موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
301

..........

____________

من رمضان محكوماً بعدم كونهما موجبين للقضاء. و كذلك الحال في الجاهل بالجنابة كمن أجنب و لم يعلم به إلّا بعد مدّة، فإن مقتضى ما ذكرناه عدم وجوب القضاء عليه لعدم كونه من التعمد في البقاء على الجنابة و لا من غيره من النواقض. هذا كله في صوم شهر رمضان.

و هل الأمر كذلك في قضائه أيضاً بمعنى أن نسيان غسل الجنابة مانع عن صحّته و نسيان نفس الجنابة أو الجهل بها غير موجب للبطلان؟ التحقيق أن قضاء صوم رمضان لأضيق دائرة من نفس صوم رمضان، فإن المستفاد من صحيحتي عبد اللّٰه بن سنان المتقدِّمتين أن الإصباح جنباً متعمداً أو غير متعمد مانع عن صحّة قضائه و لعلّ صاحب الوسائل (قدس سره) أيضاً استفاد ذلك منهما، و من هنا عنون الباب بأن من أصبح جنباً لم يجز له أن يصوم ذلك اليوم قضاء عن شهر رمضان.

ففي إحدى الصحيحتين «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لا يغتسل حتى يجي‌ء آخر الليل و هو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره» (1). و في الثانية قال: «كتب أبي إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و كان يقضي شهر رمضان و قال: إني أصبحت بالغسل أي مكلّفاً به و أصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر، فأجابه (عليه السلام): لا تصم هذا اليوم و صم غداً» (2). فإن المستفاد منهما أن في فرض الإصباح جنباً و إن لم يكن اختياريّاً لا يصحّ منه قضاء صوم رمضان، فلا يفرق في بطلانه بين كونه جاهلًا بجنابته أم ناسياً لها أو ناسياً لغسلها.

بقي الكلام في مسألتين:

إحداهما: أن الجنابة العمدية في النهار تبطل الصيام و لو كان مندوباً، و هذا مما لم يقع فيه خلاف، فان من النواقض النساء أي جماعهن فيبطل به الصوم و تجب الكفارة‌

____________

(1) الوسائل 10: 67/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 19 ح 1.

(2) الوسائل 10: 67/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 19 ح 2.

302

..........

____________

بلا كلام، و الاستمناء ملحق بالجماع، ففي صحيحة عبد الرحمٰن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال: عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع» (1) و هكذا في غيرها من الأخبار.

هذا إذا كان خروج المني منه باستمنائه، و أمّا إذا تحرّك لأجله المني من مكانه أو رأى في المنام ما هيّج شهوته إلّا أنه لم يخرج المني منه بعد ذلك و كان متمكناً من أن يمنع عن خروجه، فهل يجب عليه ذلك إذا لم يكن ضرريّاً في حقه لأن ترك منعه أمناء بالاختيار أو لا يجب عليه المنع من خروج المني؟ فهي مسألة طويلة الذيل، و يقع الكلام عليها في صحّة الصوم إن شاء اللّٰه (2).

ثانيتهما: أن الاحتلام في نهار رمضان غير مبطل للصوم، و ذلك مضافاً إلى أن النواقض محصورة و ليس الاحتلام من الجماع و لا من غيره من النواقض، قد دلّت عليه جملة من النصوص، ففي صحيحة العيص بن القاسم أنه «سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل قال: لا بأس» (3). و في رواية أُخرى عن عمر بن يزيد قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): لأي علّة لا يفطر الاحتلام الصائم و النِّكاح يفطر الصائم؟ قال: لأن النِّكاح فعله و الاحتلام مفعول به» (4) إلى غير ذلك من الأخبار.

و هل تجب على الصائم المحتلم المبادرة إلى الاغتسال؟ و هل إذا احتلم في النهار يجب عليه المبادرة إلى الغسل لئلا يبقى على الجنابة متعمداً في النهار أو لا يجب؟ ذهب بعض من قارب عصرنا إلى ذلك و أن البقاء على الجنابة في النهار غير جائز متعمداً فان البقاء عليها كذلك في اللّيل إلى طلوع الفجر محرم كما مرّ و كذلك الحال في النهار.

____________

(1) الوسائل 10: 39/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 4 ح 1.

(2) في المسألة [2398].

(3) الوسائل 10: 103/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، ب 35 ح 3.

(4) الوسائل 10: 104/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 35 ح 4.

303

[فصل فيما يحرم على الجنب]

فصل فيما يحرم على الجنب و هي أيضاً أُمور:

[الأوّل: مس خط المصحف]

الأوّل: مس خط المصحف على التفصيل الذي مرّ في الوضوء (1)

____________

و فيه: أن ذلك من القياس، و حرمة البقاء على الجنابة في النهار و كونه ناقضاً للصوم يحتاج إلى دليل و لا دليل عليه في المقام، نعم ورد في رواية إبراهيم بن عبد الحميد النهي عن النوم في النهار بعد الاحتلام حتى يغتسل حيث قال: «سألته عن احتلام الصائم، قال فقال: إذا احتلم نهاراً في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل» الحديث (1) فانّ المتفاهم من المنع عن النومة الثانية في الرواية هو وجوب المبادرة إلى الاغتسال إلّا أنه لا مناص من حمل ذلك على استحباب المبادرة إلى الغسل أو على كراهة التأخير في الاغتسال، لأن الرواية مرسلة و إبراهيم بن عبد الحميد يرويها عن بعض مواليه و هو مجهول، و لم يظهر أنه أي شخص.

ثمّ على تقدير وثاقة الرواية فهي معارضة بما دلّ على جواز النوم ثانياً، كما في صحيحة العيص بن القاسم المتقدِّمة، و معه لا يثبت بها وجوب المبادرة إلى الاغتسال. و يمكن أن يقال: إنّ الصحيحة مطلقة من حيث النوم في اللّيل و النهار، و رواية إبراهيم ابن عبد الحميد مختصّة بالمنع عن النوم في النهار فلا محالة يقيد الصحيحة فلا تبقى أية معارضة بينهما. فالجواب الصحيح هو إرسال الرواية فلا تغفل.

فصل فيما يحرم على الجنب

الأوّل من المحرّمات: مسّ المصحف

(1) لم يرد حرمة مسّ الجنب كتابة المصحف في شي‌ء من الأخبار، إلّا أن ما ورد‌

____________

(1) الوسائل 10: 104/ أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ب 35 ح 5. 64/ ب 16 ح 4.

304

..........

____________

في عدم جواز مسّ الكتاب من غير وضوء يكفينا في الحكم بحرمة مسّ الجنب كما يأتي تقريبه، و هذا لا لرواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: المصحف لا تمسّه على غير طهر، و لا جنباً، و لا تمسّ خطه و لا تعلقه، إن اللّٰه تعالى يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (1) لأنّ الآية المباركة لا دلالة لها على المدعى فانّ المطهر غير المتطهر، لوضوح أن الثاني ظاهر في التطهر من الحدث الأصغر أو الأكبر و المطهر من طهره اللّٰه من الزلل و الخطأ، و المذكور في الآية المباركة هو الثاني دون الأوّل، ففيها إشارة إلى قوله سبحانه إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2). و معنى أنه لا يمسّه إلّا من طهره اللّٰه أنه لا يدركه بما له من البواطن غير المعصومين (عليهم السلام) فالآية إخبار و ليست بإنشاء، فان غيرهم لا يدرك من الكتاب إلّا ظاهره، فتحمل الرواية على إرادة البواطن أيضاً و يقال إن استفادة حرمة مسّ المحدث الكتاب من البواطن التي لا يدركها غيرهم (عليهم السلام) و قد استفادها الإمام لوجه لا نعرفه.

بل الوجه فيما ذكرناه موثقة أبي بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: لا بأس و لا يمس الكتاب» (3) فإذا ثبت حرمة مسّ من لا وضوء له الكتاب نتعدّى منه إلى الجنب لا محالة.

و هذا لا للأولوية القطعيّة كما في كلمات بعضهم نظراً إلى أن المحدث بالحدث الأصغر إذا حرم مسّه الكتاب فالمحدث بالحدث الأكبر يحرم مسّه الكتاب أيضاً بطريق أولى، حتى يقال بأن الملاك في حرمة مسّ المحدث بالأصغر لعله غير متحقق في المحدث بالحدث الأكبر، و لا علم لنا بتلازمهما و لا بالملاكات الواقعية. بل التعدِّي من جهة إطلاق نفس الموثقة، حيث إن الجنب بنفسه من مصاديق من لا وضوء له لأنّ سبب الجنابة أمران كلاهما ناقض للوضوء و هما الجماع و الإنزال، فمس الجنب‌

____________

(1) الوسائل 1: 384/ أبواب الوضوء ب 12 ح 3.

(2) الأحزاب 33: 33.

(3) الوسائل 1: 383/ أبواب الوضوء ب 12 ح 1.

305

و كذا مسّ اسم اللّٰه تعالى (1)

____________

محرّم بما أنه لا وضوء له، نعم إذا اغتسل عن الجنابة يجوز له المس لا لأنه ليس بجنب بل لأنه على وضوء، حيث إن غسل الجنابة يغني عن الوضوء.

مسّ الجنب لأسماء اللّٰه تعالى

(1) لا إشكال في المسألة، بل قالوا إنها متفق عليها بينهم، بل ادعي عليها الإجماع، بل ضرورة المسلمين حتى من أهل الخلاف في كلمات القدماء، و إن ورد أنه مكروه إلّا أنهم ادعوا أن الكراهة في اصطلاحهم تطلق على الحرمة. و قد مرّ في الوضوء أن المنع عن مسّ المحدث بالحدث الأصغر اسم اللّٰه تعالى لم يرد في رواية و إنما كان مستنداً إلى كونه هتكاً له و منافياً لتعظيمه، و أمّا في مسّ الجنب لاسم اللّٰه تعالى فقد وردت في حرمته موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا يمسّ الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه» (1) و بإزائها جملة من الأخبار دلّت على جوازه عمدتها موثقة إسحاق بن عمار و الباقي ضعيفة بحسب السند عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن الجنب و الطامث يمسان أيديهما الدراهم البيض؟ قال: لا بأس» (2).

و قد يجمع بينهما بحمل المنع على الكراهة بدعوى أنه مقتضى الجمع العرفي بينهما إلّا أن الصحيح عدم تعارضهما بحسب مناسبات الحكم و الموضوع المؤيدة بما في نفس الروايتين مما يحتمل أن يكون قرينة على ذلك.

أمّا المناسبة بين الحكم و موضوعه فهو أنّ النهي في موثقة عمار إذا القي إلى العرف لم يشك أحد في أن متعلقه هو مسّ لفظة الجلالة بمناسبة النهي و مسّ لفظة الجلالة‌

____________

(1) الوسائل 2: 214/ أبواب الجنابة ب 18 ح 1.

(2) الوسائل 2: 214/ أبواب الجنابة ب 18 ح 2.

306

..........

____________

نفسها، و لا يرونه مطلقاً حتى يشمل مسّ الموضع الخالي عن اللفظة من الدرهم أو الدينار، فإذا كانت الموثقة ظاهرة في حرمة مسّ نفس اللفظة لا بقيّة المواضع فلا محالة تخصّص موثقة إسحاق بن عمار الدالّة على الترخيص، لأن الترخيص فيها مطلق يعم الموضع المشتمل من الدراهم على لفظة الجلالة و الموضع الخالي عنها فنخصصها بمسه الدرهم و الدينار في الموضع الخالي من اللفظة فيهما، فكأن السؤال عن مسّ الموضع الخالي من اللفظة المباركة في الدرهم و الدينار من جهة عظمتهما و تشرفهما بوجود اللفظة في شي‌ء من مواضعهما فأحتمل أن مسّ الموضع الخالي منهما خلاف التعظيم و الاحترام، نظير الجلوس على الصندوق المشتمل على المصحف لأنه لا إشكال في كونه هتكاً لدى العرف، و عليه فلا تعارض بينهما.

و أمّا القرينة على ذلك مما في نفس الروايتين فهو اختلاف التعبير في الموثقتين حيث عبّر في الموثقة المانعة بكلمة «على» الظاهرة في الاستيلاء و قال: «لا يمسّ الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه»، فكأنه قد استولى على الدينار بأجمعه فمسه كان مستلزماً لمس اسم اللّٰه، و في بعض الأخبار المرخصة لم يعبر بتلك الكلمة، بل بكلمة «في» الظاهرة في الاشتمال و أن مسّ الدرهم المشتمل بعضه على لفظة الجلالة لا بأس به، و هاتان الكلمتان يحتمل قرينيّتهما على ما ادعيناه.

و يؤيِّده أيضاً ما اشتمل عليه بعض الأخبار الضعيفة من الأخبار المرخصة حيث اشتمل على قوله (عليه السلام): «لا بأس به، ربّما فعلت ذلك» (1) لبعد أن يمسّ الإمام (عليه السلام) لفظة الجلالة و هو جنب، لأنه لو قلنا بعدم حرمته فلا أقل من أنه خلاف التعظيم و الاحترام، فنحمل الرخصة على مسّ غير الموضع المشتمل على لفظة الجلالة.

و توضيح الكلام في المسألة

أنّ الأصحاب (قدس سرهم) قد تسالموا على حرمة مسّ الجنب اسم اللّٰه سبحانه‌

____________

(1) الوسائل 2: 215/ أبواب الجنابة ب 18 ح 4.

307

..........

____________

و إن خالفهم في ذلك بعض المتأخرين حيث ذهب إلى الكراهة. و تدلّ على حرمته موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا يمس الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّٰه» (1). و بإزاء هذه الموثقة روايات تدلّ على جوازه.

منها: رواية أبي الربيع عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الجنب يمس الدرهم و فيها اسم اللّٰه و اسم رسوله؟ قال: لا بأس، و ربّما فعلت ذلك» (2) و هي مضافاً إلى ضعف سندها بأبي الربيع و خالد حيث لم يوثقا في الرجال. و دعوى أن حسن بن محبوب الواقع في سندها من أصحاب الإجماع فلا ينظر إلى من كان بعده في سلسلة السند، مندفعة بما مرّ غير مرّة من أنه مما لا دليل عليه، فلو روى مثله عن مجهول أو ضعيف لم يعتمد على روايته لا تعارض الموثقة المتقدّمة، لأنها ظاهرة في إرادة مسّ نفس الاسم و لو بمناسبة الحكم و الموضوع و بقرينة الإتيان بكلمة «على» الظاهرة في الاستيلاء كما قدّمناه.

