موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
251

[الثاني: الجماع]

الثاني: الجماع و إن لم ينزل و لو بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها (1) (1)

____________

الكليني يدفقه بقوّة (2). و هي تدلّنا على أن الرجل الصحيح كما هو محل كلامنا إنما يخرج ماؤه بدفق و قوّة، كما أنه يخرج بشهوة كما في الصحيحة المتقدّمة. فأمارة المني في الرجل الصحيح هي الدفق و الخروج بشهوة.

و أمّا المرأة فلم يرد في اعتبار الدفق في منيها رواية، و إنما الأخبار دلّت على أن ما يخرج من فرجها إذا كان خارجاً بشهوة يجب عليها الغسل، ففي صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير أن يباشر، يعبث بها بيده حتى تنزل، قال: إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل» (3) و هكذا في غيرها (4) بل لم يعتبر الدفق في المرأة و لو اتفاقاً. و عليه فالصفة التي يختبر بها مني المرأة إنما هي خروجه بشهوة، و لا يعتبر فيها صفة أُخرى غيرها.

و أمّا الرجل المريض فهو أيضاً لا يعتبر فيه الخروج عن دفق كما دلّت عليه صحيحة ابن أبي يعفور المتقدِّمة، فلا يعتبر في الرجل المريض و المرأة إلّا الشهوة الملازمة مع الفتور، و لا يعتبر فيهما الدفق، و إنما يختص ذلك بالرجل الصحيح كما مر.

السبب الثاني للجنابة و هو الجماع

(1) وجوب الغسل بالجماع في الجملة مما لا ريب فيه بين المسلمين، و إنما الكلام في جهات:

الجهة الاولى: أن الجماع المعبّر عنه بالتقاء الختانين أو الإدخال و الإيلاج بنفسه‌

____________

(1) لا يترك الاحتياط مع صدق الإدخال عرفاً و لو كان الداخل دون ذلك.

(2) الكافي 3: 48/ 4. إلّا أنّ فيه بدل يدفقه بقوّة «بدفقة و قوّة».

(3) الوسائل 2: 186/ أبواب الجنابة ب 7 ح 2.

(4) الوسائل 2: 187/ أبواب الجنابة ب 7 ح 4، 13، 14، 15.

252

..........

____________

مسبب للجنابة و وجوب الغسل و إن لم ينزل بوجه، و ذلك بمقتضى الأخبار الكثيرة الصحاح فضلًا عن غيرها، ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: إذا أدخل وجب الغسل ...» (1) و في رواية ابن أبي نصر البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: «سألته ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: إذا أولجه وجب الغسل ...» (2) و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي (عليه السلام): أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعاً من الماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار» (3) و منها غير ذلك من الأخبار المشتمل بعضها على تلازم الغسل مع الحد و المهر فراجع، إلى غير ذلك من الأخبار. مضافاً إلى إطلاق الكتاب أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (4).

و أما ما ورد من أن علياً (عليه السلام) كان لا يرى الغسل إلّا في الماء الأكبر (5) فهو لا ينافي وجوب الغسل بالجماع، و ذلك لأن الحصر فيه إنما هو بالإضافة إلى ما يخرج من الإحليل، فكأنه (عليه السلام) قال: المائع الذي يخرج من الإحليل لا يوجب الغسل إلّا إذا كان من الماء الأكبر، و ذلك لقرينتين:

إحداهما: سبق ذلك في رواية عنبسة بالمذي حيث قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه‌

____________

(1) الوسائل 2: 182/ أبواب الجنابة ب 6 ح 1.

(2) الوسائل 2: 185/ أبواب الجنابة ب 6 ح 8.

(3) الوسائل 2: 184/ أبواب الجنابة ب 6 ح 5.

(4) المائدة 5: 6.

(5) الوسائل 2: 187/ أبواب الجنابة ب 7 ح 6.

253

..........

____________

السلام) يقول: كان علي لا يرى في المذي وضوءاً و لا غسلًا ما أصاب الثوب منه إلّا في الماء الأكبر» (1) فإن ذكر المذي قرينة واضحة على أن الحصر إنما هو بالإضافة إلى ما يخرج من الإحليل لا بالإضافة إلى كل ما هو سبب للجنابة و الغسل.

و ثانيتهما: إتيانه بالصفة و الموصوف حيث قيد الماء بكونه أكبر، فمنه يظهر أنه في قبال الماء الأصغر الذي هو كل مائع غير المني، إذ لو كان مراده حصر سبب الجنابة و الغسل بالمني فقط لكان من الأولى و الأخصر أن يقول: إلّا في المني. فلا موجب للإطالة و الإتيان بالصفة و موصوفها إلّا التنبيه على أن الحصر إضافي و بالنسبة إلى المائعات الخارجة من الإحليل الذي هو الماء غير الأكبر.

الجهة الثانية من جهات البحث

الجهة الثانية: أنه لو كنا و الصحاح الواردة في وجوب الغسل بالإدخال و الإيلاج لكنا قلنا بوجوب الغسل إما من مطلق الإدخال و الإيلاج و لو كان أقل من مقدار الحشفة، و إما من خصوص الإدخال المتعارف أعني إدخال جميع الآلة كما هو المناسب مع الإيلاج و لم نكتف في وجوبه بإدخال الحشفة، إلّا أن هناك أخباراً قد وردت في تحديد الإدخال و الإيلاج و بينت أن المراد بهما إدخال الحشفة و غيبوبتها فقط فالإدخال زائداً على ذلك غير واجب و الإدخال دون غيبوبة الحشفة غير موجب له و هي جملة من الأخبار المتضمنة على أن الغسل إنما يجب بغيبوبة الحشفة، أصرحها صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريباً من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: إذا التقى، الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم» (2) و مقتضى هذه الأخبار أن الغسل إنما يجب بغيبوبة الحشفة و لا يجب في الأقل منه، كما لا يعتبر إدخال الأكثر منه.

____________

(1) المصدر المتقدِّم.

(2) الوسائل 2: 183/ أبواب الجنابة ب 6 ح 2.

254

..........

____________

و في قبال ذلك رواية محمّد بن عذافر، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) متى يجب على الرجل و المرأة الغسل؟ فقال: يجب عليهما الغسل حين يدخله، و إذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما» (1) و قد رواها في الوسائل عن محمّد بن إدريس في آخر السرائر عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب (2). و مقتضاها أن الغسل إنما يجب بالإنزال، و أمّا الجماع المعبر عنه بالتقاء الختانين فهو إنما يوجب غسل الفرجين و لا يوجب الاغتسال.

و لكن الظاهر عدم معارضتها مع الصحاح المتقدِّمة لأنها مطلقة، حيث نفت وجوب الاغتسال و دلّت على وجوب الغَسل بالالتقاء الأعم من الالتقاء الخارجي و الداخلي، و الصحاح المتقدّمة مقيّدة و قد دلّت على وجوب الاغتسال بالالتقاء الداخلي المفسر بغيبوبة الحشفة كما في صحيحة ابن بزيع المتقدِّمة، فتحمل هذه الرواية على ما إذا كان الالتقاء خارجياً بغير الغيبوبة. هذا أوّلًا.

و ثانياً: لو سلمنا أنهما متعارضتان فلا يمكننا رفع اليد عن الصحاح المتقدّمة بهذه الرواية لأنها نادرة و تلك مشهورة، بل لا يبعد دعوى تواترها الإجمالي و القطع بصدور بعضها عنهم (عليهم السلام)، و عند المعارضة يترك الشاذ النادر و يؤخذ بالمجمع عليه بين الأصحاب، و هذا لا للرواية الآمرة بالأخذ بالمجمع عليها و أنه مما لا ريب فيه (3) لأنها ضعيفة، بل لما حقّقناه في محلِّه من أن الرواية إذا كانت مقطوعة السند لا يمكن رفع اليد عنها بالرواية النادرة (4).

و ثالثاً: لو أغمضنا عن ذلك أيضاً فالصحاح المتقدّمة موافقة للكتاب الذي أمرنا بالتيمم بدلًا عن الغسل فيما إذا تحققت الملامسة و لم يوجد الماء، و الرواية غير موافقة‌

____________

(1) الوسائل 2: 185/ أبواب الجنابة ب 6 ح 9.

(2) السرائر 3: 609.

(3) ورد ذلك في روايتين و هما: مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة، الوسائل 27: 106/ أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1. و المستدرك 17: 303/ أبواب صفات القاضي ب 9 ح 2.

(4) مصباح الأُصول 3: 413 421.

255

..........

____________

للكتاب حيث نفت الغسل عند الملامسة، و موافقة الكتاب من المرجحات السندية فلا بدّ من الأخذ بالصحاح و طرح تلك الرواية.

و أمّا ما في الحدائق نقلًا عن بعضهم من عدم المعارضة بينهما بجعل قوله: «و إذا التقى الختانان» جملة معطوفة على «يدخله» و كون العطف عطف تفسير و كأنها هكذا: يجب عليهما الغسل حين يدخله أي إذا التقى الختانان. و قوله: «فيغسلان فرجهما» حكم آخر متفرع على الإدخال و الالتقاء (1). ففيه ما لا يخفى كما ذكره في الحدائق، لأن الظاهر أن الجملة شرطية و قوله: «فيغسلان» جملة جزائية.

و أمّا ما عن بعضهم من أن جملة «فيغسلان ...» لا يمكن أن تكون جزائية، إذ لا وجه لدخول الفاء في الجزاء فيتعين حملها على أنه حكم متفرع على الإدخال و التقاء الختانين، و كون جملة «و إذا التقى» عطفاً تفسيرياً لقوله: «حين يدخله». فيدفعه أن الفاء إنما لا يدخل في الجزاء فيما إذا لم يكن الجزاء من الأفعال المضارعية، و أمّا في المضارع فلا بأس بدخوله في الجزاء كما لا يخفى على الممارس الفطن، و «يغسلان» فعل مضارع. فالصحيح في رفع المعارضة ما ذكرناه.

و الذي يسهل الخطب أن الرواية ضعيفة، لأن محمّد بن إدريس (قدس سره) و إن نقلها عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب و ذكر أن ذلك الكتاب بخط الشيخ أبي جعفر الطوسي (قدس سره) موجود عنده (2) فالطريق إلى نفس الكتاب معتبر و غير قابل للمناقشة إلّا أن في سند الرواية محمّد بن عمر بن يزيد، و هو لم يوثق في الرجال. و النتيجة أن الرواية ضعيفة و غير قابلة للمعارضة مع الصحاح.

الجهة الثالثة من جهات البحث

الجهة الثالثة: من قطع حشفته إذا بقي من حشفته مقدار و كان على نحو يصدق أنه‌

____________

(1) الحدائق 3: 4.

(2) السرائر 3: 601.

256

..........

____________

أدخل حشفته أو أولجها فلا إشكال في أنه يجب عليه الاغتسال، و أمّا إذا قطعت بتمامها فالمحتملات فيه أُمور:

الأوّل من محتملات المسألة الأوّل: أن الجنابة و وجوب الاغتسال إنما يتحققان بإدخال مقدار الحشفة لا بإدخال نفس الحشفة فقط، سواء كانت هناك حشفة أم لم تكن، فمقطوع الحشفة إذا أولج بمقدار الحشفة وجب عليه الاغتسال، و يلاحظ في مقدار الحشفة حشفة كل شخص بحسبها، و هذا الاحتمال منسوب إلى الأشهر أو المشهور إلّا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأن ظاهر الأخبار الواردة في وجوب الاغتسال بغيبوبة الحشفة (1) أن إدخال الحشفة بنفسه موضوع للحكم بوجوب الاغتسال، فحمله على التقدير و جعل الموضوع عبارة عن مقدار الحشفة خلاف ظاهر الأخبار و دون إثباته خرط القتاد.

و لا مجال لمقايسة المقام مع ما ورد في أن المسافر إنما يجب عليه القصر فيما إذا توارى عن البلد، المعبّر عنه في كلمات الفقهاء بخفاء الجدران، حيث ذكر المحقق الهمداني (قدس سره) أن المستفاد منه في المتفاهم العرفي أن وجوب القصر مشروط بالبعد عن بلد المسافرة بمقدار خفاء الجدران، سواء أ كان هناك جدران أم لم يكن كما إذا سافر من القرى و البوادي. و كذلك الحال في المقام، فإن المستفاد من الأخبار الواردة في أن الغسل يجب بإيلاج الحشفة أن المناط إنما هو الإدخال بقدر الحشفة سواء أ كان له حشفة أم لم تكن، فمقطوع الحشفة إذا أدخل من إحليله بقدر الحشفة يجب عليه الاغتسال (2).

و الوجه في عدم جواز المقايسة أن ما ورد في وجوب القصر فيما إذا توارى عن البلد بحسب المتفاهم العرفي ظاهر في إرادة المقدار، و أين هذا من الأخبار الواردة في‌

____________

(1) الوسائل 2: 182/ أبواب الجنابة ب 6.

(2) مصباح الفقيه (الطّهارة): 224/ السطر 16.

257

..........

____________

أن الغسل إنما يجب بإدخال الحشفة، فإن استفادة كفاية إدخال غير الحشفة بقدرها منها دونه خرط القتاد. فارادة المقدار من الحشفة يحتاج إلى دلالة الدليل و لا دليل على إرادته فهذا الاحتمال ساقط.

الثاني من المحتملات

الثاني: أن مقطوع الحشفة لا يجب عليه الغسل بالجماع و إنما ينحصر سبب الغسل في حقه بالإنزال، لأن الغسل بالجماع مقيد بإدخال الحشفة و لا حشفة له على الفرض.

ورد ذلك بأن الأخبار الواردة في أن الغسل يجب بالإدخال و الإيلاج مطلقة و مقتضى إطلاقها وجوب الغسل بإدخال مقطوع الحشفة أيضاً. و هذا منسوب إلى صاحب المدارك (قدس سره) (1).

