ليلة عاشوراء في الحديث والأدب

- عبد الله الحسن المزيد...
423 /
357

فجزاهم خيراً وقال إليكم * * * ما أردتم والفوز للمستجيبِ

وأراهم منازلاً قد أُعدَّت * * * لَهُمُ في الجنانِ بالترحيبِ

ليروا راحةً بها وارتياحاً * * * بعد ذاك العنا وتلك الكروبِ

ثم باتوا لهم دويٌ تعالىٰ * * * بالمناجاةِ للإلهِ المجيبِ

فقضوها بالعشقِ ليلةَ وصلٍ * * * ببكاءٍ وحسرةٍ ونحيبِ

ومع الدهرِ للحسين عتابٌ * * * بخطابٍ إلى القلوب مذيبِ

قال يا دهرُ منك كم قد أُصِبْنا * * * ودُهينا بكل خطبٍ مريبِ

هدَّنا خطبُك الجليلُ وإنّا * * * منه شِبْنا قبل يوم المشيبِ

ثم طوراً يرنو لزينبَ تبكي * * * ولها ينثني بقلبٍ كئيبِ

أختُ يا زينبُ العقيلةُ صبراً * * * إن رماكِ القضا برزءٍ عجيبِ

كم علينا حوادث الدهر جرّت * * * من مآسٍ تُدمي عيون اللبيبِ

أنتِ أمُ النبوغِ بنت علي * * * وعليٌ في الدهر أسمى خطيبِ

هو ممن ذلت لديه المعاني * * * لسمو التفكير في الترتيبِ

فخذي خط أمك في جهادٍ * * * لك في محتواه أوفى نصيبِ

وابذلي في زمان أسركِ جهداً * * * ببيانٍ مفصلٍ ومصيبِ

أوضحي فيه أمرنا لاُناسٍ * * * قادهم للشقاء قولُ كذوبِ

وضعي في عروشِ آل أميٍ * * * قبساً يابنة الهدى من لهيبِ

واحفظي لي العيالَ ثم اعرضي عن * * * جزَعٍ موجبٍ لشقّ الجيوبِ

واتركي النوح والبكاءَ لوقتٍ * * * من لقانا بعد الفراق قريبِ

واذكريني عند الصلاة بليلٍ * * * رُبّ ذكرى تُريك وجه الحبيبِ

358

واندبيني إن شئتي ندبيَّ حيناً * * * واروي حرّ الحشا بدمعٍ سكوبِ

أبلغي منيَّ السلام لجديّ * * * ولأمي وأعلني بالوجيبِ

واقربي عنيَّ السلام شقيقي * * * حسنَ الفعل في جميع الدروبِ

وعلى البعد وجّهي لأبينا * * * في الغريين أجمل الترحيبِ

ثم قصّي عليه رزءاً بكاه * * * قبلُ في نينوى ببعض الحروبِ

واخبريه بأننا قد أصبنا * * * من رزايا زماننا بضروبِ

فرقتنا يد النوائب شرقاً * * * وشمالاً وما لنا من صحيبِ

يا ابنة الطاهرين جدّاً وأماً * * * وأباً ذا حجا وصدرٍ رحيبِ

اصبري صبره فَبالصبر يرقى * * * كل حي لذا الاله الرقيبِ

واعلمي أننا على الحق نحيى * * * وعليه نموت من دون حوبِ

وسلامٌ عليكِ منيَّ يترى * * * في حياتي وبعد يوم مغيبِ

359

(2)

صورة من الوداع

صاحِ دهري ولم أكن بالجزوعِ * * * قد رماني بكلّ خطبٍ فظيعِ

وسقاني كؤوس همٍّ وحزن * * * سلبت راحتي وأحنت ضلوعي

ذالكم حين صاح ليلاً حسينٌ * * * يا بني هاشم بصوتٍ رفيعِ

هذه ليلة الوداع فقوموا * * * بعد لبس القلوب فوق الدّروعِ

ودّعوا الطاهرات وابكوا عليها * * * وهي تبكيكم بحمر الدّموعِ

حرّ قلبي لزينب الطّهر لمّا * * * أقبل الطّاهرون للتّوديعِ

رأتِ الأمَّ تلثم الابن شوقاً * * * وكذا الابن ينحني بخضوعِ

يلثم الوالد الحنون فيحنو * * * فوقه من أسىً بقلبٍ وجيعِ

فهو طوراً يرنو العيال وطوراً * * * يرسل الطرف نحو مهد الرّضيعِ

حيث يدري بطفله سوف يُرمىٰ * * * وعن الماء يرتوي بالنَّجيعِ (1)

____________

(1) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص 224.

360

(3)

حديث مع الليل

يا ليلةَ العشر طُولي * * * قد زاد فيكِ نحولي

وددْتُ من قبل قومي * * * يَحِيْنُ وقتُ رحيلي

بكربلا مذ نزلنا * * * عَلمتُ عند النّزولِ

بأنّنا سوف نبقىٰ * * * بلا حمىً وكفيلِ

وذاك أعظمُ خطبٍ * * * من الزّمان جليلِ

يمسي الحسينُ قتيلاً * * * ويا له من قتيلِ

فيا دموعي سِيلي * * * عليه كلَّ مَسيلِ

ثم انثنت بنتُ طه * * * بعبرةٍ وعويلِ

تخاطب اللّيلَ لكن * * * خطابُها عن ذهولِ

فاللّيل يُسري وتسري * * * نجومه للأُفولِ

تقول لا تُبدِ صبحاً * * * وذا من المستحيلِ

أيسمعُ الليلُ قولاً * * * من الكلام الطويلِ (1)

____________

(1) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص 216.

361

(4)

زينب تخاطب الليل

تشبُّ بقلبي نارُ وجدي وتُضرمُ * * * لذكراكَ يا ليلَ الوداعِ متيّمُ

وهيهات أن أسلو مصائب كربلا * * * وتلك بَكاها قبلُ طه المكرّمُ

فما زلت في بحرٍ من الحزن والشّجا * * * أعومُ وطرفي بالكرى لا يهوّمُ

مدى العمر لا أنسى عقيلةَ حيدرٍ * * * عشيّةَ أمست والقضاءُ مخيّمُ

تودّع أهليها الكرامَ وتنثني * * * مع اللّيل من فرط الأسى تتكلّمُ

تقول له يا ليلُ رفقاً بحالنا * * * فأنت بنا من شمس صبحكَ أرحمُ

بربّك لا تُبدي الصّباحَ فإنّه * * * صباحٌ به جيشُ الضلالةِ يهجمُ

أطلْ يا رعاكَ اللهُ وقتَكَ أن تجد * * * طريقاً ولا تخفى لجوّك أنجمُ

أطلْ لوداع الطّاهراتِ حماتِها * * * فصُبحكَ فيه منهمُ يُهرقُ الدّمُ

أنا زينبُ الكبرى سليلةُ أحمدٍ * * * وهذا حسينٌ والزّمانُ محرّمُ

وهذي جيوشُ الظالمينَ تراكمت * * * علينا فهل فيما يُريدونَ تعلمُ

يُريدونَ قتلَ ابن النبي وصحبهِ * * * وإنّك تدري مَنْ حسينٌ وَمَنْ همُ

أطالت مع اللّيل الحديث من الأسى * * * وأجفانُها كالمُزنِ تهمي وتسجمُ

فلو فَهِمَ اللّيلُ البهيمُ كلامَها * * * لرقَّ لها لكنّه ليس يفهمُ

ولو كان ذا حسٍّ ويعرفُ قدْرَها * * * أجاب نداها لكن اللّيلُ أبكمُ

تُخاطِبُه في أن يُطيلَ ظلامَه * * * عليها وما للّيلٍ أُذنٌ ولا فمُ

362

شكتْ همّها للّيل واللّيلُ أخرسٌ * * * وزينبُ حيرى والفؤادُ مكلَّمُ

ومرَّ عليها وقتُهُ وتصرَّمت * * * دقائِقُه والصُبحُ بالشرِّ مُفعمُ

ولاقتْ مُصاباً لو اُصيبَ ببعضه * * * أشمُّ الرواسي الشامخات يُهدَّمُ

لقد شاهدتْ قتلَ الحسينِ بعينها * * * وهل منه أدهى في الزمان وأعظمُ (1)

* * *

____________

(1) ديوان ميراث المنبر للمنصوري : ص 221.

363

الشيخ محمد سعيد المنصوري

الشيخ المنصوري مشدود إلى تلبية نداء الخطابة الصارم في شعره بشكل لا يخفى على المطّلع ، لذا فشعره مضغوط داخل شروط ومتطلبات آمرة ناهية تحصر الشاعر بحدّتها وضيقها ومع ذلك فالشيخ المنصوري يتجاوز كل هذا بعد تحقيقه وينصرف إلى جمال التصوير بلغة توصيلية سهلة التلقي يراعي فيها ثقافة السامعين اللغوية ليحقق جماهرية النص فى التواصل على حساب التعبير التوّاق إلى الإنطلاق والتحرر من المباشر والسائد والمألوف.

إن القصيدة المنبرية تتوجه لمخاطبة مساحة عريضة من المتلقين فتكون لذلك قصيدة محافظة على جذورها واُسسها ، لا تستخدم آليات الإيماء البعيد والإشارة المحتاجة للمفاتيح الغائبة أو الغموض الموحي بالدلالة غير المباشرة ، وهي أقرب إلى نقل الجانب المأساوي الفاجع الباكي أو المتباكي أو هي تصنع هذا الجو مثيرة لحزن المتلقّي مستدّرة لدموعه وناشدة للتوجّع والتأوه على ماحدث لسيد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه من مآسٍ وأحداث دامية فلغتها تعريفية متدرّجة في نقل المعلومات التفصيلية التي تذكّر السامع بكل شيء حتى وإن كان من البديهيات المسلّم بها فمثلاً يقول المنصوري بلسان حال زينب (عليها السلام) :

أنا زينب الكبرى سليلة احمد * * * وهذا حسين والزمان محرّم

وهذه طريقةٌ منبرية قائمة على شرح وتفسير تفاصيل الأحداث رغبةً بالشمولية واستيعاب كل ما جرى ، على أن قصائد المنصوري تنحو منحى ذاتياً في

364

استهلالها ، فالقصيدة تبدأ من وقفة الشاعر الخطيب على الحدث معبّراً عن عواطفه وانفعاله واحاسيسه ولواعجه :

تشبّ بقلبي نار وجدي وتضرمُ * * * لذكراك يا ليل الوداع متيّم

وهيهات أن أسلو مصائب كربلا * * * وتلك بكاها قبل طه المكرّم

فما زلت في بحر من الحزن والشجا * * * أعوم وطرفي بالكرى لا يُهوّم

ثم يلتفت إلى الحدث لنقله :

