ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
307

الشيخ علي الفرج

شاعريّة علي الفرج من الشاعريات القليلة التي تُجبر متلقّيها على الإقرار بضرورة الشعر في حياة الإنسان وتجعله متقرّباً بأكثر من وسيلة إلى التفاعل والإنصهار مع الظواهر الشعرية في كل تجلّياتها وكشوفها ... فهو حدّاءٌ أصيل يراقب قافلة التلقّي والقراءة بأكثر من حاسّة ويحنو على قارئه حنوّ المشفق ، فيُصاحبه صحبة إدهاشٍ وإبهار بسحر الألفاظ المنتقاة وجمال صياغته للتراكيب الموحية وهو يفعل هذا برقّة وشفافية تنمّ عن طبع شعري متجذّر وخُلق فنّي راسخ ، بعيداً عن دنس تنفير الآخرين وازدرائهم ومقتهم.

فشاعريته بها نزوعٌ نحو التلاحم مع الناس بطيبةٍ صادقة ونيّة حسنة ليقرّر رسالة الشعر ووظيفته كنداءٍ من ضميرٍ ووجدان جماعيٍّ يعبّر عن كل الآمال وجميع الآلام ، ولذا فهو يمتلك من إمكانات الإختيار في خطابه الشعري الشيء الكثير ، وله قدرةٌ متشعّبة في توليد التراكيب غير النمطيّة يعاضده إنتقاء واعٍ لألفاظه ، فلا تستطيع أيّة لفظة كانت أن تعبر سياج حقوله الشعرية بلا إذنٍ من رقابته الصارمه وتفحّصه الدؤوب ، ولا شكّ أنّ البساطة التي تظهر بسيولة في شعره هي بساطة مصنوعة بتعب وإخلاص وتفانِ وهناك جهدٌ آخر يقوم به الفرج في إخفائه لآثار الصنعة في بساطة شعره وعذوبته وسيولته ، ولعل السيولة أقرب إليه من غيرها فهو شاعر الماء بحقٍّ وهو ( نهّام ) يؤدّي مواويله البحرية لكي يدفع عجلة الحياة ، وإذا تسنّى للفحص والإختبار النقدي أن يولي قصيدة ( حديث النجوم ) إهتمامه فسوف

308

يتأكّد رسوخ الصور والألفاظ والتراكيب المائية في نسيج القصيدة ، وربّما تجاوز الماء إلى كلّ الظواهر والأشياء السائلة بحيث نرى أنه لا يكاد أن يخلو بيتٌ شعريٌّ للشيخ علي الفرج من ذلك ، وسنحصي ذلك بالترتيب في قصيدته ( اغسلي ، دمعاً ، ذاب ، السحاب ، دمعة ، دماً ، الأقداح ، يُراق ، الأكواب ، دمه ، سكّاب ، الظمأ ، ضباب ، جرى ، الفرات ، وريداً ، دماها ، سلسل ، منساب ، ماء ، ملأى ، القراب ) في الأبيات العشرة الاولى فيحقّق انسيابية سيّالة لرؤاه وصوره لكي يشكّل مدخلاً إلى مشهد الفجيعة الذي يتعمّد فيه الشاعر عدم استخدام مفرداته المائية ليصوّر ليلة عاشوراء ويخاطبها واصفاً إياها بليلة انخساف المرايا فلا انعكاس أمام وجه الزمن لكن الشاعر يخرج من هذا المشهد وينهي القصيدة بهذا البيت :

وفؤاد الحسين ذاب حناناً * * * وعجيب يذوب فوق الحراب

فحتى الشهادة العظيمة لسيد الشهداء (عليه السلام) يصوّرها الفرج بصورة الذوبان فوق الحراب مبدياً عجبه لذلك ، لكنّنا لا نعجب فالشاعر يريد للشهادة المحبّبة إلى نفسه أن تتزيىّ بحلّة الماء الذي يحقق حيويّةَ شاعريّةِ علي الفرج المنفتحة على مصاديق الآية الكريمة ( وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) على مستويين : شعوريّ يصاحبه الإختيار الواعي ، ولا شعوري دفين في رغبات وأماني الشيخ علي الفرج الذي يختار لقصائده أوزاناً منسابة برشاقة الإيقاع الشعري كبحريّ الخفيف والبسيط اللذين طالما كتب بهما أجمل قصائده.

309

22 ـ للشاعر الأستاذ فرات الأسدي (1)

(1)

مشيئة الدم

عليه اُغمضُ روحي ـ حلمَه العجبا ـ ! * * * فكيف فرَّ إلى عينيَّ مُنسربا

ومن أضاءَ له حُزني فغادَرَهُ * * * إلى فضاءٍ قصيّ اللمح فاقتربا !

حتى تسلّل من حُبٍّ ومن وجعٍ * * * دمعاً يُطهّر نبعَ القلب لا الهدبا

رأيتُ فيما رأيتُ الدهشة انكسرت * * * وخضّبت جسداً للمستحيل كبا

وكأن يَلقى سيوفَ الليل منصلتاً * * * ويستفزُّ مُدىً مجنونة وظبى

وكان يعبر في أشفارها فزعاً * * * مُرّاً ، وترتدُّ عن أوداجه رعُبا !

تمتدُّ لهفتها حيرى فيُسلمُها * * * إلى ضلوع تشظّت تحتها نهبا

مَنْ ينحرِ الماء مَنْ يخنقْ شواطئه ؟ * * * والنهر مدَّ يديه نحوه ... وأبى !

فناولني دمَهُ يا ليلة عبرت * * * إلى النزيف جريح الخطو منسكبا

* * *

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ فرات الأسدي ، ولد سنة 1380 ه ، من عائلة علمية معروفة ، أنهى شطراً من الدراسة الاكاديمية ودرس عدة مراحل في الحوزة العلمية ، ومن نتاجه الأدبي 1 ـ ذاكرة الصمت والعطش ( مطبوع ) 2 ـ صدقت الغربة يا ابراهيم 3 ـ النهر وجهك 4 ـ الخناجر الميتة ( رواية ) ، وله مساهمات فعالة في النوادي الأدبية والثقافية والدينية ، كما شارك في الصحافة والكتابة الأدبية ، ويدير الآن دار الأدب الاسلامي : مشروع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته في الشعر العربي.

310

يا نافراً مثل وجه الحلم رُدَّ دمي * * * إلى هواكَ ... دمي الممهور ما اغتربا

يطلُّ ظلُّك فيه ... بوحَ اُغنيةٍ * * * ظمآنةٍ عبَّ منها لحنُها اللهبا

رأيتُ فيما رأيتُ الليلَ متّشحاً * * * عباءةَ الشمس مختالاً بها طربا

وفوق أكتافِه فجرُ النعوش هوتْ * * * نجومُه ... والمدى يرتجُّ منتحبا

قبلَ الحرائق كأن الورد يُشبههُ * * * وبَعدَهُ لرماد الريح صار سِبا

قبلَ الفجيعة من لون الفرات لهُ * * * شكلٌ ، ومن طينهِ وجهٌ يفيض صبا

وبعدها سقطتْ في النار خضرته * * * وحال عن بهجة مسحورة ، حطبا

وما تألقَ من جمرٍ فبسمتهُ * * * غارتْ ، وتحت رمادٍ باردٍ شحبا !

* * *

وأنتَ ، دون عزيف الموت ، صرختُنا * * * وأنتَ .. تنفخ فيها صوتها .. نسبا

وأنتَ عندكَ مجدُ الله ... آيتهُ * * * بيارقاً نسَلَتْ ... جرّارةً حقبا

وأنت تلوي عنان الأرض ثمّ إلى * * * أقدارها تُطلقُ الأقدار والشُهبا

وعند جرحكَ ماتَ الموتُ وانبجست * * * من الصهيل خيولٌ تنهَبُ الصخَبا

فاحملْ دمَ الكوكب الغضّ الذبيح وسر * * * إلى الخلود فقد أرهقتَه نصَبا

وقفْ ... فحيثُ مدار الكون صرتَ له * * * مشيئةً تكتب التاريخ ، أو قُطُبا

-فرات الأسدي

8 / ذو القعدة / 1416 ه

311

الأستاذ فرات الاسدي

مشيئة الدم

قصيدةٌ عمودية في ظاهرها فقط ، أما جّوها وبناؤها ولغتها وصورها وتراكيب جملها فهي برزخية الإنتماء تتقاطع مع التراث والمعاصرة في مفترقات وملتقيات عدّة لتبرز هويّتها غير المنحازة وغير المتعيّنة على وجه الدقة ، وهي قصيدة خروجٍ على السائد في كل محاورها وخصوصاً على الثوابت النحوية ـ التي لفرات الأسدي رسوخ طويل بها ـ فهي تقفز منذ صدر البيت الاول فوق المعايير لتُلجئ المتلقّي إلى التأويل والتمحّل لما هو بين شارحتين ـ حلمه العجبا ـ ويتأكد هذا القفز فوق الثوابت النحوية في مشاكساتٍ ومحاولاتٍ للخروج الواعي أو هي على الأقل إشعار بذلك ، مما يُنبئ أن الشاعر يضيق ذرعاً بالمعيارية التي تمتدّ ضاغطةً على الرؤى غير المتشكّلة بعد ، وعلى القواعد التي تحاصر فضاءه وهو ( فضاء قصّي اللمح ) فهو يفرض الحيرة على المتلقي مثلاً في

مَن ينحرِ الماء مَنْ يَخنُقْ شواطئه ؟ * * * والنهر مدّ يديه نحوه .. وأبى

فهل ( من ) إستفهامية أم شرطية وكيف جزمت الفعلين ؟ إن التعمّد والقصديّة واضحان في التجاوز ونُضيف إلى ذلك ما يمكن أن نسميّه ب ( إزدحام الأفعال ) كظاهرةٍ بارزةٍ في القصيدة حتى وصل عدد الأفعال المستخدمة في بيتٍ واحد إلى خمسة أفعال :

رأيتُ فيما رأيت الدهشة إنكسرتْ * * * وخضّبت جسداً للمستحيل كبا

312

ولأن الفعل في العربية ـ غالباً ـ ما يشكّل بدايات الجمل فهذا البيت يطالب ذهن المتلقي أن يقف خمس وقفات ليبتدأ من إنطلاقات الجمل فيحتاج إلى تأمّلٍ أكثر ووقتٍ أطول فتتعدّد المفاتيح الباحثة عن أبواب النص وهناك لدى فرات الأسدي ظاهرة نحوية اخرى يتعمّدها في نصّه وهي حشد الضمائر المتصلة فعلى إمتداد (22) بيتاً هناك (53) ضميراً متّصلاً على الأقل بحيث تعسر الإحالة ويصعب الإرجاع وسنرى هذا المثال :