و قد أُورد على ذلك بأن المطلقات كما مر مقيّدة بغيبوبة الحشفة، و تلك المقيدات أيضاً مطلقة لعدم اختصاصها بواجد الحشفة بل يعمه و من قطعت حشفته، و مقتضى إطلاق المقيّدات أن الغسل إنما يجب في حق مقطوع الحشفة و غيره بالجماع فيما إذا غابت الحشفة، و حيث إنّ مقطوع الحشفة لا يتحقق في حقه الجماع بغيبوبة الحشفة فلا يجب عليه الغسل بالجماع، و ينحصر سببه بالإنزال فحسب لولا كون الحكم المزبور أعني وجوب الغسل على مقطوع الحشفة بالجماع مظنّة الإجماع هذا.

و لا يخفى أن هذا الاحتمال أيضاً مردود كسابقه، و ذلك لصحيحتين: إحداهما: صحيحة الحلبي، قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل أ عليه غسل؟ قال: كان علي (عليه السلام) يقول: إذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، قال: و كان علي (عليه السلام) يقول: كيف لا يوجب الغسل و الحد يجب فيه؟ و قال: يجب عليه المهر و الغسل» (2). فإن مقتضى صريح هذه الصحيحة أن وجوب الحد و المهر و غسل الجنابة أُمور متلازمة و متى وجب أحدها وجب الآخران‌

____________

(1) المدارك 1: 272.

(2) الوسائل 2: 183/ أبواب الجنابة ب 6 ح 4.

258

..........

____________

و حيث لا إشكال في أنّ مقطوع الحشفة إذا جامع أجنبية يصدق أنه زنى و يجب بذلك عليه الحد، كما إذا جامع زوجته يجب بذلك عليه المهر أيضاً، فمنه يستكشف أنه إذا جامع امرأة وجب عليه غسل الجنابة أيضاً لملازمته مع وجوب الحد و المهر. فالقول بعدم وجوب الغسل في حقه ساقط.

و ثانيتهما: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي (عليه السلام): أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعاً من الماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار» (1). و هذه الصحيحة أيضاً ظاهرة الدلالة على أن الحد و الغسل متلازمان في الوجوب فمتى وجب أحدهما وجب الآخر، و حيث إن الأوّل يتحقق في حق مقطوع الحشفة بالإدخال فكذلك الثاني يجب عليه بإدخاله. فاحتمال أن لا يجب على مقطوع الحشفة الغسل بالجماع ساقط، حيث يستفاد منهما أن الموضوع لوجوب الغسل في حق مقطوع الحشفة مطلق الإدخال و الإيلاج. و منه نستكشف أن المقيّدات مختصّة بواجد الحشفة دون فاقدها.

فدعوى أن عدم وجوب الغسل على مقطوع الحشفة بالإدخال هو الصحيح و الأوفق بالقواعد لولا كون وجوب الغسل عليه بالإدخال مظنّة الإجماع، ساقطة. هذا كله في الاستدلال بالصحيحتين.

و أمّا فقههما فقد نقل في الحدائق عن الكاشاني (قدس سره) أن الوجه في استدلال علي (عليه السلام) هو القياس و ذلك للمجادلة بالتي هي أحسن، لأنّ المخالفين يرون صحّة القياس (2)، و من هنا قاس (عليه السلام) الغسل بالحد و المهر و إلّا فلا تلازم بين‌

____________

(1) الوسائل 2: 184/ أبواب الجنابة ب 6 ح 5.

(2) الحدائق 3: 7.

259

..........

____________

الأُمور الثلاثة. و كيف يكون وجوب الغسل و الحد و المهر متلازماً مع أن الحد له أسباب متعددة و لا يجب الغسل إلّا في سبب واحد و هو الزنا و لا يجب مع غيره من أسباب الحد المبيّنة في كتاب الحدود، كما أن ثبوت المهر كذلك، فإنه قد يثبت بإزالة البكارة بالإصبع مع عدم وجوب الغسل معه هذا.

و لكن الصحيح أن استدلال الإمام (عليه السلام) تام غير مبتن على القياس. و غرضه أن الموضوع لهذه الأحكام الثلاثة شي‌ء واحد و هو الإتيان و الإدخال و المماسة و اللّمس و غيرها من العناوين، حيث قال سبحانه أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1) و ورد أن في المس المهر كلّاً، كما ورد أن الإدخال و الإيلاج يوجب الغسل كما أنه موجب للحد و الزنا، و ليس هذا من القياس في شي‌ء. هذا كله في الاحتمال الثاني.

الثالث من المحتملات

الثالث: أن إدخال مقطوع الحشفة و إن كان موجباً للغسل كما مر إلّا أن الموجب له هو مسمّى الإدخال و مطلقه، و لا يعتبر دخول الباقي بتمامه.

الرّابع من المحتملات

الرّابع: أن الموجب إنما هو إدخال تمام الباقي و لا يكفي مسماه. و الصحيح من هذين الاحتمالين هو الأوّل أعني كفاية مسمى الإدخال و الإيلاج، و ذلك لما عرفت من تلازم الغسل مع الحد و المهر، و لا إشكال في أن الموضوع للحد و المهر هو مسمى الإدخال و كذلك الحال في الغسل. على أنا استفدنا من الصحيحتين أن الموضوع لوجوب الغسل في مقطوع الحشفة هو الإدخال و الإيلاج، و ذكرنا أن المقيّدات مختصّة بواجد الحشفة، و لا إشكال في أن الإدخال و الإيلاج لا يتوقّف صدقهما على دخول تمام الباقي، بل يكفي في صدقهما المسمّى و لعلّه ظاهر.

____________

(1) النساء 4: 43. المائدة 5: 6.

260

في القُبُل أو الدُّبُر (1) هل سيّان في المسألة قبل المرأة و دبرها؟

____________

(1) المسألة ذات قولين: أحدهما: عدم الفرق في وجوب الغسل بين الإدخال في قبل المرأة و دبرها، و هذا هو المشهور بينهم بل ادعى بعضهم الإجماع عليه. و ثانيهما: عدم وجوبه بالوطء في دبر المرأة كما ذهب إليه بعضهم و مال إليه صاحب الحدائق (قدس سره) و استدل على كلا القولين بالأخبار (1). إلّا أن أكثرها في كلا الجانبين ضعاف لضعف أسنادها، مضافاً إلى ضعف الدلالة في بعضها.

منها: مرسلة حفص بن سوقة عمن أخبره، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلفها، قال: هو أحد المأتيين فيه الغسل» (2) و قد استدلّ بها على المشهور، إلّا أنها ضعيفة سنداً لإرسالها، مضافاً إلى إمكان المناقشة في دلالتها، حيث يحتمل أن يراد من إتيان أهله من خلفها أنه يولج في قبلها من خلفها كبقيّة الحيوانات حيث يأتون من الخلف لا أنه يدخل في دبرها، و يرشد إلى ذلك قوله: «يأتي أهله من خلفها» و لم يقل يأتي خلف أهله. و بين العبارتين فرق واضح فكأن المدخل واحد و له طريقان فقد يؤتى من الخلف و أُخرى من القدّام.

و منها: مرفوعة البرقي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما، و إن أنزل فعليه الغسل و لا غسل عليها» (3) استدلّ بها على القول الثاني، و دلالتها ظاهرة إلّا أنها ضعيفة بحسب السند لمكان رفعها، و إن عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة باعتبار صحّة سندها إلى البرقي.

و منها: مرسلة أحمد بن محمّد عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة، قال: لا ينقض صومها و ليس‌

____________

(1) الحدائق 3: 9.

(2) الوسائل 2: 200/ أبواب الجنابة ب 12 ح 1.

(3) الوسائل 2: 200/ أبواب الجنابة ب 12 ح 2.

261

..........

____________

عليها غسل» (1) و هي أيضاً ضعيفة بإرسالها.

و منها: صحيحة الحلبي، قال: «سُئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أ عليها الغسل إذا أنزل هو و لم تنزل هي؟ قال (عليه السلام): ليس عليها غسل، و إن لم ينزل هو فليس عليه غسل» (2) و هذه الرواية و إن كانت صحيحة بحسب السند إلّا أن دلالتها مورد للمناقشة:

أمّا أوّلًا: فلأن ظاهر كلمة «ما دون الفرج» هو ما كان تحت الفرج و ليس ما تحته إلّا الفخذان، و معنى أنه يصيبها أي أنه يفخّذ فحسب، و عليه فالصحيحة خارجة عمّا نحن فيه أعني الوطء في دبر المرأة.

و أمّا ثانياً: فلأنا لو سلمنا أن المراد بما دون الفرج ما سوى الفرج لا أنه بمعنى ما هو تحته و أسفله كما قد يستعمل بهذا المعنى أي بمعنى عدا و سوى أيضاً لا يمكننا الاستدلال بها من جهة أن للفرج إطلاقات، فقد يطلق و يراد منه خصوص القبل في مقابل الدبر، و قد يطلق و يراد منه الأعم من القبل و الدبر و الذكر كما قد استعمل بهذا المعنى الأخير أعني الآلة الرجولية في قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ (3).

و الاستدلال بالصحيحة إنما يتمّ إذا أحرزنا أن الفرج فيها قد استعمل بالمعنى الأوّل، و أما إذا كان المراد به هو المعنى الثاني فلا محالة يتعين في التفخيذ أيضاً، لأنه الذي سوى الأُمور المذكورة، و حيث إنا لم نحرز أن المراد منه أي المعنيين فلا محالة تسقط الصحيحة عن قابلية الاعتماد عليها في المسألة.

و الأخبار المستدلّ بها على وجوب الاغتسال بالوطء في دبر المرأة من غير إنزال كالأخبار المستدلّ بها على عدم وجوبه ضعيفة السند أو الدلالة، كما أن الإجماع المدعى في المسألة غير قابل للاعتماد عليه، لأنه من الإجماع المنقول و لا اعتبار به.

____________

(1) الوسائل 2: 200/ أبواب الجنابة ب 12 ح 3.

(2) الوسائل 2: 199/ أبواب الجنابة ب 11 ح 1.

(3) المؤمنون 23: 5، 6.

262

..........

____________

فالصحيح أن نستدل على وجوب الغسل بوطء المرأة في دبرها بإطلاق الكتاب و السنّة. أما الكتاب فلقوله تعالى أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً إلخ (1) لأنّ الملامسة كما تصدق بوطئها في قبلها كذلك تصدق بوطئها في دبرها.

و أمّا ما ورد في تفسير الملامسة بالمواقعة في فرج المرأة أعني صحيحة أبي مريم الأنصاري، قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الرجل يتوضأ ثمّ يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد؟ فإنّ من عندنا يعني السنّة يزعمون أنّها الملامسة، فقال: لا و اللّٰه ما بذلك بأس و ربّما فعلته و ما يعني بهذا أو لامستم النساء إلّا المواقعة في الفرج» (2) حيث استدلّ بها على أن سبب الجنابة و وجوب الغسل منحصر بالمواقعة في فرج المرأة فلا يكون وطؤها في دبرها موجباً و سبباً للجنابة. ففيه أن الصحيحة لا دلالة لها على عدم وجوب الغسل بالوطء في دبر المرأة، و ذلك لأن الفرج لم يثبت في لغة العرب أنه بمعنى القبل، بل الصحيح أنه يستعمل في المعنى الجامع بين القبل و الدبر، بل بينهما و بين الذكر كما في قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ (3) لأنه بمعنى الذكر فقط هذا.

بل قد ورد في بعض الروايات بمعنى خصوص الدبر كما في موثقة سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك و هو قائم يصلّي يعيد وضوءه؟ فقال: لا بأس بذلك، إنما هو من جسده» (4) فإن الفرج فيها بمعنى الدبر، إذ لا قبل للرجل، و الذكر مذكور بنفسه كما هو واضح. و عليه فلفظة الفرج إما أنها بالمعنى الأعم من القبل و الدبر أو لا أقل من إجمالها و معه لا يمكن الاعتماد على الرواية في تقييد الآية المباركة. و أما الأخبار فهي كالرواية المشتملة على أن إتيان الزوجة يوجب انتقاض الصيام، فإن الإتيان كما يشمل الوطء في القبل كذلك يشمل الإتيان في الدبر، هذا كله في وطء المرأة في دبرها.

____________

(1) النساء 4: 43، المائدة 5: 6.

(2) الوسائل 1: 271/ أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 4.

(3) المؤمنون 23: 5 6.

(4) الوسائل 1: 272/ أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 8.

263

..........

حكم وطء الغلام

____________

و أمّا وطء الغلام في دبره فهل يلحقه حكم وطء المرأة فيجب عليه الاغتسال؟ ذهب المشهور إلى ذلك، بل عن المرتضى دعوى الإجماع على عدم الفرق في وجوب الغسل بالوطء بين وطء المرأة و الغلام (1). و خالفهم في تلك المحقق في المعتبر حيث ذهب فيه إلى العدم (2) و مال إليه في شرائعه و تردّد (3).

و استدلّ على وجوب الغسل بوطء الغلام بالإجماع تارة، و أُخرى بالروايتين المتقدّمتين الواردتين في ملازمة وجوب الحد مع وجوب الغسل (4)، و حيث إنّ وطء الغلام موجب الحد فلا محالة يكون موجباً للاغتسال. و ثالثة بإطلاق الأخبار الواردة في أنّ الغسل يجب مع الإدخال أو الإيلاج و نحوهما (5)، لأنّ الإدخال يصدق على الإدخال في دبر الغلام أيضاً. و رابعة بحسنة الحضرمي أو صحيحه المروية عن الكافي عن الصادق (عليه السلام): «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): من جامع غلاماً جاء جنباً يوم القيامة لا يُنقيه ماء الدنيا» (6) نظراً إلى دلالتها على أن الجنابة كما تتحقق بوطء المرأة كذلك تتحقق بوطء الغلام، بل الجنابة الحاصلة بوطئه أقوى و آكد من غيرها، حيث إنها لا ترتفع بماء الدنيا و إنما ترتفع بنار الجحيم أو ماء الحميم.

