موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
201

[مسألة 30: في جواز استئجار صاحب الجبيرة إشكال]

[624] مسألة 30: في جواز استئجار صاحب الجبيرة إشكال (1) بل لا يبعد انفساخ الإجارة إذا طرأ العذر في أثناء المدّة مع ضيق الوقت عن الإتمام و اشتراط المباشرة، بل إتيان قضاء الصلاة عن نفسه لا يخلو عن إشكال مع كون العذر مرجو الزوال، و كذا يشكل كفاية تبرّعه عن الغير (1).

____________

في طريق الصدوق. فالصحيح في الاستدلال أن يقال: إن الكسير و الجريح و القريح في موارد التيمم لا إشكال في أنه مأمور بالصلاة، حيث لا نحتمل سقوط التكليف عنه بالصلاة ما دام كونه كسيراً و لو إلى آخر عمره، و لا صلاة إلّا بطهور، و الطهور اسم للماء و التراب أعني ما به يتطهر، و حيث إنه عاجز عن استعمال الماء على الفرض فيتعين أن يكون طهوره التراب، و بما أن استعمال التراب لا نحتمل أن يكون على وجه آخر غير التيمم بأن يمسح بدنه به أو نحو ذلك مثلًا أو فبالسبر و التقسيم يظهر أن وظيفة مثله التيمم و المسح على بشرته و جبيرته و الصلاة معه.

حكم استئجار صاحب الجبيرة.

(1) قد تقدّم أن الوضوء مع الجبائر تصح معه الصلاة الواجبة الفعلية، و إنما الكلام في أنه هل يكفي الوضوء مع الجبائر في جواز الصلاة القضائية من قبل نفسه أو غيره مع الأُجرة أو تبرّعاً أو لا تشرع به القضاء مطلقا؟

إن بنينا على ما ذهب إليه بعضهم من أن الوضوء مع الجبيرة كالتيمم مبيحان للدخول في الصلاة و غير رافعين للحدث فلا يصحّ القضاء مع الوضوء جبيرة، لعدم دلالة الدليل على إباحة الدخول معه في القضاء و إنما ثبت إباحة الفرائض الفعلية به فحسب، فاذا لم يشرع القضاء به في نفسه فلا تجوز الإجارة عليه أيضاً، لأنّ صحّة‌

____________

(1) إذا توضّأ أو اغتسل صاحب الجبيرة لصلاة نفسه فالظاهر أنه يرفع الحدث كما تقدّم، و عليه فيجوز استئجاره و يصحّ قضاؤه الصلاة عن نفسه و عن غيره، بل لا يبعد صحّته فيما لو توضّأ أو اغتسل لصلاة غيره، حيث إنّ الوضوء أو الغسل مع الجبيرة مستحب في نفسه، و قد تقدّم انّه لا فرق فيه بين كونه واجباً أو ندبا.

202

..........

____________

الإجارة فرع مشروعية العمل في نفسه.

و أمّا إذا قلنا بأنهما رافعان كما بنينا عليه سابقاً (1) فإن توضأ لخصوص أن يأتي به القضاء فقط، أيضاً يحكم ببطلانه، و ذلك لأن الوضوء مع الجبيرة وظيفة العاجز و الأمر بالقضاء موسع فله أن يصبر حتى يبرأ جرحه أو كسره فيصلي مع الوضوء التام، و مع التمكّن من التام لا يجوز له البدار و الإتيان بالوضوء مع الجبيرة كما هو الحال في الأداء، حيث إنه مع احتماله البرء إلى آخر وقت الفريضة لا يتمكن من البدار كما يأتي تفصيله (2)، فإذا لم يشرع في حقّه الوضوء مع الجبيرة لمحض القضاء فلا تصحّ الإجارة عليه أيضاً كما عرفت، اللّٰهمّ إلّا أن يعلم بعدم ارتفاع عذره إلى الأبد فحينئذ يصح له إتيان القضاء مع الوضوء جبيرة، إلّا أنه خارج عن مفروض المسألة.

و أما إذا توضأ جبيرة لأداء فريضة فيما يصح له إتيانها مع الجبيرة إلّا أنه بعد ذلك أراد أن يأتي به القضاء من قبل نفسه أو غيره مع الأُجرة أو بدونها كما أتى به الأداء، فالظاهر أنه لا إشكال في صحّته و صحّة قضائه، حيث إن القضاء عن نفسه أو عن غيره مأمور به في الشريعة المقدّسة و لا سيما عن الأب و الأُم، و لا صلاة إلّا بطهور، و المفروض أن المكلّف متطهر و من هنا جاز له مس المصحف و غيره مما يشترط فيه الطّهارة كدخول المسجد مع الغسل جبيرة، و مع الحكم بطهارته يصح منه القضاء كما صحّ منه الأداء. و لا يفرق فيها بين الناقصة و التامّة بعد فرض كونها طهارة مسوغة للغايات المشترطة بها، فإذا جاز له القضاء في نفسه جازت الإجارة عليه أيضاً كما تقدّم.

إذا طرأ العذر في الأثناء

بقي الكلام في أنه إذا قلنا بعدم جواز الإجارة على القضاء مع الجبيرة و قد آجر نفسه للقضاء و هو سليم مأمور بالوضوء التام و لكن طرأ عليه العذر في أثناء المدّة و وجب عليه الوضوء مع الجبيرة، فهل يحكم حينئذ بانفساخ العقد لانكشاف أن‌

____________

(1) في ص 187.

(2) في ص 262 294.

203

..........

____________

المنفعة المستأجر عليها غير مملوكة للمؤجر و هو غير قادر على تسليمها فتبطل الإجارة بالإضافة إلى المقدار الباقي عن العمل، نظير ما إذا خربت الدار في أثناء مدّة الإجارة و لم يمكن تعميرها، أو آجر نفسه للبناء فوقع في أثناء العمل و انكسر رجله و لم يتمكّن من الوفاء بالعمل، حيث تنفسخ الإجارة بالإضافة إلى المقدار الباقي من العمل لانكشاف عدم قدرة المؤجر لتسليم المنفعة و عدم كونها ملكاً له. أو أن الإجارة لا تنفسخ، بل يثبت للمستأجر خيار تخلف الشرط و هو المباشرة فله أن يفسخ و له أن يرضى بالعمل منه مع التسبيب؟

إذا فرضنا أن المدّة موسعة يتمكن المكلّف من إتيان القضاء بالوضوء التامّ بعد برئه فلا كلام في صحّة الإجارة و عدم انفساخها، لتمكنه من تسليم المنفعة على الفرض و أمّا إذا كانت المدّة مضيقة و لا يبرأ في تلك المدّة فإن وقعت الإجارة على العمل الكلي الجامع بين المباشرة و التسبيب أيضاً تصح الإجارة، لتمكنه من العمل بالتسبيب فيستأجر غيره و يأتي بالعمل بسببه.

و أمّا إذا كانت المدّة مضيقة و كانت الإجارة واقعة على القضاء بالمباشرة فالصحيح ما ذهب إليه الماتن من انفساخ الإجارة. و لا وجه لصحّتها مع خيار تخلف الشرط كما قيل. و الوجه في ذلك أن الإجارة بحسب البقاء كالإجارة بحسب الحدوث، فكما أن الإجارة لو كانت واقعة في حال عجز المكلّف من الوضوء التام من الابتداء حكمنا ببطلانها على الفرض فكذلك الحال فيما إذا طرأ العجز في الأثناء و لم يتمكن من الوضوء التام في الوسط فلا بدّ من الحكم ببطلانها.

و أمّا عدم جريان خيار تخلف الشرط في المقام فهو لما حققناه في بحث الخيار و قلنا: إن الشرط في ضمن المعاملة قد يرجع إلى الأعيان الشخصية فيبيع كتاباً معيّناً على أن يكون طبعة كذا أو عبداً معيّناً على أن يكون كاتباً أو رومياً و نحو ذلك، و قد يرجع إلى الكلي في الذمّة كما إذا باع مناً من الحنطة في ذمّته على أن تكون من مزرعة كذا أو استأجره للصلاة على أن تكون في مكان كذا أو للصيام على أن يكون في شهر كذا أو يبيع كتاب الجواهر الكلي على أن يكون طبعة كذا.

أمّا الشرط في العين الشخصيّة فقد ذكرنا أنه يرجع إلى جعل الخيار على تقدير‌

204

[مسألة 31: إذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة لا يجب إعادة الصّلاة]

[625] مسألة 31: إذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة لا يجب إعادة الصّلاة (1) (1) التي صلّاها مع وضوء الجبيرة و إن كان في الوقت بلا إشكال، بل الأقوى جواز

____________

التخلّف على الأغلب، و إن كان قد يرجع إلى أمر آخر على ما ذكرناه في بحث الخيار.

و معناه أن التزامه بالبيع مشروط بوجود شرطه و ربّما يصرح بذلك لدى العرف، فتراه يقول إني أشتري هذا و إذا ظهر كذا فلا ألتزم بالمعاملة. فالشرط في الأعيان الشخصيّة مرجعه إلى جعل الخيار و لا يرجع إلى تعليق المعاملة ليوجب البطلان. و لا أنه لتضيق دائرة المبيع، لأنه عين شخصيّة و الجزئي متضيّق في نفسه و لا معنى لتضييقه فإذا ظهر أن العبد المبيع ليس بكاتب فيثبت للمشتري خيار تخلف الشرط.

و أمّا الشرط الراجع إلى الكلّي في الذمم فهو راجع إلى تضييق دائرة المبيع و لا يرجع إلى تعليق العقد و لا إلى جعل الخيار، فإذا كان ما يدفعه البائع إلى المشتري حنطة مزرعة أُخرى أو صلّى المؤجر في غير المكان أو الزمان المشروط في ضمن المعاملة فليس للمشتري أن يفسخ المعاملة بالخيار، بل له رده إلى البائع و مطالبته بالمبيع الذي هو الحصّة الخاصّة من الحنطة أو الصلاة و نحوهما.

فبهذا يظهر أنه إذا آجر نفسه للقضاء بشرط المباشرة ثمّ عجز عن المباشرة فقد عجز عن تسليم متعلق الإجارة إلى مستحقّه، و مع عدم القدرة على ردِّه تبطل الإجارة لا محالة لا أن له الخيار، لأن مرجع الشرط في الكلي في الذمم إلى تضييق دائرة المبيع أو المنفعة المستأجر عليها لا إلى جعل الخيار لنفسه. نعم لو آجر نفسه على أن يأتي بوضوء تام في الخارج بشرط المباشرة ثمّ عجز عن قيد المباشرة يثبت للمستأجر الخيار على ما بيّناه آنفاً. ثمّ لا يخفى أن هذا كله مبني على القول ببطلان إجارة العاجز عن الوضوء التام و قد عرفت أن الحق صحّته.

وضوء الجبيرة مجزئ عن الواقع

(1) أما إذا ارتفع عذره بعد خروج وقت الفريضة فلا ينبغي الإشكال في عدم‌

____________

(1) فيه إشكال، بل الأظهر وجوب الإعادة في الوقت.

205

الصّلاة الآتية بهذا الوضوء في الموارد التي علم كونه مكلفاً بالجبيرة. و أما في الموارد المشكوكة التي جمع فيها بين الجبيرة و التيمّم فلا بدّ من الوضوء للأعمال الآتية لعدم معلومية صحّة وضوئه. و إذا ارتفع العذر في أثناء الوضوء وجب الاستئناف أو العود إلى غسل البشرة التي مسح على جبيرتها إن لم تفت الموالاة.

____________

وجوب الإعادة، إذ لولا صحّة الصلاة المأتي بها مع الوضوء جبيرة في وقتها لم يكن معنى للأمر بها مع التوضي بالوضوء جبيرة و هذا ظاهر.

و أمّا إذا ارتفع عذره قبل خروج وقت الفريضة فقد يفرض الكلام فيما إذا توضّأ جبيرة و صلّى حتى خرج وقت الفريضة ثمّ دخل وقت فريضة أُخرى كالمغرب مثلًا فصلاها بذلك الوضوء الذي أتى به جبيرة لصلاتي الظهر و العصر و ارتفع عذره قبل خروج وقت الفريضة الثانية، فلا إشكال في صحّة صلاته في هذه الصورة لأنه صلّى المغرب و هو متطهر، لما مرّ من أن الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث و موجب للطهارة، بل قد ذكرنا أنه لو توضأ مع الجبيرة و صلّى ثمّ انكشف برء كسره أو جرحه و قرحه حال الوضوء صحّت صلاته فضلًا عما إذا كان كسره أو جرحه باقيين حال الوضوء. إلّا أن ذلك خارج عن مفروض كلام الماتن.

و أُخرى يفرض الكلام فيما إذا توضأ وضوء الجبيرة معتقداً بقاء عذره إلى آخر الوقت، أو باستصحاب بقائه كذلك، أو أنّا جوزنا البدار فصلّى ثمّ ارتفع عذره قبل خروج وقت الصلاة فالصحيح في هذه الصورة وجوب الإعادة، و ذلك لأن الاكتفاء بوضوء الجبيرة على خلاف القاعدة، لأنها تقتضي وجوب التيمم في كل مورد عجز فيها المكلّف عن الوضوء، فلا بدّ في الخروج عن مقتضى القاعدة من الاكتفاء بمورد النص و هو ما إذا لم يتمكن المكلّف من الوضوء التام في مجموع الوقت، إذ المستفاد من أخبار الجبيرة أن الوضوء معها وضوء عذري، و حيث إن المأمور به هو الطبيعي الجامع بين المبدأ و المنتهى فبارتفاع عذره في أثناء الوقت نستكشف تمكنه من الوضوء التام و عدم كونه معذوراً في الإتيان بالوضوء الناقص.

و أمّا حكم الماتن بعدم وجوب الإعادة حينئذ فلعله مستند إلى الإجماع الذي‌

206

[مسألة 32: يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة أوّل الوقت مع اليأس عن زوال العذر في آخره]

[626] مسألة 32: يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة أوّل الوقت مع اليأس عن زوال العذر في آخره و مع عدم اليأس الأحوط التأخير (1) (1).

____________

ادعاه بعضهم على عدم وجوب إعادة الصلاة المأتي بها مع الوضوء جبيرة. إلّا أنه إجماع منقول لا يعتمد عليه فلا بدّ من الإعادة في الوقت احتياطاً، نظراً إلى دعوى الإجماع على عدم الإعادة. هذا كلّه إذا كان مأموراً بالوضوء مع الجبيرة.

و أما إذا أتى به في موارد الجمع للعلم الإجمالي بوجوب الوضوء جبيرة أو التيمم فأتى بهما عملًا بعلمه الإجمالي ثمّ ارتفع عذره في أثناء الوقت فتجب عليه الإعادة يقيناً، كما لا يجوز له أن يأتي به الصلوات الآتية بوجه لعدم علمه بطهارته، لاحتمال أن يكون مأموراً بالتيمم و هو ينتقض بوجدان الماء و التمكّن من استعماله فلا بدّ من تحصيل الطّهارة للصلوات الآتية و فريضة الوقت.

