موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
351

..........

____________

أن يكون لها نظر إلى أن الوجوب المرتب عليه نفسي أو غيري، بل لا نظر لها إلى الحكم أصلًا، و إنما تدلّ على أن ما هو الموضوع لتلك الأحكام المستفادة من أدلّتها لا من تلك الروايات أي شي‌ء.

على أنا لو سلمنا ظهورها في أن غسل الجنابة واجب نفسي فحالها حال بقيّة الأوامر الواردة في غسل الثياب عن الأبوال أو غيرها من النجاسات، حيث ورد «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) و الأوامر الواردة في غسل الحيض و الاستحاضة و النفاس و أنها إذا طهرت فلتغتسل، و الأوامر الواردة في الوضوء و التيمم فإنها في حدّ أنفسها ظاهرة في الوجوب النفسي، و لكن العلم القطعي الخارجي بل الضرورة القائمة على أن الصلاة مشروطة بالطّهارة من الحدث و الخبث يوجب انصرافها إلى الأوامر الغيرية الإرشادية إلى شرطية الطّهارة للصلاة، فالحال في تلك الروايات أيضاً كذلك فتكون منصرفة إلى الوجوب الغيري الإرشادي دون الوجوب النفسي.

و عمدة ما اعتمدوا عليه في هذا المدعى أن غسل الجنابة لو لم يكن واجباً نفسياً للزم جواز تفويت الواجب بالاختيار، و ذلك لأن المكلّف إذا أجنب في ليالي شهر رمضان فإما أن نقول إن غسل الجنابة قبل طلوع الفجر واجب نفسي في حقّه، و إما أن نقول واجب غيري، و إمّا أن نقول بعدم وجوبه أصلًا. و الأوّل هو المدّعى، و أما على الآخرين فيلزم المحذور، و ذلك لأنّ الواجب الغيري يستحيل أن يتصف بالوجوب قبل وجوب ذي المقدّمة، فإن المعلول لا يتقدّم على علّته، فلو كان الغسل مقدّمة فهو غير واجب قبل الفجر، فإذا جاز ترك الغسل قبل الفجر لم يجب عليه الصوم غداً لاشتراطه بالطّهارة عند الصبح و قد فرضنا جواز تركها فجاز له تفويت الواجب بالاختيار، و معه لا مناص من الالتزام بوجوبه النفسي لئلا يرد هذا المحذور.

و الجواب عن ذلك:

____________

(1) الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2، 3.

352

..........

____________

أوّلًا: أن ذلك غير مختص بغسل الجنابة، بل الأمر كذلك في كل مقدّمة لا يمكن الإتيان بها بعد دخول وقت الواجب كغسل الحيض و النفاس و الاستحاضة فيما إذا طهرت قبل طلوع الفجر، فلازم ذلك الالتزام بالوجوب النفسي في الجميع.

و ثانياً: أن الحصر غير حاصر، فان لنا أن نلتزم بوجوب الغسل للغير لا بوجوبه النفسي و لا الغيري، و هذا لا بملاك مستقل غير ملاك الواجب ليرد محذور تعدّد العقاب عند ترك الواجب لترك مقدّمته، بل بملاك نفس ذي المقدّمة لا بوجوبه النفسي و لا الغيري. و قد بيّنا في محلِّه أن الواجب للغير غير الواجب الغيري (1) فنلتزم بأن غسل الجنابة و غيره من المقدّمات غير المقدورة في ظرف الواجب واجب للغير، فلا يتعيّن القول بالوجوب النفسي حينئذٍ للفرار عن المحذور.

و ثالثاً: يمكننا القول بوجوبه الغيري، لأن الصوم إنما وجب من أوّل اللّيل بل من أوّل الشهر، لقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2) بناء على أنّ المراد بالشهادة هو الرؤية، فالوجوب قبل طلوع الفجر فعلي و الواجب استقبالي و ظرفه متأخر كما التزمنا بذلك في جميع الواجبات المعلّقة، و مع فعلية الوجوب تجب المقدّمة و لا يشترط في وجوبها فعليّة ظرف الواجب أيضا.

و رابعاً: يمكننا إنكار وجوب الغسل حينئذ رأساً و لا نلتزم بوجوبه و لو مقدّمة لأنا لا نلتزم بوجوب مقدّمة الواجب عند فعلية وجوب ذي المقدّمة شرعاً فضلًا عما إذا لم يجب، و إنما تجب المقدّمة عقلًا تحصيلًا للغرض الملزم، فان ترك المقدّمة تفويت اختياري للواجب، بلا فرق في ذلك قبل الوقت و بعده، لأنّ العقل هو الحاكم بالاستقلال في باب الإطاعة و العصيان، و حيث إن الإتيان بالواجب موقوف على إتيان مقدّمته و لو قبل الوقت فالعقل مستقل بلزوم إتيانه كذلك، لأن تركه ترك للغرض الملزم بالاختيار.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 355.

(2) البقرة 2: 185.

353

و لا يجب فيه قصد الوجوب و الندب، بل لو قصد الخلاف (1) لا يبطل إذا كان مع الجهل بل مع العلم إذا لم يكن بقصد التشريع (1) و تحقق منه قصد القربة، فلو كان

____________

و ما عن أبي الحسن من أن المقدّمة لو لم تجب شرعاً جاز تركها، فلو جاز تركها جاز ترك الواجب و ذي المقدّمة (2)، مندفع بأن عدم وجوب المقدّمة شرعاً غير ملازم لجواز تركها عند العقل، لأنه مستقل بلزوم إتيانها كما مرّ هذا.

على أن لنا أن نقلب الدعوى بأن نقول: هب أنّا التزمنا بالوجوب النفسي في جميع تلك المقدّمات التي لا يمكن الإتيان بها في وقت الواجب فهل تلتزمون بوجوبها الغيري و لو مندكاً في وجوبها النفسي، أو لا تلتزمون به و إنما هو واجب نفسي فقط فان أنكرتم وجوبها الغيري فليزمكم القول بتعدد العقاب عند ترك الواجب لترك مقدّمته، و لا يمكن الالتزام به. و إن اعترفتم بوجوبها الغيري فتعود المناقشة السابقة و أنه كيف وجبت المقدّمة قبل وجوب ذيها. فما هو الجواب عن المحذور حينئذ هو الجواب عن محذور وجوب غسل الجنابة قبل الفجر.

فتحصل: أن غسل الجنابة ليس بواجب نفسي، و لا قائل به أخيراً، كما لا دليل عليه و إن كانت له رنة في تلك الأزمنة من جهة عدم تصويرهم الواجب المعلق.

هل يعتبر قصد الوجوب أو الندب في صحّة الغسل؟

(1) قدّمنا أن غسل الجنابة ليس بواجب نفسي، كما أنه غير متّصف بالوجوب الغيري على ما ذكرناه في محلِّه من عدم وجوب مقدّمة الواجب شرعاً (3)، و عليه فهو مستحب نفسي فقط و غير متصف بالوجوب أبداً. و بما أنه أمر عبادي كما هو المتسالَم عليه بين المسلمين فضلًا عن الإمامية فلا بدّ من أن يؤتى به بقصد القربة و الامتثال‌

____________

(1) كيف لا يكون تشريعاً و المفروض أنه قصد الخلاف عالما.

(2) كما حكاه عنه في كفاية الأُصول: 127.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 2: 438.