و لا يمكن المساعدة على شي‌ء من هذه الوجوه. أما الإجماع فلأنه من المنقول و لا اعتبار عندنا بالإجماعات المنقولة، و لا سيما إجماعات السيِّد المرتضى (قدس سره).

و أمّا الاستدلال بالروايتين الواردتين في وجوب الغسل عند وجوب الحد فلما‌

____________

(1) كما حكاه عنه في المختلف 1: 166.

(2) المعتبر 1: 181.

(3) الشرائع 1: 26.

(4) تقدّم ذكرهما في ص 257 258.

(5) الوسائل 2: 182/ أبواب الجنابة ب 6، 7.

(6) الوسائل 20: 329/ أبواب النكاح المحرّم ب 17 ح 1. الكافي 5: 544/ 2.

264

من غير فرق بين الواطئ و الموطوء (1)

____________

أسلفنا من أنهما غير ناظرتين إلى أن الحد إذا وجب وجب معه الغسل، كيف فإن الحد له أسباب كثيرة لا يجب معها الغسل في غير الزنا أو اللواط على الكلام، و إلّا فقذف المرأة يوجب الحد و لا يوجب الغسل و كذلك غيره من الأسباب الموجبة للحد، بل نظرهما إلى أنّ موضوع وجوب الغسل و وجوب الحد في خصوص وطء المرأة أمر واحد، فهما متلازمان في وطء المرأة لا مطلقاً فلا يمكن الاستدلال على وجوبه بوجوب مطلق الحد كما لا يخفى.

و أمّا الاستدلال بالمطلقات الدالّة على أن الغسل إنما يجب مع الإدخال و الإيلاج ففيه: أن تلك الأخبار إنما وردت لبيان الكميّة أو الكيفية الموجبة للجنابة، و قد دلّت على أنها تتحقق بمطلق الإدخال دون التفخيذ و غيره، و أما أن متعلق الإدخال أي شي‌ء مرأة أو غلام فهي غير ناظرة إليه حتى يتمسك بإطلاقها.

و أمّا رواية الكافي فهي أيضاً كسابقتها، لأن الجنابة التي لا ترتفع بالاغتسال بماء الدنيا خارجة عن الجنابة المصطلح عليها التي رتبت عليها أحكام من وجوب الغسل و حرمة المكث في المساجد و نحوهما، فهي جنابة واقعية و أمر مغاير مع الجنابة المصطلح عليها، للقطع بأن واطئ الغلام إذا اغتسل لصحت منه الصلاة و غيرها مما يشترط فيه الطّهارة من الحدث، فلا دلالة للرواية على أن الجنابة المصطلح عليها تتحقق في حق واطئ الغلام. فالإنصاف أنه لا دليل على وجوب الغسل عند وطء الغلام، و من هنا ذهب المحقق إلى نفيه في المعتبر، و معه لا مناص من الاحتياط و الجمع بين المحتملات، مثلًا إذا كان متطهراً قبل وطء الغلام فوطئه فيكتفي بالاغتسال، و أما إذا كان محدثاً قبله فبعد الوطء يجمع بين الوضوء و الغسل للاحتياط.

(1) و ذلك للارتكاز العرفي، فإن الجنابة أمر واحد و نسبته إلى الواطئ و الموطوء متساوية بحسب الارتكاز.

265

و الرّجل و الامرأة (1) (1) و الصّغير و الكبير (2) و الحيّ و الميِّت (3) و الاختيار و الاضطرار (4) في النوم أو اليقظة حتى لو أدخلت حشفة طفل رضيع فإنّهما يجنبان، و كذا لو أدخلت ذكر ميت أو أدخل في ميت، و الأحوط في وطء البهائم من غير إنزال الجمع بين الغسل و الوضوء (5) إن كان سابقاً محدثاً بالأصغر

____________

(1) كما عرفت تفصيله.

(2) الأخبار الواردة في المسألة و إن كانت مشتملة على لفظة المرأة غالباً و هي لا تشمل غير البالغة إلّا أنه يوجد في بينها ما يكون بإطلاقه شاملًا لغير البالغة أيضاً، و ذلك كما ورد من أنه إذا مس أو أتى بكراً فقد وجب عليه الغسل (2)، فإنّ البكر كما يصدق على البالغة كذلك يصدق على غير البالغة.

(3) و ذلك لأن الميت يصدق عليه المرأة عند العرف، فلو جامع امرأة ميتة يصدق عرفاً أنه جامع امرأة، و إن كانت الامرأة بحسب العقل مختصّة بغير الميت، لأن الميت جماد، و مع ذلك لا حاجة لنا إلى الاستصحاب كما عن الجواهر (3) حتى يستشكل فيه بأنه من الاستصحاب التعليقي‌

(4) كل ذلك للإطلاق.

حكم وطء البهائم في فرجها

(5) هل الوطء في فرج البهيمة يلحق بالوطء في الآدمي فيوجب الغسل و الجنابة؟ قد يقال بذلك، نظراً إلى ما ربّما يلوح من كلام السيِّد المرتضى (قدس سره) من أن وجوب الغسل في وطء البهيمة إجماعي بيننا، حيث حكي عنه أن الأصحاب يوجبون الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة (4). و لما ورد من ملازمة وجوب الحدّ مع‌

____________

(1) فيه إشكال، فلا يترك الاحتياط للواطئ و الموطوء فيما إذا كان الموطوء ذكراً بالجمع بين الوضوء و الغسل فيما إذا كانا محدثين بالحدث الأصغر.

(2) كما في موثقة ابن يقطين، الوسائل 2: 183/ أبواب الجنابة ب 6 ح 3.

(3) الجواهر 3: 27.

(4) المختلف 1: 168.

266

و الوطء في دبر الخنثى موجب للجنابة (1) دون قبلها (1) إلّا مع الانزال فيجب الغسل عليه دونها إلّا أن تنزل هي أيضاً.

____________

مع وجوب الغسل.

و فيه: أن الإجماع لا يمكن الاعتماد عليه لعدم العلم بتحققه، لأن المشهور بينهم كما في الحدائق عدم وجوب الغسل بوطء البهيمة (2)، و معه كيف يكون وجوب الغسل إجماعياً عندهم. و أما حديث الملازمة بين وجوب الحد و وجوب الغسل فقد عرفت أن المراد بها خصوص التلازم بين حدّ الزنا و وجوب الاغتسال، لاتحاد موضوعهما الذي هو المس أو الإدخال و الإتيان، و لا تلازم بين مطلق الحد و وجوب الاغتسال كما مر.

و أما المطلقات الآمرة بالغسل عند الإدخال و الإيلاج فقد عرفت أن المراد بها بيان الكميّة المسببة لوجوب الغسل و أنه إنما يجب مع الإدخال لا بالتفخيذ و الملامسة و المس، و أما متعلق الإدخال فلا تعرض له في المطلقات حتى يتمسك بإطلاقاتها. و بالجملة: إن المتبع هو الدليل و لا دليل على وجوب الغسل بوطء البهائم، فالاحتياط أن يغتسل بوطئها و يتوضأ كما قدمناه في وطء دبر الغلام.

وطء الخنثى في دبرها

(1) بناء على وجوب الغسل بالإدخال في الدبر، فإنه عليه يجب الغسل بوطء الخنثى في دبرها لأنه إما امرأة و إما رجل، و على كلا التقديرين يجب الغسل بالوطء في دبرها. و أما قبلها فلا لاحتمال أن يكون مذكراً و القبل عضو زائد كالثقبة الخارجية، و الإدخال في مطلق الثقبة غير موجب للغسل كما هو ظاهر. هذا إذا قلنا بوجوب‌

____________

(1) بناءً على ما تقدّم الأحوط الجمع بين الوضوء و الغسل فيما إذا كان محدثاً بالأصغر سابقا.

(2) الحدائق 3: 12.

267

و لو أدخلت الخنثى في الرجل أو الأُنثى مع عدم الإنزال لا يجب الغسل على الواطئ و لا على الموطوء (1) و إذا دخل الرجل بالخنثى و الخنثى بالأُنثى وجب الغسل على الخنثى دون الرجل و الأُنثى (2).

[و هنا مسائل متعلقة بالجنابة]

[مسألة 1: إذا رأى في ثوبه منياً و علم أنه منه و لم يغتسل بعده وجب عليه الغسل]

[641] مسألة 1: إذا رأى في ثوبه منياً و علم أنه منه و لم يغتسل بعده وجب عليه الغسل (3) و قضاء ما تيقن من الصلوات التي صلاها بعد خروجه و أمّا الصلوات التي يحتمل سبق الخروج عليها فلا يجب قضاؤها (4)

____________

الغسل في الدبر حتى في الذكر.

(1) لاحتمال أن تكون أُنثى و آلته الرجولية عضو زائد لا يجب الغسل بايلاجه.

(2) أما وجوب الغسل على الخنثى فلأنها إما رجل فقد وطئ الأُنثى فوجب عليها الغسل، و إمّا أنها أُنثى فقد وطئها الرجل. و أما عدم وجوب الغسل على الرجل و الأُنثى فلاحتمال أن تكون الخنثى في الأوّل مذكراً و آلته الأُنوثية عضو زائد، و في الثاني مؤنثاً و آلتها الرجولية عضو زائد.

(3) لفرض علمه بجنابته.

(4) لاستصحاب عدم خروج المني حين تلك الصلوات، و هو المعبر عنه بأصالة تأخر الحادث، و مع الغض عن الاستصحاب مقتضى أصالة البراءة عدم وجوب القضاء أيضاً، لأنه بأمر جديد و مع الشك في توجهه إليه أصالة البراءة تقضي بعدم الوجوب.

و أما دعوى الحكم بصحّة تلك الصلوات و عدم وجوب قضائها لقاعدة الفراغ الحاكمة بصحّتها، ففيه ما ذكرناه غير مرّة من أن القاعدة أمارة أو شبهها، و يعتبر في كونها أمارة احتمال الالتفات إلى أجزاء العمل و شرائطه حال الامتثال حتى يكون إتيانه بتمامه لأجل أنه أذكر. و أما مع العلم بغفلته حال العمل و احتمال الصحّة لمجرد احتمال الصدفة الاتفاقية فلا تجري فيه القاعدة و لا تكون لها أمارية حينئذ، و الأمر في‌

268

و إذا شكّ في أنّ هذا المني منه أو من غيره لا يجب عليه الغسل (1) (1) و إن كان أحوط خصوصاً إذا كان الثوب مختصّاً به.

____________

المقام كذلك، لأن المفروض عدم التفات المصلي إلى جنابته حال الصلاة و إنما التفت إليها بعدها فهي خارجة عن موارد قاعدة الفراغ.

(1) لعدم علمه بجنابته. و العلم الإجمالي بجنابته أو بجنابة غيره غير مؤثر في حقه إذ لا أثر لجنابة الغير بالإضافة إليه، اللّٰهمّ إلّا أن تكون جنابة الغير مورداً لابتلائه بأن أمكن ابتلاؤه به، كما إذا أمكن استئجاره لكنس المسجد، فان الاستئجار له كما يأتي يشترط فيه عدم جنابة الأجير، و استئجار الجنب للكنس تسبيب لدخول الجنب و مكثه في المسجد و هو حرام، فإذا كان الأمر كذلك فله علم إجمالي بتوجه أحد التكليفين إليه فإما أنه يجب الغسل عليه و إما أنه يحرم أن يستأجر غيره.

بقي الكلام في شي‌ء

و هو أن صاحب الحدائق (قدس سره) تعرض للمسألة المتقدّمة و عنونها بما إذا نام أحد و لم ير في منامه أنه احتلم ثمّ وجد بعد الانتباه في ثوبه أو على بدنه منياً و قال: الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في أنه يجب عليه الغسل للعلم بتحقق الجنابة بذلك. و ذكر أن كثيراً من الأصحاب عبروا في هذا المقام بأن واجد المني على جسده أو ثوبه المختص به يغتسل، و من الظاهر بُعده عن مورد الأخبار المتعلقة بهذه المسألة. و نقل من الروايات موثقتين لسماعة ففي إحداهما: «سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه أنه قد احتلم، قال: فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته». و في ثانيتهما: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينام و لم ير في نومه أنه احتلم فيجد في ثوبه أو على فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: نعم» (2).

____________

(1) فيه تفصيل نذكره في المسألة الثالثة.

(2) الوسائل 2: 198/ أبواب الجنابة ب 10 ح 2، 1.

269

..........

____________

ثمّ نقل عن الشيخ (قدس سره) (1) أنه في مقام الجمع بين هاتين الموثقتين و بين ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «عن الرجل يصيب في ثوبه منياً و لم يعلم أنه احتلم، قال: ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضأ» (2) حمل الأخيرة على ما إذا شاركه في الثوب غيره جمعاً بين الروايات، و عقبه بأن الأقرب في الجمع بين الموثقتين و هذه الرواية حمل الموثقتين على من وجد المني بعد النوم بغير فصل مدّة بحيث يحصل له العلم أو الظن الغالب باستناد المني إليه لا إلى غيره، و حمل الرواية على وجدانه المني في الثوب في الجملة من غير تعقبه للنوم على الوجه المتقدِّم (3).

و لا يخفى أن واجد المني في ثوبه بحسب الأغلب عالم بأنه منه، و معه يجب عليه الغسل و قضاء الصلوات التي علم بإتيانها بعد خروجه كما ذكره الماتن (قدس سره) و أما إذا لم يحصل له القطع بذلك و احتمل أنه من غيره فلا موجب وقتئذ للحكم عليه بوجوب الاغتسال، و الأصل يقتضي عدم خروج المني منه. و العلم الإجمالي بجنابته أو غيره غير منجز إلّا أن يكون الطرف الآخر مورداً لابتلائه كما عرفت، و أما مع عدم كونه مورداً للابتلاء فلا موجب عليه للاغتسال.

