلية للمنبر الحسيني لسنين طويلة فسوف تختمر تجربته وتتصاعد ، فلا غرو أن تستجيب شاعريّته لموضوعةٍ محدّدة التفاصيل مثل ليلة عاشوراء ليصوّرها من أفق الانتظار :

في غدٍ يشرق الصباح مدمّى * * * وعلى الترب أنجمٌ مطفآتُ

ليُصوّر الغد الدامي بتجربةٍ مبتورة إذا نظرنا إلى بقية شعره ، فأنا قد لاحظت قبلاً على النجفي سمة الإرتقاء الشعري من قصيدة إلى أخرى لكنّه في هذه المحطة لم يقلْ ما تريده حصيلته الشعرية المتصاعدة ولا أعلم سبباً وجيهاً لهذا النكوص ، فالنجفي لا تضغط على شاعريته المناسبة فهو من فرسانها المجلّين مع ثُلّة من إخوانه من شعراء الولاء ، لكنّه بدأ مع تراكم تجربته في الكتابة بالتوجه إلى منحى آخر في التأمّل والرؤيا الشعرية ازدانت به مجموعته ـ اهتزاز الذاكرة ـ مما أثرى تجربته بارتياد مناطق كانت مجهولة لديه وانفتح عليها نبوغه وتطلّعه ولعلي أصيب حين أسميّه بالنابغة النجفي تيمّناً بنوابغ الشعر العربي الأصيل ، فعبّود الأحمد النجفي كتب الشعر الفصيح متأخراً فتصحّ عليه هذه التسمية ولعله يقبلها برحابة صدره المعهودة.

303

20 ـ للشيخ علي بن عبد الحميد ;

العزمات الصادقة

فلما رأى أن لا مناص من الردى * * * وإنّ مراد القوم منه كبيرُ

فقال لأهليه وباقي صحبه * * * ألا إنّ لبثي فيكمُ ليسيرُ

عليكم بهذا الليل فاستتروا به * * * وقوموا وجدّوا في الظلام وسيروا

ويأخذ كلُّ منكم يدَ واحدٍ * * * من الآن واخفوا في البلاد وغوروا

فما بُغيةُ الأرجاس غيري وخالقي * * * على كلّ شيءٍ يبتغيه قديرُ

فقالوا معاذَ الله نسلمُكَ للعدى * * * وتُضفى علينا للحياة ستورُ

فأيُّ حياة بعد فقدك نرتجي * * * وأيُّ فؤادٍ يعتريه سرورُ

ولكن نقي عنك الردى بسيوفنا * * * لتحظى بنا دارُ النعيم وحورُ

فقال جُزيتم كلّ خيرٍ فأنتمُ * * * لكلّ الورى يوم القيامة نورُ

فأصبح يدعو هل مغيثٌ يُغيثُنا * * * فقلّ مُجيبوه وعزّ نصيرُ

ولم تبقَ إلا عصبةٌ علويةٌ * * * لهم عزماتٌ ما بهنَّ قصورُ

ولمّا شبت نار الحروب وأضرمت * * * وقتْ نفسَه هامٌ لهم ونحورُ

ولم أنسه يوم الهياج كأنّهُ * * * هزبرٌ له وقعُ السيوف زئيرُ

يكرُّ عليهم والحسام بكفّهِ * * * فلم يرَ إلا صارخٌ وعفيرُ

وراح إلى نحو الخيام مودعاً * * * يُهمهمُ بالقرآن حيثُ يسيرُ

304

فقمن إليه الفاطميات حُسَّراً * * * يفدّينه والمعولات كثيرُ

فقال استعينوا بالإله فإنَّه * * * عليمٌ بما يُخفي العباد بصيرُ

ألا لاتشقّنَّ الجيوب ولا يُرى * * * لكُنَّ عويلٌ إنَّ ذاك غرورُ

ألم تعلمي يا أختُ إنَّ جميعَ من * * * على الأرض كلٌ للمماتِ يصيرُ

عليك بزين العابدين فإنّه * * * إمامكِ بل للمؤمنين أميرُ

أطيعي له إنْ قال مولىً فإنَّه * * * المطاعُ بأحكام الكتاب خبيرُ (1)

____________

(1) المنتخب للطريحي : ص 121 ـ 122.

305

21 ـ للشيخ علي الفرج (1)

حديث النجوم

أغسلي يا نجومُ عن سأم اللي * * * ل جفونَ الحسينِ والأصحابِ

وَدّعي ذلك الزعيمَ ودمعاً * * * ذابَ فيه طبعُ انكسارِ السحابِ

دمعةٌ منه أنبتتْ للملايي * * * ن حِراباً من سُنّةٍ وكتابِ

ودّعيه دماً تأهّب في الأق * * * داح كيما يُراق في الأكوابِ

دمُه صبغة السماءِ وأين الس * * * يفُ منه وهو انتماء التُرابِ

* * *

حدّثي يا نجومُ عن خيم الوح * * * ي ودمعٍ من زينبٍ سَكّابِ

ليلُها ... أين ليلُها ؟! نسيتْهُ * * * نسيتْ صمتَه انتظارَ العذابِ

حولهَا من خواطر الظمأ المرِّ * * * ضبابٌ في عُتمةٍ من ضبابِ

____________

(1) هو : الشاعر فضيلة الشيخ علي بن عبد الله الفَرَج ، ولد في القديح إحدى مناطق القطيف سنة 1391 ه ، انهى المرحلة الثانوية ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف سنة 1410 ه ثم درس شطراً في سوريا سنة 1412 ه وأخيراً التحق بالحوزة العلمية في قم المقدسة سنة 1416 ه ، ولا يزال يواصل دراسته العلمية فيها ، وله ديوان شعر : أصداء النغم المسافر ، وكتابات اُخرى ، وله مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية في القطيف وسوريا وقم المقدسة.

306

قسماً لو جرى الفرات وريداً * * * في دماها كسلسلٍ مُنسابِ

هَدَرتهُ ماءً فتجتمع الأط * * * فال ، فيه تعود ملأى القرابِ

* * *

حدّثيني عن الاُسود كم امتدَّ * * * بهم للسما خيوطُ انتسابِ

زرعوا الليل أعيناً تحرس الغا * * * ب كَسربٍ من الردى جوّابِ

أنت يا ليلة انخساف المرايا * * * في وجوه السنين والأحقاب

غُرست فيك آهتي واحتضاري * * * ونمت فيك صرختي واغترابي

عجبٌ أن أراك سوداءَ والشم * * * س بجنبَيكِ معبدُ الأهداب

عجبٌ أن أرى لديك ( دويَّ الن * * * حل ) يهتزُّ من أُسود الغاب

سهروا بين جانحيك جبالاً * * * وغدوا فوق راحتيك روابي

* * *

حدّثيني عن الظلام وما احمرَّ * * * بأعماقه من الأرهاب

ضاع في رُعبه أنينُ يتامى ال * * * غد ضاعت مباسمُ الأحباب

وفؤاد الحسين ذاب حناناً * * * وعجيبٌ يذوب فوق الحرابِ

-على الفَرَج

10 / 11 / 1416 ه

قم المقدسة