مدى العمر لا أنسى عقيلة حيدر * * * عشيّةَ أمست والقضاء مخيّم

وتبدأ الأحداث بين رسمه وتصويره وتعقيبه وبين حوارات زينب (عليها السلام) وبنفس الاسلوب وذات الطريقة نرى قصيدة اُخرى :

بكِ يا ليلة الوداع الرهيب * * * سال دمعي دماً لرزء الغريبِ

ويلتفت سريعاً :

مذ أحاطت به الجيوش وأمسى * * * يتلقّى الردى بصدرٍ رحيبِ

وفي قصيدة ثالثة نرى :

صاح دهري ولم أكن بالجزوع * * * قد رماني بكل خطبٍ فظيعِ

وسقاني كؤوس همّ وحزن * * * سلبت راحتي وأحنت ضلوعي

ويلتفت كالعادة :

ذلكم حين صاح ليلاً حسينٌ * * * يا بني هاشمٍ بصوت رفيع

وقد تكون قصيدته لسان حال احدى الشخصيات مثل زينب (عليها السلام) منذ البداية تخاطب ليلة الوداع في حوارية نسيجها العتاب المرّ والشكوى والأنين فنرى :

يا ليلة العشر طولي * * * قد زاد فيكِ نحولي

وددتُ من قبل قومي * * * يحين وقت رحيلي

365

33 ـ للسيد محمد شعاع فاخر (1)

ليلة في زمن الأنبياء

أليلٌ سجى في كربلاءَ أم الحشرُ ؟ * * * تَسامت به الأيام وافتخر الدهرُ

وهل بسماتُ الوالهين إلى الرضا * * * أضاءَتْهُ أم ثغرُ الحقيقةِ يفترُّ

وتلك دموعُ المشفقات تسابقتْ * * * شآبيبَ أم سحبٌ بها انبجسَ القطرُ

وهذي جباهٌ أم بروقُ صوارمٍ * * * أم اللوحُ محفوظاً بهيكله الذكرُ

وهل تلك أرضٌ أشرقت في عراصها * * * ـ أو الفلكِ الأعلى ـ الكواكبُ (3) البدرُ

نعم حلَّها ثقلُ الرِّسالةِ فاكتسى * * * بهم سندساً من فيضِ جدواهم القفرُ

* * *

تعالتْ على رمضان أيّامُ عشرها * * * وعن ليلة القدر استطال بها القدرُ

لئن زاد قدرُ الشهرِ بالذكرِ وحدَهُ * * * ففي العشر منها استُشهد الذكرُ والطهرُ

وإن كان يفنى بالثلاثين عدُّه * * * فما هي إلا الدهر أيامها العشرُ

____________

(1) هو : الفاضل الخطيب الشاعر السيد محمد شعاع فاخر ، ولد سنة 1360 ه في الضفة الشمالية من شط العرب درس في حوزة الأهواز العلمية ثم هاجر إلى حوزة النجف الأشرف لإكمال دراسته وكان عضواً في الرابطة الأدبية في النجف الأشرف ، ثم عاد إلى الأهواز وحضر عند العلامة الكرمي ، ثم آثر الإقبال على الخطابة والكتابة ، من مولفاته 1 ـ حجة الشيعة الكبرى 2 ـ دفاع عن السيد المسيح 3 ـ جهاد كربلاء والإنسان 4 ـ ديوان شعر بعنوان « أنا الشاعر ».

(2) فاعل أشرقت.

366

وليس ظلاماً ما أرى بل صحيفةً * * * من النور تبدو والجهادُ لها سِفْرُ

جرت من أبيِّ الضّيمِ فيها دماؤُهُ * * * كتاباً جهادُ الأنبياء به سطرُ

ففي كلِّ جرحٍ من عديد جراحه * * * لنوحٌ وبلواهُ السفينةُ والبحرُ

وفي كلِّ حرفٍ من لهيب ندائه * * * خليلٌ لإسماعيله في الحشا جمرُ

وإنْ كان بالذبح العظيم فداؤُهُ * * * لتُفْدى بإسماعيلَ فتيانه الغُرُّ

* * *

وإنْ فخرت أرضُ الطَّواف بها جرٍ * * * فكم هاجرٍ بالطَّفِّ أبرزها الخدرُ

سَعتْ ألفَ شوطٍ تطلبُ الماءَ بعدما * * * جرى في مسير النَّهر ريّقُهُ الغمرُ

ولو ملكتْ أمراً سقت من دموعها * * * عطاشاه لولا أنَّها أدمعٌ حُمرُ

تسيلُ بجنب النهر يندى بها الثرى * * * وتنسجُ برديه الشّقائقُ والزَهْرُ

فلم يعرفِ الراؤونَ ما الدمعُ منهما * * * غداةَ جرى من مقلتيها وما النَّهْرُ

* * *

وهذا ابنُ عمرانَ استقلَّ جهَادَه * * * وما صَغُرَتْ شأناً مواقفُه الكُثْرُ

غداةَ رأى سبطَ النبيِّ بكربلا * * * به يستجيرُ الدينُ إذ مسَّهُ الضُرُّ

لئن خانه الحانون في الذل جبهةً * * * وأصبتهم الدنيا فما خانه النَّصرُ

وإن ظلَّ فرداً حيثُ خلاَّه عسكرٌ * * * فكان له من عزمهِ عسكرٌ بحرُ

تمنَّى كليمُ الله تفديه نفسُهُ * * * ودونَ الحسينِ السبطِ تنحرهُ السُمْرُ

وجلَّ الصليبُ المجتلىٰ فوق عوده * * * مسيحٌ كما يجلى من الغَبَش الفَجْرُ (1)

____________

(1) هذه الأبيات ناظرة إلى ما جاء في الإنجيل من أن المسيح (عليه السلام) جزع حين رُفع على خشبة الصليب وأظهر ضعفاً ، وبالطبع هذا مفتعل على روح الله ولكن الشاعر جرى على معنى الإنجيل وفيه شبه الرد على النصارى.

367

تسلَّق أعواد الصليب فما ونَتْ * * * رؤاه ولكن باح بالألم السرُّ

يقولُ وملءُ الكونِ منه شكايةٌ * * * إلى الله ممزوجٌ بها الألمُ المُرُّ

إلهي وربي كُنْ معي في مصيبتي * * * رفيقي فقد عنَّاني الصلبُ والأسرُ

وأُولاءِ فتيانُ الرسولِ تسابقوا * * * إلى الموت يتلو الحُرَّ في سعيه والحُرُّ

تَلفُّهُمُ الحربُ العَوانُ كأنَّها * * * نعيمٌ وفيه الأُنسُ لا البيضُ والسُمْرُ

فما ضَعُفَت منها القلوبُ عن الوغى * * * أجَلْ مات فيها الخوفُ وانذعر الذُعْرُ

وإن جلَّ يوم المطمئنِ وخائفٍ * * * فَمَن منهما في السابقين له الفَخْرُ ؟

* * *

طوى اللهُ آناءِ الزَّمانِ الذي مضى * * * وفي ليلِ عاشوراءَ كان له النَّشْرُ

تَطلَّعَ ماضٍ في الزَّمانِ وحاضرٌ * * * كراءٍ جيادَ السبقِ أبرزها الحضرُ

إلى فتيةٍ قد زانت الأرضَ بالسنا * * * كما ازدان في عقدٍ من الدُرَرِ النَّحْرُ

أحاطت بسرِّ الله فيها كأنَّه * * * فؤادٌ حواه بين أضلُعهِ الصدرُ

تمنَّت لقاءَ الموت قبل أوانهِ * * * فأمْثَلُ شيءٍ أن يطولَ بها العُمْرُ

تبرَّجَ رضوانُ الإله بعينها * * * نعيماً وما أخفاه عن ناظرٍ سِتْرُ

هَفَتْ لعناق البيض وهي مشوقةٌ * * * لمقعدِ صدقٍ عندهُ يَعظمُ الأجْرُ

وحَفَّتْ بسبط المصطفى وهو باسمٌ * * * أضاءَ الهدى في ثغره إذ دجا الكفر

أبَتْ أن ترى من هاشمٍ بشبا الظُبا * * * عفيراً فعند المصطفى ما هو العُذْرُ

ولكن أبَتْ فرسانُ هاشم أن تُرى * * * مُحَلأةً والموتُ ريَّانُ مُحْمَّرُ

ونادى الهدى في حكمه متنهِّداً * * * كما فاح من غَنَّاءَ مطلولةٍ نَشْرُ

دَعُوا للوغى أنصارنا فقلوبُها * * * لقطف رؤوس الكفر ضاق بها الصبرُ

ومذ حَظِيتْ بالحكم في الموت أقبلت * * * كما احتشدت في الأفقِ أنجُمُهُ الزُهرُ

368

وقد مال خدرُ الهاشمياتِ بالأسى * * * كما مال في زغبٍ مروَّعةٍ وكرُ

دعوا عند آل الله لنْ يخلص العدى * * * إليكم بضرٍّ ما جرى دَمُنا الثرُّ

فما عرفت ما الخوفُ حتى تمرَّغتْ * * * على الفلق الريَّان من دمها العُقْرُ

* * *

ويا لك من ليلٍ محت مُدلهِمَّه * * * جباهُهُم والبدرُ والقُضُبُ البُتْرُ

رأى الملأُ الأعلى لو انَّ متونَهُ * * * لهم صهواتٌ لا المُجمَّلةُ الشُقْرُ

جرى دمهم في المَهْمِه القفر فاغتدى * * * نعيماً وأمسى وهو مُؤتلفٌ نضرُ

وما سال فوقَ الأرض حتى تضَّرجت * * * به وجناتُ الأفقِ مما جنى الغدرُ

تفجَّرتْ الدّنيا جمالاً بهم كما * * * تفجَّرَ بالإبداعِ من مُلهمٍ فِكْرُ

وحقَّق للإنسانِ معنى وجوده * * * دمٌ سال منهم لا قليلٌ ولا نزرُ

وخصَّهم بالسبط ربٌّ بَراهُمُ * * * فلا قَدْرَ إلا فوقَه لهم قَدْرُ

-السيد محمد شعاع فاخر

27 / 10 / 1417 ه

الأهواز

السيد محمد شعاع فاخر

قصيدة الإقتطاف الجميل من حدائق النص القرآني الكريم هي قصيدة السيد محمد شعاع فاخر ( ليلة من زمن الأنبياء ) وهو توجّه مقتدر كم أحببت أن يساوقه تحرّرٌ من أسار الفخامة والتراكيب المستدعية لنمط التراكيب القديمة التي إستنفدت طاقتها فلم

369

تعد تخاطب السمع النابض لحركة العصر الحديث.