و الاستدلال على وجوب الغسل في تلك الصورة بالموثقتين بمكان من الغرابة، لأن السؤال فيهما ليس عن وجدان المني في الثوب مع احتمال كونه مستنداً إلى الغير، و إنما السؤال فيهما عن أن خروج المني باستقلاله موجب للغسل أو لا بدّ من أن يرى النائم في منامه أنه قد احتلم حتى يجب عليه الغسل. و بعبارة اخرى: أن سماعة احتمل أن يكون للرؤية في المنام موضوعية في وجوب الغسل و أجابه الإمام بأن الموضوع في ذلك مجرد خروج المني رأى في المنام احتلامه أو لم يره، و بذلك يرتفع التنافي بينهما و بين ما رواه أبو بصير فلا حاجة إلى ما ذكره الشيخ أو صاحب الحدائق (قدس سره) فإنه ليس من الجمع العرفي بينهما، بل الصحيح في الجمع بينهما ما ذكرناه من أن‌

____________

(1) التهذيب 1: 368.

(2) الوسائل 2: 198/ أبواب الجنابة ب 10 ح 3.

(3) الحدائق 3: 22/ المسألة الرابعة.

270

و إذا علم أنه منه و لكن لم يعلم أنه من جنابة سابقة اغتسل منها أو جنابة أُخرى لم يغتسل لها لا يجب عليه الغسل أيضاً (1)، لكنّه أحوط (1).

____________

الموثقتين إنما وردتا في صورة العلم بأن المني منه لا في صورة التردد و الشك، إذ لا مناسبة لوجود مني الغير على فخذه إلّا أنه سأل عن وجوب الغسل حينئذ لاحتمال أن يكون لرؤية الاحتلام موضوعية في وجوبه. و أما ما رواه أبو بصير فهي واردة فيما نحن فيه أعني الشك في أن المني منه أو من غيره، و قد حكم (عليه السلام) بعدم وجوب الغسل حينئذ كما هو مقتضى الأصل. فالصحيح ما أفاده الماتن (قدس سره) من عدم وجوب الغسل في المسألة.

إذا علم بالجنابة و لم يعلم أنها ممّا اغتسل منه

(1) قد تعرضنا لهذه المسألة في بحث الأُصول (2) و سمّيناها بالقسم الرابع من أقسام الاستصحاب الكلي، و قلنا إنه يغاير القسم الثالث منها بأن في القسم الثالث يعلم بزوال ما حدث قطعاً و يشك في قيام فرد آخر مقامه مقارناً لارتفاع الفرد الأوّل أو بعده، و أمّا في هذا القسم فلا علم له بارتفاع ما حدث، لأنه يحتمل أن تكون الجنابة التي علم بتحققها حين خروج المني المشاهد في ثوبه باقية بأن تكون الجنابة جنابة اخرى غير الجنابة التي اغتسل منها، كما يحتمل ارتفاعها لاحتمال أنها هي الجنابة التي اغتسل منها. كما أنه يغاير القسم الثاني من حيث إنه ليس هناك شك في بقاء ما حدث لأن أحد الفردين المحتملين مشكوك الحدوث من الابتداء و أحدهما الآخر مقطوع الارتفاع، و هذا بخلاف المقام حيث إن ما علمنا بحدوثه أعني طبيعي الجنابة الحاصلة بخروج المني المشاهد نحتمل بقاءه و لا علم بارتفاعه فهو قسم مستقل، و لا‌

____________

(1) الظاهر وجوبه لمعارضة الاستصحابين، و لا بدّ من ضمّ الوضوء إليه إذا أحدث بالأصغر بعد الغسل.

(2) مصباح الأُصول 3: 104 118.

271

[مسألة 2: إذا علم بجنابة و غسل و لم يعلم السابق منهما وجب عليه الغسل]

[642] مسألة 2: إذا علم بجنابة و غسل و لم يعلم السابق منهما وجب عليه الغسل (1) إلّا إذا علم زمان الغسل دون الجنابة فيمكن استصحاب الطّهارة (2) حينئذ (1).

____________

مانع من الرجوع فيه إلى استصحاب بقاء الطبيعي المحتمل انطباقه على ما اغتسل منه و ما لم يغتسل فيجب عليه غسل الجنابة حينئذ.

إذا لم يعلم السابق من الغسل و الجنابة

(1) هذا يبتني على ما سلكه جملة من الأعلام و منهم الماتن (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب فيما جهل تأريخه من الحادثين، فان الاستصحاب حينئذ يجري في بقاء الغسل و الطّهارة من غير معارض فلا يجب عليه الغسل و لا الوضوء، لكونه محكوماً بالطّهارة بالاستصحاب.

و أمّا بناء على ما سلكناه من عدم الفرق بين ما علم تأريخه و ما جهل تأريخه من الحادثين فإما أن لا يجري الاستصحاب في شي‌ء من الجنابة و الطّهارة كما على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) (3) و إما أن يجريا و يتساقطا بالمعارضة و معه لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر و هو أصالة الاشتغال، حيث يحتمل جنابته و لا يقطع بفراغ ذمّته إذا صلّى و الحال هذه إلّا أن يغتسل، إلّا أن غسله هذا لا يغني عن الوضوء لعدم العلم بكونه غسل جنابة، لاحتمال عدم جنابته و معه يضمّ إليه الوضوء أيضاً من باب الاحتياط فيما إذا لم يكن متوضئاً سابقاً، و أما مع طهارته السابقة فلا حاجة إلى ضمّ الوضوء إلى الاغتسال.

____________

(1) هذا فيما إذا لم يصدر منه حدث أصغر، و إلّا وجب عليه الجمع بين الوضوء و الغسل.

(2) لا يمكن ذلك لمعارضته باستصحاب الجنابة المجهول تاريخها على ما حققناه في محله.

(3) كفاية الأُصول: 421 و ما بعدها.

272

[مسألة 3: في الجنابة الدائرة بين شخصين لا يجب الغسل على واحد]

[643] مسألة 3: في الجنابة الدائرة بين شخصين لا يجب الغسل على واحد (1) منهما (1)

____________

و أمّا إذا كان تأريخ الجنابة معلوماً دون تأريخ الطّهارة و الغسل فإنه بناء على مسلك الماتن و من حذا حذوه يجري استصحاب الجنابة من غير معارض، لعدم جريان الأصل فيما جهل تأريخه، و معه يجب عليه الغسل و هو يغني عن الوضوء لأنه غسل جنابة بمقتضى استصحاب بقاء الجنابة. و أما على مسلكنا فحكمه حكم صورة الجهل بتأريخ كلا الحادثين، فإمّا أن يجري الاستصحابان و يتساقطا بالمعارضة، و إمّا أن لا يجري شي‌ء منهما في نفسه فيرجع إلى أصالة الاشتغال و يجب عليه الغسل و يضمّ إليه الوضوء أيضاً احتياطا.

الجنابة الدائرة بين شخصين

(1) لعدم العلم بجنابته، و استصحاب طهارته يقضي بعدمها. و العلم الإجمالي بجنابة نفسه أو غيره غير منجز، إذ يشترط في تنجيزه أن يكون العلم الإجمالي متعلقاً بتكليف نفس المكلّف، و أما المتعلق بتكليفه أو تكليف غيره فلا يترتب عليه أي أثر اللّٰهمّ إلّا أن تكون جنابة الغير ممّا ينتهي إليه ابتلاؤه كما إذا كان ذلك الغير قابلًا للاستئجار لكنس المسجد لأنه حمال مثلًا، فإنه يعلم حينئذ بتوجه أحد التكليفين إليه، لأنه إما أن يجب عليه غسل الجنابة إذا كان هو الجنب و إما أن يحرم عليه استئجار الطرف الآخر لكنس المسجد إذا كان الجنب هو الغير، و ذلك لحرمة التسبيب إلى دخول الجنب في المسجد و استئجاره تسبيب كما تأتي الإشارة إليه.

____________

(1) إذا كانت جنابة أحدهما موضوعاً لحكم متوجه إلى الآخر كعدم جواز استئجاره لدخول المسجد و نحوه فمقتضى العلم الإجمالي وجوب الغسل عليه، فلا بدّ من الجمع بين الطهارتين.

273

و الظنّ كالشكّ (1) و إن كان الأحوط فيه (1) مراعاة الاحتياط (2)، فلو ظنّ أحدهما أنه الجنب دون الآخر اغتسل و توضأ إن كان مسبوقاً بالأصغر.

[مسألة 4: إذا دارت الجنابة بين شخصين لا يجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر]

[644] مسألة 4: إذا دارت الجنابة بين شخصين لا يجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر للعلم الإجمالي بجنابته أو جنابة إمامه (3)

____________

(1) لعدم اعتباره.

(2) لم يعلم لهذا الاحتياط وجه صحيح، حيث إنه إن كان مستنداً إلى احتمال حجيّة الظن و اعتباره فنحن نقطع بعدم حجيّته و لا نحتمل اعتباره ليجب الاحتياط و إن كان الاحتياط من جهة احتمال جنابته في الواقع فهو و إن كان في محلِّه لأنّ إدراك الواقع حسن إلّا أنه لا يختص بالظن بالجنابة، لأن الشاك في جنابته أيضاً مورد للاحتياط حتى يدرك الواقع، فتخصيص الاحتياط بخصوص الظان بالجنابة بلا وجه.

عند دوران الجنابة بين شخصين لا يجوز ائتمام أحدهما بالآخر

(3) إن بنينا على أن المدار في صحّة الاقتداء على كون صلاة الإمام صحيحة عند نفسه فلا إشكال في جواز اقتداء أحد الشخصين اللذين علم جنابة أحدهما بالآخر و ذلك لاستصحاب طهارة نفسه، بل يجوز الاقتداء مع العلم التفصيلي ببطلان صلاة الإمام فيما إذا كانت صلاته صحيحة عند نفسه.

و أما إذا لم نبن عليه و قلنا بعدم كفاية الصحّة عند الإمام كما هو الصحيح، حيث لم يدلّ دليل على جواز الاقتداء بالصلاة الباطلة، و لا إطلاق في دليل جواز الاقتداء ليشمل المقام، فلا يجوز لمن علم ببطلان صلاة أحد أن يقتدي به، كما لا فرق في العلم ببطلان الصلاة بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي به كما في المقام، و ذلك لعلمه ببطلان صلاة نفسه أو صلاة إمامه، و هذا العلم الإجمالي يولد العلم التفصيلي ببطلان صلاة‌

____________

(1) لا يختص حسن الاحتياط بصورة حصول الظن بل يجري مع الشك أيضا.

274

..........

____________

نفسه إمّا لبطلانها في نفسها و إمّا لبطلان صلاة إمامه.

نعم هناك مسألة أُخرى نتعرض إليها في أحكام الجماعة إن شاء اللّٰه تعالى، و هي ما إذا اعتقد المأموم صحّة صلاة أحد فائتم به في الصلاة و بعد الفراغ عنها ظهر أن الإمام نسي جنابته أو النجاسة في ثوبه أو بدنه فانكشف بطلان صلاته لأن النسيان ليس بعذر. هذا في الشبهات الموضوعية، و كذا الحال في الشبهات الحكمية كما إذا رأى الامام وجوب الانحناء بالمقدار الميسور لمن لا يتمكّن من الرّكوع و المأموم رأى كفاية الإيماء إليه من غير انحناء و عمل كل بوظيفته و علم بذلك المأموم بعد الصلاة و هكذا، فهل يجب على المأموم أن يعيد صلاته؟ لا يجب عليه الإعادة قطعاً إذا لم يخل بوظيفة المنفرد. و عدم اشتمال صلاته على القراءة لا يوجب البطلان لعدم تركها متعمداً، و إنما تركها بحسبان صحّة صلاة الجماعة و «لا تُعاد الصلاة إلّا من خمسة» (1) و ليست القراءة منها. و أما إذا أخل بوظيفة المنفرد كما إذا رفع رأسه من الركوع باعتقاد أن الإمام رفع رأسه و رأى أن الإمام بعد راكع فتابعه و ركع ثانياً فهل تجب عليه الإعادة أو لا تجب؟ يأتي عليه الكلام في أحكام الجماعة إن شاء اللّٰه (2).

كما نتكلّم هناك في أن النص الوارد في عدم وجوب القضاء على من ائتم بإمام مدّة أو في صلاة واحدة ثمّ علم أنه كان يهودياً و قد جامل المسلمين، حيث ورد عدم وجوب القضاء على المأموم حينئذ، هل يمكن التعدِّي عنه إلى ما إذا اعتقد المأموم صحّة صلاة إمامه و انكشف كونها باطلة في الواقع من دون أن يكون الإمام يهودياً أو لا يمكن التعدِّي؟

و الغرض أن صحّة الاقتداء و عدمها عند علم المأموم و اعتقاده بصحّة صلاة الإمام و انكشاف بطلانها بعد الصلاة مسألة، و صحّة الاقتداء مع علم المأموم أو اعتقاده ببطلان صلاة الإمام فيما إذا كانت صحيحة في حق نفس الإمام أو عنده مسألة أُخرى فلا تشتبه، و الكلام في المقام في المسألة الثانية دون الاولى.

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8. و غيرها من الموارد.

(2) في المسألة [1956].

275

و لو دارت بين ثلاثة يجوز لواحد أو الاثنين (1) منهم الاقتداء (1) بالثالث لعدم العلم حينئذ. و لا يجوز لثالث علم إجمالًا بجنابة أحد الاثنين (2)

____________

حكم الائتمام عند دوران الجنابة بين ثلاثة‌

(1) بناء على عدم صحّة الاقتداء مع العلم ببطلان صلاة الإمام تفصيلًا أو إجمالًا لا يمكن الحكم بجواز اقتداء أحد الثلاثة المرددة بينهم الجنابة بالاثنين الآخرين، أو أحدهم أو الاثنين منهم بالثالث، لعلمه الإجمالي إما ببطلان صلاته أو بطلان صلاة أحد الإمامين المولد للعلم التفصيلي ببطلان صلاة نفسه أو ببطلان صلاة أحد الثلاثة فالصلاة خلف كل منهم في نفسه صلاة مع العلم الإجمالي ببطلان صلاة الإمام. و العجب من الماتن (قدس سره) حيث إنه مع التفاته إلى وجود العلم الإجمالي بالبطلان و لذا حكم في ذيل المسألة بعدم جواز اقتداء الثالث الذي علم إجمالًا بجنابة أحد الاثنين أو أحد الثلاثة بواحد منهما أو منهم حكم بجواز الاقتداء في المقام و غفل عن العلم الإجمالي بالبطلان.