354

قبل الوقت و اعتقد دخوله فقصد الوجوب لا يكون باطلًا، و كذا العكس، و مع الشك في دخوله يكفي الإتيان به بقصد القربة للاستحباب النفسي أو بقصد إحدى غاياته المندوبة أو بقصد ما في الواقع من الأمر الوجوبي أو الندبي.

____________

و هذا يتحقّق في الغسل بوجهين:

أحدهما: أن يأتي به بداعي استحبابه النفسي، بلا فرق في ذلك بين ما قبل الوقت و بعده.

و ثانيهما: أن يأتي به بداعي أنه مقدّمة للعبادة و واقع في سلسلتها، فإنه أيضاً نحو امتثال و إضافة للعمل إلى اللّٰه. و هذا يختص بما بعد دخول الوقت.

و أمّا بناء على أن مقدّمة الواجب واجبة فلا محالة يتصف الغسل بالوجوب الغيري بعد دخول وقت العمل و به يرتفع استحبابه، لتنافي الوجوب مع الاستحباب، و عليه فلا بدّ في صحّته إذا اتي به بعد دخول الوقت من أن يؤتى به بداعي الوجوب الغيري و لا يكفي الإتيان به بداعي استحبابه النفسي حيث لا استحباب حينئذ، نعم يكفي ذلك عند الإتيان به قبل دخول الوقت.

فلو أتى به بقصد استحبابه النفسي بعد دخول الوقت أو بداعي وجوبه الغيري قبل الوقت، فان كان ذلك مستنداً إلى اعتقاده و حسبان أن الوقت غير داخل فقصد استحبابه النفسي أو أنه داخل فقصد وجوبه الغيري فلا إشكال في صحّته، لأنه قد قصد أمره الفعلي و غاية الأمر أنه أخطأ في تطبيقه على الاستحباب النفسي أو على وجوبه الغيري، و مثله غير مضر في صحّة العبادة بعد كون الطبيعة المستحبة نفساً أو الواجبة مقدّمة طبيعة واحدة. و أما إذا كان عالماً بالحال فأتى به قبل الوقت بداعي وجوبه الغيري متعمداً أو بعد الوقت بداعي استحبابه النفسي متعمداً فهل يحكم بصحّته أو أنه فاسد؟ فقد فصّل فيه الماتن (قدس سره) بين ما إذا لم يكن بقصد التشريع و تحقّق منه قصد التقرّب و ما إذا لم يكن كذلك. و الكلام في ذلك يقع من جهتين:

355

..........

____________

إحداهما: أنه مع العلم بعدم استحبابه النفسي لو أتى به بداعي استحبابه أو مع العلم بعدم وجوبه الغيري إذا أتى به بداعي وجوبه الغيري هل يعقل أن لا يكون تشريعاً محرماً، أو أنه قد يكون كذلك و قد لا يكون؟

ثانيتهما: أن حرمة التشريع توجب بطلان العمل أو لا توجبه؟

أمّا الجهة الاولى: فلا نتعقل انفكاك مثله عن التشريع، لأنه عبارة عن إدخال ما علم أنه ليس من الدين أو لم يعلم أنه من الدِّين في الدِّين، و مع العلم بعدم استحباب شي‌ء، إذا أتى به بعنوان أنه مستحب لا محالة كان من إدخال ما علم أنه ليس من الدِّين في الدِّين.

و أمّا الجهة الثانية: فقد يقال بأن حرمة التشريع لا تستلزم بطلان العبادة مطلقاً بل إنما توجبه فيما إذا كان التشريع في مقام الأمر و التكليف، كما إذا علم بوجوب شي‌ء فبنىٰ على استحبابه و أتى به بداعي أنه مستحب فإنه محكوم ببطلانه، إذ لا يتمشى معه قصد القربة و الامتثال. و أمّا التشريع في مقام الامتثال و التطبيق كما إذا سمع أن المولى أمره بشي‌ء و لم يعلم أنه أوجبه أو ندب إليه و لكنّه بنىٰ على أنه أوجبه و أن الأمر هو الوجوبي، فلا يوجب هذا بطلان عمله و لا ينافي ذلك قصد القربة و الامتثال كما فصّل بذلك صاحب الكفاية (قدس سره) و التزم بأن التشريع لا يستلزم بطلان العمل مطلقاً، بل فيما إذا كان راجعاً إلى الأمر و التكليف (1).

و لا يمكن المساعدة على ذلك، لعدم انحصار الوجه في بطلان العبادة مع التشريع بعدم التمكّن عن قصد التقرب و الامتثال ليفصل بين الصورتين، بل له وجه آخر يقتضي بطلان العبادة مع التشريع في كلتا الصورتين و هو مبغوضية العمل و حرمته المانعة عن كونه مقرباً، لأن حرمة البناء و التشريع تسري إلى العمل المأتي به في الخارج و به يحكم بحرمته و مبغوضيته، و معهما كيف يكون العمل مقرّباً به ليحكم بصحّته.

____________

(1) كفاية الأُصول: 368 369.

356

و الواجب فيه بعد النيّة غسل ظاهر تمام البدن (1) وجوب غسل ظاهر تمام البدن في الغسل

____________

(1) لصحيحة زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تبدأ فتغسل، إلى أن قال: ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك» الحديث (1) و صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام) في حديث «ثمّ أفض على رأسك و سائر جسدك» (2) و غيرهما من الأخبار الآمرة بغسل تمام الجسد (3). و في موثقة سماعة «يفيض الماء على جسده كلّه»، و في بعضها أنها «تمرّ يدها على جسدها كلّه» (4). و في بعضها: «من ترك شعرة من الجنابة متعمداً فهو في النار» (5). و المراد بالشعرة إما أنه معناها الحقيقي فتدلّ على وجوب غسل الشعر الذي هو من توابع البدن، فلو وجب غسل ما هو من توابع البدن بتمامه فلا محالة يجب غسل نفسه بتمامه بطريق أولى، و إما بمعناها المجازي أي بمقدار جزئي و حينئذ تدلّ على وجوب غسل تمام البدن على نحو بليغ هذا.

و قد ذهب المحقِّق الخونساري (6) إلى عدم وجوب الاعتداد ببقاء شي‌ء يسير غير مخل بصدق غسل البدن عرفاً، و ذلك لصحيحة إبراهيم بن أبي محمود، قال «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يجنب فيصيب جسده و رأسه الخلوق و الطيب و الشي‌ء اللكد مثل علك الروم و الظرب و ما أشبهه فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئاً قد بقي في‌

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

(2) الوسائل 2: 233/ أبواب الجنابة ب 26 ح 16.

(3) كما يستفاد من غير واحد من الأحاديث المذكورة في الباب المتقدّم.

(4) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 8، ب 38 ح 6.

(5) الوسائل 2: 175/ أبواب الجنابة ب 1 ح 5، 2، ب 38 ح 7.

(6) مشارق الشموس: 170/ السطر 12.

357

..........

____________

جسده من أثر الخلوق و الطيب و غيره، قال: لا بأس» (1).

و في رواية الكليني عن محمّد بن يحيى «الطراز» بدل «الظرب» (2) و في الوافي «الطرار». قال في البيان الذي عقب به الحديث: الخلوق بالفتح ضرب من الطيب و هو الذي يستثني للمحرم من أنواع العطر فيه تركيب. و اللكد بالمهملة اللزج اللصيق، و في التهذيب (3): اللزق و الطرار بالمهملات ما يطين به و يزين (4).