(1) لا وجه لهذا الاحتياط و ذلك لتمكن المكلّف من البدار باستصحاب بقاء عذره إلى آخر الوقت، فإن اعتباره غير مختص بالأُمور المتقدّمة، بل كما يعتبر فيها يعتبر في الأُمور الاستقبالية أيضاً على ما قدمناه في محلِّه (2)، و حيث إنه ذو عذر أوّل الزوال فيستصحب بقاءه إلى آخره فبذلك يكون كالمتيقن في نظر الشارع ببقاء عذره إلى آخر الوقت فيسوغ له البدار، فإذا انكشف عدم بقاء عذره إلى آخر الوقت بعد ذلك تجب إعادته، و هو مطلب آخر غير راجع إلى صحّة الوضوء مع البدار، بل الأمر كذلك فيما إذا بادر إليه لاعتقاد بقاء عذره و يأسه عن البرء إلى آخر الوقت، فإن مع ارتفاع عذره قبل خروج وقت الصلاة ينكشف أن اعتقاده كان مجرد خيال غير مطابق للواقع فتجب عليه الإعادة لا محالة.

____________

(1) و الأظهر جواز البدار لكنه يعيد الصلاة إذا زال العذر في الوقت، بل الأظهر وجوب الإعادة مع الزوال و لو كان البدار من جهة اليأس.

(2) مصباح الأُصول 3: 89.

207

[مسألة 33: حكم من اعتقد الضرر في غسل البشرة ثم تبين عدمه]

[627] مسألة 33: إذا اعتقد الضرر (1) في غسل البشرة فعمل بالجبيرة ثمّ تبيّن عدم الضّرر في الواقع، أو اعتقد عدم الضّرر فغسل العضو ثمّ تبيّن أنه كان مضرّاً (2) و كانت وظيفته الجبيرة، أو اعتقد الضرر و مع ذلك ترك الجبيرة ثمّ تبيّن عدم الضّرر و أن وظيفته غسل البشرة، أو اعتقد عدم الضّرر و مع ذلك عمل بالجبيرة ثمّ تبيّن الضّرر صحّ وضوءه في الجميع بشرط حصول قصد القربة منه في الأخيرتين، و الأحوط الإعادة في الجميع (1).

إذا اعتقد الضّرر ثمّ تبيّن عدمه

____________

(1) صور المسألة أربع لأن المكلّف قد يكون معتقداً للضرر، و قد يكون معتقداً لعدم الضرر، و على كلا التقديرين قد يعمل على اعتقاده و قد يعمل على خلافه.

أما إذا اعتقد الضرر أو عدمه فعمل على خلاف ما يعتقده كما إذا اعتقد الضرر و أن وظيفته الوضوء مع الجبيرة إلّا أنه خالف اعتقاده فتوضأ الوضوء التام، أو أنه اعتقد عدم الضّرر و أنه مأمور بالوضوء التام و لكنه توضأ جبيرة، فلا إشكال في بطلان وضوئه لأن ما أتى به غير مأمور به باعتقاده، و مع الاعتقاد بعدم تعلق الأمر به لا يتمشّى منه قصد الأمر فيقع فاسداً لعدم حصول قصد القربة. هذا في هاتين الصورتين.

و أمّا الصورة الثالثة و هي ما إذا اعتقد الضرر فتوضأ جبيرة ثمّ انكشف أنه لم يكن ضرر في الواقع فقد حكم الماتن بصحّة الوضوء حينئذ، و لكن الصحيح أن نفصل بين ما إذا كان على بدنه كسر أو جرح أو قرح مجبور أو مكشوف فأحتمل بقاءها و تضرّرها بالماء فتوضأ مع الجبيرة أو غسل أطراف الجرح ثمّ انكشف برؤها‌

____________

(1) الظاهر هو التفصيل في فرض اعتقاد الضرر بين تحقق الكسر و نحوه في الواقع و بين عدمه فيحكم بالصحّة في الأوّل دون الثاني.

(2) هذا إذا لم يبلغ الضرر مرتبة الحرمة و إلّا فالوضوء غير صحيح.

208

[628] مسألة 34: في كل مورد يشك في أن وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمّم الأحوط الجمع بينهما (1).

____________

حال الوضوء و عدم كون الماء مضراً في الواقع، فيحكم بصحّة وضوئه لإطلاقات الأخبار الآمرة بالمسح على الجبيرة أو غسل الأطراف للكسير و الجريح و القريح، فإن الموضوع لجواز الوضوء مع الجبيرة هو الخوف دون الضرر الواقعي، و حيث إنه اعتقد الضرر فيصح منه الجبيرة أو الوضوء بغسل الأطراف. و بين ما إذا لم يكن على بدنه شي‌ء من الجرح أو القرح أو الكسر قبل ذلك إلّا أنه تخيّل كسر يده لعدم حركتها أو لوقوعه من علو فجبره بجبيرة أو لم يجبره و توضأ مع الجبيرة أو بغسل أطرافه ثمّ انكشف عدم الكسر و عدم الضرر في الواقع، فيحكم ببطلان وضوئه حينئذ لأن الموضوع لجواز الجبيرة أو غسل الأطراف هو الكسر الواقعي الموجود أو السابق الذي يضره الماء، فإذا انكشف أنه لم يكن كسر لا فعلًا و لا سابقاً و إنما كان هناك تخيّل كسر فقط فهو خارج عن موارد الأخبار فوضوءه باطل تجب إعادته.

و أما الصورة الرابعة فهي ما إذا اعتقد عدم الضرر فتوضأ وضوء الصحيح ثمّ بان ضرره لكسر أو لجرح. و الصحيح في هذه الصورة الحكم بصحّة الوضوء و ذلك لعدم كونه مشمولًا لأخبار الجبائر، لما مرّ من أن الموضوع فيها خوف الضرر و احتماله و المفروض اعتقاد المكلّف بعدم الضرر فيصح منه الوضوء الصحيح.

و دعوى أن مقتضى حديث لا ضرر عدم وجوبه و بطلانه، مندفعة بما مرّ غير مرّة من أنه قاعدة امتنانية و لا تجري في موارد خلاف الامتنان، و الحكم ببطلان الوضوء الذي كان ضرريّاً في الواقع على خلاف الامتنان. فتلخص أن الحكم في الصورتين الأُوليين هو البطلان، و في الثالثة نوافق الماتن في صورة و نخالفه في صورة، و في الصورة الرابعة نوافقه كما عرفت.

(1) لعلمه الإجمالي بوجوب أحد الأمرين في حقه.

209

[فصل في حكم دائم الحدث]

فصل في حكم دائم الحدث المسلوس و المبطون إمّا أن يكون لهما فترة تسع الصلاة و الطّهارة و لو بالاقتصار على خصوص الواجبات و ترك جميع المستحبّات أم لا، و على الثاني إما أن يكون خروج الحدث في مقدار الصلاة مرّتين أو ثلاث مثلًا أو هو متّصل ففي الصورة الأُولى يجب إتيان الصلاة في تلك الفترة سواء كانت في أوّل الوقت أو وسطه أو آخره (1)، و إن لم تسع إلّا لإتيان الواجبات اقتصر عليها و ترك جميع فصل في حكم دائم الحدث الصورة الأُولى:

____________

(1) لأجل التحفظ على طائفتين من الأدلّة: إحداهما: الأدلّة الدالّة على اشتراط الصلاة بالطّهارة و أنه لا صلاة إلّا بطهور. و ثانيتهما: الأدلّة الدالّة على ناقضية البول و الغائط و نحوهما للوضوء، فلو صلّى في الفترة التي تسع الصلاة فقد جمع بين كلتا الطائفتين. و عن الأردبيلي (قدس سره) احتمال عدم الوجوب و جواز الصلاة في كل وقت أراده و لو مع الحدث (1).

و هذا يبتني على أحد أمرين: أحدهما: دعوى تخصيص ما دلّ على اشتراط الصّلاة بالطّهارة بالمسلوس و المبطون و لو في مفروض كلامنا، فلا يعتبر في صلاتهما الطّهارة حتى يجب عليهما إيقاعها في وقت الفترة من البول و الغائط. و ثانيهما: التزام التخصيص في أدلّة ناقضية البول و الغائط بالمسلوس و المبطون و لو في مفروض المسألة، فالصلاة و إن كانت مشروطة بالطّهارة إلّا أن طهارتهما باقية و لا ترتفع بالبول‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 1: 112.

210

..........

____________

و الغائط تخصيصاً في أدلّة النواقض.

و كلا هذين الأمرين فاسد و لا يمكن الاعتماد على شي‌ء منهما، و ليس هناك أمر ثالث.

أما دعوى الالتزام بالتخصيص في أدلّة اشتراط الصلاة بالطّهارة فلأنا لو التزمنا بذلك فجوزنا الصلاة في حقهما من غير طهارة لجازت لهما الصلاة مع إحداث غيرهما من الأحداث بالاختيار كإخراج الريح مثلًا، لأن المحدث لا يحدث ثانياً و المفروض عدم اشتراط الطّهارة في صلاتيهما، مع أنه مما لا يمكن الالتزام بصحّتها فيهما مع إخراج الريح أو غيرهما من الأحداث هذا. على أن المسلوس و المبطون غالباً يصدر منهما الحدثان في أثناء وضوئهما أو بعده و قبل الصلاة، فلو التزمنا بالتخصيص في أدلّة الاشتراط مع القول بناقضيتهما في حقهما فما الموجب لاشتراط الوضوء في حقهما من الابتداء؟ فلا يلزمهما الوضوء أصلًا. و هذا أيضاً كما ترى مما لا يمكن الالتزام به.

و أمّا الالتزام بالتخصيص في أدلّة الناقضية مع الالتزام ببقاء أدلّة الاشتراط بحالها فهو و إن كان أمراً معقولًا، بل و نلتزم به في الصورتين الأخيرتين كما يأتي تفصيلهما إن شاء اللّٰه تعالى، إلّا أن الالتزام به في المقام و هو الصورة الاولى من الصور الأربعة للمسألة يحتاج إلى دليل، و لا دليل عليه سوى دعوى شمول إطلاقات الأخبار الواردة في المسلوس و المبطون (1) للمقام، و هي تدلّ على جواز إيقاع الصلاة لهما مع الحدث.

و فيه: أنه لا إطلاق لتلك الأخبار حسب الفهم العرفي، لأن الصلاة مع الحدث في حقهما حسب ما نفهم من أدلّتها لدى العرف إنما هي صلاة عذريّة بدلًا عن الصلاة المأمور بها على وجه التمام، نظير الوضوء مع الجبيرة لديه، و هي إنما تصحّ مع معذوريّة المكلّف و عدم تمكّنه من الإتيان بالمأمور به الأوّلي فيقتصر على المأمور به الاضطراري، و أمّا مع فرض تمكّنه من الواجب الأصلي فلا اضطرار له، و الصلاة مع الحدث ليست بعذريّة حينئذ فتبطل.

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19.

211

المستحبّات، فلو أتى بها في غير تلك الفترة بطلت (1)، نعم لو اتفق عدم الخروج و السلامة إلى آخر الصلاة صحّت إذا حصل منه قصد القربة (2). و إذا وجب المبادرة لكون الفترة في أوّل الوقت فأخر إلى الآخر عصى، لكن صلاته صحيحة (3). و أمّا الصورة الثانية (4) و هي ما إذا لم تكن فترة واسعة إلّا أنه

____________

مضافاً إلى قوله (عليه السلام) في صحيحة منصور بن حازم من أنه «إذا لم يقدر على حبسه فاللّٰه أولى بالعذر» (1) لأنه كالصريح في أن صلاة المسلوس و المبطون عذرية، و مع التمكّن من المأمور به كيف تكون صلاته مع الحدث عذرية، فهي غير جائزة في حقه حتى تكون عذراً. و بالجملة: إن الأخبار لا إطلاق لها على نحو يشمل المقام، فالصحيح ما أفاده الماتن كما عرفت وجهه.

(1) لعدم الأمر بها.

(2) كما إذا كانت الفترة في آخر الوقت و قد أتى بها في أوّل وقتها رجاء عدم خروج شي‌ء من الحدثين، أو باستصحاب عدم خروجهما إلى أن يتمّ الصلاة، أو غفلة عن أنه يحدث. و الوجه في صحّتها أن الصلاة لم يشترط فيها أن تقع في آخر الوقت مثلًا، و إنما أوجبنا عليه إيقاعها في ذلك الوقت تحفظاً على شرطها و هو الطّهارة، فإذا كانت حاصلة و لو في أوّل وقت الفريضة صحّت صلاته، و المفروض حصول قصد القربة و غيره من شرائطها أيضاً.

(3) القاعدة و إن كانت تقتضي سقوط الأمر بالصلاة عنه لعدم تمكنه من شرطها إلّا أنا لما علمنا بعدم سقوط الصلاة في حال من الأحوال كما يقتضيه الإجماع القطعي في المسألة فلا جرم أوجبنا عليه الصلاة مع ما هو عليه من الحدث بمقتضى إطلاقات أخبار المسألة، لأنه مسلوس أو مبطون عاجز عن الصلاة مع الطّهارة.

الصورة الثانية

(4) و قد قسم الصورة الثانية و هي ما إذا لم يتمكن المكلّف من الصلاة مع الطّهارة‌

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 2.

212

لا يزيد على مرّتين أو ثلاث أو أزيد بما لا مشقة في التوضؤ في الأثناء و البناء يتوضأ و يشتغل بالصلاة بعد أن يضع الماء إلى جنبه فاذا خرج منه شي‌ء توضأ بلا مهلة و بنى على صلاته (1) من غير فرق بين المسلوس و المبطون، لكن الأحوط أن يصلّي صلاة أُخرى بوضوء واحد خصوصاً في المسلوس، بل مهما أمكن لا يترك هذا الاحتياط فيه.

____________

في شي‌ء من الوقت لعدم حصول فترة في البين تسع الطّهارة و الصلاة إلى أقسام ثلاثة:

الأوّل: ما إذا خرج منه مرّة أو مرّتين أو أكثر على نحو لم يكن الوضوء بعد كل واحد منها موجباً للعسر و الحرج. و قد حكم في هذا القسم بوجوب شروعه في الصلاة مع الطّهارة فإذا خرج منه بول أو غائط في الأثناء جدد الوضوء بعد أن يضع الماء بجنبه فإذا خرج منه شي‌ء توضأ بلا مهلة و بنى على صلاته. و حكمه هذا يغاير حكمه في القسمين الآتيين.

القسم الثاني: ما إذا كان الخارج كثيراً بحيث يكون الوضوء بعد كل منها موجباً للعسر و الحرج، كما إذا كان بحيث يقول إياك نعبد فيتوضأ و يقول و إياك نستعين فيتوضأ و هكذا. و قد أوجب عليه الوضوء لكل من صلواته.

و القسم الثالث: ما إذا لم ينقطع بوله أصلًا بل كان يخرج مستمرّاً. فقد حكم في حقه بكفاية الوضوء الواحد لجميع صلواته و أنّ له أن يصلِّي صلوات عديدة بوضوء واحد، و أنه بحكم المتطهّر إلى أن يجيئه حدث آخر من نوم أو نحوه أو خرج منه البول أو الغائط على المتعارف.

القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة

و ما ذكره (قدس سره) في القسم الأوّل من الحكم بوجوب الوضوء لكل صلاة‌

____________

(1) الأظهر عدم الحاجة إلى الوضوء في أثناء الصلاة و لا سيما في المسلوس، و رعاية الاحتياط أولى.

213

..........

____________

و أنه إذا خرج شي‌ء منه في أثناء صلاته توضأ بلا مهلة فيما إذا لم يستلزم الفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة و لا شيئاً من منافياتها و قواطعها كالاستدبار مثلًا، على القاعدة أعني التحفظ على إطلاقات أدلّة اشتراط الصلاة بالطهور، حيث إنها على قسمين:

قسم دلّ على أنه لا صلاة إلّا بطهور (1). و هذا القسم إنما يستفاد منه اعتبار الطّهارة فيما هو صلاة، فلا دلالة على اعتبار الطّهارة في الأكوان المتخلِّلة بين أجزاء الصلاة لأنها ليست بصلاة و إن كان المكلّف في الصلاة ما دام لم يسلم، فله أن يحدث متعمداً فضلًا عمّا إذا لم يكن متعمداً في الأكوان المتخللات.

و قسم دلّ على اعتبار الطّهارة حتى في الأكوان المتخللة و هو أدلّة القواطع من الاستدبار و الحدث و نحوهما (2) فقد دلّت على أن وقوع الحدث في الصّلاة و لو في الأوقات المتخللة موجب لبطلانها و انقطاعها و عدم انضمام ما سبق منها بما لحق. و قد رفعنا اليد في المسلوس و المبطون عن القسم الثاني بمقتضى أخبارهما حيث دلّت على أن الحدث غير قاطع في حقهما، إذ لو كان قاطعاً في حقهما أيضاً سقطت عنهما الصّلاة لعدم تمكّنهما من الصلاة المأمور بها. و أمّا إطلاق القسم الأوّل و أنه لا صلاة إلّا بطهور فهو باق بحاله و هو يقتضي تحصيل الطّهارة للأجزاء الصلاتية إذا حدث في أثنائها.

و دعوى أن ذلك ينافي بطلان الصلاة بالفعل الكثير و لا وجه لتقديم أدلّة اشتراط الطّهارة في الصلاة على أدلّة بطلانها بالفعل الكثير، مندفعة بأن مبطلية الفعل الكثير للصلاة ممّا لم يدل عليه أي دليل لفظي و إنما استفيدت من ارتكاز ذلك في أذهان المتشرِّعة، و الارتكاز إنما هو في الأفعال الأجنبية عن الصلاة و لا ارتكاز في مثل الوضوء لأجل الصلاة، نعم ورد في بعض الأخبار المانعة عن التكفير في الصلاة أنه عمل، و لا عمل في الصلاة (3) إلّا أن معناه أن التكفير في الصلاة إذا اتى به بما أنه عمل‌

____________

(1) الوسائل 1: 315/ أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1، 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1، ب 4 ح 1.

(2) الوسائل 7: 244/ أبواب قواطع الصلاة ب 3، 1. و غيرهما من الأبواب المذكورة.

(3) و هي صحيحة علي بن جعفر: الوسائل 7: 266/ أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 5.

214

..........

____________

من أعمالها موجب لبطلانها لأنه ليس من أعمالها، و لا دلالة على أن مطلق العمل في الصلاة يبطلها، فلو وضع مثلًا إحدى يديه على أحد جانبي وجهه و يده الأُخرى على جانبه الآخر لم تبطل صلاته. فالإنصاف أن ما أفاده (قدس سره) مطابق للقاعدة.

حكم المسألة بالنظر إلى الأخبار

و أمّا بالنظر إلى الأخبار الواردة في المقام فالصحيح أن حكم المسألة حكم المسألتين الآتيتين أعني حكم السلس و البطن. و نتكلم في السلس أوّلًا ثمّ في البطن.

حكم السّلس

و عمدة هذه الأخبار موثقة سماعة، قال: «سألته عن رجل أخذه تقطير من فرجه إما دم و إما غيره، قال: فليصنع خريطة و ليتوضأ و ليصل، فإنما ذلك بلاء ابتلي به فلا يعيدن إلّا من الحدث الذي يتوضأ منه» (1) حيث دلّت على أن المسلوس لا يعيد وضوءه، و أن الحدث الاقتضائي منه ليس بحدث في حقه، و أنه بلاء ابتلي به من قبل اللّٰه سبحانه و غير مستند إلى اختياره فلا يجب عليه إعادة الوضوء في أثناء صلاته هذا.

و قد يناقش في الرواية باضطراب متنها، حيث إن في نسخة منها «قرحة» بدل «فرجه» و عليه فالموثقة أجنبية عما نحن بصدده. و يدفعه أن الوسائل إنما نقلها عن الشيخ، و الشيخ في تهذيبه رواها بلفظه «فرجه» (2) كما أن الوافي (3) و الحدائق (4) رويا عنه بتلك اللفظة و كذا في كتب الفقهاء، فلفظة «قرحة» غلط من نساخ الوسائل هذا. بل في نفس متنها لقرينة ظاهرة على أن الكلمة «فرجه» لا «قرحة» و تلك القرينة عبارة عن أن الكلمة لو كانت هي قرحة لم يكن وجه للسؤال عن بطلان الصلاة بما‌

____________

(1) الوسائل 1: 266/ أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 9.

(2) التهذيب 1: 349/ 1027.

(3) الوافي 6: 144/ 3965.

(4) الحدائق 2: 388.

215

..........

____________

يخرج منه من دم أو غيره كالقيح، لأن الخارج من القرح غير ناقض للوضوء أبداً فسؤاله عن وضوئه و غسله قرينة على أن اللفظة هي فرجه. على أن قوله: «فليصنع خريطة» كالصريح في أن الكلمة كلمة فرج، لأن الخريطة بمعنى الكيس الذي يعلق على الفرج لئلّا ينجس الفخذين، و لا نتعاهد الخريطة في القرح، فهذه المناقشة ساقطة.

و يناقش فيها اخرى بعدم صراحتها في البول، لأن لفظة «و إما غيره» غير صريح في ذلك فيحتمل أن يراد به غير البول. و تندفع هذه المناقشة بما عرفت من أن المراد منه أي من كلمة (إمّا غيره) لو كان غير البول لم يكن وجه للسؤال عن كونه حدثاً ناقضاً للوضوء و الصلاة، و لم يناسبه الجواب بعدم كونه حدثاً و أنه لا يعاد منه الوضوء، بل المناسب في الجواب على تقدير السؤال عنه أن يقال إنه طاهر أو نجس. و أما الجواب بأنه بلاء و أنه لا يوجب الوضوء إلّا الحدث المتعارف من البول و الغائط المتعارفين أو النوم المتعارف فهو قرينة على أن المراد به هو البول.

و على ذلك فقد دلّتنا الموثقة على أن بول المسلوس غير ناقض لوضوئه فلا يجب عليه الوضوء في أثناء صلاته. و يؤيد ذلك أن الأخبار الواردة في أحكام المبطون و المسلوس كلها خالية عن التعرض لحكم ما إذا أخذه البول أو الغائط في أثناء وضوئه مع أنه أمر عادي محتمل في حقهما بل لا يقصر عن زمان الصلاة، فلو كان بوله حدثاً ناقضاً لبطل وضوءه من الابتداء و لم يقدر على الطّهارة أصلًا هذا.

و قد تعارض الموثقة بصحيحة حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الدالّة على أن صاحب السلس يأخذ كيساً و يدخل فيه ذكره ثمّ يصلِّي يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر، يؤخر الظهر و يعجل العصر بأذان و إقامتين، و يؤخر المغرب و يعجل العشاء بأذان و إقامتين و يفعل ذلك في الصبح (1) حيث أوجبت عليه الوضوء لكل صلاتين يجمع بينهما، فهي تنافي الموثقة المتقدّمة الدالّة على أن بول المسلوس غير موجب للحدث و الانتقاض.

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 1.

216

..........

____________

و فيه: أن الصحيحة لو لم تؤيد الموثقة لم تكن منافية لها، و ذلك لأن في الصحيحة جهتين:

إحداهما: أنه يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. و هذه الجملة مؤيدة للموثقة حيث دلّت على أن البول الخارج في زمان الصلاتين ليس بحدث و إلّا لأوجب عليه الوضوء في أثنائهما.

و ثانيتهما: أن المسلوس لا يتمكن من الشروع في صلاة أُخرى غيرهما إلّا أن الصحيحة غير مشتملة على أن ذلك من جهة ناقضية بوله لوضوئه، بل لعله من جهة نجاسة محل بوله، حيث إنه يخرج من المسلوس و يوجب نجاسته و إنما عفي عنها في الصلاتين، و أما في الزائد عليهما فهي باقية على مانعيتها في الصلاة. و يؤيده أن السؤال كلّه متوجه إلى الصلاة في الصحيحة و لم يسأل فيها عن الوضوء، و عليه فالمسلوس لا يبطل وضوءه ببوله، نعم ليس له الدخول في غير الصلاتين من النوافل أو غيرها إلّا بعد غسل الموضع و تطهيره. هذا كله في المسلوس.

و أما المبطون فالظاهر أن حكمه حكم المسلوس، و ذلك لأن موثقة سماعة و إن كانت واردة في سلس البول إلّا أن قوله (عليه السلام) في ذيلها: «فإنما ذلك بلاء ابتلي به فلا يعيدن إلّا من الحدث الذي يتوضأ منه» أي من الأحداث المتعارفة التي يتعارف الوضوء منها كالبول الاختياري أو غيره من الأحداث المعتادة، ظاهر في التعليل، و العلّة تعمم الحكم إلى غير مورد الرواية أيضاً، لأنها تدلّ على أن كل حدث غير اختياري الذي هو بلاء من قبل اللّٰه سبحانه لا يعاد منه الوضوء و إنما يعاد من الحدث الاختياري المتعارف، و هو كما يشمل السلس يشمل البطن.

و من هنا ألحق الفقهاء بهما صاحب الريح الغالبة مع عدم ورود رواية فيه فانّ العلّة ظاهرة في التعميم، و إن أمكن أن يكون لهم وجه آخر زائد على ذلك أيضاً. فالصحيح أن المسلوس و المبطون لا يجب عليهما الوضوء في أثناء صلاتهما بل يتوضآن مرّة واحدة للصلاتين بل لجميع الصلوات، و يتمكّنان من الدخول في صلاة أُخرى غير الصلاتين اللّتين جمع بينهما، نعم لا بدّ من تطهير الموضع من النجاسة لأنها إنما عفيت بقدر الصلاتين لا أزيد.

217

..........

حكم البطن

____________

و أمّا الأخبار الواردة في البطن فهي ثلاثة كلها عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، روى ثنتين منها صاحب الوسائل (قدس سره) و هما اللتان رواهما عنه عبد اللّٰه بن بكير، و ترك الثالثة و هي التي رواها عنه علاء بن رزين اشتباهاً و نقلها الصدوق في الفقيه.

إحداها: موثقة ابن بكير عن محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المبطون، فقال: يبني على صلاته» (1) و قوله: «يبني على صلاته» يحتمل أن يراد منه أنه إذا خرج منه الغائط في أثناء صلاته يتوضأ ثمّ يبني على صلاته، كما يحتمل أن يراد به أنه لا يعتني بما خرج منه بل يبني على صلاته و يمضي فيها. و هذا لو لم يكن متعيناً فلا أقل من أنه الأظهر من الاحتمال السابق.

و ثانيها: رواية علاء بن رزين عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «صاحب البطن الغالب يتوضأ و يبني على صلاته» (2) و هي أظهر فيما ذكرناه من الموثقة المتقدّمة، فإن ظاهرها أن صاحب البطن يتوضأ أوّلًا فيدخل في الصلاة و لا يعتني بما خرج منه بل يبني على صلاته.

و ثالثها: رواية ابن بكير عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «صاحب البطن الغالب يتوضأ ثمّ يرجع في صلاته فيتمّ ما بقي» (3). و قد سقطت كلمة «الغالب» في كلام الحدائق (قدس سره) (4) و كلمة «ثمّ يرجع» غير منقولة في الوافي (5).

و كيف كان، فظاهر الأخيرة أن المبطون إذا خرج منه الغائط في أثناء صلاته يتوضأ ثمّ يتمّ ما بقي من صلاته فتعارض الرواية المتقدّمة، بل الموثقة أيضاً على ما‌

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 3.

(2) الفقيه 1: 237/ 1043.

(3) الوسائل 1: 298/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 4.

(4) الحدائق 2: 390.

(5) الوافي 8: 1047/ 7702.

218

..........

____________

قوّيناه من كونها ظاهرة في أنه لا يعتني بما يخرج منه هذا. و لكن الظاهر عدم إمكان الاعتماد عليها. أمّا أوّلًا: فلضعف سندها، لأن طريق الشيخ إلى العياشي ضعيف. و أما ثانياً: فلأنه من البعيد عادة أن يسأل رأو واحد من إمام واحد مسألة واحدة ثلاث مرات و يجيبه الإمام (عليه السلام) في كل مرّة بعبارة غير العبارة الأُخرى، فالمظنون بل المطمأن به أنها بأجمعها أو ببعضها منقولة بالمعنى إما من محمّد بن مسلم أو من غيره، و حيث إنا لا ندري أن الألفاظ الصادرة عنه (عليه السلام) أية لفظة فلا محالة نتوقف عن الاعتماد عليها فلا يمكن الحكم بوجوب الوضوء على المبطون في أثناء صلاته هذا.

على أنا لو أغمضنا عن ذلك و بنينا عل أنها منقولات بألفاظها أيضاً لا يمكننا العمل بمقتضى الأخيرة، بل لا بدّ من حملها على الاستحباب، لأن ظهور التعليل في العموم في قوله في موثقة سماعة (1): إنه بلاء ابتلي به و لا يعيدن حيث يدلّ على عدم وجوب الوضوء في شي‌ء من الأحداث غير الاختيارية أقوى من ظهور الأمر في الوجوب في قوله في الأخيرة: «يتوضأ ثمّ يرجع» فلا مناص من حملها على الاستحباب. بل يمكن أن يقال: إن البطن بمعنى صاحب مرض البطن فتوصيفه بالغالب كاشف عن إرادة ما إذا لم ينقطع عنه الغائط بوجه بل يخرج مستمراً، و يأتي أن الحكم حينئذ كفاية وضوء واحد لجميع صلواته فكيف يمكن الحكم في مثله بوجوب الوضوء عند خروج الغائط في أثناء الصلاة، و هذا أيضاً شاهد على حملها على الاستحباب.

فتلخص: أن المسلوس و المبطون لا يجب عليهما الوضوء في أثناء صلاتهما و إن خرج عنهما البول و الغائط من غير اختيار، و ذلك تخصيصاً في أدلّة ناقضية البول و الغائط بالأخبار المتقدّمة الواردة في السلس و البطن، فلهما أن يصليا صلاة أُخرى غير الصلاتين اللّتين جمعاهما في زمان، نعم لا بدّ من أن يطهرا بدنهما و لباسهما لغيرهما‌

____________

(1) المتقدّمة في ص 214.