وكان يلقى سيوف الليل منصلتاً * * * ويستفزّ مُدىً مجنونة وظُبى

وكان يعبر في أشفارها فزعاً * * * مرّاً وترتدّ عن أوداجه رعُبا

تمتدّ لهفتها حيرى فيسلمها * * * الى ضلوع تشظّت تحتها نهَبا

فاذا أردنا معرفة عائدية الضمير ( ها ) المتصل بالفعل ( يسلم ) فلن يسهل ذلك ، لانه قابل للإحالة إلى ( اللهفة ، الأشفار ، الظُبى ، المُدى ، سيوف الليل ) وإذا أضفنا إلى ذلك العُسر صعوبة تمييز فاعل الفعل ( يسلم ) هل هو فاعل ( كان يعبر ) أي الفاعل الأساس أم هو الفزع المرّ أم الرعب ؟ تشابكت القراءات وتنافرت على المحور الدلالي العام مما يصوّب رأينا القائل أن قصيدة فرات مكتوبة لكي يقرأها المتلقي لا لكي يسمعها فهي نخبوية متوغّلة في موقف جمالي عميق لا يشف وهي درامية البناء قائمةٌ على النفور من العواطف والإنفعالات البسيطة لذا نراها تجاهلت المدخليّات المألوفة إلى ليلة عاشوراء ودارت محاورها على لغة حلميةٍ عميقةٍ تعتمد الإيحاء والإيماء والغموض البرّاق في التعامل مع الأحداث بصدق فني لا يتطابق مع الصدق الواقعي بل يتضمنه ويلازمه في تجربة غنية حافلة بالاجتراح وشاعريةٍ جامحةٍ متمرّسة طالما أغنت ساحتها تجارب كثيرة مميّزة.

313

(2)

الليلة الآخِرة

عكفتْ تشحذُ للموتِ النصالا * * * أو تهزُّ الليلَ ذكراً وابتهالا

فتيةٌ ناداهمُ ربُّهُم * * * أقدِموا ، فاستسهلوا الاُخرىٰ منالا

ومضوا عن هذه الدنيا عُجالىٰ * * * وسرَوا للخُلدِ يبغونَ الوِصالا

بسَمَ المجدُ لهم فابتسموا * * * وإلىٰ أسيافهمْ مالوُا فَمالا

وارتدَوا من عدَّةِ الحربِ هُدىً * * * ووفاءً ومُروءاتٍ ثِقالا

جَنَّهُمْ في الطفِّ ليلٌ وهُمُ * * * بالحسينِ الطُهرِ قد جَنُّوا خَبالا

فاشهدي يا ليلة الضوء هوىً * * * نضراً يبتكر الرؤيا جمالا

* * *

يا مساءً لم يلُحْ في أفْقهِ * * * غيرُ وجهِ اللهِ ، والسبطِ ـ تعالىٰ ـ !

ترقبُ الفجرَ به أمنيةٌ * * * حُرَّةٌ لم تُلقِ للرَّهبةِ بالا

رغبتْ أن تشهد الفتحَ غداً * * * بدمٍ ما سالَ بل صالَ وجالا !

فأعدَّتْ للِقاهُ صَبرَها * * * ونفوساً أنِفَتْ تهوىٰ الضلالا

وتمدّ اليدَ للطاغي وقد * * * عاثَ بالدين حراماً وحلالا

ترِبَتْ كفُّ أبيهِ .. ليتَهُ * * * نَصبَ القردَ أميراً .. واستقالا !

314

أيُّ ليلٍ ضمَّ للحقّ رجالا * * * يُرخِصون الروحَ أصحاباً وآلا

ونساءً حُجِبتْ في خدرِها * * * واطمأنَّتْ في حِمىٰ الصِيد عيالا

وصغاراً هَوَّمَتْ أعينُها * * * وعن الأقدار لم تُحفِ السؤالا

لو أطلّتْ لرأتْ خيل العدىٰ * * * ترمَحُ الأرضَ جنوباً وشمالا

عاهدتْ شيطانَها لن تنثني * * * يومَها أو تطأ القومَ مجالا

وبناتُ الوحي تُسبىٰ ذُعَّراً * * * وخيامُ الوحيِ تنهدُّ اشتعالا

وبأطراف القنا رأسُ الهدىٰ * * * وعلىٰ العُجْف السبايا تتوالىٰ

وعليٌ يقدِمُ الركبَ وفي * * * عُنْقه من رجلهِ القيدُ استطالا

وله زينبُ تشكو ذُلَّها * * * وهُموماً عاينتْ منها المَحالا

صبرتْ واحتسبتْ ما نالَها * * * في سبيل الله تلقاه نوالا

حسبُها من أهل بيتٍ شمسُهُمْ * * * في مَدىٰ التاريخ لم تغربْ زوالا

كتبَ الله لهم أجرَهُمُ * * * ان يكونوا للكراماتِ مثالا

ويشيدوا بالتقىٰ دولتهمْ * * * آخرَ الدهر انتصافاً وسجالا

وإمامُ الحقِّ في أشياعهِ * * * يطلبُ الثاراثِ زحفاً واقتتالا

-فرات الاسدي

6 / شعبان / 1416 ه

315

الليلة الآخرة

على الرغم من حرصه أن تكون قصيدته منبرية التوجّه لكنّها أفلتت من القالب والنمط المنبري في مواضع عدة ، ولو تسنّى لخطباء المنبر الحسيني أن يضخّوا دماً جديداً في شرايين إختياراتهم الشعرية لما عَدَوا هذه القصيدة أو ما نُسج على منوالها من قصائد الولاء للشعراء المعاصرين.

فالخطاب المنبري الموجّه إلى الأجيال الشابة المتطلعة إلى المستقبل يجب أن يفحص أدواته ويوظّف الوسائل الفاعلة في الأوساط التي يخاطبها وعلى سبيل المثال ليته يُعيد إختياراته لقصائد العزاء والمصيبة منحازاً إلى المنبريات الجديدة من القصائد والأشعار التي تمثّل هذه القصيدة مثالاً لها.

316

(3)

موت النهار

(1)-

ليركضَ كالبحر مرّ المساءْ

ومرّتْ وراء خطاه النجومُ التي أزهر الضوء في نسغها ،

والسماواتُ مبتلّةٌ بالبريقْ

لينهضَ كالبحر مدّ المساءُ مداه الغريقْ

والغى حرائقه السودَ في الطرقاتِ

وفاجأَ غلغلةَ الومض بالأسئلهْ

ومرَّ إلى الدهشة المقبلهْ !

(2)-

ليوغلَ كالليل دارَ الغبارْ !

وطوّقَ نبضَ التراب بأقدامه المثقَلهْ

وأقصى الغيومَ عن النوءِ والنهرَ عن مائهِ المستعارْ !

ودارَ الغبارْ.

317

(3)-

ـ وكانت هوادجهمْ تذرعُ الريحَ ، كان الحداءُ

يُخامرُ عشبَ الكلامِ النديّ ويُشعلُ فيه الحنينْ

وكانوا يُلمّون أرواحهم حفنةً حفنةً في ضياع السنينْ

يموتونَ .. يحيونَ .. ينطفئونَ

وها هو طقس الحكايا

يُخامِرُهم بالفرات وبالأخضر القادم ـ الآن ـ من دمهِ ،

الذاهبِ ـ الآنَ ـ من دمهِ والظمأْ

الى كوكبٍ آخرٍ ما انطفأْ

وما حرثَتْهُ مرايا الصدأْ !! ـ.

(4)-

ليركضَ كالبحر مرَّ بسحنته العاريهْ

مساءً من اللّهفة المشتهاة إلى وهَجٍ مترَفٍ ،

أو ينابيعَ مغسولةٍ برماد الفجيعهْ

ـ رمادِ المياه المضاجعِ جمرتَها الذاويهْ !

(5)-

ليوغلَ كاللّيلِ دارَ على الأرضِ

واشتبكتْ بالنخيل ملامحُه وتوارىٰ

318

بقايا من الحزنِ

سرباً من الأغنيات الحيارىٰ

ومرَّ إلى النهر في خلسةٍ واستدارْ

.. إستدارا

ليشهدَ موتَ النهارْ !!.

-فرات الأسدي

3 / 11 / 1417 ه

موت النهار

أشعر أن فرات الأسدي قد وجد تعبيريّته المناسبة في هذه القصيدة الرؤيوية المركّبة بإدهاشٍ متقَن فهو في معظم شعره لا يقترب من البساطة المجردة ولا يتعامل معها أبداً ، فالأشياء في شعره أشياء ضمن علاقات بل هو يُقارب بين الأشياء التي لا علاقة بينها في تراكيب لفظيةٍ ليُنشئ حداثته بتأمّلٍ شعريٍّ متفلسف ، فقصيدته لها منطقٌ خاص بها ولو تجرّأنا فاستخدمنا شيئاً من المنطق العام أو بعض معطياته لتوصّلنا إلى كشف منطق قصيدته أو شيء مشابه لذلك ، فموت النهار قائمٌ على تقابل الموت مع الحياة التي جاء النهار هنا معادلاً لها لكن وفقاً للمشيئة التركيبية التي يعمل بها الشاعر.

سيكون الصراع بين الموت والحياة ظاهراً بعلاقاته التي لها أطرافها

319

المتشابكة ، فالنهار سيقابل المساء وهو غير المقابل المنطقي للنهار أي الليل ومن هنا تبدو خصوصيّة منطق القصيدة الذي يجعل هذا المساء يركض كالبحر وفق العلاقة التي ذكرناها ( العلاقة بين الأشياء التي لا علاقة بينها ) لتتولّد معان جديدة ويحتدم الجدل المتفلسف فيعرو التأمل الفلسفي شيءٌ من منطق الشعر بأسئلة لها ملامح الطفولة التي تُرجع الفلسفة إلى بداياتها ، فتبدأ جدلية العناصر الأربعة ( الماء ، التراب ، النار ، الهواء ) فعندما يمرّ المساء تمرّ خلف خطاه النجوم التي يشكّلها الشاعر كشجرة لها نسغ يُزهر فيه الضوء فتبتلّ السماوات بالبريق في علاقة بين الماء والنار عبر البلل وهو من خصائص فعل الماء ، وبين البريق وهو من خصائص فعل النار ، وبعد ذلك أراد المساء أن ينهض لكن كالبحر أيضاً فمدّ مداه الغريق ، والمدى من خصائص الأرض فعندما إبتلّت السماوات بالبريق كان نصيب الأرض الغرق في شكل مدى المساء ، هذا على مستوى المعاني ، أما المباني فسيكون هناك تقابل بين ( ليركض كالبحر مرّ المساء ) مع ( لينهض كالبحر مدّ المساء ) هناك نظام تقفية داخلي مغاير لنظام التقفية التقليدي مع النظر إلى العلاقة في الجناس الناقص بين الفعلين ( مرّ ) و ( مدّ ) بنفس الفاعل ( المساء ) مع إستخدام نظام تقفية خارجي في ( البريق ـ الغريق ) في شكل من اللزوميات التي لو تواصلت لأورد الشاعر مثلاً لفظتي ( الحريق ـ الطريق ) اللتين جاء بهما الشاعر في صيغة الجمع ليكسر نظام التقفية لكنهما عَلقا في اللاشعور فتداعتا تداعاً حرّاً في المقطع اللاحق ( وألغى حرائقه السود فى الطرقات ) طرائق جهنمية سوداء تجعل المساء يتساءل أسئلة مصيرية مندهشة اثر الإلغاء وما تبعه من غلغلة الومض ومفاجأته ... وينتهي المقطع.