و أمّا رواية أبي الربيع فلم يقيد المس فيها بخصوص الموضع المشتمل على الاسم، نعم هي مطلقة فنقيدها بمس الموضع الخالي عن الاسم بالموثقة و بقرينة الإتيان فيها بكلمة «في» الظاهرة في الاشتمال. و الوجه في السؤال عن مسّ الموضع الخالي عن الدراهم من الاسم إنما هو اكتساب الدرهم شرافة و عظمة بسبب وجود اللفظة في‌

____________

(1) الوسائل 2: 214/ أبواب الجنابة ب 18 ح 1.

(2) الوسائل 2: 215/ أبواب الجنابة ب 18 ح 4. ثمّ إن المناقشة في سند هذه الرواية كانت في نظر سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) في الأزمنة السالفة، و لكن حديثاً بدل رأيه الشريف في المعجم 8: 16، و حاصله: أن خالداً و هو ابن جرير قد مدحه علي بن الحسن و قال: إنه كان صالحاً. و بهذه يعتمد على روايته. و أن أبا الربيع و هو الشامي قد ورد في أسناد تفسير علي ابن إبراهيم فهذا يكون موثقاً. و أمّا طريق المحقق (قدس سره) إلى كتاب الحسن بن محبوب فأيضاً معتبر، لأن له طرقاً متعددة معتبرة إلى جميع ما اشتمل عليه كتاب الفهرست للشيخ أبي جعفر الطوسي (قدس سره) كما يظهر من المراجعة إلى الطرق و الإجازات، و من جملة ما في الفهرست [71/ 162] هو كتاب الحسن بن محبوب، و طريق الشيخ إليه صحيح فتصبح الرواية معتبرة و يبقى الإشكال فيها من جهة الدلالة فقط.

308

..........

____________

قطعة منه، و قد أجابه الإمام بعدم البأس بذلك.

و منها: ما رواه المحقق (1) عن كتاب جامع البزنطي عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته هل يمس الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب؟ فقال: إي، إني و اللّٰه لأُوتى بالدرهم فآخذه و إني لجنب» (2) و إلى هنا نقله في الوسائل و ترك ذيلها: و ما سمعت أحداً يكره من ذلك شيئاً إلّا أن عبد اللّٰه بن محمّد كان يعيبهم عيباً شديداً يقول: جعلوا سورة من القرآن في الدراهم فيعطى الزانية و في الخمر و يوضع على لحم الخنزير.

و منها: موثقة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن الجنب و الطامث يمسّان أيديهما الدراهم البيض؟ قال: لا بأس» (3) و لم يذكر في هاتين الروايتين سبب السؤال عن مسّ الجنب الدراهم البيض فيحتمل أن يكون وجهه اشتمالها على القرآن، كما تضمّنه ذيل رواية المحقق عن جامع البزنطي. و على هذا الاحتمال الروايتان خارجتان عمّا نحن فيه، لأنّ الكلام في حرمة مسّ الجنب اسم اللّٰه و عدم حرمته لا في مسّ المصحف و عدمه فلا تعارضان الموثقة المتقدّمة. و قد مرّ أن مسّ الجنب كتابة القرآن محرّم، فلا محالة تحمل هاتان الروايتان على مسّ غير الموضع المشتمل على القرآن أو غير ذلك من المحامل.

كما يحتمل أن يكون الوجه في السؤال هو اشتمال الدراهم على لفظة الجلالة، فقد ذهب بعضهم إلى أنهما تعارضان الموثقة حينئذ فيجمع بينهما بحمل الموثقة على الكراهة كما هو الحال في جميع موارد الجمع الدلالي، حيث يرفع اليد عن ظاهر كل من المتعارضين بنص الآخر، و حيث إن «لا بأس» ظاهر في الإباحة و نص في الجواز و النهي في الموثقة ظاهر في الحرمة و نص في عدم المحبوبية و المبغوضية فنرفع اليد عن ظاهر الحرمة بنص «لا بأس» فتكون النتيجة هي الكراهة هذا.

____________

(1) المعتبر 1: 188.

(2) الوسائل 2: 214/ أبواب الجنابة ب 18 ح 3.

(3) تقدّمت ص 305.

309

و سائر أسمائه و صفاته المختصّة (1)

____________

و لكن الظاهر أنه لا معارضة بينهما، حيث إن الموثقة ظاهرة بمناسبة الحكم و موضوعه و بقرينة اشتمالها على لفظة «على» الظاهرة في الاستيلاء في إرادة مسّ نفس لفظة الجلالة، و لا يفهم منها عند إلقائها إلى العرف إرادة مسّ الدرهم من غير مسّ الاسم، و هاتان الروايتان ظاهرتان في إرادة مسّ نفس الدرهم الأعم من اشتماله على الاسم و عدمه، كما إذا مسّ الموضع الخالي من الكتابة، فنقيد إطلاقهما بالموثقة و نحملهما على إرادة مسّ الدرهم في غير الموضع المشتمل على الكتابة. مضافاً إلى أن رواية المحقق ضعيفة، لأنه نقلها عن كتاب البزنطي و هو رواها عن محمّد بن مسلم مع أن بينهما واسطة، فإن البزنطي، لا يروي عن محمّد بن مسلم بلا واسطة و الواسطة غير مذكورة في السند.

مسّ سائر أسماء اللّٰه

(1) إذا كانت اللفظة مشتركة بالاشتراك المعنوي بينه و بين غيره كالعالم مثلًا لأنه قد يطلق على اللّٰه سبحانه و قد يطلق على غيره و لم تكن معه قرائن تخصصه بالذات المقدّسة كما إذا قيل: العالم بكل شي‌ء و يا عالماً لا يخفى عليه شي‌ء، فلا إشكال في جواز مسها جنباً، سواء قصد منه الكاتب نفس الذات المقدّسة أم لم يقصد، و ذلك لأن القصد لا يجعل اللفظة اسماً له سبحانه، إذ المفروض أنه عام و موضوع على الطبيعة الجامعة فقصد فرد و مصداق من مصاديق الطبيعة لا يجعل اسم الطبيعة اسماً له، لبداهة أن قصد زيد من لفظة الكاتب لا يجعل لفظة الكاتب اسماً لزيد، و لعلّه ظاهر.

و أمّا إذا احتفت بقرائن تخصصها بالذات المقدّسة كما إذا قال: العالم بكل شي‌ء و يا من لا تشتبه عليه الأصوات، حيث إنهما مختصتان بالذات المقدّسة، فلا يبعد جواز مسها أيضاً، و ذلك لأن الظاهر المستفاد من اسم اللّٰه هو كون اللفظة علماً موضوعاً له كما هو الحال في غيره، فان الاسم ظاهر في العلمية و الوضع، و لا يراد منه مطلق ما أنبأ عن الذات المقدّسة.

310

و كذا مسّ أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) على الأحوط (1).

____________

و من البديهي أن تقييد اللفظة المطلقة بقيود منبئة عن الذات المقدّسة لا يجعلها علماً موضوعاً في حقه، مثلًا إذا قلنا الولد الأكبر لزيد، فإنّه يختص بخصوص ولده الأكبر و ينبئ عنه لا محالة، إلّا أن الولد الأكبر لا يكون بذلك علماً لولده حتى يعد من أسمائه الولد الأكبر. و كذا إطلاق صاحب الدار على مالكها، لأنه و إن كان مختصّاً به و منبئاً عنه إلّا أن صاحب الدار لا يكون بذلك علماً لمالكه و اسماً من أسمائه، و لعلّه ظاهر.

و أما إذا كانت اللفظة مشتركة بينه و بين غيره اشتراكاً لفظياً بأن يجعل له بوضع و يجعل لغيره بوضع عليحدة، كما إذا جعل أحد اسم ولده (اللّٰه) و لو عناداً، فالظاهر إناطة حرمة مسّه بما إذا قصد الكاتب منها الذات المقدّسة، لأن المشترك اللفظي بالقصد يتعين في العلمية لا محالة كما هو الحال في غيره من الأعلام المشتركة كلفظة (أحمد) لاشتراكها بين آلاف، و لكن إذا قصد منها ابن زيد فهو علمه و اسمه المختص به و معه لا يحكم بحرمة مسّه.

ثمّ إن مقتضى إطلاق موثقة عمار عدم الفرق بين كون اسم اللّٰه عربيا و كونه من سائر اللغات، لأن حرمة المس مرتبة على كون الاسم اسم اللّٰه و تقييده بالعربية بلا دليل، نعم لا بدّ و أن يكون الاسم من قبيل العلم الموضوع له لا مطلق ما دلّ على الذات المقدّسة و لو بالقرائن كما مر.

مسّ الجنب لأسماء الأنبياء أو الأئمة (عليهم السلام)

(1) ذهب جملة من الأصحاب إلى إلحاق أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) باسمه سبحانه، و لكن الدليل على إلحاقها غير ظاهر. و الذي يمكن أن يستدلّ به على حرمة مسّها أُمور:

الأوّل: الشهرة الفتوائية القائمة على حرمة مسها. و فيه: أن الشهرة الفتوائية غير معتبرة عند المتأخرين فلا حجية لها بوجه.

311

[الثاني: دخول مسجد الحرام و مسجد النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم)]

الثاني: دخول مسجد الحرام و مسجد النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) و إن كان بنحو المرور (1).

____________

الثاني: الإجماع على حرمته كما عن ابن زهرة (قدس سره) (1) و يدفعه: أن الإجماع المنقول مما لا اعتبار به و لا سيما إجماعات ابن زهرة، حيث لا نعلم ابتناءها على المبنى الذي يستكشف به قول الإمام عند المتأخرين.

الثالث: أن مسها جنباً خلاف تعظيم شعائر اللّٰه سبحانه و قد وصف عزّ من قائل تعظيمها بأنه مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. و يدفعه: أن مقتضى الاستدلال بذلك هو استحباب ترك مسها لا وجوبه، فان التعظيم له مراتب عديدة، و ليس التعظيم واجباً بجميع مراتبه، و إلّا لم يجز اجتياز الجنب من الصحن الشريف و لا مسّه حائط الصحن لأنه خلاف تعظيم الشعائر. فالصحيح عدم حرمة مسّ أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) جنباً إلّا أن يستلزم هتكها فان المس محكوم بالحرمة حينئذ، إلّا أنه غير مختص بمس أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) فانّ مسّ أسماء العلماء و العبّاد و غيرهم أيضاً إذا كان مهانة و هتكاً يحكم بحرمته لا محالة.

الثاني من المحرّمات: دخول المسجدين

(1) المسجدان يشتركان مع بقيّة المساجد في حرمة المكث فيها جنباً و يمتازان عن بقيّة المساجد في حرمة مرور الجنب فيهما و اجتيازه، حيث إنه محرّم فيهما دون بقيّة المساجد. و المسألة متسالم عليها بين الأصحاب. و يدلّ على ذلك صحيحة جميل قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد، قال: لا، و لكن يمرّ فيها كلها إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله» (2) و صحيحة محمّد بن مسلم قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث الجنب و الحائض-:

____________

(1) الغنية: 37.

(2) الوسائل 2: 205/ أبواب الجنابة ب 15 ح 2.

312

..........

____________

و يدخلان المسجد مجتازين، و لا يقعدان فيه، و لا يقربان المسجدين الحرمين» (1) و غيرهما من الأخبار (2) و هذا لعله مما لا إشكال فيه.

و إنما الكلام فيما إذا احتلم المكلّف في أحد المسجدين، فقد ورد في صحيحة أبي حمزة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الرجل نائماً في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمرّ في المسجد إلّا متيمماً، و لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد، و لا يجلس في شي‌ء من المساجد» (3) و ذلك لحرمة المرور عليه في المسجدين كحرمة بقائه فيهما جنباً، فهو جنب فاقد للماء فلا بدّ أن يتيمم خروجاً عن عهدة النهي عن مروره و بقائه فيهما جنباً، و من هنا يظهر أن الصحيحة ناظرة إلى ما هو المتعارف العادي من كون زمان الخروج عن المسجد أو الاغتسال فيه أكثر زماناً من التيمم فيه، و إلّا فلو فرضنا أن التيمم أكثر زماناً من الخروج لأنه مثلًا كان خلف باب المسجدين و لا يحتاج خروجه عنهما إلّا إلى خطوة واحدة أو أمكنه الاغتسال في المسجد في زمان أقل من زمان التيمم لأن مقدّماته تحتاج إلى زمان، فلا نظر للصحيحة إليه، و لا مناص حينئذ من خروجه أو اغتساله فيهما إذا لم يستلزم تنجيسهما أو هتكهما أو غيرهما من المحاذير. و عليه فلا نقتصر على مورد الصحيحة، بل لو فرضنا أنه أُجبر على الدخول فيهما جنباً أيضاً يجب عليه التيمم إذا كان زمانه أقصر من زمان الخروج أو الاغتسال. هذا كلّه بالإضافة إلى حرمة الدخول في المسجدين و لو اجتيازاً و مشياً، و أمّا حرمة المكث فيهما جنباً فهما مشتركان في ذلك مع المساجد الأُخر، و يأتي الاستدلال على حرمته فيها في المسألة الآتية إن شاء اللّٰه.

____________

(1) الوسائل 2: 209/ أبواب الجنابة ب 15 ح 17.

(2) الوسائل 2: 205/ أبواب الجنابة ب 15 ح 3، 4، 5.

(3) الوسائل 2: 206/ أبواب الجنابة ب 15 ح 6.

313

[الثالث: المكث في سائر المساجد]

الثالث: المكث في سائر المساجد بل مطلق الدخول فيها على غير وجه المرور (1) الثالث من المحرّمات: حرمة مكث الجنب في المساجد

____________

(1) أما حرمة المكث في المساجد جنباً فلا كلام فيها بينهم. و يدلّ عليه قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ (1) بقرينة الأخبار المفسرة له بمكان الصلاة، و ذلك بقرينة قوله «عٰابِرِي سَبِيلٍ» لأن المرور من الصلاة مما لا معنى له و إنما المرور و العبور من مكانها و هو المساجد. و صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قالا قلنا: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين، إن اللّٰه تبارك و تعالى يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ (2) و الصحيحتان المتقدِّمتان.

و لا خلاف في ذلك إلّا ما ينسب إلى سلار حيث ذهب إلى كراهة دخول الجنب في المسجد (3)، و لعله استند إلى ما ورد في جملة من الأخبار من كراهة الدخول في المساجد جنباً، كما ورد في وصيّة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «أنّ اللّٰه كره لأُمّتي العبث في الصلاة إلى أن قال: و إتيان المساجد جنباً» (4) و في المحاسن عن أبيه عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): ستّة كرهها اللّٰه لي فكرهتها للأئمة من ذريتي و ليكرهها الأئمة لأتباعهم: العبث في الصلاة، و المن بعد الصّدقة، و الرفث في الصوم و الضحك بين القبور، و التطلّع في الدور، و إتيان المساجد جنباً» (5).