219

و أمّا الصورة الثالثة (1) و هي أن يكون الحدث متصلًا بلا فترة أو فترات يسيرة بحيث لو توضأ بعد كل حدث و بنى لزم الحرج يكفي أن يتوضأ لكل صلاة (1) و لا يجوز أن يصلِّي صلاتين بوضوء واحد نافلة كانتا أو فريضة أو مختلفة، هذا إن أمكن إتيان بعض كل صلاة بذلك الوضوء.

____________

من الصلوات، فإن مانعية نجاسة البدن و الثياب إنما رفعنا عنها اليد بمقدار الصلاتين بمقتضى صحيحة حريز المتقدِّمة (2) لا أزيد منه.

و يؤيد ما ذكرناه أنه لم يرد في شي‌ء من روايات السلس و البطن حكم ما إذا خرج عنهما البول أو الغائط في أثناء وضوئهما مع أنه أمر عادي، و لا يقصر وقته عن الصلاة بكثير، فلو كان حدثهما غير الاختياري مبطلًا لوضوئهما لوجب عليهما استئناف الوضوء لو حصلا في أثنائه مع أن الأخبار لم تدل على بطلان وضوئه بخروجهما في أثنائه، نعم إنما يرتفع حدثه بما يتعارف منه الوضوء كالبول و الغائط الاختياريين أو الريح و النوم العاديين و هكذا. فما ذهب إليه الشيخ في مبسوطه من أن صاحب السلس و البطن يتوضآن مرّة واحدة لجميع صلواتهما و لا يعيدان الوضوء إلّا مما تعارف الوضوء منه بعد ذلك (3) هو الصحيح.

القسم الثاني من الأقسام الثلاثة

(1) أعني الصورة الثانية من الصور الثلاث الباقية، فإن بنينا في الصورة الاولى أعني ما إذا خرج البول أو الغائط مرّة أو مرّتين أو ثلاث مرّات من غير استلزام التوضؤ بعد كل واحدة من الأحداث عسراً أو حرجاً على ما بنينا عليه من أن الوضوء في المسلوس و المبطون لا ينتقض بالبول و الغائط بوجه، و إنما يتوضآن مرّة‌

____________

(1) بل يكفي وضوء واحد لجميع الصلوات ما لم يصدر منه غير ما ابتلي به من الأحداث.

(2) في ص 215.

(3) لاحظ المبسوط 1: 130.

220

..........

____________

واحدة و هو يكفي لجميع صلواتهما و لا يجب عليهما الوضوء في أثناء صلاتهما و أنه يبقى إلى الأبد ما دام لم يصدر منه حدث اختياري فالحكم في هذه المسألة ظاهر، لأنه أيضاً يتوضأ مرّة واحدة و يصلّي به أي صلاة شاءها، و لا ينتقض إلّا بالحدث الاختياري، و لا يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة بطريق أولى، لأن الوظيفة كانت كذلك عند عدم لزوم العسر و الحرج فكيف بما إذا كان الوضوء مستلزماً لهما.

و أمّا إذا لم نقل بذلك و بنينا على ناقضيّة البول و الغائط من المبطون و المسلوس لوضوئهما و حكمنا في الصورة الأُولى بوجوب الوضوء في أثناء الصلاة كما بنى عليه الماتن (قدس سره) فما حكم به الماتن من أنه يتوضأ لكل صلاة و لا يجوز أن يصلّي صلاتين بوضوء واحد هو الصحيح، و ذلك لأن المسلوس و المبطون في فرض المسألة و إن كان لا يجب عليهما الوضوء في أثناء صلاتهما لاستلزامه العسر و الحرج المنفيين في الشريعة المقدّسة إلّا أن دليل نفي الحرج إنما ينفي التكليف و الإلزام بالوضوء في الأثناء و لا يستفاد منه الحكم الوضعي من بطلان وضوئهما و صلاتهما أو صحّتهما بوجه فلا بدّ في تعيين الوظيفة حينئذ من الرجوع إلى دليل آخر.

فقد يقال: إنه يجب أن يتوضأ حينئذ في أثناء الصلاة إلى أن يبلغ مرتبة توجب العسر و الحرج في الوضوء فإذا بلغ إلى تلك المرتبة سقط عن الوجوب. و فيه: أن دليل نفي العسر و الحرج كما عرفت إنما ينفي الإلزام بإيجاد الصلاة المشروطة بالطّهارة في الخارج لأنه عسر و حرجي، و أما أصل اشتراط الصلاة بالطّهارة فهو ليس أمراً موجباً للعسر و الحرج لينفى بدليل نفيهما، فلا دليل على أن صلاتهما في مفروض المسألة بعد بلوغ الوضوء مرتبة العسر و الحرج غير مشترطة بالطّهارة فتصح مع الحدث أيضاً، فلا بدّ في تعيين الوظيفة حينئذ من الرجوع إلى روايات الباب.

فإذا نظرنا إلى رواية محمّد بن مسلم الدالّة على أن صاحب البطن الغالب يتوضأ ثمّ يرجع في صلاته فيتم ما بقي (1)، و قطعنا النظر عن ضعف سندها و بنينا على أنها مطلقة شاملة لكل من صورتي التمكّن من الوضوء في الأثناء و عدم التمكّن منه، فإنّها‌

____________

(1) الوسائل 1: 298/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 4.

221

..........

____________

فرضت الحدث في الأثناء و دلّت بظاهرها على وجوبه في الأثناء ثمّ الرجوع إلى صلاته فمع فرض إطلاقها لكل من صورتي التمكّن من الوضوء و عدمه لا بدّ من الحكم بسقوط الصلاة عن المكلّف في مفروض المسألة، و ذلك لأنّ المفروض أن صلاته مشروطة بالطّهارة حتى إذا لم يتمكّن من الطّهارة، و لازمه تعذر الصلاة في حقه لتعذّر شرطها لعجز المكلّف عن الوضوء في الأثناء و استلزامه العسر و الحرج.

و توهم عدم إمكان الإطلاق فيها على نحو يشمل كلا من حالتي التمكن من الوضوء و عدمه، لأنها مشتملة على الأمر بالوضوء، و التكليف مع عدم القدرة غير ممكن. مندفع بأن الأمر و إن كان كذلك إلّا أنه يختص بالتكاليف المولوية، و أما الأوامر الإرشادية إلى الاشتراط كما في المقام أو غيره فلا مانع من أن تشمل موارد عدم التمكّن أيضاً، فتدلّ على اشتراط الصلاة بالطّهارة مطلقاً حتى مع عدم التمكّن من شرطها و هذا مما لا محذور فيه. نعم إنا نعلم علماً خارجياً أن الصلاة لا تسقط عن المبطون و نحوه طيلة حياته كأربعين أو ثلاثين سنة، و بهذا نستكشف أنها لا إطلاق لها بحيث يشمل صورة عدم التمكّن أيضا.

و عليه فيتمسك بموثقة ابن بكير عن محمّد بن مسلم المتقدِّمة (1) بناء على ما استظهرناه من دلالتها على وجوب الوضوء قبل الصلاة و البناء عليها المؤيدة بما رواه محمّد بن مسلم في الفقيه من أنّ صاحب البطن الغالب يتوضّأ و يبني على صلاته (2) و مقتضاهما وجوب الوضوء على المبطون مرّة واحدة لصلاته من دون أن يجب عليه في أثنائها، و حيث إنا تحفظنا على دليل الناقضية فلا بدّ من إعادة الوضوء لكل صلاة لأنّ الأوّل ينتقض بما يخرج منه بعد ذلك لا أنه يتوضأ إلى أن يلزم الحرج فإذا لزم لم يجب عليه الوضوء، لأنه كما مرّ مما لا دليل عليه.

و قياس ناقضية الحدث قبل لزوم الحرج و عدم ناقضيته بعد الحرج بناقضية الحدث قبل الصلاة و عدمها بعد الدخول في الصلاة كما ذهب إليه الماتن (قدس سره)

____________

(1) في ص 217.

(2) الفقيه 1: 237/ 1043.

222

و أمّا إن لم يكن كذلك بل كان الحدث مستمرّاً بلا فترة يمكن إتيان شي‌ء من الصّلاة مع الطّهارة (1) فيجوز أن يصلّي بوضوء واحد صلوات عديدة، و هو بحكم المتطهِّر إلى أن يجيئه حدث آخر من نوم أو نحوه أو خرج منه البول أو الغائط على المتعارف، لكن الأحوط في هذه الصورة أيضاً الوضوء لكل صلاة.

____________

حيث حكم بوجوب الوضوء قبل الصلاة و لم يوجبه في أثنائها، لأن معناه أن الأحداث السابقة على الصلاة ناقضة فلذا وجب التوضؤ لرفعها بخلاف الأحداث الواقعة في أثنائها لأنها ليست بناقضة، و من هنا لم يجب الوضوء في أثناء الصلاة، فإذا أمكن التفكيك في الناقضية بين ما قبل الصلاة و ما بعدها فيمكن التفكيك في الناقضية بين ما قبل لزوم الحرج و ما بعده أيضاً. قياس مع الفارق، لأنا إنما قلنا بعدم ناقضية الحدث أثناء الصلاة بموثقة ابن بكير المؤيدة برواية محمّد بن مسلم المتقدِّمتين الدالّتين على أنه يتوضّأ قبل الصلاة و يبني على صلاته، و أمّا التفكيك بين ما قبل الحرج و بعده فهو ممّا لم يقم عليه دليل.

القسم الثالث من الأقسام الثلاثة

(1) هذه هي الصورة الباقية من الصور الثلاث الباقية، فإن بنينا على ما ذكرناه في الصورة الاولى من أن البول و الغائط من المسلوس و المبطون غير ناقضين لوضوئهما و يكفي له الوضوء مرّة لجميع صلواته، و لا ينتقض إلّا بالحدث الاختياري فنقول به في هذه المسألة أيضاً بطريق أولى. و أما إذا لم نبن عليه و قلنا بناقضية أحدهما فالوجوه في المسألة أربعة.

الوجوه المتصوّرة في المسألة

الأوّل: أن لا يجب عليهما الصلاة في هذه الصورة أصلًا لتعذّر شرطها و هو الطّهارة.

223

و الظّاهر أنّ صاحب سلس الرِّيح أيضاً كذلك (1).

____________

الثاني: أن تجب عليهما الصلاة من غير وضوء لتعذره.

الثالث: أن يجب عليهما الوضوء لكل صلاة، و هو الذي احتاط به الماتن في المسألة.

الرابع: ما بنى عليه الماتن من وجوب الوضوء عليهما مرّة واحدة لجميع صلواتهما و أنه لا ينتقض إلّا بالحدث الاختياري.

أما الوجه الأوّل فهو باطل يقيناً، للقطع بعدم سقوط الصلاة عن المسلوس و المبطون طيلة حياتهما. و كذلك الوجه الثاني، إذ لا صلاة إلّا بطهور فكيف تجب الصلاة من دون وضوء؟ على أن لازمه جواز إحداث المسلوس و المبطون في الصلاة متعمداً و لو بالبول و نحوه و هو مقطوع الخلاف.

أما الوجه الثالث فهو أيضاً باطل لعدم الدليل على وجوب الوضوء لكل صلاة لأن الدليل عليه منحصر بموثقة ابن بكير و رواية محمّد بن مسلم المتقدّمتين (1) الآمرتين بالوضوء و البناء على صلاته، و هي غير شاملة للمقام، لأن الظاهر من الوضوء في قوله (عليه السلام): «يتوضأ» هو الوضوء الصحيح، و هو الذي يجب إتيانه قبل الصلاة دون الوضوء الباطل، لأنه لم يقل: و يبني على وضوئه، بل قال: «و يبني على صلاته» و المكلّف في هذه الصورة غير متمكن من الوضوء الصحيح لأنه محدث على وجه الدوام، فإذا بطلت الوجوه بأجمعها يتعيّن الوجه الرابع و هو الذي بنى عليه الماتن (قدس سره).

حكم سلس الرِّيح

(1) و الأمر كما أفاده، و ذلك لعدم اختصاص الأخبار الواردة في السلس و البطن بموردها، لاشتمال بعضها على التعليل كما في صحيحة منصور بن حازم «إذا لم يقدر‌

____________

(1) في ص 217.

224

[و هنا مسائل متعلقة في دائم الحدث]

[مسألة 1: يجب عليه المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء بلا مهلة]

[629] مسألة 1: يجب عليه المبادرة (1) إلى الصلاة بعد الوضوء بلا مهلة (1).

____________

على حبسه فاللّٰه أولى بالعذر» (2) فإن ظاهره أن الحدث الصادر عن غير إرادة و اختيار أعني حدث ذوي الأعذار غير ناقض للطّهارة، و العلة تعمم كما قد تخصص. و موثقة سماعة «فإنما ذلك بلاء ابتلي به فلا يعيدن إلّا من الحدث الذي يتوضأ منه» (3) فالحدث غير الاختياري ليس بناقض للطّهارة. و عليه فحكم صاحب سلس الريح حكم سلس البول و الغائط على التفصيل المتقدّم فيهما فراجع.

وجوب المبادرة بلا مهلة

(1) هذه الجملة و إن كانت مطلقة إلّا أنها مختصّة بالصورة الثالثة و لا يأتي في الرابعة و لا في الأُولى و الثانية. و توضيحه: أنه على ما سلكناه في المسألة من التخصيص في ناقضية الحدث في حق المسلوس و المبطون و ما يلحق بهما و عدم كون البول و الغائط و الريح ناقضاً لطهارتهم، و بقائها في حقّهم إلى أن يخرج منهم حدث اختياري، فلا إشكال في عدم وجوب المبادرة، لأن ما يخرج منهم ليس بحدث ناقض للطّهارة.

و أمّا على ما سلكه الماتن (قدس سره) فلا معنى لإيجاب المبادرة في الصورة الاولى من الصور المتقدّمة، لأن المكلّف يجب عليه حينئذ إيقاع الصلاة مع الطّهارة في الوقت الذي يتمكّن منهما فيه، فلا مجال لإيجاب المبادرة معه.

و كذا لا وجه لاشتراطها في الصورة الثانية، لأنه و إن وجب عليه الوضوء قبل الصلاة و في أثنائها إذا حدثَ حدثٌ إلّا أنه إذا توضأ قبل الصلاة لا تجب عليه المبادرة إليها حيث لا دليل عليه، نعم إذا أحدث قبل الصلاة وجب عليه إعادة الوضوء.

____________

(1) الظاهر عدم وجوبها.

(2) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 2.

(3) الوسائل 1: 266/ أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 9.

225

[مسألة 2: لا يجب على المسلوس و المبطون أن يتوضئا لقضاء التشهد و السجدة المنسيين]

[630] مسألة 2: لا يجب على المسلوس و المبطون أن يتوضئا لقضاء التشهد و السجدة المنسيين بل يكفيهما وضوء الصلاة التي نسيا فيها (1)، بل و كذا صلاة

____________

فحال الحدث قبل الصلاة حاله في أثنائها، فكما أنه في الأثناء إذا حدث يوجب الوضوء كذلك فيما إذا حدث قبل الصلاة، و أما المبادرة فلا وجوب لها بوجه.