المقطع الثاني حركةٌ دورانية للغبار وهو من جهةٍ معادلٌ للمساء ومن جهةٍ

320

اخرى جدل عنصرين من العناصر الأربعة ( الهواء ـ التراب ) وهنا جرى تشبيهه بالليل في إيغاله ( ليوغل كالليل دار الغبار ) يطوّق نبض التراب ويقصي الغيوم من جهة والنهر عن مائه من جهة اخرى ، وهذه الحركة أو الدوران الغباري تمنع التراب من اللقاء بالماء لكيلا تنتهي العلاقة بولادة الطين الذي هو أصل الإنسان ، وتُقصي النهر عن الماء حتى وأن كان ماءً مستعاراً لتمنع حركة الحياة ويتم للغبار ذلك.

في المقطع الثالث كانت الهوادج تقابل الريح والهوادج عادة تحمل النساء وهنّ حاضنات الإمتداد الإنساني بنوعه في ولادتهنّ ، ليعلن الشاعر جدلية الإنتصار ويكون الحداء مفعماً ونابضاً بالحياة فهو ينطق بكلامٍ له نداوة العشب المشتعل بالحنين للنمو والولادة في تقابل آخر مع الريح ، وتكتمل صورة القافلة التي تواجه الريح في تشكّل الموقف أمام ضياع السنين في لملمة شتات الأرواح لمواجهة الأسئلة المصيرية ( يموتون يحيون ) والسؤال الأخير ( ينطفئون ) والإنطفاء يعني موت النور أو موت النهار أمام الريح في جدل آخر بين ( النار والهواء ) لكن الحكايا تؤكّد طقوسها وانكشاف وعودها بالنَمَاء المتشكّل من الفرات والإخضرار الحسيني المتحرك حركتين : حركة قدوم إلى الحياة المنطلقة إلى الشهادة ، وحركة ذهاب بالدم والظمأ إلى الخلود الأبدي التي لا تستطيع المرايا الصدئة أن تعكسه ، وهي لو عكسته ـ جدلاً ـ فذلك مساوٍ لفعل الحرث السلبي المشوِّه لا الايجابي المساوق لفكرة النماء ، كل ذلك في تعبيريّة حديثة مكّثفة مثل ( حرثته مرايا الصدا ) !

في المقطع الرابع ستكون هناك حركة مرورية للمساء الذي يتلهّف إلى مصرع الوهج والينابيع أي مصرع النور والماة فيرى الماء وهو أصل الخلق ( وجعلنا من

321

الماء كل شيءٍ حي ) يراه مغسولاً برماد الفجيعة ونلاحظ هنا تركيب ( رماد المياه ) حيث العلاقة بين عناصر ثلاث من العناصر الأربعة فالرماد هو جدل ( النار ـ التراب ) وهو هنا خاص بالمياه فتتواشج العناصر الثلاثة ( النار ـ التراب ـ الماء ) في علاقةٍ غائبةٍ مع العنصر الرابع ( الهواء ) الذي عادلته الريح أو الغبار الراجع في المقطع الخامس ليوغل كالليل ويدور على الأرض فتشتبك ملامحه مع النخيل الذي هو الرمز الواقعي للعطاء في الأرض التي قُتل فيها النهار ليمرّ على النهر وهو رمز آخر عن واقع الأرض يحدّد جغرافيتها ويستدير ليشهد موت النهار ...

الإيحاء والإيماء والرمز كطرق للتعبير تواصلت في تصوير ليلة عاشوراء بأسلوبٍ فني فذٍّ لا يمتّ للتسجيل الواقعي والتوثيق التأريخي بأدنى صلة ، فالنهار كان رمزاً للإمام الحسين (عليه السلام) به تنفتح بوابات النص أمام المتلقي الذي يواجه أحد أفضل النصوص التي تناغمت مع ليلة عاشوراء.

322

23 ـ للشيخ قاسم آل قاسم (1)

بكائية كربلاء

يومُ الحسين تناهى ذكره ألما * * * لو أنصف الدمعُ فيه لاستحال دما

بكت على رزئه الدنيا وما فتِئتْ * * * حتى اليراعُ إذا خطّ ( الحسين ) هما

يظلّ يمتدّ في عُمق الزمان لظىً * * * يُثير بركانُها في قلبه الحمما

يُذكي لهيبَ رزايا الطفّ ذاكرُها * * * كأن قلب الهوى يسلو إذا اضطرما

تغيّرت صور الأشياء يومَ قضى * * * كأنّها قتلتهُ فانطوت ندما

تبثّ آهاتِها خلفَ الترابِ وقد * * * غالته غائلةٌ واستهدفته دُمى

وطالما بثّها أحزانَه سحراً * * * في الطفّ يُبدي لها من دهره سأما

أنا الحسينُ الذي أوصى النبيُّ به * * * فأين ضاعت وصاياه وما رَسما ؟

أنا الحسينُ واُمّي فاطمٌ وأبي * * * كان الإمامَ الوصيَّ المُفردَ العلما

أنا الحسينُ ، فقالت زينبٌ وكفىٰ * * * بذكركَ الخير يا أعلى الورى قدَما

فقال يا أخت ماذا جدّ من حدثٍ * * * حتى أموت غريب الدار مهتضما ؟

ماذا جنيتُ ؟ فقالت يا أخي وبكت * * * لأنك ابن عليٍّ والمصابُ نما

فقلّبَ السيفَ في كفّيهِ وارتعدتْ * * * يدُ السماءِ وناداها : وهل أثِما ؟

____________

(1) هو : الشاعر الفاضل الشيخ قاسم بن عبد الشهيد بن علي آل قاسم ، ولد في القديح ـ القطيف سنة 1382 ه ، حاز على الشهادة الثانوية العامة ( القسم العلمي ) وإبتدأ دراسته الحوزوية في القطيف عام 1407 ه ثم غادرها إلى قم المقدسة عام 1412 ه حيث يحضر الآن مرحلة البحث الخارج ، ومن نتاجه الأدبي : 1 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) ، ومن نتاجه العلمي : 2 ـ بحث في نشأة اللغة وحقيقة الوضع ، وله مشاركة في النوادي الثقافية والدينية.

323

كأنهمْ نكروا منه مواقفَهُ * * * في حربِ آبائهم قِدماً وما رحما

لم يُثنه عزمُه عن قَطعِ دابرهِم * * * ولم يكن يرعَ في أعدائه ذِمَما

حتى تواصوا على إفناء عترته * * * قتلاً وهتكاً وجاؤوا يركبون عمى

وما دروا أنّنا أسيافُ حيدرةٍ * * * أصداؤنا أورثَتْهم في الوغى صَمَما

وكيف نرضى بما تأباهُ عزّتُنا * * * لعصبةٍ لم نكن نرضى بهم خدما

فأسبلت عبراتٍ ملؤها ألمٌ * * * كأنّما قلبُها في دمعها انسجما

وفي غدٍ يتفانى جمعُكُم وأنا * * * أراكُم جُثثاً فوق الثرى رمما

يا ليتما طال ليلي والحسينُ معي * * * وذاكَ شبلُ عليٍّ يَحرسُ الخيما

لكنّها أشرقتْ شمسُ الصباحِ بها * * * وظلَّ يقتاتُهم صرفُ الردى نَهِما

حتى تقضّت مناياهُمْ وأفردَها * * * جورُ الزمان ، وساقوهُنّ سَوقَ إما

يومٌ تَكَشّفَ عن دُنياً مزيّفةٍ * * * داست بأقدامها الإسلام والقيما

عجبتُ كيف يواريه ثرى جدثٍ * * * وكيف تحويه أرضٌ والحسينُ سَما

أليس ذا وأخوه طالما ارتقيا * * * كتفَ النبيِّ « ونعم الراكبانِ هُما »

وكيف خَلّف أُختاً لا حياةَ لها * * * إلاّ على قلبه لكنه انثلما

وكيف مرّت على أشلائه ورنت * * * بنظرةٍ تتحرّى الكفَّ والقَدَما

كانت به تُبصر الأشياءَ فانكسفت * * * أنوارُه فاستوت في عينها عدما

كانت له ساعداً في يوم محنته * * * وشاطرتُه الرزايا غُربةً وظما

لكنّها امرأةٌ مثكولةٌ ورثتْ * * * على مصائبها الأيتامَ والحُرما

-قاسم آل قاسم

الخميس 1 / 11 / 1416 ه

324

الشيخ قاسم آل قاسم

قصيدة آل قاسم باحثة عن الجدوى مما حدث ومبينة للأسباب التي أوصلت النتائج فهي برهانية السجيّة ، منطقية الترتيب لبست هنا حلّة الشعر كأداة إيصال لبحثها وإستنتاجاتها فهي راقبت ماوراء الظواهر لكن لتصل إلى الفحوى والعبرة واقتفاء الأثر ، فهي مهتمّة بما ينير الدرب للسالك الباحث عن الجدوىٰ ، وهي زاهدة بالجمال العارض وإن كانت تجاوره وتحاوره وتساقيه بأكؤوسها العرفانية غير المليئة تماماً ، فهي تتعهّد الجمال كحالة خيّرة ولا تُصاحبه إلا لأنّه وعاء لما هو حقٌّ صُراح ، لكن مجاهدته للحيلولة دون أن يفلت الجميل المحسوس من لسانه تبقى مجاهدة ناقصة فنلاحظ أنّ الجمالية تطغى على براهينه وسلوكه وزهده ومجاهدته لتقول له : ( إنني شعرٌ تقوله شفتاك بعد أن إحتدم في داخلك وإنكشف أمام المتلقين مظهراً ازدواجية الجدوى وانشطار السلوك وتشظّي المجاهدة لأن لي وجوداً أصيلاً فيك بلا تواضع ، وأسّاً غائراً في روحيتك بلا زهد ) ، وأنا كمتتبع لنتاج آل قاسم أراه قد كتب هذه القصيدة بأصابعه التي حملت قلمه ، سوى بعض الأبيات التي فرّت من أسار التعجل المقصود مثل :

عجبت كيف يواريه ثرى جدثِ * * * وكيف تحويه أرض والحسين سما ؟

أو مثل هذين البيتين :

وكيف مرت على أشلائه ورنت * * * بنظرة تتحرّى الكفّ والقدما

كانت به تُبصر الأشياء فانكسفت * * * أنواره فاستوت في عينها عدما

لكننا رأينا في تجاربه الأخيرة منحى جديداً يعيده ـ إن لم يقدّمه ـ إلى مكانه في الصف الشعري المتقدم.