____________

(1) النساء 4: 43.

(2) الوسائل 2: 207/ أبواب الجنابة ب 15 ح 10.

(3) المراسم: 42.

(4) الوسائل 2: 206/ أبواب الجنابة ب 15 ح 7.

(5) الوسائل 2: 209/ أبواب الجنابة ب 15 ح 16، المحاسن 1: 73/ 31.

314

..........

____________

و فيه: أن الكراهة المستعملة في لسان الأئمة إنما هي بمعناها اللغوي أعني المبغوض و الحرام، و ليست هي بمعنى الكراهة المصطلح عليها عند الفقهاء. و يؤيده أن جملة من المذكورات في الرواية من المحرّمات، كالتطلّع على الدور و الرفث في الصوم في غير اللّيالي و المن بعد الصّدقة لأنه إيذاء.

و عن الصدوق (قدس سره) جواز النوم في المساجد جنباً حيث حكي عنه: لا بأس أن يختضب الجنب، إلى أن قال: و ينام في المسجد و يمرّ فيه (1). و لم نقف على مستنده (قدس سره)، نعم ورد في صحيحة محمّد بن القاسم قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: يتوضأ و لا بأس أن ينام في المسجد و يمرّ فيه» (2) إلّا أن الصدوق لم يقيد حكمه بجواز نوم الجنب في المسجد بما إذا توضأ، فلو كان اعتمد عليها و حكم بجوازه مع الوضوء لقلنا إن ذلك من تخصيص هذه الصحيحة للآية المباركة و غيرها ممّا دلّ على حرمة مكث الجنب في المسجد، لأنّ النسبة بينهما عموم مطلق، حيث إنها مطلقة، و لا مانع من تخصيصها بما إذا توضأ و نام كما خصّصت بالإضافة إلى المرور، حيث إنه لو كنا و هذه الصحيحة قدمناها على أدلّة حرمة مكث الجنب في المسجد لأنّ النسبة بينهما عموم مطلق.

و دعوى أن حرمة المكث و الدخول مغياة بالاغتسال كما في قوله تعالى:

____________

(1) المقنع: 45.

(2) الوسائل 2: 210/ أبواب الجنابة ب 15 ح 18. قد يقال بأن محمّد بن القاسم مشترك بين جماعة و ليس كلّهم ثقات، و المذكور في السند يحتمل الانطباق على غير الثقة أيضاً فلا تكون الرواية صحيحة. و الجواب: أن المطلق ينطبق على من يكون قابلًا للانطباق من جهة الطبقة و يكون معروفاً من جهة الرواية أو من جهة أنه صاحب كتاب، و على ذلك فمحمّد بن القاسم هذا مردد بين محمّد بن القاسم بن الفضيل و محمّد بن القاسم بن المثنى، و كلاهما ثقتان وثقهما النجاشي [رجال النجاشي 362: 973، 371، 1012] بناء على اتحاد محمّد بن القاسم بن المثنى مع محمّد بن المثنى بن القاسم كما استظهره سيِّدنا الأُستاد (مدّ ظلّه العالي) أيضاً [معجم رجال الحديث 18: 169/ 11628] و إن كان من القريب جدّاً أنه هو ابن الفضيل، لوجود عدّة روايات عنه في الكتب الأربعة دون ابن المثنى فلم ترد عنه و لا رواية واحدة بهذا العنوان.

315

و أمّا المرور فيها بأن يدخل من باب و يخرج من آخر فلا بأس به (1)

____________

حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا و معه تكون النسبة بين أدلّة حرمة المكث و الدخول و بين هذه الصحيحة هي التباين، حيث إنها دلّت على حرمة مكث الجنب و دخوله المسجد إلّا أن يغتسل و الصحيحة تدلّ على حرمة دخوله و مكثه فيه إلّا أن يتوضأ و هما متباينان، كما عن المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1). مندفعة بأن الاغتسال ليس قيداً و غاية للحكم بحرمة المكث أو الدخول، بل هو رافع لموضوع الجنابة، فكأن الآية اشتملت على أن دخول الجنب و مكثه حرام في المسجد إلّا أن يخرج عن الجنابة بالاغتسال، فالحرمة فيها مطلقة، و لا تعارض بينها و بين هذه الصحيحة النافية للحرمة على تقدير التوضؤ فلا تعارض بينهما.

و عن المحدّث الكاشاني حمل التوضؤ على معناه اللغوي و هو الاغتسال (2). و فيه: أنه بعيد غايته، فان ظاهر الصحيحة جواز النوم و هو جنب كجواز المرور في حالة الجنابة لا جوازه مع انتفاء الجنابة بالاغتسال، و عليه فمقتضى القاعدة ما ذكرناه، و إنما يمنعنا عن ذلك أن الصحيحة متروكة العمل عند الأصحاب على ما صرح به المحقق في معتبرة (3)، و لا عامل بها و لو واحداً من الأصحاب حتى الصدوق لعدم تقييده الحكم بالتوضؤ فلا تعارض بها الأخبار الدالّة على الحرمة، بل نحملها على التقيّة لموافقتها مذهب الحنابلة و إسحاق حيث ذهبوا إلى جواز النوم في المسجد جنباً إذا توضأ كما في هامش الحدائق (4)، هذا كله في حرمة المكث في المساجد جنباً. بقي الكلام في جواز اجتيازه من المسجد فقد أشار إليه بقوله: و أما المرور إلخ.

مرور الجنب في المساجد

(1) قد استثني من حرمة دخول الجنب المسجد في صحيحة زرارة و محمّد بن‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الطّهارة): 233/ السطر 1.

(2) الوافي 6: 422.

(3) المعتبر 1: 189.

(4) الحدائق 3: 51.

316

..........

____________

مسلم دخوله المسجد اجتيازاً، بأن يدخل من باب و يخرج من باب آخر على وجه يصدق أنه جعل المسجد طريقاً، فلا يجوز أن يدخل من باب واحد و يخرج منه بعينه أو يخرج من باب آخر على يمينه أو شماله حيث لا يصدق معه الاجتياز و جعل المسجد طريقاً، قالا قلنا له: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين إن اللّٰه تبارك و تعالى يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (1).

و في جملة من الروايات الواردة استثني عنوان المرور كما في صحيحة جميل، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا، و لكن يمرّ فيها كلها إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله» (2) حيث استثنت مرور الجنب في مقابل الجلوس في المسجد، و كذا في غيرها من الأخبار (3) الواردة في المسألة.

و لا يبعد أن يكون المرور متحداً مع الاجتياز فلا يصدق المرور من المسجد إلّا بجعله طريقاً و دخوله من باب و خروجه من باب آخر في مقابله، و أما إذا دخل من باب واحد و خرج منه أو مما بيمينه أو يساره فلا يصدق عليه المرور و الاجتياز.

و في رواية واحدة استثني عنوان المشي في المسجد في مقابل الجلوس فيه و هي رواية جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله» (4) و المشي غير الاجتياز و المرور، فهذه الرواية معارضة للأخبار المتقدّمة إلّا أنها ضعيفة السند بسهل بن زياد لعدم ثبوت وثاقته. على أنها لو كانت تامّة سنداً أيضاً لم تنهض في مقابل الأخبار المستثنية بعنوان الاجتياز و المرور، و ذلك لأن النسبة بين الروايتين المتعارضتين عموم من وجه، و ذلك لأن إحداهما تدلّ على حرمة الدخول بغير‌

____________

(1) تقدّم ذكرها في ص 313.

(2) تقدّم ذكرهما في ص 311 312.

(3) تقدّم ذكرهما في ص 311 312.

(4) الوسائل 2: 206/ أبواب الجنابة ب 15 ح 4.

317

و كذا الدخول بقصد أخذ شي‌ء منها فإنه لا بأس به (1) (1)

____________

الاجتياز سواء كان هناك مشي أم لم يكن و الأُخرى تدلّ على حرمته من غير مشي كان معه اجتياز أم لم يكن، و تتعارضان فيما إذا كان دخله بالمشي، فإنّ الأُولى تدلّ على حرمته و الثانية على جوازه، و في موارد التعارض لا بدّ من الرجوع إلى المرجحات و الترجيح مع الصحيحة لموافقتها الكتاب، لأنه سبحانه استثنى عنوان العبور من المسجد بقوله إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ و هو عين الاجتياز و المرور، و لم يستثن عنوان المشي في المساجد كما لعله ظاهر هذا.

ثمّ إن المرور لو كان صادقاً مع المشي و كان أمراً آخر وراء الاجتياز فالكلام فيه أيضاً هو الكلام في المشي، لأن النسبة بين الاجتياز و المرور المتحد مع المشي عموم من وجه، و الترجيح مع الصحيحة لموافقتها الكتاب، فانّ المستثنى فيه هو العبور الذي هو غير المشي و المرور المتّحد معه.

دخول المسجد جنباً بنيّة الأخذ

(1) لا إشكال في جواز أخذ الجنب و تناوله شيئاً من المسجد، كما لا كلام في حرمة وضعه شيئاً فيه، و ذلك لصحيحة عبد اللّٰه بن سنان، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم و لكن لا يضعان في المسجد شيئاً» (2) و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة حيث ورد في ذيلها: «و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئاً، قال زرارة قلت: فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه؟ قال: لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلّا منه و يقدران على وضع ما بيدهما في غيره» (3) و حاصله: التعليل بالأمر المتعارف الغالبي و بيان‌

____________

(1) فيه إشكال بل منع.

(2) الوسائل 2: 213/ أبواب الجنابة ب 17 ح 1.

(3) الوسائل 2: 213/ أبواب الجنابة ب 17 ح 2.

318

..........

____________

حكمة التفصيل بين الوضع و الأخذ، فان الجنب أو غيره لا يتمكن من أخذ متاعه الذي في المسجد إلّا بالدخول فيه غالباً، كما أنه و غيره متمكن غالباً من وضع متاعه في مكان آخر غير المسجد فلا يضطر إلى الدخول فيه. و كيف كان، فهذان الحكمان ممّا لا كلام فيه.

و إنما البحث في أن الأخذ جائز في نفسه و الوضع محرم كذلك أو أن الأخذ جائز لجواز الدخول بغاية الأخذ و الوضع محرم لحرمة الدخول لغاية الوضع، فالمحتمل أمران لا ثالث لهما، فإما أن يكون الأخذ و الوضع جائزاً و محرماً في نفسه و ذاته و إما أن يكون جائزاً و محرماً من جهة استلزامهما الدخول.

فان قلنا إن حرمة الوضع و جواز الأخذ مستندان إلى أنفسهما فكما لا يجوز حينئذ الوضع في المسجد من غير الدخول فيه كذلك يحرم الأخذ بالدخول فيه للأخذ، فإن جواز الأخذ لا يستلزم جواز الدخول، و هما أمران فليس له أن يدخله لأخذ شي‌ء. و إذا قلنا إن حرمة الوضع و جواز الأخذ مستندان إلى استلزامهما الدخول فحينئذ يجوز الدخول في المسجد للأخذ و التناول كما يجوز وضع شي‌ء فيه من الخارج لا بالدخول، لأن المحرّم هو الوضع بالدخول دون الوضع من غير الدخول.

مناقشة مع الماتن

و من هنا تعرف أن ما ذكره الماتن (قدس سره) في هذه المسألة و المسألة الآتية من الحكم بجواز الدخول فيه بقصد أخذ شي‌ء و الحكم بحرمة الوضع فيه و لو من غير الدخول فيه، أمران متنافيان، فان جواز الأخذ لو كان مستنداً إلى جواز الدخول بهذه الغاية فلا بدّ أن تستند حرمة الوضع أيضاً إلى حرمة الدخول بتلك الغاية من دون أن تكون حرمة أحدهما و جواز الآخر مستنداً إلى ذاتهما و نفسهما، و معه يجوز الوضع في نفسه و إنما يحرم بالدخول في المسجد. و إذا بنينا على أن حكمهما مستندين إلى ذاتيهما فالوضع في ذاته محرم و الأخذ في نفسه مباح فحينئذ و إن صحّ الحكم بحرمة مطلق الوضع في المسجد إلّا أنه لا يلائم الحكم بجواز الدخول لأخذ شي‌ء، فان جواز‌

319

..........

____________

الأخذ حكم مترتب عليه في نفسه و هو غير مستلزم لجواز الدخول فيه، فليأخذ الشي‌ء من غير دخول.

و على الجملة: الحكم بجواز الدخول لغاية الأخذ و الحكم بحرمة الوضع أمران متنافيان، فإما أن يحرم الوضع في نفسه و يجوز الأخذ أيضاً كذلك فلا وجه معه لجواز الدخول من جهة جواز الأخذ، و إمّا أن يحرم الوضع لأجل الدخول و يجوز الأخذ أيضاً لأجله، فحينئذ يجوز الدخول من جهة جواز الأخذ إلّا أن الوضع لا يكون محرماً مطلقاً بل مع الدخول في المسجد فقط. هذا كله فيما يرد على الماتن (قدس سره).

تحقيق في أصل المسألة

و أمّا تحقيق أصل المطلب فالصحيح أن حرمة الوضع و جواز الأخذ مستندان إلى ذاتيهما، و ذلك لأنه الظاهر من صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم (1)، لأنه (عليه السلام) قد بيّن حكم الدخول قبل ذلك و أنه محرم إلّا على نحو الاجتياز ثمّ بيّن جواز الأخذ و حرمة الوضع، فمنه يظهر أن جواز الأخذ ليس من جهة جواز الدخول و كذا حرمة الوضع ليست مستندة إلى حرمة الدخول، لتقدّم حكم الدخول حرمة و جوازاً فلا وجه لإعادته، فليس حرمة أحدهما و جواز الآخر إلّا مستندين إلى أنفسهما، و به يصح الحكم بحرمة الوضع مطلقاً و إن كان من غير دخول، و لكن لا بدّ أيضاً من الحكم بحرمة الدخول و عدم جوازه لأجل الأخذ، لأن جوازه غير مستند إلى جواز الدخول هذا.

ثمّ إن في رواية علي بن إبراهيم القمي عن الصادق (عليه السلام) أن «الحائض و الجنب يضعان فيه الشي‌ء و لا يأخذان منه، فقلت: ما بالهما يضعان فيه و لا يأخذان منه؟ فقال: لأنهما يقدران على وضع الشي‌ء فيه من غير دخول و لا يقدران على أخذ‌

____________

(1) الوسائل 2: 213/ أبواب الجنابة ب 17 ح 2.

320

و المشاهد كالمساجد (1) في حرمة المكث فيها (1).