فمنذ الصدر الاول يتبادر إلى الذهن هذا التنميط الذي يجر القصيدة إلى الوراء فمثلاً ( أليلٌ سجى في كربلاء .. ) يُذكّرني بقوة ( أبرقٌ بدا من جانب الحي لامع .. ) لكن الشاعر يغادر هذه المناطق كثيراً مما يمنح القصيدة عدم الإستقرار على محورٍ نظميّ محدّد وواضح فكأن شاعريته مرآة تعكس ما يمرّ أمامها من نصوص يداخلها في نصّه

فنرى مثلاً هذا البيت الرائع :

تسلّق أعواد الصليب فما ونت * * * رؤاه ولكن باح بالألم السرُّ

370

34 ـ للشاعر الأستاذ محمد الشويلي (1)

ليلة عاشوراء أعراس الدم

قِدُ الحرف وسط الليلِ يقتحم القدرْ * * * فقلبُ المنايا من لغاك سينتحرْ

تناغيك أمواج الأعاصير في غدٍ * * * تعدُّ لها المهر الجريح لتنتصر

تُرى ليلَ عاشوراء عرسَ منابرٍ * * * تمشّىٰ بها صحوُ الضمير فما عثر

قُمَيْرٌ يناغي النجم وهي تحوطه * * * تفدّيه إن ألوىٰ بجانبه الخطر

ومن كلّ نجمٍ ينزف الضوءُ أحمراً * * * تُضاءُ بها الأكوان ، تُفتتنُ العصر

فيا ليلة العشاق كان دويّهم * * * تخرُّ له الدنيا ويستسلم القدر

يمدُ الدجى فوق الرمال مخاوفاً * * * فتنكسر الصحراء والعزمُ معتمّر

وأنت فمٌ قد جلل الكونَ رفضُه * * * وأنفٌ شموخُ فرّعتْ كبرَهُ مضر

فتعلنُ أن الموت غايتك التي * * * سَتُسعَدُ فيها والحياةُ لمن قُهر

وينثالُ كلٌّ يستبيحُ وجودَهُ * * * فداءً لظل الله والأضلع الطهر

صمودٌ له التاريخ يندى جبينه * * * ويرقى على عين الزمان فيُختصر

ستبصر عند الأفق شرذمةً سعت * * * لتغتالَ ضَوء الشمس أو تطفئ القمر

وسوف تمدُّ الطرفَ نشوانَ والوغىٰ * * * كغابات خوفٍ والاسنّةُ كالشجر

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ محمد الشويلي ولد سنة 1387 ه في بغداد ، تخرج من معهد التكنولوجيا ، له مشاركات في الملتقيات الأدبية والدينية ، وله ديوان شعر ( مخطوط ).

371

ويوم غدٍ من كل طعنةِ خنجر * * * يصيحُ فمٌ إنَّ البغاة ستندحر

ستعدو بهم والأفق سُدَّت تخومه * * * من الخيل ، والرمضاء ترميه بالشرر

رويداً سيلقاكم رضيعي بنحره * * * خطاباً عصيّاً دكّ افئدة الحجر

ويلقاكم حتى الصبي يُشدُّ في * * * ذراعيه عزمات النبي فما انكسر

ولادة أحلام هنا تقهر الظما * * * ونبعٌ مذالٌ في مدى الروح ينفجر

فصِحْ يا فراتُ الآنَ هذي دماؤنا * * * ستغترف الأجيالُ من نزفها الغَضِر

ويا حزمةً للضوءِ ودَّتْ لو انّها * * * تُحرِّقُ ألفاً أو تُذرُّ ولاتَذَر

تخطَّي على الدنيا نبوءة عاشق * * * توطّئ في أزكى مواجعها المطر

فيا أيها الحرف المطهر لم يزل * * * على شفة الأرماح بالوحي يدَّكر

ويا ليلةً ( غابت نحوس نجومها ) * * * لك المجدُ أن أشرقتِ في ظلمة البشر

-محمد الشويلي

1 / 12 / 1417 ه

372

35 ـ للشاعر الأستاذ محمد الماجد (1)

خصلةُ شَعرٍ لساعديَّ

ومن ذا سيعبر بين الفراتين ..؟

هذا أنا ..

ربّ هذا المسيل المولّه بالصافنات الجيادْ !

قرونٌ وأنت تمرّين من ههنا ياجيادْ

على هذه الأضلع الخاوياتْ

بربك أيّ المضامير رحت تجوبين فيّ ؟

وأيّ الأعنة شدّت يداي ؟

أحبّك يا من تجيبين نذري

عقدتُ على ساعديّ الضعيفين

خصلة شعر لجيدكِ

ثمّ ارتميت اقبّل نقش الحوافر فوق الصعيد

____________

(1) هو : الشاعر الأستاذ محمد حسن يوسف الماجد ، ولد سنة 1386 ه في تاروت ـ القطيف ، حاز على شهادة البكالوريوس في العمارة من كلية تصاميم البيئة في جامعة الملك للبترول والمعادن سنة 1411 ه ويعمل حالياً في إدارة المشاريع والصيانة بالإدارة العامة للتعليم ، وله مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية.

373

اقومُ وأهوي عليها مراراً !

أقوم ..

وأهوى عليها مراراً !

فهلا تعجّلت بُرئي

فهذا صدى الحمحمات يذيب فؤادي

ـ قرونٌ عليه ـ

ومازال يملأ صدري نحيبا

جياد الخلاص

اضاء لك البرق ليل المتاهة فاجري

صراطك : صدري وقلبي .. ونحري

صراطك : هذا الممدّد بين الفراتين

ربّ المسيل الموّله بالصفنات الجياد

افيقيه عدواً ..

أقضّي مضاجع هذا الرفات ..

قليل من العدو يسكر رمسى ..!

فطوفى عليه مطاف الجوامح

أُنعلْنَ جمراً ..

وأُشربْن نخب الطفوف

ذرفْن الدموع علي ساكنيها

وزرْن ( الغريب ) ..

374

تحلقن حول الضريح المدمىّ

ألوفا .. الوف

ألا يا جياد ..!

قليلٌ من العدو يسكر رمسي

فأصحو ..

لينشقّ عن مدنفٍ لا يتوب

تحمّل ما لا يطاق

وعاد تحمّل ما لا يطاق

وعاد .. وعاد ..

الى ان افاق

-محمد الماجد

20 / 3 / 1417 ه

سنابس

375

الأستاذ محمد الماجد

قصيدة الماجد ( خصلة شعر لساعديّ ) إعتمدت الوحدة العضوية في نسيجها بمتابعة متأملة لحركة خيول يستعطيها أن تأتي من زمنٍ عصيّ لتمسح البعد المأساوي عن صفحة الوجود ، وانعكست حركة الخيول إيقاعاً نفسيّاً داخلياً أحاط أجواء القصيدة في مونولوجها الداخلي وتداعياتها المتسائلة الباحثة عن الخلاص من ليل المتاهة.

الإستعطاء تبدّى في عنف الأسئلة المتتالية ، فالنص يبدأ بسؤال كبير ( من ذا سيعبر بين الفراتين ؟ ) والعبور ببقعة جغرافية محددة رَمَزَ لها الشاعر بالفراتين فأزاح الدلالة عن أن تكون مخصوصة بالفرات ـ وهو مفردة تنتظم في تشكيلة الطفّ جغرافياً وشعورياً ـ ليذهب أبعد في انتظار ما سيحدث فيخاطب الخيول ليعرّفها بنفسه ( هذا أنا ربُّ هذا المسيل المولّه بالصافنات الجياد ) إنه صاحب المسيل والإقتران المائي واضح في تتابع ( الفراتين ـ المسيل ) لكن هذا المسيل هو تيار الوعي الذي يلازم الحب هنا بصيغة الخلاص فهو مولّه بالصافنات الجياد في إسقاط قرآني لتلبّس شخصية النبي سليمان (عليه السلام) بشكل ناقص ، فهو أضلع خاويات تتساءل بإلحاح مقترن بالقسم ( بربك أيُّ المضامير رحت تجوبين فيَّ ؟ ) في حركة داخلية نفسية هي حركة الأمل داخل الذات و ( أيّ الأعنّة شدّت يداي ؟ ) وهو أمل آخر عندما تقبض يداه على أعنّة غير محدّدة للخيول ، ليبتدئ مونولوجاً عاطفياً يناجيها به من ( أحبك يا من تجيبين نذري ) إلى أن تظهر صنميّة الحب في تقبيل

376

نقش الحوافر فوق الصعيد وتكون آثار الأمل الصغيرة هي الأمل كلّه في قيام وهويّ ينتهي إلى التحضيض والطلب ( فهلاًّ تعجّلت برئي ) ويتحوّل جانب حسيّ من الأمل هو ( صدى الحمحمات ) إلى نحيبٍ ذائب في القلب لتبدأ حركة أخرى من ندائه لها لكن على التخصيص هنا ( جياد الخلاص ) ويطرح عهداً وميثاقاً بالتضحية قائماً على الإستعطاف والإلحاح في الطلب ( أفيقيه عدواً .. أقضّي مضاجع هذا الرفات ) وهي حالة يأس من النهوض والقيام الذاتي فتتمّ مطالبة الأمل المجسد في الخيول في حركتها الصاخبة الممتلئة بالحيوية ( قليل من العدو يسكر رمسي ) هذه الحاجة إلى ومض بسيط لتنبعث الحرائق وتدبّ الحياة ، ويتكرر هذا الخطاب ثانية في القصيدة لتلحقه لفظة ( فأصحو ) هذه الصحوة المطلوبة بإصرار مبدئي تأخذ شكل الحتمية في عودة الروح إلى أوصال المدنف التي تحمّلت عناء المسيرة ، وتكرّر هذا التحمل والمعاناة إلى أن تتم الإفاقة والنهوض.

قصيدة الماجد ولائية الجذور وعقيدية الإنطلاقة بشكل يخلق واقعية خاصة يمكن أن نسميها الواقعية الشعرية التي لا تصاحب الواقع الحقيقي لتطابقه ، بل لتوازيه وتنهل من ينابيعه بإختيار صادر عن موقفٍ وتجربة وتوجه جماليٍّ فنّي.

وأخيراً فإنّ ليلة عاشوراء لم تكن موجودةً في نصه كوثيقة تاريخية بل كحالة مستبطَنة يخاطبها الشاعر بإيماءٍ مكثّف من خلال خطاب عام للجرح الحسيني الغائر في الأعماق المتلهّفة للخلاص.