325

24 ـ للشيخ لطف الله الحكيم (1)

الشهب الزاهية

أبكي الحسينَ وآلَهُ في كربلا * * * قُتلوا على ظمأٍ دُوينَ المنهلِ

مَاتوا وَما بلّوا حرارات الحشا * * * إلا بطعنةِ ذابل أو منصلِ

يا كربلا مَا أنت إلا كربةٌ * * * ذِكرَاك أحزنني وَساقَ الكربَ لي

مُذ أقبلَ الجيشُ اللَهام كأنَّهُ * * * قِطَعُ الغَمامِ وجُنحُ ليلٍ أليّل

بأبي وَبي أنصارَهُ مِنْ حَولهِ * * * كَالشُهبِ تزهو في ظلام القسطلِ

أفديه وهو مُخاطبٌ أنصارَهُ * * * يَدعوهُمُ بلطيفِ ذاك المِقولِ

يا قومُ مَنْ يُردِ السلامةَ فليجدَّ * * * السيرَ قَبلَ الصُبح وليترَحّلِ

فالكلُ قالَ لَهُ على الدُنيا العفا * * * والعيشُ بعدكَ يا ربيعَ المُمحلِ

أنفرُّ عنكَ مخافةَ الموتِ الذي * * * لا بُدَّ منهُ لمُسرعٍ أو مُمهِلِ

واللهِ طعمُ الموتِ دونَكَ عِندنا * * * حُلوٌ كطعمِ السلسبيل السلسَلِ

فجزاهُمُ خيراً وقال ألا انهضوا * * * هَيّا سُراعاً للرحيل الأوّلِ

فتوطّأوا الجُردَ العُتاقَ وَجرّدوا * * * البيضَ الرقاق بسُمرِ خطٍّ ذُبَّل

____________

(1) هو : المرحوم الشيخ لطف الله بن يحيى بن عبد الله بن راشد بن علي بن عبد علي بن محمد الحكيم الخطي ، كان فاضلاً تقياً ورعاً ، له أياد بيضاء أوجبت محبتَهُ في القلوب ، له مَراثٍ كثيرة في أهل البيت (عليهم السلام). أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 7 ، ص 279.

326

مِن فوقِ كُلِّ أمونِ عثراتِ الخِطى * * * صافي الطلاءِ مُطهّمٍ وَمحَجّلِ

ما زالَ صَدرُ الدستِ صدرَ الرتبةِ ال * * * عُلياء صدرَ الجيش صدرَ المحفلِ

يَتطاولون كأنَّهُم اسدٌ على * * * حُمرٍ فتنفِرُ كالنعَام الجُفَّلِ

وَمضوا على اسمِ الله بينَ مُكبّرٍ * * * ومُسبّحٍ ومُقدسٍ ومُهلِّلِ

يَتسِابقونَ إلى المنونِ تَسابقُ اله * * * يمِ العِطاش إلى ورود المنهلِ

حتى قضوا فرضَ الجهادِ وصُرّعُوا * * * فوق الوهاد كشهب أُفقٍ أُفّلِ

صَلّى الالهُ عَليهِمُ وسلامُهُ * * * وَسقى ثَراهُمْ صَوبَ كُلّ مُجلجلِ (1)

____________

(1) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 7 ، ص 279 ـ 280.

327

25 ـ للسيد مدين الموسوي (1)

ليلة الخلد

لا تتركي حجراً على حجَرِ * * * يا ليلة الأرزاء والكدرِ

صُبّي على الدنيا وما حملتْ * * * من نار غيضك مارق الشررِ

وتهتّكي من كلّ ساترةٍ * * * لم تحفظي ستراً لمنسترِ

لا عاد صُبحك أو بدا أبداً * * * في ظلّ وجهك مشرِقُ القمر

يا ليلةً وقف الزمانُ بها * * * وجلاً يدوِّن أروع الصورِ

وقفَ الحسين بها ومَنْ معه * * * جبلاً وهم كجنادل الحجرِ

ما هزّهم عصفٌ ولا رعشتْ * * * أعطافهم في داهم الخطرِ

يتمايلون وليس من طربٍ * * * ويُسامرون وليس في سمرِ

إلاّ مع البيض التي رقصتْ * * * بأكفّهم كمطالع الزُهرِ

يتلون سرَّ الموت في سورٍ * * * لم يتلُها أحدٌ مع السورِ

ويرتّلون الجرح في ولهٍ * * * فكأنّه لحنٌ على وترِ

خفّوا لداعي الموت يسبقهم * * * عزمٌ تحدّى جامد الصخرِ

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ السيد مدين الموسوي ، ولد سنة 1378 ه ، له مشاركة فعالة في النوادي الأدبية والثقافية والمناسبات الدينية ، ومن نتاجه الأدبي : 1 ـ الجُرح يا لغة القرآن 2 ـ أوراق الزمن الغائب 3 ـ كان لنا وطن 4 ـ لهم الشعر 5 ـ الحلي شاعراً اطروحه ماجستير.

328

مذ بان جنب الله مقعدُهم * * * ورأوه ملء الروح والبصرِ

هدروا كما تحمي لها أجماً * * * أُسْدٌ دماة الناب والظفرِ

وبناتُ آل الله ترقبَهُم * * * بعيونها المُرقاة بالسهرِ

يا نجمُ دونكَ عن منازلهم * * * لا تقتربْ منها ولا تدُرِ

لا تستمعْ لنداء والهةٍ * * * مكلومةٍ من بطشة القدرِ

أو تنظرنَّ إلى معذَّبةٍ * * * حرّى تودّع مهجة العُمُرِ

تسقي عيون البيد أدمعها * * * لتظلَّ مورقةً من الشجرِ

لله قد نذروا بقيّتهم * * * وتسابقوا يُوفون بالنُذُرِ

والموت يرقبهم على حذرٍ * * * منهم وهم منه بلا حذرِ

نامت عيون الكون أجمعها * * * وعيونهم مشبوحةُ النظرِ

لله ترمقهُ ويرمقُها * * * كبراً وهم يعلون في كبرِ

وأبو الفداء السبط يشحَذها * * * بالعزم يوقظ ساكن الغِيَرِ

حتى إذا بانَ الصباحُ لهم * * * لم تدر هل بانوا من البشرِ

أم هم ملائكةٌ مطهَّرةٌ * * * يستمطرون الموت للطهرِ

هبطوا وعادوا للسماء معاً * * * في خير زادٍ عُدَّ للسفرِ

-مدين الموسوي

1 / ذو القعدة / 1416 ه

329

السيد مدين الموسوي

( ليلة الخلد ) قصيدة موازاة ومضاهاة تحاذي النماذج الشعرية المتقدّمة في العصر الحديث ، ولعلها تحاكي جوهر التجربة الجواهرية في أكثر من موضع مخلصةً ووفيّة للوقوف في موقع الماضي الذي تعتقده أفضل ، لتجذّر لإنطلاقها فهي رميةُ قوسٍ وسهمٍ كلما ارتدّ إلى الوراء أكثر إكتسب طاقة وقدرة أكبر للإنطلاق إلى الأمام أكثر.

وهي تُبجّل القوانين المعيارية والأعراف التي صنعت مجد القصيدة العربية في كل زمان ، وهي تُديم زخم الإستمرار في محاكاة أفضل ما في التراث العربي الشعري وترى أن هذا الإستمرار أفضل من الإنشقاق والخروج غير المحسوب العواقب ، فهي تحاول أن تبني كلاسيكية جديدة لا تنافس تلك الكلاسيكية بل تساير نماذجها الخالدة مولية حركة الحياة إهتمامها في تأصيلٍ يحفظ الثوابت ويراقب المتغيّرات ومع خلق حالة التوازن بين متصارعات متعددة تبدو مهمة مدين الموسوي عسيرة وضاغطة في التحلّي تارة بما هو أصيل والتخلّي أُخرى عن ما هو طارئ حتى ولو كان فيه إغناء للتجربة وتعميق للمشاركة الوجدانية المحتدمة.

وبعد فالقصيدة في لغتها تحاذي وتحتذي أساليب النموذج في عملية إختيارها للألفاظ مع تحفّظٍ واضح من طريقة الكتابة قرب معجمٍ مفتوح ، بل هي تفلت في أحيان كثيرة من هذا الأسار الضاغط لتقول :

يا ليلة وقف الزمان بها * * * وجلاً يدوّن أروع الصور

330

أو تقول :

ويرتّلون الجرح في ولهٍ * * * فكأنّه لحنٌ على وترِ

وتساهم انسيابية بحر الكامل الأحذّ وترنّمه في فسح المجال أمام الشاعر لمضاهاة حتى بعض التراكيب أو الأنماط الشائعة مثل صيغة ( حتى إذا ) :

حتى إذا بان الصباح لهم * * * لم تدرِ هل بانوا من البشر

في اختلاس حذر من الإستخدام الممتدّ من أبي تمّام وحتى مصطفى جمال الدين.

ونخلص إلى أنّ قصيدة مدين الموسوي حقّقت سندها في المتن الشعري لكنها محتاجة إلى أكثر من جرعة منشّطة تجعل دقات قلبها متناغمة مع حركة الزمن وتصاعده.