____________

ما فيه حتى يدخلا» (2) و هي كما ترى عكس الأخبار المجوزة للأخذ و المحرمة للوضع في المسجد، حيث دلّت على جواز الوضع و حرمة الأخذ معللة بأن الوضع في المسجد لا يستلزم الدخول فيه فلا يكون حراماً، لأن المحرّم هو الدخول، فليضع الشي‌ء فيه من الخارج، إلّا أنّ الأخذ منه لا يمكن بغير الدخول فيحرم لحرمة الدخول. و هي و إن كانت مؤكدة لما ذكرناه من أن جواز الأخذ لا يستلزم جواز الدخول في المسجد إلّا أنها من جهة حكمها بجواز الوضع مخالفة لما قدّمناه. و الذي يسهل الخطب أن الرواية مرسلة و لا ندري أن الواسطة أي شخص فلا تنهض حجّة في مقابل الأخبار المتقدِّمة.

إلحاق المشاهد بالمساجد

(1) هل المشاهد المشرفة تلحق بالمسجدين فيحرم المكث و المرور فيها و لو بعنوان الاجتياز، أو أنها ملحقة بسائر المساجد فيحرم فيها المكث دون الاجتياز، أو لا تلحق بهما و لا بسائر المساجد فلا مانع من المكث و الاجتياز فيها؟ ذهب جماعة إلى إلحاقها بالمساجد لوجوه:

منها: أن روح المسجدية و حقيقتها التي هي شرافة المكان و كونه محلا للعبادة و التقرب إلى اللّٰه سبحانه متحققة في المشاهد على نحو أتم، فيأتي فيها أحكام المسجد من حرمة المكث و غيرها لا محالة. و فيه: أن حرمة المكث و الدخول تترتب في ظواهر الأدلّة على عنوان المسجد لا على معنى المسجد و روحه، فتسرية أحكام المسجد إلى ما فيه روحه و حقيقته يحتاج إلى دليل.

و منها: أن ترك مكث الجنب و دخوله فيها من تعظيم شعائر اللّٰه و قد قال اللّٰه‌

____________

(1) على المشهور الموافق للاحتياط.

(2) الوسائل 2: 213/ أبواب الجنابة ب 17 ح 3.

321

..........

____________

سبحانه إن تعظيمها من تقوى القلوب (1). و يدفعه: أن التعظيم بما له من المراتب المختلفة مما لا دليل على وجوبه، نعم هو مستحب، و إنما يحرم الهتك فقط، فإذا لزم من دخول الجنب و مكثه في المشاهد هتك فنلتزم بحرمته و بذلك يتصف تعظيمها بالوجوب و لكن بالعرض و المجاز، فإن الحرمة متعلقة بالهتك و تركه يستلزم التعظيم و الهتك قد يكون و قد لا يكون، بل ربّما يكون دخول الجنب المشاهد مصداقاً للتعظيم و الإجلال، كما إذا كان الوقت ضيقاً و لم يتمكن المسافر من الاغتسال لخروج القافلة و نحوه فدخل للزيارة و هو جنب، فإنه في الحقيقة تعظيم و ليس من الهتك في شي‌ء.

و منها: الأخبار الناهية عن دخول الجنب بيوت الأنبياء، منها: ما عن جابر الجعفي عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه «قال: أقبل أعرابي إلى المدينة فلما قرب المدينة خضخض و دخل على الحسين (عليه السلام) و هو جنب، فقال له: يا أعرابي أما تستحيي اللّٰه تدخل على إمامك و أنت جنب، ثمّ قال: أنتم معاشر العرب إذا خلوتم خضخضتم ...» الحديث (2) و غيره من الروايات الضعاف و المرسلة (3). و العمدة فيها روايتان:

إحداهما: صحيحة محمّد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن أبي طالب يعني عبد اللّٰه بن الصلت عن بكر بن محمّد، قال: «خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فلحقنا أبو بصير خارجاً من زقاق و هو جنب و نحن لا نعلم حتى دخلنا على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: فرفع رأسه إلى أبي بصير فقال: يا أبا محمّد أما تعلم أنه لا ينبغي لجنب أن يدخل بيوت الأنبياء؟ قال: فرجع أبو بصير و دخلنا» (4).

الثانية: هي هذه الرواية التي رواها الحميري في قرب الإسناد عن أحمد بن‌

____________

(1) هذا مضمون ما في سورة الحج 22: 32.

(2) الوسائل 2: 193/ أبواب الجنابة ب 7 ح 24، 212/ أبواب الجنابة ب 16 ح 4.

(3) الوسائل 2: 211/ أبواب الجنابة ب 16، فان جميعها مذكورة فيها.

(4) الوسائل 2: 211/ أبواب الجنابة ب 16 ح 1. بصائر الدرجات: 261.

322

..........

____________

إسحاق عن بكر بن محمّد الأزدي (1). فقد دلّتنا هذه الأخبار على أن دخول الجنب المشاهد محرّم، إذ لا فرق بين أحيائهم و أمواتهم.

و يتوجّه على الاستدلال بهذه الأخبار أن ما كانت دلالته منها تامّة على المدعى ضعيفة السند كرواية الجعفي و المفيد و علي بن عيسى في (كشف الغمة) و الكشي في رجاله (2)، فإنّ النهي فيها عن دخول الجنب على الإمام (عليه السلام) أو بيوت الأنبياء أو غضبه (عليهم السلام) و إن كان ظاهراً في حرمة دخول الجنب على الإمام (عليه السلام) إلّا أنها ضعاف بالإرسال. و ما كان بحسب السند معتبراً كالروايتين المتقدّمتين غير تامّة بحسب الدلالة، و ذلك لأنه بناءً على أن كلمة «لا ينبغي» ظاهرة في الكراهة كما هو المعروف بينهم فعدم دلالتهما على الحرمة في غاية الوضوح، و أما بناءً على ما استظهرناه من أنها بمعنى لا يتيسر و لا يتمكن و أن معنى لا ينبغي لك أي لا تتمكن منه، و حيث إنه متمكن منه تكويناً فتكون ظاهرة في عدم التمكن شرعاً و تشريعاً و هو معنى الحرمة. فالروايتان في نفسيهما و إن كانتا ظاهرتين في الحرمة إلّا أن هناك قرينتين على عدم إرادة ظاهر تلك اللفظة في خصوص الروايتين:

إحداهما: أن أبا بصير إنما كان بصدد الاختبار كما شهد به بعض الأخبار الواردة في المسألة أعني رواية كشف الغمة، حيث صرح فيها أبو بصير بكونه بصدد الامتحان و الاختبار، و كان الإمام (عليه السلام) في مقام الإعجاز و الإخبار عن أمر واقعي و لم يكن بصدد بيان الحرمة و الحلية، فقوله: «لا ينبغي» و هو في هذا المقام لا يلائم أدنى مرتبة الكراهة فضلًا عن الكراهة التامّة فلا نستفيد منها الحرمة بتلك القرينة، حيث يحتمل إرادة الكراهة منها حينئذ لعدم منافاتها مع كلمة لا ينبغي.

و ثانيتهما: أنا نقطع بدخول الجنب على الأئمة (عليهم السلام) في أسفارهم و مجالسهم العامّة كجلوسهم في الأعياد و غيرها، للعلم الوجداني بعدم خلو جميعهم‌

____________

(1) المصدر المتقدّم، كذا قرب الاسناد: 43/ 140.

(2) راجع الوسائل 2: 211/ أبواب الجنابة ب 16، فان جميعها مذكورة فيها، الإرشاد 2: 185، كشف الغمّة 2: 188، رجال الكشي: 170/ 288.

323

..........

____________

عن الجنابة، لعدم مبالاة أكثر الناس بالدين أو من باب المصادفة و نحوها، و مع هذا كلّه لم يرد في شي‌ء من الأخبار و لا سمعنا أحداً يقول إن الإمام أمر بخروج أحد أو منع أحداً عن الدخول لأنه جنب، و لم يرد ذلك إلّا فيما رووه عن أبي بصير. و من الواضح أن ذلك لو كان محرماً لشاع و ذاع و انتشر و وصلنا بالتواتر و شبهه لكثرة ابتلاء الناس بذلك، و لما انحصرت الرواية بأبي بصير، و هذه أيضاً قرينة على عدم حرمة الدخول على الأئمة جنباً و بذلك تحمل الرواية على الكراهة.

نعم لو قلنا بحرمته و تمّت دلالة الأخبار و سندها لم يمكن المناقشة في ذلك بالنقض بأزواجهم و أولادهم و جواريهم و خدمهم، حيث إنهم في بيوت الأئمة (عليهم السلام) و كانوا يحتلمون أو يجنبون يقيناً و لم يرد في رواية أمرهم بإخراج الجنب منهم عن البيت و منعه عن الدخول فيه. و الوجه في عدم ورود النقض بذلك أن المحرّم على ما يستفاد من الروايات دخول الجنب من الخارج عليهم أو في بيوتهم، و أما من صار جنباً في بيتهم (عليهم السلام) فهو ممن لا تشمله هذه الأخبار قطعاً. و لكنك عرفت أن الأخبار غير تامّة أمّا سنداً و إمّا بحسب الدلالة فلا دليل على حرمة دخول الجنب المشاهد المشرفة هذا كلّه.

مضافاً إلى أن المحرّم إنما هو الدخول في بيت الأنبياء و أولادهم من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فإنهم أولاد النبي فبيتهم بيت النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فانّ هذا هو المستفاد من الأخبار الواردة في المسألة، و ظاهر هذا العنوان إرادة ما هو بيت مضاف إلى النبي أو الأئمة بالفعل، و نعني بذلك أن يكون البيت مضافاً إليهم إضافة ظرفية بأن يكون البيت ظرفاً لوجودهم بالفعل، لوضوح عدم كفاية الإضافة الملكية في ذلك حيث إن الإمام إذا كان له بيت استأجره أحد لا يمكن منع المستأجر عن دخوله الدار المستأجرة من جهة أنها دار الصادق (عليه السلام) مثلًا، فلا محيص من إرادة الإضافة الظرفية و أن البيت الذي هو ظرف لوجوده (عليه السلام) يحرم أن يدخل فيه الجنب و ذلك من جهة وجوده لا لأجل البيت، و من هنا ورد في قضية الأعرابي: «تدخل على إمامك و أنت جنب». فإذا كان الأمر كذلك فلا تشمل الأخبار المشاهد‌

324

..........

____________

المشرفة بوجه، و ذلك لعدم كونها ظرفاً لوجودهم بل ظرفاً لزيارتهم و العبادة فيها و لا يُقال إنها بيت فيه الإمام بل هي بيت دفن فيه الإمام. و كون أمواتهم كاحيائهم مرزوقون عند ربّهم و إن كان صحيحاً إلّا أن الحكم مترتب على عنوان لا يشمل ذلك العنوان البيوت التي دفنوا فيها، حيث لا تضاف البيوت إليهم إضافة ظرفية لوجودهم و لا يُقال إنها بيت فيه الإمام بل إنها بيت فيه قبره (عليه السلام).

فتحصل: أن الأخبار أيضاً كالوجهين السابقين و لا دلالة فيها على حرمة دخول الجنب المشاهد، و لا سيما أن الجنب في بعضها كان جنباً عن الحرام و الاستمناء، كما في رواية جابر الجعفي المشتملة على قضية الأعرابي، و يحتمل أن يكون منعه (عليه السلام) ناظراً إلى تلك الجهة لا إلى جهة حرمة دخول مطلق الجنب. هذا و لكنه مع ذلك لا يمكن الجزم بالجواز، لذهاب جماعة إلى الحرمة، و لكن الحرمة لو تمّت و ثبتت تختص بالحرم و لا تعمّ الرواق، لعدم كونه بيتاً فيه الإمام أو فيه قبره و إنما هو بيت محيط بذلك البيت.

ثمّ إن ظواهر الأخبار على تقدير تماميتها أن طبيعي دخول الجنب بيوت الأنبياء مبغوض محرم بلا فرق في ذلك بين المكث و الاجتياز، فيكون حالها حال المسجدين لا كسائر المساجد، فلو كانت الأخبار تامّة لزمنا الحكم بحرمة مطلق الدخول و لو كان على نحو الاجتياز، فما عن صاحب الحدائق (قدس سره) من أن منعه (عليه السلام) لعله كان مستنداً إلى علمه بلبث أبي بصير و مكثه عنده (1) ممّا لا وجه له، حيث إن علمه الخارجي بلبث أحد لا يقتضي الحكم بالحرمة على نحو الإطلاق.

كما أنّ دخول الجنب المشاهد المشرفة لو كان مستلزماً للهتك لحرم بلا كلام، سواء تمّت الأخبار المتقدّمة دلالة و سنداً أم لم تتم، بل الهتك في المشاهد أعظم من الهتك في‌

____________

(1) الحدائق 3: 54.

325

[الرّابع: الدخول في المساجد بقصد وضع شي‌ء فيها]

الرّابع: الدخول في المساجد بقصد وضع شي‌ء فيها بل مطلق الوضع فيها و إن كان من الخارج أو في حال العبور (1).

[الخامس: قراءة سور العزائم]

الخامس: قراءة سور العزائم و هي سورة اقرأ و النّجم و الم تنزيل و حم السجدة، و إن كان بعض واحدة منها (2)، بل البسملة أو

____________

المساجد، لأن الهتك في المشاهد إنما هو بعنوان كونها مزاراً و معبداً فيوجب هتكها هتك المعابد كلّها حتى المساجد لأنها مما ينطبق عليه عنوان المعابد.

الرّابع من المحرّمات: دخول المسجد بقصد الوضع

(1) قدّمنا أن الوضع محرّم في نفسه لا من جهة حرمة الدخول (1)، فلو وضع فيه شيئاً من الخارج ارتكب محرماً، كما لا محالة أنه لو وضعه فيه بالدخول ارتكب محرّمين، و لكن الأخذ جائز. و الفارق ما ورد في النصوص من أن الجنب لا يتمكّن من أخذ ما في المسجد إلّا من المسجد و لكنه يتمكّن من الوضع في غير المسجد (2). و قد نقل العلّامة (3) و صاحب مفتاح الكرامة (4) عن سلّار القول بكراهة الوضع في المساجد، و الظاهر أن مخالفته إنما هي في حرمة الوضع، و ما تقدّم نقله من بعضهم عن سلّار من ذهابه إلى كراهة مكث الجنب في المساجد لعلّه اشتباه.

الخامس من المحرّمات: قراءة العزائم

(2) هل يحرم على الجنب قراءة آية السجدة فحسب و لا مانع من قراءته لغيرها من الآيات أو يحرم عليه كل بعض من السور حتى البسملة بقصد إحداها بل بعض البسملة أيضا؟

____________

(1) في ص 319.

(2) راجع الوسائل 2: 213/ أبواب الجنابة ب 17.

(3) المختلف 1: 171/ 117.

(4) مفتاح الكرامة 1: 324.