و أما الصورة الرابعة فعدم وجوب المبادرة فيها أظهر، لأن المفروض أنا رفعنا اليد فيها عن دليل الاشتراط و القاطعيّة و الانتقاض فلا يكون حدثه موجباً للطّهارة حينئذ، أو أن حدثه ليس بحدث ناقض، أو لا يجب عليه الوضوء، و معه كيف تجب عليه المبادرة إلى الصلاة؟

فيختص وجوب المبادرة بالصورة الثالثة، و ذلك لأن المفروض فيها أن الواجب على المكلّف هو تحصيل الطّهارة في أوّل الصلاة من دون أن يجب عليه تجديدها في أثنائها، فالمكلف يتمكن فيها من إيقاع أوّل جزء من صلاته مع الطّهارة فيجب عليه ذلك بالمبادرة إليها، و لا يسوغ له تفويت التمكّن من هذا المقدار من الصلاة.

لا يجب عليهما التوضؤ لغير الصلاة

(1) أمّا على ما سلكناه فلظهور أن الحدث منهما ليس بحدث ناقض للطّهارة فله أن يأتي بالصلاة أو بغيرها مما يشترط فيه الطّهارة بعد ذلك، و أما على ما سلكه الماتن فأيضاً تختص هذه المسألة بالصورة الثالثة و لا تأتي في غيرها.

أمّا في الصورة الأُولى فلأجل أنه متمكِّن من الصلاة مع الطّهارة في جزء من الوقت فيتعيّن عليه الإتيان بالصلاة و أجزائها المنسية و غيرها في ذلك الزمان الذي يتمكن فيه من الطّهارة.

و أمّا في الصورة الثانية فأيضاً يجب أن يتوضأ للأجزاء التي أراد قضاءها، لأن المفروض أن حدوث الحدث في الأثناء يوجب الوضوء بعده، أي تحفظنا فيها على دليل الناقضية، فإذا حدث بين وضوئه و صلاته أو أجزائها المتأخرة حدث وجب‌

226

الاحتياط يكفيها وضوء الصلاة التي شكّ فيها (1)، و إن كان الأحوط الوضوء لها مع مراعاة عدم الفصل الطويل و عدم الاستدبار، و أما النوافل فلا يكفيها وضوء

____________

الوضوء بعده، لارتفاع طهارته السابقة بحدثه.

و أما في الصورة الرابعة فقد ظهر أن الطّهارة فيها لا تنتقض بحدثهما غير الاختياري فهي باقية مع عدم حدث اختياري، و له أن يصلّي أو يأتي بالأجزاء المنسية من غير طهارة، فتختص المسألة بالصورة الثالثة و هي التي حكم فيها الماتن بوجوب الوضوء لكل صلاة و عدم وجوبه في الأثناء، فهل تجب الطّهارة للأجزاء المنسية فيها عند القضاء أو لا تجب؟ الثاني هو الصحيح، لأن الأجزاء المقضية بعينها هي الأجزاء الصلاتية غاية الأمر أتى بها مع مخالفة الترتيب و المحل، فإذا بنينا على أن الحدث في الأجزاء و أثناء الصلاة لا يكون ناقضاً للطهارة فلا يكون ناقضاً لها في الأجزاء المنسية أيضاً فيما إذا طرأ بينها و بين الصلاة، و ليست الأجزاء المنسية واجبة مستقلة ليعتبر فيها الطّهارة أو عدم الحدث و إن لم يعتبر في الصلاة. و المراد من أنها تقضى أنها يؤتى بها بعد الصلاة لا أنها واجب مستقل عليحدة الذي هو المعنى المصطلح عليه في القضاء.

(1) لأن المأتي به إن كان ناقصاً في الواقع و كانت صلاة الاحتياط جابرة لذلك النقص فحالها حال أجزاء نفس الصلاة غاية الأمر أنها كانت متصلة و هذه منفصلة إلّا أنها هي أجزاء الصلاة بعينها، فإذا لم يجب الوضوء في الأجزاء الصلاتية إذا حدث في أثنائها حدث فلا يجب في صلاة الاحتياط أيضاً لأنها هي أجزاء الصلاة بعينها. و أمّا إذا كان المأتي به تاماً في الواقع و لم تكن صلاة الاحتياط جابرة فهي واجبة مستقلة إلّا أنه إذا لم يتوضأ لها و أتى بها فاسدة لم يكن ذلك مضرّاً بصحّة صلاته المأتي بها، و لأجل ذلك بنى (قدس سره) على عدم وجوب الوضوء لصلاة الاحتياط هذا.

و للمناقشة في ذلك مجال، و ذلك لأن كفاية الأجزاء المنفصلة عن المتّصلة على خلاف القاعدة و هي محتاجة إلى الدليل، و الدليل إنما قام على كفاية صلاة الاحتياط‌

227

فريضتها (1)، بل يشترط الوضوء لكل ركعتين منها (1).

[مسألة 3: يجب على المسلوس التحفّظ من تعدِّي بوله بكيس فيه قطن أو نحوه]

[631] مسألة 3: يجب على المسلوس التحفّظ من تعدِّي بوله (2) بكيس فيه قطن أو نحوه و الأحوط غسل الحشفة قبل كل صلاة (3)

____________

و كونها مجزئة فيما إذا كانت صحيحة على كل تقدير، مع تقدير نقصان المأتي به و عدمه. و أمّا صورة صحّتها على تقدير دون تقدير فلم يقم دليل على إجزائها و كفايتها، بل مع الشك في صحّتها يشكل الشروع فيها أيضاً إذ لا مرخص له، نعم بناء على ما ذكرناه من عدم بطلان وضوء المسلوس و المبطون بحدثهما و بقائه إلى أن يحدث حدثاً اختيارياً لا يجب عليه الوضوء لصلاة الاحتياط و لا لغيرها من الصلوات.

اشتراط الوضوء للنوافل في حقهما

(1) أمّا على ما سلكناه فلا كلام في عدم وجوب الوضوء لها، لعدم انتقاض طهارتهما بالحدث غير الاختياري، و أمّا على مسلك الماتن فلا بدّ من تحصيل الوضوء لها، لأنّ عدم انتقاض الوضوء بالحدث إنما كان مخصوصاً بأثناء الصلاة الواحدة، و أمّا بعده فمقتضى دليل الانتقاض بطلانه بالحدث فيجب عليهما الوضوء لبقيّة الصّلوات المستحبّة أو الفرائض كما عرفت.

وجوب التحفظ عليهما عن النجاسة

(2) لاشتراط الصلاة بطهارة البدن و الثياب.

(3) لا ينبغي الإشكال في عدم مانعية النجاسة الطارئة في أثناء الصلاة من البول و الغائط حينئذ، و ذلك لأمرهم (عليهم السلام) باتخاذ خريطة في الصلاة و أن اللّٰه أولى بالعذر فيما لم يقدر على حبسه، حيث ورد أنه «إذا لم يقدر على حبسه فاللّٰه أولى بالعذر يجعل خريطة» (2) حيث تدلّ على أن ما كان لعذرٍ غيرَ مانع عن الصلاة، فلا يجب إزالة‌

____________

(1) مرّ آنفاً كفايته.

(2) كما تقدّم في صحيحة منصور بن حازم. الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 2.

228

و أمّا الكيس فلا يلزم تطهيره (1) و إن كان أحوط.

____________

نجاسة البول أو الغائط في أثناء الصلاة.

و أمّا النجاسة قبل الصلاة فمقتضى إطلاقات ما دلّ على اشتراط الطّهارة في الثوب و البدن وجوب إزالتها، و لم يثبت العفو عنها قبل الصلاة كما ثبتت في النجاسة في الأثناء. و كون النجاسة غالبية في المسلوس و المبطون اللذين حكمنا بعدم انتقاض طهارتهما بالحدث من البول و الغائط لا يستتبع العفو عن النجاسة، لأنها شي‌ء و عدم ناقضيتها للوضوء شي‌ء آخر، و الثابت إنما هو الثاني و أما النجاسة فلا.

و دعوى أن الأخبار الواردة فيهما مع أنها في مقام البيان ساكتة عن لزوم تطهير الموضع من النجاسة قبل الصلاة و أن هذا يدل على العفو عنها حينئذ، مندفعة بأن الأخبار إنما وردت لبيان عدم انتقاض طهارة المسلوس و المبطون ببولهما أو غائطهما و لا نظر لها إلى مانعية النجاسة و عدمها، فمقتضى إطلاق أدلّة اشتراط الصلاة بطهارة البدن لزوم تطهير النجاسة الطارئة قبل الصلاة فيجب تطهير مخرج البول لكل صلاة.

نعم ثبت العفو عنها أيضاً بصحيحة حريز المتقدِّمة (1) الدالّة على أنه يؤخر صلاة و يقدم اخرى و يجمع بينهما بوضوء واحد، حيث ذكرنا أنها ناظرة إلى جهة عدم مانعية النجاسة بمقدار الصلاتين لعدم ذكر الوضوء في الصحيحة، و هي قد دلّت على عدم مانعية النجاسة قبل الصلاة لدلالتها على صحّة الثانية و إن خرج منه البول فيما بين الصلاتين أو في أثناء الصلاة الأُولى، و عليه فالنجاسة قبل الصلاة و في أثنائها معفو عنها إلى مقدار صلاتين، و أمّا في الزائد عنها فقد عرفت أن مقتضى القاعدة وجوب إزالة النجاسة قبل الصلاة. هذا كله في السلس، و يأتي حكم البطن عن قريب إن شاء اللّٰه تعالى.

(1) لأنه إما من قبيل المحمول المتنجس و هو غير موجب لبطلان الصلاة و إما أنه‌

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 1. و قد تقدّمت في ص 215.

229

و المبطون أيضاً (1) إن أمكن تحفظه بما يناسب يجب، كما أن الأحوط تطهير المحل أيضاً إن أمكن من غير حرج.

[مسألة 4: في لزوم معالجة السلَس و البَطَن إشكال]

[632] مسألة 4: في لزوم معالجة السلَس و البَطَن إشكال (1) (2) و الأحوط

____________

من الملبوس باعتبار وضع الذكر فيه، و قد مرّ أنّ ما لا يتمّ فيه الصلاة من الثياب عفي نجاسته في الصلاة كما في الجورب و القلنسوة و نحوهما.

(1) أمّا النجاسة في أثناء الصلاة فقد عرفت أنها مورد العفو بمقتضى قوله (عليه السلام): «إذا لم يقدر على حبسه فاللّٰه أولى بالعذر يجعل خريطة» (2) لأنه كالتعليل و أن كل ما كان مستنداً إلى غير الاختيار فهو معذور فيه و أن اللّٰه أولى بالعذر فلا يجب إزالته.

و أمّا النجاسة قبل الصلاة فقد عرفت أن مقتضى القاعدة وجوب إزالتها إن أمكن. و لا تأتي في المقام صحيحة حريز، لاختصاصها بالبول و عدم اشتمالها على ما هو كالعلّة حتى يتعدى عنه إلى الغائط، و معه يجب إزالة نجاسة الغائط قبل الصلاة، اللّٰهمّ إلّا أن يدعى القطع بعدم الفرق بين البول و الغائط، و دونه خرط القتاد لاحتمال أن تكون للبول خصوصية في ذلك.

لا دليل على وجوب المعالجة عليهما

(2) لا دليل على وجوب المعالجة بعد البناء على أن وظيفة المسلوس و المبطون هي الصلاة مع الوضوء في أوّلها أو فيه و في أثنائها، فلا موجب للحكم بوجوب إخراج نفسهما من موضوعهما و إدخالها في موضوع المختار.

____________

(1) أظهره عدم اللزوم.

(2) تقدّم في صحيحة منصور بن حازم في ص 227.

230

المعالجة مع الإمكان بسهولة، نعم لو أمكن التحفظ بكيفية خاصّة (1) مقدار أداء الصلاة وجب (1) و إن كان محتاجاً إلى بذل مال (2).

[مسألة 5: في جواز مس كتابة القرآن للمسلوس و المبطون بعد الوضوء للصّلاة مع فرض دوام الحدث و خروجه بعده إشكال حتى حال الصّلاة]

[633] مسألة 5: في جواز مس كتابة القرآن للمسلوس و المبطون بعد الوضوء للصّلاة مع فرض دوام الحدث و خروجه بعده إشكال حتى حال الصّلاة (3) (2)

____________

(1) كشد حبل على ذكره أو إدخال القطن في دبره لئلا يخرج منه البول أو الغائط كما في الميت.

(2) و كأنه استفاد ذلك مما دلّ على وجوب بذل المال لشراء المال في الوضوء (3). و الصحيح عدم وجوب التحفظ فيما إذا لم يكن محتاجاً إلى بذل مال فضلًا عما إذا كان محتاجاً إليه، و ذلك للبناء على أن وظيفة السلس و البطن هو الصلاة مع الوضوء الواحد في أوّلها أو معه في الأثناء، لعدم ناقضية البول و الغائط منهما أو لوجه آخر كما مرّ و عدم مانعية النجاسة فيهما عن الصلوات، و معه لا موجب للتحفظ أبداً، هذا فيما إذا لم يتوقف التحفّظ على بذل مال فضلًا عما إذا توقف عليه. و قياس المقام بوجوب بذل المال لشراء ماء الوضوء مع الفارق، لأن الثاني قد ثبت بدليل خاص.

حكم مسهما كتابة القرآن

(3) لا إشكال في جواز مسهما كتابة القرآن فيما إذا بنينا على التخصيص في أدلّة النواقض و قلنا إنهما متطهران غير أن طهارتهما لا ترتفع ببولهما أو غائطهما ما دام لم يصدر منهما حدث اختياراً كما بنينا عليه، و ذلك لأنهما متطهران حقيقة فيجوز لهما مس كتابة القرآن في غير حال الصلاة فضلًا عما إذا كان في الصلاة. و أمّا إذا بنينا فيهما على‌

____________

(1) على الأحوط، و الأظهر عدم الوجوب و إن لم يكن محتاجاً إلى بذل المال.

(2) الظاهر جوازه حتى في غير حال الصلاة.

(3) راجع الوسائل 3: 389/ أبواب التيمم ب 26.

231

إلّا أن يكون المس واجباً (1).

[مسألة 6: مع احتمال الفترة الواسعة الأحوط الصبر]

[634] مسألة 6: مع احتمال الفترة الواسعة الأحوط الصبر (2) بل الأحوط

____________

تخصيص أدلّة اشتراط الصلاة بالطّهارة و قلنا إن وجوب الصلاة في حقهما غير مشروط بالطهور فلا يجوز لهما مس كتابة القرآن مطلقاً و لو كانا في حالة الصلاة لعدم كونهما متطهرين، و هذا بخلاف ما إذا التزمنا بالتخصيص في أدلّة الناقضية مع الالتزام بالاشتراط.