331

26 ـ للسيد محسن الامين ـ (عليه الرحمه) ـ (1)

(1)

المهج الغوالي

وأتى المساءُ وقد تجهّمَ وجهُهُ * * * واليوم محتشد البلاء عصيبُ

قال اذهبوا وانجوا وَنَجّوا أهلَ بي * * * تي انني وحدي أنا المطلوبُ

لا ذمةٌ مني عليكم لا ولا * * * حرجٌ ينالكم ولا تثريبُ

فأبتْ نفوسُهُم الأبيّة عند ذا * * * أن يتركوه مع العِدى ويغيبوا

وَتواثبت أبطالهم وجميعها * * * بالحزم والقول السديد تجيبُ

كلا فلسنا تاركيكَ وما به * * * يوم القيامة للنبيّ نجيبُ

نفديكَ بالمهج الغوالي نبتغي الر * * * ضوان ما فينا بذاك مُريبُ

نيل الشهادة بالسعادة كافلٌ * * * يومَ الحسابِ وأجرُها مَجلوبُ

____________

(1) هو : الحجة الكبير العلم السيد محسن بن السيد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي ، عالمٌ شهيرٌ ، ولد في قرية شقراء في جنوب لبنان حدود سنة 1282 ه ، درس المقدمات في مدارس جبل عامل على المشاهير من فضلائها ، وهاجر إلى النجف الأشرف سنة 1308 ه وحضر عند الشيخ آغا رضا الهمداني والخراساني وشيخ الشريعة ، وهاجر من النجف إلى الشام سنة 1319 ه بطلب من أهلها ، ومن مؤلفاته القيمة 1 ـ نقض الوشيعة 2 ـ أعيان الشيعة 3 ـ مفتاح الجنات 4 ـ الدر النضيد 5 ـ المجالس السنية 6 ـ البرهان على وجود صاحب الزمان وغيرها ، توفي (قدس سره) في بيروت في سنة 1371 ه ، ودفن في جوار السيدة زينب (عليها السلام) في دمشق راجع : أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 10 ، ص 33 ـ 35.

332

هَذي الجنانُ تهيّأت وَتزينت * * * للقائنا ولريحِهنَّ هُبوبُ

والطالبية للقِراعِ تواثبتْ * * * تَدعو وكل للنزالِ طَلوبُ

ماذا يقول لنا الورى ونقولهُ * * * لَهم وما عنّا يُجيب مُجيبُ

إنّا تركنا شيخنا وإمامنا * * * بين العدا وحُسامُنا مَقروبُ

يأبى لنا شرف الأرومة أن يُرى * * * فينا مَشينٌ أو يكون مَعيبُ

فالعَيشُ بعدكَ قُبِّحَتْ أيامُه * * * وَالموتُ فيكَ مُحبَّبٌ مَرغوبُ

بَاتوا وَباتَ إِمامُهُم ما بينَهمُ * * * وَلهم دَويٌّ حولَه وَنحيبُ

مِنْ راكعٍ أو ساجدٍ أو قارئٍ * * * أو مَنْ يُناجي رَبَّه وَيُنيبُ

وَبدا الصباحُ فأقبلتْ زُمَر العدى * * * نَحوَ الحسينِ لها الضلالُ جَنيبُ

سامُوه وِردَ الضيمِ أو وردَ الردى * * * فأبى الدنيّةَ والنجيبُ نَجيبُ

يأبى له وردَ الدنيّةِ ضارعاً * * * شَرفٌ إلى خيرِ الانامِ يؤوبُ

هيهاتَ ان يرضى مقامَ الذلِّ أَو * * * يقتادهُ الترهيبُ والترغيبُ (1)

____________

(1) الدر النضيد : للسيد الأمين ص 23.

333

(2)

هِمَمٌ على هامِ النجوم

فرماهُمُ المسرى بعرصةِ كربلا * * * فغدت بلاءً تلكُم العرصاتُ

قال انزلوا هي كربلا وعراصُها * * * فيها البلاءُ وعندها الكُرباتُ

باع ابنُ سعدٍ دينَه وشرى به الد * * * نيا ولكن ربحُه حسراتُ

للريّ أمسى والياً وشرى به * * * غضبَ الالهِ فحظُّه النقماتُ

قاد الجيوشَ لحربِ سبطِ محمدٍ * * * ضاقتْ بها الارجاءُ والفلواتُ

ما إِن تمتّعَ بالولايةِ واغتدتْ * * * بالرأس منه تَمايلُ القصباتُ

جاء المسا فدعاهُم قوموا اذهبوا * * * فالليلُ سترٌ جَهرهُ إخفاتُ

لا يطلبُ الأعداءُ غيري فاتركو * * * ني ما بكُم مِن بيعتي تبِعاتُ

فأجابَه الأنصارَ هذي منّةٌ * * * سَبقتْ لنا قَلَّت لها المنّاتُ

إنا نُجاهدُ دونَكُم وتُقطَّعُ ال * * * أَعضاءُ منا فيكَ وَالرقَباتُ

ثم الرسولُ شَفيعُنا يومَ الجزا * * * وَلنا بهذا تُرفعُ الدرجاتُ

أفنحنُ يوماً تَارِكوكَ وَهَذهِ * * * بك قد أحاطتْ اذؤبٌ وعداةُ

لا كانَ منا اليومَ تَركُكُ وَالذي * * * قد اُحصيتْ في علمه الذرّاتُ

بالسيفِ أضربُهم وَأطعنُهم برُم * * * حي ما استقامتْ في يديَّ قَناةُ

تاللهِ لو أَنّي قُتلتُ وبعدَ ه * * * ذا قد نُشرتُ تُصيبني قتلاتُ

في كُلِّها أحيا واُقتلُ ثُمَّ اُح * * * رقُ بعدَ هَذا كلُّ ذا مراتُ

334

ما حُدتُ عَنكَ وإنما هي قتلةٌ * * * فيها نعيمٌ ليسَ فيه فواتُ

وأجابَه أبناءُ هاشمَ خيرُ مَنْ * * * وَلدتهُمُ الآباءُ والأمّاتُ

لِمَ نحنُ هَذا فاعلونَ فَقُبِّحتْ * * * مِن بعدِ فقدكَ للنُفُوسِ حياةُ

لا كانَ مِنّا مثلُ هذا لا ولا * * * كانتْ لنا لمّا مضيتَ نجاةُ

هيهاتَ انا تاركوكَ وما لنا * * * عُذرٌ غداةَ تضُمُّنا الندواتُ

نفديكَ بالمُهجِ الغوالي كُلّنا * * * وتُخاض مِنّا دونَكَ الغُمراتُ

بدأَ المقالَ بذلك العبّاسُ واتّبعوه * * * تُشرقُ منهم الوجناتُ

أشبالُ حيدرةٍ وأبنا جعفرٍ * * * وبنو الزكي القادةُ الساداتُ

وبنو الحسينِ ومِنْ عقيلٍ عُصبةٌ * * * لهم بمضمارِ العلا السبَقاتُ

أبني عقيلٍ قَتلُ مُسلمَ حَسبُكُم * * * قوموا اذهبوا لا تلقكم نَكبَاتُ

ماذا يقولُ لنا الورى ونقولهُ * * * لَهمُ وَفيهم لُوَّم وَوشاةُ

إنّا تركنا شيخَنَا وإمامَنا * * * وبنو العمومةِ ما لهم نجدَاتُ

مِن خيرِ مَنْ ولدَ العمومُ وانجبتْ * * * مِنْ نَسلها الخَالاتُ والعماتُ

لم نرمِ سَهماً مَعَهُم كَلا ولمْ * * * نَضرِبْ بسيفٍ والسيوفُ مُضاةُ

لكننّا نمَضي بنهجِكَ سبّقاً * * * تَفديكَ منا الروحُ والمهُجاتُ

فالعيشُ بَعدكَ قُبّحتْ ايامُه * * * وَوجُوهُه بالشّرِ مُسودّاتُ

فخراً بني عَمرو العُلاء فأنتُم * * * للعزّ ما بينَ الورى الذرواتُ

انّ الفخارَ مُخيّمٌ في بابكُم * * * والعزُ فيكُم والعُلا مَلكاتُ

هذي النفوسُ السامياتُ لذكرِها * * * مَهما ذُكرنَ روائحٌ عَطراتُ

طَابتْ أصولهُمُ فطِبنَ فُروعُهم * * * وعلى الأرومةِ تنبت الدوَحَاتُ

335

قومٌ زكت أعراقُهم وَسمتْ لهُم * * * هِمَمٌ وطابتْ أنفُسٌ وَذواتُ

قومٌ لَهمْ قَصبُ السباقِ إلى العُلا * * * وَالمجدُ إن ضَمَّتهُمُ الحلَباتُ

هَذي النفوسُ وليسَ من مِثلٍ لها * * * بنفوسِ هذا الخلقِ مَفدِيّاتُ

هذي النفوسُ الكاملاتُ وَهذه * * * هِممٌ على هامِ النجومِ علاتُ

هذي الجواهرُ للوجُودِ غَدتْ على * * * كلِّ الجواهرِ وَهي مُختاراتُ

تَمضي العصورُ وفي أعالي لوحِها * * * أخبارها بالنورِ مَسطُوراتُ

باتَ الحسينُ وصحبُه مِنْ حَولهِ * * * وَلَهُم دويُّ النحلِ لمَّا بَاتوا

مِنْ رُكّعٍ وسطَ الظلامِ وسُجّدٍ * * * للهِ منهُم تكثرُ الدّعواتُ

وَتراءت الحورُ الحسانُ وزُيّنتْ * * * لِقدُومِهمْ بنعيمِها الجنّاتُ

وَبدا الصباحُ وَلم تَنْم عينٌ لَهمْ * * * كلاّ ولا نابتهُمُ غَفواتُ

وَدنا ابنُ سَعدٍ منهُمُ بجيوشه * * * راياته بالكُفرِ مَعقوداتُ

نادى اشهدوا إني لأوّلُ منْ رمى * * * جيشَ الحسينِ وتابعتهُ رُماةُ

يبغي رضا نسلِ البغايا مُغضِبا * * * رَبَّ السما فجزاؤُه الدرَكَاتُ

فَهُناكَ أنصار الحسينِ تَسابقُوا * * * للحربِ قد صَحّت لهم نيّاتُ

فكأنَّ كُلاًّ مِنهُمُ ليثٌ به * * * قَذفَت إلى خَوضِ الوغى الغَاباتُ

نيفٌ وسبعونَ التقوا مَعْ عِدّةٍ * * * فيها الثلاثون الألوفَ طُغاةُ

كَرُّوا على تلكَ الجموعِ ضَراغماً * * * وَلهم هنالِك صولةٌ وثباتُ

حتى أُبيدوا مُقبلينَ بواسلاً * * * لثغُورِهم تحتَ الوغى بسماتُ

وَقضوا كراماً بعد ما حطموا القنا * * * وَتثلّمتْ للماضياتِ ظِباتُ

ولمجدِهم كُتبَ الخلودُ ودامَ في * * * أنفِ الزمانِ لذكرِهم عَبَقاتُ

336

شهدتْ لهَم تلكَ الوقائعُ أَنَّهم * * * نُجبٌ كِرامٌ طيّبونَ سراةُ

وتسابقتْ من بعدهِم مِن هاشمٍ * * * آسادُ حربٍ مُقدِمونَ كُفاةُ (1)

السيد محسن الأمين

يتواصل السيد الامين في قصيدتيه مع إنجازات القصيدة العمودية في تجربة النهضة فهو يوازيها ويحاذيها في التقاطه لشذرات متعدّدة من منابع متعددة بما يظهر الجهد الموسوعي في تلقّي النتاج الشعري الذي سبقه والذي عاصره ويمتزج هذا بتوقٍ عاطفي رومانسي متقاطع مع معطيات مدرسة المهجر في التعامل مع موضوعات حياتية شفافة مثل ( المساء ) الذي يرد في قصيدتي السيد الامين :

وأتى المساء وقد تجهم وجهة ...