326

بعضها بقصد إحداها على الأحوط، لكن الأقوى اختصاص الحرمة بقراءة آيات السّجدة منها.

____________

قد ورد في جملة من الأخبار أن الجنب و الحائض و النفساء يقرءون القرآن إلّا السّجدة (1). و السجدة إمّا أن نقول بظهورها في كونها اسماً للآية فحسب بقرينة ما ورد من: الحائض تسمع السجدة أو المصلِّي لا يقرأ السّجدة، حيث أُريد بهما نفس الآية المباركة، فعليه فالأمر واضح، حيث تختص الحرمة بقراءة الآية فقط و لا تعم قراءة البسملة أو غيرها من أجزاء السور الأربع. و إما أن نقول بأنها على معناها اللغوي و حيث لا معنى لاستثناء السجدة عن القراءة لأنها فعل من الأفعال و أمر غير قابل للقراءة فلا مناص من أن يقدر فيها شي‌ء، و هو إما أن تكون كلمة السورة أي إلّا سورة السجدة و إما أن تكون كلمة الآية أي إلّا آية السجدة، و حيث إنه لا قرينة على تعينها فتصبح الرواية مجملة، و لا مناص من الأخذ بالمقدار المتيقن منها و هو خصوص الآية، و يرجع في غيرها إلى إطلاق ما دلّ على أن الجنب يقرأ القرآن أو إلى الأصل، و النتيجة اختصاص حرمة القراءة على الجنب بخصوص الآية دون غيرها من أجزاء سور العزائم هذا.

و لكن المحقق (2) روى عن البزنطي في كتابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه يجوز للجنب و الحائض أن يقرءا ما شاءا من القرآن إلّا سور العزائم الأربع و هي اقرأ باسم ربّك و النجم و تنزيل السجدة و حم السجدة، و قال بعد ذلك: روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصّيقل (3). و هذه الرواية لو تمّت سنداً و دلالة لكانت مبيّنة لإجمال الروايات المتقدّمة و دالّة على أن المراد بالسجدة هو سورة السّجدة، إلّا أنها غير تامّة سنداً، لأنّ المثنّى بن الوليد و إن أمكن أن يقال بحسنه و إدراجه في‌

____________

(1) الوسائل 2: 215/ أبواب الجنابة ب 19 ح 4، 7، 11.

(2) المعتبر 1: 187.

(3) الوسائل 2: 218/ أبواب الجنابة ب 19 ح 11.

327

[و هنا مسائل متعلقة بما يحرم على الجنب]

[مسألة 1: من نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما]

[652] مسألة 1: من نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما (1) أو في

____________

الحسان، لما حكاه الكشي عن علي بن الحسن بن فضال من أنه لا بأس به (1) إلّا أن حسن الصيقل ممّن لم يرد توثيقه في شي‌ء من الكتب فالرواية ضعيفة لا محالة.

و دعوى أن البزنطي من أصحاب الإجماع حيث أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنه فلا ينظر إلى من وقع بعده في سلسلة السند، من الدعاوي لا مثبت لها، و غاية الأمر أن يقال إنّ رواية البزنطي عن المثنى تدلّ على توثيقه و أما أن الحسن الصيقل أيضاً تعتبر روايته فهو ممّا لا دليل عليه، هذا كلّه.

مضافاً إلى أنّ دلالتها أيضاً قابلة للمناقشة، و ذلك لأنّ السورة ليست كالقرآن فإنه كلفظة الماء له إطلاقان، فقد يطلق و يراده به الجميع و أُخرى يطلق و يراد به البعض فان كل قطعة من كل آية قرآن، فهو اسم للطبيعي النازل من اللّٰه سبحانه يطلق على كل جزء. و أمّا السورة فهي اسم لمجموع الآيات و لا يطلق على البعض. فالرواية على تقدير اعتبارها إنما تدلّ على حرمة قراءة المجموع و أما حرمة قراءة البعض منها فلا، و معه يصح استثناء قراءة خصوص الآية، حيث يمكن أن تكون حرمة قراءة السورة مستندة إلى حرمة قراءة خصوص تلك الآية، كما هو الحال فيما ورد من نهي قراءة المصلِّي العزائم لما فيها من السجدة، لأن الحرمة في قراءة المصلِّي مستندة إلى خصوص تلك الآية لا أن المحرّم هو المجموع.

فالمتحصل: أن ما أفاده الماتن (قدس سره) من حرمة قراءة خصوص الآية على الجنب وفاقاً لغيره من الفقهاء هو الصحيح.

من احتلم أو أجنب في أحد المسجدين

(1) إذا نام في أحد المسجدين و احتلم وجب عليه التيمم للخروج. و هذا متسالم عليه بين الأصحاب (قدس سرهم) و لم ينقل فيه خلاف إلّا عن ابن حمزة في‌

____________

(1) رجال الكشي: 338/ 623.

328

الخارج و دخل فيهما عمداً أو سهواً أو جهلًا وجب عليه التيمم للخروج، إلّا أن يكون زمان الخروج أقصر من المكث للتيمم فيخرج من غير تيمم أو كان زمان الغسل فيهما مساوياً أو أقل من زمان التيمم فيغتسل حينئذ.

____________

الوسيلة حيث جعل التيمم حينئذ ندبا (1). و يدلّ على وجوب التيمم صحيحة أبي حمزة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الرجل نائماً في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمرّ في المسجد إلّا متيمماً، و لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد، و لا يجلس في شي‌ء من المساجد» (2) و رواه الشيخ بإسناد صحيح (3). و لم يظهر الوجه فيما نسب إلى ابن حمزة (قدس سره) في وسيلته مع دلالة النص الصحيح على وجوب التيمم. و كيف كان، فالمسألة مما لا إشكال فيه و إنما الكلام في خصوصيات المسألة و جهاتها.

عدم اختصاص الحكم بالنوم و الاحتلام في المسجدين

الجهة الأُولى: هل يختص وجوب التيمم بمن نام في المسجدين و احتلم أو يعمّ كل من كان جنباً في المسجدين و لو بغير النوم و الاحتلام، كما إذا أجنب نفسه في المسجدين أو كان جنباً فدخلهما عصياناً أو غفلة و نسياناً؟ الظاهر المستفاد من الصحيحة بحسب المتفاهم العرفي و لو بمناسبة الحكم و الموضوع أن وجوب التيمم حكم لطبيعي الجنابة في المسجدين من دون اختصاصه بالنوم و الاحتلام. و يؤيده ما في ذيل الصحيحة «و لا يمرّ في المسجد إلّا متيمماً، و لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد و لا يجلس في شي‌ء من المساجد» لأنها من أحكام مطلق الجنب دون خصوص المحتلم بالنوم.

____________

(1) الوسيلة: 70.

(2) الوسائل 2: 206/ أبواب الجنابة ب 15 ح 6.

(3) التهذيب 1: 407/ 1280.

329

..........

هل الحكم تعبّدي في المسجدين؟

____________

الجهة الثانية: هل وجوب التيمم حكم تعبدي ثبت للجنب في المسجدين سواء كان متمكناً من الاغتسال فيهما من دون استلزامه تلويث المسجدين و تنجيسهما أم لم يكن، أو أنه حكم ثابت له على القاعدة فلا محالة يختص بمن لم يتمكن من الاغتسال فيهما من غير تنجيسهما؟ و التحقيق هو الثاني، و ذلك لأن التيمم حكم المضطر، و لا اضطرار للجنب مع التمكن من الغسل في المسجدين من دون أن يستلزم ذلك تنجيس المسجدين و تلويثهما، و لا سيما إذا كان زمان الاغتسال مساوياً مع زمان التيمم أو أقصر. و إنما حكم في الصحيحة بوجوب التيمم مطلقاً من جهة أن الغالب في تلك الأزمنة عدم تمكن المكلّف من الغسل في المسجدين من غير استلزامه تنجيسهما و تلويثهما، إذ لم يكن فيهما حوض و لا الأنابيب الدارجة اليوم، فمع التمكّن من الغسل لا يجب عليه التيمم بل لا يسوغ.

هل الحكم يتمّ ما إذا كان زمان التيمم أكثر؟

الجهة الثالثة: هل الحكم بوجوب التيمم يعمّ ما إذا كان زمان التيمم أكثر من زمان الخروج، كما إذا كان نائماً خلف باب المسجدين، فإنه يتمكن من الخروج عنهما في دقيقة واحدة و لكنّه لو تيمم طال ذلك دقيقتين أو أكثر، أو يختص بما إذا كان زمان التيمم أقصر من زمان الخروج و إلّا فلا يجب عليه التيمم بل لا يسوغ؟

مقتضى الجمود على ظاهر الصحيحة عدم الفرق بين الصورتين، إلّا أن الصحيح عدم جوازه عند كون زمانه أكثر من زمان الخروج، و ذلك لأنّا إذا فرضنا زمان الخروج دقيقة واحدة مثلًا و زمان التيمم دقيقتين، فالمكلف بالإضافة إلى الدقيقة الواحدة المشتركة بين التيمم و الخروج مضطر إلى البقاء في المسجدين جنباً فلا إشكال في جواز بقائه فيها كذلك للاضطرار، و أمّا الدقيقة الثانية التي يستلزمها التيمم فلا اضطرار له إلى البقاء فيها في المسجدين، إذ له أن يخرج جنباً، و هو لا يستلزم غير الكون فيهما دقيقة واحدة فما المسوغ لبقائه فيهما في الدقيقة الثانية جنبا.

330

..........

____________

اللّٰهمّ إلّا أن يدعى أن حرمة الخروج و الاجتياز جنباً أهم عند الشارع من حرمة المكث فيهما جنباً، فمن هذا جاز له المكث فيهما جنباً في الدقيقة الثانية لئلا يرتكب المحرّم الأهم أعني الاجتياز و الخروج عنهما و هو جنب. و لكن يرده أنّا لو لم ندع أهميّة حرمة المكث فيهما جنباً من حرمة الاجتياز و الخروج عنهما في حالة الجنابة بملاحظة حال سائر المساجد، إذ نرى أن مكث الجنب فيها محرم و اجتيازه عنها غير محرم و هذا كاشف عن أهميّة حرمة المكث من حرمة الخروج و الاجتياز فلا أقل يمكننا أن لا ندعي أهميّة حرمة الاجتياز من حرمة المكث جنباً، و عليه فلا يجب عليه التيمم حينئذ، بل لا يجوز لأنه مكث في المسجدين جنباً من غير ضرورة إليه.

إذا كان زمان التيمم و الخروج متساويين

الجهة الرابعة: إذا كان زمان التيمم و الخروج متساويين من حيث الطول و القصر فهل يجب عليه التيمم حينئذ للخروج، أو أنه يتخير بينه و بين الخروج من غير تيمم؟ قد يقال بوجوب التيمم أخذاً بظاهر الصحيحة و جموداً على ظاهرها، و قد يقال بالتخيير لأنه مضطر إلى البقاء في المسجدين بمقدار دقيقة واحدة مثلًا، سواء خرج من غير تيمم أو تيمم فيهما لتساوي زمانهما، و حيث أن طرفي الاضطرار على حدّ سواء فيحكم بتخيير المكلّف بينهما.

و الصحيح لا هذا و لا ذاك، بل يتعين عليه الخروج من غير تيمم، و ذلك لأنه و إن كان مضطراً إلى البقاء دقيقة واحدة إلّا أنه إذا خرج في تلك الدقيقة فهو، و أما إذا لم يخرج و تيمم في تلك الدقيقة فهو بعدها يحتاج إلى دقيقة ثانية حتى يخرج فيها عن المسجدين، و هو مكث أو اجتياز في المسجدين جنباً و هو حرام. و التيمم غير مسوغ في حقه لأنه وظيفة المضطر و لا اضطرار له إلى التيمم ليكفيه في الدقيقة الثانية، إذ له أن يخرج في الدقيقة الأُولى عن المسجدين من غير حاجة إلى التيمم في ذلك، و التيمم من غير ضرورة غير مسوغ للاجتياز، و من هنا لو كان جنباً في خارج المسجد لم يكن له أن يتيمم و يجتاز عنهما، إذ لا ضرورة له إلى الاجتياز، و الأمر في المقام أيضاً‌

331

و كذا حال الحائض و النفساء (1) (1).

____________

كذلك فإنه لا اضطرار له إلى التيمم حتى يكفيه في الدقيقة الثانية، نعم لو تيمم اضطر في الدقيقة الثانية إلّا أنه اضطرار حاصل بسوء الاختيار، إذ كان له أن يخرج في الدقيقة الاولى. و تعجيز النفس متعمداً أمر غير سائغ بل مفوت للغرض، نظير اضطرار من توسط في الدار المغصوبة إلى الخروج عنها فإنه اضطرار نشأ من سوء اختياره.

فالمتحصل: أن الخروج جنباً هو المتعيّن في المسألة هذا كلّه. مضافاً إلى ما قدّمناه من عدم احتمال أهميّة حرمة الخروج و الاجتياز جنباً من حرمة المكث فيهما جنباً، بل الثانية أهم، و لا أقل من تساويهما و معه لا يبقى مجال للتخيير، فان تيممه معجز و مفوت للغرض، و ليست حرمة الخروج جنباً أهم من حرمة المكث كذلك فيتعيّن عليه الخروج جنبا.

حكم الحائض و النفساء

(1) قد يقع الكلام في من له حدث الحيض أو النفاس مع انقطاع دمها بالفعل، كما إذا حاضت و بعد انقطاع دمها دخلت المسجدين أو طرأ عليها النفاس في دقيقة واحدة فإن أقل النفاس لا حدّ له و ارتفع أي انقطع دمها، و أُخرى يتكلّم في الحائض و النفساء مع جريان دمهما من غير انقطاع.

أمّا إذا انقطع دمهما فلا ينبغي الإشكال في أن حكمهما حكم الجنب فيجب عليهما التيمم و الخروج عن المسجدين. و يدلّ عليه صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قالا قلنا له: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين، إن اللّٰه تبارك و تعالى يقول:

____________

(1) هذا بعد انقطاع الحيض و النفاس، و أمّا قبله فيجب عليهما الخروج فوراً بلا تيمم، و أمّا المرفوعة الآمرة بتيمم من حاضت في المسجد فهي لضعف سندها لا تصلح لإفادة الاستحباب أيضاً حتى بناء على قاعدة التسامح.

332

..........

____________

وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (1) حيث استشهد بالآية الواردة في الجنب على حرمة مكث الحائض و دخولها في المسجد، فمنه يظهر أن الجنابة لا اختصاص لها في الأحكام المتقدِّمة، و إلّا لم يكن وجه للاستشهاد بالآية على حرمة دخول الحائض المسجد، فيجب عليها التيمم و الخروج من المسجدين على التفصيل المتقدّم في الجنب. هذا كلّه في الحائض.