ائتمام العالم بجنابة أحد الاثنين بأحدهما

(2) تقدّم أنّ الإمام إذا علم ببطلان صلاة نفسه تفصيلًا أو علم ببطلانها على نحو الإجمال، و كان العلم الإجمالي منجزاً في حقه بأن كانت جنابة الآخر موضوعاً لأثر شرعي بالنسبة إليه كما إذا أمكن استئجاره لكنس المسجد، فإن الإمام يعلم حينئذ بتوجه أحد التكليفين إليه، فإمّا أن يجب عليه الغسل إذا كان هو الجنب و إمّا أن يحرم عليه استئجار الآخر لكنس المسجد إذا كان الجنب هو الآخر لم يجز للمأموم أن يقتدي به لبطلان صلاة الإمام تفصيلًا أو إجمالًا و إن لم يكن علم تفصيلي للمأموم بذلك و لا علم إجمالي له.

____________

(1) لا يجوز ذلك لعلم كل منهم بعدم جواز الاقتداء بواحد من الآخرين.

276

أو أحد الثلاثة الاقتداء بواحد منهما أو منهم إذا كانا أو كانوا محل الابتلاء له (1) و كانوا عدولًا عنده (2)، و إلّا فلا مانع. و المناط علم المقتدي بجنابة أحدهما لا علمهما، فلو اعتقد كل منهما عدم جنابته و كون الجنب هو الآخر أو لا جنابة لواحد منهما و كان المقتدي عالماً كفى في عدم الجواز، كما أنه لو لم يعلم المقتدي إجمالًا بجنابة أحدهما و كانا عالمين بذلك لا يضر باقتدائه (3).

[مسألة 5: إذا خرج المني بصورة الدم وجب الغسل أيضاً بعد العلم بكونه منيا]

[645] مسألة 5: إذا خرج المني بصورة الدم وجب الغسل أيضاً بعد العلم بكونه منيا (4).

____________

و كذا لا يجوز للمأموم أن يقتدي بالإمام فيما إذا كان للمأموم علم تفصيلي ببطلان صلاة الإمام أو علم إجمالي ببطلانها كما إذا علم بجنابة أحد شخصين عادلين، فإنه لا يجوز أن يقتدي بواحد منهما للعلم الإجمالي ببطلان صلاتهما، فصلاة كل منهما باطلة عنده بقاعدة الاشتغال. و إن لم يكن للإمام علم تفصيلي ببطلان صلاته و لا علم إجمالي له، أو كان و لكنه لم يكن منجزاً، كما إذا لم تكن جنابة الآخر موضوعاً لأثر شرعي بالإضافة إليه، فصحّة الاقتداء موقوفة على أن تكون صلاة الإمام صحيحة عند نفسه و عند المأموم، و مع بطلانها عندهما أو عند أحدهما لا يجوز الاقتداء لعدم جواز الاقتداء في الصلاة الباطلة.

(1) بأن تكون جنابتهما موضوعاً لأثر شرعي بالإضافة إليه.

(2) و أما مع الفسق فلا تمس جنابتهما إليه و لا يكونان مورداً لابتلائه.

(3) فيما إذا لم يكن علمهما الإجمالي منجزاً كما إذا لم تكن جنابتهما موضوعاً لأثر بالإضافة إلى المأموم، لعدم كون العلم منجزاً وقتئذ، و إلّا فلا يجوز الاقتداء بهما كما قدّمنا.

إذا خرج المني بصورة الدم

(4) لأن الحكم بوجوب الغسل إنما علق على خروج المني، و أمّا اللّون فلا عبرة به‌

277

[مسألة 6: المرأة تحتلم كالرجل]

[646] مسألة 6: المرأة تحتلم كالرجل (1) و لو خرج منها المني حينئذ وجب عليها الغسل، و القول بعدم احتلامهن ضعيف.

[مسألة 7: إذا تحرك المني في النوم عن محله بالاحتلام و لم يخرج إلى خارج لا يجب الغسل]

[647] مسألة 7: إذا تحرك المني في النوم عن محله بالاحتلام و لم يخرج إلى خارج لا يجب الغسل (2) كما مرّ، فاذا كان بعد دخول الوقت و لم يكن عنده ماء للغسل هل يجب عليه حبسه عن الخروج أو لا (3)

____________

بوجه، و قد عرفت أن الأوصاف المشخصة للمنيّ هي الخروج بدفق و شهوة و فتور و أمّا اللّون فلا موضوعية له في شي‌ء، فقد يتفق خروجه بصورة الدم كما في من كثر إنزاله فيجب عليه الغسل إذا صدق عليه المني. و لا يضره صدق عنوان الدم عليه أيضاً، إذ لا يعتبر في وجوب الغسل عدم صدق غير المني عليه، بل اللّازم أن يصدق عليه المني صدق عليه عنوان آخر أم لم يصدق.

المرأة تحتلم

(1) دلّت على ذلك الأخبار المتقدِّمة، كما دلّت على أنها إذا أنزلت وجب عليها الغسل، فليراجع (1).

تحرّك المني عن محلِّه من دون الخروج

(2) لأن وجوب الغسل يترتب على الإمناء و الإنزال، و توقف صدقهما على الخروج ظاهر. و يتفرع على ذلك ما أشار إليه بقوله: فإذا كان بعد دخول الوقت.

(3) تبتني هذه المسألة على المسألة الآتية في حكم إجناب النفس بالاختيار مع عدم التمكّن من الاغتسال، و نبين هناك أن وجوب الحبس هو المتعيّن فيما إذا لم يكن موجباً للإضرار.

____________

(1) ص 240.

278

الأقوى عدم الوجوب (1) و إن لم يتضرّر به، بل مع التضرّر يحرم ذلك (2)، فبعد خروجه يتيمم للصلاة. نعم لو توقّف إتيان الصلاة في الوقت على حبسه بأن لم يتمكّن من الغسل و لم يكن عنده ما يتيمم به و كان على وضوء، بأن كان تحرّك المني في حال اليقظة و لم يكن في حبسه ضرر عليه لا يبعد وجوبه فإنه على التقادير المفروضة لو لم يحبسه لم يتمكن من الصلاة في الوقت و لو حبسه يكون متمكنا (1).

[مسألة 8: يجوز للشخص إجناب نفسه]

[648] مسألة 8: يجوز للشخص إجناب نفسه و لو لم يقدر على الغسل و كان بعد دخول الوقت (2)

____________

(1) إذا توقفت صلاته في الوقت مع الطّهارة على حبسه خروج المني لأنه لو خرج لم يتمكّن من الغسل و لا من التيمم كما إذا كان في بادية لا يوجد فيها التراب لوجود الثلج مثلًا يجب عليه حبسه، لأن تركه تفويت للواجب في وقته اختياراً و هو حرام، اللّٰهمّ إلّا أن يكون في الحبس ضرر عليه فلا يجب الحبس حينئذ فيقضي صلاته خارج الوقت.

إجناب النفس بالاختيار مع العجز عن الاغتسال

(2) مقتضى القاعدة عدم جواز الإجناب بالاختيار بعد الوقت إذا كان عاجزاً من الغسل، و ذلك لأن التيمم وظيفة العاجز من الماء في مجموع الوقت، و المفروض في المقام أن المكلّف متمكن من الصلاة مع الطّهارة بعد الوقت فلا يشرع له التيمم و الحال هذه، و إجناب نفسه تفويت للواجب بالاختيار و هو غير جائز. و من هنا ذكر الماتن أن من كان متوضئاً لا يجوز له أن يبطل وضوءه بعد الوقت إذا لم يكن متمكناً من‌

____________

(1) لا يبعد الوجوب مع الأمن من الضرر.

(2) هذا فيما إذا كان الضرر معتداً به، و إلّا فلا يحرم الحبس و إن كان لا يجب أيضا.

279

..........

____________

الوضوء على تقدير الحدث، و كذا لا يجوز له الإهراق بعد الوقت إذا لم يكن له ماء آخر يتوضأ به.

فالمتحصل: أن القاعدة تقتضي عدم جواز الإجناب مع العجز عن الغسل، لأنه تفويت اختياري للواجب إلّا أن يقوم دليل على الجواز، و الدليل إنما قام على الجواز في خصوص إتيان الأهل دون بقية أسباب الجنابة، و هو موثقة أو صحيحة إسحاق ابن عمار عن الصادق (عليه السلام): «عن الرجل يكون معه أهله في السفر لا يجد الماء أ يأتي أهله؟ قال (عليه السلام): ما أُحب أن يفعل إلّا أن يخاف على نفسه، قال قلت: فيطلب بذلك اللذة أو يكون شبقاً إلى النساء، فقال (عليه السلام): إن الشبق الذي لا يتمكّن من حفظ نفسه إلّا بصعوبة يخاف على نفسه، قال قلت: طلب بذلك اللّذّة، قال (عليه السلام): هو حلال ...» (1) حيث دلّت على جواز إتيان الأهل في السفر و إن كان عاجزاً عن الغسل عند الخوف على النفس أو إرادة اللذة. و لا مسوغ للتعدي عن موردها إلى بقية أسباب الجنابة بوجه، لأن النص إنما ورد في مورد خاص، فمن كان عالماً باحتلامه على تقدير المنام مع العجز عن الغسل على تقدير جنابته لا يجوز له المنام إلّا أن يكون تركه ضرريّاً في حقه.

نعم لا يحتمل موضوعية في ذلك للسفر بأن يكون الحكم مختصاً بالسفر دون الحضر، و لعل تقييد الموضوع بالسفر من جهة أن الغالب في السفر عدم التمكن من الماء، فلا موضوعية للسفر. كما أنه يمكن أن يقال: إن الأهل أيضاً لا موضوعية له و أن المملوكة أيضاً كالزوجة، و أما التعدي عن الجماع إلى غيره من أسباب الجنابة فهو ممّا لا مسوغ له. فتحصل أن إجناب النفس بالاختيار غير جائز بعد دخول الوقت إلّا في مورد النص. من هذا يظهر الحال في المسألة المتقدّمة، فإن ترك حبس المني بعد دخول الوقت بالاختيار تفويت للواجب و هو حرام فلا مناص من حبس المني إلّا أن يكون المكلّف متضرراً بذلك.

____________

(1) الوسائل 20: 109/ أبواب مقدّمات النكاح و آدابه ب 50 ح 1.

280

نعم إذا لم يتمكّن من التيمم أيضاً لا يجوز ذلك، و أما في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضئاً و لم يتمكّن من الوضوء لو أحدث أن يبطل وضوءه إذا كان بعد دخول الوقت، ففرق في ذلك بين الجنابة و الحدث الأصغر، و الفارق النص (1) (1).

[مسألة 9: إذا شكّ في أنه هل حصل الدخول أم لا لم يجب عليه الغسل]

[649] مسألة 9: إذا شكّ في أنه هل حصل الدخول أم لا لم يجب عليه الغسل (2) و كذا لو شكّ في أنّ المدخول فيه فرج أو دبر أو غيرهما فإنّه لا يجب عليه الغسل.

[مسألة 10: لا فرق في كون إدخال تمام الذكر أو الحشفة موجباً للجنابة بين أن يكون مجرّداً أو ملفوفاً بوصلة أو غيرها]

[650] مسألة 10: لا فرق في كون إدخال تمام الذكر أو الحشفة موجباً للجنابة بين أن يكون مجرّداً أو ملفوفاً بوصلة أو غيرها إلّا أن يكون بمقدار لا يصدق عليه الجماع (3).

____________

(1) النص لم يرد في عدم جواز التفويت في الوضوء و إنما ورد في جوازه في الجماع مع الزوجة أو المملوكة فحسب، فلا دليل على جواز الإجناب في غير مورده، فحال الغسل حال الوضوء.

إذا شكّ في الدخول

(2) للشك في تحقق الجنابة و الأصل عدمها. و كذلك الحال فيما إذا شكّ في أن المدخول به فرج أو دبر أو غيرهما.

لا فرق بين كون الآلة مجردة أو ملفوفة

(3) في المسألة عدّة احتمالات:

الأوّل: أن يقال بعدم وجوب الغسل حينئذ مطلقاً، نظراً إلى أن موضوع وجوب‌

____________

(1) النص مختص بإتيان الأهل، و مقتضى القاعدة في غيره من أسباب الجنابة عدم الجواز.

281

..........

____________

الغسل إنما هو التقاء الختانين، و مع اللف في الداخل أو المدخول فيه لا يتحقق الالتقاء فلا يجب الغسل مع اللف.

و الجواب عن ذلك: أن الالتقاء ليس بموضوع لوجوب الغسل و الجنابة، و إنما هو بيان للحدّ الذي يجب معه الغسل أعني الدخول بمقدار يلتقي معه الختانان، و أما نفس الالتقاء فهو مما لا موضوعية له. و يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع حيث ورد فيها: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال (عليه السلام): نعم» (1) فإنها تدل بصراحتها على أن التقاء الختانين ممّا لا موضوعية له في الحكم، و إنما المدار على الدخول بقدر الحشفة فإذا غابت و تحقّق الإدخال بقدرها وجب الغسل، حصل الالتقاء أيضاً أم لم يحصل.

