موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
51

..........

____________

و قد مرّ أن قصد الأمر الغيري غير معتبر في صحّة الوضوء، لعدم استناد عباديته إلى الأمر الغيري هذا.

بل لو قلنا بأن عبادية الوضوء نشأت من أمره الغيري أيضاً لا يجب تعيين المأمور به عند اجتماع غايات متعدِّدة، و ذلك لأن تعيين المأمور به لم يدل على اعتباره دليل و إنما نقول باعتباره في الموارد التي لا يتعيّن المأمور به و لا يتحقق إلّا بتعيينه و قصده و هذا كما إذا صلّى ركعتين بعد طلوع الفجر، لأنه لا بدّ من تعيين أنهما فريضة أو نافلة فلو لم يعين إحداهما بطلت، لتقوم كل من الفريضة و النافلة بقصدها و بتعيينها.

و هذا بخلاف المقام، لأن الواجب متعيّن في نفسه و لا حاجة فيه إلى التعيين، و ذلك لأن الحصّة الموصلة من الوضوء إلى صلاة الفريضة ممتازة عن الحصّة الموصلة إلى قراءة القرآن، و هي غير الحصّة الموصلة منه إلى زيارة الإمام (عليه السلام) فالحصص في أنفسها ممتازة كما أن ما يأتي به متعين في علم اللّٰه، لعلمه تعالى بأنه موصل للقراءة أو للزيارة، فبناء على أن عبادية الوضوء ناشئة عن أمره الغيري لا مناص من قصد أمره الغيري في صحّة الوضوء، إلّا أنه لا يجب عليه تعيين ذلك الأمر الغيري و أنه يأتي بالوضوء بغاية كذا، بل لو أتى به للتوصل به إلى شي‌ء من غاياته من دون علمه بأنه يأتي بالفريضة بعد ذلك أو بالزيارة أو بغيرهما صح، لأنه أتى به و أضافه إلى اللّٰه سبحانه بقصد أمره الغيري و هو متعيّن في علم اللّٰه سبحانه، لعلمه تعالى بأن هذا الوضوء هو الذي يوصله إلى الفريضة أو إلى النافلة أو إلى الزيارة و إن لم يعلم به المتوضي، لأنه إنما يعلم به بعد الإتيان بالغاية. و مع تعيّن المأمور به في نفسه و في علم اللّٰه سبحانه لا حاجة إلى تعيينه في مقام الامتثال، لأنه مما لم يدلّ دليل على اعتباره في الواجبات و إنما نعتبره فيما إذا توقف تحقق الواجب و تعيينه إلى التعيين كما في مثل النافلة و الفريضة أو القضاء و الأداء، هذا كله في غير النّذر.

52

و بعضهم إلى أنه يتعدّد بالنذر و لا يتعدّد بغيره (1) و في النّذر أيضاً لا مطلقاً بل في بعض الصور (2) مثلًا إذا نذر أن يتوضأ لقراءة القرآن و نذر أن يتوضأ لدخول المسجد فحينئذ يتعدّد و لا يغني أحدهما عن الآخر، فإذا لم ينو شيئاً منهما لم يقع امتثال لأحدهما و لا أداؤه، و إن نوى أحدهما المعيّن حصل امتثاله و أداؤه و لا يكفي عن الآخر، و على أي حال وضوءه صحيح بمعنى أنه موجب لرفع الحدث مسألة النّذر

____________

(1) الذي يظهر من عبارة الماتن (قدس سره) أن هذا تفصيل في المسألة بمعنى أن الأمر متعدِّد و المأمور به واحد إلّا في موارد النّذر، لأن المأمور به قد يتعدّد فيها و قد لا يتعدّد، إلّا أنه من قصور العبارة، لأن النّذر خارج عن محل الكلام رأساً حيث إن تعدّد الوضوء و وحدته فيه تابعان لقصد الناذر و نيّته و هو مما لا كلام فيه، و إنما البحث فيما إذا كان المأمور به متعدِّداً في نفسه لا من ناحية النّذر.

(2) و تفصيل الكلام في نذر الوضوء أن الناذر قد ينذر قراءة القرآن مثلًا متوضئاً و أيضاً ينذر زيارة الإمام (عليه السلام) متوضئاً و هكذا. و لا إشكال في عدم وجوب الوضوء متعدِّداً في هذه الصورة، لأنه لم ينذر الوضوء متعدِّداً و إنما نذر القراءة أو الزيارة و نحوهما، فإذا توضأ لأي غاية كان ثمّ قرأ القرآن و زار الإمام (عليه السلام) صحّ وضوءه و حصل الوفاء به، لأنه أتى بهما في حال كونه متطهراً فضلًا عمّا إذا توضأ للقراءة ثمّ أتى بالزيارة أو بالعكس و هذا ظاهر.

و أُخرى ينذر الوضوء للقراءة و أيضاً ينذر الوضوء للزيارة إلّا أنه لم ينذر تعدّد وجودهما، بمعنى أنه نذر الإتيان بالطبيعي الموصل من الوضوء إلى القراءة و أيضاً نذر الإتيان بطبيعة أُخرى منه موصلة إلى الزيارة، و أما أن يكون وجود كل من هاتين الطبيعتين منحازاً عن الآخر فلم ينذره، فحينئذ يحكم بتخيره بين أن يتوضأ وضوءاً واحداً و يوجد الطبيعتين في مصداق واحد، و بين أن يوجد كل واحد منهما بوجود‌

53

و إذا نذر أن يقرأ القرآن متوضئاً و نذر أيضاً أن يدخل المسجد متوضئاً فلا يتعدّد حينئذ و يجزئ وضوء واحد عنهما و إن لم ينو شيئاً منهما و لم يمتثل أحدهما، و لو نوى الوضوء لأحدهما كان امتثالًا بالنسبة إليه و أداء بالنسبة إلى الآخر، و هذا القول قريب.

____________

مستقل، و هذا كما إذا نذر إكرام عالم و نذر أيضاً إكرام هاشمي من غير أن ينذر تغايرهما في الوجود، فإنه إذا أكرم عالماً هاشمياً فقد وفى بنذره، و هذا مما لا إشكال فيه.

و ثالثة ينذر أن يوجد وضوءاً يوصله إلى القراءة، و ينذر أيضاً أن يوجد وضوءاً ثانياً يوصله إلى الزيارة، و حينئذ لا مناص من التعدّد في الوضوء، و هذا لا من جهة تعدّد الوضوء في نفسه من قبل غاياته، بل قد عرفت أن الوضوء لا يحتاج إلى التعدّد من ناحيتها، فإن له أن يتوضأ بوضوء واحد و يأتي بجميع غاياته، و إنما التعدّد من جهة نذره التعدّد بحيث لو أتى به مرّة واحدة يجوز له أن يدخل معه في الصلاة و يأتي بغيرها من غاياته، إلّا أنه لا يكون وفاء لنذره لأنه قد نذر التعدّد هذا.

و قد يقال في هذه الصورة إنّ نذر التعدّد حينئذ لا يخلو عن إشكال، لأن الوضوء من قبل غاياته إذا لم يكن متعدِّداً في الشريعة المقدّسة لكفاية الوضوء الواحد في الإتيان بجميع غاياته، فإن الطبيعة واحدة و لا يتعدّد من قبل غاياتها، فكيف يكون النّذر موجباً للتعدّد؟ لأن النّذر لا يصلح أن يكون مشرعاً للتعدّد فيما لا تعدّد فيه شرعاً، لوجوب مشروعيّة المنذور مع قطع النظر عن النّذر.

و لكن الصحيح أنه لا مانع من نذر التعدّد، و ذلك لأن كلامنا في أن المأمور به متعدِّد أو واحد في قول الماتن: (إنه لا إشكال في تعدّد الأمر، و إنما الكلام في تعدّد المأمور به و عدمه) إنما هو في أن المأمور به طبيعة واحدة و لا يتعدّد من قبل غاياتها أو أنها طبائع متعدِّدة بتعدّد غايات الوضوء، كما قالوا بذلك في الغسل من ناحية‌

54

[مسألة 32: إذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت و في أثنائه دخل لا إشكال في صحّته]

[571] مسألة 32: إذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت و في أثنائه دخل لا إشكال في صحّته (1) و أنّه متّصف بالوجوب (1) باعتبار ما كان بعد الوقت من

____________

أسبابه لا من ناحية غاياته، حيث قالوا إن الغسل من جهة الحيض طبيعة و من ناحية الجنابة طبيعة أُخرى و هكذا، و إن كانت هذه الطبائع تتداخل فيما إذا أتى بالغسل الواحد ناوياً للجميع، و قد ذكرنا أن التعدّد في طبيعة الوضوء من حيث الغايات لم يثبت فقلنا بكونه طبيعة واحدة و ماهيّة فأرده، فتعدّد الماهية و الطبيعة غير مشروع إلّا أن النّذر إنما تعلق بالفرد لا بالماهية و الطبيعة، فقد نذر أن يأتي بفرد من الوضوء لغاية كذا، و أيضاً نذر أن يأتي بفرد آخر منه لغاية أُخرى، و التعدّد في الفرد أمر سائغ شرعاً لبداهة أنه يجوز للمكلّف أن يتوضأ لصلاة الفريضة ثمّ يأتي بوضوء آخر لها ثانياً، فان التجديد للفريضة مستحب حيث إن الوضوء على الوضوء نور على نور فلا مانع من نذر التعدّد في الوضوء هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنا لو سلمنا فرضاً عدم مشروعية تجديد الوضوء للفريضة أيضاً، أو قلنا بأن التجديد إنما يسوغ فيما إذا أتى به ثانياً بعنوان التجديد لا بعنوان كونه مقدّمة لغاية أُخرى أيضاً، لا مانع من صحّة نذر التعدّد في الوضوء، و ذلك لأنه متمكن من أن يأتي بفرد من الوضوء أوّلًا ثمّ ينقضه ثانياً بالحدث ثمّ يأتي بفرد آخر من الوضوء وفاء لنذره، فإنه مع التمكن من إبطال وضوئه الأوّل لا مانع من أن ينذر التعدّد، لأنه لم ينذر أن يأتي بوضوءين متعاقبين بل له أن يحدث بينهما، و معه لا إشكال في مشروعية الفرد الثاني من الوضوء، فنذر التعدّد في الوضوء مما لا إشكال فيه.

إذا دخل الوقت في أثناء الوضوء

(1) نسب إلى العلّامة (قدس سره) الحكم ببطلان الوضوء حينئذ و الحكم‌

____________

(1) هذا مبني على اتصاف المقدّمة بالوجوب الغيري، و قد مرّ ما فيه.

55

أجزائه و بالاستحباب بالنسبة إلى ما كان قبل الوقت، فلو أراد نيّة الوجوب و الندب نوى الأوّل بعد الوقت و الثاني قبله.

____________

بالاستئناف، نظراً إلى أن ما قصده المكلّف قبل دخول الوقت من الاستحباب لا واقع له، لعدم تمكنه في الواقع من إتيان العمل المستحب و إنهائه لفرض دخول الوقت في أثنائه و تبدّل استحبابه بالوجوب. و لا يتمكّن من قصد الوجوب إذ لا وجوب قبل دخول الوقت فلا محالة يبطل وضوءه و يجب استئنافه (1) هذا.

و لكن الصحيح وفاقاً للماتن صحّة هذا الوضوء و عدم وجوب الاستئناف فيه. و الوجه في حكمنا بصحّته أنه لا يتوجه إشكال في صحّة الوضوء على جميع المحتملات في المسألة، حيث إن فيها احتمالات: لأنا إن قلنا بعدم اتصاف المقدّمة بالوجوب الغيري أصلًا كما بنينا عليه و قلنا إنه الصحيح (2) فلا إشكال في المسألة، لأن الوضوء حينئذ باق على استحبابه بعد الوقت أيضاً و لم يتبدل و لم ينقلب إلى الوجوب فهو متمكن من إتيان العمل المستحب من أوّله إلى آخره.

و أمّا إذا قلنا بوجوب المقدّمة و خصصنا وجوبها بالمقدّمة الموصلة كما هو المختار على تقدير القول بالوجوب الغيري في المقدّمة فكذلك لا إشكال في المسألة فيما إذا لم يوصله هذا الوضوء إلى الفريضة، كما إذا قرأ القرآن بعد ذلك ثمّ أحدث ثمّ توضأ للفريضة. و كذلك الحال فيما إذا خصصنا وجوبها بما إذا قصد به التوصل إلى ذيها كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3) إذا لم يقصد المكلّف من وضوئه هذا التوصّل إلى الفريضة، فإن الوضوء حينئذ باق على استحبابه بعد الوقت و لم يتبدل إلى الوجوب، فالمكلف يتمكن من إتيان العمل المستحب الذي قصده قبل دخول الوقت من مبدئه إلى منتهاه.

____________

(1) النهاية 1: 33.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 2: 438.

(3) مطارح الأنظار: 72/ 8.

56

..........

____________

و أمّا إذا قلنا بوجوب المقدّمة مطلقاً، أو خصصناه بالموصلة مع فرض كون الوضوء موصلًا له إلى الواجب، أو خصصناه بما قصد به التوصل إلى ذيها و فرضنا أن المكلّف قصد به التوصل إليه، فأيضاً لا إشكال في المسألة فيما إذا قلنا إن متعلق الأمر الغيري ليس هو متعلق الأمر الاستحبابي ليكونا في عرض واحد، و إنما متعلق الأمر الغيري هو إتيان العمل امتثالًا لأمره الاستحبابي لا ذات العمل فهما طوليان، نظير ما إذا نذر صلاة الليل أو استؤجر للصلاة عن الغير أو حلف بإتيان الفريضة، حيث إن متعلق الأمر النّذري أو الحلفي أو الإجاري ليس هو ذات العمل كالغسلتين و المسحتين في الوضوء حتى يكون في عرض الأمر المتعلق به نفساً، و ذلك لأن ذات العمل غير مفيدة في حق الحي و الميت و إنما المفيد هو الإتيان بالذات امتثالًا لأمرها و هو متعلق للأمر النّذري و شقيقيه. و عليه أيضاً لا إشكال في المسألة لعدم ارتفاع الاستحباب عن الوضوء بعد دخول وقته، بل هو باق على استحبابه و غاية الأمر طرأ عليه الأمر الغيري بعد الوقت، فالمكلّف متمكن من إتيان العمل المستحب من مبدئه إلى منتهاه.

و أما إذا قلنا إن متعلق الأمر الغيري هو الذات و أنه مع الأمر الاستحبابي في عرض واحد فعليه أيضاً لا إشكال في المسألة، لأن المرتفع حينئذ بعد دخول الوقت هو حدّ الاستحباب و مرتبته لا ملاكه و ذاته لأنه باق على محبوبيّته، و غاية الأمر قد تأكد طلبه فصار الاستحباب بحدّه مندكاً في الوجوب، و أما بذاته و ملاكه فهو باق فهو متمكن من إتيان العمل المستحب بذاته لا بحدّه فلا إشكال في المسألة. هذا كلّه على أنه لا محذور في اتصاف عمل واحد بالاستحباب بحسب الحدوث و بالوجوب بحسب البقاء حتى في الوجوب النفسي فضلًا عن الوجوب الغيري. و لقد وقع ذلك في غير مورد في الشريعة المقدّسة و هذا كما في الحج المندوب، لأنه بعد الدخول و الشروع فيه يجب إتمامه، و كذا في نذر إتمام المستحب بعد الدخول فيه، و في عبادات الصبي إذا بلغ في أثنائها، لأنها حين دخوله فيها مستحبة و في الأثناء تتصف بالوجوب، فهل يمكن الإشكال في صحّة هذه الأُمور حينئذ؟ كلّا.