و أما النفساء فلم يرد في حرمة دخولها المسجد أو في وجوب تيممها للخروج إذا نفست في المسجدين رواية، إلّا أن الإجماع القطعي قام على أن النفساء حكمها حكم الحائض فيجب عليها ما يجب على الحائض، فيجب أن تتيمم في المسجدين للخروج إذا نفست في المسجدين. و يمكن الاستئناس لوحدة حكمهما بما ورد من أن النفاس حيض محتبس و خرج بعد احتباسه (2) و هذا ليس برواية في نفسه، و إنما استفيد ممّا ورد في حيض الحامل من أن حيضها يحبس لرزق ولدها (3) كما ذكره الهمداني (قدس سره) (4)، و ما ورد في أن حكم الحائض حكم النفساء (5)، و ما ورد في قصة أسماء بنت عميس حيث نفست في سفرها و أمرها النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) بأن تعمل عمل الحائض. و مورد الاستدلال روايتان:

إحداهما: موثقة إسحاق قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحائض تسعى بين الصفا و المروة، فقال: إي لعمري قد أمر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أسماء بنت عميس فاغتسلت و استثفرت و طافت بين الصفا و المروة» (6) إذ لو لم يكن‌

____________

(1) الوسائل 2: 207/ أبواب الجنابة ب 15 ح 10.

(2) ما وجدنا رواية بعين هذه الألفاظ. و يمكن استفادة مضمونها من الوسائل 2: 333/ أبواب الحيض ب 30 ح 12، 13. و ذكرت الأخيرة أيضاً في المستدرك عن الجعفريات 2: 25/ أبواب الحيض ب 25 ح 7، 2: 48/ أبواب النفاس ب 2 ح 1.

(3) الوسائل 2: 333/ أبواب الحيض ب 30 ح 13، 14.

(4) مصباح الفقيه (الطّهارة): 343/ السطر 22.

(5) الوسائل 2: 373/ أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

(6) الوسائل 13: 460/ أبواب الطواف ب 89 ح 3.

333

..........

____________

حكم الحائض متحداً مع حكم النفساء لم يكن وجه للجواب بجواز السعي على النفساء عند السؤال عن جوازه للحائض، فإنّ أسماء إنما كانت نفساء لا حائضا.

ثانيتهما: صحيحة عيص بن القاسم، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المستحاضة تحرم، فذكر أسماء بنت عميس فقال: إن أسماء بنت عميس ولدت محمّداً ابنها بالبيداء و كان في ولادتها بركة للنساء لمن ولدت منهنّ، أن طمثت فأمرها رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فاستثفرت و تمنطقت بمنطق و أحرمت» (1). فلو لم يكن حكم المستحاضة و الحائض هو حكم النفساء بعينه لم يكن لبيان حكم النفساء عند السؤال عن حكم المستحاضة و لا لكون ولادة أسماء التي هي النفساء بركة على من طمثت أي حاضت من النساء وجه صحيح.

و أمّا إذا لم ينقطع دمهما فقد ورد في رواية أبي حمزة المروية بطريق الكليني في الكافي: «و كذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك» (2) بعد الحكم بأن من نام في المسجدين و احتلم يتيمم لخروجه. إلّا أنها مرفوعة حيث رفعها محمّد بن يحيى إلى أبي حمزة. و أمّا روايته الصحيحة التي رواها الشيخ (قدس سره) فهي غير مشتملة على جملة «و كذلك الحائض إذا أصابها الحيض» على ما قدّمنا نقلها في أوّل المسألة فليراجع (3)، و من هنا لا يمكن الاعتماد عليها في المقام، و بما أن عمل الأصحاب لم يجر على إلحاق الحائض بالجنب في ذلك فلا مجال لدعوى انجبار ضعفها بعملهم. و التيمم و إن كان رافعاً للحدث عند الاضطرار إلّا أنّ المورد ممّا لا يرتفع فيه الحدث بالاغتسال فضلًا عن التيمم، و ذلك لأن المفروض جريان دمها و عدم انقطاعه و معه لا فائدة في الغسل فضلًا عن التيمم، فاللّازم حينئذ وجوب الخروج عليهما في الفور و لا مرخص لابطائهما بقدر التيمم في المسجدين هذا.

و ذهب بعضهم إلى استحباب التيمم عليهما بقاعدة التسامح في أدلّة السنن فحكموا‌

____________

(1) الوسائل 12: 402/ أبواب الإحرام ب 49 ح 2.

(2) الوسائل 2: 205/ أبواب الجنابة ب 15 ح 3. الكافي 3: 73/ 14.

(3) ص 328.

334

[مسألة 2: لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب]

[653] مسألة 2: لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب و إن لم يصلّ فيه أحد و لم يبق آثار مسجديته (1)، نعم في مساجد الأراضي المفتوحة عنوة إذا ذهب آثار المسجديّة بالمرّة يمكن القول (1) بخروجها عنها، لأنها تابعة لآثارها و بنائها (2).

____________

باستحبابه في حقهما. و لا يخفى فساده، فإن قاعدة التسامح مما لم يثبت بدليل صحيح مضافاً إلى أنّا لو قلنا به فالمورد غير قابل له، فان المكث للمحدث في المسجدين محرم في نفسه و لو بمقدار زمان التيمم، فلو ورد في مثله رواية ضعيفة باستحبابه ساعة معيّنة مثلًا لم يمكننا رفع اليد عن دليل الحرمة بتلك الرواية الضعيفة، إذ لا يمكن الخروج عن الحكم الإلزامي إلّا بدليل معتبر، فلو ورد في رواية ضعيفة أن شرب الخمر في وقت كذا محلل سائغ مثلًا، لم يسعنا تصديقها و الحكم باستحباب شربها تسامحاً في أدلّة السنن. فالصحيح أنهما لا بدّ أن يخرجا من المسجد من غير تيمم.

التسوية في المساجد بين المعمور منها و الخراب

(1) لأن الحكم إنما يترتب على عنوان المسجد و لم يترتب على عنوان المعمور أو غيره، فالعمارة و غيرها مما لا مدخلية له في الحكم بحرمة الدخول، نعم ذكرنا في أحكام تنجيس المساجد أن عنوان المسجد إذا زال و تبدل عنواناً آخر بحيث لم يصدق أن المكان مسجد بالفعل لأنه بالفعل جادة أو نهر أو بحر أو حانوت مثلًا و إنما يقال إنه كان مسجداً سابقاً لم يترتب عليه شي‌ء من أحكام المساجد، لعدم بقاء موضوعه و عنوانه، و الأحكام إنما تترتب على عنوان المسجد و هو غير متحقق على الفرض، فترتفع أحكامه أيضاً لأنها تابعة لتحقق موضوعاتها.

حكم المساجد في الأراضي المفتوحة عنوة

(2) ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ في الأملاك الشخصيّة في الأراضي المفتوحة‌

____________

(1) لكنه ضعيف جدّاً.

335

[مسألة 3: إجراء حكم المسجد على المصلى المتخذ في البيت]

[654] مسألة 3: إذا عين الشخص في بيته مكاناً للصلاة و جعله مصلّى له لا يجري عليه حكم المسجد (1).

[مسألة 4: كل ما شك في كونه جزءاً من المسجد من صحنه و الحجرات التي فيه و منارته و حيطانه و نحو ذلك لا يجري عليه الحكم]

[655] مسألة 4: كل ما شك في كونه جزءاً من المسجد من صحنه و الحجرات التي فيه و منارته و حيطانه و نحو ذلك لا يجري عليه الحكم (2) و إن كان الأحوط الإجراء إلّا إذا علم خروجه منه.

[مسألة 5: الأولىٰ و الأحوط أن لا يقرأ آية السجدة من دعاء كميل]

[656] مسألة 5: الجنب إذا قرأ دعاء كميل الأولىٰ و الأحوط أن لا يقرأ منه أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ لأنه جزء من سورة حم السّجدة (1)، و كذا الحائض، و الأقوى جوازه (3) لما مرّ من أن المحرّم قراءة آيات

____________

عنوة، لأن الحكم بالملكيّة فيها إنما هو يتبع آثارها فان نفس الأرض ملك للمسلمين فإذا زالت الآثار و البناء ارتفعت الملكيّة لا محالة، و لا يتمّ في المساجد بوجه، لأن وقف المسجد تحرير الأرض و إخراج لها عن علاقة المالكيّة، كتحرير العبد و إزالة العلقة الملكيّة عنه، فإذا فرضنا أن وقف المسجد صحيح في نفسه في الأراضي المفتوحة عنوة بأن كان فيها آثارها و وقفها بآثارها مسجداً فلا تعود الأرض الحرّة رقاً و مملوكة للمسلمين أو لغيرهم و إن زالت عنها آثارها.

(1) لما مرّ من أن الأحكام مترتبة على عنوان المسجد و لم تترتب على عنوان المصلّى.

(2) و ذلك للبراءة أو لاستصحاب عدم صيرورته مسجداً، لأنه كان في زمان و لم يكن مسجداً و الأصل بقاؤه على حالته السابقة، اللّٰهمّ إلّا أن تكون هناك أمارة على المسجدية كمعاملة المسلمين معه معاملة المساجد فإنها تكفي في الحكم بالمسجدية و معها تترتب عليها أحكامها.

(3) لما مرّ منه (قدس سره) أن الأقوى اختصاص حرمة قراءة الجنب بآية‌

____________

(1) هذا من سهو القلم، و الآية إنما هي في سورة الم السجدة.

336

السجدة لا بقيّة السورة.

[مسألة 6: الأحوط عدم إدخال الجنب في المسجد و إن كان صبياً أو مجنوناً]

[657] مسألة 6: الأحوط عدم إدخال الجنب في المسجد و إن كان صبياً أو مجنوناً (1) أو جاهلًا بجنابة نفسه (1).

____________

السجدة، و في غيرها من بقيّة الآيات الأحوط ترك قراءتها كما أفاده.

إدخال الجنب غير المكلّف في المسجد

(1) إذا فرضنا حرمة العمل على جميع أفراد المكلفين و كان الفاعل بالمباشرة أيضاً محرماً في حقِّه فنستفيد من إطلاق تحريمه بالارتكاز أن الحرمة غير مختصّة باصداره بالمباشرة، بل المبغوض مطلق الانتساب تسبيبياً كان أم مباشرياً، فلو قال لا يدخل عليَّ أحد، فيستفاد من إطلاقه بالارتكاز أن انتساب الدخول إلى أحد مبغوض عنده بلا فرق بين انتسابه إليه بالمباشرة و انتسابه بالتسبيب.

و أمّا إذا فرضنا أنّ العامل بالمباشرة لا حرمة في حقه لجهله أو لعدم بلوغه أو لجنونه، فان استفدنا من الخارج أن العمل المحرّم مما اهتم به الشارع و لا يرضى بتحقّقه في الخارج على أية كيفية كان كما في مثل القتل و اللواط و الزنا و شرب الخمر و نحوهما، فلا يفرق أيضاً في حرمته بين إيجاده المباشري و التسبيبي، بل قد يجب الردع عنه كما في الأمثلة المذكورة، بل قد ثبت التعزير في بعض الموارد. و أما إذا لم يكن العمل صادراً من المباشر على الوجه المبغوض و الحرام لصغره أو لجنونه أو لجهله و لم يكن العمل ممّا اهتم الشارع بعدم تحققه في الخارج، فلا دليل في مثله على حرمة التسبيب، لأنه من التسبيب إلى المباح و لو بحسب الظاهر و ليس من التسبيب إلى الحرام، و هذا كما في شرب الماء النجس، فإنه لا مانع من تسبيب البالغ إلى شربه ممّن لا يحرم في حقه كما في المجنون و الصغير و نحوه، و الأمر في المقام أيضاً كذلك‌

____________

(1) لا بأس به في الصبي و المجنون.

337

[مسألة 7: لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته]

[658] مسألة 7: لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته (1) بل الإجارة فاسدة و لا يستحق اجرة، نعم لو استأجره مطلقاً، لكنّه كنس في حال جنابته و كان جاهلًا بأنه جنب أو ناسياً استحقّ الأُجرة، بخلاف ما إذا

____________

بالإضافة إلى الصبي و المجنون و الجاهل، لأن الدخول يصدر منهم على وجه حلال و ليس حرمته ممّا اهتم به الشارع فلا دليل على حرمة التسبيب في مثله.

صور استئجار الجنب لكنس المسجد

(1) صور المسألة ثلاث:

الاولى: ما إذا وقعت الإجارة على أمر مباح في نفسه و لكن مقدّمته كانت محرمة كما إذا استأجر الجنب لكنس المسجد حال جنابته، فانّ الكنس مباح في نفسه إلّا إن مقدّمته و هي دخوله المسجد محرمة و لا يحصل إلّا به.

الثانية: ما إذا وقعت الإجارة على أمر جامع بين الفرد المتوقف على مقدّمة محرمة و فرد آخر غير متوقف على مقدّمة محرّمة، كما إذا استأجر الجنب لكنس المسجد ساعة من غير تقييده بحالة الجنابة، و من الظاهر أن لكنسه فردين، فانّ كنسه في حالة الجنابة لا محالة يتوقف على المقدّمة المحرّمة و أن كنسه في غير حالة الجنابة لا يتوقف على الحرام.

الثالثة: ما إذا وقعت الإجارة على أمر محرم في نفسه كما إذا استأجر الجنب للمكث في المسجد جنبا.

الاولى من صور المسألة

أمّا الصورة الأُولى فإن كان الأجير جاهلًا بجنابته و حرمة دخوله المسجد فلا إشكال في صحّة إجارته، لأنها وقعت على أمر مباح في نفسه، كما أن مقدّمته مباحة‌

338

..........

____________

ظاهراً لجهل الأجير بجنابته فتصح إجارته و يستحق بذلك الأُجرة. و أما إذا كان عالماً بجنابته و حرمة دخوله المسجد فلا ينبغي الإشكال في بطلان الإجارة، لأنها و إن وقعت على أمر مباح إلّا أنه غير متمكن من تسليمه للمستأجر لتوقفه على أمر محرم شرعاً، و لا يجتمع النهي عنه مع الأمر بإتيانه من جهة الإجارة فتفسد.

و ذكر الماتن أن الأجير في هذه الصورة لا يستحق اجرة. و الظاهر أنه أراد بها الأُجرة المسمّاة، لأن الإجارة إذا بطلت لم يستحق الأجير أُجره المسمى قطعاً لفساد الإجارة، و أما اجرة المثل فلا، حيث إن العمل صدر بأمر من المستأجر فيضمن اجرة مثله، كما هو الحال في بقيّة موارد الإجارة الفاسدة.