377

36 ـ للشيخ مهدي المصلّي (1)

عزائم الأبطال

ليلةٌ أسهرت عيون الليالي * * * لتُرينا عزائمَ الأبطالِ

وتُرينا الشموسَ تفترسُ اللي * * * لَ لتمحو عصرَ الليالي الطوالِ

وتُرينا التاريخَ أشرقَ فيه * * * عقدُ نورٍ مرصّعٍ باللآلي

وتُرينا الإنسانَ يسمو على النج * * * مِ مناراً ورجلُهُ في الرمالِ

وتُرينا الليلَ الذي يلد الفج * * * رَ فيهوي ظلامُهُ للزوالِ

فيها عصبةٌ تُسبّحُ بالحم * * * دِ فتذكي شوامخَ الآمالِ

في دويٍّ كالنهرِ يملؤُهُ التس * * * بيحُ ينسابُ من رُبى شَلاّلِ

في جلالٍ كنسمةِ الفجرِ هبّت * * * لتبُثَّ الحياةَ في الآصالِ

والحسينُ الشهيدُ يفتحُ باباً * * * في زوايا المسيرِ والترحالِ

إنّما شخصيَ المرادُ فسيروا * * * ودعوا ساحةَ القنا والنصالِ

____________

(1) هو : الأستاذ الفاضل الشيخ مهدي بن الحاج حسن بن الحاج عيسى المصلّي ، ولد في سنة 1383 ه في جزيرة تاروت ـ القطيف ، أكمل شطراً من الدراسة الأكاديمية ، ثم التحق بالحوزة العلمية في قم المقدسة سنة 1400 ه ، ثم واصل دراسته الحوزوية متنقلاً بين القطيف والأحساء وسوريا ، ولا يزال يواصل مسيرته العلمية في النجف الأشرف ، ومن مؤلّفاته 1 ـ رسالة في غسل الوجه ( استدلالية ) ( مطبوعة ) 2 ـ الأصول النقية ( مخطوط ) 3 ـ ديوان شعر ( مخطوط ) وله كتاباتٌ أخرى ، وله مشاركات فعالة في النوادي الثقافية الدينية والادبية.

378

فإذا بالقلوبِ تنطقُ إنّا * * * بمواضي سيُوفِهم لا نُبالي

إنما الموتُ يفتحُ البابَ للخل * * * دِ فتُمحى عظائمُ الأهوالِ

إنّنا نعشقُ الشهادةَ في الحقِّ * * * وإن مُثِّلَتْ بألفِ مِثالِ

وسنبقى حولَ الحسينِ سِياجاً * * * من قلوبٍ لا من سيوفٍ صقالِ

فالقلوبُ الولهى أحدُّ من السيفِ * * * وأقوى من الدروعِ الثقالِ

والفؤادُ المجروحُ يعصفُ كالاع * * * صارِ يمحو ثوابتَ الآجالِ

والجريحُ المظلومُ لا يَرهبُ الموتَ * * * إذا ما دعاهُ داعي النِّزالِ

إنَّما الموتُ خطوةٌ لجنانِ الخل * * * دَ أو رشفةٌ من السلسالِ

حبَّذا الموتُ في سبيلِكَ يا سِ * * * بْطُ ويا حَبَّذا مروعُ القتالِ

ليس في الموتِ ما يُخيفُ إذا كا * * * نَ سيُحيي ضمائرَ الأجيالِ

ليس في الموتِ ما يُخيفُ إذا كا * * * نَ طريقاً إلى جَميل المآلِ

رايةٌ قَلبُها الحسينُ تَشقُّ * * * الحشرَ شقاً إلى عظيمِ النَّوالِ

وقلوبٌ حُبُّ الحسينِ يناغي * * * ها تغذَّت حياتُها بالزّلالِ

حُبُّهم مصدرُ الرواءِ وأسّ الطُ * * * هرِ والخيرِ والهدى والجمالِ

في سبيل الحسين ما أنتَ يا موتُ * * * سوى يومِ رحلةٍ للكمالِ

ليس أغلى من الحياة ولكن * * * لك غالي أرواحِنا والعيالِ

كلُّ غالٍ تَملَّكَ القلبَ حُباً * * * في سبيل الحسينِ ليسَ بغالِ

-مهدي المصلي

12 / 11 / 1416

تاروت ـ القطيف

379

الشيخ مهدي المصلّي

تتدفّق الصور في قصيدة المصلّي ببراءة إبداعية متصاعدة في الكشف عن أحداث ليلة عاشوراء ، فهو حريص على التسجيل والتوثيق لكن عبر عينيه المفتوحتين على ماوراء الظاهر والسطحي والمألوف لنشاركه كشوفه وارتياداته لدروب الحقيقية والمصير البشري عبر ليلة نوعية في حسابه لليالي التي مرّت ولا زالت تمرّ وستبقى تمرّ كاشفة لنا بؤس المصير لغير المرتبطين بسموّ الحقائق المطلقة ، السائرين في متاهات السراب والخواء والجدب ، فنرى المصلّي صدّاحاً بما تجلوه الليلة من ضميره :

وتُرينا الإنسان يسمو على النجم * * * مناراً ورجلُه في الرمال

مع إرتباطه بما هو أرضي فهو متطلّعٌ إلى السمو والتحليق بروحه في سماوات الوجود الحق ، فهكذا الإنسان المتكامل.

والمصلّي مع معانقته لجلال الأفكار السامية فهو لا يعدم وسيلة إلى طرحها بمعادلاتها الشعرية الوجدانية المصوّرة ، حتى أنه يقارب المتن التاريخي بصور شفّافة وتكوينات بصرية برّاقة فنراه يقول عن الوصف التاريخي لعبادة الأصحاب ( دويّ النحل ) :

فى دويٍّ كالنهر يملؤه التسبيح * * * ينساب من ربى شلال

فهو يفكّك الوثيقة التاريخية ليعيد إنتاجها وفق ما تريد شاعريته لكن ضمن الإطار الدلالي العام الذي لا يعوم بعيداً عن ضفاف التوصيل وربما خرج علينا بحلّة

380

شاعرية محضة ليُنطِق الشخصيات التأريخية بما يخطر لتأملاته أن تقول فنراه يُنطِق الأصحاب بما يحسّه هو :

وسنبقى حول الحسين سياجاً * * * من قلوب لا من سيوفٍ صقال

هذا هو التوغل الباحث عمّا هو جوهري وعما وراء الظواهر في تجربة المصلي الشعرية يتجلّى في هذا البيت المنسوج بكل الأدوات الممكنة ، فنرى الخروج على التراكيب النمطية التقليدية في بؤرة تركيبة مشعّة على عموم البيت في ( سياجاً من قلوب ) وهذا التركيب حداثيٌّ أدخله المصلي بكل يسر إلى قلب البيت لينظّم دقّاته بنبضٍ متسارع على مستوى المضمون والشكل ، ولنا أن نلاحظ أيضاً ثيمة إيقاعية تقصّدها الشاعر في إستخدامه لحرفين من حروف الصفير الصاخبة هما ( السين والصاد ) فنرى صدر البيت وقد توشّح نُطقاً بثلاثة سينات تموسق الإيقاع المتشابك لبحر الخفيف ببريق لحني أخّاذ في ( وسنبقى حول الحسين سياجاً ) في تعارضٍ ثنائي مع حائين في الوسط متجوّفين كعمق نغمي مستقر في ( حول الحسين ) لننتهي إلى قفلةٍ مطربة تسبق جرس حرف الروي من القافية عندما إشتبكت السين في ( سيوف ) مع الصاد في ( صقال ) بصفير متقابل لا يُوفّق له إلا ذو حظّ عظيم من الشاعرية التي تستوعب وتشمل ، وأراني منساقاً إلى إبداء أكثر من الإعجاب بهذه الشاعرية الفذّة التي سيكون لها شأن عندما تنفتح بشكل أكثر عمقاً على التجارب الشعرية الأخرى وأختم إنطباعاتي ببيت آخر للشاعر بلا تعليق :

رايةٌ قلبها الحسين تشقّ * * * الحشر شقّاً إلى عظيم النوال

381

37 ـ للسيد مهنّد جمال الدين (1)

الليل ورفيقه

في الليلة الأخيرة

-« في آخر ليلة وقف الحسين بن علي (عليه السلام) بين يدي الله متهجِّداً كعادته ... غير أن الليل في هذه المرّة له حوار مع نفسه وهو انه يشعر بانقضائه إلى الأبد حينما يأتي الصباح ... »

الليلُ قد نثر الدموعَ رحيقا * * * وهوى يُقبّل في الظلامِ رفيقا

خمسُونَ ما رعِشَ الضميرُ لغيره * * * أبداً ... وما عَرفَ الفؤادُ عُقوقا

كانت لياليه الحسانُ وضيئةً * * * تزهو على كبد الزمان بروقا

وتصاعدت أنفاسُه في موكبٍ * * * قد زُفّ للأفلاك نوراً يوقا

وإذ ارتقى نحو السماءِ نشيجهُ * * * غفت الشجونُ وجُنّت الموسيقى

رقصت وقد سال النُهىٰ في كأسه * * * فالفجرُ جاءَ مُهرولاً ليذوقا

____________

(1) هو : الفاضل الشاعر السيد مهند بن الشاعر الكبير المرحوم الدكتور السيد مصطفى جمال الدين ، ولد سنة 1385 ه في سوق الشيوخ إحدى مدن العراق الجنوبية ، تخرّج من معهد التكنولوجيا ببغداد سنة 1407 ه ، التحقَ بالحوزة العلمية في قم المقدسة 1412 ه ، ومن نتاجه الأدبي ديوان شعر ( مخطوط ) وكتابات اُخرى ، وله مشاركاتٌ في النوادي الأدبية والثقافية.

382

حتى إذا اقتربت إليه غادةٌ * * * حسناءُ تضرمُ في الدِماءِ حَريقا

الصُبحُ في وَجناتَها مُتورّدٌ * * * ومن الفضاءِ النورُ يشكو ضيقا

فترنّحت بالوجد تَعتصرُ المُنى * * * لتصبَّ قلباً في الغرام أُريقا

قالتْ وقدْ فاحَ العبيرُ بصوتها * * * والثغرُ نثَّ أقاحياً وشقيقا :

« هلاّ نزلت إلى فؤادي مَرّةً * * * وهل ارتشفت رضابَهُ والريقا »

« إنّي أمدُّ يداً لقد ذابت لها * * * كلُّ القلوبِ ومُزّقتْ تمزيقا »

فهل ارتضيتَ بأن أكون عقيلةً * * * لأصونَ من غيظي الدّمَ المحروقا ؟!

فأجاب :مَنْ هذي التي دَوّت بنا * * * وَمَضَتْ إلى النجوى تَشقُّ طَريقا ؟!