57

[مسألة 33: إذا كان عليه صلاة واجبة أداء أو قضاء و لم يكن عازماً على إتيانها فعلًا فتوضّأ لقراءة القرآن فهذا الوضوء متّصف بالوجوب]

[572] مسألة 33: إذا كان عليه صلاة واجبة أداء أو قضاء و لم يكن عازماً على إتيانها فعلًا فتوضّأ لقراءة القرآن فهذا الوضوء متّصف بالوجوب (1) (1) و إن

____________

و السرّ في ذلك أن الاستحباب و الوجوب بعد اتحاد الطبيعة المتعلقة بهما لضرورة أن الوضوء الذي يؤتى به لقراءة القرآن أو قبل الوقت هو الذي يؤتى به للفريضة أو بعد دخول وقتها إما أن يكونا مرتبتين من الطلب، فالاستحباب مرتبة ضعيفة منه و الوجوب مرتبة قويّة، و عليه فالطلب الداعي للمكلف إلى الإتيان بالوضوء قبل الوقت طلب واحد شخصي باق إلى المنتهي، لأن الاختلاف في المرتبة لا ينافي التشخص و الوحدة، كالبياض الضعيف و القوي لأنه شي‌ء واحد لا متعدِّد. و إما أنهما اعتبار واحد و إنما يختلفان بانضمام الترخيص إليه و عدمه فإن انضم إليه الترخيص في الترك فيعبر عنه بالاستحباب، و إن لم ينضم يعبر عنه بالوجوب، و عليه فالأمر أوضح لأنهما شي‌ء واحد و قد أتى المكلّف العمل بداعي هذا الاعتبار و إن انضم إليه الترخيص في الترك قبل دخول الوقت و لم ينضم إليه بعده، نعم لا بدّ من فرض وحدة الطبيعة و عدم تعدّدها كما بيّناه.

فإذا كان هذا حال الاستحباب و الوجوب النفسي فما ظنّك بالاستحباب و الوجوب الغيري الذي لا نقول به أوّلًا، و على تقدير القول به نخصصه بالموصلة أو بقصد التوصل، و على تقدير التعميم أو فرض كونه موصلًا أو مقصوداً به التوصل نرى أن متعلقه هو الوضوء المأتي به امتثالًا لأمره الاستحبابي، و على تقدير أن متعلقه هو الذات لا نراه منافياً لذات الاستحباب و ملاكه و إن كان منافياً لحدّه و مرتبته. فكيف كان، لا إشكال في المسألة.

(1) بناء على وجوب مقدّمة الواجب مطلقا.

____________

(1) هذا مبني على عدم اعتبار الإيصال في اتصاف المقدّمة بالمطلوبية الغيرية على القول به، و هو خلاف التحقيق.

58

لم يكن الداعي عليه الأمر الوجوبي، فلو أراد قصد الوجوب و الندب لا بدّ أن يقصد الوجوب الوصفي و الندب الغائي بأن يقول: أتوضأ الوضوء الواجب امتثالًا للأمر به لقراءة القرآن (1)، هذا و لكن الأقوى أن هذا الوضوء متصف بالوجوب و الاستحباب معاً و لا مانع من اجتماعهما (2).

____________

(1) و لا يتمكن من أن يقصد الاستحباب الوصفي، لعدم كون الوضوء مستحباً حيث فرضنا أن مقدّمة الواجب واجبة.

(2) ما أفاده في هذه المسألة من أوّلها إلى آخرها يبتني على أُمور:

الأوّل: أن نقول بوجوب مقدّمة الواجب، إذ لو أنكرنا وجوبها فالوضوء مستحب لا وجوب فيه حتى يأتي به بوصف كونه واجباً و يجتمع مع الاستحباب أو لا يجتمع.

الثاني: أن نعمم وجوب المقدّمة إلى مطلقها و لا نخصصها بالموصلة أو بما قصد منه التوصل به إلى الواجب، و إلّا لم يكن الوضوء واجباً في مفروض الكلام لعدم كونه موصلًا إلى الواجب، لأنه يأتي بعده بغاية مندوبة على الفرض و لا يأتي بغاية واجبة كما أنه قصد به التوصل إلى الغاية المندوبة لا إلى الواجبة.

الثالث: أن يكون المقام من صغريات كبرى جواز اجتماع الأمر و النهي، لأن الماتن (قدس سره) إنما نفى المانع من اجتماع الوجوب و الاستحباب في المسألة بحسبان أنها من تلك الكبرى التي ألف فيها رسالة مستقلّة و هي مطبوعة و بنى على جواز اجتماعهما، حيث إن الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) و إن عنونوها بعنوان اجتماع الأمر و النهي إلّا أن المصرح به في محله عدم خصوصية للوجوب و الحرمة في ذلك، بل المبحوث عنه هناك هو جواز اجتماع كل حكمين متنافيين في شي‌ء واحد بعنوانين كالكراهة و الوجوب، أو الاستحباب و الكراهة و هكذا (1)، و إنما عنونوها بذلك العنوان‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 4: 306.

59

[مسألة 34: إذا كان استعمال الماء بأقل ما يجزئ من الغسل غير مضر و استعمال الأزيد مضراً يجب عليه الوضوء كذلك]

[573] مسألة 34: إذا كان استعمال الماء بأقل ما يجزئ من الغسل غير مضر و استعمال الأزيد مضراً يجب عليه الوضوء كذلك و لو زاد عليه بطل (1) (1) إلّا أن يكون استعمال الزيادة بعد تحقّق الغسل بأقل المجزي، و إذا زاد عليه جهلًا أو

____________

لشدّة التضاد بين الحرمة و الوجوب، و حيث إن للوضوء في المقام عنوانين فلا مانع من أن يحكم باستحبابه بعنوان و بوجوبه بعنوان آخر.

هذا و لكنك قد عرفت سابقاً أن المقدّمة لا تتصف بالأمر الغيري بوجه، ثمّ على تقدير التنزل فالواجب إنما هو حصّة خاصّة و هي التي تقع في سلسلة علّة ذي المقدّمة أعني المقدّمة الموصلة، ثمّ على تقدير الالتزام بوجوب مطلق المقدّمة لا يمكن المساعدة على إدراج المقام في كبرى مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي، و ذلك لأنه يعتبر في تلك المسألة أن يكون العنوانان و الجهتان من العناوين التقييدية، بأن يكون مركز اجتماعهما أمران و موجودان مستقلان و كان التركب منهما تركباً انضمامياً، فقد قال بعضهم فيه بالجواز، و اختار آخر الامتناع، و أما إذا كانت الجهة أو العنوان تعليلية و واسطة في الثبوت و كان المتعلق شيئاً واحداً و التركب اتحادياً فهو خارج عن تلك المسألة رأساً لاستحالة اجتماع حكمين متنافيين في مورد و لو بعلتين.

و حيث إن المقام من هذا القبيل، لأن الأمر الغيري من الوجوب و الاستحباب إنما يتعلق بذات المقدّمة، و عنوان المقدمية عنوان تعليلي و من الواسطة في الثبوت فيقال إن الوضوء واجب لأنه مقدّمة للواجب، و أنه مستحب لأنه مقدّمة للمستحب فلا محالة كان خارجاً عن كبرى مسألة الاجتماع، و لا مناص في مثله من الالتزام بالاندكاك أعني اندكاك الاستحباب في الوجوب و الحكم بوجوب الوضوء فحسب، و لا مجال للحكم باستحبابه و وجوبه معا.

استعمال الماء بأزيد ممّا يجزئ عند الضرر

(1) في هذه المسألة عدّة فروع:

____________

(1) في إطلاقه نظر كما مر.

60

نسياناً لم يبطل (1) بخلاف ما لو كان أصل الاستعمال مضرّاً و توضأ جهلًا أو نسياناً فإنّه يمكن الحكم ببطلانه (2) (1)

____________

منها: أن استعمال الماء زائداً على أقل ما يجزئ من الغسل في الوضوء إذا كان مضراً في حق المكلّف، و قد توضأ على نحو تعدّد الوجود بأن غسل كلا من مواضع الوضوء أوّلًا بأقل ما يجزئ في غسله، و بعده صب عليه الماء زائداً و هو الذي فرضناه مضرّاً في حقِّه فلا إشكال في صحّة وضوئه، لأن الاستعمال المضر إنما هو خارج عن المأمور به فلا يكون موجباً لبطلانه، بلا فرق في ذلك بين علمه و جهله و نسيانه.

و منها: ما إذا توضأ و الحال هذه على نحو وحدة الوجود، بأن صبّ الماء مرّة واحدة زائداً على أقل ما يجزئ في وضوئه، و الحكم ببطلان الوضوء في هذه الصورة يبتني على القول بحرمة الإضرار بالنفس مطلقاً، لأنه حينئذ محرم و مبغوض للشارع و المبغوض لا يمكن أن يكون مصداقاً للواجب و مقرباً للمولى بوجه. و أما إذا أنكرنا حرمته على وجه الإطلاق و إن كان بعض مراتبه محرماً بلا كلام فلا يبقى موجب للحكم ببطلان الوضوء، لأنه مأمور بالوضوء على الفرض لتمكّنه من الوضوء بأقل ما يجزئ و هو غير مضر في حقه، فإذا لم يكن الفرد محرماً فلا محالة تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها و يكون الإتيان به مجزياً في مقام الامتثال، بلا فرق حينئذ بين علمه بالضرر و بين جهله و نسيانه.

و منها: ما إذا توضأ بصب الماء مرّة واحدة زائداً على أقل ما يجزئ في غسله و مع فرض الضرر من القسم المحرّم أو مع البناء على حرمة مطلق الإضرار، و لا بدّ من التفصيل حينئذ بين صورة العلم بالضرر و صورة نسيانه.

(1) أمّا إذا كان عالماً بالحال فلا إشكال في الحكم ببطلان ذلك الوضوء، لأنه محرم‌

____________

(1) الظاهر عدم الفارق بين صورتي الجهل و العلم.

(2) لا يمكن ذلك في فرض النسيان، و يختص البطلان في فرض الجهل بما إذا كان الضرر مما يحرم إيجاده.

61

لأنّه مأمور واقعاً بالتيمّم هناك بخلاف ما نحن فيه.

____________

مبغوض و المبغوض لا يمكن التقرب به و لا يقع مصداقاً للواجب.

و أما إذا كان ناسياً فيحكم على وضوئه بالصحّة، لأن حديث رفع النسيان حاكم على أدلّة الأحكام و موجب لارتفاعها عند النسيان، فالوضوء حينئذ غير محرم في حق الناسي واقعاً و ليس رفعه رفعاً ظاهرياً كما في «ما لا يعلمون»، و حيث إن المفروض أنه مكلف بالوضوء لقدرته على التوضؤ بأقل ما يجزئ في غسله، و هو كما إذا فرضنا ماءين أحدهما مضر في حقه لشدّة حرارته أو برودته و الآخر غير مضر و قد توضأ ممّا يضرّه فهو مكلّف بالوضوء، و لا مانع في الفرد المأتي به لعدم حرمته واقعاً فلا محالة تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها و يكون الإتيان به مجزياً في مقام الامتثال. و توهم أن حديث نفي الضرر يوجب تقييد الطبيعة المأمور بها بغير ذلك الفرد المضر، مندفع بأن شأن قاعدة نفي الضرر هو رفع الأحكام لا إثباتها و لو مقيّدة، و لا مورد للنفي في المقام، حيث إن الفرد غير محكوم بحكم حتى ترفعه القاعدة، لأنّ الحكم مترتب على الطبيعة دون الفرد. هذا كله في موارد النسيان.

و أمّا إذا كان جاهلًا بالضرر فلا يمكن الحكم بصحّة الوضوء حينئذ، لما ذكرناه غير مرّة من أن الجهل بالحرمة و المبغوضية لا يرفع الحرمة و لا يجعل ما ليس بمقرّب مقرّباً، و بعبارة اخرى: أن النهي في العبادة يوجب الفساد مطلقاً كان عالماً بالحرمة أم جاهلًا بها، نعم الجهل عذر في ارتكابه الحرام؛ و أما الصحّة فلا، لأنه مبغوض واقعي و المبغوض لا يكون مقرّبا.

و من جملة فروع المسألة: ما إذا كان أصل استعمال الماء مضراً في حقه و لو بأقل مما يجزئ في الوضوء، فقد حكم في المتن ببطلان الوضوء حينئذ في صورة العلم و قال: إنه يمكن الحكم ببطلانه في صورة الجهل و النسيان أيضاً نظراً إلى أنه غير مكلف بالوضوء واقعاً و إنما هو مأمور بالتيمم، فلو توضأ وقع وضوءه باطلًا لا محالة‌

62

..........

____________

هذا و قد تقدّمت هذه المسألة في شرائط الوضوء و حكم (قدس سره) هناك بصحّة الوضوء في صورة الجهل و النسيان (1)، إلّا أنه في المقام ذكر أنه يمكن الحكم ببطلانه في كلتا الصورتين، و الصحيح هو ما أفاده هناك.

و ذلك أمّا في صورة النسيان فلما مرّ من أن النسيان يرفع الحرمة الواقعية، و مع إباحة الفرد و عدم حرمته لا مانع من أن تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها. و دعوى أنه غير مأمور بالوضوء حينئذ بل مأمور بالتيمم فاسدة، لأنه مأمور بالوضوء لتمكنه من استعمال الماء عقلًا و هو ظاهر و شرعاً، لعدم حرمته عليه واقعاً لأجل نسيانه. و دعوى أنه و إن لم يكن محرماً عليه إلّا أن مقتضى حديث نفي الضرر تقيد الأمر بالوضوء بغير ما كان موجباً للضرر، فالوضوء المضر مما لا يتعلق به أمر، غير مسموعة لأنه إنما يجري مع الامتنان، و أي امتنان في الحكم بفساد الوضوء الذي أتى به الناسي بعد نسيانه.

نعم يجري الحديث في صورة العلم بالضرر و إن قلنا بعدم حرمته و يوجب تقييد الأمر بالوضوء بغير صورة الضرر لأنه على وفق الامتنان، لوضوح أن رفع الإلزام و التكليف و الحكم بأنك غير مكلف بالوضوء موافق مع الامتنان، و مع شمول الحديث و الحكم بعدم وجوب الوضوء لو أتى به يقع فاسداً، إذ لا مسوغ في عمله و لا أمر له فهو فاسد.

و أمّا في صورة الجهل فإن كان الضرر من القسم المحرّم فلا إشكال في الحكم ببطلان الوضوء، لأنه عمل محرم مبغوض واقعاً و المبغوض لا يقع مقرباً و مصداقاً للواجب فيفسد. و قد عرفت أن الجهل عذر و غير رافع للحرمة و المبغوضية الواقعية و أمّا إذا لم يكن من القسم المحرّم فإن قلنا بمقالة المشهور و حكمنا بحرمة مطلق الضرر فأيضاً لا بدّ من الحكم بالفساد، لأنه مبغوض واقعي و المحرّم و المبغوض لا يكون مقرّباً و لا يقع مصداقاً للواجب، و من هنا قلنا إن النهي في العبادة يقتضي الفساد‌

____________

(1) السابع من شرائط الوضوء. بعد المسألة [559].

63

[مسألة 35: إذا توضأ ثمّ ارتدّ لا يبطل وضوءه]

[574] مسألة 35: إذا توضأ ثمّ ارتدّ لا يبطل وضوءه (1) فإذا عاد إلى الإسلام لا يجب عليه الإعادة، و إن ارتد في أثنائه ثمّ تاب قبل فوات الموالاة لا يجب عليه الاستئناف، نعم الأحوط أن يغسل بدنه من جهة الرطوبة التي كانت عليه حين الكفر، و على هذا إذا كان ارتداده بعد غسل اليسرى و قبل المسح ثمّ تاب يشكل المسح لنجاسة الرطوبة التي على يديه.