و لم يظهر لتلك الكلمة معنى مناسب للرواية، لأن الطرار هو ما يزين به و لو بالتعليق و ليس ممّا يلصق البدن، و الطراز بمعنى الطرز و النمط أي الأُسلوب، و لا يناسب الرواية لأنها في مقام التمثيل للكد. و الظرب بمعنى ما يلصق، و هو أيضاً غير مناسب للرواية، لأنها في مقام التمثيل للكد الذي هو بمعنى ما يلصق فكيف يمثل له بما يلصق فلم يظهر معنى هذه الكلمة، و لعلّها كانت في تلك الأزمنة بمعنى مناسب للرواية. و على الجملة: إن لهذه الكلمة الواردة في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود احتمالات لا يتناسب شي‌ء منها للرواية.

نعم المنقول في نسخ الوسائل «الظرب». و عن الكليني «الطراز»، و لكن النسخ مغلوطة قطعاً، فإن الكلمة ليست بالظاء بل بالضاد، و الضرب بمعنى العسل الأبيض الغليظ كما في اللّغة، و في مجمع البحرين ذكر الحديث نفسه في مادة «الضّرب» (5) و هذا أمر يناسب الرواية كما لا يخفى بخلاف الظرب الذي هو بمعنى اللاصق فإنه كما ترى لا يناسبها بوجه. و أما الطرار فهو جمع الطرة و لم نر استعماله مفرداً، و قد جعله في‌

____________

(1) الوسائل 2: 239/ أبواب الجنابة ب 30 ح 1.

(2) الكافي 3: 51/ 7.

(3) راجع التهذيب 1: 130/ باب حكم الجنابة و صفة الطّهارة منها، ح 356، مع تعليقه.

(4) الوافي 6: 510/ 4812.

(5) مجمع البحرين 2: 106.

358

..........

____________

مجمع البحرين مفرداً و فسّره بالطين و نقل الحديث و استشهد به (1). و أمّا ما ذكره في الوافي تفسيراً للكلمة من أنها بمعنى ما يطين به و يزين فمما لم نقف عليه في الأخبار و لا في شي‌ء من اللغات، و عليه فالمحتمل في الصحيحة أمران: أحدهما الضرب بمعنى العسل الأبيض الغليظ، و ثانيهما: الطرار بمعنى الطين.

و كيف كان، استدلّ بالصحيحة على عدم وجوب غسل اليسير من البدن الذي لا يكون مخلًّا بصدق غسل البدن عرفا.

و يدفعه: أن الصحيحة إنما دلّت على جواز الغسل و صحّته مع بقاء أثر الخلوق و الطيب و العلك لا مع بقاء عينها، و كم فرق بينهما، فإن أثرها من الرائحة اللطيفة أو لون الصفرة غير مانع من وصول الماء للبشرة، و هذا بخلاف عينها و العين غير مذكورة في الصحيحة. على أنها دلّت على صحّته مع بقاء أثرها، أعم من أن يكون يسيراً أم كان كثيراً كما إذا دهن بالخلوق جميع رأسه مثلًا، و لا دلالة فيها على جوازه و صحّته مع شي‌ء يسير في البدن، فلو كان الأثر بمعنى العين فلازمها صحّة الغسل و لو مع وجود العين في تمام الرأس، و هو كما ترى.

و بمضمونها روايات أُخرى أيضاً ظاهرة في إرادة الأثر دون العين منها: ما رواه إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كن نساء النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن و ذلك أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أمرهنّ أن يصببن الماء صبّاً على أجسادهنّ» (2). و في موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه «في الحائض تغتسل و على جسدها الزعفران لم يذهب به الماء قال: لا بأس» (3) إذ من المعلوم أن المراد بالزعفران أثره فإنه بنفسه لا يلصق بالبدن.

____________

(1) مجمع البحرين 3: 376.

(2) الوسائل 2: 239/ أبواب الجنابة ب 30 ح 2.

(3) الوسائل 2: 240/ أبواب الجنابة ب 30 ح 3.

359

دون البواطن منه، فلا يجب غسل باطن العين و الأنف و الأُذن و الفم و نحوها (1).

البواطن لا يجب غسلها في الاغتسال

____________

(1) و يدلّ عليه ما ورد في أنّ الغسل الارتماسي يجزئ في مقام الامتثال، فان الماء في الارتماسي لا يصل إلى البواطن كباطن العين و الأنف و نحوهما عادة، فإنها قاضية بفحص العينين في الارتماس و مع ذلك دلّ الدليل على كفايته، فمنه نستكشف عدم اعتبار غسل البواطن في الغسل.

و دعوى أن الارتماسي إنما هو مجزئ عن الترتيبي كما اشتملت عليه أخباره، حيث دلّت على أنه إذا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأته (1)، و يمكن أن يكون غسل البواطن معتبراً في المأمور به و إن لم يكن معتبراً فيما يجزئ عنه. مندفعة بأنّ الظاهر المستفاد من رواياته أن الارتماسي إنما يجزئ عن الترتيبي من جهة الترتيب فقط، حيث إنه معتبر في الاغتسال فيجب أن يغسل الرأس أوّلًا ثمّ البدن و هذا لا يتحقق في الارتماسي، لأن الرجلين فيه تغسلان قبل البدن و البدن قبل الرأس، و بهذه الجهة كان الارتماس مجزئاً عن الترتيبي المشتمل على الترتيب المعتبر. و أما أن مقدار الغسل في الارتماسي أقل منه في الترتيبي فهو مما لا يستفاد من الروايات، بل الظاهر أن مقداره فيهما غير متفاوت، و معه إذا دلّ الدليل على كفاية الارتماسي في مقام الامتثال فنستكشف أن البواطن غير واجبة الغسل في الغسل هذا.

مضافاً إلى الأخبار الواردة في الوضوء من تعليل عدم وجوب غسل داخل الأنف و العين في روايات المضمضة و الاستنشاق بأنهما من الجوف (2) حيث يدلّ على أنّ الجوف ممّا لا يجب غسله و أنّ الواجب إنّما هو غسل ما ظهر، و يؤيِّده بعض الروايات الضِّعاف الواردة في المسألة (3).

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5، 12.

(2) الوسائل 1: 431/ أبواب الوضوء ب 29 ح 6، 9، 10، 12.

(3) الوسائل 2: 226/ أبواب الجنابة ب 24 ح 6، 7، 8، 5.

360

و لا يجب غسل الشّعر مثل اللِّحية، بل يجب غسل ما تحته من البشرة، و لا يجزئ غسله عن غسلها، نعم يجب غسل الشّعور الدقاق الصغار المحسوبة جزءاً من البدن مع البشرة (1).

الشّعر لا يجب غسله في الغسل

____________

(1) الكلام في ذلك يقع في مقامين:

أحدهما: في أن غسل الشعر يجزئ عن غسل البشرة أو لا يجزئ.

و ثانيهما: في أنه على تقدير عدم إجزائه هل يجب غسله مستقلا أو لا يجب؟

أمّا المقام الأوّل فلا ينبغي الإشكال في أن الواجب إنما هو غسل البشرة لصحيحة زرارة المتقدِّمة الآمرة بغسل البدن من القرن إلى القدم، لأنّ القرن بمعنى منبت الشّعر و ظاهره وجوب إيصال الماء إلى جميع أجزاء البشرة و لا يكفي إيصاله إلى الشعر دون البشرة. و في صحيحة أُخرى «ثمّ أفض على رأسك و جسدك» (1) و في موثقة سماعة «يفيض الماء على جسده كلّه» (2) و في بعضها: «إذا مسّ جلدك الماء فحسبك» (3) و في آخر: «الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه» (4) و من الظاهر أن الجسد غير الشعر، و هو ليس من البدن، و إنما الشّعر من توابعه لا من الجسد. و يؤكِّد ذلك بل يدلّ عليه ما ورد من أن النِّساء يبالغن في غسل مواضع الشعر من جسدهنّ (5) و لا وجه له إلّا إيصال الماء إلى البشرة.