قالت : أنا « الدُنيا » وهذي نِعمتي * * * تجني الثمارَ أساوراً وعقيقا

فأجابها والحلمُ يمتشق السنا * * * ويمدُّ صوتاً في الوجود طليقا :

« حَرُمَتْ على الأبناء من قد طُلّقَتْ * * * وأبوهُمُ مَنْ أَوقعَ التطليقا »

« وأبي لقد حَفِظَ الزّمانُ طَلاقهُ * * * لكِ في صَميمِ الخالداتِ بريقا »

* * *

الليلُ يسمعُ ما يدورُ بقلبه * * * فيعدُّ دقّاتٍ له وشهيقا

ويعدُّ ليلته ـ وقد ماست به ـ * * * أملاً يَموتُ وعالماً مَسروقا

هي آخرُ العنقودِ يدري أنها * * * تلِدُ الصباحَ وضوءَه المخنوقا

فلتستعدّي يا نجومُ وتخمدي * * * فجراً تخطّى نحونا وشروقا

طولي فقد شدَّ الرحيلُ رِكابَهُ * * * وبه تهجّى الضارعُ التفريقا

383

فغداً يخرُّ الوهم من عليائه * * * « وأبو عليٍّ » يَرسمُ التصديقا

وغداً يُطهِّرُ من نزيف جراحه * * * ماءً على نهرِ الفراتِ غريقا

ويشيدُ نصراً للإباءِ مُنضِّراً * * * ويُنيرُ جُرحاً للسُراة عميقا

ويَخطُّ للثوّارِ درباً واضحاً * * * ويصونُ للمتطلّعين حقوقا

-مهند جمال الدين

الأحد 4 / 11 / 1416 ه

384

السيد مهند جمال الدين

في قصيدة ( الليل ورفيقه ) يبدو مهند جمال الدين وريثاً كفوءاً لتجربة أبيه الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين إلى حد الإقتراب من التطابق رؤىً وتأملاً وأدوات .. جزالة لفظ .. وتصورات مشرقة وبناء منتظماً بكل مميّزات قصيدة مصطفى جمال الدين العاشقة الولهى التي تناغم إشراقات النَفَس العباسي الأصيل في استخدام معاصر للمفردات واستصحاب للتراكيب المتقدمة زمنياً وتفوق في إختيار موقعٍ مغاير للإطلالة المتأملة على جوّ القصيدة وحدودها وآفاقها وتحوّلاتها وتطلعاتها.

إن هذه القصيدة تخيّرت الإصطفاف والإنضمام إلى طابور طويل يقف فيه شعراء العمود مدافعين بصرامة واستبسال عن ماء وجه القصيدة العربية الذي تأكّله جذام النظم الرديء والتنميط المسطّح لكل خواء روحي مصبوب في قالب الوزن ومجترّات القوافي المقحمة.

على أني رأيت أخيراً في نتاج السيد مهند جمال الدين تطلّعاً مختلفاً عن الإتّباعية والإحتذاء بالمثال في بواكيره على الرغم من إخلاصه ووفائه في هذه القصيدة لكي يكون صدى وترجيعاً حتى في إختياره لبحر الكامل دون البحور الاُخرى ( والذي يشكل ثلث شعر السيد مصطفى جمال الدين المنشور ) أو تطعيمه لقصيدته بصيغ بنائية تخصّ المرحوم والده كصيغة ( حتى إذا ) التي لا تكاد تخلو قصيدة من قصائد المرحوم الشاعر مصطفى جمال الدين منها فنرى عند مهند :

حتى إذا إقتربت إليه غادةٌ * * * حسناء تضرم في الدماء حريقا

385

ويمكننا أن نرى البذور المستزرَعة القابلة للنمو والإنطلاق إلى آفاق جديدة في التعبير والتوصيل مثل هذه البذرة :

وإذا إرتقى نحو السماء نشيجه * * * غفت الشجون وجُنّت الموسيقى

فهو يقابل المحسوسات الصوتية المسموعة في نهاية الصدر ( نشيجه ) ونهاية العجز ( الموسيقى ) في حركة بنائية محدثة.

ونرى كذلك بذور الإنطلاق والتجدد في الحوارات المبثوثة في منتصف القصيدة بين ( قالت ـ وأجابها ) أو عندما يزاوج بين الخيالات والمحسوسات في :

فأجابها والحلم يمتشق السنا * * * ويمدّ صوتاً في الوجود طليقا

فالحلم خيالات تنطلق بلغة الضوء المرئيّ الحسيّ ( السنا ) إمتشاقاً أو تنطلق بلغة الصوت المسموع الحسيّ ( صوتاً ) إمتداداً في الوجود.

إنّ شاعرية مهند جمال الدين هنا تتبرزخ مشدودة إلى أصداء ما مضى وإلى نداءات ما سيأتي بدون إنحيازٍ واضح هذا على مستوى البناء ، أمّا على مستوى التأمل والتصوّر فهي منحازة بعض الشيء إلى السياقات والأنساق الحديثة أكثر.

386

38 ـ للشاعر الأستاذ ناجي الحرز (1)

الفتح المقدس

يُحيِّرُني مصابُكَ كلَّ عامِ * * * ويختطفُ الجسارةَ من كلامي

فأحشدُ في يدٍ ظماى القوافي * * * وأشعلُ في اليدِ الاُخرىٰ عُرامي

فتنطفئُ الحروفُ على رؤاهُ * * * الغريقةِ في السيوفِ وفي السِّهامِ

فأمتشقُ الدموعَ تذبُّ عني * * * وتؤنِسُ ركبَ حُبِّكَ في عِظامي

* * *

أُحبُّكَ يا حسينُ وأنت أدرى * * * لأيّ مَدى يُغامرُ بي هيامي

فَبعضُ الوجدِ أنشُرُه لِواءً * * * وَبعضُ الوجدِ أسرجُهُ أمامي

وأجترحُ الخُطى حتى إذا ما * * * وقفنَ بلهفتي بينَ الخيامِ

سمِعتُكَ ليلةَ التوديعِ تتلو * * * مواثيقَ المحبَّةِ والسّلامِ

____________

(1) هو : الشاعر المبدع الأستاذ ناجي داود علي الحرز ، ولد سنة 1379 ه في المبرّز ـ الأحساء ، نظم الشعر في سنٍ مُبكّر في الثانية عشرة من عمره ، حصل على دبلوم في المعهد الثانوي التجاري في الأحساء ، وله مشاركاتٌ في النوادي الأدبية والدينية ، والكتابات النثرية والاجتماعية ، ومن نتاجه الأدبي المطبوع : 1 ـ ديوان نشيد ونشيج ( قصائد وجدانية ) 2 ـ ديوان يا حبيبي يا محمد ( أناشيد إسلامية ) 3 ـ ديوان الوسيلة ، ( قصائد ولائية ) 4 ـ الإمام علي في وجدان الشاعر ( دراسة أدبية نقدية لملحمة الغدير ) ..

387

وتُقسِمُ أن يظلَّ الدينُ حياً * * * بفيضِ جراحِكَ الحُمْرِ الدَّوامي

رأيتكَ ليلةَ التوديعِ فجراً * * * كأنّكَ أحمدٌ خيرُ الأنامِ

وعباساً يكادُ يشبُّ نارَ ال * * * عزيمةِ في السِّنانِ وفي الحُسامِ

وزينبَ تستعدُّ لخطبِ يومٍ * * * يَشيبُ لهوله رأسُ الغُلامِ

ويَرجعُ جانبُ الدُنيا فتيّاً * * * ترفُّ عليه أسرابُ الحَمَامِ

* * *

أليلةَ يومِ عاشوراءَ عودي * * * لكونٍ ساغبٍ للعدلِ ظامِ

لأكبادٍ مُروَّعةٍ تُساقى * * * كؤوسُ المُرِّ من صابٍ وجامِ

لأعيُننا التي في الذُلِّ شاختْ * * * ولا تَنفكُّ تَحلُمُ بالفِطامِ

أليلةَ يومِ عاشوراءَ عودي * * * بكُلِّ الصحو والهمَمِ العظامِ

أعيدي فتحَكِ القُدْسيَّ زهواً * * * حُسينيَّاً على الداءِ العُقامِ

وصُبِّي النورَ في شرقٍ وغربٍ * * * وليسَ على عراقٍ أو شآمِ

فقد عَمَّ الظلامُ وعادَ حَيَّاً * * * أبو سُفيانُ ينفخُ في الظلامِ

-ناجي الحرز

الأربعاء 19 / 4 / 1317 ه

الهفّوف ـ الأحساء

388

الأستاذ ناجي الحرز

إمتازت قصيدة الحرز برشاقة القفز على الموضوع عندما ترك الشاعر المداخل التقليدية المثبّتة للولوج فدخل من النوافذ لا من الأبواب بل تسلّق أسوار الموضوع من الواجهات الخلفية فاختار زاوية نظر ذاتية بعيداً عن التسجيل المباشر والتوثيق المطابق والإيغال في التفاصيل.

تبدأ القصيدة بإعلان الحيرة المتكررة كل عام مع حلول الذكرى التي تختطف فروسية الكلام وشجاعته ، فمع وقوف الشاعر بأدواته الفنية وتأملاته الجمالية لكن الحروف تنطفئ عندما تكشف الرؤيا الشعرية أمام الشاعر صورة الإمام الحسين (عليه السلام) غريقاً بين السيوف والسهام ، فيترك الشاعر القصيدة ويرفع لافتة الدموع المقابلة لحالة الوجد المرتعش في عظامه والمصوَّرة ـ ببراعة ـ بهيئة ركب أو موكب موالات محتاج للاُنس الذي يجده في الدموع ولا يجده في القصيدة.