____________

مطلقاً علم بحرمته أم جهل بها. و أما إذا أنكرنا حرمته كما هو الصحيح فلا بدّ من الحكم بصحّته لأنه عمل مباح، و المكلّف متمكن من الوضوء شرعاً و عقلًا فتنطبق عليه الطبيعة المأمور بها فيصح، و من هنا يظهر أنه لا فرق بين كون أصل الاستعمال مضراً و بين ما إذا كان الزائد على أقل ما يجزئ في الوضوء مضرّاً، لأنه في صورة النسيان محكوم بالصحّة في كلتا الصورتين، و في صورة الجهل مبني على الخلاف من حرمته و عدمها، و في صورة العلم محكوم بالفساد لحديث نفي الضرر في الصورة الأخيرة و لحرمة الفرد و مبغوضيّته في الصورة الأُولى بناءً على مسلك المشهور من حرمة الإضرار مطلقاً، و أمّا على ما ذكرناه من عدم حرمة الإضرار على وجه الإطلاق فلا مانع من الحكم بالصحّة في صورة العلم عند كون الزائد مضرّا.

عدم مبطليّة الارتداد

(1) لعدم الدليل على مبطليّة الارتداد، بل الدليل على عدم المبطليّة موجود و هو إطلاقات أوامر الغسل و المسح، سواء تحقق الكفر و الارتداد في أثنائها أم لم يتحقق مضافاً إلى أن النواقض محصورة و ليس منها الارتداد. و أما استمرار النيّة فالمرتد و إن انصرف عن نيّته في أثناء الوضوء لا محالة إلّا أنك عرفت أن الاستمرار إنما يعتبر في الأجزاء دون الآنات المتخللة بينها فلا يبطل وضوءه من حيث الارتداد، فلو تاب بعد ذلك بحيث لم تفته الموالاة صحّ وضوءه، فيشرع من الأجزاء الباقية و لا يجب عليه الاستئناف.

نعم إذا قلنا بعدم كون رطوبة ماء الوضوء في أعضائه من الرطوبات التبعيّة كريق‌

64

[مسألة 36: إذا نهى المولى عبده عن الوضوء في سعة الوقت إذا كان مفوّتاً لحقه فتوضأ يشكل الحكم بصحّته]

[575] مسألة 36: إذا نهى المولى عبده عن الوضوء في سعة الوقت إذا كان مفوّتاً لحقه فتوضأ يشكل الحكم بصحّته (1)

____________

فم الكافر و المرتد أو عرقه و نحوهما، و حكمنا بنجاستها لنجاسة بدنه بالارتداد فلا بدّ من أن يطهر أعضاءه السابقة بماء آخر ثمّ يشرع في الباقي من أجزاء وضوئه إذا لم تفته الموالاة بذلك، لئلّا تتنجّس يده اليسرى باليمنى لتنجّس ماء الوضوء فيبطل. و من هنا يظهر أنه إذا ارتد بعد غسل يده اليسرى قبل مسحه ثمّ تاب لا طريق إلى أن يصحح وضوءه، لأنه حينئذ لا بدّ من أن يطهر جميع أعضائه ليكون مسحه بالماء الطاهر و مع إزالة البلّة الوضوئية بغسلها لا يتمكّن من المسح الصحيح لأنه يعتبر أن يكون بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء و لا يجوز بالماء الجديد، إلّا أن البطلان حينئذ من جهة فقد شرط المسح لا من جهة ناقضية الارتداد.

التوضؤ مع نهي المولى أو الزوج و نحوهما

(1) أما في العبد و سيِّده فالأمر كما أفاده، و هذا لا لأن الأمر بإطاعة السيِّد يقتضي النهي عن ضدّه و هو الوضوء، لأنا ذكرنا في محلِّه أن الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه (1) بل صحّحنا ضدّه العبادي بالترتب على ما قررناه في محلِّه (2)، بل من جهة أن جميع أفعال العبد و منافعه كنفسه مملوكة لسيِّده، فإذا وقع الوضوء الذي هو من جملة أفعاله بغير رضاه حيث إنه أمره بشي‌ء آخر، فقد وقع محرّماً لأنه تصرّف في سلطان الغير بغير إذنه، و المحرّم لا يقرب و لا محالة يقع فاسداً. نعم الحركات و الأفعال اليسيرة كحك البدن و غسل اليدين و الوجه و نحوهما لا يتوقف على إذن السيِّد للسيرة المستمرة الجارية على عدم استئذان العبد سيِّده في حكّ بدنه بحيث لولاه وقع محرماً، إلّا أن السيرة مختصّة بما إذا لم ينه عنه المولى و أما مع نهيه فلا بدّ من الحكم‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 3: 8 و ما بعدها.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 3: 102 133.

65

و كذا الزوجة (1) إذا كان وضوءها مفوتاً لحق الزوج و الأجير مع منع المستأجر و أمثال ذلك (1).

[مسألة 37: إذا شكّ في الحدث بعد الوضوء بنى على بقاء الوضوء]

[576] مسألة 37: إذا شكّ في الحدث بعد الوضوء (2) بنى على بقاء الوضوء

____________

بحرمته و مبغوضيته و لا سيرة فيه على الجواز، و مع الحرمة يقع فاسدا.

(1) و أما في الزوج و الزوجة فالصحيح الحكم بالصحّة لأن المحرّم على الزوجة حينئذ تفويت حق زوجها، و أما عملها فهو مملوك لها و لا يحرم من جهة استلزامه التفويت، لأن الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه، بل هذه العبادة ضد عبادي محكوم بالصحّة بالترتب كما سبق.

و أمّا الأجير و المستأجر فالحق فيه التفصيل، لأنه إن استأجره في أفعال خاصّة و أشغال مشخّصة كخياطة ثوب و كنس دار و نحوهما، فالمملوك للمستأجر إنما هو هذا العمل فيجب على الأجير تسليم ملك المالك إليه، فإذا اشتغل بشغل آخر في أثناء الخياطة فهو مملوك لنفسه و إن كان موجباً للعصيان لعدم تسليم مال المالك إليه، فإذا كان ملك نفسه فهو حلال لأن الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه فيحكم بصحّته كما عرفت في الزوج و الزوجة. و أما إذا كان أجيراً مطلقاً له فجميع أعماله و منافعه مملوكة للمستأجر فالوضوء الذي هو من أحد أفعاله مملوك للمستأجر، و مع عدم إذنه يقع محرماً لأنه تصرف في سلطان الغير من غير إذنه فيحرم، و معه يحكم ببطلانه لا محالة.

صور الشك في الحدث بعد الوضوء الصورة الأُولى:

(2) قد يشك في الحدث بسبب خروج رطوبة مشتبهة بين البول و المذي و نحوه‌

____________

(1) الظاهر صحّة وضوئها و إن أثمت بتفويتها حق الزوج، و كذلك الحال في الأجير الخاص.

66

إلّا إذا كان سبب شكّه خروج رطوبة مشتبهة بالبول و لم يكن مستبرئاً فإنّه حينئذ يبني على أنّها بول و أنّه محدث، و إذا شكّ في الوضوء بعد الحدث يبني على بقاء الحدث، و الظن غير المعتبر كالشك في المقامين. و إن علم الأمرين و شكّ في

____________

قبل الاستبراء، فلا بدّ حينئذ من أن يبني على أنه بول و أنه محدث فيجب عليه الوضوء، و هذا للروايات الواردة في البلل المردد قبل الاستبراء (1).

الصورة الثانية:

و أُخرى يشك في الحدث من جهة تحقق الحدث و عدمه، أو من جهة أن الموجود حدث أو لا بعد الاستبراء كما في البلل المشتبه، فحينئذ يبني على طهارته و بقاء وضوئه. و هذه المسألة مضافاً إلى أنها متسالم عليها بين أصحابنا بل بين المسلمين قاطبة و لم ينسب الخلاف فيها إلّا لبعض العامّة و هم المالكية فحسب (2) مما يدل عليها صحيحة زرارة في «الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأُذن فإذا نامت العين و الأُذن و القلب وجب الوضوء، قلت: فإن حرك على جنبه شي‌ء و لم يعلم به؟ قال (عليه السلام): لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجي‌ء من ذلك أمر بيِّن، و إلّا فإنه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين أبداً بالشك» (3) لأنها و إن كانت واردة في الشك في النوم إلّا أن ذيلها يدلّ على أن اليقين لا ينقض بالشك مطلقاً، بلا فرق في ذلك بين‌

____________

(1) الوسائل 1: 282/ أبواب نواقض الوضوء ب 13.

(2) ففي الفقه على المذاهب الأربعة 1: 87 عند قولهم: و لا ينتقض بالشك في الحدث. المالكية قالوا ينتقض الوضوء بالشك في الحدث أو سببه، كأن يشك بعد تحقق الوضوء هل خرج منه ريح أو مسّ ذكره مثلًا أو لا، أو شك بعد تحقق الناقض هل توضأ أو لا، أو شك بعد تحقق الناقض و الوضوء هل السابق الناقض أو الوضوء، فكل ذلك ينقض الوضوء لأن الذمّة لا تبرأ إلّا باليقين، و الشاك لا يقين عنده.

(3) الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.

67

المتأخِّر منهما بنى على أنه محدث إذا جهل تأريخهما أو جهل تأريخ الوضوء، و أمّا إذا جهل تأريخ الحدث و علم تأريخ الوضوء بنىٰ على بقائه (1)، و لا يجري استصحاب الحدث حينئذ حتى يعارضه، لعدم اتصال الشكّ باليقين به حتى يحكم ببقائه

____________

الشك من جهة النوم أو البول أو غيرهما من الأحداث.

و موثقة بكير: «إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ، و إياك أن تحدث وضوءاً أبداً حتى تستيقن أنك قد أحدثت» (2) حيث نهت عن الوضوء مع الشك في الحدث و أنه ما دام لم يتيقن بالحدث لا يجوز له الوضوء، اللّٰهمّ إلّا أن يتوضأ بنيّة التجديد لأنه خارج عن الموثقة بدليله، و به تحمل الموثقة على الوضوء الواجب، لأنّ الإتيان به بنيّة الوجوب مع عدم العلم بالحدث تشريع محرم.

و صحيحة عبد الرحمٰن «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت، فقال (عليه السلام): ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح» (3) نعم هي تختص بالشك من جهة الريح، و إنما يتعدى عنها إلى غيرها بالقطع بعدم الفرق. و على الجملة إذا شك في الحدث يبني على طهارته السابقة حتى يقطع بحدثه، و هذا مما لا إشكال فيه هذا.

و قد نقل صاحب الحدائق (قدس سره) في هذه المسألة قولين و تفصيلين آخرين.

تفصيلان نقلهما في الحدائق (4)

أحدهما: ما نسبه إلى بعض المحقِّقين من المتأخِّرين من اختصاص جريان الاستصحاب‌

____________

(1) بل بنى على الحدث، فيجب عليه تحصيل الطهارة لما هو مشروط بها كما في الصورتين الأُوليين.

(2) الوسائل 1: 247/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 7.

(3) الوسائل 1: 246/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 5.

(4) الحدائق 2: 398 399.

68

و الأمر في صورة جهلهما أو جهل تأريخ الوضوء (1) و إن كان كذلك إلّا أن مقتضى شرطية الوضوء وجوب إحرازه، و لكن الأحوط الوضوء في هذه الصورة أيضاً.

____________

بما إذا لم يظن بالخلاف و أنه لا يجري معه، و هذه الدعوى مبنيّة على حمل الشك في روايات الاستصحاب على معناه المصطلح عليه، أعني تساوي الطرفين المقابل للظن و الوهم و اليقين كما هو اصطلاح الفلاسفة، و عليه يختص الاستصحاب بصورة الشك المصطلح عليه و تعم صورة الظن بالوفاق، لأنه إذا جرى عند الشك يجري عند الظن ببقاء الحالة السابقة بطريق أولى، فلا يجري مع الظن بالخلاف.

إلّا أنه ممّا لا وجه له، و ذلك لأن الشك مضافاً إلى أنه في اللغة بمعنى عدم العلم و خلاف اليقين ظنا كان أو غيره، لأن تخصيصه بما يقابل الظن و الوهم و اليقين اصطلاح جديد بمعنى خلاف اليقين في أخبار الاستصحاب، و ذلك لقرينتين في نفس صحيحة زرارة:

الأُولى: قوله (عليه السلام): «لا، حتى يستيقن أنه قد نام، و يجي‌ء من ذلك أمر بين، و إلّا فإنه على يقين من وضوئه» إلخ و في ذيل هذه الصحيحة «و إنما تنقضه بيقين آخر» حيث حكم ببقاء الوضوء حتى يتيقن بالنوم و ما دام لم يتيقن به فهو محكوم بالطّهارة، سواء ظنّ بالنوم أم شكّ فيه.

و الثانية: قول السائل: «فإن حرك على جنبه شي‌ء و لم يعلم به، قال: لا» لأنّ التحريك في جنبه مع عدم علمه به و لو لم يكن ملازماً دائماً مع الظن بالنوم فلا أقل من أنه يلازمه كثيراً، و لا أقل من أن استلزامه الظن بالنوم ليس من الأفراد النادرة و مع كونه كذلك يكون ترك تفصيل الإمام (عليه السلام) في الجواب دليلًا على جريان استصحاب الطّهارة مطلقاً، سواء ظنّ بالنوم أم شكّ فيه. و هاتان القرينتان تدلّان على‌

____________

(1) لا يبعد أن يكون هذا من سهو القلم.

69

..........

____________

أنّ الشك المأخوذ في روايات الاستصحاب إنما هو بمعنى عدم اليقين على وفق معناه لغة هذا.

مضافاً إلى إطلاق الموثقة و الصحيحة الأخيرة حيث لم يستفصلا في الحكم بعدم جواز الوضوء بين الظنّ بالحدث و بين الشك فيه، بل الأخيرة صريحة في جريان الاستصحاب مع الظن بالحدث، إلّا أنها مختصة بخصوص الشك في الطّهارة من جهة الريح، و إنما نتعدى عنها إلى غيرها بالقطع بعدم الفرق، فما نسب إلى بعض المحققين من المتأخرين مما لا دليل عليه.

و ثانيهما: ما حكاه عن شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين من أن المكلّف تختلف حالاته ببعده عن زمان اليقين و قربه منه، لأنه أوّلًا يظنّ ببقاء الحالة السابقة ثمّ بمرور الزمان يضعف ظنّه هذا حتى يتبدل بالشك، بل إلى الظن بالخلاف و الاعتبار بالظن بالوفاق و ببقاء الحالة السابقة و إن ضعف (1)، ثمّ نقل عن العلّامة عدم الفرق في الاستصحاب بين الظنّ بالبقاء و عدمه و ردّه.

و هذا الذي ذهب إليه شيخنا البهائي مما لا دليل عليه أصلًا، بل هو أضعف من التفصيل الأوّل، لأن له وجهاً لا محالة و إن أبطلناه كما مر، و أما هذا التفصيل فهو مما لا وجه لو بوجه، و ذلك لأن الشك مأخوذ في روايات الاستصحاب بلا ريب، و هو إما بمعنى الشك المصطلح عليه و إما بمعنى خلاف اليقين، و على أي حال يشمل الشك المصطلح عليه قطعاً، و كيف يمكن تخصيصه بالظن بالبقاء فقط هذا. مضافاً إلى إطلاق الموثقة و صحيحة عبد الرحمٰن المتقدِّمتين، لأنهما مطلقتان و لم تقيدا الاستصحاب إلّا باليقين بالخلاف فتشملان صورة الظن بالبقاء و الشك و الظن بالخلاف و الارتفاع، هذا كله فيما إذا شك في الحدث بعد العلم بالطّهارة.