نعم لو اعتمدنا في الحكم بوجوب الوضوء في حقهما أوّل الصلاة و عدم وجوبه في أثنائها على موثقة ابن بكير عن محمّد بن مسلم من أنه يبني على صلاته (1) يمكننا الحكم باختصاص طهارته بالصلاة و عدم جواز ترتيب سائر الآثار عليه كمس كتابة القرآن و نحوه، إلّا أنك عرفت أنا نلتزم بأدلّة الاشتراط في حقهما، فإنه لا صلاة إلّا بطهور (2)، و لأنه يلزمه جواز الإحداث لهما في الصلاة عمداً، و إنما نخصص أدلّة النواقض. كما أنا إنما نعتمد على موثقة سماعة الدالّة على أنه بلاء ابتلي به و لا يعيدن الوضوء إلّا من الحدث الذي يتوضّأ منه (3) لا على موثقة ابن بكير، و مقتضى موثقة سماعة ما قدمناه من عدم انتقاض طهارتهما ببولهما و غائطهما و أن الناقض هو الحدث المتعارف الذي يتوضأ منه.

(1) كما إذا وقع المصحف في بالوعة و كان وجوب تطهيره أهم، فإن مس المسلوس و المبطون واجب حينئذ سواء كانا متطهرين أم محدثين، لفرض أهميّة وجوب تطهيره من حرمة المس من غير وضوء.

الأحوط الصبر مع احتمال التمكن

(2) قد عرفت أنه إذا علم بالفترة الواسعة و تمكنه من الصلاة مع الطّهارة وجب‌

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19 ح 3.

(2) الوسائل 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1 و غيرها من الأبواب.

(3) الوسائل 1: 266/ أبواب نواقض الوضوء ب 7 ح 9.

232

الصبر إلى الفترة التي هي أخف مع العلم بها بل مع احتمالها (1) لكن الأقوى عدم وجوبه (2).

____________

عليه إيقاعها في ذلك الوقت. و أما مع احتمالها فلا يجب الصبر مع احتمال الفترة الواسعة، بل يجوز له تقديم صلاته عملًا باستصحاب بقاء عذره إلى آخر الوقت، ثمّ إذا تبيّن قدرته على الصلاة مع الطّهارة للفترة الواسعة يعيدها، لعدم إجزاء الحكم الظاهري عن المأمور به الواقعي. و كذلك الحال في غيره من ذوي الأعذار سوى المتيمم حيث يجب عليه تأخير صلاته إلى أن يحصل له اليأس من الماء، و ذلك لدليله الآتي في محلِّه إن شاء اللّٰه تعالى (1).

(1) لا يجب الصبر مع العلم بالفترة التي هي أخف فضلًا عما إذا احتملها، فإذا علم بخفة بوله في ساعة كذا و أنه يقل فيها عن بقيّة الساعات لم يجب عليه تأخير صلاته إلى تلك الساعة، و ذلك للبناء على أن وظيفة المسلوس و المبطون الإتيان بصلاتهما بوضوء واحد في أوّلها أو في أثنائها أيضاً لعدم ناقضية حدثيهما أو لأمر آخر كما مر و عدم مانعية النجاسة فيهما عن الصلاة، و معه لماذا يجب التأخير إلى ساعة الخفة فإنه مما لا دليل عليه. هذا فيما إذا علم بالفترة التي هي أخف فضلًا عما إذا احتملها.

(2) هذا راجع إلى المسألة الثانية أي الأقوى عدم وجوب الصبر عند العلم بالفترة التي هي أخف فضلًا عن احتمالها، و قد مرّ أنه الصحيح. و لا يرجع إلى صدر الكلام أعني المسألة الأُولى و هي وجوب الصبر مع احتمال الفترة الواسعة، و ذلك لأن مبنى الماتن على وجوب التأخير في ذوي الأعذار مطلقاً سوى فاقد الماء، بدعوى استفادة جواز التقديم في المتيمم من الأخبار كما يصرح بذلك في أوائل الصلاة (2) لا أنه يلتزم بعدم وجوب التأخير فيهم. و نحن قد عكسنا الأمر و قلنا بجواز التقديم في ذوي الأعذار مطلقاً غير المتيمم، لأنه يجب عليه الصبر كما مر. و منشأ الخلاف بيننا و بينه في المتيمم هو اختلاف الاستفادة من الأخبار.

____________

(1) في المسألة [1141].

(2) في المسألة [1203].

233

[مسألة 7: إذا اشتغل بالصلاة مع الحدث باعتقاد عدم الفترة الواسعة و في الأثناء تبيّن وجودها قطع الصلاة]

[635] مسألة 7: إذا اشتغل بالصلاة مع الحدث باعتقاد عدم الفترة الواسعة و في الأثناء تبيّن وجودها قطع الصلاة و لو تبيّن بعد الصلاة أعادها (1).

[مسألة 8: ذكر بعضهم أنه لو أمكنهما إتيان الصلاة الاضطرارية و لو بأن يقتصرا في كل ركعة على تسبيحة]

[636] مسألة 8: ذكر بعضهم أنه لو أمكنهما إتيان الصلاة الاضطرارية و لو بأن يقتصرا في كل ركعة على تسبيحة و يومئا للركوع و السجود مثل صلاة الغريق فالأحوط الجمع بينها و بين الكيفية السابقة و هذا و إن كان حسناً لكن وجوبه محل منع، بل تكفي الكيفية السابقة (2).

إذا شرع في الصّلاة باعتقاد عدم الفترة فتبيّن وجودها

____________

(1) لعدم إجزاء المأمور به الظاهري أو الخيالي الاعتقادي عن المأمور به الواقعي كما مرّ.

إذا تمكّنا من الصّلاة الاضطرارية

(2) لو كنّا نحن و صلاة المسلوس أو المبطون لحكمنا بتعيّن الصلاة الاضطرارية في حقهما مع الطّهارة، لتمكنهما من الطّهارة على تقدير اقتصارهما على الأجزاء الاضطرارية، كما هو الحال في غيرهما من المكلفين إذا دار أمره بين أن يحصّل الطّهارة و يأتي بصلاة الاضطرار فيبدل القراءة بالتسبيحة الواحدة و الركوع و السجود بالإيماء و ترك التشهّد إذا لم يسعه الوقت، و بين أن يأتي بصلاة المختار من غير أن يحصّل الطّهارة المأمور بها، و ذلك لأن ما لا بدل له و هو الطّهارة متقدّم على ماله البدل و هو القراءة و الركوع و السجود و غيرهما من أجزاء صلاة المختار. إلّا أن الأخبار الواردة في المقام (1) دلّتنا على أن وظيفة المسلوس و المبطون هي الصلاة على الكيفية المتقدّمة و معه لا وجه للاحتياط و الجمع بينها و بين الصلاة الاضطرارية و إن نسب إلى شيخنا الأنصاري (قدس سره) الاحتياط بالجمع بينهما (2).

____________

(1) الوسائل 1: 297/ أبواب نواقض الوضوء ب 19.

(2) صراط النجاة: 62/ مسألة 153.

234

[مسألة 9: من أفراد دائم الحدث المستحاضة]

[637] مسألة 9: من أفراد دائم الحدث المستحاضة و سيجي‌ء حكمها.

[مسألة 10: لا يجب على المسلوس و المبطون بعد برئهما قضاء ما مضى من الصلوات]

[638] مسألة 10: لا يجب على المسلوس و المبطون بعد برئهما قضاء ما مضى من الصلوات (1) نعم إذا كان في الوقت وجبت الإعادة (2).

[مسألة 11: من نذر أن يكون على الوضوء دائماً إذا صار مسلوساً أو مبطوناً الأحوط تكرار الوضوء]

[639] مسألة 11: من نذر أن يكون على الوضوء دائماً إذا صار مسلوساً أو مبطوناً الأحوط تكرار الوضوء (1) بمقدار لا يستلزم الحرج، و يمكن القول بانحلال النذر، و هو الأظهر (3).

____________

(1) عدم وجوب القضاء عليهما لأن القضاء تابع لصدق عنوان الفوت، و لا فوت مع الإتيان بوظيفة الوقت كما هو ظاهر.

(2) لعدم إجزاء المأمور به الظاهري أو الاعتقادي الخيالي عن المأمور به الواقعي.

لو نذر الدوام على الوضوء فطرأت إحدى الحالتين

(3) إذا بنينا على أن طهارة المسلوس و المبطون لا تنتقض ببولهما و غائطهما كما بنينا عليه فلا ينحل نذره، لأنه على الطّهارة على الفرض. و أما إذا بنينا على انتقاض طهارتهما ببولهما و غائطهما فيجب عليهما الوضوء بعد كل حدث فيما إذا لم يستلزم الحرج فلا ينحل نذره أيضاً، و أما إذا كان مستلزماً للعسر و الحرج فإن كان نذره على نحو الانحلال و العموم الأفرادي بأن نذر الطّهارة في كل فرد من أفراد الزمان فيجب عليه الوضوء إلى أن يبلغ مرتبة العسر و الحرج فلا ينحل، و إذا كان حرجياً سقط عنه لعجزه و تعذره. و أمّا إذا كان نذره على نحو العموم المجموعي فبعدم تمكنه من الطّهارة في فرد من الزمان أعني ما بعد بلوغه مرتبة العسر و الحرج ينحل نذره لعجزه عن متعلقه. و أما بناء على ما ذكرناه من عدم ناقضية طهارتهما ببولهما و غائطهما فنذره‌

____________

(1) و الأظهر عدم لزومه و عدم انحلال النذر، لأن وضوء المسلوس و المبطون لا يبطل ما لم يصدر منهما غير ما ابتليا به من الأحداث.

235

[فصل في الأغسال]

فصل في الأغسال

{ h1~{ h1 [فصل في الأغسال الواجبة]

و الواجب منها سبعة (1) غسل الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة و مس الميت و غسل الأموات و الغسل الذي وجب بنذر و نحوه، كأن نذر غسل الجمعة أو غسل الزيارة أو الزيارة مع الغسل. و الفرق بينهما (1) (2) أن في الأوّل إذا أراد الزيارة يجب أن يكون مع الغسل و لكن يجوز أن لا يزور أصلًا و في الثاني يجب الزيارة فلا يجوز تركها، و كذا إذا نذر الغسل لسائر الأعمال التي يستحب الغسل لها.

____________

صحيح غير منحل بلا فرق بين صورتي انحلال نذره و كونه على نحو العموم الأفرادي أو كونه على نحو العموم المجموعي، هذا تمام الكلام في دائم الحدث.

فصل في الأغسال

(1) و هناك غسل آخر وقع الكلام في أنه واجب مستقل في نفسه و هو غسل الجمعة و يأتي تحقيق الحال فيه في محلِّه عند التعرّض لوجوبه و عدمه إن شاء اللّٰه (2).

(2) هاتان العبارتان غسل الزيارة، الزيارة مع الغسل لا تكونان فارقتين في المقام لأن النذر يتبع القصد، فقد يقصد الإتيان بالغسل عند إرادة الزيارة فلا يجب عليه الإتيان بالزيارة حينئذ ليجب عليه غسلها، بل له أن لا يزور أصلًا. و أُخرى يقصد الإتيان بالزيارة مطلقاً مع الغسل فتجب عليه الزيارة حينئذ، لأنها متعلِّقة‌

____________

(1) الفرق غير ظاهر و النذور تابعة للقصود.

(2) بعد المسألة [1030] فصل في الأغسال المندوبة.

236

[مسألة 1: النذر المتعلق بغسل الزيارة و نحوها يتصور على وجوه]

[640] مسألة 1: النذر المتعلق بغسل الزيارة و نحوها يتصور على وجوه (1): الأوّل: أن ينذر الزيارة مع الغسل، فيجب عليه الغسل و الزيارة، و إذا ترك أحدهما وجبت الكفّارة. الثاني: أن ينذر الغسل للزيارة بمعنى أنه إذا أراد أن يزور لا يزور إلّا مع الغسل، فإذا ترك الزيارة لا كفارة عليه، و إذا زار بلا غسل وجبت عليه.

____________

لنذره على وجه الإطلاق. و ليس معناه أنه نذر أن لا يزور من غير غسل حتى يستشكل في عدم انعقاده لعدم رجحان متعلقه، فإن الزيارة مطلقاً راجحة فلا رجحان في تركها مع عدم الاغتسال، بل معناه الإثبات و هو نذر إتيان الفرد الراجح من الزيارة أعني الزيارة مع الاغتسال لا أنه ينفي الإتيان بغيره، بلا فرق في ذلك بين الإتيان بالعبارة الأُولى أو الثانية.

الصور المتصورة في نذر غسل الزيارة

(1) الصور غير حاصرة لإمكان صورة أُخرى غيرها بحيث تختلف الكفّارة باختلافها. فالصحيح أن يقال: إن الصور المتصورة في المقام تسع، لأن النذر قد يتعلق بالغسل على نحو الواجب المشروط بأن ينذر أن يغتسل فيما إذا أراد أن يزور، و عليه فلا يجب عليه شي‌ء من الغسل و الزيارة. أما الغسل فلعدم تحقق شرطه، و أما الزيارة فلعدم تعلق النذر بها. هذه الصورة الاولى في المقام.

و قد يتعلق بالغسل على نحو الإطلاق، و حينئذ قد ينذر الغسل الذي يقصد به الزيارة فلا يجب حينئذ في حقّه سوى الغسل، نعم لا بدّ من أن يكون ناوياً و قاصداً للزيارة حال الاغتسال و إلّا لا يكون الغسل غسلًا للزيارة، إلّا أنه إذا نوى الزيارة حاله لم يجب عليه الإتيان بها بعد الاغتسال لعدم كونها متعلقة لنذره، فإنه لم ينذر سوى الغسل المقصود به الزيارة و المفروض أنه أتى به. و إذا ترك الغسل وجبت عليه كفّارة واحدة و هو ظاهر. و هي الصورة الثانية كما لا يخفى.

237

الثالث: أن ينذر غسل الزيارة منجزاً، و حينئذ يجب عليه الزيارة أيضاً و إن لم يكن منذوراً مستقلا بل وجوبها من باب المقدّمة، فلو تركهما وجبت كفّارة واحدة، و كذا لو ترك أحدهما، و لا يكفي في سقوطها الغسل فقط و إن كان من عزمه حينه أن يزور، فلو تركها وجبت لأنه إذا لم تقع الزيارة بعده لم يكن غسل الزيارة. الرابع: أن ينذر الغسل و الزيارة، فلو تركهما وجب عليه كفّارتان

____________

الثالثة: أن ينذر الغسل المتعقب بالزيارة. و الواجب حينئذ أن يأتي بالزيارة بعد غسله لا لأنها متعلقة لنذره، بل من أجل أنها قيد مأخوذ في متعلق نذره، فمع عدم الإتيان به لا يتحقق متعلق النذر، فلو ترك الغسل أو اغتسل و ترك الزيارة لزمته كفارة واحدة و هذا بخلاف الصورة المتقدّمة، إذ لا يجب عليه الزيارة فيها بعد الاغتسال لعدم تعلّق النذر بها و لا أنها قيد له كما مر.