فالحرز يُعلف هيامه ووجده في مسيرته نحو الجرح الخالد وهو يجترح ـ بشاعريته ـ خطاه التي تحمل لهفته وشوقه للقاء فيسمع ثم يرى ويتخلص إلى نداء الليلة ومطالبتها بالعودة إلى زمنه الحاضر في شكل إسقاط تأريخي يقارن فيه بين زمنين ويُعلن عن حاجة زمانه إلى طفٍ جديد وفتح قدسي يمتد على كل الأرض :

أليلةَ يومِ عاشوراءَ عودي * * * بكلِّ الصحوِ والهممِ العظامِ

وصبّي النورَ في شرقٍ وغربٍ * * * وليس على عراقٍ أو شآمِ

389

39 ـ للشيخ نزار سنبل (1)

حوار في دائرة الضوء

يجلس أصحاب الحسين (عليه السلام) يتحدّثون فيما بينهم :

في هُدوء الظلامِ يَفترش الر * * * مل كماةٌ من الهُدى أمناءُ

قد اُديرت حكايةُ الزمنِ الما * * * ضي وما قد تفوّهَ الأنبياءُ

خيرةُ الناس في الزمان رجالٌ * * * حضَنتْهُم في تُربها كربلاءُ

في غدٍ تُفرشُ الجنانُ الروابي * * * ويلمُّ السعادةَ الشهداءُ

فعَلتْ في ثغورهم بسماتٌ * * * إيهِ يا قوم إنّنا السعداءُ

يأتي الإمام الحسين (عليه السلام) فيجمع أصحابه ويخاطبهم :

لفَّ جنحُ الظلام أودية الأر * * * ض فأَغفت عيونها الأعداء

____________

(1) هو : الفاضل والشاعر الشيخ نزار بن محمد شوقي بن عبد الرزاق بن الشيخ بدر آل سنبل ، ولد سنة 1385 ه في الجش إحدى بلاد القطيف ، التحق بالحوزة العلمية بعد إنهائه شطراً من الدراسة الأكاديمية سنة 1401 ه ودرس في القطيف والنجف الأشرف وأخيراً في قم المقدسة حيث يحضر الآن البحث الخارج ، ومن نتاجه الأدبي : 1 ـ ديوان شعر 2 ـ أهل البيت في الشعر القطيفي المعاصر 3 ـ رواية ـ عندما يُرفع الستار ( عقائدية ) ، كما نُشرت له بعض القصائد في مجلتي الموسم والتوحيد ، ومن نتاجه العلمي 4 ـ تقرير بحث الخارج فقهاً واُصولاً لبعض الأساتذة الأعلام ، وله أيضاً مشاركة في النوادي الأدبية والثقافية.

390

والدروبُ السمراءُ تعتنق اللي * * * ل بشوقٍ فتختفي الأشياء

قد وَفيتُم وليس غيريَّ مطلو * * * باً لدى القوم أيّها الأوفياء

ارتدوا الدربَ في الخفاء سراعاً * * * واركبوا الليل أيّها الأزكياء

فيقوم أخوه العباس (عليه السلام) ويتبعه بنو هاشم فيقولون :

أفنمضي وأنت وحدكَ تبقى ؟ * * * ليس هذا من شيمة النبلاءِ

أفنمضي لكي نعيش فنشقى ؟ * * * قد أبينا الحياة في الظلماءِ

ثم يتوجه الإمام (عليه السلام) نحو بني عقيل ويقول :

حسبكُم مسلم العظيمُ شهيدا * * * فاذرعوا الليل خلسةً والبيدا

ولكنّهم يجيبونه :

نحن ... نحن ... الفداء والقربانٌ * * * إنما أنت بالقلوب تُصانُ

كيف نمضي وما تعرَّت ذراعٌ * * * واكتوى خافِقٌ وبُحَّ لسانُ

ثم يقوم مسلم بن عوسجة الأسدي ويُشير إلى معسكر الأعداء فيقول :

السياجُ الذي تلوَّثَ بالحق * * * دِ ذئابٌ ممسوخةُ الألوانِ

أيّ عذرٍ إذا التحم القومُ * * * فأقعت عن نَصركُم ساعدانِ

لا يراني الإلهُ أهربُ خوفاً * * * سوف أمشي للحرب والميدانِ

إنّ سهمي مرماه صدرُ الأعادي * * * ورماحي مشتاقةٌ للطعان

ويقوم سعيد بن عبد الله الحنفي فيقول :

لو قُتلنا سبعين قتلة عزٍّ * * * ما تركناك للسيوف طعاما

وسنبقى ليعلم الله أنّا * * * قد حفظنا فيك العهود ذماما

ويقوم زهير بن القين ويقول :

391

قد وددت الممات ألفاً وكانت * * * لغةُ القتل للحسين وقاءا

إنّ روحي على يديَّ وأمشي ؟ * * * حاشَ لله أن أروم بقاءا

إنها النعمة الكبيرة تنصبُّ * * * لأُلقي لها الفؤاد إناءا

فرحةُ النفس أن تروح فداءا * * * لحسينٍ فترتدي الأضواءا

ويتكلّم جماعة أصحاب الإمام (عليه السلام) بكلام يشبه بعضه بعضاً فيقولون :

قد أبت أنفسُ الكرام انهزاما * * * وأحطناك سيّداً وإماما

في غدٍ نُطعمُ المواضي قلوباً * * * ونهزّ الرماحَ والأعلاما

شرفٌ أن نموت دون حسينٍ * * * ونفوسٌ نفدي بها الأسلاما

وهنا يشكرهم الإمام (عليه السلام) على موقفهم هذا :

لكم الجنّة الموشّاةُ بالنور * * * وفائي وعينُ كلّ وسامِ

أنتمُ الهالة المضيئة سرٌّ * * * غرقت فيه قصة الأيامِ

في غدٍ تنطوي الحياة ولكن * * * سوف تحيونَ في نفوس الكرامِ

كلُّ فردٍ يلقى المنيّة دوني * * * دمه الماءُ في عروق النوامي

صوت يجيء من وراء الغيب :

بارك الله في النفوس نفوسا * * * عانقت في الوغى السيوف عروسا

-نزار سنبل

الخميس 1 / 11 / 1416

392

الشيخ نزار سنبل

ما نفّذه العسيلي في ملحمته من وحدة البحر واختلاف القوافي نفذه الشيخ نزار سنبل في (32) بيتاً من ملحمة مصغرة من بحر الخفيف ومن قوافٍ متعددة تحت عنوان يشعّ شعراً ـ أيضاً ـ هو ( حوار في دائرة الضوء ).

ويبدو الشيخ نزار سنبل هنا وهو يدور حول الحادثة بعينيّ فنانٍ تشكيلي تقتنصان ما يجري لتوصلاه إلىٰ مخزن التأمل والرؤيا عند الشاعر فمثلاً :

الدروب السمراء تعتنق الليل * * * بشوقٍ فتختفي الاشياء

أو :

السياج الذي تلوث بالحقد * * * ذئابٌ ممسوخة الألوانِ

لكم الجنة الموشاة بالنور * * * وفائي وعين كل وسامِ

أنتم الهالة المضيئة سرٌ * * * غرقت فيه قصة الايامِ

وتتم عملية تحويل الصور الملتقطة ألواناً وخطوطاً وظلالاً إلى لغة مركّزة وتراكيب كثيفة تبتدئ المقطعين الاولين من الظلام لتدخل إلى المكان بطريقة سرديّةٍ مستقاة من تقنيات القصة القصيرة أو الأدب الروائي في الاستهلال المكاني فنرى المقطع الاول يبتدئ هكذا :

فى هدوء الظلام يفترش الرمل * * * كماةٌ من الهدى أمناءُ

وفي المقطع الثانى :

لفّ جنح الظلام أودية الارض * * * فأغفت عيونها الاعداء

393

ثم تبتدئ الحوارات في تقابلها من جميع الأطراف يصعّدها الايجاز والإختصار في درامية شفّافة تسجل لنزار سنبل تمكناً واضحاً في إستخدام لغة المسرح وأدواته فنرى مثلاً حوار زهير بن القين مع الإمام (عليه السلام) :

قد وددت الممات الفاً وكانت * * * لغة القتل للحسين وقاءا

إنّ روحي على يديَّ وأمشي * * * حاش لله أن أروم بقاءا

إنها النعمة الكبيرة تنصبّ * * * لأُلقي لها الفؤاد إناءا

فرحة النفس أن تروح فداءا * * * لحسين فترتدي الاضواءا

ولا تسلم تقنيات فن السينما من توق الشاعر إلى إستخدام كل الطرق والوسائل التعبيرية الفنية الممكنة ليوصل القارئ إلى ما يريد فمقاطع قصيدته لقطاتٌ سينمائيّة قريبة ومتوسطةٌ وبعيدة يلمّها مونتاج متتابع في تشابكٍ من خارج بناء القصيدة يمنحها إيقاعاً صورياً يقطعه ( صوت يجي من وراء الغيب ) ليعلن نهاية المشاهد وانغلاق دائرة الضوء.

إن قصيدة الشيخ نزار قصيدة ذاهبة إلى المستقبل والتجدّد بكفاءة أدواتها وكثافة رؤاها وأشكالها المتحركة على محاور تعبيرية متعدّدة ناقلةً ولاءها وإخلاصها عبر تقاطع أبعاد الزمان وهي من نصوص المجموعة المتفوقة في عطائها.

394

40 ـ إرجوزةُ للشيخ هادي آل كاشف الغطاء (1)

من الارجوزة الحسينية

الإمام (عليه السلام) ينعىٰ نفسه

واعتزلَ الحسينُ وَهو يُنْشِدُ * * * وَسيفُهُ أمامَهُ مُجرّدُ

يا دَهرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَليلِ * * * كمْ لك بالإشْراقِ وَالأصيلِ

مِنْ صاحبٍ أو طِالبٍ قتيلِ * * * والدّهرُ لا يَقْنَعُ بالبَديلِ

وَكلُّ حيّ سالكٌ سبيلي * * * ما أقَربَ الوَعْدَ من الرّحِيلِ

وقدْ وَعَتْ هذا النشيدَ زَينبُ * * * وَكادَ قَلْبُها له ينْشعبُ

قالت أُخيَّ يا عزيزَ أهلي * * * هذا كلامُ موقنٍ بالقتلِ

قال لها نعم أيا أختاهُ * * * قالت له بعدك واثكلاهُ

يَنْعىٰ إليَّ نفسَهُ الحسينُ * * * يقولُ قدْ دنا إِليَّ الحينُ

وَشقّقَتْ جيُوبَها النساءُ * * * وَقدْ عَلا العَويلُ وَالبُكاءُ

____________

(1) هو : العلامة الحجة الشيخ هادي بن الشيخ عباس بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء النجفي (قدس سره) ، ولد في النجف الأشرف سنة 1289 ه ، وتوفي سنة 1361 ه ، وقد نشأ في ظلال أسرة كريمة معروفة بالعلم ، تتلمذ ـ (عليه الرحمه) ـ على يد الآخوند وشيخ الشريعة واليزدي ـ عليهم الرحمة ـ ، ومن مؤلفاته 1 ـ مستدرك نهج البلاغة 2 ـ مدارك نهج البلاغة 3 ـ شرح شرائع الإسلام 4 ـ هدى المتقين ( رسالة عملية ) 5 ـ المقبولة الحسينية ( ملحمة ) راجع : أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 9 ، ص 224 ، الملحمة الكبرى ( أو المقبولة الحسينية ).