و منه يظهر الحال في عكسه و هو ما إذا شك في الطهارة بعد علمه بالحدث، لأنه يبني على بقاء حدثه، و ذلك لأنه و إن لم يكن منصوصاً كما في الصورة الأُولى إلّا أنا‌

____________

(1) حبل المتين: 37.

70

..........

____________

بيّنا في محلِّه عدم اختصاص روايات الاستصحاب بمورد دون مورد، و أنه قاعدة كبروية تجري مع الشك في البقاء بلا فرق في ذلك بين الطّهارة و الحدث (1) هذا. على أنه يكفينا في الحكم بوجوب الوضوء في هذه المسألة أصالة الاشتغال لعدم علمه بالوضوء، و هذا أيضاً من دون فرق بين الظن بالطّهارة و عدمه و الظن بالحدث و عدمه كما عرفت. هذا كلّه في الصورة الثانية.

الصورة الثالثة:

و هي ما إذا علم بكل من الطّهارة و الحدث إلّا أنه شك في المتقدّم و المتأخّر منهما. و هي على قسمين، لأنه قد يكون التأريخ مجهولًا في كل منهما، و أُخرى يكون أحدهما معلوم التأريخ دون الآخر، و الكلام فعلًا فيما إذا جهل التأريخان معاً. و المشهور المعروف بين أصحابنا هو الحكم بوجوب الوضوء حينئذ و ذلك لقاعدة الاشتغال لأنه عالم باشتغال ذمّته بالصلاة مع الوضوء، و لا علم له بالطّهارة و الوضوء على الفرض فلا بدّ من أن يتوضأ تحصيلًا لليقين بالفراغ. و قاعدة الاشتغال في المقام مما لم يقع فيها خلاف، و ذلك لأنه ليس من الاحتياط في الشبهات الحكمية الذي وقع فيه الخلاف بين الأُصوليين و المحدّثين، و إنما هو شبهة موضوعية مع العلم بالاشتغال و لا كلام في وجوب الاحتياط حينئذ، و هو الذي يعبر عنه بأن العلم بالاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.

و يؤيد القاعدة رواية الفقه الرضوي الواردة في مسألتنا هذه بعينها و أنه إذا توضأت و أحدثت و لم تدر أيهما أسبق فتوضأ (2) لأنا و إن لا نعتمد على ذلك الكتاب إلّا أنه لا بأس بكونه مؤيداً.

و أمّا الاستصحاب فهو غير جار في المقام أصلًا، و ذلك أما بناء على ما سلكه‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 18.

(2) مستدرك الوسائل 1: 342 أبواب الوضوء ب 38 ح 1. و إليك نصّها: ... و إن كنت على يقين من الوضوء و الحدث و لا تدري أيّهما أسبق فتوضأ ...، فقه الرضا: 67.

71

..........

____________

صاحب الكفاية (قدس سره) من اعتبار إحراز اتصال زمان الشك باليقين فلأجل عدم المقتضي لجريانه حينئذ أصلًا لعدم إحراز الاتصال، لا أنه يجري في كل من الطّهارة و الحدث و يسقط بالمعارضة (1). و أمّا بناء على ما بنينا عليه وفاقاً للمشهور من عدم اعتبار إحراز الاتصال (2) فلأنّ استصحاب كل من الطّهارة و الحدث يجري في نفسه و لكنّه يسقط بالمعارضة، فعلى أي حال لا مجال للاستصحاب في المقام فتصل النوبة معه إلى قاعدة الاشتغال هذا.

و قد نسب إلى العلّامة (قدس سره) في قواعده و المحقق الثاني في جامع المقاصد تفصيلان في المسألة.

تفصيلان في محل النزاع:

أحدهما: ما حكي عن العلّامة (قدس سره) من التفصيل بين صورة الجهل بالحالة السابقة فكالمشهور و صورة العلم بها فيؤخذ بطبق الحالة السابقة المعلومة معلّلًا بالاستصحاب (3) هذا. و المراجعة إلى كتابه (قدس سره) تبيّن أن مقصوده من التمسّك على طبق الحالة السابقة و الاستصحاب إنما هو ما إذا علم المكلّف بأن ما أتى به من الوضوء كان وضوءاً رافعاً و كذلك الحدث حدث ناقض، و ليس من الوضوء بعد الوضوء و لا الحدث بعد الحدث، و ذلك لأنه عقد الكلام في مسألة الاتحاد و التعاقب بأن علم أنه أتى بوضوء واحد و حدث واحد و لكن وقع الحدث بعد الطّهارة أو الطّهارة بعد الحدث، و لم يقع الحدث بعد الحدث و لا الوضوء بعد الوضوء.

و عليه فإذا كان محدثاً فعلم بوضوئه و حدثه فلا محالة يعلم بحدثه و أن وضوءه قد وقع قبل حدثه، و إلّا لوقع الحدث بعد الحدث، و المفروض أنه عالم بأن حدثه إنما وقع بعد الطّهارة لا بعد الحدث، و كذا الحال فيما إذا كان متطهراً فعلم بحدث و وضوء، لأنه‌

____________

(1) كفاية الأُصول: 420.

(2) مصباح الأُصول 3: 185.

(3) القواعد 1: 205.

72

..........

____________

يعلم أنه متطهر فعلًا و أن حدثه وقع قبل طهارته و إلّا لوقعت الطّهارة بعد الطّهارة و هو خلاف المفروض. ففي هاتين الصورتين إذا شك في حدث آخر أو طهارة أُخرى غير الحادثين، يرجع إلى استصحاب الحدث في الأوّل و إلى استصحاب الطّهارة في الثاني.

و هذا و إن كان توضيحاً للواضح و خارجاً عما نحن بصدده، إذ لا شك في التقدّم و التأخّر حينئذ فليس هذا تفصيلًا في محل الكلام، إلّا أن تعليله بالاستصحاب و ملاحظة كتابه لا يرخصان الحمل على غيره، إذ كيف يمكن التمسّك باستصحاب الحالة السابقة قبل الحادثين مع العلم بارتفاعها، لأنه لا يمكن إسناده إلى من هو دونه (قدس سره) بمراتب كثيرة فضلًا عن آية اللّٰه العلامة (قدس سره) فمراده ما ذكرناه و هو ليس بتفصيل في محل الكلام حقيقة و هو أمر واضح، ثمّ على تقدير تسليم أنه ناظر إلى ما نحن فيه من غير علمه بالتعاقب لا يمكن المساعدة عليه للقطع بارتفاع الحالة السابقة.

و ثانيهما: ما ذهب إليه المحقق الثاني (قدس سره) في جامع المقاصد من التفصيل بين صورة الجهل بالحالة السابقة فكالمشهور، و بين صورة العلم بها فيؤخذ بضدّها (1). و هذا التفصيل و إن كان له وجه لأنه إذا كان متطهراً أوّلًا فقد علم بارتفاع تلك الطّهارة قطعاً بالحدث المعلوم تحققه، و أما هذا الحدث فلا علم له بارتفاع أثره لاحتمال أن يكون هو المتأخر عن الحادثين و قد وقعت الطّهارة بعد الطّهارة فيستصحب حدثه. كما أنه إذا كان محدثاً أوّلًا فقد علم بارتفاع ذلك الحدث بالطّهارة المتحققة قطعاً، و أما تلك الطّهارة فلا علم له بارتفاع أثرها لاحتمال أن تكون هي المتأخرة و يقع الحدث بعد الحدث، فيستصحب طهارته.

إلّا أن هذا أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه، لمعارضته باستصحاب الطّهارة في الصورة الأُولى و استصحاب الحدث في الصورة الثانية، و ذلك لأنه في الصورة الأُولى‌

____________

(1) جامع المقاصد 1: 235.

73

..........

____________

عالم بطهارته حين توضئه، و غاية الأمر لا يدري زمان حدوث تلك الطّهارة و أنها كانت من الأوّل كما إذا كان الحادث الأوّل هو الطّهارة، أو حدثت بالفعل كما إذا كان الحادث الأوّل هو الحدث، فيستصحب تلك الطّهارة و هو يعارض استصحاب حدثه فيتساقطان. كما أنه في الصورة الثانية عالم بحدثه حين ما أحدث و إن لم يعلم بزمانه و أنه كان من الابتداء كما لو كان المحقق أوّلًا هو الحدث، أم تحقق هذا الزمان كما لو كان المحقق الأوّل هو الطّهارة، فيستصحب ذلك الحدث. و عليه فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من وجوب الوضوء على وجه الإطلاق من جهة قاعدة الاشتغال المؤيدة برواية الفقه الرضوي (1). هذا كلّه في الصورة الاولى أعني ما إذا جهل تأريخهما.

و أولى من ذلك الصورة الثانية و هي ما إذا علم تأريخ الحدث و كان تأريخ الوضوء مجهولًا، و ذلك لأنا إن قلنا بما ذهب إليه الماتن (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب فيما جهل تأريخه فالاستصحاب جار في الحدث من غير معارض، فيجب عليه الوضوء لا محالة. و إن لم نقل به و قلنا بجريانه في كل من المجهول و المعلوم تأريخه فاستصحاب كل منهما يجري و يسقط بالمعارضة فلا بدّ أيضاً من التمسّك بقاعدة الاشتغال كما في الصورة الأُولى، و لعلّه ظاهر.

و أمّا الصورة الثالثة و هي ما إذا علم تأريخ الوضوء و جهل تأريخ الحدث فقد ذكر الماتن (قدس سره) أن الاستصحاب يجري في الوضوء حينئذ من غير معارض و لا يجري في مجهول التأريخ، معللًا بعدم اتصال الشك باليقين حتى يحكم ببقائه، و معه لا بدّ من الحكم بطهارته و إن كان الأحوط الاستحبابي أن يتوضأ في هذه الصورة أيضاً.

ثمّ ذكر أن الأمر في الصورتين المتقدمتين و إن كان كذلك أيضاً أي لم يكن الشك متصلًا فيهما باليقين حتى يجري فيهما الاستصحاب إلّا أن مقتضى قاعدة الاشتغال فيهما وجوب إحراز الطّهارة و الشرط، و لأجلها حكمنا بوجوب الوضوء فيهما. و أما‌

____________

(1) التي تقدّمت في ص 70.

74

..........

____________

في الصورة الثالثة فاستصحاب بقاء طهارته يقضي بعدم وجوب الوضوء. هذا ما أفاده في المتن. إلّا أن في عبارته (قدس سره) سهواً من قلمه الشريف كما نبّه عليه سيِّدنا الأُستاذ (مدّ ظله) في تعليقته، و ذلك لأن عدم اتصال الشك باليقين إنما هو في مجهولي التأريخ و هو الصورة الاولى من الصور المتقدّمة، و أما في الصورة الثانية أعني ما إذا علم تأريخ الحدث و جهل تأريخ الوضوء فالشك فيه متصل باليقين بالحدث و يجري فيه الاستصحاب كما بنى عليه هو (قدس سره) و إنما عدم الاتصال بالإضافة إلى ما جهل تأريخه دون ما علم تأريخه، ففي عبارته سهو من القلم الشريف. و الصحيح أن يقول: و الأمر و إن كان كذلك فيما جهل تأريخهما إلّا أن إلخ.

و إذا عرفت ذلك فلنتكلم في حكم الصورة الثالثة أعني ما إذا علم تأريخ الوضوء و جهل تأريخ الحدث، فهل يجري الاستصحاب في كل من الحادثين و يتساقطان بالمعارضة، أو يجري الاستصحاب فيما علم تأريخه دون ما جهل تأريخه؟ فقد عرفت أن الماتن ذهب إلى جريانه فيما علم تأريخه و منع عنه في المجهول تأريخه معلّلًا بعدم اتصال الشك باليقين، و ذلك لأنّا إذا فرضنا الساعة الاولى من الزوال ظرف اليقين بالطّهارة و علمنا أن الحدث أيضاً قد تحقق، فإن كان ظرف الحدث ما قبل الزوال أي ما قبل الساعة الاولى من الزوال فقد تخلل بين اليقين بالحدث و بين الشك فيه اليقين بالطّهارة و هو رافع للحدث، و إن كان ظرف الحدث هو الساعة الثانية من الزوال و المفروض أن الشك في الساعة الثالثة من الزوال فهما متصلان، و حيث إنا لم نحرز الاتصال فالمقام شبهة مصداقية للاستصحاب، و معه لا يمكن التمسّك بعموم أدلّة اعتباره.

و ليعلم أوّلًا أن الشك في المقام إنما هو في بقاء ما علمنا بحدوثه، و جامعه أن نعلم بحدوث ضدين و نشك في المتقدّم و المتأخّر منهما، لأن ما حدث متأخراً هو الباقي الرافع لما حدث أوّلًا، و هذا غير ما إذا علمنا بحدوث مطلق حادثين و شككنا في المتقدّم و المتأخّر منهما من غير شك في بقاء أحدهما و ارتفاع الآخر الذي يجري فيه أصالة تأخر الحادث فلا تذهل.

75

..........

____________

ثمّ إن المنع عن جريان الاستصحاب فيما جهل تأريخه في أمثال المقام معللًا بعدم اتصال الشك باليقين إنما هو من الشيخ راضي و هو استاد الماتن (قدس اللّٰه أسرارهم) و يقال إنه أوّل من تنبه إلى هذه المناقشة في أمثال هذه الموارد و ادعى أنا استفدنا من روايات الاستصحاب أن الشك لا بدّ و أن يكون متصلًا باليقين، و ذلك لقوله (عليه السلام): «لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت» (1)، فلا بدّ من اتصال أحدهما بالآخر. و قد يعبر عنه باعتبار إحراز الاتصال كما في كلام صاحب الكفاية (قدس سره) (2) و عليه فلا بدّ من التكلم فيما أُريد من اتصال الشك باليقين. و قد قيل في بيان المراد منه وجوه أحسنها ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) كما سيتضح:

الأوّل: أن المراد بذلك أن لا يتخلل يقين آخر بين اليقين و الشك في البقاء و الأمر ليس كذلك فيما جهل تأريخه، لأن الساعة الاولى من الزوال إذا فرضناها ظرفاً لليقين بالطهارة و شككنا في بقاء الحدث في الساعة الثالثة من الزوال، فإن كان ظرف الحدث المتيقن هو الساعة الثانية من الزوال بعد الطّهارة فاليقين بالحدث متصل بالشك به و أما إذا كان ظرفه ما قبل الساعة الاولى من الزوال فقد تخلل بين اليقين بالحدث و الشك فيه يقين آخر و هو اليقين بالطّهارة، و حيث إنا لم نحرز أن ظرف الحدث ما قبل زمان اليقين بالطّهارة أو ما بعده فلا محالة يكون المقام شبهة مصداقية للاستصحاب فلا يمكن التمسّك به حينئذ هذا.

____________

(1) الواقعة في صحيحة زرارة، الوسائل 3: 477/ أبواب النجاسات ب 41 ح 1، و فيه: «... قلت: لم ذلك؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً ...» نعم ورد في رواية محمّد بن مسلم في حديث الأربعمائة المذكورة في الخصال: 619 «من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فإن الشك لا ينقض اليقين». و الرواية موثقة فان القاسم بن يحيى الواقع في سندها موجود في أسناد كامل الزيارات. هذه الرواية رواها في الخصال: باب حديث الأربعمائة، و نقلها في جامع الأحاديث 2: 464/ 2563 و صاحب الوسائل نقل قطعات الحديث المناسبة للوضوء و ذكر فيها: من كان على يقين ثمّ شك فليمض على يقينه إلخ. الوسائل 1: 246/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 6.