الثاني: أن يقال بوجوب الغسل مع اللّف مطلقاً حتى مع عدم صدق الجماع فضلًا عن عدم صدق الالتقاء، و ذلك بدعوى أن الموضوع لوجوب الغسل ليس هو مجرد الجماع و الالتقاء، بل قد رتّب في بعضها على الإدخال و الإيلاج، و مع تحققهما يجب الغسل سواء أصدق معه الجماع أيضاً أم لم يصدق.

و الجواب عن ذلك: أن الإدخال و الإيلاج لم يذكرا موضوعاً مستقلا لوجوب الغسل في قبال الجماع و اللّمس، و إنما ذكرا توضيحاً و شرحاً لهما، و الموضوع للحكم ليس إلّا المواقعة في الفرج. و قد دلّت على ذلك صحيحة أبي مريم الأنصاري (2) المفسرة للملامسة و الحاصرة لسبب الغسل بالمواقعة في الفرج، و إذا لم يصدق المواقعة في الفرج أعني الجماع فيه لم يجب الغسل لا محالة.

الثالث: أن يقال بوجوب الغسل مع اللف في أحد العضوين إلّا إذا كان على نحو لا يصدق عليه الجماع كما أفاده في المتن. و هذا هو الصحيح، فإن الموضوع لوجوب‌

____________

(1) الوسائل 2: 183/ أبواب الجنابة ب 6 ح 2.

(2) الوسائل 1: 271/ أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 4.

282

[مسألة 11: في الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين الغسل و الوضوء الأولى أن ينقض الغسل بناقض]

[651] مسألة 11: في الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين الغسل و الوضوء الأولى أن ينقض الغسل بناقض من مثل البول و نحوه ثمّ يتوضّأ، لأنّ الوضوء مع غسل الجنابة (1) غير جائز (1) و المفروض احتمال كون غسله غسل الجنابة.

____________

الاغتسال هو الجماع و المواقعة، و مع صدقهما يجب الغسل و مع عدمه لا موجب للحكم بوجه.

ما هو الأولى في موارد الاحتياط بالجمع

(1) هذا التعليل عليل، لأن الوضوء قبل غسل الجنابة و بعده و إن لم يكن جائزاً إلّا أنه ليس محرّماً ذاتياً، و إنما لا يجوز لعدم تشريعه. و من الواضح أن الوضوء في أطراف العلم الإجمالي إنما يؤتى به من باب الاحتياط لا التشريع، نعم المدعى صحيح بمعنى أن الأولى أن ينقض غسله و يتوضأ بعد ذلك و هذا للتمكن من الجزم بالنيّة فإنه لو لم يحدث بعد غسله لا يتمكن من أن يجزم في نيّة الوجوب، لاحتمال أن يكون جنباً في الواقع و قد اغتسل فلا يجب عليه الوضوء.

و أمّا إذا أحدث بعد الغسل فلا محالة يكون مقطوع الحدث إما من السابق لو لم يكن جنباً و إما بالفعل إذا كان جنباً في الواقع، و معه يتمكن من الجزم بالنيّة في الوضوء، و الجزم بها و إن لم يكن واجباً كما أسلفناه في محلِّه (2) إلّا أن جماعة من الأعلام قد ذهبوا إلى اعتباره، فخروجاً عن خلافهم الاحتياط يقتضي تحصيل الجزم بالنيّة.

____________

(1) لا يخفى ما فيه، بل الأولوية إنما هي لأجل تحصيل الجزم بالنيّة في الوضوء.

(2) في شرح العروة 1: 51.

283

{ h1~{ h1 [فصل فيما يتوقّف على الغسل من الجنابة] h1}~ h1}

فصل فيما يتوقّف على الغسل من الجنابة و هي أُمور:

[الأوّل: الصلاة واجبة أو مستحبة أداء و قضاء لها (1) و لأجزائها المنسية]

الأوّل: الصلاة واجبة أو مستحبة أداء و قضاء لها (1) و لأجزائها المنسية (2)

____________

(1) فصل فيما يتوقّف على الغسل من الجنابة الأوّل ممّا يتوقّف على الغسل: الصّلاة و ذلك مضافاً إلى ضرورة الدين لأنه أمر واضح مجمع عليه بين المسلمين يستفاد من الكتاب بقوله تعالى بعد قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ ... وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1) كما تدلّ عليه نصوص كثيرة واردة في أبواب متفرِّقة (2)، بلا فرق في ذلك بين الواجبة منها و المستحبّة و الأدائية و القضائية.

(2) من السجدة أو التشهد بناء على أن للتشهد كالسجدة قضاء. و الوجه في توقّفها على الغسل أن القضاء فيها ليس بمعناه المصطلح عليه، أعني الإتيان بالمأمور به في غير وقته، بل بمعنى نفس الإتيان غاية الأمر مع التبدّل في المكان، و عليه فالأجزاء المأتي بها قضاء هي بعينها الأجزاء المعتبرة في المأمور به، و حيث إن حكم المركب و الكل يسري إلى أجزائه فلا محالة يعتبر في الأجزاء المأتي بها متأخرة الطّهارة من الحدث كالصلاة.

____________

(1) المائدة 5: 6.

(2) راجع الوسائل 2: 203/ أبواب الجنابة ب 14، 39. الوسائل 8: 253/ أبواب قضاء الصلوات ب 1 و غيرها.

284

و صلاة الاحتياط (1)، بل و كذا سجدتا السهو على الأحوط (1) (2)

____________

(1) و السرّ فيه ظاهر، و ذلك لأنها إمّا صلاة مستقلة و قد مرّ أنّ الصلاة يعتبر فيها الطّهارة من الحدث، و إمّا أنها جزء من المأتي به على تقدير نقيصته و قد عرفت أن أحكام الكل تسري إلى أجزائه لا محالة.

(2) التحقيق عدم اعتبار الطّهارة فيهما، و ذلك لعدم كونهما من أجزاء الصلاة و إنما وجبتا مرغمتين للشيطان، حيث إن النسيان من الشيطان، و أبغض الأشياء عنده السجود لأنه لم يطرد إلّا بالسجود، فيأتي بهما الإنسان رغماً عليه حتى لا يعود في وسوسته. و لم يرد في شي‌ء من الأدلّة كونهما جزءاً من الصلاة، و من هنا إذا تركهما متعمداً لم تبطل صلاته، فهما واجبتان مستقلتان لا دليل على اشتراطهما بالطّهارة.

نعم في بعض الأخبار المعتبرة أن السجدتين يؤتى بهما بعد الصلاة قبل الكلام (2) و ظاهره يعطي أنهما من الصلاة، و من هنا يؤتى بهما قبل الإتيان بما ينافي الصلاة من التكلّم و نحوه. إلّا أنه لا مناص من حمله على الاستحباب لموثقة عمار الساباطي الواردة في أن من وجب عليه سجدتا السهو في صلاة الفجر يؤخرهما إلى أن تطلع الشمس و يشع شعاعها (3)، حيث إنّ السجدة عند طلوع الشمس من آداب عَبَدَة الشمس، و أنّ من الواضح أنّ الانتظار من الفجر إلى أن يشع شعاع الشمس و عدم الإتيان في تلك المدّة التي تزيد على ساعة واحدة بما ينافي الصلاة من استدبار القبلة أو التكلّم أو غيرهما بعيد، و لو كان واجباً لأُشير إليه في نفس الموثقة، فمنها يظهر عدم كونهما من الصلاة و عدم اعتبار الأُمور المنافية للصلاة فيهما، و معه يكون الأمر بإتيانهما قبل الكلام محمولًا على الاستحباب من جهة استحباب الاستباق إلى الخيرات.

____________

(1) لا بأس بترك هذا الاحتياط.

(2) الوسائل 8: 207/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5. 6: 401/ أبواب التشهّد ب 7، 9.

(3) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

285

نعم لا يجب في صلاة الأموات (1) و لا في سجدة الشكر و التلاوة (2).

[الثاني: الطواف الواجب دون المندوب لكن يحرم على الجنب دخول مسجد الحرام]

الثاني: الطواف الواجب دون المندوب (3) لكن يحرم على الجنب دخول مسجد الحرام فتظهر الثمرة فيما لو دخله سهواً و طاف، فإن طوافه محكوم بالصحّة. نعم يشترط في صلاة الطواف الغسل و لو كان الطواف مندوبا.

____________

(1) للنصوص (1) و قد علل في بعض أخبارها بأنها ليست بصلاة ذات ركوع و سجود و إنما هو دعاء (2)، و لا تعتبر الطّهارة في الأدعية.

(2) لإطلاق أدلّتهما و عدم تقييدهما بالطّهارة، مضافاً إلى الأخبار حيث نص على عدم اعتبار الطّهارة في سجدة التلاوة (3) و مع الغض عنه فالمقام من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين و المرجع فيه هو البراءة عن التقييد بالزائد.

الثاني ممّا يتوقف على الغسل: الطّواف

(3) فإنّ الطّواف منه واجب بالأصالة أو بالعرض، أعني ما وجب لأجل وجوب الإتمام في الحج و منه مندوب، لأن الطواف عبادة في نفسه و للمكلف أن يأتي به وحده من دون ضمّه إلى بقيّة النسك و هو أمر مندوب شرعاً. و هل تعتبر الطّهارة من الحدث الأكبر في كلا القسمين من الطواف أو لا يعتبر؟ للكلام في ذلك جهات:

الجهة الاولى: في اعتبار عدم الجنابة في الطواف الواجب. و تدلّ على ذلك نصوص:

منها: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطواف، قال: يقطع الطواف‌

____________

(1) الوسائل 3: 88/ أبواب صلاة الجنازة ب 7، 8، 21، 22.

(2) الوسائل 3: 88/ أبواب صلاة الجنازة ب 7.

(3) الوسائل 6: 239/ أبواب قراءة القرآن ب 42.

286

..........

____________

و لا يعتد بشي‌ء ممّا طاف» (1).

و منها: صحيحة علاء عن محمّد بن مسلم، قال: «سألت أحدهما (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور، قال: يتوضأ و يعيد طوافه، و إن كان تطوعاً توضأ و صلّى ركعتين» (2). فإن الجواب في هذه الصحيحة و إن كان مختصّاً بالوضوء إلّا أن السؤال عن الطواف من غير طهور الأعم من الغسل و الوضوء قرينة واضحة على أن الطواف يعتبر فيه الطّهارة عن كل من الحدث الأكبر و الأصغر، و هو (عليه السلام) إنما تعرض لخصوص الوضوء لأنه الأمر الغالبي، فإن الطواف من غير غسل لا يتحقق إلّا نادراً، لحرمة الدخول في المسجد الحرام على الجنب، و لا يتصور ذلك إلّا في موارد النسيان و الغفلة أو الإجبار، و هذا نادر بخلاف الطواف من غير وضوء. على أن الاشتراط بالوضوء يستدعي الاشتراط بالغسل أيضاً، لما يأتي من أن الجنب لا وضوء له (3) و هذا ظاهر.

و منها: صحيحة معاوية بن عمار، قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): لا بأس أن يقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف بالبيت، و الوضوء أفضل» (4) أي في غير الطواف، حيث دلّتنا على بطلان الطواف من غير وضوء، و من البديهي أن الجنب ليس له وضوء، فيعتبر في الطواف عدم الجنابة مضافاً إلى اعتبار الوضوء فيه، نعم علمنا خارجاً أن الغسل من الجنابة يغني عن الوضوء و هو أمر آخر.

و منها: صحيحة جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «أنه سئل أ ينسك المناسك و هو على غير وضوء؟ فقال: نعم إلّا الطواف بالبيت فإن فيه صلاة» (5). و هي مروية بطريقين أحدهما ضعيف، و الذي فيه جميل صحيح. و قد دلّتنا على اعتبار الوضوء في‌

____________

(1) الوسائل 13: 375/ أبواب الطواف ب 38 ح 4.

(2) الوسائل 13: 374/ أبواب الطواف ب 38 ح 3.

(3) في ص 394.

(4) الوسائل 13: 374/ أبواب الطواف ب 38 ح 1.

(5) الوسائل 13: 376/ أبواب الطواف ب 38 ح 6، الطريق الأوّل فيه سهل و الثاني فيه إبراهيم بن هاشم فهي صحيحة.

287

..........

____________

الطواف الملازم لاعتبار عدم الجنابة، إذ لا وضوء للجنب لأجل اعتباره في جزء الطواف الذي هو صلاته، فدلّتنا على سراية حكم الجزء إلى كلّه. و منها: غير ذلك من الأخبار (1).

الجهة الثانية: في اعتبار عدم الجنابة في الطواف المندوب و عدمه إذا دخل المسجد الحرام نسياناً و غفلة أو أنه أُجبر على الدخول فيه بحيث لم يتمكن من الخروج عنه، و بالجملة لم يكن الدخول فيه ممنوعاً في حقّه فهل يشترط في طوافه المندوب عدم الجنابة؟ المشهور بينهم عدم اشتراط الطّهارة من الحدث الأكبر في الطواف المندوب. و قد يستدلّ عليه بأن الأصل عدم الاشتراط. و فيه ما ذكرناه غير مرّة من أن البراءة غير جارية في المستحبات، و إنما تجري في الأحكام الإلزامية فحسب، و ذلك لأن الرفع في مقابل الوضع أعني وضع إيجاب التحفظ و الاحتياط، و المستحبات لا يجب فيها التحفظ و الاحتياط بالبداهة حتى ترفع بالبراءة هذا. مضافاً إلى أنه لا معنى للتمسك بالأصل العملي مع وجود الدليل الاجتهادي في المسألة، فإن الإطلاق في صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة يكفي في الحكم باعتبار عدم الجنابة في الطواف المندوب لعدم قرينة فيها على الاختصاص بالطواف الواجب.