و أمّا ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) من قوله: أ رأيت ما‌

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 6.

(2) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 8.

(3) الوسائل 1: 485/ أبواب الوضوء ب 52 ح 3.

(4) الوسائل 2: 240/ أبواب الجنابة ب 31 ح 3.

(5) الوسائل 2: 255/ أبواب الجنابة ب 38 ح 1، 2. في الثانية: يبالغن في الغسل. و في الاولى: فقد ينبغي ان يبالغن في الماء.

361

..........

____________

أحاط به الشعر، قال (عليه السلام): كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه أو أن يغسلوه الحديث (1)، فلا يمكن الاستدلال به على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة في المقام، حيث إن قوله: «أ رأيت ما أحاط به الشعر» مسبوقة بجملة أو حال معيّن للمراد، و قد سئل فيها عن شي‌ء، و هذه الجملة ملحقة به، و إلّا فلا معنى للابتداء بتلك الجملة كما لا يخفى، فهي مسبوقة بشي‌ء قطعاً بمعنى أنها منقطعة الصدر، لعدم إمكان الابتداء بقوله: أ رأيت ... إلخ.

و من المحتمل قويّاً أن تكون الجملة الساقطة واردة في السؤال عن غسل ما أحاط به الشعر في الوضوء لكثرة الابتلاء به كما في النساء و كذا الرجال، لأنهم كثيراً ما كانوا ملتحين و لا سيما في الأزمنة القديمة، و مع هذا الاحتمال لا يمكننا التعدي عنه و الأخذ بعمومها و إطلاقها في جميع الموارد حتى في الغسل، لأن التمسك بالإطلاق يتوقف على جريان مقدّمات الحكمة لا محالة، و لا مجال لها مع احتمال وجود ما يحتمل قرينته على الاختصاص.

و دعوى أنها عامّة، لمكان قوله: كل ما ...، و ليست مطلقة تحتاج إلى مقدّمات الحكمة، ساقطة، لأن عمومها بحسب أفراد ما أحاط به الشعر خارج عن محل الكلام و إنما المقصود التمسك بإطلاق نفي وجوب الغسل في قوله: «ليس ... أن يغسلوه» و أنه يختص بموارد الوضوء أو يعمها و موارد الغسل و موارد الطّهارة الخبثية أيضاً هذا. مضافاً إلى ما قدّمناه في مبحث الوضوء من أن الرواية على إطلاقها غير قابلة للتصديق (2)، فان لازمها الحكم بكفاية غسل الشعر في طهارة ما أحاط به إذا كان نجساً.

فالمتحصل: أن الواجب إنما هو غسل البشرة و لا يكون غسل الشعر مجزئاً عنه.

و عن الأردبيلي (قدس سره) التأمل في عدم إجزاء غسل الشعر عن غسل البشرة استبعاداً من كفاية إجزاء غرفتين أو ثلاث لغسل الرأس كما نطق به غير واحد من‌

____________

(1) الوسائل 1: 476/ أبواب الوضوء ب 46 ح 3، 2.

(2) لاحظ شرح العروة 5: 59 و ما بعدها.

362

..........

____________

الأخبار، و ذلك لأن غرفتين أو ثلاث لا يصل إلى البشرة في مثل رأس النساء أو غيرهن ممن على رأسه شعر كثير، و هذا يدلّنا على إجزاء غسل الشعر عن غسل البشرة (1).

و لكن الظاهر أن استبعاده في غير محلّه، لأنّ ما وقفنا عليه في الأخبار إنما هو غسل الرأس بثلاث غرفات أو حفنات و لم نظفر بما اشتمل على غرفتين، و إليك بعضها منها: صحيحة زرارة قال «قلت: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: إن لم يكن أصاب كفه شي‌ء غمسها في الماء ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكف ثمّ صب على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» (2). و منها صحيحة ربعي بن عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «يفيض الجنب على رأسه الماء ثلاثاً لا يجزئه أقل من ذلك» (3) و دلالتها على ثلاث أكف بالإطلاق، لأنّ «ثلاثاً» أعم من الأكف. و في موثقة سماعة «ثمّ ليصب على رأسه ثلاث مرات مل‌ء كفّيه» (4) و لا استبعاد في وصول ثلاث أكف إلى البشرة، فإنّ الشعر ليس كالصوف و القطن مما يجذب الماء، بل إنما الماء يجري عليه و لا سيما بملاحظة أن الغسل يكفي فيه التدهين و إيصال البلل. على أنّ كفّين من الماء يكفي في الطرف الأيمن أو الأيسر كما عرفته في الأخبار، فلو كان كفّان من الماء كافياً في غسل أحد الطرفين فكيف لا يكفي ثلاث منها في غسل الرأس و إيصال الماء إلى البشرة به مع أن الرأس لأصغر من أحد الطرفين مرات، نعم هو مشتمل على الشعر الكثير دون الطرفين هذا.

بل قد ورد في بعض الروايات ما يدلّ على عدم إجزاء غسل الشعر عن غسل البشرة، و هو ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحائض ما‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 1: 137.

(2) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 2.

(3) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 4.

(4) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 8.

363

..........

____________

بلغ بلل الماء من شعرها أجزأها» (1) فانّ كلمة «من» للابتداء، و إذا صبّ الماء على شعرها و ابتدأ منه البلل إلى أن وصل إلى الرأس أجزأها. و أمّا صحيحة زرارة المتقدِّمة من قوله: «أ رأيت ما أحاط به الشعر» (2) المتوهمة دلالتها على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة فقد تقدّم الجواب عنها فلا نعيد.

و يؤيد ما ذكرناه ما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من أن تحت كل شعرة جنابة (3) فإنه يدلّ على لزوم غسل تحت الشعرات لترتفع الجنابة الكائنة تحتها.

و أمّا المقام الثاني و أن غسل الشعر أيضاً واجب أو غير واجب فقد يكون الشعر خفيفاً كما لا يخلو عنه الغالب فيوجد في مواضع غسله أو وضوئه شعور خفيفة، و لا إشكال في وجوب غسلها حينئذ لأنها من توابع البدن، فقوله: تغسل من قرنك إلى قدمك، أو تفيض الماء على جسدك. يشمل الشعور الخفيفة أيضا.

و قد يكون الشعر كثيفاً كما في شعور النساء أو لحى الرجال فهل يجب غسلها أو لا يجب؟ فلو كان على شعره قير مانع من وصول الماء إلى نفس الشعور و مانع عن غسلها و قد غسل نفس البشرة أ فيكفي ذلك في صحّته لأن الشعر غير واجب الغسل؟ المعروف بينهم عدم وجوب غسل الشعر في الغسل و إن قلنا بوجوبه في الوضوء، لما ورد من تحديد مواضع الغَسل بما بين القصاص و الذقن أو من الذراع إلى الأصابع (4) فإنه يشمل الشعر و الجسد، و أمّا في الغسل فلم يلتزموا بذلك.