(2) كفاية الأُصول: 420.

76

..........

____________

و لا يخفى أن هذا الوجه مقطوع الفساد، و ذلك لما بيناه في بحث الاستصحاب من أن المدار في جريانه إنما هو على اجتماع اليقين و الشك الفعليين في زمان واحد (1)، بأن يكون للمكلف يقين بالفعل من حدوث الشي‌ء و يكون له شك فعلي في بقائه، فهما لا بدّ أن يكونا متّحدا الزمان، نعم قد يتحقق اليقين قبل تحقق الشك أو بعده إلّا أن المناط و الاعتبار في جريان الاستصحاب إنما هو باجتماعهما في زمان واحد كما عرفت فلا اعتبار باليقين السابق على زمان الشك في البقاء، كان على وفق اليقين المتحد مع الشك بحسب الزمان أم على خلافه.

فإذا كان الاعتبار في جريانه باجتماع اليقين و الشك في البقاء في زمان فلا معنى لاعتبار اتصال أحدهما بالآخر، لأن الاتصال إنما يتعقل بين المتغايرين و قد عرفت أن اليقين و الشك في الاستصحاب متحدان بحسب الزمان، و إذا راجعنا وجداننا في المقام نجد أنا على يقين من الحدث كما أنا على شك في بقائه في الساعة الثالثة من الزوال و قد مرّ أنه لا اعتبار باليقين السابق مخالفاً كان أم موافقاً و إنما الناقض لليقين في الاستصحاب هو اليقين البديل للشك في البقاء أعني اليقين بالارتفاع المجتمع مع اليقين بالحدوث في الزمان هذا.

و الذي يدلنا على ما ذكرناه أنا لو قلنا باعتبار الاتصال بهذا المعنى في الاستصحاب للزم المنع عن استصحاب الحدث على وجه الإطلاق في جميع الموارد حتى مع العلم بتأريخه، و كذا كل أمر يعتبر العلم و عدم الغفلة في الإتيان بمنافيه، و ذلك لأنا إذا علمنا بالحدث في أوّل ساعة من الزوال ثمّ شككنا في بقائه و ارتفاعه باحتمال أنا توضأنا أو اغتسلنا، فقد احتملنا طروء اليقين بالطّهارة و تخلله بين اليقين بالحدث و الشك في بقائه، حيث لا بدّ من العلم و الالتفات بالوضوء و الغسل في صحّتهما فهو حالهما كان متيقناً من طهارته لا محالة، و مع احتمال تخلل يقين آخر بين اليقين و الشك لا يجري الاستصحاب لأنه شبهة مصداقية له حينئذ، و هذا مما لا يلتزم به السيِّد و لا غيره من الأعلام (قدس اللّٰه أسرارهم).

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 91 245.

77

..........

____________

و دعوى أنّا كما نستصحب بقاء الحدث نستصحب عدم اليقين بالطّهارة و عدم الوضوء و الغسل، مندفعة بأنه لا يثبت الاتصال المعتبر في جريانه على الفرض، فلو قلنا بهذه المقالة فلا مناص من سدّ باب الاستصحاب في أمثال الحدث في جميع الموارد مع أنهم يتمسكون به في تلك المقامات من غير خلاف، و سرّه ما عرفت من أن الاستصحاب يتقوم باليقين و الشك الفعليين المتحققين في زمان واحد و لا اعتبار باليقين السابق، و هما موجودان في المقام و غيره، و لا معنى لاشتراط الاتصال في المتحدين فلا يكون المقام شبهة مصداقية للاستصحاب باحتمال تخلل يقين آخر بينهما و إنما تكون الشبهة مصداقية فيما إذا شك في أنه متيقن من الأمر الفلاني أو ليس له يقين، إلّا أنا أسلفنا في محلِّه أنه لا يعقل الشك و التردّد في مثل اليقين و الشك و نحوهما من الأوصاف النفسانية، لدوران أمرها بين العلم بوجودها و العلم بعدمها (1).

الثاني: أن الاعتبار في الاستصحاب و إن كان باجتماع اليقين الفعلي مع الشك الفعلي في زمان واحد إلّا أنه يعتبر في الاستصحاب أن لا يكون ذلك اليقين يقيناً بأمر مرتفع و لو على نحو الاحتمال، و أما إذا احتملنا أن يكون ذلك اليقين الفعلي الموجود بعينه يقيناً بالارتفاع و بما هو مرتفع في نفسه، فلا محالة يكون المورد شبهة مصداقية فلا يمكن التمسّك فيه بالاستصحاب، و الأمر في المقام كذلك، لأن المفروض أن لنا يقيناً بالطّهارة في أوّل ساعة من الزوال، فيقيننا بالحدث إن كان متعلقاً بالحدث قبل الساعة الاولى من الزوال فهو عين اليقين بارتفاع الحدث أي يقين بأمر مرتفع للعلم بالطّهارة بعده، نعم إذا كان متعلقاً بالحدث بعد الساعة الأُولى فهو ليس يقيناً بالارتفاع فيجري الاستصحاب في بقائه، و حيث إنا نحتمل أن يكون اليقين بالحدث بعينه يقيناً بالارتفاع فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب في مثله هذا.

و لا يخفى أن هذا الوجه أيضاً كسابقه مقطوع الفساد، و ذلك لأنا لا نحتمل اليقين بالحدث المقيّد بكونه قبل الساعة الاولى من الزوال، لما بيناه في بحث العلم الإجمالي من أن العلم الإجمالي إنما يتعلّق بالجامع بين الطرفين أو الأطراف، غاية الأمر الجامع‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 185.

78

..........

____________

المتخصص بإحدى الخصوصيتين و لا يتعلّق بشي‌ء من خصوصيات الأطراف و لا يحتمل تعلّقه بها أصلًا، فإذا علمنا بنجاسة أحد المائعين الأحمر أو الأصفر فقد علمنا بنجاسة الجامع المتخصص دون شي‌ء من المائعين، و لا نحتمل أن يكون لنا يقين بنجاسة خصوص الأحمر أو الأصفر بوجه.

و عليه ففي المقام إنما علمنا بحدوث بول أو حدث مردّد بين كونه ما قبل الزوال و بين كونه في الساعة الثانية من الزوال، فالعلم قد تعلّق بالجامع بينهما و لا نحتمل أن يكون لنا يقين بالحدث الواقع فيما قبل الزوال، و حيث إنا نشك في بقائه فنستصحبه لا محالة، و اليقين بالطّهارة في أوّل الزوال لا يمكن أن يكون ناقضاً لليقين بالحدث، لأن اليقين بالفرد لا يكون ناقضاً لليقين بالكلي بالبداهة، فإذا علمنا بوجود كلي الإنسان في الحياة و علمنا بموت زيد مثلًا، فلا يتوهم أن يكون اليقين بانعدام فرد ناقضاً لليقين بوجود الكلي بوجه كما ذكرناه في القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي.

الثالث: ما قد يقال إنه ظاهر كلام صاحب الكفاية (قدس سره) و حاصله: أنه يعتبر في الاستصحاب اليقين و الشك الفعليان، و يتعلق اليقين بشي‌ء معيّن و يتعلق الشك بوجوده في الأزمنة التفصيلية المتأخرة، بحيث لو رجعنا قهقرى لوجدنا الشك في كل من الأزمنة التفصيلية المتقدّمة إلى أن ننتهي إلى زمان هو زمان المتيقن لا محالة، لأنه المستفاد من قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» و قوله (عليه السلام): «لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت» و غيرهما، و المتحصل أن تكون أزمنة الشك منتهية إلى زمان معيّن هو زمان المتيقن على وجه التفصيل.

و هذا التقريب لو كان بهذا المقدار فهو مقطوع الفساد، لضرورة عدم توقف جريان الاستصحاب على أن يكون المتيقن معلوم التحقق في زمان على وجه التفصيل، لأنه يجري في موارد العلم بتحققه على وجه الإجمال أيضاً، كمن علم بحدثه قبل طلوع الشمس ثمّ قطع بطهارته و ارتفاع حدثه فيما بين الطلوع و الزوال، و عند الزوال شك في حدثه و أنه فيما بين المبدأ و المنتهى بعد ما توضأ قطعاً فهل أحدث أيضاً أم لم يحدث‌

79

..........

____________

فإنه ممّا لا إشكال في جريان استصحاب طهارته لأنه من غير معارض، مع أنا لو رجعنا قهقرى لرأينا أن الأزمنة بأجمعها زمان الشك و لا تنتهي إلى زمان معيّن نقطع فيه بتحقق الطّهارة في ذلك الزمان إلى أن ننتهي إلى ما قبل الطلوع و هو ظرف اليقين بالحدث، فهذا الوجه ساقط كسابقيه.

و الرابع: و هو العمدة، بل الظاهر أنه مراد صاحب الكفاية (قدس سره)، و هو الذي يظهر من عبارته. و حاصله: أن الاستصحاب يعتبر فيه أن يتعلق اليقين بشي‌ء و يتعلق الشك بوجوده في الأزمنة التفصيلية المتأخرة، بأن يكون وجوده فيها مشكوكاً فيه حتى تنتهي إلى زمان اليقين بوجوده إما تفصيلًا و إما على وجه الإجمال كما عرفت، و هذا غير متحقق في أمثال المقام، و ذلك لأن الحدث المستصحب غير محتمل أن يكون هو الحدث قبل الزوال للقطع بارتفاعهِ بالطّهارة في الساعة الاولى من الزوال، و الحدث بعد الزوال إذا لاحظنا لَنرى أنه مشكوك في جميع الأزمنة المتأخرة التفصيلية و لا ننتهي إلى زمان نعلم فيه بالحدث تفصيلًا أو على نحو الإجمال، فإذا لاحظت الساعة الثالثة من الزوال فوجدت الحدث مشكوكاً فيه في تلك الساعة و هكذا في الساعة الثانية، و الساعة الاولى ظرف اليقين بالطّهارة فلا تقف على زمان تقطع فيه بوجود الحدث تفصيلًا و لا على نحو الإجمال، و مع عدم اتصال أزمنة الشك إلى اليقين بهذا المعنى أي عدم الانتهاء إلى متيقن بوجه فماذا يقع مورد الاستصحاب حينئذ؟ و هذا هو الذي يظهر من عبارته حيث قال: لم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين فلاحظ.

من هنا بنى هو و الماتن و غيرهما ممّن يعتبر في الاستصحاب اتصال زمان الشك باليقين على عدم جريان الاستصحاب فيما جهل تأريخه من أمثال المقام.

و ما أفادوه من الكبرى بالتقريب المتقدّم ممّا لا إشكال فيه، كما أن تطبيقها على أمثال المقام ممّا لا يقبل المناقشة لو أُريد من الاستصحاب فيما جهل تأريخه الاستصحاب الشخصي، حيث إن الحدث قبل الزوال مقطوع الارتفاع، و الحدث بعد الزوال ممّا لم‌

80

..........

____________

يتعلّق يقين بوجوده التفصيلي و لا على نحو الإجمال. و أمّا إذا أُريد منه الاستصحاب الكلي بإجرائه في الجامع بين الحدث فيما قبل الزوال و بين الحدث فيما بعد الزوال، فلا ينطبق عليه الكبرى المتقدّمة.

حيث إنّ لنا يقيناً بوجود الحدث الجامع و نشك في بقائه، لأنه إن كان متحققاً فيما قبل الزوال فهو مقطوع الارتفاع، و إن كان متحققاً فيما بعده فهو مقطوع البقاء و لتردده بينهما شككنا في بقاء الحدث الجامع، و الشك في بقائه في الأزمنة المتأخرة متصل إلى زمان اليقين بوجوده على نحو الإجمال. و عليه فحال المقام حال القسم الثاني من أقسام الكلي بعينه، و الفرق بينهما أن الجامع هناك إنما كان بين فردين عرضيين، و أما في المقام فالحدث الجامع إنما هو بين فردين طوليين أعني الحدث فيما قبل الزوال و الحدث فيما بعده، فيأتي فيه جميع ما أوردوه على جريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي، من أن أحد الفردين أعني الفرد القصير كالحدث الأصغر فيما إذا تردد الحدث الصادر بين أن يكون هو الأصغر أو الأكبر معلوم الارتفاع و الآخر أعني الفرد الطويل كالحدث الأكبر مشكوك الحدوث من الابتداء و الأصل عدمه فأين يجري فيه الاستصحاب.

و الجواب عنه هو الجواب، و هو أنه إنما يتمّ لو قلنا بجريانه في الشخص، و أما إذا أجريناه في الجامع بين الباقي و الزائل فلا إشكال في أنا علمنا بتحققه و نشك الآن في بقائه فيجري فيه الاستصحاب، فإن العلم بارتفاع الفرد لا ينافي العلم بوجود الكلي و حيث إن العلم بالطّهارة علم بفرد و هو الطّهارة الواقعة في أوّل الزوال فهو لا ينافي العلم بجامع الحدث بين الفرد المرتفع و الفرد الباقي، فإذا أجرينا فيه الاستصحاب فلا محالة تقع المعارضة بينه و بين استصحاب الطّهارة فيسقطان بالمعارضة. فالإنصاف أنه لا فرق بين هذه الصورة و بين صورة الجهل بتأريخ كل من الحدث و الوضوء. و أمّا بقيّة الوجوه التي ذكروها في تقريب الكبرى المتقدّمة فهي غير قابلة للتعرّض.

81

..........

بقي في المقام شي‌ء

____________

و هو ما نسب إلى السيِّد بحر العلوم (قدس سره) من ذهابه في هذه الصورة أعني ما إذا علم تأريخ الوضوء و كان الحدث مجهول التأريخ إلى الحكم بالحدث دون الطّهارة على عكس الماتن (قدس سره) تمسّكاً بأصالة تأخّر الحادث حيث لا ندري أن الحدث هل تحقق قبل الزوال أم بعده، فالأصل أنه حدث بعده (1).

و يدفعه أن أصالة تأخر الحادث مما لا أساس له كما نبّه عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2)، حيث إنه إن أُريد منها ما إذا علمنا بوجود شي‌ء فعلًا و شككنا في أنه هل كان متحققاً قبل ذلك أم تحقق في هذا الزمان و كان لعدم تحققه من السابق أثر فهو و إن كان صحيحاً، لأن ذلك الأمر الموجود بالفعل حادث مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه المتيقن إلى هذا الزمان و نرتب عليه آثاره، كما إذا علمنا بفسق زيد فعلًا، و شككنا في أنه هل كان ذلك سابقاً كقبل سنتين أو أكثر حتى نحكم ببطلان الطلاق الذي قد وقع بشهادته، أو أنه صار كذلك فعلًا و لم يكن فاسقاً سابقاً فالطلاق عنده قد وقع صحيحاً، فنستصحب عدم فسقه إلى يومنا هذا و نحكم بصحّة الطلاق. إلّا أن هذا غير مفيد في المقام، لأنّ الشك في التقدّم و التأخّر بعد العلم بحدوث أمرين.

و إن أُريد منها ما إذا علمنا بحادثين و كان لتأخّر كل منهما أثر كما في المقام، ففيه أن الحكم بتأخّر أحدهما المعيّن عن الآخر بلا مرجح، فتتعارض أصالة تأخّر الحدث عن الطّهارة مع أصالة تأخّر الطّهارة عن الحدث. و كيف كان، فلم يقم على حجية الأصالة المذكورة دليل، لأنّ بناء العقلاء لم يجر على ذلك، و أدلّة الاستصحاب إنما تشمل استصحاب العدم فيما إذا لم يكن مبتلى بالمعارض. على أنه لا يثبت عنوان الحدوث للآخر كما هو واضح، نعم لهذا الكلام وجه بناء على حجية الأصل المثبت باستصحاب عدمه إلى زمان العلم بتحقّق الطّهارة الملازم لحدوثه بعدها.