او :

جاء المسا فدعاهم قوموا اذهبوا ...

وموضوع ( الصباح ) الذي يرد في القصيدتين أيضا بنفس التركيب :

وبدا الصباح فاقبلت زمر العدى * * * نحو الحسين لها الضلال جنيبُ

وبدا الصباح ولم تنم عينٌ لهم ...

فالمساء يأتي أو يجيء لأنه يريد أن يأتي أو يجيء ، أما الصباح فهو يبدو

____________

(1) الدر النضيد للسيد محسن الامين : ص 71 ـ 73.

337

ليفاجئ ويدهش ، وهذه حركة يُدرك منها انفتاح بسيط من السيد الامين على تجربة شعراء المهجر أو جماعة الديوان أو جماعة ابولو الشعريّتين ... وغير ذلك فقصيدتاه توظف للإيصال والنقل كل المعطيات حتى أن السيد يستخدم التدوير مرتين في قصيدته الاولى وسبع مرات في الثانية مع نفور هذه الآلية عن السلامة السمعية في بحر الكامل ، بل ويتمادى السيد الامين إلى ( خزل ) التفعيلة في البحر أي تحويل ( متفاعلن ) إلى ( مفتعلن ) تطبيقاً لنظر عروضي محض ليس له شواهد في الشعر العربي سوى الشواهد التي أوجدها العروضيون أنفسهم فنراه يقول :

لم نرمِ سهماً معهم ...

مستفعلن مفتعلن ...

فهو لا يعير اهتماماً لجمال المبنى بالقدر الذي يهمه توصيل المعنى بأيّ شكلٍ كان ...

338

27 ـ للشيخ محمد بن الخلفة (1)

ما العذر عند محمد

وحصانِ ذيلٍ كالأهلّة أوجهاً * * * بسنائها وبهائها وصفاتِها

ما زال يخترق الفلا حتى أتى * * * أرض الطفوف وحلَّ في عرصاتها

وإذا به وقف الجواد فقال يا * * * قوم أخبروني عن صدوق رواتها

ما الأرض قالوا : ذي معالم كربلا * * * ما بال طرفك حادَ عن طُرقاتها

قال انزلوا : فالحكم في اجداثنا * * * أن لا تُشقّ سوى على جنباتها

حطّ الرحال وقام يُصلح عضبه * * * الماضي لقطع البيض في قمّاتها

بينا يُجيل الطرف إذ دارت به * * * زُمَرٌ يلوح الغدر من راياتها

ما خلتُ أنّ بدور تمّ بالعرا * * * تُمسي بنو الزرقاء من هالاتها

* * *

____________

(1) هو : الشيخ محمد بن اسماعيل البغدادي الحلي الشهير بابن الخلفة ، شاعرٌ ناثر أديب ولد ببغداد وهاجر أبوه منها وهو طفل إلى الحلة ، ونشأ محبّاً للأدب ، واتصل ببعض الأعلام منهم الشيخ أحمد النحوي فذاعَ صيته واشتهر أمره حتى عند الاُمراء والولاة ، وهو مع ذلك لم يحضر على استاذ سوى ما كان يتلقفه من النوادي والمجالس ، قال عنه صاحب الحصون المنيعة في ج 9 ص 335 : كان أديباً شاعراً ، يُعرب الكلام على السليقة ، ولم يحصل على العربية ليعرف المجاز من الحقيقة ، وكان يتحرف بالبناء على انه ذو إعراب ، ويطارح الشعراء في غير كتاب ، وله شعر في الأئمة الأطهار وفي مدح العلماء والأشراف ، وكانت له اليد الطولى في فن البند ، توفي سنة 1247 ه في الحلة ونقل إلى النجف ودفن فيها. راجع : ادب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ص 94 ـ 96.

339

قال الحسين لصحبه مذ قوّضت * * * أنوار شمس الكون عن ربواتها

قوموا بحفظ الله سيروا واغنموا * * * ليلاً نجاةَ النفس قبل فواتها

فالقوم لم يبغوا سواي فأسرِعوا * * * ما دامت الأعداء في غفلاتها

قالوا عهدنا الله حاشا نتبعْ * * * أمَّارةً بالسوء في شهواتها (1)

نمضي وأنت تبيتُ ما بين العدى * * * فرداً وتطلب أنفسٌ لنجاتها

تبغي حراكاً عنك وهي عليمةٌ * * * أبداً عذاب النفس من حركاتها

ما العذر عند محمّدٍ وعلي * * * والزهراء في أبنائها وبناتها

لا بدّ أن نرد العدى بصوارمٍ * * * بيض يدبّ الموت في شفراتها

ونذود عن آل النبيّ وهكذا * * * شأن العبيد تذود عن ساداتها

* * *

فتبادرت للحرب والتقت العدى * * * كالأُسد في وثباتها وثباتها

جعلت صقيلات الترائب جنّةً * * * كيما تنال الفوز في جناتها

كم حلّقت بالسيف صدر كتيبة * * * وشفت عليل الصدر في طعناتها

فتواتر النقط المضاعف خلتَه * * * حلق الدلاص به على صفحاتها

فتساقطت صرعى ببوغاء الثرى * * * كالشهب قد أفلت برحب فلاتها

ما خلت سرب قطا بقفرٍ بلقعٍ * * * إنّ التراث تكون من لقطاتها

رحلت إلى جنّات عدن زُخرفت * * * سكنت جوار الله في غرفاتها (2)

____________

(1) لا وجه لجزم الفعل ( نتّبعْ ).

(2) أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ص 110 ـ 111.

340

28 ـ للشيخ محمد باقر الايرواني (1)

ما أعظمها من ليلة

قف بوادي الطفّ واصرخ صرخةً * * * تملأُ الدنيا ضجيجاً ورنينْ

يا ضيوفاً نزلوا في نينوى * * * فتلقّتُهم جيوشُ الظالمينْ

بالسُيوف استقبلوهم والقنا * * * قاصدينَ الغدرَ لا مستقبلينْ

اُمويّون ولا دينَ لهم * * * شيمةُ الغدرِ لهم والغادرينْ

واليزيديّون كم عاثوا وكم * * * حاربوا الإسلام باسم المسلمينْ

وبنو حربٍ وصخرٍ اقبلوا * * * بقلوبٍ ملؤها الحقدُ الدفينْ

ورثوا الأحقادَ من أسلافهِم * * * آه ما أقسى قلوبَ الحاقدينْ

اعلنوا الإلحادَ والكفرَ كما * * * أنكروا القرآنَ والشرعَ المبينْ

والخياناتُ التي منهم بدتْ * * * والجناياتُ لها يندى الجبينْ

لم يُراعوا المصطفى في آله * * * صفوةِ الخلقِ كرامٍ أطيبينْ

وعلى آل عليٍّ قد عَدوا * * * واعتدَوا تعساً لهم من معتدينْ

وحسينٌ ما جنى ذنباً سوى * * * أنّه شبلُ أميرِ المؤمنينْ

____________

(1) هو : الشاعر الخطيب الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد صادق بن عبد الحسين الايرواني النجفي ، ولد في النجف الأشرف ، له مشاركات في النوادي الأدبية والثقافية والدينية ، وله باع طويل في التواريخ الشعرية ، وقد أرّخ كثيراً من القضايا الدينية وغيرها في الشعر ، وله بعض المؤلفات.

341

وكذا أولادهُ من نسلهِ * * * خيرُ نسلٍ بل خيارُ الخيّرينْ

ورأوا في صحبهِ روحَ الوفا * * * لا كأتباع ابن سفيان اللعينْ

منعوا السبطَ ومن في رهطه * * * أنْ يذوقوا باردَ الماءِ المعينْ

كربلا حُفّت بكربٍ وبلا * * * نذكرُ السبط بها في كلِ حينْ

* * *

ليلةُ العاشرِ ما مِنْ ليلةٍ * * * مثلُها مرّت على مر السنينْ

ليلةٌ ملأى بألوان الأسى * * * ذكرُها للحشر يُشجي الذاكرينْ

ليلةٌ ضاقت بها الدُنيا على * * * آلِ طه الاطيبينَ الأطهرينْ

آهِ ما أعظَمَها من ليلةٍ * * * أحزنت كلَّ قلوبِ المؤمنينْ

وسويعاتٍ وما أنكدَها * * * من سويعاتٍ بها الوجدُ يبينْ

وإلى التوديع أصواتٌ علت * * * بصُراخٍ وبكاءٍ وحَنينْ

أوداعٌ أم فراقٌ محرقٌ * * * لقلوبٍ في غدٍ مفترقينْ

آهِ ما أفجَعَها من فرقةٍ * * * لم تدَعْ شملاً لهُمْ مجتمعينْ

والحسينُ السبطُ قد حَفّتْ به * * * لُمّةٌ بين بناتٍ وبنينْ

ويَرى مِنْ جانبيه نسوةً * * * أحدقت فيه يساراً ويمين

يا بنفسي من وداعٍ مؤلمٍ * * * وبعقباهُ افتراقُ الأقربينْ

ولأطفالٍ صغارٍ رضَّعٍ * * * عُطّشاً تبكي ولكن بأنينْ

يا له من مَشهدٍ أبكى الملا * * * والسماواتِ العُلى والأرضين

342

ليلةٌ آلُ رسولِ الله في * * * صُبحها بينَ ذبيحٍ وطعينْ

* * *

يومُ عاشوراءَ ما يجري به * * * فبعينِ اللهِ ربِّ العالمينْ

يومُ عاشوراءَ يومٌ لم يكن * * * مثلُهُ يومٌ وبالحُزن قرينْ

ألبسَ الكونَ حداداً دائماً * * * بشعارِ الحُزنِ والكونُ حزينْ

لضحايا الطفِّ هُمْ آلُ الهُدى * * * من شُيوخٍ وشبابٍ أنجبينْ

في سبيل الله والدين معاً * * * جاهدوا حتى تفانوا أجمعينْ

بقيَ السبطُ وحيداً بعدهم * * * ويُناديهم ألا هل من مُعينْ

لم يجد منهم مُجيباً أبداً * * * يا لمأساةٍ لها الصخرُ يلينْ

للحسينِ السبطِ إعلانُ العزا * * * والمُعزَّى جَدُّه الهادي الأمينْ

-محمد باقر الايرواني النجفي

19 / 11 / 1416 ه

قم المقدسة

343

29 ـ للشيخ محمد حسين الأنصاري (1)