الرابعة: ما إذا نذر الزيارة المسبوقة بالغسل. و هذه الصورة و إن كانت خارجة عن محل الكلام بظاهرها، لأن البحث إنما هو في نذر الغسل لا في نذر الزيارة إلّا أنها لما كانت مقيّدة بسبق الغسل كان الغسل قيداً لمتعلق النذر، و من هنا كانت الصورة داخلة في المقام لتعلق النّذر به على وجه التقييد، فلو ترك الزيارة رأساً أو أتى بها من غير سبق الغسل وجبت عليه كفّارة واحدة، لعدم إتيانه بما تعلّق به نذره أو بما هو قيد لمتعلقه.

الخامسة: ما إذا تعلق نذره بالمجموع المركب من الغسل و الزيارة على نحو العام المجموعي فيجب في هذه الصورة الإتيان بهما معاً، لأن كلا منهما متعلق لنذره لفرض تعلقه بالمجموع، فلو تركهما معاً أو ترك أحدهما وجبت عليه كفارة واحدة لعدم إتيانه بما تعلق به نذره، و هذا بخلاف الصورة الثالثة، فإن الزيارة فيها لم تكن متعلقة للنذر و إنما كانت قيداً في متعلقه. هذا إذا تعلّق النّذر بمجموع الأمرين معا.

و قد يتعلق بكل واحد منهما باستقلاله بأن يكون نذره منحلا إلى الالتزام بأمرين و نذرين و إن كان قد أداهما بكلام واحد في مقام الإثبات. و هذا يتصور على أربعة أوجه:

238

..........

____________

لأنّ النذر قد يتعلّق بكل واحد منهما على وجه الإطلاق فهناك نذران و منذوران مستقلّان، فلو تركهما وجبت عليه كفارتان لتركه الواجبين المنذورين، كما أنه إذا أتى بأحدهما دون الآخر وجبت عليه كفّارة واحدة. و هذه هي الصورة السادسة في المقام.

و أُخرى ينذر كل واحد منهما مقيداً بالآخر بأن ينذر الغسل المتعقب بالزيارة و الزيارة المسبوقة بالغسل، و بذلك ينحل نذره إلى نذرين و هما واجبان إلّا أن كلا منهما مقيد بالآخر. فان أتى بهما فهو، و أمّا إذا تركهما أو ترك أحدهما فلا محالة تجب عليه كفّارتان. أما عند تركهما معاً فواضح، و أمّا إذا ترك أحدهما و أتى بالآخر فلأنّ الواجب المنذور ليس هو الغسل أو الزيارة على إطلاقهما، بل الغسل المقيّد بتعقب الزيارة أو الزيارة المتقيدة بالسبق بالغسل، و المفروض أنه أتى بذات المنذور و ترك قيده فاغتسل و لم يزر أو زار و لم يغتسل، فلا محالة تجب عليه كفارتان لترك أحد الواجبين بذاته و ترك الآخر بقيده. و هذه هي الصورة السابعة من الصور المتصورة في محل الكلام.

و ثالثة: ينذر أحدهما على وجه الإطلاق و ينذر الآخر مقيداً بغيره. و هذا على قسمين، لأنه تارة ينذر الغسل على وجه الإطلاق و الزيارة مقيدة بأن تكون مسبوقة بالغسل و حينئذ إذا أتى بهما فهو، و أمّا إذا أتى بالغسل و ترك الزيارة فقد وجبت عليه كفارة واحدة لمخالفته أحد المنذورين و إتيانه بالآخر، و أمّا إذا تركهما معاً أو ترك الغسل فلا محالة يستحق به كفّارتين. أما عند تركهما معاً فواضح، و أما إذا أتى بالزيارة و ترك الغسل فلأنه ترك أحد الواجبين بذاته و هو الغسل و ترك الواجب الآخر بقيده و هو الزيارة، لأن الواجب ليس هو طبيعي الزيارة بل الزيارة المسبوقة بالغسل و قد ترك الغسل على الفرض. و هذه هي الصورة الثامنة.

و أُخرى ينذر الزيارة على وجه الإطلاق و الغسل مقيداً بأن يكون متعقباً بالزيارة، و بهذا تترقى الصور إلى التسع. و حكم هذه الصورة حكم الصورة المتقدِّمة بعينها، لأنه إذا تركهما معاً أو ترك الزيارة وجبت عليه كفّارتان. أما عند تركهما معاً‌

239

..........

____________

و لو ترك أحدهما فعليه كفارة واحدة. الخامس: أن ينذر الغسل الذي بعده الزيارة و الزيارة مع الغسل، و عليه لو تركهما وجبت كفّارتان، و لو ترك أحدهما فكذلك لأنّ المفروض تقيد كل بالآخر. و كذا الحال في نذر الغسل لسائر الأعمال.

{ h1~{ h1 [فصل في غسل الجنابة] h1}~ h1}

فصل في غسل الجنابة

[و هي تحصل بأمرين]

و هي تحصل بأمرين:

[الأوّل: خروج المني]

الأوّل: خروج المني و لو في حال النوم (1) أو الاضطرار

فظاهر، و أما عند تركه الزيارة فلأجل تركه أحد المنذورين بذاته و هو الزيارة و تركه الآخر بقيده و هو الغسل، لأنّ الواجب هو الغسل المقيد بتعقبه بالزيارة و المفروض أنه لم يأت بالزيارة. فتحصل: أن الصور المتصورة غير مختصّة بالصور الخمسة المذكورة في المتن، بل الصور المتصورة بالغة إلى التسع، و يختلف الحكم بوجوب الكفارة باختلافها. و لا وجه للإشكال في صحّة النذر المتعلق بالزيارة مع الغسل لعدم رجوعه إلى النفي و عدم الإتيان بالأفراد الأُخر، و إنما معناه نذر خصوص الفرد الراجح و لا مانع من صحّة نذره كما مرّ فصل في غسل الجنابة

(1) ما أفاده (قدس سره) مما لا إشكال فيه، و ذلك لإطلاقات الأخبار (1) و تصريح بعضها بعدم الفرق بين اليقظة و المنام. و إنما الكلام كله في أن وجوب غسل الجنابة بالإنزال هل هو خاص بالرجال أو أنه لا فرق في ذلك بين الرجال و النساء؟ مقتضى جملة من الأخبار عدم الفرق في ذلك بين المرأة و الرجل و أن خروج الماء المعبر عنه بالإنزال و الإمناء يوجب الغسل مطلقا.

____________

(1) الوسائل 2: 173/ أبواب الجنابة ب 1، 7.

240

..........

____________

فمنها: ما رواه في الكافي عن إسماعيل بن سعد الأشعري، قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تُنِزلَ الماء من غير أن يباشر يعبث بها بيده حتى تنزل، قال: إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل» (1).

و منها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج و تنزل المرأة هل عليها الغسل؟ قال: نعم» (2).

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرّجل، قال: إن أنزلت فعليها الغسل» (3) إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على عدم الفرق بين المرأة و الرّجل و أن المرأة أيضاً إذا أنزلت وجب عليها الغسل.

و في قبالها عدّة كثيرة من الأخبار و فيها الصحاح و غيرها قد دلّت على أن المرأة لا يجب عليها الغسل بإنزالها.

فمنها: ما عن عبيد بن زرارة، قال «قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال: لا، و أيّكم يرضى أن يرى أو يصبر على ذلك أن يرى ابنته أو أُخته أو امه أو زوجته أو أحداً من قرابته قائمة تغتسل فيقول مالك؟ فتقول احتلمت و ليس لها بعل، ثمّ قال: لا، ليس عليهن ذلك، و قد وضع اللّٰه ذلك عليكم و قال وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا و لم يقل ذلك لهنّ» (4).

و منها: صحيحة عمر بن يزيد، قال: «اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة و لبست ثيابي و تطيبت فمرت بي وصيفة لي ففخذت لها فأمذيت أنا و أمنت هي فدخلني من ذاك ضيق، فسألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذلك، فقال: ليس عليك وضوء و ليس‌

____________

(1) الوسائل 2: 186/ أبواب الجنابة ب 7 ح 2.

(2) الوسائل 2: 186/ أبواب الجنابة ب 7 ح 3.

(3) الوسائل 2: 187/ أبواب الجنابة ب 7 ح 5.

(4) الوسائل 2: 192/ أبواب الجنابة ب 7 ح 22.

241

..........

____________

عليها غسل» (1).

و منها: صحيحة عمر بن أُذينة، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المرأة تحتلم في المنام فتهريق الماء الأعظم، قال: ليس عليها غسل» (2).

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها في فرجها الغسل، و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال: لأنها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل و الآخر إنما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لأنه لم يدخله، و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل، أمنت أو لم تمن» (3). و ملخص هذه الرواية أن محمّد بن مسلم قد سلم الحكمين أعني الحكم بوجوب الغسل على المرأة فيما إذا رأت في المنام أن الرجل يواقعها و إن لم تنزل و الحكم بعدم وجوب الغسل عليها فيما إذا أمنت في اليقظة من غير المجامعة و سأل عن وجهه و قد أجابه (عليه السلام) بما حاصله أن وجوب الغسل حكم مترتب على المواقعة و الجماع من غير فرق بين تحققهما في الخارج و بين تحققهما في المنام و لم يترتب على الإنزال لا في اليقظة و لا في المنام، فقد جعلت المناط مجرّد المواقعة دون الإنزال. إلى غير ذلك من الأخبار (4).

و هذه الطائفة معارضة مع الطائفة المتقدّمة. و الكلام في وجه المعالجة بينهما، فان بنينا على ما بنى عليه المشهور من أن الرواية بلغت من الصحّة ما بلغت إذا أعرض عنها المشهور سقطت عن الاعتبار، فلا مناص من الأخذ بالطائفة الأُولى الدالّة على عدم الفرق في وجوب الغسل بالإنزال بين المرأة و الرجل، و ذلك لإعراض الأصحاب عن الطائفة الثانية، و لم ينسب العمل بها إلى أحد من أصحابنا، و حيث إن الإعراض‌

____________

(1) الوسائل 2: 191/ أبواب الجنابة ب 7 ح 20.

(2) الوسائل 2: 191/ أبواب الجنابة ب 7 ح 21.

(3) الوسائل 2: 191/ أبواب الجنابة ب 7 ح 19.

(4) كصحيحة عمر بن يزيد: الوسائل 2: 190/ أبواب الجنابة ب 7 ح 18.

242

..........

____________

يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار فتبقى الطائفة الاولى من غير معارض.

و أمّا إذا بنينا على ما سلكناه من أن إعراض المشهور عن رواية صحيحة لا يوجب سقوطها عن الاعتبار فأيضاً لا بدّ من تقديم الطائفة الأُولى على الثانية و ذلك إمّا لأن الطائفة الثانية موافقة للعامة على ما نسبه إليهم في الوسائل و لو في زمان صدور الرواية، لاحتمال أن يكون العامّة في تلك الأزمنة قائلين بعدم وجوب الغسل على المرأة بالإنزال. و إما لأنها أشبه بفتاواهم، فإن قوله (عليه السلام) في رواية عبيد ابن زرارة: إن اللّٰه وضع الاغتسال من الجنابة على الرجال، و قال وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، و لم يقل ذلك لهنّ. ممّا لا يمكن إسناده إلى الإمام، كيف و جميع الأحكام و الخطابات الواردة في الكتاب أو أغلبها متوجهة إلى الرِّجال، و لازم ذلك عدم تكليفهنّ بشي‌ء مما كلف به الرجال.

على أنها فرضت أن المرأة تجنب بالإمناء حيث قال: «على المرأة غسل من جنابتها» و إنما دلّت على عدم وجوب الغسل في حقها، و هو كما ترى مما لا يمكن التفوه به، إذ كيف تكون المرأة جنباً و لا يجب عليها الغسل؟ و كذلك تعليله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم من أن الغسل إنما يجب بالمواقعة سواء كانت في الخارج أم في المنام، فان الغسل و إن كان يجب بالمواقعة إلّا أنها إنما تسببه فيما إذا تحققت في الخارج، و أمّا تخيّل المواقعة في المنام فلا تكون موجبة للغسل أبداً. و هل ترى أن من رأى في المنام أنه قتل أحداً يجب أن يعطي الدية و يقتص منه؟ و كذا إذا رأت في المنام أنها حاضت حيث لا يجب عليها الغسل بذلك، فهذا أشبه بفتاوى الناس، و ما أشبه بأحكامهم فهو مردود و غير مقبول، لأن ما أشبه قول الناس ففيه التقيّة كما في الخبر (1).

ثمّ لو أغمضنا عن ذلك فالطائفتان متعارضتان، لمنافاة وجوب الغسل على المرأة مع عدم وجوبه عليها فلا بدّ من الحكم بتساقطها و الرجوع إلى المطلقات، و هي تدلّ‌

____________

(1) راجع ما رواه عبيد بن زرارة، الوسائل 27: 123/ أبواب صفات القاضي ب 9 ح 46.

243

و إن كان بمقدار رأس أبرة (1)

____________

على أنّ غسل الجنابة إنما يجب بخروج الماء الأكبر أو الأعظم (1) و مقتضى إطلاقه عدم الفرق في ذلك بين الرجال و النساء.

و دعوى أن الطائفة الثانية صريحة في عدم وجوب غسل الجنابة على المرأة بالإنزال و ظاهرة في حرمته عليها كما أن الطائفة الأُولى صريحة في استحباب الغسل عليها بالإنزال و ظاهرة في وجوبه عليها فترفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الآخر و نتيجته الحكم باستحباب الغسل عليها بإنزالها فلا تصل النوبة إلى التساقط و الرجوع إلى الإطلاقات. مندفعة: بأن الجمع بين المتعارضين بذلك مخصوص بالأحكام التكليفية و لا يأتي في الأوامر و النواهي الإرشاديتين و الأمر في المقام كذلك، لأن الأمر بغسلها إرشاد إلى مانعية جنابتها عن الصلاة كما أن النهي عنه إرشاد إلى عدم مانعية جنابتها عن الصلاة، و من الظاهر أن كون الجنابة مانعة و غير مانعة أمران متنافيان و معه لا بدّ من الحكم بتساقطهما و الرجوع إلى المطلقات كما ذكرناه.

عدم الفرق في خروج المني بين قلّته و كثرته

(1) لا فرق في خروج المني الموجب لغسل الجنابة بين قلّته و كثرته، و ذلك لإطلاقات الأخبار حيث دلّت على أن المدار في وجوب غسل الجنابة على خروج الماء الأكبر أو الأعظم أو الإنزال أو الإمناء، فكلّما صدق شي‌ء من هذه العناوين وجب الغسل قليلًا كان الخارج أم كثيرا.

____________

(1) كما في موثقتي عنبسة الوسائل 2: 187/ أبواب الجنابة ب 7 ح 6، 11. و موثقة الحسين بن أبي العلاء الوسائل 2/ 196 ب 9 ح 1 ففيها ورد: الماء الأكبر. و تقدّمت قريباً صحيحة عمر بن أُذينة الدالّة على عدم وجوب الغسل على المرأة و فيها ورد: الماء الأعظم.