____________

(1) الدرة النجفية: 23.

(2) فرائد الأُصول 2: 666.

82

[مسألة 38: من كان مأموراً بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث إذا نسي و صلّى فلا إشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر]

[577] مسألة 38: من كان مأموراً بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث (1) إذا نسي و صلّى فلا إشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر فيجب عليه الإعادة إن تذكر في الوقت و القضاء إن تذكر بعد الوقت، و أما إذا كان مأموراً به من جهة الجهل بالحالة السابقة فنسيه و صلّى يمكن أن يُقال (1) بصحّة صلاته من باب قاعدة الفراغ، لكنه مشكل فالأحوط الإعادة أو القضاء في هذه الصورة أيضاً. و كذا الحال إذا كان من جهة تعاقب الحالتين و الشك في المتقدّم منهما (2).

المأمور بالوضوء إذا نسيه و صلّى

____________

(1) بأن علم بحدثه سابقاً ثمّ شك في بقائه فحكم عليه بالحدث و وجوب الوضوء بالاستصحاب، إلّا أنه نسي أو غفل فدخل في الصلاة ثمّ بعد الصلاة التفت إلى أنه كان يشك في بقاء حدثه المتيقن قبل الصلاة و قد حكم عليه بالحدث و وجوب الوضوء بالاستصحاب قبل الصلاة. و هذه الصورة لم يتأمل فيها الماتن في الحكم ببطلان الصلاة فيه و وجوب الإعادة أو القضاء.

(2) الأمر بالوضوء من جهة الجهل بالحالة السابقة أي من غير جهة الاستصحاب له موردان:

أحدهما: صورة تعاقب الحالتين، لأن من علم بحدث و وضوء فشك في حدثه أو طهارته من جهة الجهل بالمتقدّم و المتأخر منهما يحكم عليه بوجوب الوضوء بقاعدة الاشتغال دون الاستصحاب، للجهل بالحالة السابقة.

و ثانيهما: ما إذا علم بحدثه أوّل الصبح مثلًا ثمّ علم إجمالًا بأنه إما توضأ أو ترك ركوعاً في صلاته الواجبة بأن كان كلا طرفي العلم ذا أثر ملزم فإنه بعد ذلك يشك طبعاً في حدثه و طهارته و يحكم عليه بوجوب الوضوء أيضاً بقاعدة الاشتغال دون‌

____________

(1) لكنّه خلاف التحقيق فيه و فيما بعده.

83

..........

____________

الاستصحاب للجهل بحالته السابقة، حيث إن الاستصحاب لا يجري في حدثه المعلوم في أوّل الصبح لعدم جريانه في أطراف العلم الإجمالي، و لا في طهارته للجهل بحالته السابقة. فلا تنحصر صورة وجوب الوضوء مع الجهل بالحالة السابقة بمورد تعاقب الحالتين.

بل لو فرضنا الكلام في الغسل لوجدنا له مورداً ثالثاً أيضاً، و هو ما إذا علم بحدثه الأصغر تفصيلًا ثمّ علم إجمالًا بأنه إما توضأ و إما جامع، فحصل له العلم التفصيلي بارتفاع حدثه الأصغر أما بالوضوء و إما بالجنابة و وجب عليه الغسل بقاعدة الاشتغال، فإنه إذا شك في طهارته حينئذ لا يجري في حقه الاستصحاب للجهل بحالته السابقة و أنها هي الوضوء أو الجماع، فالجامع في جميع الموارد هو الجهل بالحالة السابقة و الحكم بالوضوء بقاعدة الاشتغال فهناك صورتان للبحث:

إحداهما: ما إذا حكم عليه بالوضوء بالاستصحاب للعلم بالحالة السابقة و هي الحدث إلّا أنه نسي أو غفل فصلّى و التفت بعد الصلاة إلى حدثه الاستصحابي قبلها فقد عرفت أن الماتن لم يتأمل فيها في الحكم بوجوب الإعادة أو القضاء.

و ثانيتهما: ما إذا حكم عليه بالوضوء بقاعدة الاشتغال للجهل بالحالة السابقة و لكنه غفل أو نسي فدخل في الصلاة ثمّ بعدها التفت إلى أنه كان محكوماً عليه بالوضوء بقاعدة الاشتغال، فقد ذكر الماتن في هذه الصورة أنه يمكن أن يقال بصحّة صلاته بقاعدة الفراغ، لكنّه مشكل فالأحوط الإعادة أو القضاء في هذه الصورة أيضاً.

فالكلام في أنه في الصورة الثانية هل تجب عليه الإعادة أو القضاء أو يحكم بصحّة صلاته بقاعدة الفراغ. و لا بدّ في توضيح ذلك من ملاحظة أن حكمهم بوجوب الإعادة أو القضاء في الصورة الأُولى بأي ملاك، فلقد ذكروا أن الوجه في وجوبها حينئذ أن قاعدة الفراغ إنما تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري بعد العمل لأنها واردة في مورده دائماً أو غالباً، إلّا أنها غير حاكمة على الاستصحاب الجاري قبل‌

84

..........

____________

العمل بل الاستصحاب حاكم على القاعدة، لأنه إذا جرى قبل العمل و حكم الشارع على المكلّف بالحدث فلا يبقى شك في بطلان الصلاة و الحال هذه حتى تجري قاعدة الفراغ في صحّتها بعد إتمامها، فالاستصحاب الجاري قبل العمل رافع لموضوع قاعدة الفراغ بعد العمل و هو الشك، و من ثمّ إذا علم المكلّف بحدثه قبل الصلاة ثمّ شك في بقائه و جرى الاستصحاب في حقه و حكم الشارع عليه بالحدث و وجوب الوضوء و لكنه نسي أو غفل فدخل في الصلاة و التفت إلى شكّه السابق بعدها يكون الاستصحاب الجاري في حقه قبلها معدماً و رافعاً لموضوع القاعدة تعبداً، فلا يبقى شك في صحّتها حتى يحكم بصحّتها بقاعدة الفراغ.

فلو كان هذا هو الملاك في الحكم بوجوب الإعادة و القضاء في الصورة الاولى أعني ما إذا حكم بالوضوء في حقه من قبل الاستصحاب إلّا أنه نسي و دخل في الصلاة، فمن الظاهر أنه لا يأتي في الصورة الثانية أعني ما إذا حكم عليه بالوضوء بقاعدة الاشتغال لا بالاستصحاب لجهالة الحالة السابقة، فلو نسيه أو غفل و دخل في الصلاة و التفت إلى شكّه و حكمه السابق بعد الصلاة تجري في حقه قاعدة الفراغ، لأن الشارع لم يحكم عليه بالحدث و وجوب الوضوء في أي وقت، و إنما حكمنا عليه بالوضوء قبل الصلاة بقاعدة الاشتغال، و مع عدم الحكم شرعاً بحدثه و وجوب الوضوء لا مانع من جريان القاعدة بعد العمل، لوجود موضوعها و هو الشك وجداناً و لا رافع له بوجه فيحكم بها بصحّة الصلاة، فلا يجب إعادتها فضلًا عن قضائها.

إلّا أنا ذكرنا قريباً في بحث الاستصحاب أن الاستصحاب لا مجال له في الصورة الأُولى، لأنه متقوم بموضوعه و هو اليقين و الشك الفعليان، و مع الغفلة و النسيان لا يقين و لا شك، و ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه من البديهيات فلا مورد للاستصحاب حينئذٍ، فعدم جريان قاعدة الفراغ غير مستند إلى الاستصحاب الجاري في حقه قبل الصلاة حيث لا استصحاب، فلا مانع عن القاعدة من هذه الجهة.

نعم لا تجري القاعدة أيضاً من جهة أن الظاهر المستفاد من أخبارها اختصاص‌

85

[مسألة 39: لا إشكال في صحة صلاة من توضأ للتجديد ثانيا و صلى و قد تيقن بطلان أحد الوضوئين]

[578] مسألة 39: إذا كان متوضئاً و توضأ للتجديد و صلّى ثمّ تيقن بطلان

____________

جريانها بما إذا كان الشك في صحّة العمل و فساده حادثاً بعد العمل، و الأمر في المقام ليس كذلك، لأنه كان شاكاً في وضوئه و صحّة صلاته و الحال هذه قبل الصلاة، و إنما غفل عنه ثمّ عاد بعد العمل، نعم هو مغاير مع الشك الزائل بالغفلة عقلًا، لأن المعدوم و الزائل غير الفرد الحادث بعد العمل و إنما هما متماثلان و لكنه هو هو بعينه بالنظر العرفي، و من هنا يقال إنه عاد، فكأن الشك قد خفي في خزانته ثمّ برز بعد العمل، فإذا كان الشك بعد العمل هو بعينه الشك قبله لا تجري فيه قاعدة الفراغ (1) هذا.

على أنا ذكرنا في بحث قاعدة الفراغ أن القاعدة إنما تجري فيما إذا شك بعد العمل في كيفيته، و أنه أتى به ملتفتاً إلى شرائطه و أجزائه و مراعياً لهما أو أتى به فاقداً لبعض ما يعتبر فيه، و أما إذا علم بغفلته حال العمل و عدم مراعاته الشروط و الأجزاء و إنما يحتمل انطباق المأمور به عليه من باب الصدفة و الاتفاق فهو ليس بمورد للقاعدة لعدم كونه أذكر حال العمل منه حين يشك، و لا كان أقرب إلى الحق منه بعده، و هو الذي عبرنا عنه بانحفاظ صورة العمل (2) تبعاً لشيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3) و عليه فالقاعدة لا مجال لها كما أن الاستصحاب لا يجري.

فانحصر الحكم ببطلان الصلاة و وجوب الإعادة و القضاء في الصورة الأُولى بقاعدة الاشتغال و عدم إحراز الامتثال بإتيان الوظيفة في وقتها فتجب عليه الإعادة و القضاء، إذن لا فرق بين الصورة الأُولى و الثانية في وجوب الإعادة و القضاء، فإنه في كلتا الصورتين بملاك واحد و هو كونه مأموراً بالامتثال بقاعدة الاشتغال، و لم يحرز إتيانه بالوظيفة في وقتها فيجب عليه إعادتها في الوقت أو قضاؤها خارجه، لعدم إتيانه بالوظيفة في وقتها.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 93.

(2) مصباح الأُصول 3: 309.

(3) فوائد الأُصول 4: 651.

86

أحد الوضوءين (1) و لم يعلم أيهما، لا إشكال في صحّة صلاته، و لا يجب عليه الوضوء للصلاة الآتية أيضاً بناء على ما هو الحق من أن التجديدي إذا صادف الحدث صحّ (2)، المتوضئ لو جدّد وضوءه و صلّى ثمّ علم ببطلان أحد الوضوءين

____________

(1) أي بطلانه في نفسه لفقده شيئاً من أجزائه أو شرائطه، لا بانتقاضه بعد علمه بتحقق كل منهما صحيحاً في نفسه.

(2) و قد تعرض (قدس سره) في هذه المسألة و المسائل الآتية لعدّة فروع يقرب بعضها من بعض.

المسألة الأُولى: ما إذا صلّى ثمّ علم ببطلان أحد وضوءيه من الأوّل و التجديدي بأن ظهر له بطلان أحدهما في نفسه لفقده شيئاً من شرائطه و أجزائه، لا أنه علم بانتقاضه بعد وقوعه صحيحاً. و الوجه فيما أفاده في هذه المسألة بناء على ما هو الحق الصحيح من أن الوضوء التجديدي يرفع الحدث إذا صادفه في الواقع ظاهر و هو العلم بطهارته و وضوئه الرافع للحدث، و غاية الأمر لا يدري أن سببه هو الوضوء الأوّل أو الثاني و هو غير مضرّ في الحكم بطهارته فتصح صلاته، كما أن له الدخول بذلك الوضوء في كل أمر مشروط بالطّهارة. ثمّ إنه (قدس سره) لم يتعرض لما هو خلاف الحق و المشهور من عدم كون الوضوء التجديدي رافعاً للحدث على تقدير مصادفته الواقع فهل يحكم حينئذ بصحّة صلاته و وضوئه أو لا يحكم بصحّة شي‌ء منهما أو فيه تفصيل؟.

لا إشكال في أن استصحاب الحدث السابق على كلا الوضوءين جار في نفسه و مقتضاه الحكم ببطلانهما و بطلان الصلاة، و ذلك لليقين به قبلهما و لا يقين بالوجدان بارتفاعه، لاحتمال أن يكون الباطل الوضوء الأوّل و الصحيح هو التجديدي الذي لا يترتب عليه ارتفاع الحدث على تقدير المصادفة فمقتضاه البطلان، و إنما الكلام في‌

87

..........

____________

أن قاعدة الفراغ هل تجري في الوضوء الأوّل أو الصلاة في نفسها حتى تتقدم على استصحاب الحدث أو أنها لا تجري فللكلام جهتان:

الجهة الاولى: في أن قاعدة الفراغ هل تجري في نفس الصلاة؟ و الجهة الثانية: في جريانها في الوضوء الأوّل و عدمه.

أمّا الجهة الأُولى فالتحقيق أن القاعدة غير جارية في نفس الصلاة سواء قلنا بجريانها في الوضوء أم لم نقل. أما إذا قلنا بجريانها في الوضوء فلأجل أنه لا يبقى معه شك في صحّة الصلاة حتى تجري فيها القاعدة، لأن الشك فيها مسبب عن الشك في الوضوء و مع الحكم بصحّته بالقاعدة لا يبقى شك في صحّة الصلاة، إذ الأصل الجاري في السبب حاكم على الأصل الجاري في المسبب. و أما إذا لم نقل بجريانها في الوضوء و لو بدعوى أنه طرف للعلم الإجمالي ببطلانه أو بطلان الوضوء التجديدي كما يأتي فلأن قاعدة الفراغ كما ذكرناه غير مرّة إنما تجري فيما إذا كانت صورة العمل غير محفوظة حين الشك في صحّته، بأن يشك في أنه هل أتى به مطابقاً للمأمور به أم فاقداً لبعض شرائطه أو أجزائه. و أما إذا كانت صورة العمل محفوظة كما إذا علم أنه توضأ من هذا المائع الموجود بين يديه و هو مشكوك الإطلاق و الإضافة مثلًا أو صلّى إلى تلك الجهة و هي مشكوك كونها قبلة و لكنه احتمل صحّته لأجل مجرد المصادفة الاتفاقية فهي ليست مورداً للقاعدة، لاعتبار أن يكون المكلّف أذكر حال العمل منه حينما يشك (1) و أن يكون أقرب إلى الحق منه بعده (2) كما في رواياتها، و هو غير متحقق عند كون صورة العمل محفوظة، و الأمر في المقام كذلك، لأن صلاته هذه إنما وقعت بذلك الوضوء الأوّل الذي يشك في صحّته و فساده، فالصلاة خارجة عن موارد القاعدة.

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7. و هي مضمرة بكير بن أعين، قال: الرجل يشك بعد ما يتوضأ، قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك.

(2) الوسائل 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3. و فيه: و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك.

88

..........

____________

و لا يُقاس هذا بملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي و غيره من موارد الشك السببي و المسببي حيث يجري الأصل فيها في المسبب إذا لم يجر في السبب، و ذلك لأنه و إن كان صحيحاً بكبرويته، لوضوح أن الأصل إذا لم يجر في السبب لمانع فلا محالة تنتهي النوبة إلى الأصل المسببي، إلّا أنه فيما إذا كان الأصل في المسبب جارياً في نفسه لاشتماله على شرائطه، لا في مثل الصلاة في مفروض الكلام الذي لا تجري فيه القاعدة في نفسها لعدم وجدانها الشرط المعتبر في جريانها.