و خالفهم فيه صاحب الحدائق (قدس سره) و مالَ إلى أن الشعر كالبشرة ممّا يجب غسله. و استدلّ على ذلك بأن الشعر غير خارج عن الجسد و لو مجازاً فيدلّ على وجوب غسله ما دلّ على وجوب غسل الجسد، كيف و قد حكموا بوجوب غسل الشعر في الوضوء معللين ذلك تارة بدخوله في محل الفرض و أُخرى بأنه من توابع‌

____________

(1) الوسائل 2: 241/ أبواب الجنابة ب 31 ح 4، 311/ أبواب الحيض ب 20 ح 2.

(2) تقدّمت في ص 360.

(3) مستدرك الوسائل 1: 479/ أبواب الجنابة ب 29 ح 3. و فيه: ... فبلغ الماء تحتها في أُصول الشعر كلّها ...

(4) الوسائل 1: 387/ أبواب الوضوء ب 15 ح 2، 11. ب 17.

364

..........

____________

اليد، و إذا كان الشعر داخلًا في اليد بأحد الوجهين المذكورين و اليد داخلة في الجسد كان الشعر داخلًا في الجسد لا محالة. على أنّا لو سلمنا خروجه عن الجسد فهو غير خارج عن الرأس و الجانب الأيمن و الأيسر، و قد ورد الأمر بغسل الرأس ثلاثاً و صب الماء على كل من جانبي الأيسر و الأيمن مرّتين و هو يشمل الشعر أيضاً هذا كله. مضافاً إلى صحيحة حجر بن زائدة عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من ترك شعرة من الجنابة متعمداً فهو في النار» (1) فإن تأويلها بالحمل على إرادة مقدار الشعرة من الجسد خلاف الأصل، لا يصار إليه إلّا بدليل (2). هذه خلاصة ما أفاده في المقام.

و لكن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب غسل الشعر في الغسل، و يكفينا في ذلك عدم الدليل على وجوبه. و لا دلالة في شي‌ء مما ذكره في المسألة على وجوبه، و ذلك لأن الشعر خارج عن الجسد و إنما هو أمر ثابت عليه، نعم لا بأس بإطلاق الجسد و إرادة الأعم منه و من الشعر النابت عليه مجازاً إلّا أن إرادته تحتاج إلى قرينة تدلّ عليه، و لا يمكن حمل الجسد عليه إلّا بدليل و لا دليل عليه. نعم إطلاق الرأس و الطرف الأيمن أو الأيسر يشمل الشعر كما أفاده، إلّا أن الأخبار الآمرة بصب الماء على الرأس ثلاثاً و الطرفين مرّتين إنما وردت لبيان الترتيب في غسل الأعضاء و لم ترد لبيان أن الغسل واجب في أي شي‌ء، و إنما يدلّ على وجوبه الأخبار الآمرة بغسل الجسد أو من قرنه إلى قدمه و غيرها مما لا يشمل الشعر كما مر.

و صحيحة حجر بن زائدة أيضاً لا دلالة لها على وجوب غسل الشعر لا بحمل الشعرة على معناها المجازي، بل مع إبقائها على معناها الحقيقي و أن الشعرة واجبة الغسل لا تدلّ إلّا على لزوم غسلها من أصلها إلى آخرها، و أصل الشعر من الجسد فيكون في الأمر بغسلها دلالة على لزوم إيصال الماء إلى الجسد. نعم لو كانت دالّة على وجوب غسل بعض الشعر لا من أصله إلى آخره أمكن الاستدلال بها على مدعاه إلّا‌

____________

(1) الوسائل 2: 175/ أبواب الجنابة ب 1 ح 5.

(2) الحدائق 3: 88.

365

و الثقبة التي في الاذن أو الأنف للحلقة إن كانت ضيقة لا يرىٰ باطنها لا يجب غسلها، و إن كانت واسعة بحيث تعدّ من الظاهر وجب غسلها (1).

____________

أنّ الصحيحة لا دلالة لها عليه.

فتحصل: أن وجوب غسل الشعر في الغسل مما لا دليل عليه، بل الدليل على عدم وجوبه موجود و هو موثقة عمار بن موسى الساباطي «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة تغتسل و قد امتشطت بقرامل و لم تنقض شعرها كم يجزئها من الماء؟ قال: مثل الذي يشرب شعرها و هو ثلاث حفنات على رأسها» الحديث (1) لأنّ إطلاقها يشمل ما إذا كان شعر المرأة مفتولًا شديداً بحيث لا يدخل الماء جوفه و لا يصل إلى جميع أجزاء الشعر، فلو كان غسل الشعر أيضاً واجباً لوجب عليها النقض، و الأخبار صريحة الدلالة على عدم وجوبه.

و أجاب عنها في الحدائق بأن عدم نقض الشعر لا يلزمه عدم وجوب غسله لإمكان إضافة الماء و زيادته إلى أن يصل إلى جميع أجزائه (2). و فيه: أن إيصال الماء إلى جوف الشعور المفتولة و إلى جميع أجزائها و إن كان ممكناً كما أفاده بإضافة الماء حتى يروي، إلّا أن الكلام في الملازمة بينهما و أن غسل الشعر ملازم لوصول الماء إلى جوف المفتول منه بحيث يصل إلى تمام أجزائه، و من الظاهر أنه لا تلازم بينهما، نعم قد يكون لإضافة الماء و كثرته و قد لا يكون، مع ملاحظة ما ورد من كفاية صب ثلاث غرفات في غسل الرأس.

فتحصل: أن غسل الشعر غير واجب كما ذهب إليه المشهور إلّا إذا كان خفيفاً و معدوداً من توابع الجسد كما قدّمناه.

حكم الثّقبة في الأنف و نحوه

(1) قد مرّ و عرفت أن الواجب إنما هو غسل ظواهر البدن دون بواطنه، فالحكم‌

____________

(1) الوسائل 2: 257/ أبواب الجنابة ب 38 ح 6.

(2) الحدائق 3: 89.

366

و له كيفيتان:

[الاولى الترتيب]

الاولى الترتيب (1) و هو أن يغسل الرأس و الرقبة أوّلًا ثمّ الطرف الأيمن من البدن ثمّ الطرف الأيسر (1)

____________

يدور مدار صدقهما، و لا مدخلية للثقبة فيه إثباتاً و نفياً، و لا بدّ حينئذ من ملاحظة أنّ الثقبة من الظاهر أو الباطن، فإذا كانت وسيعة بحيث يرى باطنها فهي محسوبة من الظاهر، و إذا كانت ضيقة و لا يرى باطنها فهي من البواطن و لا يجب غسلها.

كيفية الغسل الترتيبي

(1) الكلام في ذلك يقع من جهات:

اعتبار غسل الرأس أوّلًا الجهة الاولى: في أن الغسل ترتيباً يعتبر فيه غسل الرأس قبل غسل البدن بحيث لو غسله بعد غسل البدن أو مقارناً لغسله بطل. و يدلّ عليه مضافاً إلى الشهرة المحققة في المسألة بل الإجماع على اعتبار الترتيب بين الرأس و البدن، و لا يعتد بما هو ظاهر المحكي من عبارة الصدوقين حيث عطف البدن على الرأس بالواو (2)، لأنه نقل عنهما التصريح في آخر المسألة بوجوب إعادة الغسل لو بدأ بغير الرأس، و مع التصريح بذلك لا يمكن الاعتماد على ظاهر العطف في صدر المسألة الأخبار المعتبرة من الصحيح و الحسنة و الموثقة و إليك جملة منها:

فمنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن غسل الجنابة أي عن كيفيته بقرينة الجواب، لا عن حكمه فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثمّ تغسل فرجك، ثمّ تصبّ على رأسك ثلاثاً، ثمّ تصبّ على سائر جسدك‌

____________

(1) لا يبعد عدم اعتباره بين الجانبين، و الاحتياط لا ينبغي تركه.