الثانية من الصور

و أما الصورة الثانية فقد فصل فيها الماتن بين ما إذا كنس المسجد في حال جنابته و كان جاهلًا بأنه جنب أو ناسياً فيستحق الأُجرة، لعين ما مرّ في الصورة الأُولى عند جهل الأجير بجنابته، و بين ما إذا كنسه في حال الجنابة مع العلم بجنابته فحكم بعدم استحقاقه الأُجرة، لأنها اجرة على العمل المحرّم لحرمة مقدّمته، و لا يجوز أخذ الأُجرة على العمل المحرّم. و لا يمكن المساعدة عليه، لأن الأجير استحق الأُجرة بمجرد عقد الإجارة حيث وقعت على أمر جامع بين الفرد المحلل و غيره، و لا إشكال في صحّة الإجارة عليه، لأن الكنس بما هو أمر حلال، و الأُجرة إنما وقعت بإزاء الحلال دون الحرام. فلا فرق في صحّة الإجارة حينئذ بين صورتي العلم بالجنابة و الجهل بها و بها يستحق الأُجرة، و عمله الخارجي أجنبي عن الإجارة كما هو ظاهر.

الثالثة من الصور

أمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا وقعت الإجارة على أمر محرم في نفسه كما إذا استأجر الجنب للمكث في المسجد أو لوضع شي‌ء فيه، لما قدّمناه من أنه حرام في‌

339

..........

____________

نفسه أو استأجره للطواف أو لغير ذلك من المحرمات، فهل يحكم ببطلان الإجارة حينئذ مطلقاً، أو يحكم بصحّتها كذلك، أو يفصل بين صورتي الجهل و العلم؟ ذهب الماتن إلى بطلان الإجارة مطلقاً و حكم بعدم استحقاق الأجير الأُجرة لأنها من الأُجرة على الحرام هذا.

و لكن الصحيح أن يفصل بين صورتي العلم بالجنابة و الجهل بها، و ذلك لأن المحرّم قد يلغي الشارع ماليته كما في التغني و نحوه من الأفعال المحرمة لما ورد من أن اجرة المغنية سحت (1). ففي مثل تلك المحرمات تقع الإجارة باطلة بلا فرق بين صورتي العلم و الجهل بها، و ذلك لعدم ماليتها و ملكيّتها. و يستكشف ذلك من ملاحظة ما إذا اضطر أو أُكره أحد على التغني ساعة مثلًا، لأنه مع عدم حرمته حينئذ في حقّه لا يستحق أخذه الأُجرة على عمله، و ليس هذا إلّا من جهة أن العمل مما لا مالية له فأخذه الأُجرة على مثله أمر غير جائز لا محالة.

و لا ينتقض علينا بافتضاض البكر بالأصابع أو بالإدخال و بالدخول على الثيب إكراهاً فإنهما يوجبان ثبوت مهر المثل على المشهور و إن خالف الشيخ في ذلك، لأنا لو قلنا بثبوت مهر المثل بذلك مع الغض من دليله لأنه قابل للمناقشة فهو أمر آخر ليس بأُجرة للعمل بوجه، و كم فرق بين اجرة المثل لوطء امرأة و الاستفادة منها ساعة و بين مهر مثلها، لأنه مهرٌ مثل الزوجة الدائمية و إنما ثبت بالدليل، و هذا لا يدلّ على عدم إلغاء الشارع مالية العمل.

و أُخرى لا يلغي الشارع مالية المحرّم و إنما يمنع عن ارتكابه، و في مثله لا مانع من صحّة الإجارة إذا أمكنه تسليم العمل إلى المستأجر، و ذلك لأن الحرمة بما هي هي أعني الأمر الاعتباري غير منافية للملكيّة بوجه، فإذا أُكره أحد على فعله كما إذا أُكره الجنب على قراءة سور العزائم مدّة معيّنة فلا مانع من أن يأخذ عليها الأُجرة مع‌

____________

(1) الوسائل 17: 307/ أبواب ما يكتسب به ب 99 ح 17. و يدلّ على ذلك أيضاً أكثر الروايات المذكورة في باب 15.

340

كنس عالماً فإنّه لا يستحق لكونه حراماً (1) و لا يجوز أخذ الأُجرة على العمل المحرّم، و كذا الكلام في الحائض و النفساء. و لو كان الأجير جاهلًا أو كلاهما جاهلين في الصورة الأُولى أيضاً يستحق الأُجرة، لأن متعلق الإجارة و هو الكنس لا يكون حراماً، و إنّما الحرام الدخول و المكث، فلا يكون من باب أخذ الأُجرة على المحرّم، نعم لو استأجره على الدّخول أو المكث كانت الإجارة فاسدة و لا يستحق الأُجرة و لو كانا جاهلين (2)، لأنّهما محرّمان و لا يستحق الأُجرة على الحرام. و من ذلك ظهر أنّه لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحب كانت الإجارة فاسدة و لو مع الجهل، و كذا لو استأجره لقراءة العزائم فإنّ المتعلق فيهما هو نفس الفعل المحرّم، بخلاف الإجارة للكنس فإنّه ليس حراماً و إنّما المحرّم شي‌ء آخر و هو الدخول و المكث، فليس نفس المتعلق حراما.

____________

تمكنه من تسليم العمل إلى المستأجر. و بما أن المكلّف متمكن من تسليم العمل لجهله بجنابته و ذكرنا أن الحرمة بما هي غير منافية لأخذ الأُجرة فلا مانع من الحكم بصحّة الإجارة و استحقاق الأُجرة المسماة حينئذ.

نعم المستأجر العالم بجنابة الأجير لا يمكنه أن يستأجره و إن كان الأجير جاهلًا بجنابته، و ذلك لما مرّ من أن الحرمة المطلقة تقتضي بإطلاقها عدم الفرق بين إصدار العمل بالمباشرة و بين إصداره بالتسبيب لحرمته على الجميع، إلّا أن حرمة ذلك غير مستلزمة لبطلان الإجارة و عدم استحقاق الأجير الجاهل بجنابته الأُجرة المسمّاة.

____________

(1) الظاهر استحقاقه الأُجرة، فإنّ الكنس بما هو ليس بحرام و إنما الحرام مقدّمته.

(2) لا تبعد الصحّة و استحقاق الأُجرة مع جهل الأجير، فإنّ الحرمة إذا لم تكن منجزة لا تنافي اعتبار الملكيّة، و المفروض تحقق القدرة على التسليم من جهة الإباحة الظاهرية، نعم لا يجوز الاستئجار تكليفاً للمستأجر العالم بالحال لأنه تسبيب إلى الحرام الواقعي، و من ذلك يظهر الحال في الاستئجار للطواف المستحب أو لقراءة العزائم.

341

[مسألة 8: إذا كان جنباً و كان الماء في المسجد يجب عليه أن يتيمم]

[659] مسألة 8: إذا كان جنباً و كان الماء في المسجد يجب عليه أن يتيمم (1) و يدخل المسجد لأخذ الماء (1) أو الاغتسال فيه، و لا يبطل تيممه لوجدان هذا الماء

____________

و هذا بخلاف العالم بجنابته، فإن حرمة العمل و إن كانت بما هي غير منافية للملكيّة و لكن بما أنها مانعة عن تسليم العمل إلى المستأجر و موجبة لسلب القدرة عليه تقتضي بطلان الإجارة و عدم استحقاق الأُجرة على عمله، لعدم إمكان الجمع بين الأمر بالوفاء بالإجارة و تسليم العمل إلى المستأجر و بين النهي عن تسليمه لحرمته. و هذا هو الوجه في بطلان الإجارة في المحرّمات دون قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): إن اللّٰه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه لعدم ثبوته (2)، و لا رواية تحف العقول (3) لضعفها.

حكم دخول الجنب المسجد لأخذ الماء

(1) هذا كأنه للغفلة عمّا بنى (قدس سره) عليه في المسائل المتقدّمة من جواز دخول الجنب للمسجد لأخذ شي‌ء، فإنه يجوز حينئذ أن يدخل الجنب المسجد لأخذ الماء من غير أن يمكث فيه، نعم ناقشنا في ذلك سابقاً و قلنا إن حكمه بجواز دخول الجنب في المسجد للأخذ لا يلائم حكمه بحرمة الوضع في المسجد و لو من غير دخول لأنهما إمّا أن يلاحظا بأنفسهما فيحكم بجواز الأوّل و حرمة الثاني في نفسهما، و حينئذ يتمّ حكمه بحرمة الوضع و لو من غير دخول و لا يتمّ حكمه بجواز دخول المسجد‌

____________

(1) تقدّم منه (قدس سره) جواز دخول الجنب المسجد لأخذ شي‌ء منه، و عليه فلا مانع من دخوله لأخذ الماء بغير مكث بلا تيمم، و أما على ما ذكرناه من عدم جواز ذلك أو فرض أن الأخذ يتوقف على المكث فالظاهر أنه لا يشرع التيمم لذلك، بل هو من فاقد الماء فيجب عليه التيمم للصلاة.

(2) نعم ذكر الشيخ في الخلاف 3: 185/ مسألة 310 من كتاب البيوع ما هذا نصّه: روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنه قال: إنّ اللّٰه تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه.

(3) الوسائل 17: 83/ أبواب ما يكتسب به ب 2 ح 1، تحف العقول: 331.

342

إلّا بعد الخروج أو بعد الاغتسال، و لكن لا يباح بهذا التيمم إلّا دخول المسجد و اللّبث فيه بمقدار الحاجة، فلا يجوز له مسّ كتابة القرآن و لا قراءة العزائم إلّا إذا كانا واجبين فورا.

____________

للأخذ، فإن جواز الأخذ في نفسه لا يلازم جواز الدخول في المسجد. و إما أن يلاحظا باعتبار مقدّمتهما أعني الدخول فيجوز الأوّل و يحرم الثاني، و حينئذ يتمّ حكمه بجواز الدخول فيه من جهة الأخذ و لا يتمّ حكمه بحرمة الوضع في نفسه، إلّا أنه أمر آخر.

هذا إذا كان التيمم لدخول المسجد و أخذ الماء فقط، و أمّا إذا أراد أن يمكث فيه للاغتسال أو أراد الأخذ من المسجدين و قلنا بحرمته فيهما فهل يجب التيمم حينئذ مقدّمة لجواز الدخول في المسجد لأخذ الماء أو لا يجب؟

ذكر الماتن (قدس سره) أنه يجب أن يتيمم حينئذ و لا يباح به إلّا دخول المسجد و اللبث فيه بمقدار الحاجة، و لا يبطل تيممه إلّا بعد الاغتسال في المسجد أو بعد الخروج منه للاغتسال في خارجه. و الوجه فيما أفاده أن التيمم حينئذ إنما هو للاضطرار إلى الدخول في المسجد، و الضرورات تتقدّر بقدرها فلا يترتب على تيممه هذا غير إباحة الدخول، و أما سائر الغايات فحيث لا اضطرار له إليها لا يترتب على تيممه.

و لا يمكن المساعدة على ما أفاده بوجه، و ذلك لأن التيمم إما أن تكون غايته الصلاة مع الطّهارة المائية أي الغسل بمعنى أنه مأمور بالاغتسال من جهة الأمر بالصلاة و لا يتحقق الغسل إلّا بالتيمم و جواز الدخول في المسجد، فالتيمم حينئذ مقدّمة لمقدّمة الواجب و إنما وجب لوجوب الصلاة مع الغسل، فهذا أمر مستحيل لأنّ الغسل و الصلاة مع الطّهارة المائية واجب مشروط بالتمكن من الماء و مع حرمة الدخول في المسجد لا قدرة له على الماء، فان الممنوع شرعاً كالممتنع عقلًا، و لأن النهي عن الدخول فيه معجز مولوي عن استعماله الماء، و عليه يتوقف وجوب الغسل‌

343

..........

____________

أي وجوب الصلاة مع الطّهارة المائية على جواز دخوله المسجد فلو توقف جواز دخوله المسجد على وجوب الصلاة مع الغسل لدار، فلا يمكن أن يسوغ التيمم بغاية وجوب الغسل و وجوب الصلاة مع الطّهارة المائية.

و إما أن تكون غايته نفس الكون في المسجد و هو أيضاً غير صحيح، لعدم كونه غاية مشرعة للتيمم، و إلّا لم يجب عليه المبادرة إلى الخروج أي لم يحرم عليه المكث زائداً على مقدار الحاجة في المسجد كما التزم به (قدس سره) فإنه محكوم بالطّهارة و له أن يبقى في المسجد ما شاء، و لجاز أن يبادر إلى الدخول في المسجد مع التيمم في أوّل الوقت مع القطع بأنه بعد ساعة متمكن من الاغتسال، إذ المفروض أن التيمم لغاية الكون في المسجد موجب للطّهارة، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به، و عليه فالصحيح أنه فاقد للماء و وظيفته أن يتيمم لصلاته.

فرعان: الجنب المتيمم لكون الماء في المسجد ليس له أن يدخل المسجد

الأوّل: ما إذا تيمم للصلاة خارج المسجد من جهة كون الماء في المسجد و حكم بطهارته فهل يجوز أن يدخل المسجد حينئذ لأنه متطهر أو لا يجوز؟ الصحيح أنه لا يترتب على تيممه للصلاة جواز دخوله المسجد، و ذلك لأنه يلزم من جواز دخوله المسجد عدمه، و ما استلزم وجوده عدمه فهو مستحيل. و تقريب ذلك: أن المكلّف إذا تيمم بغاية الصلاة حكم عليه بالطّهارة شرعاً، لأنه كان فاقداً و جاز التيمم في حقه فإذا تيمم لأجلها صار محكوماً بالطّهارة، و المتطهر يجوز له جميع الغايات المتوقفة على الطّهارة التي منها دخوله المسجد، فبمجرّد تيممه جاز له الدخول في المسجد فإذا جاز له الدخول تمكن من استعمال الماء و إذا تمكن منه انتقض تيممه لا محالة و إذا انتقض تيممه لم يجز له الدخول في المسجد، فيلزم من القول بجواز دخوله المسجد عدم جواز دخوله و هو مستحيل، و لذا قلنا إن تيممه لا يترتب عليه جواز الدخول في المسجد.

344

..........

____________

و يدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (1) حيث جعل الغاية الاغتسال و لم يقل حتى تيمموا، لأنه بإطلاقه يدلّ على أن وظيفته الغسل تيمم أم لم يتيمم. و على الجملة لا يجوز الدخول في المسجد بالتيمم إلّا أن يضطر إليه اضطراراً شرعياً كتوقف إنقاذ نفس محترمة على الدخول و نحوه.