دويّ النحل

ذاك ليلٌ فيه استعدّت لصبحٍ * * * ثُلَّةُ العزِّ وهي عزَّت مثالا

غار بالليل كلُّ نجم مُضيءٍ * * * خجلاً منهُمُ فزادوا جلالا

فحسينٌ كساهُم أيَّ نورٍ * * * فيه تخفى الأنوارُ وهي تلالا

لا يعدّون عمرهم غير صبرٍ * * * بين حدِّ السيوف إلاًّ حلالا

لا يعدّون عُمرهم غير شربٍ * * * لكؤوس المنون حتّى الثمالا

ودويٍّ كالنحل في صلواتٍ * * * لو أتوها على الوجود لزالا

يشحذون الفؤادَ كي لا يُهالا * * * حين ترتجّ أرضُها زلزالا

فحبيبٌ يُوصيهُمُ بحبيبٍ * * * وحبيبُ الجميع ربٌّ تعالى

برزوا للوجود أحلى نجومٍ * * * منهُمُ ازداد كلُّ شيءٍ جمالا

وإذا بالحَمَار يبدأُ فجراً * * * كلُّ فجرٍ بُحمرةٍ يتعالى

إذ يبثُّ الحياةَ في كلِّ شيءٍ * * * منه حتّى الجماد يبغي انتقالا

____________

(1) هو : الفاضل الشيخ محمد حسين بن الشيخ عبد الغفار الأنصاري ، ولد في العمارة ـ العراق سنة 1372 ه ، أكمل دراسته الأكاديمية وحاز على شهادة الهندسة ، ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف في منتصف السبعينات ( الميلادية ) ، وواصل دراسته فيها حتى حضر بحث الخارج عند السيد الخوئي (قدس سره) ، ومن مؤلفاته : 1 ـ لمسات الشيخ المفيد على سنن التاريخ 2 ـ ثورة الحسين عطاء دائم 3 ـ المعايير العلمية لنقد الحديث 4 ـ ديوان شعر (خاص بالحسين (عليه السلام) ) 5 ـ وكتابات فقهية.

344

وكأنّ الجميعَ هبّ سريعاً * * * من عِقال وما يُريدُ اعتقالا

وإذا بالحسين فجرٌ عجيبٌ * * * يتصدّى لليل ظُلمٍ توالى

يضمحلُّ الطُغيانُ وهو عظيمٌ * * * وعنيدٌ بنورهِ اضمحلالا

-محمد حسين الأنصاري

12 / محرم / 1414 ه

345

30 ـ للسيد محمد رضا القزويني (1)

(1)

العباس وليلة العاشر

قد انجبتك من الفحولة حرّةٌ * * * لم يعرف التاريخ بعدُ وفاءَها

اُمّ البنين أصيلة أكرم بها * * * اُمّاً فدت لإمامها أبناءَها

غذّتك من ثدي الكرامة والوفا * * * حُبَّ الحسين فكنت أنت عطاءَها

وبطولة من حيدر فجمعتها * * * في كربلاء لكي تصَّدَ بلاءَها

قرَّت لها عينُ الكريمة زينبٍ * * * لتراك أهلاً أن تصون خِباءَها

فمضت تَقُصّ عليك دوراً عاصفاً * * * فيك الشهامة ما اعتزمت فداءَها

في ليلةٍ طاب الحديث الحلوُ من * * * اُختٍ وأنت على الجواد إزاءَها

تروي مصاهرةَ الكرام بقصةٍ * * * قد انجبتك ولم تُرِدْ إخفاءَها

فهززت سيفك أن تُطمئنَ قلبها * * * بيدٍ تلقّت في غدٍ جذّاءَها

فتصاعدت بيضاء تدعو ربها * * * ألاّ يَخيب السائلون رجاءَها

____________

(1) هو الأستاذ شاعر السيد محمد رضا بن العلامة الحجة السيد محمد صادق بن السيد محمد رضا القزويني ( الموسوي ) ، ولد سنة 1360 ه في خراسان ، وله مشاركات في كثير من النشاطات الأدبية والثقافية وله مشاركة فعّالة أيضاً في النوادي الحسينية وخصوصاً يوم العاشر من المحرم ، ومن مؤلفاته : 1 ـ نعيم وجحيم ( شعر ) ، مدائح لأهل البيت (عليهم السلام) 2 ـ كربلاء ودورها القيادي في ثورة العشرين ( مخطوط ) ، 3 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) ، كما نشرت له قصائد في بعض الصحف والمجلات.

346

فتحدّث التاريخ عنها أنّها * * * ملأت بأسخى المكرُمات عطاءَها

وعلى الشريعة ودّعتك مُقطّعاً * * * اُختٌ تُساق وَخلّفتك وراءَها

لكنَّ رأسك فوق رمحٍ شامخاً * * * قد كان يرعى شجوها وبُكاءَها

قمراً يُنير الدرب أيَّ قوافل * * * ويضمَّ تحت شُعاعه اُسراءَها

نادتك من قلب ذوت أوشاجُه * * * وبأدمُع هوت العيونُ بُكاءَها

أأخيَّ عند العهد بعدك لم تزل * * * وأراك تسمعُ للصغار نداءَها

لا زلت تحرس ركبنا وتُزيل في * * * أنوار وجهك للعدى ظلماءَها

347

(2)