244

سواء كان بالوطء أو بغيره (1)

____________

و قد يقال: إن صحيحة معاوية بن عمّار تدلّ على عدم وجوب الغسل عند قلّة الخارج من المني حيث قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللًا قليلًا، قال (عليه السلام): ليس بشي‌ء إلّا أن يكون مريضاً فإنه يضعف فعليه الغسل» (1) و هي كالصريح في أن البلل القليل الذي وجده المحتلم ليس بشي‌ء موجب للغسل.

و فيه: أنّ الصحيحة لا دلالة لها على المدعى، لأن الحلم بمعنى النوم، فالمراد من أنه احتلم أنه رأى في منامه شيئاً بأن رأى أنه يواقع زوجته أو امرأة أُخرى، و ليس بالمعنى المصطلح عليه عندنا أعني خروج المني منه و هو في المنام أو غيره، و عليه فليس في الصحيحة ما يدلّ على أن المني القليل غير موجب لشي‌ء و إنما هي واردة في البلل المشتبه، و قد دلّت على أن البلل المشتبه إذا كان قليلًا لا يوجب الاغتسال لأن قلّته كالقرينة على عدم كونه منياً، حيث إنه لو كان منياً لخرج على النمط المتعارف لا على وجه القلّة إلّا في المريض، لأنه لضعفه قد يخرج منه شي‌ء قليل من المني فيجب عليه الاغتسال. و لو لا ذكر أن المريض يضعف لم يكن يحتمل التفصيل في خروج البلل القليل بين السليم و المريض بالحكم بعدم وجوب الغسل في الأوّل و وجوبه في الثاني إلّا أن ذكر الضعف قرينة على المراد و أن المريض لمكان ضعفه قد يخرج عنه المني القليل و أنه ليس كالسليم. فالمتحصل أنه لا فرق في وجوب الغسل بخروج المني بين قلّته و كثرته.

خروج المني بالوطء أو بغيره سيّان

(1) لأنّ المدار على صدق الإنزال و الإمناء و خروج الماء الأكبر فيجب الغسل عند صدق أحد هذه العناوين كما عرفت، سواء كان بالوطء أو بغيره.

____________

(1) الوسائل 2: 194/ أبواب الجنابة ب 8 ح 2.

245

مع الشهوة أو بدونها (1) (1) كان الخروج مع الشهوة أم بدونها

____________

(1) الكلام في اعتبار الشهوة في وجوب الغسل بخروج المني تارة يقع في الرجال و أُخرى في النساء. أما بالإضافة إلى الرجال فقد ورد في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) على ما رواه الشيخ (قدس سره) أنه «سأله عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبِّلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال: إذا جاءت الشهوة و دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل، و إن كان إنما هو شي‌ء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس» (2) و هي كما ترى قيّدت وجوب الغسل على الرجل بما إذا خرج منه المني عن شهوة. و قد حملها صاحب الحدائق (3) و كذا صاحب الوسائل (قدس سرهما) على التقيّة لموافقتهما لمذهب أبي حنيفة و مالك و أحمد (4) و هم من أشهر فقهائهم.

و فيه: أن الحمل على التقيّة يتوقف على وجود المعارض للرواية حيث إن مخالفة العامّة من المرجحات، و أما الرواية المعتبرة من غير أن يكون لها معارض فمما لا يمكن رفع اليد عنها بحملها على التقيّة و الأمر في المقام كذلك، لأن الصحيحة غير معارضة بشي‌ء، حيث لم يرد في شي‌ء من رواياتنا أن الرجل إذا خرج منه المني عن غير شهوة أيضاً يوجب الجنابة و غسلها، و ليس في البين سوى الإطلاقات و أن الغسل من الماء الأكبر (5) و مقتضى القاعدة تخصيص المطلقات بالصحيحة و لا موجب لحملها على التقيّة أبدا.

و عن صاحب المنتقى أن المني في الصحيحة إنما أُطلق على البلل المشتبه الذي ظنّه السائل منياً فأطلق المني على ما ظنّ أنه مني، فهو استعمال على طبق خياله و عقيدته‌

____________

(1) في تحقق الجنابة بخروج المني من المرأة بغير شهوة إشكال، فالاحتياط لا يترك.

(2) الوسائل 2: 194/ أبواب الجنابة ب 8 ح 1.

(3) الحدائق 3: 20.

(4) المبسوط 1: 67، بدائع الصنائع 1: 37، المغني لابن قدامة 1: 231.

(5) مرّ في ذيل ص 243.

246

..........

____________

لا أن الخارج كان منياً يقيناً (1)، و عليه فالصحيحة خارجة عن محل الكلام و ناظرة إلى أن البلل المشتبه إنما يوجب الغسل، و يحمل على كونه منياً فيما إذا خرج عن شهوة، فهو كالقرينة على أن البلل مني لا أن ما علمنا بكونه منياً لا يوجب الغسل إلّا إذا خرج عن شهوة.

و يدفعه: أن حمل لفظة المني على خلاف ظاهرها يحتاج إلى دليل، و لا دليل عليه فلا مناص من حملها على ما هو ظاهرها أعني المني دون البلل، و عليه فمقتضى القاعدة الالتزام بمفاد الصحيحة و تخصيص المطلقات بها. و الذي يسهل الخطب أن الموجود في الصحيحة على رواية قرب الإسناد (2) و كتاب علي بن جعفر (3) على ما رواه صاحب الوسائل (قدس سره) كلمة «الشي‌ء» بدل «المني» و عليه فالصحيحة واردة في البلل المشتبه دون المني، و رواية قرب الإسناد و كتاب علي بن جعفر لو لم تكن هي الصحيحة لأجل وقوع الاشتباه في روايات الشيخ على ما شاهدنا كثيراً فلا أقل من عدم ثبوت رواية الشيخ، و عليه فمقتضى الإطلاقات وجوب الغسل بخروج الماء الأكبر مطلقاً سواء خرج مع الشهوة أم بدونها. هذا كله في الرجال.

و أمّا في النساء فقد ورد في جملة من الأخبار تقييد وجوب الغسل عليها بالإنزال و الإمناء بما إذا خرج عن شهوة، ففي صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير أن يباشر، يعبث بها بيده حتى تنزل، قال: إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل» (4) و بمضمونها رواية محمّد بن الفضيل (5) و غيرها (6) حيث اعتبر في الإنزال الموجب‌

____________

(1) منتقى الجمان 1: 172.

(2) قرب الاسناد: 181/ 670.

(3) مسائل علي بن جعفر: 157/ 230.

(4) الوسائل 2: 186/ أبواب الجنابة ب 7 ح 2.

(5) الوسائل 2: 187/ أبواب الجنابة ب 7 ح 4.

(6) كصحيحة معاوية بن حكيم و رواية يحيى بن أبي طلحة، الوسائل 2: 189/ أبواب الجنابة ب 7 ح 14، 15.

247

جامعاً للصفات أو فاقداً لها مع العلم بكونه منياً (1)، و في حكمه الرطوبة المشتبهة الخارجة بعد الغسل مع عدم الاستبراء بالبول (2)، و لا فرق بين خروجه من المخرج المعتاد أو غيره (3).

____________

للغسل أن يكون عن شهوة.

و مقتضى القاعدة تخصيص المطلقات بهذه الأخبار و الحكم باعتبار الشهوة في وجوب الغسل على المرأة بخروج المني دون الرجال، إلّا أنه يشكل من جهة مخالفة المشهور، لعدم التزامهم باعتبار الشهوة في خصوص المرأة دون الرجال، و لو لا ذلك لكان المتعين تخصيص المطلقات بهذه الأخبار في خصوص النساء دون الرجال.

(1) و ذلك لأن الصفات الواردة في الأخبار من الخروج بالدفع أو الفتور أو الخروج عن شهوة إنما تعتبر في تميز المني و تشخيصه عند الاشتباه كما في البلل المشتبه و أمّا مع العلم بأن الخارج مني فلا يعتبر فيه شي‌ء من الصفات لصدق الماء الأكبر أو الإنزال و الإمناء عليه.

البلل المشتبه بحكم المني

(2) كما يأتي في محلِّه (1) و نبيّن هناك أن الشارع جعل الغلبة فيها أمارة على كون الخارج منياً، لأنه إذا خرج منه البلل بعد خروج المني منه و قبل أن يبول فغالب الظن أنه من بقايا المني في المجرى.

الخروج من المخرج المعتاد و غيره سيان

(3) كما لا فرق في غير المعتاد بين أن يكون عاديا له و بين ما إذا لم يكن، و ذلك لأن المدار في الحكم بوجوب الاغتسال إنما هو صدق أحد عناوين الإنزال و الإمناء و خروج الماء الأكبر و نحوها، سواء كان الإنزال من المخرج العادي أو من غيره، و سواء كان معتاداً له أم لم يكن و هذا كما إذا كانت على بدنه ثقبة يخرج منها المني، نعم إذا لم‌

____________

(1) في المسألة [686].

248

و المعتبر خروجه إلى خارج البدن، فلو تحرّك من محلِّه و لم يخرج لم يوجب الجنابة (1)، و أن يكون منه فلو خرج من المرأة مني الرجل لا يوجب جنابتها (2) إلّا مع العلم باختلاطه بمنيها،

____________

يصدق عليه الإنزال أو الإمناء بحسب المتفاهم العرفي لم يجب عليه الاغتسال، كما إذا استخرج منيه بشي‌ء من الآلات الطبيّة فإنه لا يقال إنه أنزل و أمنى، و أما في غير ذلك من الموارد فمقتضى الإطلاق وجوب الاغتسال كما عرفت.

(1) حيث لا يصدق عليه الإمناء و الإنزال أو خروج الماء الأكبر، و قد عرفت أن هذه العناوين هي الموضوع للحكم بوجوب غسل الجنابة.

حكم خروج مني الرّجل من المرأة

(2) و ذلك مضافاً إلى عدم المقتضي لوجوب الغسل حينئذ لعدم صدق الإنزال و الإمناء بخروج المني الداخل إلى فرجها من الخارج فان ظاهر الإمناء هو إخراج مني نفسه لا مني غيره، تدلّ عليه جملة من الأخبار.

منها: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شي‌ء، قال: يعيد الغسل، قلت: فالمرأة يخرج منها شي‌ء بعد الغسل، قال: لا تعيد، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: لأن ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل» (1).

و منها: صحيحة عبد الرحمٰن بن أبي عبد اللّٰه، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة تغتسل من الجنابة ثمّ ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال: لا» (2) و منها غير ذلك من الأخبار (3).

____________

(1) الوسائل 2: 201/ أبواب الجنابة ب 13 ح 1.

(2) الوسائل 2: 202/ أبواب الجنابة ب 13 ح 3.

(3) كالروايات الدالّة على أن موجب الغسل هو الماء الأكبر، و تقدّم ذكر جملة منها في تعليقة ص 243.

249

و إذا شكّ في خارج أنه مني أم لا اختبر بالصفات من الدّفق و الفتور و الشّهوة (1)، فمع اجتماع هذه الصفات يحكم بكونه منياً و إن لم يعلم بذلك، و مع عدم اجتماعها عند الشك يختبر الخارج بالصفات

____________

(1) في هذه المسألة جهات من الكلام:

الجهة الاولى: في أنه إذا شك في أن الخارج مني أو غيره هل يجب الفحص و الاختبار أو يبني على العدم من غير فحص؟ الصحيح هو الثاني، لأن الشبهة موضوعية و لا يجب الفحص في الشبهات الموضوعية على ما تقدّم في محلِّه (1) فلا مانع من استصحاب عدم خروج المني أو استصحاب بقاء طهارته. هذا إذا دار أمر الخارج بين المني و الوذي و كان متطهراً قبل خروجه فإنه لا مانع حينئذ من استصحاب بقاء طهارته.

و أما إذا دار أمره بين المني و البول فلا يجري فيه الاستصحاب، للعلم الإجمالي بانتقاض طهارته إما بالحدث الأكبر أو الأصغر، و حينئذ تبتني المسألة على أن الامتثال الإجمالي و الاحتياط هل هو في مرتبة متأخرة من الامتثال التفصيلي فمع التمكن منه لا مساغ للاحتياط، أو أنهما في مرتبة واحدة و لا مانع من الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فعلى الأوّل يجب عليه الاختبار ليعلم أنه بول أو مني و أمّا على الثاني فله أن يحتاط من غير أن يجب عليه الفحص و الاختبار.

الجهة الثانية: إذا قلنا بوجوب الاختبار عند الشك في أن الخارج مني أو غيره فلا بدّ من أن يختبر بالصفات الواردة في الأخبار من الدفق و الفتور و الشهوة كما في صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة، حيث قال: «إذا جاءت الشهوة و دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل» (2).

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 510.

(2) تقدّم ذكرها في ص 245.

250

و لو بفقد واحد منها لا يحكم به إلّا إذا حصل العلم. و في المرأة و المريض يكفي اجتماع (1) صفتين و هما الشّهوة و الفتور.

____________

و الظاهر أن الشارع إنما اعتبر هذه الصفات في الاختبار من جهة أنها صفات غالبية لا تنفك عن المني، فهي أمارات كون الخارج منياً لا أن الطريق منحصر بها فلو علم أو اطمأن بالمني من سائر الأوصاف كاللون و الرائحة الكريهة و نحوهما أيضاً وجب عليه الغسل كما ذهب إليه جماعة من الفقهاء، و كذا فيما إذا حصل له العلم بذلك عن اجتماع صفتين من الأوصاف الثلاثة. و على الجملة المدار على العلم بكون الخارج منياً، و إذا لم يكن فالمتبع هو الصفات الغالبية و هي الدفق و الشهوة و الفتور.

ثمّ إن الكلام في ذلك قد يقع في الرجل السليم و أُخرى في المريض و ثالثة في المرأة.

أما بالإضافة إلى الرجل الصحيح فقد عرفت أن مقتضى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة الحكم بالاغتسال عند اجتماع الأوصاف الثلاثة، و الظاهر أن الفترة و الشهوة متلازمتان كما يدلّ عليه ذيل الصحيحة، حيث قال: «و إن كان إنما هو شي‌ء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس» مع أن انتفاء أحد الأوصاف الثلاثة يكفي في الحكم بعدم وجوب الاغتسال، لأنه إنما ترتب على وجود الأوصاف الثلاثة فلا حاجة إلى انتفاء كليهما، فنفيهما معاً يكشف عن تلازمهما كما هو كذلك خارجاً. و عليه فالمدار في الرجل الصحيح على الدفق و الشهوة. و يدلُّ على ذلك أيضاً صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئاً ثمّ يمكث الهون بعد فيخرج، قال: إن كان مريضاً فليغتسل و إن لم يكن مريضاً فلا شي‌ء عليه، قلت: فما فرق بينهما؟ قال: لأن الرجل إذا كان صحيحاً جاء الماء بدفقة قويّة و إن كان مريضاً لم يجي‌ء إلّا بعد» (2) و في رواية‌

____________

(1) كفايته في خصوص المرأة لا تخلو من إشكال، فالاحتياط لا يترك.

(2) الوسائل 2: 195/ أبواب الجنابة ب 8 ح 3.