(2) الفقيه 1: 46.

367

..........

____________

مرّتين فما جرى عليه الماء فقد طهر» أو (طهّر) (1)، لدلالتها على لزوم تقديم الرأس على البدن في الغسل لكلمة «ثمّ» الظاهرة في التراخي. و اشتمالها على بعض المستحبات كغسل الفرج لعدم اعتبار الاستنجاء في صحّة الغسل على ما يأتي في محلِّه (2)، و غسل الكفين و كذلك الغسل ثلاثاً أو مرّتين لقيام القرينة الخارجية على عدم وجوبها لا ينافي دلالتها على الوجوب فيما لم يقم على خلاف ظاهره الدليل.

و منها: صحيحة زرارة قال «قلت: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: إن لم يكن أصاب كفه شي‌ء غمسها في الماء، ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، ثمّ صب على رأسه ثلاث أكف ثمّ صب على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» (3). و ذلك لوقوع كلمة «ثمّ» عند عطف غسل البدن على غسل الرأس كما في الصحيحة المتقدّمة، و قد عرفت أن اشتمالها على بعض المستحبات لا ينافي دلالتها على الوجوب فيما لم يقم قرينة على استحبابه.

نعم الرواية مضمرة إلّا أنا ذكرنا غير مرّة أن مضمرات زرارة كمسنداته، لأنه لا يسأل من غير الإمام (عليه السلام)، على أن المحقق رواها في المعتبر عن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4)، و لعلّه كما في الحدائق نقلها عن بعض الأُصول القديمة التي كانت عنده (5).

و منها: موثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا أصاب الرجل جنابة فأراد الغسل فليفرغ على كفيه و ليغسلهما دون المرفق، ثمّ يدخل يده في إنائه ثمّ يغسل فرجه، ثمّ ليصب على رأسه ثلاث مرات مل‌ء كفّيه، ثمّ يضرب بكف من ماء على صدره و كفّ بين كتفيه ...» (6).

____________

(1) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 1.

(2) في ص 399 400.

(3) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 2.

(4) المعتبر 1: 183.

(5) الحدائق 3: 70.

(6) تقدّم ذكر مصدرها في ص 362.

368

..........

____________

و منها: صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثمّ بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بداً من إعادة الغسل» (1) نعم لا دلالة لها على بطلانه فيما إذا غسل رأسه مقارناً لغسل بدنه، لأنها إنما تدلّ على بطلانه فيما إذا غسل بدنه قبل غسل رأسه فحسب. و لكن يمكن أن يقال بدلالتها على بطلانه في صورة المقارنة بعدم القول بالفصل، لأن من قال بالترتيب بين الرأس و البدن و التزم ببطلانه عند تأخيره عن غسل البدن التزم ببطلانه عند مقارنة غسله لغسله أيضا.

و منها: ما رواه حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من اغتسل من جنابة و لم يغسل رأسه ثمّ بدا له أن يغسل رأسه لجهله بلزومه مثلًا لم يجد بدّاً من إعادة الغسل» (2) و هي كسابقتها.

و منها: صحيحته أي حريز المعبّر عنها بمقطوعة حريز في كلماتهم، في الوضوء يجف، قال «قلت: فان جفّ الأوّل قبل أن أغسل الذي يليه، قال: جفّ أو لم يجف اغسل ما بقي، قلت: و كذلك غسل الجنابة، قال: هو بتلك المنزلة، و ابدأ بالرأس ثمّ أفض على سائر جسدك، قلت: و إن كان بعض يوم، قال: نعم» (3) و دلالتها على اعتبار تقديم غسل الرأس على غسل البدن ظاهرة، و إنما الكلام في أنها مضمرة حيث لم يسندها حريز إلى الإمام (عليه السلام)، إلّا أنّ إضمار حريز كإضمار زرارة و أضرابه لأنّ حريزاً من أجلاء أصحاب الصادق (عليه السلام) و ليس من شأنه السؤال عن غير الإمام و درجه في الأخبار.

و قد يُقال: إنّها مقطوعة و توصف بها، و لعلّه من جهة إرجاع الضمير في «قال قلت: فان جفّ ...» إلى عبد اللّٰه بن المغيرة الذي يروي عن حريز ليكون هو السائل دون حريز، و إرجاع الضمير في «قال: جف أم لم يجف» إلى حريز ليكون هو المجيب دون الإمام. إلّا أنه بعيد غايته، لأن الظاهر أن ابن المغيرة إنما يروي عن حريز، نعم‌

____________

(1) الوسائل 2: 235/ أبواب الجنابة ب 28 ح 1.

(2) الوسائل 2: 235/ أبواب الجنابة ب 28 ح 3.

(3) الوسائل 2: 237/ أبواب الجنابة ب 29 ح 2.

369

..........

____________

هي مضمرة و قد عرفت أن الإضمار غير مضر من أمثال حريز و زرارة هذا.

على أنّ الصدوق رواها في (مدينة العلم) عن حريز مسنداً إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و الراوي عن الصدوق هو الشهيد في الذكرى على ما في الوسائل (1) و الشهيد ثقة عدل تُتبع روايته عن كتاب (مدينة العلم) و إن كان هذا الكتاب غير موجود في عصرنا لأنه مسروق و لكن الشهيد حسب روايته ينقل عن نفس الكتاب، و طريقه إلى الكتاب معتبر كما يظهر من المراجعة إلى الطرق و الإجازات، و به تكون الرواية مسندة و تخرج عن الإضمار و القطع.

و منها: غير ذلك من الأخبار.

و بإزاء هذه الأخبار أخبار أُخرى تدلّ على عدم لزوم الترتيب بين غسل الرأس و البدن إمّا بإطلاقها و إمّا بتصريحها و نصّها.

أمّا ما دلّ على عدمه بالنص فهو ما ورد في قضية الجارية أعني صحيحة هشام قال: «كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فيما بين مكّة و المدينة و معه أُم إسماعيل فأصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها و تركت رأسها، و قال لها: إذا أردت أن تركبي فاغسلي رأسك، ففعلت ذلك فعلمت بذلك أُم إسماعيل فحلقت رأسها، فلما كان من قابل انتهى أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إلى ذلك المكان فقالت له أُم إسماعيل: أي موضع هذا؟ قال لها: هذا الموضع الذي أحبط اللّٰه فيه حجّك عام أوّل» (2).

حيث دلّت على عدم لزوم غسل الرأس قبل غسل البدن. إلّا أنها ممّا لا يمكن الاعتماد عليه و إن كانت صحيحة السند و صريحة الدلالة على المدعى، و ذلك لأنّ راوي هذا الحديث أعني هشام بن سالم بعينه روى تلك القضية في صحيحة محمّد بن مسلم على عكس ما رواها في هذه الرواية، حيث روى هشام عن محمّد بن مسلم قال: «دخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فسطاطه و هو يكلم امرأة فأبطأت عليه‌

____________

(1) المصدر المتقدّم. كذا الذكرى: 91/ السطر 12.

(2) الوسائل 2: 236/ أبواب الجنابة ب 28 ح 4.

370

..........