و أمّا الجهة الثانية أعني جريان قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل فالصحيح أنها جارية في الوضوء الأوّل، للشك في صحّته و فساده و بها يحكم بصحّته و صحّة الصلاة، و يجوز له أن يدخل في كل ما هو مشروط بالطّهارة. و الذي يتوهم أن يكون مانعاً عن جريانها في ذلك الوضوء إنما هو وجود العلم الإجمالي ببطلانه أو بطلان الوضوء التجديدي، كما إذا علم بأنه قد ترك مسح رأسه في أحد الوضوءين و معه لا تجري القاعدة في شي‌ء منهما، لأن جريانها في كليهما تعبد بخلاف المعلوم، و جريانها في بعض دون بعض ترجيح من غير مرجح. إلّا أن العلم الإجمالي المفروض غير مانع عن جريان القاعدة في الوضوء الأوّل بوجه، لأنا إن قلنا بما ربّما يظهر من بعض كلمات شيخنا الأنصاري (قدس سره) من أن تأثير العلم الإجمالي و تنجيزه متوقف على أن يكون متعلقه حكماً إلزامياً في جميع أطرافه و إذا كان متعلقه في بعضها حكماً غير إلزامي فهو غير منجز للتكليف، كما إذا علم إجمالًا ببطلان إحدى صلاتية من الفريضة أو النافلة فلا تجب عليه إعادة الفريضة لعدم كون الحكم في طرف النافلة إلزامياً، فالأمر واضح، لأن الحكم في أحد طرفي العلم الإجمالي في المقام أيضاً غير إلزامي و هو الوضوء التجديدي لأن إعادته غير واجبة، فالعلم الإجمالي غير مؤثر في تنجز متعلقه فلا مانع من إجراء القاعدة في كل من الوضوء الأوّل و التجديدي بوجه.

و أمّا إذا قلنا بما قوّيناه أخيراً و قلنا بأن العلم الإجمالي منجز لمتعلقه عند تعارض الأُصول في أطرافه سواء كان متعلقه حكماً إلزامياً في جميعها أم كان حكماً غير‌

89

..........

____________

إلزامي في بعضها و إلزامياً في الآخر، فأيضاً لا مجال للمنع عن جريان القاعدة في الوضوء الأوّل، و ذلك لعدم المعارض و عدم جريان القاعدة في الوضوء التجديدي بناء على ما اخترناه وفاقاً للماتن (قدس سره) من عدم انحصار استحباب التجديد بالفرد الأوّل، بل الفرد التجديدي الثاني و الثالث و الرابع و هكذا أيضاً مستحب.

و السرّ في عدم جريان القاعدة في التجديدي حينئذ هو أن القاعدة إنما تجري فيما أمكن فيه التدارك إما على نحو اللزوم و إما على نحو الاستحباب فبها ترفع كلفة تدارك العمل السابق، و هذا كما في مثال ما إذا علم ببطلان الفريضة أو النافلة، حيث إن كلا منهما إذا كانت باطلة يمكن تداركها فيجب إعادتها أو تستحب، فالقاعدة إذا جرت في شي‌ء منهما تقتضي عدم لزوم تداركها أو عدم استحباب التدارك، فتتعارض القاعدة في الفريضة معها في النافلة فلا يمكن إجراؤها في كليهما لأنه تعبد بخلاف المعلوم و لا في بعضها دون بعض لأنه بلا مرجح.

و أما إذا لم يمكن التدارك بوجه فلا معنى لجريان قاعدة الفراغ في مثله، و هذا كما في الصلاة المبتدأة، لأنه إذا شك بعدها في صحّتها و فسادها لا تجري فيها القاعدة، لأنها سواء صحّت أم فسدت فقد مضت و لا أثر لبطلانها، حيث إن الصلاة خير موضوع و مستحبة في جميع الأوقات، فالصلاة بعد الصلاة التي يشك في صحّتها مستحبة في نفسها صحّت الصلاة السابقة أم فسدت، فلا أثر لبطلانها أي لا يمكن تداركها حتى تجري فيها القاعدة و بها يحكم بعدم كلفة المكلّف في تداركها و إعادتها لزوماً أو استحباباً. و هذا من غير فرق بين كونها طرفاً للعلم الإجمالي و كونها مشكوكة بالشك البدوي، لأنها في نفسها ليست مورداً للقاعدة كما مر.

و الأمر في المقام بناء على ما اخترناه كذلك حيث لا أثر للوضوء التجديدي صحّة و فساداً، لأن المفروض أنه لا يرفع الحدث الواقعي على تقدير المصادفة، حيث إن كلامنا على هذا الفرض، كما أن بطلانه لا يوجب الإعادة لعدم إمكان تداركه حيث إن الفرد التجديدي الثاني مستحب في نفسه صح الفرد الأوّل أم لم يصح، كان‌

90

و أمّا إذا صلّى بعد كل من الوضوءين ثمّ تيقّن بطلان أحدهما فالصلاة الثانية صحيحة (1) و أما الاولى فالأحوط (1) إعادتها، و إن كان لا يبعد جريان قاعدة الفراغ فيها (2).

____________

مورداً و طرفاً للعلم الإجمالي أم كان مشكوكاً بدوياً، لأن القاعدة غير جارية فيه في نفسه لا من جهة المعارضة، فإذا لم يترتب على جريان القاعدة في الوضوء التجديدي أثر فلا مانع من جريانها في الوضوء الأوّل، لأنه مشمول لإطلاق أدلّتها و لقوله (عليه السلام): كل ما مضى من صلاتك و طهورك فأمضه كما هو (2).

و العلم الإجمالي بترك المسح في ذلك الوضوء الأوّل أو بتركه في أمر آخر أجنبي لا أثر له لا يورث غير الشك في صحّة الوضوء الأوّل و لا يمنع عن جريان القاعدة لأنه ليس علماً بالنقصان فيه، فإذا جرت فيه القاعدة نحكم بصحّته كما نحكم بصحّة الصلاة و بجواز دخوله في كل ما يشترط فيه الطّهارة.

و من هنا يظهر أنه لا فرق في الحكم بصحّة الوضوء و الصلاة بين القول بأن الوضوء التجديدي يرفع الحدث على تقدير المصادفة، و القول بعدم كونه رافعاً فإنهما محكومان بالصحّة على كلا التقديرين.

(1) للعلم بطهارته حين الصلاة الثانية بناء على أن الوضوء التجديدي يرفع الحدث على تقدير المصادفة واقعاً، و إنما لا يدري سببه و أن الطّهارة حصلت بالوضوء الأوّل أو الثاني.

(2) و قد اتضح مما بيّناه سابقاً عدم جريان القاعدة في نفس الصلاة، لما استظهرناه‌

____________

(1) و الأظهر عدم وجوب الإعادة لا لما ذكره بل لجريان قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل بلا معارض.

(2) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 6. و إليك نصها «... كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكراً فأمضه و لا إعادة عليك فيه». و ورد في موثقة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

91

[مسألة 40: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعدهما ثمّ علم بحدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلاة الآتية]

[579] مسألة 40: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعدهما ثمّ علم بحدوث حدث بعد أحدهما (1) يجب الوضوء للصلاة الآتية (2) لأنه يرجع إلى العلم بوضوء و حدث و الشك في المتأخر منهما، و أما صلاته فيمكن الحكم بصحّتها من باب قاعدة الفراغ بل هو الأظهر.

____________

من رواياتها من اختصاصها بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة حال الشك في صحّة العمل، بأن يحتمل كونه حال العمل ملتفتاً إلى جميع أجزائه و شرائطه و آتياً بهما في محلهما، كما يحتمل غفلته و نسيانه عن بعضهما فقد نقص شيئاً منهما.

و أمّا إذا علم بحاله حال العمل و أنه كان غافلًا أو شاكاً فلا تشمله القاعدة كما مر و الأمر في المقام كذلك لعلمه بأنه صلّى مع ذلك الوضوء الذي يحتمل بطلانه فلا مجرى للقاعدة في نفس الصلاة، نعم لا بأس بإجرائها في الوضوء الأوّل لما مرّ من عدم معارضة القاعدة فيه مع القاعدة في الوضوء التجديدي، إذ لا أثر بصحّته و فساده لعدم كونه قابلًا للتدارك كما مر، فإذا جرت القاعدة في الوضوء فبه نحكم بصحّة الصلاة الأُولى كما يجوز له الدخول في كل ما هو مشروط بالطّهارة، و قد عرفت أن العلم الإجمالي ببطلان أحدهما مما لا أثر له.

إذا توضّأ مرّتين و صلّى بعدهما ثمّ علم بتحقّق حدث بعد أحدهما

(1) أي علم بانتقاض أحدهما بعد وقوعهما صحيحين و تامّين، لا أنه علم ببطلان أحدهما بترك جزء أو شرط منه كما في المسألة المتقدّمة.

(2) أما وضوءه الأوّل فهو مقطوع الانتقاض سواء وقع الحدث بعده أم بعد الوضوء الثاني، و أما الوضوء الثاني فهو محتمل الانتقاض لاحتمال أن يكون الحدث واقعاً قبله و بعد الوضوء الأوّل فالوضوء الثاني غير مرتفع، كما يحتمل ارتفاعه لاحتمال وقوع الحدث بعد الوضوء الثاني. و عليه فهو حينئذ عالم بحدوث حدث و طهارة لا يعلم المتقدّم و المتأخّر منهما فيدخل الوضوء الثاني في الكبرى المتقدِّمة من‌

92

[مسألة 41: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعد كل واحد صلاة ثمّ علم حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلاة الآتية و إعادة الصلاتين]

[580] مسألة 41: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعد كل واحد صلاة ثمّ علم حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلاة الآتية و إعادة الصلاتين (1) السابقتين إن كانا مختلفتين في العدد (1)

____________

العلم بحدوث الطّهارة و الحدث و الشك في المتقدّم و المتأخّر منهما، و قد عرفت أن استصحاب الطّهارة غير جار حينئذ، و لا يمكن الرجوع إلى البراءة، لأن المورد من موارد الاشتغال فيحكم بوجوب الوضوء عليه لأجل الصلوات الآتية.

و هل يمكن التمسّك بقاعدة الفراغ بالنسبة إلى ما أتى به من الصلاة؟ الظاهر ذلك و ذلك لأنه يحتمل أن يكون حال صلاته قد أحرز طهارته و أنها بعد الحدث فصلّى مع الطّهارة و إنما حصل له التردد في التقدّم و التأخّر بعد الصلاة، و مع احتمال التفاته إلى وجدان الشرط حال الصلاة يحكم بصحّتها بمقتضى القاعدة، كما هو الحال فيما إذا شك في أصل وضوئه بعد الصلاة، لأنه إذا احتمل التفاته إلى شرائطها قبل الصلاة و إحرازها حينئذ يحكم بصحّة صلاته بقاعدة الفراغ.

(1) نظراً إلى أن قاعدة الفراغ في كل من الصلاتين معارضة بجريانها في الآخر فيتساقطان، و لا يمكن الرجوع إلى البراءة لأن المورد مورد للاشتغال هذا. و هل يمكن التفصيل في هذه المسألة بالحكم بصحّة الصلاة الأُولى دون الثانية؟

التحقيق يقتضي ذلك، و هذا لأن قاعدة الفراغ في كل من الطرفين و إن كانت معارضة بجريانها في الآخر كما عرفت، إلّا أنه لا مانع من الرجوع إلى استصحاب بقاء الطّهارة الاولى إلى زمان الصلاة الأُولى بوجه، و وجهه أن تأريخ الصلاة الأُولى معلوم و هو ما بين الوضوءين، و المفروض أنا نقطع بتحقق الطّهارة بالوضوء الأوّل للعلم بوقوعه صحيحاً و إنما نشك في استمرار تلك الطّهارة إلى زمان الصلاة الأُولى أو‌

____________

(1) بل تجب إعادة الثانية فقط، لأن استصحاب الطّهارة في الأُولى بلا معارض بخلاف الثانية فإنها مسبوقة بالحالتين، و بذلك يظهر الحال في المسألة الآتية.

93

..........

____________

إلى زمان الوضوء الثاني و عدمه، لاحتمال تخلل الحدث بينه و بين الصلاة الأُولى فنستصحب بقاءها إلى زمان الطّهارة الثانية و عدم حدوث الحدث إلى ذلك الزمان و به يحكم بصحّة الصلاة الاولى لا محالة. و لا يعارضه الاستصحاب في الوضوء الثاني، لأن لنا في زمان ذلك الوضوء أي الثاني علماً إجمالياً بتحقق حدث و وضوء و استصحاب بقاء الطّهارة الثانية إلى حال الصلاة معارض باستصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان.

و ما ذكرناه من الحكم بصحّة الصلاة الاولى في هذه المسألة و إن لم يذهب إليه أحد فيما نعلمه، لأنهم على ما نسب إليهم تسالموا على وجوب إعادة كلتا الصلاتين، إلّا أن من الظاهر أنها ليست من المسائل التعبدية، و إنما ذهبوا إلى بطلانهما من جهة تطبيق الكبريات على مصاديقها فلا مانع في مثله من الانفراد هذا.

و قد يورد على ما ذكرناه من جريان استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الوضوء الثاني الموجب للحكم بوقوع الصلاة الاولى مع الطّهارة بأنه لا وجه للحكم بجريان الاستصحاب المذكور، لأنه معارض باستصحاب بقاء الطّهارة الثانية، و إن كان له أي لاستصحاب بقاء الطّهارة الثانية إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية معارض آخر و هو استصحاب بقاء الحدث إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية إلّا أنه قد يكون أصل واحد معارضاً بأصلين، كما في علمين إجماليين اشتركا في طرف واحد كالعلم الإجمالي بنجاسة الإناء الشرقي أو الغربي لوقوع قطرة دم في أحدهما ثمّ العلم إجمالًا ثانياً بوقوع نجس في الإناء الشرقي أو الشمالي، لأن أصالة الطّهارة أو استصحابها في الإناء الشرقي حينئذ معارض بأصلين الجاري أحدهما في الشمالي و الآخر في الإناء الغربي، و مع المعارضة يحكم بتساقط الأُصول بأجمعها، و لا موجب للحكم بسقوط المتعارضين منها أوّلًا و الحكم ببقاء الآخر بلا معارض.

و الأمر في المقام كذلك، و هذا لا لوجود علمين إجماليين بل من جهة أن استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية كما مرّ معارض باستصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان. ثمّ إنا لو أغمضنا النظر عن جريان‌

94

..........

____________

استصحاب الحدث إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية أيضاً لا مجال لاستصحاب الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية، و ذلك للعلم الإجمالي بانتقاض أحد الوضوءين و وقوع إحدى الصلاتين مع الحدث، فاستصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الثانية معارض باستصحاب بقائها إلى زمان الفراغ عن الصلاة الأُولى.

أذن استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الثانية معارض بأصلين أحدهما استصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان و الآخر استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الأُولى، و معه لا مناص من الحكم بسقوط الجميع، و لا وجه للحكم بسقوط استصحاب الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية مع استصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان و إبقاء استصحاب الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الاولى غير معارض، فلا بدّ من الحكم بإعادة كلتا الصلاتين.