حديث الليل

ليلة العاشر قد خَلّفتِ حتى الحشر في الأكباد جمرا

كيف قَدْ مرّت سويعاتِك بالآل وبالأطفال قهرا

وحسينٌ كلّما اشتدَّ به وقعُ الظَّما قد زاد صبرا

خطبَ الأصحاب والعترةَ فانهلّتْ له الأعينُ عبرى

قائلاً إنَّ العدى لم يطلبوا غيري في الآفاق وترا

فدعوني وسيوفَ القومِ إنَّ الله قد قدَّرَ أمرا

أقبلَ الليلُ ألا فاتخذوه جملاً فالسترُ أحرى

وليُصاحبْ كلُّ فردٍ في ظلام الليل إنْ أمكن سِرّا

رجلاً من أهل بيتي فلقد ألقيتُ للأصحاب عُذرا

* * *

فتبارى القومُ يبكون لِما قال وهُمْ بالعُذر أدرى

وتنادى كلُّ فردٍ مِنهُمُ يَفتحُ للنصرةِ صَدرا

قائلاً لو قطَّعوني إرباً ما كنتُ من هاب وفرّا

وإذا ما فعلوا ذلك بي سبعينَ تقتيلاً وذرّا

348

لم أكن أتركُ هذا السبطَ للأوغاد أو أمنعَ نصرا

كيف واليوم أُلاقي ميتة تُعقبُ في الأجيالِ فخرا

وغداً ألقى رسولَ اللهِ في الجنّاتِ قد أجزلَ أجرا

وعليّاً وهو الساقي على الحوض فما أعذب نهرا

* * *

وهنا جزّاهُمُ السبط عن الله لدى النصرة خيرا

وإذا الأقدام صُفَّت في صلاةٍ تِصلُ المغربَ فجرا

ولهم فيها دويٌ كدويِّ النحل قد غادر وكرا

وسرَتْ زينب من خيمتها تختبر الأصحاب خُبرا

سَمعتْ كلَّ خطيبٍ منهُمُ يَفتحُ للأحرار سِفرا

قائلاً هيهات أن يسبقنا العترةُ نحوَ الحربِ شبرا

نحنُ أولى بجهادٍ وفداءٍ يَسبقُ الأهلينَ طُرّا

فذرونا نرتوي كأسَ الشهاداتِ قُبيل الموتِ دَهرا

بادِرَوها ساحةَ الحرب وفضل البدء أن تُؤخذَ بكرا

ودعوا سبطَ رسولِ اللهِ أن يشرح بالأصحاب صَدرا

طَمْئِنوا زينبَ في نصرِ أخيها فهي للزهراءِ ذكرى

فتسرّى عن رؤى زينبَ ما كانت تعاني منه سرّا

* * *

349

ومشت نحو أخيها السبط تستلهم من لُقياه أمرا

سمعتهُ ناعياً يَرجزُ أبياتاً ويستعرض اخرى

فتنادت بعويلٍ مذ غَدتْ تقرأُ فيه اليأس نُكرا

فابتداها كيف لا ييأس من يفقد عندَ الحربِ نصرا

غيرَ سبعين من الأصحاب والأهلِ وإن زادوا فنزرا

قد مضى العهد وقد أوصى به جدي بأنْ أُقتَلَ صبرا

وتُقادين بأسرٍ وعيالاتي إلى الشام فيالله أسرى

فاصبري اُختاه يوماً قد أعدَّ الله للصابر أجرا

واصنعي بالأهل والأطفال والأيتام ما أرجوك ذُخرا

فرأى الاُختَ على العهد ومَنْ كان بذاك العهد أحرى

* * *

ومضت تبحث في عمق ظلام الليلِ والمحنةِ بدرا

لترى العباس قد شمَّر للنخوة يُمناه ويسرى

أسداً يختال ما بين خيامٍ يمتطي بالزهو مُهرا

فدَعتْهُ وهو فوق المهر لا يسطيع فوق السرج صبرا

قَمرَ الآلِ على رسلك قد طاب الحديثُ الآن غَورا

حدَّثته بحديث الزيجة المُنجبة الأبطال نَذْرا

وبما اختار عقيلٌ لأبيها من بنات الأسدِ بكرا

350

بعدما قد مضت الزهراءُ واستوصت بنا حيدرَ خيرا

وبما قد وعد اللهُ لهذا السبط بالأبطال ذُخرا

* * *

وإذا العباس للنخوة هزَّ السيف إيذاناً وفخرا

وتلّوى في ركاب المهر إذ قطَّعها شداً وجرّا

قائلاً إنَّ غداً سوف يراه القوم من بأسيَ نُكرا

لأُقِرنَّك عيناً أختُ ما زلتُ على عهدك حُرّا

أنا أفديك وهذا السبط ما أملك من روحي شَطرا

وأنا نجلُ عليٍّ أسد الله الذي ما يومَ فرّا

وحسينٌ سيدي قبل إخائي وإمامُ الكونِ طُرّا

أنا مَنْ ردّ أمان القائد الفاسق ما حمَّل شمرا

أأمانٌ لي وإخواني وهذا السبط لا يأمنُ شرّا ؟

أنا أرويك غداً يا ساحة الحرب دماً ينساب نهرا

أنا اُصْليْ القومَ ناراً قبل أن يحترقوا في الخُلد سُعرا

أنا مَنْ اُفزع قلبَ الجيش من قبل لقاء الحرب دهرا

أنا من ألقي بسوح الحرب في أفئدة الأبطال ذُعرا

أنا فخرٌ لبني هاشم في النُبل ومن حيدرَ ذكرى

أنا والقاسم والأكبر في يوم غدٍ نُهديك سفرا

351

سيظلُّ الدهرُ شوقاً كلّما ردَّده يَستافُ عطرا

سنجلّي ساحة الحرب بما يُشرق في التاريخ بدرا

لو تقاسمنا جيوش القوم إذ نقلبها بطناً وظهرا

ولأفنى كلُّ شهمٍ من عرانينك للجحفل شطرا

ولألفيت فلول الجيش قد أَلقت إلى المهزوم عُذرا

وسعيد القوم من أسعفه الحظُ من القتل وفرّا

بَيْدَ أنَّ الله لا تعلم ما سوف غداً يقضيه أمرا

-محمد رضا القزويني

28 / شوال / 1416 ه

السيد محمد رضا القزويني

إقتطع السيد محمد رضا القزويني في قصيدته ( العباس وليلة العاشر ) مقطعاً مؤثّراً من مقاطع ليلة عاشوراء الأليمة فاختار شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) في خطاب ذاتي من الشاعر مع الكمالات الروحية والجسدية التي وضعها العباس (عليه السلام) رخيصة فداء لولائه لسيد الشهداء (عليه السلام) ثم صوّر لنا جانياً آخر تشارك فيه الشاهدة العظيمة على المأساة وتفاصيلها زينب (عليها السلام) لتحتدم رؤى القصيدة وتتصاعد فجيعة وفقداناً لننتهي بلسان حالها وهي تخاطبه خطاب الوفاء والمحبة بعقائديّة مذهلةٍ

352

وايمانٍ غيبيٍّ متوهّج وهذه الالتفاتة في اختيار السيد القزويني لهذا المقطع المأساوي وايفاؤه لمتطلباته في لغة هي للتراث اقرب منها للحداثة ينمّ عن ذوق وحس شفافين نراهما ـ أيضا ـ في قصيدته الاُخرى ( حديث الليل ) والتي أفاضت على كل أحداث الليلة بتوثيقها وتسجيلها وحفظها بلغةٍ سلسلةٍ رشيقة ساوقها الإيقاع المرهف والمتقافز لبحر الرمل الذي جاء به السيد القزويني بخمس تفعيلات خارجاً عن مألوف عمودية البحر بصدر بيته المساوي لعجزه في عدد التفعيلات فأصبحت القصيدة من نظام الاشطر المتساوية في عدد تفعيلاتها وليست من نظام الصدر والعجز التقليدي وهو خروج يشعر القارئ المتمرّس بشيء من المغايرة فيشده للإنتباه إلى خصوصية البناء وفرادته وهذه الحال ـ بلا ادنى شك ـ قصدها السيد القزويني اثارة محسوبة على التجريب الواعي في عملية النظم وكسراً ملحوظاً للرتابة والتكرارية.

353

31 ـ للشيخ محمد سعيد المنامين (1)

على مشارف الشمس !

نجمةٌ أنتَ أم أنا * * * أم هو الحلم بيننا ؟

كيف فاجأتَ حُلكة * * * من ظلام توطّنا ؟

أنت أشمست ليلها * * * فاستفاقت ، وأذعنا

أخجل الضوءُ من سنا * * * وجهكَ ، الليلَ فانحنىٰ

* * *

لم يكن غيرُه هناكْ * * * عندما خطَّ مسرحا

حاصر الأرض والزمانْ * * * ثم للأُفق لوَّحا

رمقت عينُه النجومْ * * * فأحاطَته ، كالرحىٰ

.. أنا نجمٌ تفتّحا * * * بالدما قد توشّحا

* * *

ها أنا مطرقٌ ؛ يقول : * * * لن أُنادي ، سأسكتُ

فامتطوا صهوة الظلامْ * * * أسرعوا لا تَلَفّتوا

.. ألف عصفورة هنا * * * ـ يا رفاقي ـ ستصمتُ

شمعُنا هاهنا ؛ يضيعْ * * * ضوؤه ، ثم يخفتُ

____________

(1) هو : الشاعر الخطيب الشيخ محمد سعيد عبد الله المناميين ، ولد سنة 1390 ه في القطيفه ، أكمل المرحلة المتوسطة ثم طلب العلم في النجف الاشرف سنة 1409 ه ، ثم في حوزة قم المقدسة سنة 1411 ه ولا زال يواصل دراسته العلمية ، له نثارات شعرية ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والدينية.

354

في غدٍ أسهُمُ الطُغاةْ * * * حولنا سوف تقنتُ

إنما هذه الحياةْ * * * فرَصٌ لا تفوَّتُ

* * *

.. ها هنا مصرع الرضيعْ * * * هكذا السهمُ قَبَّلهْ

لو ترون التماعة النّ * * * صلِ في كفِّ حرملهْ

حينما شدَّ قوسهُ * * * صوّب النحرَ مقتلهْ

عطشٌ يخنقُ الضلوعْ * * * وارتجاف وحوقلةْ

.. ثمَّ دوّىٰ ، أزيزُهُ * * * ملأ الكون ، أذهلهْ

ولمحتُ احتضارهْ * * * بسمةً ثمَّ بسملةْ

* * *

فأحاطوه ، أحدقوا * * * طوّقوهُ ، تألَّقوا !

وأجابوه أحرفاً .. * * * شفةَ الشمس ترمقُ

أحرفاً لونُها القنا * * * ودموعاً تَرقرَقُ

: هل هو الموت ؟ .. مرحباً * * * فالمنايا سنَطرُقُ

سوف نؤوي سهامها * * * وبها سوف نرفقُ

أن نوارىٰ فمشرقٌ * * * ـ أنت ـ في القبر يُورقُ

* * *

لم أكن نجمةً أنا * * * بل هو الحُلم بيننا

-1 / 11 / 1417 ه

محمد سعيد المناميين

355

الشيخ محمد سعيد المناميين

بعدما أكثر من الإصغاء ومرافقة الشعراء والأدباء قرّر محمد سعيد المناميين أن يلج البوابة السحرية بجواز سفرٍ يشهره بثقةٍ أمام حرس الحدود ليُذعنوا لرغبته في الدخول بترنيمة عذبة تؤشّره كصاحب شاعريةٍ واعدة بالعطاء الثرّ والإنجاز النوعي المتنامي على مستوى القصيدة الحديثة الرؤى ، الاصيلة في محتواها.

إنّ تجربة المناميين هذه لا تغفل التحدي بل تطلبه مع الذات ومع الآخرين أيضاً فهي عرضٌ للقدرة وفحصٌ للكفاءة جاءت على مستوى البناء لتصدح على مجزوء الخفيف لتقول لسامعها : ( إنني أتجاوز حدود الصنعة الشعرية بأدوات متمكنّة في الجانب الإجرائي التنفيذي ) ، أما على مستوى الإنشاء التصويري فقد حبك المناميين قصيدته في نسيج متآلف يتدرّج بصوره لينوّع داخل وحدة متماسكة ، ويقفز برشاقة المقتدرين من الشعراء ليواصل مسيرة القصيدة بنفس خاص وخطى متميزة تقرّب تجربته الجديدة إلى قمم الإبداع الأصيل.

فنلاحظ صراع النور والظلام في المقطع الأول من القصيدة على قصر الجمل وإيجازها قد تبدّى بشكل ومضات شعرية لمّاحة تنتهي بضربة تعبيرية كثيفة ليقول :

أخجل الضوء من سنا * * * وجهك الليل فانحنى

وفي المقطع الثالث يعالج الأحداث الواقعية بلغة شعرية متمكّنة ، ويُسلس قياد حرف التاء كقافية عصية ليقول :

ألف عصفورة هنا * * * يا رفاقي ستصمت

ونحن نبارك له هذا الإعلان عن شاعريته ونصافحه بقوة لإعجابنا بهذا البيت من المقطع الرابع :

ولمحت احتضاره * * * بسمةً ثمّ بسملة

356

32 ـ للشيخ محمد سعيد المنصوري (1)

(1)

ليلة الوداع

بكِ يا ليلة الوداعِ الرهيبِ * * * سال دمعي دماً لرُزءِ الغريبِ

مذ أحاطت به الجيوشُ وأمسى * * * يتلقَّى الردىٰ بصدرٍ رحيبِ

قال يا صحبيَ الكرامَ وفيتم * * * فاذهبوا في ظلام هذا الغروبِ

واتركوني والقومَ فالقصدُ قتلي * * * فأجابوه يا حبيبَ القلوبِ

كيف ترضى نفوسُنا بالتخلِّي * * * عنك في محنةٍ ويومٍ عصيبِ

لك نفدي أرواحَنا وقليلٌ * * * لك بذلُ الأرواحِ عند الوثوبِ

سيدي كيف ينتهي الأمرُ فينا * * * لنكوصٍ بعد اتضاحِ الوجوبِ

أنخلّيك مفرداً يا بنَ طه * * * والأعادي عندَ اشتدادِ الخطوبِ

أي عذرٍ لنا إذا ما سُئِلْنا * * * ما جرى فالتجأتُمُ للهروبِ

يا أبا عبد الله دَعْنا ننالُ ال * * * أجرَ والفضل في الجهادِ الدؤوب

____________

(1) هو الخطيب الشاعر الشيخ محمد سعيد بن الشيخ موسى المنصوري ، ولد سنة 1354 ه قرأ في البصرة والمحمرة والبحرين وقطر والكويت ، وقم المقدسة ويُدرس حالياً الخطابة في معهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن مؤلفاته : 1 ـ ميراث المنبر في جزأين 2 ـ مفاتيح الدموع لكل قلب مروع. 3 ـ ديوان السعيد في رثاء السبط الشهيد 4 ـ الذكر الخالد ( محاضرات ) في ثلاثة أجزاء ، وله نشاطٌ بارز في النوادي الحسينية والشعريّة.