395

وأمُّ كلثومٍ غَدَتْ تنادي * * * تندبُ بالآباءِ والأجدادِ

وا أبتاهُ وا محمّداهُ * * * وَوا عليّاهُ وَوا أخاهُ

تَقُولُ واضَيْعَتَنا جميعا * * * بعدكَ إذْ تَغْدوا لقىٰ صريعا

قالَ تَعَزَّيْ بعزاءِ اللهِ * * * وَفوّضي الأمرَ إلىٰ الإلٰهِ

فكلُّ مَنْ فوق الثرىٰ لا يبقىٰ * * * وَإنّ سكّانَ السماءِ تفنىٰ

صبراً إذا أنا قُتلتُ صبراً * * * فلا تَقُلْنَ بعد قتلي هَجراً

وَلا تَشُقّنّ عَليَّ جَزَعا * * * جَيْباً وإنْ جَلَّ المُصابُ مَوقعا

وقد روىٰ المفيدُ في الإرشادِ (1) * * * مُذْ سمعتْ زينبُ بالإنشادِ

قامتْ تجرُّ الثوبَ وهيَ حَسْرىٰ * * * الىٰ أخيها لا تُطيقُ صَبْرا

قالتْ لَهُ يا ليتَ إنَّ موتي * * * أعدمَني الحياةَ قَبلَ الفوتِ

اليومَ ماتتْ أُميَ الزَهّراءُ * * * وَماتْت الاخوةُ وَالأبناءُ

الإمام (عليه السلام) يُهدّئ خواطرَ العقيلات ويأمرهن بالصبر

والتسليم والرضا بقضاء الله

قالَ لَها وَشأنُهُ الكِتْمانُ * * * لا يُذْهِبَنَّ حِلْمَكِ الشّيْطانُ

وَهوَ الذيّ لَمْ يكُ بالجزَوعِ * * * ترَقرَقتْ عيناهُ بالدّموعِ

ثمَّ هَوَتْ مَغْشِيّةً عَلَيْها * * * فقامَ ـ جلَّ صبرُه ـ إليها

عنْ نفسِهِ بنفسه عَزَّاها * * * وبَالرّضا وَالصبرِ قَدْ أوْصاها

____________

(1) الإرشاد للشيخ المفيد : ص 232.

396

مجيء الجيوش والتضييق علىٰ الحسين

(عليه السلام)

وَاقبلتْ جيوُش آلِ حرْبِ * * * حتّى بهم قدْ ضاقَ كلُّ رَحْبِ

جاءَتْ لهُ بخيلها وَالرّجْلِ * * * كأنّها تطِلبُهُ بِذَحْلِ

عشرون ألف فارسٍ بَلْ زادوا * * * وَالرّاجلونَ ما لَهم عِدادُ

فضيّقوا علىٰ الحسينِ السّبُلا * * * وَمَنَعوهُ سَهْلَها وَالجبَلا

وَشَمّروا ثِيابَهمْ للحَرْبِ * * * واسْتَسهَلوا لذاك كلَّ صَعْبِ

تأجيل الحرب إلىٰ الصبح

فقالَ للعباسِ سِرْ للقَوْمِ * * * واصْرِفْهُمُ بياضَ هذا اليومِ

لَعَلَّنا لرَبّنا نُصلّي * * * في هذه الليلة ذاتِ الفضلِ

وَقدْ توقَّفَ ابنُ سعد عُمَرُ * * * والخيرُ مِن أَمثالِه لا يَظْهرُ

لكنَّ بعضَ القومِ من أتباعِهِ * * * أبدىٰ لَهُ المَلامَ في امتناعِهِ

قال : لو انّ غيرَهُم إِلينا * * * جاؤوا وَرامُوا ذاك ما أبينا

كيفَ وَهُمْ اَجلُّ ساداتِ العَرَبْ * * * وَهُمْ سُلالَةُ النبيِّ المُنْتَجَبْ

فقالَ ذلكَ الظَّلومُ المعتدي * * * إنّي قد أجّلْتُهُم إلىٰ غَدِ

397

الإمام (عليه السلام) يأذن للأصحابه بالتفرق

والسِّبْطُ لَيلاً قد دعا أصحابَهُ * * * مُوَجِّهاً إليْهِمُ خِطَابَهُ

فقالَ بعدَ الحمدِ والثناءِ * * * والشكرِ للمُنعمِ ذى الآلاءِ

إنّي لا أعلمُ فيما أعلمُ * * * أوفى ولا أصلحَ صَحباً منكُمُ

وَلست أَدري أَهل بيتٍ أَفضلا * * * من أَهلِ بيتي نَجْدَةً وأَوْصلا

جزاكُم اللهُ جميعاً خَيْرا * * * وَلا رَأَيْتُم ما حَييتُم ضَيْرا

ألا وإنّي قَدْ أَذنْتُ لَكُمُ * * * فانطلقوا لا عَهْدَ لي عليكُمُ

والليلُ قَدْ أَجَنَّكُمْ وأَقْبَلا * * * فاتخذوهُ للنجاةِ جَمَلا

والقومُ لا يبغونَ غيري أَحَدا * * * فارتحِلوا لِتَسْلَموا مِنَ الرَّدَىٰ

جواب أهل بيته

(عليهم السلام)

فَابتدأ العبّاسُ في مقالِهِ * * * وَقدْ جرىٰ الصَّحْبُ علىٰ منْوالِهِ

قالوا جميعاً : وَلماذا نفعلُ * * * نَظَلُّ أَحياءً وَأَنت تُقْتَلُ

فَلا اَرانا اللهُ ذاكَ أَبَدَا * * * وَليتَ أنّا لَكَ قَدْ صِرْنا فِدا

قالَ مُخاطباً بني عقيلِ * * * حَسْبُكُمُ مُسلم مِنْ قتيلِ

وَعندَ ذا تكلّموا جَميعا * * * وَقدْ أَبَوْا عنْ عَزْمِهمْ رُجُوعا

وَأَقسموا أَنْ لا يفارُقوهُ * * * يَوماً وَبالأَنْفُسِ أَنْ يَقوهُ

فالعيشُ من بعدِ الحسينِ يَقْبُحُ * * * وبَعدَه الحياةُ ليست تَصْلُحُ

398

جواب أصحابه

(عليهم السلام)

ثُمّ تلاهم مسلمُ بنُ عَوْسَجَهْ * * * قالَ مَقالاً صادقاً ما أَبْهَجَهْ

نحنُ نُخَلّيكَ كذا وَنسري * * * وَقدْ أَحاطَ فيكَ أهلُ الغَدْرِ

ما العُذرُ عندَ اللهِ في أداءِ * * * حَقِّك وَهْوَ أوجبُ الأشياءِ

لأحْفَظَنَّ غَيْبَةَ الرسولِ * * * بالنفسِ والكثيرِ والقليلِ

لوْ لَمْ يَكُنْ معي سلاحٌ أبدا * * * قَذَفْتُهُمْ بالصَّخْرِ حتّىٰ يَنْفَدا

سبعين مرّةً لَو انّي اُقتلُ * * * أُحْرَقُ مثلَها بنارٍ تشعلُ

ثم أُذَرّىٰ بعدُ في الهواءِ * * * ما ملْتُ عنْ نصري وَلا وَلائي

فكيفَ وَهي قتلةٌ وَبعدَها * * * كرامَة خالقُها أَعدَّها

وَقامَ بعدَ مسلمٍ زهيرُ * * * وَكلُّهُمْ يُؤْمَلُ فيه الخيرُ

قالَ وَدَدْتُ لَو قُتلْتُ ألفا * * * وَيدفعُ اللهُ بذاكَ الحَتْفَا

عنكَ وَعنْ فتْيانِك الأبرارِ * * * ذوي الإبا وَالعزِّ وَالفِخارِ

تَكلّم الباقونَ منْ أَصحابِهِ * * * والكلُّ قدْ أَجادَ في جوابهِ

قالوا لَهُ أَنْفُسُنا لَكَ الفِدا * * * نقيك بالأَرواح مِنْ بَأسِ العِدىٰ

فإنْ قُتِلْنا فلقدْ وَفينا * * * وقدْ قَضَيْنا لكَ ما علينا

399

الحضرمي يعلن عن تصميمه الصادق علىٰ

ملازمة الإمام (عليه السلام) وفدائه

وَقدْ أتَىٰ للحَضْرَمِيِّ الخبرُ * * * أنّ الأعادي لابنه قدْ أَسروا

قالَ قَدْ احْتَسَبتُهُ وَنفسي * * * عندَ إلهي إذ أحلّ رَمْسي

ما كنتُ أهوىٰ بَعْدَهُ بقائي * * * وَهوَ أسيرٌ في يدِ الاعداءِ

دعا لَهُ سِبْطُ الهُدىٰ بالرّحمهْ * * * لمّا رأىٰ أمرَ ابنِهِ أهمّهْ

قال لَهُ من بيعتي في حِلٍّ * * * أنت فَسِرْ وَلا تُقِمْ من أجلي

واطلُب نجاةَ ابنكَ من هلاكِهِ * * * وَاعملْ بما يُجْديك في فَكَاكِهِ

قالَ السِّباعُ أكلتني حَيّاً * * * إنْ رُمتُ عنكَ مَوْضَعاً قَصَيّا

فانظرْ رَعاكَ اللهُ ما أوْفاهُ * * * وَما أَبرَّهُ وَما أتقاهُ

وَهكذا فَلْيَكُنِ الإيمانُ * * * والحبُّ وَالوفاءُ وَالعرْفانُ

لَمْ يَعْتذرْ وَعُذْرُهُ مَقبوُلُ * * * وَما انثنىٰ وَرزْؤهُ جَليلُ

مضىٰ مَضاءَ الصارمِ الصقيلِ * * * في طاعةِ المهيمنِ الجليلِ

عنْ ابنهِ وَهو أسيرٌ أعْرَضا * * * وفَوّضَ الأمرَ لمالكِ القضا

لَمْ يَفْتَتنْ قَطُّ بِتلكَ المِحنهْ * * * والولْدُ للأبِ العطوفِ فتنهْ

حقٌّ بأنْ نرْثي لمِثلِ حالِهِ * * * وَحَقَّ انْ نبكي علىٰ أمثالِه

400

إحياء ليلة عاشوراء بالعبادة

والسِّبْطُ والصَّحْبُ اُولو الوفاءِ * * * باتُوا بِتلْكَ اللَّيْلةِ اللَّيْلاء

لَهُمْ دَويٌّ كَدَويِّ النَّحلِ * * * من ذاكرٍ للهِ أو مُصَلِّ

صلاةَ عبدٍ خاشعٍ مُوَدّعِ * * * يدعوه بالخضوعِ وَالتضرّعِ

أحْيَوا جميعَ الليلِ بالعباده * * * فأدركوا سعادةَ الشهاده

وَأَصبحوا مثلَ الليوثِ الضاريه * * * قد أَرْخَصوا النفوسَ وهي غاليه

لَذَّ لَهُمْ طَعمُ المنايا وَحلا * * * في طاعةِ الرّحمنِ جلَّ وَعلا

طابَ وَراقَ لهُمُ المماةُ * * * والموتُ في نصر الهدىٰ حياةُ

فاستقبلوا الموتَ بجأْشٍ ثابتِ * * * وعَزمِ شهمٍ للحياةِ ماقتِ

استبشار أصحاب الإمام

(عليه السلام)

قالَ بريرٌ لابنِ عبد رَبِّهِ * * * لّما رأىٰ تأنيبَهُ بِعَتْبِهِ

قدْ عَلِمَ القومُ جميعاً أنّني * * * ما مِلْتُ للباطلِ طولَ زَمَني

وإنّما أفعلُ ذا استبشارا * * * بما إليْه أمرُنا قدْ صارا

ما هوَ إلاّ أنْ نخوضَ الحَرْبا * * * بالسُّمْرِ طَعْناً وَالسيوفِ ضَرْبا

وَبَعْدَها لا نَصَبٌ وَلا عَنا * * * نُعانِقُ الحُورَ وَنحظىٰ بالمُنىٰ (1)

____________

(1) الملحمة الكبرى لواقعة الطف : للشيخ هادي كاشف الغطاء : ص 63ـ 75.