الجنب المتيمم لبعض المسوغات ليس له أن يدخل المسجد

الثاني: ما إذا كان جنباً و وجب عليه التيمم لا لأجل كون الماء في المسجد، بل لأجل مرض له أو قرحة و جراحة و تيمم لأجل الصلاة فهل يجوز أن يدخل المسجد حينئذ أو لا يجوز؟ ظاهر كلماتهم جواز ذلك بل لم نر و لم نسمع خلافاً في ذلك، و لكن للمناقشة فيما تسالموا عليه مجال واسع.

و ذلك لأنّ الحكم قد يترتب على عنوان الحدث و عدم الطّهارة كما في حرمة مسّ كتابة القرآن، حيث إنها مترتبة على عنوان الحدث و عدم الطّهارة على ما ورد في بعض الأخبار من استشهاده (عليه السلام) على عدم جواز مسّ المحدث الكتاب بقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (2) فجواز المس مترتب على الطّهارة و عدم الحدث، و كوجوب الصلاة فإنه متوقف على الطّهارة لما ورد من أنه لا صلاة إلّا بطهور (3)، ففي أمثال ذلك إذا لم يتمكن المكلّف من الوضوء أو الغسل و تيمم به بدلًا عن الطّهارة المائية فلا محالة ترتفع عنه الأحكام المترتبة على الحدث و عدم الطّهارة، لأن التيمم يرفع الحدث و يوجب الطّهارة حقيقة غاية الأمر ما دام معذوراً عن الماء. و القول بالإباحة كلام محض بل لعله لا قائل بها واقعاً، و ذلك لعدم إمكان الالتزام بأن المتيمم محدث و يجوز له الصلاة و غيرها تخصيصاً في أدلّة اشتراط الطّهارة في الصلاة.

____________

(1) النساء 4: 43.

(2) كما في موثقة إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) الوسائل 1: 384/ أبواب الوضوء ب 12 ح 3.

(3) الوسائل 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1، و غيرها من الموارد.

345

..........

____________

و قد يكون الحكم مترتباً على عنوان الجنابة لا على عنوان الحدث و هذا كما في المقام، لأن دخول المسجد محرم على الجنب لا على المحدث بحدث الجنابة و قد قال اللّٰه سبحانه وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ و لم يقل و لا محدثاً، و في مثل ذلك لا ترتفع الأحكام المترتبة على عنوان الجنابة بالتيمم، لأنه إنما يرفع الحدث و يوجب الطّهارة لا أنه يرفع الجنابة، حيث لم يرد في شي‌ء من الأخبار و الآيات ما يدلّنا على ارتفاع الجنابة بالتيمم، بل هو جنب متطهر و جنب غير محدث لا أنه ليس بجنب، لقصور المقتضي أي عدم الدليل و لوجود المانع و هو لزوم أن يكون وجدان الماء سبباً للجنابة حيث إنها ارتفعت بالتيمم، و بما أن التيمم ينتقض بوجدان الماء فتعود عليه الجنابة بالوجدان، مع أن سببها أمران: الجماع و الإنزال، و ليس وجدان الماء من أسبابها و عليه فلا يجوز للمتيمم بدلًا عن الجنابة أن يدخل المسجد لأنه جنب و لم ترتفع جنابته بتيممه. و يدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (1) حيث جعل غاية حرمة القرب من المسجد للجنب الاغتسال، فلو كان له غاية أُخرى و هو التيمم لذكره و لما حصرها في الاغتسال مع أنه قال حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا و لم يقل تغتسلوا أو تيمموا، فيدلّ بإطلاقه على أن وظيفته الغسل سواء تيمم أم لم يتيمم.

و نظير المقام ما إذا يمم الميت لعدم الماء أو لجراحة في الميت و لم يغسل فان مسّه موجب لغسل المس، لأن وجوب الغسل عن المس إنما يترتب على عنوان الميت الذي برد و لم يغسل و لم يترتب على عنوان الميت المحدث بحدث الموت، و التيمم إنما يرفع الحدث و لا يرفع الموضوع بأن يجعل الميت مغسلًا، فلو مسّه أحد بعد تيممه لوجب عليه غسل المس أيضاً. و تظهر ثمرة ما ذكرناه في غير هذين الموردين أيضاً كما في البقاء على الجنابة في شهر رمضان، فان الحكم فيه أيضاً مترتب على الجنابة لا على الحدث.

____________

(1) النساء 4: 43.

346

[مسألة 9: إذا علم إجمالًا جنابة أحد الشخصين لا يجوز له استئجارهما]

[660] مسألة 9: إذا علم إجمالًا جنابة أحد الشخصين لا يجوز له استئجارهما و لا استئجار أحدهما لقراءة العزائم أو دخول المساجد أو نحو ذلك ممّا يحرم على الجنب (1).

____________

(1) استئجار من علم جنابته إجمالًا لما يحرم على الجنب قد يعلم الثالث بجنابة أحد شخصين من غير تعيين من دون أن يعلم أحد منهما بجنابة نفسه، و قد يعلم الثالث بجنابة أحدهما مع علم أحدهما بجنابة نفسه. أما في الصورة الاولى فلا مانع من صحّة إجارة أحدهما أو كليهما، لما مرّ من أن الإجارة إنما وقعت على أمر مباح في نفسه و هو الكنس مثلًا، فلا مانع من صحّة الإجارة سوى عدم تمكنه من تسليم العمل للمستأجر لحرمة مقدّمته أعني الدخول في المسجد، فإذا فرضنا جهله فلا محالة يجوز له الدخول و يتمكن من تسليم العمل لمالكه.

هذا كلّه بالإضافة إلى حرمة إجارتهما أو جوازها وضعاً. أما من حيث جوازها و حرمتها التكليفيين فالأمر كما أفاده الماتن (قدس سره) من حرمتها مطلقاً، و ذلك لما مرّ من أن مقتضى إطلاق دليل الحرمة عدم جواز إيجاد المحرّم بالمباشرة أو بالتسبيب فان المبغوض الواقعي لا يجوز إيجاده في الخارج مطلقاً بلا فرق في ذلك بين التسبيب و المباشرة، فإذا استأجرهما معاً فقد قطع بالمخالفة لأنه أوجد دخول الجنب في المسجد بالتسبيب، و إذا استأجر أحدهما فهو مخالفة احتمالية لاحتمال أن يكون هو الجنب و استئجاره تسبيب لدخول الجنب في المسجد. فما ذكره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته من أن الظاهر جواز استئجارهما معاً فضلًا عن أحدهما ممّا لا يمكن المساعدة عليه، بل الصحيح هو ما أفاده في المتن من حرمة إجارة أحدهما فضلًا عن كليهما للثالث العالم بجنابة أحدهما.

347

[مسألة 10: مع الشك في الجنابة لا يحرم شي‌ء من المحرمات المذكورة]

[661] مسألة 10: مع الشك في الجنابة لا يحرم شي‌ء من المحرمات المذكورة إلّا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة (1).

[فصل فيما يُكره على الجنب]

فصل فيما يُكره على الجنب و هي أُمور: الأوّل: الأكل و الشرب و يرتفع كراهتهما بالوضوء أو غسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق أو غسل اليدين فقط. الثاني: قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن ما عدا العزائم، و قراءة ما زاد على السبعين أشدّ كراهة. الثالث: مسّ ما عدا خط المصحف من الجلد و الأوراق و الحواشي و ما بين السطور. الرابع: النوم إلّا أن يتوضأ أو يتيمم إن لم يكن له الماء بدلًا عن الغسل. الخامس: الخضاب، رجلًا كان أو امرأة، و كذا يكره للمختضب قبل أن يأخذ اللون إجناب نفسه. السادس: التدهين. السابع: الجماع إذا كان جنابته بالاحتلام.

____________

و أمّا في الصورة الثانية فلا إشكال في عدم جواز استئجار أحدهما فضلًا عن كليهما و لا في بطلان الإجارة، لعدم قدرة أحدهما على الدخول في المسجد لحرمته، لفرض أن أحدهما عالم بجنابة نفسه فيعلم الثالث إجمالًا أن إجارة أحدهما باطلة و أن دخوله المسجد حرام.

صور الشكّ في الجنابة

(1) صور المسألة ثلاث، لأنه قد يعلم بعدم جنابته سابقاً، و قد يعلم بجنابته السابقة، و ثالثة لا يعلم حالته السابقة لتوارد الحالتين عليه.

إذا علم بحالته السابقة من جنابته أو عدم جنابته فلا إشكال في المسألة، لجريان استصحابها و به يحرز جنابته أو طهارته.

348

الثامن: حمل المصحف. التاسع: تعليق المصحف.

[فصل في كيفية الغسل و أحكامه]

فصل في كيفية الغسل و أحكامه غسل الجنابة مستحب نفسي و واجب غيري للغايات الواجبة و مستحب غيري للغايات المستحبة. و القول بوجوبه النفسي ضعيف (1).

____________

و أمّا إذا لم يعلم الحالة السابقة فلا يجري فيها شي‌ء من استصحابي الطّهارة و الحدث في نفسهما أو يجريان و يتساقطان بالمعارضة و معه لا بدّ من الرجوع إلى ما هو الأصل في المسألة، و هو في مقامنا هذا البراءة عن حرمة دخول المسجد أو غيره ممّا يحرم على الجنب.

فصل غسل الجنابة ليس بواجب نفسي

(1) لا إشكال و لا كلام في محبوبية غسل الجنابة شرعاً لقوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (1) فإن الغسل من الجنابة طهارة و المغتسل منها متطهر و إنما الخلاف في أن محبوبيته نفسيّة أو غيريّة؟ المعروف المشهور بينهم أنه واجب غيري، و خالف في ذلك من القدماء ابن حمزة (2) و من المتوسطين العلّامة (3) و من المتأخِّرين الأردبيلي (4) و صاحبا المدارك (5) و الذخيرة (6). و لا تكاد تظهر ثمرة‌

____________

(1) البقرة 2: 222.

(2) الوسيلة: 54.

(3) المختلف 1: 159/ 107.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 1: 136.

(5) المدارك 1: 265.

(6) الذخيرة: 55/ السطر 30.

349

..........

____________

عمليّة لهذا النزاع بعد العلم باشتراط الصلاة و الصوم بالطّهارة و عدم الجنابة أعني توقفهما على غسل الجنابة إلّا في موارد نادرة كمن أجنب قبل الوقت و علم بأنه يقتل بعد ساعة و قبل دخول الوقت، فإنه بناءٌ على أنه واجب نفسي يجب الإتيان به بخلاف ما إذا كان واجباً شرطياً، و هذا من الندرة بمكان. نعم تظهر الثمرة غير العمليّة في استحقاق العقاب، لأنه إذا تركه و ترك الصلاة مثلًا فعلى القول بوجوبه النفسي يعاقب بعقابين بخلاف ما إذا قلنا بوجوبه الغيري فإنه لا يعاقب حينئذ إلّا عقاباً واحداً لتركه الصلاة فحسب، فالمسألة عادمة الثمرة عملا.

و كيف كان، استدلّ للقول بوجوبه النفسي بوجوه: منها: قوله سبحانه وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1) بدعوى أن ظاهر الأمر بالاغتسال و إطلاقه أنه واجب نفسي. و يدفعه أن صدر الآية المباركة و ذيلها أقوى قرينة على أن المراد به هو الوجوب الغيري، أعني كونه إرشاداً إلى شرطية الطّهارة من الحدث في الصلاة. أما صدرها فلقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ لأنه قرينة ظاهرة على أن الأمر بكل من الغسل و الوضوء غيري و إرشاد إلى الشرطية. و أمّا ذيلها فلقوله تعالى أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً حيث أُقيم التيمم بدلًا عن الغسل، فلو كان الغسل واجباً نفسياً فلا بدّ من الالتزام بأن التيمم أيضاً واجب نفسي و هو ممّا لا يلتزمون به فالآية لا دلالة لها على المدّعى.

و أمّا الأخبار، فأظهر ما استدلّ به على هذا المدعى من الأخبار ما ورد في أن الدين الذي لا يقبل اللّٰه تعالى من العباد غيره و لا يعذرهم على جهله شهادة أن لا إلٰه إلّا اللّٰه و أن محمّداً رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و الصلوات الخمس و صوم شهر‌

____________

(1) المائدة 5: 6.

350

..........

____________

رمضان و الغسل من الجنابة (1).

و ربّما يقال: إنّ دلالتها على المدّعى ظاهرة، حيث عدّ غسل الجنابة من دعائم الدِّين، و يبعد جدّاً أن يراد به الوجوب الغيري لمكان أنه مقدّمة للصلاة، إذ للصلاة شرائط و مقدّمات أُخر لا وجه لتخصيصه بالذكر حينئذ من بينها. و هذه الرواية و إن كانت معتبرة بحسب السند لوجود الحسين بن سيف في أسانيد كامل الزيارات، و لكنه يمكن المناقشة في دلالتها بأنا لا نحتمل أن يكون غسل الجنابة من الأركان دون الجهاد و الزكاة و أمثالهما مع أنها عدته من الأركان و تركت أمثال الجهاد و الأمر بالمعروف و غيرهما مما هو أعظم من غسل الجنابة بمرات كثيرة، و ليس هو بتلك المثابة من الأهميّة قطعا.

و أمّا الاستدلال بغيرها من الأخبار فيدفعه أنها ممّا لا دلالة له على المدّعى كالاستدلال بما ورد من قولهم: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (2) و قولهم: «أ توجبون عليه الحدّ و الرجم و لا توجبون عليه صاعاً من ماء» (3) و ذلك لأنها إنما هي بصدد بيان ما هو الحد لموضوع تلك الأحكام و أنّ حدّه هو الالتقاء، و ليست في مقام بيان أنها واجبة نفسيّة أو غيريّة، بل تحد الموضوع لتلك الأحكام الأعم من النفسيّة و الغيريّة و تدلّ على أن حدّ وجوب الغسل على ما هو عليه من النفسيّة أو الغيريّة هو الالتقاء، و لا دلالة لها على وجوبها النفسي أبدا.

و على الجملة: إنّها إنما سيقت لبيان أن الموضوع لتلك الأحكام أي شي‌ء من غير‌

____________

(1) الوسائل 1: 28/ أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 38. رواها البرقي في المحاسن [1: 449/ 1037]. هكذا: أنه سئل عن الدين الذي لا يقبل اللّٰه من العباد غيره، و لا يعذرهم على جهله، فقال: شهادة أن لا إلٰه إلّا اللّٰه و أن محمّداً رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و الصلاة الخمس و صيام شهر رمضان و الغسل من الجنابة و حج البيت و الإقرار بما جاء من عند اللّٰه جملة و الائتمام بأئمة الحق من آل محمّد، الحديث.

(2) الوسائل 2: 183/ أبواب الجنابة ب 6 ح 2، 5.

(3) الوسائل 2: 184/ أبواب الجنابة ب 6 ح 5.