____________

فقال: ادنه هذه أُمّ إسماعيل جاءت و أنا أزعم أن هذا المكان الذي أحبط اللّٰه فيه حجّها عام أوّل، كنت أردت الإحرام فقلت: ضعوا إليّ الماء في الخباء فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فأصبت منها فقلت: اغسلي رأسك و امسحيه مسحاً شديداً لا تعلم به مولاتك، فإذا أردت الإحرام فاغسلي جسدك و لا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك، فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول شيئاً فمست مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها و ضربتها، فقلت لها: هذا المكان الذي أحبط اللّٰه فيه حجّك» (1).

و هي على عكس الصحيحة التي رواها هشام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و من هنا قال الشيخ: هذا الحديث قد و هم الراوي فيه و اشتبه عليه فرواه بالعكس، لأن هشام بن سالم روى ما قلنا بعينه، يعني لزوم غسل الرأس قبل غسل البدن (2).

و الصحيح ما أفاده (قدس سره) و أنّ الاشتباه إنما هو من راوي الحديث عن هشام، لأنه بنفسه نقل عكسه كما عرفت.

و أمّا ما دلّ على عدم لزوم الترتيب بإطلاقها فعدة روايات.

منها: صحيحة زرارة المشتملة على قوله: «ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك» (3).

و منها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن غسل الجنابة، فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين (المرفق) إلى أصابعك و تبول إن قدرت على البول، ثمّ تدخل يدك في الإناء ثمّ اغسل ما أصابك منه، ثمّ أفض على رأسك و جسدك و لا وضوء فيه» (4).

و منها: صحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن‌

____________

(1) الوسائل 2: 237/ أبواب الجنابة ب 29 ح 1.

(2) التهذيب 1: 134.

(3) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

(4) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 6.

371

..........

____________

غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل؟ قال: الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل أن يغمسهما في الماء، ثمّ يغسل ما أصابه من أذى، ثمّ يصب على رأسه و على وجهه و على جسده كلّه، ثمّ قد قضى الغسل و لا وضوء عليه» (1).

و الكلام في تقييد المطلقات بالمقيّدات المتقدّمة و عدمه، و ذلك لأن هذه المطلقات ليست بأقوى من سائر المطلقات الواردة في الفقه، حيث إنّها بناء على كونها في مقام البيان من تلك الجهة أعني جهة الترتيب و إن كان لها ظهور في الإطلاق إلّا أن ظهور المقيّد في التقييد حاكم على ظهوره و مانع عن حجيّته إذا كان منفصلًا، و مانع عن أصل انعقاده لو كان متصلا.

على أنّه يمكن أن يقال بعدم كونها في مقام بيان أن الواجب في الغسل أي شي‌ء لأنها إنما وردت لبيان آدابه و كيفياته لا لبيان الأُمور الواجبة فيه، و من هنا تعرض لجملة من المستحبات و لم يتعرّض لاعتبار الترتيب، فلو لم يكن الترتيب بين الرأس و البدن واجباً فلا أقل من أنه مستحب، للأمر به في الأخبار من قوله: «صبّ على رأسه ثلاث أكف ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين» (2) ... و قوله: «ثمّ ليصب على رأسه ثلاث مرّات ...» (3). و قوله: «تبدأ بكفّيك ...» (4) فإنّ الأمر لو لم يفد الوجوب فلا أقل من إفادته الاستحباب، و للتأسِّي به (عليه السلام) حيث إنه كما في صحيحة زرارة بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكف ثمّ صب على منكبه الأيمن مرّتين ... (5) و مع ذلك لم يتعرض لبيانه و لم يدلّ على استحبابه، و هذا أيضاً قرينة على وجوبه، و إنما لم يتعرّض له لعدم كونها في مقام البيان من تلك الجهة. فالإنصاف أن المناقشة في دلالة الروايات على اعتبار الترتيب بين الرأس و البدن في غير محلّها. هذا كلّه في الجهة الأُولى.

____________

(1) الوسائل 2: 246/ أبواب الجنابة ب 34 ح 1.

(2) تقدّم ذكرهما في ص 367.

(3) تقدّم ذكرهما في ص 367.

(4) المتقدِّم في ص 366.

(5) تقدّم ذكرها في ص 367. و مضمونها ليس فعلًا صادراً منه (عليه السلام).

372

..........

هل الرّقبة داخلة في الرأس؟

____________

الجهة الثانية: هل الرقبة داخلة في الرأس فيجب غسلها قبل غسل البدن أو داخلة في البدن، فان قلنا بالترتيب بين الطرف الأيمن و الأيسر فلا بدّ من غسل نصف الرقبة مع الطرف الأيمن و نصفها الآخر مع الطرف الأيسر، و إن لم نلتزم بالترتيب بينهما فيغسلها مع الطرفين بأية كيفية شاءها؟

المعروف بينهم أنها داخلة في الرأس، و هذا هو الصحيح لا لدعوى أن الرأس يطلق على الرقبة و ما فوقها ليقال إنها غير ثابتة و أن الرأس اسم لما نبت عليه الشعر فوق الأُذنين مع أن إطلاقه و إرادة الرقبة و ما فوقها ليس إطلاقاً غريباً، بل قد يستعمل كذلك فيقال قطع رأسه أو ذبح و لا يراد بذلك أنه قطع عمّا فوق الأُذنين، نعم ليس إطلاقاً متعارفاً كثيراً بل من جهة أن حكم الرقبة حكم الرأس فيجب غسلها مقدّماً على غسل البدن، لقيام القرينة على ذلك أي على أن حكمها حكمه. و الذي يدلّ على ذلك أمران:

أحدهما: صحيحة زرارة الآمرة بصب ثلاث أكف على رأسه و صبّ الماء مرّتين على منكبه الأيمن و مرّتين على منكبه الأيسر (1)، فإنّ الرقبة لو لم تغسل مع الرأس و كانت الأكف الثلاث لأجل غسل الرأس فحسب فأين تغسل الرقبة بعد غسله؟ فان صبّ الماء على المنكبين لا يوجب غسل الرقبة لوضوح أنها فوق المنكبين، و لا أمر بالغسل غير غسل الرأس و المنكبين إلى آخر البدن فتبقى الرقبة غير مغسولة.

و ثانيهما: موثقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الآمرة بعد صبّ الماء على رأسه ثلاثاً بضرب كف من الماء على صدره و كف بين كتفيه (2)، فان ضرب الكف منه على صدره و كف بين كتفيه إما أن يكونا هما تمام الغسل الواجب في الغسل و إما أن يكونا مقدّمة لوصول الماء في الغسل الواجب إلى تمام البدن بسهولة، لأن الماء في‌

____________

(1) تقدّمت في ص 367.

(2) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 8.

373

..........

____________

المبلول سريع الجريان. و على كلا التقديرين لو لم تكن الرقبة داخلة تحت الرأس في الغسل لتبقى غير مغسولة، و ذلك لأن صبّ الماء على الصدر و الكتف لا يوجب غسل الرقبة لأنها فوقهما هذا.

و قد يقال: إنّ الرقبة داخلة في البدن، و يستدلّ عليه بصحيحة أبي بصير حيث ورد فيها «و تصب الماء على رأسك ثلاث مرات و تغسل وجهك ...» (1)، و نظيرها صحيحة يعقوب بن يقطين، لما ورد فيها من قوله (عليه السلام): «ثمّ يصب على رأسه و على وجهه و على جسده كلِّه» (2) فان غسل الرأس إذا لم يشمل غسل الوجه فلا يشمل غسل الرقبة بطريق أولى. و هذا القول هو الذي نقله في الحدائق عن بعض معاصريه الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني (قدس سره) (3).