هكذا قيل، و هو و إن كان وجيهاً بظاهره إلّا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه. و توضيح الجواب عن ذلك يتوقف على تمهيد مقدّمة ينبغي أن يؤخر ذكرها إلى فروع العلم الإجمالي، غير أنا ننبّه عليها في المقام دفعاً للمناقشة و لأجل أنها قد تنفع في غير واحد من المقامات و المسائل. و هي أن المانع عن شمول الدليل لمورد قد يكون من الأُمور الداخلية و القرائن المتّصلة و قد يكون من الأُمور الخارجية و القرائن المنفصلة و الأوّل يمنع عن أصل انعقاد الظهور للدليل في شموله لمورده من الابتداء، و هذا نظير تخصيص العموم بالمخصص المتصل المجمل، كما إذا خصص العام متصلًا بزيد و تردد زيد الخارج بين ابن بكر و ابن عمرو، فإن العام لا ينعقد له ظهور حينئذ في الشمول لشي‌ء من المحتملين من الابتداء. و الثاني إنما يمنع عن حجيّة الظهور بعد انقعاده في الدليل و لا يمنع عن أصل انعقاد الظهور، فإذا تبيّنت ذلك فنقول:

إن عدم جريان الأُصول في المقام ليس بملاك واحد بل بملاكين، و ذلك لأن عدم جريان الاستصحاب في الحدث و الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية إنما هو من جهة القرينة المانعة المتصلة، و هي استحالة التعبد بالمتناقضين، حيث إن هناك شكّاً واحداً و هو مسبوق بيقينين متنافيين، و إجراء الاستصحاب فيهما يستلزم التعبد‌

95

..........

____________

بالمتناقضين، و استحالة ذلك من القرائن المتّصلة بالكلام، لأنها من الأُمور البديهية التي يعرفها كل عاقل، لأنه إذا التفت يرى عدم إمكان التعبد بأمرين يستحيل اجتماعهما، فعدم شمول أدلّة الاستصحاب لهذين الاستصحابين إنما هو من جهة المانع الداخلي و غير مستند إلى العلم الإجمالي بوجه، لأنه سواء كان أم لم يكن لا يتردد العاقل في استحالة التعبد بالمتناقضين، و قد عرف أن المانع إذا كان من قبيل القرائن المتّصلة فهو يمنع عن أصل انعقاد ظهور الدليل في شموله لمورده.

و أمّا عدم جريانه في استصحابي بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الأُولى و الثانية فهو من جهة القرينة الخارجية، و هي العلم الإجمالي بانتقاض أحد اليقينين إلّا أن مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأُصول في أطرافه ليست من الأُمور البديهية و إنما هي أمر نظري، و من هنا جوّز جماعة جريان الأُصول في كلا طرفي العلم الإجمالي، بل تكرّر في كلمات صاحب الكفاية أن مرتبة الحكم الظاهري محفوظة مع العلم الإجمالي (1). و دعوى احتمال مناقضته أي الحكم الظاهري حينئذ مع الحكم الواقعي غير مختصة بأطراف العلم الإجمالي، لأنها متحققة في جميع الشبهات البدوية و عليه فالمانعية في العلم الإجمالي من قبيل القرائن المنفصلة الخارجية، و قد عرفت أن المانع المنفصل لا يمنع عن أصل الظهور في الدليل و إنما يمنع عن حجيته، فإذا كان الأمر كذلك و لم ينعقد لأدلّة حجية الاستصحاب ظهور في شمولها لاستصحابي الحدث و الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية، و الجامع كل شك مسبوق بيقينين متنافيين، فلا محالة يبقى ظهورها المنعقد في الشمول لمثل استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الأُولى بلا مزاحم و لا مانع، لأن مانعه و رافع حجيّته هو العلم الإجمالي و قد عرفت عدم تأثيره في محل الكلام. فلا يقاس المقام بعلمين إجماليين اشتركا في مورد و طرف واحد، لأن عدم جريان الأصلين فيهما بملاك واحد لا بملاكين كما في المقام و أنحائه.

____________

(1) كفاية الأُصول: 358 359.

96

و إلّا (1) يكفي صلاة واحدة

____________

و عليه ففي موارد اختلاف الصلاتين بحسب العدد لا وجه لإعادة كلتيهما و إنما تجب إعادة الثانية فقط هذا. على أنا لو سلمنا عدم جريان قاعدة الفراغ في الطرفين للمعارضة و عدم جريان الاستصحاب في الصلاة الأُولى لوجه لا ندري به، فلنا أن نرجع إلى البراءة في إحدى الصلاتين، و ذلك فيما إذا خرج وقت إحدى الصلاتين دون الأُخرى، كما إذا توضأ فأتى بصلاة العصر ثمّ توضأ و أتى بصلاة المغرب و قبل انقضاء وقت صلاة المغرب علم إجمالًا بحدوث حدث بعد أحد الوضوءين، فلا مانع في مثله من الرجوع إلى البراءة عن وجوب قضاء العصر، لأنه بأمر جديد و نشك في توجه التكليف بقضائها فندفعه بالبراءة، و بها ينحل العلم الإجمالي لما ذكرناه في محلِّه من أن العلم الإجمالي إنما ينجز متعلقه فيما إذا كانت الأُصول الجارية في أطرافه نافية بأجمعها و أمّا إذا كان بعضها مثبتاً للتكليف في أحد الطرفين و كان الجاري في الآخر نافياً فالعلم الإجمالي ينحل لا محالة (1).

و الأمر في المقام كذلك لأن الجاري في طرف الصلاة التي لم يخرج وقتها هو أصالة الاشتغال، للعلم باشتغال الذمّة بها و يشك في سقوطها، و هذا بخلاف الجاري في ناحية الصلاة الخارج وقتها لأنه هو البراءة حيث إن القضاء بأمر جديد. نعم لو توضّأ و أتى بصلاة قضائية ثمّ توضأ و أتى بصلاة أدائية و بعده علم بحدوث الحدث بعد أحدهما لا بدّ من إعادة كلتا الصلاتين، لعدم خروج الوقت في شي‌ء منهما و المفروض تعارض قاعدة الفراغ في الطرفين و عدم جريان الاستصحاب في الصلاة الأُولى، هذا كلّه فيما إذا كانت الصلاتان مختلفتين من حيث العدد.

(1) أي و إن لم تكن الصلاتان مختلفتين في العدد بأن كانتا متحدتين بحسبه كما إذا توضّأ و أتى بصلاة الظهر ثمّ توضّأ و أتى بصلاة العصر أو العشاء.

____________

(1) أشار إلى ذلك في مصباح الأُصول 2: 356.

97

بقصد ما في الذِّمّة جهراً إذا كانتا جهريتين و إخفاتاً إذا كانتا إخفاتيتين (1) و مخيّراً بين الجهر و الإخفات إذا كانتا مختلفتين (2)، و الأحوط في هذه الصورة إعادة كلتيهما

____________

(1) كما إذا توضأ و أتى بصلاة الظهر ثمّ توضأ و أتى بصلاة العصر، لأنه إذا أتى بصلاة رباعية واحدة إخفاتاً فقد علم بحصول الواجب لأنه إنما علم ببطلان إحدى الصلاتين لا كلتيهما، هذا بناء على مسلك المشهور. و أما على ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في الصلاة الأُولى فالأمر ظاهر، لأنه إنما يأتي بالصلاة الثانية فحسب.

(2) كما إذا توضأ و أتى بصلاة العصر ثمّ توضأ و أتى بصلاة العشاء، فعلى ما بيّناه لا بدّ من إعادة خصوص الثانية جهراً إن كانت جهرية كما في المثال، و إخفاتية إذا كانت إخفاتية. و أما على مسلك المشهور فقد ذكروا بأن المكلّف متخير بين أن يأتي بصلاة واحدة جهرية أو إخفاتية. و الكلام في هذا التخيير و أنه لماذا لم يجب عليه الاحتياط بتكرار الصلاة جهراً تارة و إخفاتاً اخرى عملًا بمقتضى العلم الإجمالي بوجوب إحداهما، و لم يجب مراعاتهما مع أنهما من أحد الأُمور المعتبرة في الصلاة فنقول:

إن مقتضى قانون العلم الإجمالي وجوب تكرار الصلاة جهراً مرّة و إخفاتاً اخرى تحصيلًا للعلم بوجود شرط الصلاة، إلّا أن الأصحاب (قدس سرهم) اختلفوا في ذلك فذهب جماعة منهم إلى ذلك، و لكن المشهور منهم ذهبوا إلى عدم وجوب تكرار الصلاة، بل المكلّف يأتي بها مرّة واحدة مخيّراً بين الإجهار و الإخفات، مستندين في ذلك إلى الأخبار الواردة في من فاتته فريضة لا يدري أيتها، و هي روايات ثلاث:

ثنتان منها رواهما الشيخ (قدس سره) بسندين عن علي بن أسباط من أنه يصلّي ثلاثية و رباعية و ثنائية (1) نظراً إلى أنه (عليه السلام) لم يوجب التكرار في الرباعية‌

____________

(1) الوسائل 8: 275/ أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 1. رواها الشيخ (قدس سره) بسندين: أحدهما بسنده عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن علي الوشاء عن علي ابن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من نسي من صلاة يومه واحدة و لم يدر أي صلاة هي صلّى ركعتين و ثلاثاً و أربعاً». ثانيهما: رواها بسنده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط مثله.

98

..........

____________

مع احتمال أن تكون الفائتة جهرية و أن تكون إخفاتية، و هو معنى التخيير عند دوران الأمر بينهما. و الروايتان معتبرتان من حيث السند و إن عبروا عنهما بالمرسلة في كلماتهم، و لكنا ذكرنا غير مرّة أن المراد بالمرسلة ما إذا كان الراوي غير المذكور في السند واحداً أو اثنين، و أما إذا روى الراوي عن غير واحد فهو كاشف عن كون الرواية معروفة متواترة أو ما يقرب منها عند الرواة، كما أن هذا التعبير بعينه دارج اليوم فتراهم أن القضيّة إذا كانت معروفة يقولون إنها مما نقله غير واحد، فمثله خارج عن الإرسال، فالروايتان لا بأس بهما من حيث سنديهما، لأن علي بن أسباط ينقلهما عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام)، نعم هما من حيث الدلالة قابلتان للمناقشة، لاختصاصهما بمورد فوات الفريضة المرددة بين الثلاث فلا يمكن التعدي عنها إلى غيره كأمثال المقام.

و الرواية الثالثة ما رواه البرقي في محاسنه «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة من الصلوات لا يدري أيتها هي، قال (عليه السلام): يصلّي ثلاثاً و أربعاً و ركعتين فإن كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلّى أربعاً، و إن كانت المغرب أو الغداة فقد صلّى» (1) و هي بعينها الروايتان المتقدمتان إلّا أنها مشتملة على ذيل و هو قوله (عليه السلام): «فإن كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلّى أربعاً» و كأن الذيل تعليل فتعدوا به عن مورد الرواية و هو فوات الفريضة المردّدة بين الصلوات الثلاث إلى كل مورد دار أمر الفريضة فيه بين الجهر و الإخفات مع الاتحاد في العدد، فإنه يأتي بها مخيّراً بين الإجهار و الإخفات لأنه (عليه السلام) لم يوجب التكرار مع الإجهار و الإخفات.

____________

(1) الوسائل 8: 276/ أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 2. و رواها البرقي [المحاسن 2: 47/ 1139] في الصحيح عن الحسين بن سعيد، يرفع الحديث قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إلخ.

99

[مسألة 42: النافلة كالفريضة في محل الكلام]

[581] مسألة 42: إذا صلّى بعد كل من الوضوءين نافلة (1) ثمّ علم حدوث

____________

و لا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه بوجه، لأن الرواية واردة في خصوص من فاتته فريضة و دارت بين الصلوات الثلاث، فكيف يمكننا التعدِّي عنه إلى أمثال المقام ممّا قد لا يكون فيه قضاء أصلًا، كما إذا حصل له العلم الإجمالي بالحدث قبل خروج وقت الصلاتين، و الذيل لا عليّة له و إنما هو بيان لذلك الحكم الخاص الوارد في مورده.

فالصحيح في الحكم بالتخيير في المقام أن يقال: إن أدلّة اعتبار الإجهار و الإخفات قاصرة الشمول في نفسها للمقام، لأنها مختصّة بموارد العلم و التعمد و لا وجوب لشي‌ء منهما مع الجهل و النسيان و الغفلة، و هذا لصحيحة زرارة المصرحة بأن الإجهار و الإخفات إنما هما مع الالتفات و العمد لا مع الجهل و النسيان و الغفلة، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه و أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: أي ذلك فعل متعمداً فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه و قد تمّت صلاته» (1) و حيث إن المكلّف جاهل بوجوبها في المقام لأنه لا يدري أن الباطل من صلاته أيهما و أنها هي الجهرية أو الإخفاتية فلا يجب عليه شي‌ء من الجهر و الإخفات أصلًا، لا أنهما واجبان عليه و لكنه مخيّر بينهما في أمثال المقام، فإذا لم يجب عليه شي‌ء منهما فلا محالة يتخيّر بين الإجهار في صلاته و بين الإخفات فيها، و هذا هو معنى تخيّره بينهما.

النافلة كالفريضة في محل الكلام

(1) و توضيح الكلام في هذه المسألة أن النافلتين إن كانتا مبتدأتين فلا تجري قاعدة الفراغ في شي‌ء منهما، لما مرّ و عرفت من أن القاعدة إنما تجري لرفع وجوب‌

____________

(1) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.

100

حدث بعد أحدهما فالحال على منوال الواجبين، لكن هنا يستحب الإعادة إذ الفرض كونهما نافلة، و أما إذا كان في الصورة المفروضة إحدى الصلاتين واجبة و الأُخرى نافلة فيمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة و عدم معارضتها بجريانها في النافلة أيضاً، لأنه لا يلزم من إجرائهما فيهما طرح تكليف منجز، إلّا أن الأقوى عدم جريانها للعلم الإجمالي فيجب إعادة الواجبة و يستحبّ إعادة النافلة.

____________

إعادة العمل و تداركه، و مع فرض أن العمل غير قابل للتدارك و الإعادة سواء صح أم بطل و إن كانت النافلة بنفسها مستحبة في كل وقت لا معنى لجريان القاعدة في مثله، فلا تجري فيهما القاعدة في نفسها، لا أنها تجري و تتعارض، كما لا يستحب إعادتهما. و أما إذا كانتا غير مبتدأتين كما في نافلة الليل أو الصبح و نحوهما تجري القاعدة في كل من الصلاتين و تتساقط بالمعارضة، لأن جريانها في كلتيهما يستلزم المخالفة القطعيّة و إن لم تكن محرّمة، و هو قبيح لأن مآله إلى التعبد على خلاف المعلوم بالوجدان، لفرض العلم ببطلان إحداهما و معه كيف يتعبد بصحّة كل منهما، فلا محالة تتعارض القاعدة في كل منهما بجريانها في الأُخرى فلا بدّ من إعادتهما على وجه الاستحباب، نعم لو تمّ ما سلكناه من جريان الاستصحاب أعني استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الأُولى يحكم بصحّة النافلة الاولى و يستحب إعادة خصوص الثانية.

و منه يظهر الحال فيما إذا كانت إحداهما فريضة و الأُخرى نافلة غير مبتدأة، لأن القاعدة تتعارض فيهما، لأن جريانها فيهما معاً يستلزم التعبد بخلاف المعلوم بالوجدان فلا بدّ من إعادتهما معاً. و أما إذا كانت إحداهما نافلة غير مبتدأة أو فريضة و الأُخرى مبتدأة فالقاعدة تجري في غير المبتدأة أو الفريضة لعدم معارضتها بجريانها في النافلة المبتدأة فلا إعادة لشي‌ء من الصلاتين حينئذ.