فالصحيح في الحكم بعدم اشتراط الطواف المندوب بالطّهارة من الحدث الأكبر أن يستدلّ بما قدّمناه من صحيحة علاء عن محمّد بن مسلم (2) لأنها فصّلت بين الطواف الواجب و التطوّع، حيث أوجب الإعادة في الأوّل إذا كان لا عن وضوء و لم يوجب ذلك في التطوّع، بل أوجب فيه الوضوء للصلاة فقط، و قد أسلفنا أن المراد من اشتراط الطواف الواجب بالوضوء هو اشتراطه بكل من الغسل و الوضوء بقرينة عمومية السؤال، و إنما خص الجواب بالوضوء لأنه الفرد الغالبي. على أن الاشتراط بالوضوء يستدعي الاشتراط بالغسل أيضاً. و كيف كان، فقد دلّتنا الصحيحة على أنّ‌

____________

(1) الوسائل 13: 374/ أبواب الطواف ب 38 ح 2، 5، 6، 8، 11.

(2) تقدّم ذكرها في ص 286.

288

[الثالث: صوم شهر رمضان و قضائه]

الثالث: صوم شهر رمضان و قضائه (1) بمعنى أنه لا يصحّ إذا أصبح جنباً متعمداً أو ناسياً للجنابة، و أما سائر الصيام ما عدا رمضان و قضائه فلا يبطل بالإصباح جنباً و إن كانت واجبة، نعم الأحوط في الواجبة منها ترك تعمد الإصباح جنباً. نعم الجنابة العمدية في أثناء النهار تبطل جميع الصيام حتى المندوبة منها. و أمّا الاحتلام فلا يضرّ بشي‌ء منها حتى صوم رمضان.

____________

الطواف المندوب لا يعتبر فيه الطّهارة و إنما تعتبر في صلاته.

و بالأخبار المتقدِّمة المعللة لاعتبار الطّهارة في الطواف بأن فيه صلاة (1)، حيث قلنا إنّها تدلّ على أن حكم الجزء يسري إلى كلّه في الطواف الفريضة، و أمّا في الطّواف المندوب فقد علمنا خارجاً ببركة الروايات أن السراية فيه من الجزء إلى كلّه غير ثابتة، و إنما هي معتبرة في الطواف الواجب دون المندوب، فهي معتبرة في صلاته دونه بنفسه.

الجهة الثالثة: في اعتبار الطّهارة من الحدث الأكبر في صلاة الطوافين الواجب و المندوب. و لا إشكال في اعتبارها، و ذلك لإطلاق أدلّة اعتبارها في الصلاة من الكتاب و السنّة مضافاً إلى النصوص الخاصّة الواردة في المقام (2).

الثالث ممّا يتوقف على الغسل: الصّوم

(1) في المقام أربع مسائل:

اعتبار عدم البقاء على الجنابة لدى الفجر المسألة الاولى: في اعتبار عدم الجنابة عند طلوع الفجر في صوم شهر رمضان‌

____________

(1) تقدّم ذكرها في ص 286.

(2) الوسائل 13: 374/ أبواب الطواف ب 38.

289

..........

____________

و عدمه. اعتبار الطّهارة من الحدث الأكبر و عدم البقاء على الجنابة عند طلوع الفجر في صوم شهر رمضان هو المشهور بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات جماعة منهم العلّامة في التذكرة (1) و المنتهى (2) و ابن إدريس في سرائره (3) و الشيخ في الخلاف (4) و غيره في غيره. و لم ينقل الخلاف في المسألة من المتقدّمين إلّا الصدوق حيث إنه أورد رواية في المقنع (5) و توهم دلالتها على عدم اعتبار الطّهارة من الحدث الأكبر في صوم شهر رمضان، فإن طريقته (رحمه اللّٰه) في ذلك الكتاب الإفتاء بمضمون الأخبار التي ينقلها فيه.

و عن المحقِّق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد التردّد في المسألة و الميل إلى عدم الاعتبار (6). و في الحدائق عن المحقق الداماد في رسالته الموضوعة في مسائل التنزيل اختيار عدم اعتبار الطّهارة من الحدث الأكبر في صحّة الصوم صريحا (7).

و الصحيح: أن المخالف في المسألة منحصر بالأخيرين، و أما الصدوق فيأتي أن الرواية التي أوردها في مقنعه لا دلالة لها على عدم الاعتبار. و الأخبار في اعتبار الطّهارة و عدم البقاء على الجنابة متعمداً عند طلوع الفجر في صوم شهر رمضان كثيرة متفرقة في الأبواب الفقهية.

منها: ما ورد في من نسي غسل الجنابة حتى مضى شهر رمضان أو شي‌ء منه، كما في رواية إبراهيم بن ميمون، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب باللّيل في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى تمضي بذلك جمعة أو يخرج شهر‌

____________

(1) التذكرة 6: 26.

(2) المنتهي 2: 565/ المسألة العاشرة.

(3) السرائر 1: 377.

(4) الخلاف 2: 174/ مسألة 13.

(5) المقنع: 189.

(6) مجمع الفائدة و البرهان 5: 45.

(7) الحدائق 3: 57.

290

..........

____________

رمضان، قال: عليه قضاء الصلاة و الصوم» (1). و صحيحة الحلبي قال: «سُئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال: عليه أن يقضي الصّلاة و الصيام» (2). و قد دلّتا على أن الصوم يبطل بنسيان الجنابة، فمنها يستفاد حكم ما إذا تعمد البقاء على الجنابة، فإنه يوجب البطلان بالأولوية.

و منها: ما ورد في من كان جنباً و قد نام حتى طلع عليه الفجر، كصحيحة معاوية ابن عمّار، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: ليس عليه شي‌ء، قلت: فإنه استيقظ ثمّ نام حتى أصبح، قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة» (3) و قد دلّت على أن النوم بعد الانتباه و البقاء على الجنابة بسببه يوجب البطلان، و منه يظهر بطلان الصوم بالتعمد بالبقاء على الجنابة بالأولوية.

و منها: ما ورد في خصوص المتعمد في البقاء على الجنابة، كموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمداً حتى أصبح، قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً و قال: إنه حقيق أن لا أراه يدركه أبداً» (4). و هذه الموثقة مضافاً إلى كونها موثقة معتمد عليها عندهم، و هي مدرك القول بالكفّارة في المسألة زائداً على وجوب القضاء.

و منها: غير ذلك من الأخبار (5).

____________

(1) الوسائل 10: 237/ أبواب من يصحّ منه الصوم ب 30 ح 1.

(2) الوسائل 10: 238/ أبواب من يصحّ منه الصوم ب 30 ح 3.

(3) الوسائل 10: 61/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 15 ح 1.

(4) الوسائل 10: 63/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 16 ح 2.

(5) الوسائل 10: 63/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 16 ح 3، 4.

291

..........

____________

و أمّا الأخبار الواردة في قبالها فهي عدّة كثيرة من الأخبار فيها الصحاح و غيرها و هي التي أوجبت التردد للمحقق الأردبيلي (قدس سره) و ميله إلى عدم الاشتراط. إلّا أنها غير قابلة للاعتماد عليها إما لضعف سندها أو لعدم دلالتها على المدعى.

منها: صحيحة أبي سعيد القماط «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عمن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتى أصبح، قال: لا شي‌ء عليه، و ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال» (1) و هذه الصحيحة غير معارضة مع الأخبار المتقدِّمة، من جهة أنها مطلقة من حيث النومة الثانية و عدمها فنقيدها بما إذا لم تكن النومة ثانية بمقتضى الأخبار المتقدّمة، و أما مع النومة الثانية فيجب عليه القضاء، بل الكفارة أيضاً بمقتضى موثقة أبي بصير.

و منها: صحيحة العيص بن القاسم «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل، قال: لا بأس» (2) و هذه الصحيحة و إن كانت مقيّدة بالنومة الثانية إلّا أنها مطلقة من حيث كون النومتين في الليل أو في النهار، و الأخبار المتقدّمة إنما دلّت على وجوب الكفارة و القضاء فيما إذا كانتا في الليل و لا محذور في الاحتلام في النهار فلنقيدها بالأخبار السابقة لتختص بالنهار.

و منها: صحيحة عيص بن القاسم أيضاً، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر، فقال: يتمّ صومه و لا قضاء عليه» (3) و الجواب عنها أنها كصحيحة أبي سعيد القماط مطلقة من حيث النومة الأُولى و الثانية، بل من حيث النومة و عدمها فلنقيِّدها بمقتضى الأخبار المتقدِّمة بالنومة الأُولى دون الثانية.

____________

(1) الوسائل 10: 57/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 13 ح 1.

(2) الوسائل 10: 57/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 13 ح 2.

(3) الوسائل 10: 58/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 13 ح 4.

292

..........

____________

و منها: ما رواه الصدوق في المقنع عن حماد بن عثمان «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل و أخر الغسل حتى يطلع الفجر، فقال: كان (قد كان، نسخة) رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يجامع نساءه من أوّل اللّيل ثمّ يؤخِّر الغسل حتى يطلع الفجر، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوماً مكانه» (1).

و هذه هي التي قد أسند الأصحاب (قدس سرهم) لأجل إيرادها إلى الصدوق القول بعدم اعتبار الطّهارة من الجنابة في صحّة الصوم، حيث إن ظاهرها أن من تعمد البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر لا يبطل صومه، و ذلك لأن قوله: «أخّر الغسل حتى يطلع ...» ظاهره أنّه يتعمد في التأخير إلى أن يطلع الفجر لا أنّه بقي كذلك إلى الطلوع من باب الصدفة و الاتفاق، و قد حكي أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان يجنب في أوّل الليل و يؤخر غسله إلى طلوع الفجر، فلا يجب معه القضاء و لا يكون صومه باطلا.

و لكن الصحيح أنها لا دلالة لها على المدعى، و ذلك للقطع بأن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان يصلّي صلاة الليل دائماً، لوجوبها في حقّه و أنه من خصائصه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و هي مشروطة بالطّهارة لا محالة و لا يمكنه و الحال هذه أن يبقى جنباً إلى طلوع الفجر. على أن ظاهر الرواية أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كانت عادته ذلك حيث عبّر فيها بأنّه كان النبي يجامع ... لا أنّ ذلك اتفق في حقه صدفة، و من المقطوع به عندنا خلاف ذلك، لأنّ البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان لو لم يكن محرماً مبطلًا للصوم فلا أقل أنه مكروه، و كيف يصدر المكروه من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) طيلة حياته.

و ثالثاً: أن الرواية تضمنت أن القول بحرمة ذلك و وجوب القضاء به من قول الأقشاب، و ليت شعري من المراد بالأقشاب؟! فهل هم الأئمة الباقون العياذ باللّٰه-

____________

(1) الوسائل 10: 57/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 13 ح 3، المقنع: 189.

293

..........

____________

حيث صدرت منهم الأخبار في حرمة البقاء على الجنابة في شهر رمضان و وجوب قضاء الصوم حينئذ، أو المراد بهم جميع الشيعة القائلين بحرمة البقاء و وجوب القضاء معه، لما مرّ من أنه أمر متفق عليه بينهم و لم ينقل الخلاف في ذلك عن أحد من أصحاب الأئمة، بل العلماء الأقدمين سوى الصدوق (قدس سره)، و لا ندري قائلًا بذلك غير الأئمة الباقين و أصحابهم يعني الشيعة، فكيف وصفهم الإمام (عليه السلام)، بالأقشاب.

و هذه الوجوه الثلاثة تفيد القطع بعدم صدور الرواية لداعي بيان الحكم الواقعي فلا مناص معه من حملها على التقيّة لذهابهم إلى ذلك، أو قراءتها بلهجة اخرى غير ما هو ظاهرها، و هي أن يحمل قوله (عليه السلام): «كان رسول اللّٰه ...» على الاستفهام الإنكاري، و كأنه قال: هكذا قد كان رسول اللّٰه يجامع نساءه من أوّل اللّيل ثمّ يؤخِّر الغسل حتى يطلع الفجر؟! و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب مريداً بهم المخالفين القائلين بعدم حرمة ذلك و عدم وجوب القضاء معه يقضي يوماً مكانه، بأن تكون هذه الجملة مقولًا لقول الإمام (عليه السلام) فتدلّ الصحيحة حينئذ على حرمة البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان و على وجوب قضاء الصوم مكانه.

و منها: رواية إسماعيل بن عيسى، قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمداً حتى يصبح أي شي‌ء عليه؟ قال: لا يضره هذا و لا يفطر و لا يبالي، فإن أبي (عليه السلام) قال قالت عائشة: إن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أصبح جنباً من جماع غير احتلام، قال: لا يفطر و لا يبالي ...» الحديث (1) و هي مع الغض عن سندها أيضاً محمولة على التقيّة، و ذلك لأنها إذا كانت صادرة لبيان حكم اللّٰه الواقعي لم يكن وجه لنقل الإمام (عليه السلام) ذلك عن عائشة، و لأجل ذلك و لما مرّ في صحيحة حماد بن عثمان نحمل هذه الرواية على التقيّة.

____________

(1) الوسائل 10: 59/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 13 ح 6.

294

..........

____________

و منها: صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يصلّي صلاة اللّيل في شهر رمضان ثمّ يجنب ثمّ يؤخر الغسل متعمداً حتى يطلع الفجر» (1) و لا يرد على هذه الصحيحة ما أوردناه على صحيحة حمّاد بن عثمان المروية عن المقنع من منافاتها لما علمناه من وجوب صلاة اللّيل على النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله)، لأنها فرضت جنابته (صلّى اللّٰه عليه و آله) بعد منتصف اللّيل و إتيانه بصلاته.

إلّا أنّ منافاتها لما نقطع به من أن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يستمر على أمر مكروه باقية بحالها، لأنها أيضاً ظاهرة في أن ذلك كانت عادته حيث قال: «كان رسول اللّٰه» فلا مناص من حملها على التقيّة لذهاب العامّة إلى ذلك، و مع ذلك لا وجه للتردد في المسألة أو الميل إلى عدم الاشتراط، لانحصار المعارض بصحيح حمّاد بن عثمان و حبيب الخثعمي، و لأجل موافقتهما للعامّة (2) و مخالفتهما لما نقطع به من دأبه (صلّى اللّٰه عليه و آله) نحملهما على التقيّة كما مرّ. على أنهما روايتان شاذّتان و لا يمكن الأخذ بالشاذ في مقابل الرواية المشهورة و هي الطائفة الأُولى المتقدّمة.