401

اُرجوزة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء

منظومة تأريخية جليلة قامت بتوثيق المجريات والأحداث والاقوال والشخصيات توثيقاً تطابقياً دقيقاً.

ومما لا يخفى أن هذا المنحى في نظم المزدوجات من بحر الرجز هو طريقة مدرسية أكاديمية لتسهيل حفظ المطالب والدروس في العلوم المختلفة ومن أشهر أمثلتها ( الفية ابن مالك ) في النحو ومنظومة السبزواري في الحكمة.

وتكون هذه المنظومات عادة وفيّة للمادة التي تعالجها أو الموضوع الذي تطرحه ولا تولي اهتماماً لفن الشعر وجماليته ، ولغتها على العموم الغالب لغة العلم النثرية القائمة على الإخبار ونقل المعلومات بتقريرية ومباشرة لا مجال للشاعرية والتأمّلات الجمالية فيها ، فروحها روح علمية وصلتها بالأدب والشعر صلة علميّة أيضا فهي تعتني بعلم العروض كثوب لها وتختار من نظام التقفية نظام المزودجات لسهولته ولعدم قناعتها في الإيغال بفنون القوافي ..

402

41 ـ للشيخ هاشم الكعبي (1)

إنّها كربلاء

وكأنّي بها عشيةَ ألقى * * * سبطُ خيرِ الورى الركابَ لداها

يسألُ القومَ وهو أعلمُ حتى * * * بعد لأيٍ أن صرّحوا بسماها

إنّها كربلا فقال استقلوا * * * فعلينا قد كرّ حتمُ بلاها

فلديها قبورُ مختلفِ الزوّار * * * فيها صباحُها ومساها

وبها تُهتَكُ الكرائمُ منّا * * * ورؤوسُ الكرامِ تعلو قناها

وتبدّت شوارعُ الخيلِ والسمر * * * وفرسانُها يرفّ لواها

تتداعى ثاراتُ بدرٍ ولمّا * * * يكفها كبدُ حمزةٍ وكلاها

فدعا صحبَهُ هلموا فقد أسمع * * * داعي المنون نفسي رداها

كنتُ عرّضتكُم لمحبوبِ أمرٍ * * * أن تروا فيه غبطةً وارتفاها

فإذا الأمرُ عكسُ ما قد رجونا * * * محنةٌ فاجأت وأُخرى ولاها

فأجابَ الجميعُ عن صدقِ نفسٍ * * * أجمعت أمرَها وحازتْ هُداها

____________

(1) هو : شاعر أهل البيت (عليهم السلام) الحاج الشيخ هاشم بن حردان الكعبي الدورقي ، ولد ونشأ في الدورق مسكن عشائر كعب في الأهواز ثم سكن كربلاء والنجف توفي سنة 1231 ه ويعد من فحول الشعراء وفي طليعتهم ، له ديوان أكثره في الأئمة (عليهم السلام). راجع أدب الطف للسيد جواد شبر : ج 6 ، ص 218 ـ 219.

403

لا نُخلّيكَ أو نُخلّي الأعادي * * * تتخلّى رؤوسُها عن طلاها

أو تنالَ السيوفُ منّا غذاها * * * أو تروي الرماحُ منّا ظماها

ثم مع ذاك لم يكن قد قضينا * * * من حقوقٍ لزمْنَنا أدناها

كيف تقضي العبيدُ من حقّ مولىً * * * شكرُ نعماهُ نعمةً أولاها

فجزاها خيراً فليت لنفسي * * * بعضُ حظٍّ مما به قد جزاها

واستباتت على الوفا تتواصاه * * * وأضحى كما تواصت وفاها

تتهادى إلى الطعان اشتياقاً * * * ليت شعري هل في فناها بقاها

ولقد أخبر الرواةُ حديثاً * * * صحَّ لي عن طريقتي وهداها

أنه لم يُصب حُسيناً من القوم * * * جراحٌ إلا عقيبَ فناها

لم تكن ترتقي إليه سهامٌ * * * دون أن نفتدي حشاهُ حشاها

تتلقّى نحورُها البيضَ والسمرَ * * * ومقصودُها لنحرٍ سواها

ذاكَ حتى ثوتْ موزَّعةَ الأشلاءِ * * * صرعى سافي الرماح كساها (1)

____________

(1) ديوان الشيخ هاشم الكعبي : ص 13 ـ 14.

404

42 ـ للسيد وائل الهندي (1)

ليلة الوجل

قِفْ حاسراً ودُرِ المطيةَ وارتجلْ * * * في حقِّ من أدمى المدامعَ والمُقلْ

واحلل هُنالك ما حَييتَ موفيّاً * * * رُزءاً بكته المعصراتُ ولم يزلْ

وذرِ القوافي تستدرّ بُحورَها * * * بدمٍ يُسالُ مدى الزمان وما انبتلْ

واخطب هُنالك في فيافي كربلا * * * لا زال يفتُكُ سيفُ حُقدكِ لم يُكَلّْ

أفلا علمتِ بأن ثقلَ محمدٍ * * * بكِ قد أقرَّ ركابَه أمناً وحَلّْ

أفهل ضيوفٌ مثلُ آلِ محمدٍ * * * قَدِمُوا عليكِ ليستضيفُوا أو أجلْ

مالي أراكِ وقد عَبستِ فجُعجَعتْ * * * حرمُ الرسولِ فجودُ يُمناكِ الوَجلْ

ما خلتُ ذكراهُم وقد سُدلَ الدُجى * * * إلا وداجي الحزن في قلبي انسدلْ

تالله لا أنسى العيالَ وزينباً * * * وبكاءَها خلفَ الحسينِ وقد رحلْ

أفلا يُهيجك يا حسين بكاؤنا * * * أم حِرتَ بين إجابةٍ ولقا الأجلْ ؟؟

نادتك شرساءُ المنيةِ عاجلاً * * * فأجبت صارخةَ النداءِ بلا وَجلْ

أفلا ترى الأطفالَ ليلةَ عاشرٍ * * * إذ غار في أحداقها ومضُ الأملْ

____________

(1) هو : الشاعر السيد وائل بن السيد هادي بن السيد حسين بن السيد باقر الهندي الشاعر الحسيني المعروف ، ولد سنة 1394 ه في الكاظمية ـ العراق ، أكمل الاعدادية ، التحق بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة سنة 1411 ه ، له مجموعة شعرية وله مشاركات في النوادي الأدبية والدينية.

405

هذا يُنادي واحسينُ وآخرٌ * * * يبكي وأُخرىٰ لا تقوم من العللْ

وتصيح أُخرى من يصون خدورنا * * * مَن ذا يغيرُ على العدوّ إذا حملْ

أَأُخيَّ صاحت زينبٌ من ذا لنا ؟ * * * فيكون كهفاً إن أتى رزءٌ جللْ

أتُرى تكونُ كهوفُنا سِرب القنا * * * ويكون مُؤوِينا الخباءُ لو اشتعلْ ؟!

ونفرُّ بالبيدا ونحنُ حواسرٌ * * * ويكونُ حامينا العليلُ وقد حجلْ !

اليوم يحمينا الحسينُ يُظلّنا * * * وغداً حيارى دون حامٍ أو ظُلَلْ

نبكي ولكن لا يرقُّ لشجونا * * * غير السياط كخطف برقٍ قد نزلْ

-وائل الموسوي

9 / ذو القعدة / 1416 ه

406

43 ـ للشاعر الأستاذ يقين البصري (1)

مخاض النجوم

قلبٌ على شِفَةِ الرملِ الحَرُوق صبا * * * فعاد من هَمْسِهِ المذبوح شوطَ إبا

يجتازُ أفياءَ دنيانا إلى خَلَدٍ ... * * * لمكفهرِّ المنايا يبتغي طلبا

يُطلُّ من لغةٍ ظمياء مُلهِمَةٍ * * * بيانُها مُخْرِسٌ من قالَ أو خطبا

وقد تجحفلَ شوكُ الأرض أجمعُهُ * * * يحاصرُ الدينَ والأخلاق والكُتبا

تململَ الفَلكُ الدوّارُ معتذراً * * * أنْ يُطلعَ الفجرَ أو أنَ يكشف الحُجبا

وطالَ ليلٌ كأنَّ الدهر عضَّ بهِ * * * على نواجذهِ اليَهماء واضطربا

هنا تَبتّلَ انجيلٌ فرتلّهُ * * * فمُ الزّبور مع القران مُنتحبا

هنا على النهر ترنو ألفُ مشنقةٍ * * * إلى الصباح لتُطْفي الشمسَ والشُهُبا

هنا زفيرُ المنايا الحُمرِ منتظرٌ * * * مخاضَةُ الصعب مزهوّاً ومنتصبا

وقد تدافَعت الدنيا بكلكلها * * * على ابنِ فاطمةٍ ما اهتزَّ وارتعبا

تجوبُ وارفةُ الآمالِ خيمتَهُ * * * بذي الفجاج ويزدادُ الأسى طربا

ويرمقُ الأفقَ يُذكي جمرَهُ عَطشاً * * * فيستطيبُ احتدام المجد واللهبا

غداً تُمزُّقني هذي السيوف لمن ؟ * * * لتكتسي الزَبَدَ المزدولَ والكذبا

____________

(1) هو : الشاعر المبدع الأستاذ يقين البصري ، ولد في البصرة سنة 1370 ه ، أنهى دراسته الأولية فيها ، ودخل جامعة بغداد ـ كلية القانون ـ سنة 1391 ه وتخرّج منها سنة 1395 ه ، وله مشاركات في الاحتفالات والمنتديات الأدبية والثقافية ، ومن نتاجه الأدبي ديوان شعر مخطوط وكتابات اخرى.