هذا و عن بعضهم و أظنّه السبزواري (قدس سره) الجمع بين هاتين الطائفتين بحمل الطائفة الأُولى على استحباب القضاء و أفضلية ترك البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر (3). و فيه: أن ظاهر تلك الطائفة بطلان الصوم بالبقاء على الجنابة لا مجرّد حرمته، كما أن الطائفة الثانية ظاهرة في صحّته فهما متنافيتان، و لا يمكن الجمع بين البطلان و الصحّة و إنما كان يمكن ذلك فيما إذا كانت الطائفة الأُولى مشتملة على مجرّد الحرمة الشرعية. فالصحيح ما ذكرناه من حمل الطائفة الثانية على التقيّة هذا.

____________

(1) الوسائل 10: 64/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 16 ح 5.

(2) المغني لابن قدامة 3: 78، الشرح الكبير 3: 54، الموطأ 1: 289، المجموع 6: 307.

(3) الذخيرة: 498/ السطر 1.

295

..........

____________

ثمّ إنّ المحقِّق في شرائعه أسند وجوب الإمساك عن البقاء على الجنابة عامداً حتى يطلع الفجر إلى الأشهر حيث قال: عن البقاء عامداً حتى يطلع الفجر من غير ضرورة على الأشهر (1). و ظاهره أن القول المقابل أعني عدم وجوب الاغتسال إلى طلوع الفجر مشهور. و هذا على خلاف الواقع، حيث عرفت أنه ممّا لا قائل به من المتقدِّمين إلى زمان المحقِّق سوى الصدوق (قدس سره). و الأردبيلي و الداماد متأخران عن المحقق (قدس سرهم)، إلّا أن يحمل الأشهر على الأشهر من حيث الرواية، و عليه يصحّ كلام المحقِّق لأن الطائفة الأُولى كما عرفت أشهر من حيث الرواية و الثانية مشهورة، و لكنّك عرفت عدم دلالتها، نعم الصحيحتان المشتملتان على حكاية فعل رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) من الروايات النادرة كما مرّ. فتحصل أن الطّهارة من الحدث الأكبر شرط في صحّة صوم رمضان هذا، و لكن بعد المراجعة إلى الشرائع ظهر أن نسخها مختلفة، ففي متن الجواهر (2) و مصباح الفقيه للمحقِّق الهمداني (3) على الأشهر، و في نفس الشرائع المطبوعة عندنا: على الأظهر، و أما متن المسالك (4) و المدارك (5) فهو غير مشتمل لا على كلمة الأشهر و لا الأظهر. و الظاهر المناسب أن تكون على الأظهر دون الأشهر، و لعلّ نسخة صاحب الجواهر و المصباح كانت مغلوطة هذا.

ما استدلّوا به على جواز البقاء على الجنابة

ثمّ إنهم استدلوا على جواز البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان بقوله عزّ من قائل:

____________

(1) الشرائع 1: 189.

(2) الجواهر 16: 236.

(3) مصباح الفقيه (الصوم) 14: 401.

(4) المسالك 2: 17. إلّا أنّ متنه مشتمل على كلمة الأشهر.

(5) المدارك 6: 53. إلّا أنّ متنه مشتمل على كلمة الأشهر.

296

..........

____________

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفٰا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... (1) و ذلك بموردين منها:

أحدهما: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ بدعوى أن إطلاق حل الرفث ليلة الصيام يشمل الجزء الأخير منها أيضاً، فإذا جاز الرفث في ذلك الجزء الأخير فلا يحرم البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر لا محالة و لا تكون الطّهارة في طلوع الفجر شرطاً في صحّة الصيام.

و فيه: أن حل الرفث في ليلة الصيام إنما هو في قبال حرمته في الشرائع السابقة و من هنا خصّت الحليّة بتلك الأُمّة حيث قال أُحِلَّ لَكُمْ فلا نظر للآية المباركة إلّا إلى الترخيص في الرفث في قبال المنع، و أما الترخيص إلى الجزء الأخير و أن البقاء على الجنابة جائز أو غير جائز فلا نظر في الآية إليه و ليست بصدد بيانه فلا إطلاق لها من هذه الجهة.

ثانيهما: قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ بدعوى أن جواز المباشرة مغيا بطلوع الفجر و ثابت إلى الجزء الأخير من اللّيل و معه لا معنى لحرمة البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر. و يدفعه: أن قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ كحلية الرفث إنما هو بصدد إثبات الجواز فقط، و ليس قوله حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ ... غاية له و إنما هو غاية لجواز الأكل و الشرب، لانفصال قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ عن قوله وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا بجملة وَ ابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ.

و الغرض من التعرّض للاستدلال بالآية المباركة أن لا يتوهم أن الطائفتين من الأخبار بعد تساقطهما بالتعارض يرجع إلى إطلاق الآية المباركة، لما عرفت من أنها ليست مطلقة، هذا كله في المسألة الأُولى.

____________

(1) البقرة 2: 187.

297

..........

اعتبار الطّهارة في قضاء صوم رمضان

____________

المسألة الثانية: في اشتراط الطّهارة من الحدث الأكبر في قضاء صوم رمضان. و هذا هو المشهور بين الأصحاب (قدس سرهم). و تدلّ عليه جملة من النصوص.

منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لا يغتسل حتى يجي‌ء آخر الليل و هو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره» (1).

و منها: صحيحته الأُخرى، قال: «كتب أبي إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و كان يقضي شهر رمضان و قال: إني أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر، فأجابه (عليه السلام): لا تصم هذا اليوم و صم غدا» (2).

و منها: موثقة سماعة بن مهران، قال: «سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف اللّيل في رمضان فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتى أدركه الفجر، فقال (عليه السلام): عليه أن يتمّ صومه و يقضي يوماً آخر، فقلت: إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضي رمضان، قال: فليأكل يومه ذلك و ليقض فإنه لا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور» (3). و الاحتمالات في قوله: «فإنه لا يشبه ...» و إن كانت متعددة و لكن الأظهر أن المراد به أن في شهر رمضان لو بطل الصوم لجهة ككونه باقياً على الجنابة مثلًا وجب عليه قضاء ذلك اليوم و الإمساك في ذلك اليوم الذي بطل فيه صومه، و هذا بخلاف الصوم في غير رمضان لأنه لو بطل وجب إتيانه في يوم آخر و لا يجب الإمساك في ذلك اليوم فلا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور الأُخر.

عدم اعتبار الطّهارة في الصوم المندوب

المسألة الثالثة: في اعتبار الطّهارة من الحدث الأكبر في الصوم المندوب و عدمه.

____________

(1) الوسائل 10: 67/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 19 ح 1.

(2) الوسائل 10: 67/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 19 ح 2.

(3) الوسائل 10: 67/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 19 ح 3.

298

..........

____________

الصحيح عدم اعتبارها من الحدث الأكبر في الصوم المستحب و لا يكون البقاء على الجنابة مفطراً في المندوب من الصوم. و لا استبعاد في اختلاف الواجب و المندوب في بعض الشرائط و الخصوصيات، كما في الصلاة فإن الاستقبال شرط في الفريضة دون المندوبة منها. و الوجه في عدم اشتراط الصوم المندوب بالطّهارة دلالة الأخبار عليه.

ففي موثقة ابن بكير قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتى يصبح أ يصوم ذلك اليوم تطوعاً؟ فقال: أ ليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار» (1) و فيما رواه الصدوق في الصحيح بإسناده عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن حبيب الخثعمي، «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أخبِرْني عن التطوّع و عن صوم هذه الثلاثة الأيام إذا أنا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أني أجنبت فأنام متعمداً حتى ينفجر الفجر أصوم أو لا أصوم؟ قال: صم» (2) و في رواية ابن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثمّ أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار، قال: يصوم إن شاء و هو بالخيار إلى نصف النهار» (3).

عدم اعتبار الطّهارة في الصوم الواجب بالعرض

المسألة الرابعة: في اعتبار الطّهارة من الحدث الأكبر في الصوم الواجب غير صوم رمضان الأدائي منه و القضاء، فهل يعتبر فيه الطّهارة من الحدث الأكبر كما ذهب إليه صاحب الجواهر (4) و المحقِّق الهمداني (5) و غيرهما من المحققين أو لا يعتبر؟ الصحيح أنّ‌

____________

(1) الوسائل 10: 68/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 20 ح 2. الفقيه 2: 49/ 212.

(2) الوسائل 10: 68/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 20 ح 1.

(3) الوسائل 10: 68/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 20 ح 3.

(4) الجواهر 16: 240.

(5) مصباح الفقيه (الصوم) 14: 411.

299

..........

____________

الصوم الواجب غير صوم رمضان أدائه و قضائه كالصوم المندوب لا يعتبر فيه الطّهارة من الحدث الأكبر، و ذلك لعدم الدليل على اعتبارها، و هو يكفي في الحكم بعدم الاشتراط و جواز البقاء على الجنابة فيه.

و أمّا ما عن المحقِّق الهمداني (قدس سره) من أنّ شيئاً إذا أُثبتت شرطيته لفرد من أفراد الواجب مثلًا ثبتت لغيره من أفراد الطبيعة الواجبة لاتحادهما بحسب الماهيّة و الحقيقة، و مع شرطية شي‌ء للماهية لا يختص الشرطية بفرد دون فرد، و على ذلك جرت عادة الفقهاء (قدس سرهم) فإن الصلاة مثلًا إذا قلنا إنها متقوِّمة بسجدتين و ركوع واحد ثمّ أطلقنا لفظة الصلاة في مورد آخر و قلنا إنها مستحبّة مثلًا يتبادر منها إلى الأذهان تلك الصلاة التي اشترطنا فيها السجدتين و الركوع. و في المقام حيث اشترطنا في الصوم الواجب في شهر رمضان عدم البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر فلا محالة تثبت شرطية ذلك لسائر الأفراد الواجبة أيضاً لاتحادها بحسب الماهية و الحقيقة.

ففيه: أن ما أفاده و إن كان متيناً في نفسه إلّا أنه إنما يتمّ فيما إذا لم يثبت عدم اشتراط الماهية بذلك الشرط، و في المقام قد ثبت بمقتضى الإطلاقات عدم اشتراط ماهية الصوم بالاجتناب عن البقاء على الجنابة، و ذلك لما ورد من أنّ الصائم لا يضرّه أي ما صنع إذا اجتنب خصالًا ثلاثة أو أربعاً: الأكل و الشرب، و النساء و الارتماس (1) باعتبار عد الأكل و الشرب واحداً أو اثنين فمنه يستفاد أن الاجتناب عن البقاء على الجنابة أو الكذب على اللّٰه و رسوله و نحوهما من الأُمور المشترطة في محلها إنما هي من الأوصاف و الشرائط المعتبرة في شخص الصوم الواجب في رمضان و في قضائه و ليست وصفاً للماهية لتسري إلى جميع أفرادها.

هذا كلّه في الصوم الواجب المعيّن، و أما غير المعيّن فالأمر فيه أظهر، لأنا لو كنا اشترطنا الطّهارة في الواجب المعيّن لم نكن نشرطها في غير المعيّن، و ذلك للتعليل الوارد في عدم اشتراط الطّهارة في الصوم المستحب أعني قوله (عليه السلام): «أ ليس‌

____________

(1) الوسائل 10: 31/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 1 ح 1.

300

..........

____________

هو بالخيار ما بينه و نصف النهار» (1) فان مقتضاه حسب المتفاهم العرفي أن كل صوم كان المكلّف مخيّراً فيه إلى نصف النهار لا يعتبر فيه الطّهارة من الحدث الأكبر.

نسيان غسل الجنابة في رمضان

و أمّا نسيان غسل الجنابة في شهر رمضان فقد عرفت وجوب القضاء فيه بمقتضى رواية إبراهيم بن ميمون المتقدِّمة (2) و هي مروية بثلاثة طرق كلها ضعاف، أما طريق الشيخ و الصدوق (رحمهما اللّٰه) فهما ضعيفان بإبراهيم بن ميمون لعدم ثبوت وثاقته و أمّا طريق الكليني فهو ضعيف به و بسهل بن زياد. و بمقتضى صحيحة الحلبي المتقدِّمة (3) و هي العمدة في المقام، و إن كان مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن النص عدم وجوب القضاء في نسيان غسل الجنابة، حيث إن نواقض الصوم أُمور محصورة و ليس منها نسيان غسل الجنابة، و إنما الناقض تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر و ليس النسيان من التعمد كما هو واضح، إلّا أن مقتضى النص وجوب القضاء كما مرّ.

نسيان الجنابة أو الجهل بها

و هل نسيان نفس الجنابة أو نسيان أن غداً من شهر رمضان كنسيان غسل الجنابة موجب للقضاء أو لا؟

الظاهر أن الأصحاب لم يتعرضوا إلى ذلك في كلماتهم. و الصحيح أن نسيان الجنابة أو نسيان أن غداً من رمضان لا يوجبان القضاء، و ذلك لما مرّ من أن نواقض الصوم أُمور محصورة و لم يذكر منها النسيان، فلو كنا نحن و أنفسنا لم نحكم بوجوب القضاء في نسيان غسل الجنابة أيضاً، فإن الناقض تعمد البقاء على الجنابة دون النسيان، و قد خرجنا عن ذلك في نسيان الغسل بالنص و يبقى نسيان نفس الجنابة و نسيان أن اليوم‌

____________

(1) الوسائل 10: 68/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 20 ح 2.

(2) الوسائل 10: 65/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 17 ح 1. تقدّم ذكرها في ص 289.

(3) الوسائل 10: 238/ أبواب من يصحّ منه الصوم ب 30 ح 3. تقدّم ذكرها في ص 290.