و فيه: أنّه إن أُريد بذلك أن الوجه و الرقبة خارجان عن مفهوم الرأس لغة لأنه اسم لمنبت الشعر من فوق الاذن فهو مما لا كلام فيه، و إن أراد أن الرقبة و الوجه لا يغسلان مع غسل الرأس مقدّماً على غسل البدن فلا دلالة عليه في شي‌ء من الروايتين، بل هما يغسلان بغسله، و إنما أمره بغسل الوجه إما لاستحبابه في نفسه و لو مع غسله بغسل الرأس و إما لأجل الاهتمام به. و قد احتاط الماتن بغسل نصف الرقبة ثانياً مع الجانب الأيسر و نصفها كذلك مع الجانب الأيمن، و هو احتياط استحبابي لا بأس به.

هل يعتبر الترتيب بين الجانب الأيمن و الأيسر؟

الجهة الثالثة: في أن الترتيب كما يعتبر في الرأس و البدن هل يعتبر بين الجانب الأيمن و الأيسر؟ المعروف هو اعتباره بينهم مستدلّاً على ذلك بما ورد في صحيحة زرارة من صبّ الماء على رأسه ثلاثاً ثمّ صبّه على المنكب الأيمن مرّتين و على المنكب‌

____________

(1) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 9.

(2) الوسائل 2: 246/ أبواب الجنابة ب 34 ح 1.

(3) الحدائق 3: 65.

374

..........

____________

الأيسر مرّتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه (1)، بدعوى أن الظاهر منها و من غيرها ممّا هو بهذا المضمون أن الغسل ثلاثة أجزاء غسل الرأس و غسل الجانب الأيمن و غسل الجانب الأيسر، فلو لم يعتبر الترتيب بين الجانبين لما كان له أجزاء ثلاثة، بل كان له جزءان غسل الرأس و غسل البدن. و على ما ببالي أنّ الفرّاء يرى مجي‌ء واو العاطفة للترتيب الذكري (2)، و معه يكون عطف الجانب الأيسر على الأيمن بكلمة «واو» دالّاً على لزوم الترتيب بينهما. و للإجماع على اعتبار الترتيب بين الجانبين كما يعتبر بين الرأس و البدن.

و لكن الصحيح عدم اعتبار ذلك، لأن الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير حاصل في المسألة مع ذهاب جملة من أكابر الفقهاء كالبهائي (3) و الأردبيلي (4) و صاحب المدارك (5) و الذخيرة (6) إلى عدم الاعتبار، و أما أن واو العاطفة تدلّ على الترتيب فهو خلاف المتسالم عليه بين الأُدباء لأنها إنما تدلّ على مطلق الجمع دون الترتيب.

و أمّا الصحيحة و غيرها ممّا هو بمضمونها فيدفعه أنه لا دلالة لها على أنّ الغسل له أجزاء ثلاثة بل له جزءان، و إنما عبّر بغسل الرأس ثمّ الجانب الأيمن و الجانب الأيسر لأن الماء في مفروض الروايات هو الماء القليل، و الكيفية المتعارفة العاديّة في غسل البدن بالماء القليل إنما هو غسل الرأس ثمّ أحد الجانبين ثمّ الجانب الآخر، و ليس ذكره كذلك لكونه واجباً معتبراً في الغسل.

بل يمكن القول بدلالتها على عدم لزوم الترتيب بين الجانبين، و ذلك لأنّ معنى الترتيب أنّ النصف الأيمن لا بدّ أن يغسل بتمامه قبل النصف الأيسر، و الروايات دلّت‌

____________

(1) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 2.

(2) مغني اللّبيب: 464.

(3) حبل المتين: 41.

(4) لم نعثر على رأيه.

(5) المدارك 1: 295.

(6) الذخيرة: 56/ السطر 18.

375

..........

____________

على أنه بعد صبّ الماء حفنتين على أحد الجانبين يصب الماء حفنتين على الجانب الآخر، و هل يمكن أن يغسل بحفنتين من الماء تمام الجانب الأيمن حتى تكون الكفّان بعد ذلك لغسل النصف الأيسر؟ بل يستحيل ذلك عادة.

ثمّ لو فرضنا أنّ كفين من الماء يكفي في غسل تمام النصف أو أخذنا بما دلّ على صبّ الماء على الجانبين مرّتين و لو بمقدار يكفي في غسل الطرفين، إلّا أن في صبّ الماء مرّتين على النصف الأيمن لا محالة يغسل شي‌ء من النصف الأيسر أيضاً، إذ لم يجعل خط فاصل بين نصفي البدن نصفاً حقيقياً يمنع عن وصول الماء من جانب إلى جانب، فإذا غسل شي‌ء من الجانب الأيسر بغسل الجانب الأيمن فهو كاف في غسل الجانب الأيسر و لا يلزم غسل ذلك المقدار منه ثانياً، بدلالة الصحيحة نفسها على أن ما جرى عليه الماء فقد أجزأه، فهي بنفسها دالّة على عدم اعتبار الترتيب بين الطرفين. هذا كلّه فيما استدلّ به على اعتبار الترتيب بين الطرفين أوّلا.

و استدلّ على اعتباره ثانياً بما يتألف من مقدمتين:

إحداهما: ما ورد في جملة من الأخبار (1) فيها المعتبرة و غير المعتبرة من اعتبار الترتيب بين غسل الجانب الأيمن و الجانب الأيسر في غسل الميت، و أنه يغسل رأسه أوّلًا ثمّ يغسل طرفه الأيمن ثمّ الأيسر.

و ثانيتهما: ما ورد من أن غسل الميت كغسل الجنابة (2)، حيث استفيد منها أنهما على حدّ سواء. و حيث أنّ المقدّمة الأُولى تثبت اعتبار الترتيب في غسل الميت فلا محالة يعتبر ذلك في غسل الجنابة أيضاً بحكم المقدّمة الثانية.

و يدفعه: أنّ الترتيب و إن كان معتبراً في غسل الميت إلّا أن المقدّمة الثانية ممنوعة و ذلك لأن الرواية لم تشتمل على أن غسل الجنابة كغسل الميت حتى يدلّ على أنّ ما يعتبر في المشبه به يعتبر في المشبّه لا محالة، و إنّما اشتملت على أنّ غسل الميت كغسل‌

____________

(1) الوسائل 2: 479/ أبواب غسل الميت ب 2.

(2) الوسائل 2: 486/ أبواب غسل الميت ب 3 ح 1، و هي صحيحة محمّد بن مسلم.

376

..........

____________

الجنابة، و لا دلالة له على أن ما يعتبر في غسل الميت يعتبر في غسل الجنابة، و إلّا فيعتبر في غسل الميت تعدد الغسلات و المزج بشي‌ء من السدر و الكافور و لا يعتبر شي‌ء من ذلك في غسل الجنابة، و إنما شبّه بغسل الجنابة فيما يعتبر فيه، أعني لزوم إصابة الماء و وصوله إلى تمام البدن بحيث لا تبقى منه و لو بمقدار شعرة واحدة، فهو يعتبر في غسل الميت أيضاً بهذه الرواية.

على أنّ القاعدة أيضاً تقتضي تشبيه غسل الميت بغسل الجنابة دون العكس، و ذلك لأنّ الجنابة أمر تعمّ به البلوى و يبتلى به عامّة الناس إلّا نادراً فحكمها أمر يعرفه الجميع و هذا بخلاف غسل الميت، لأنه لعله مما لا يبتلي به واحد في المائة فيشبه بغسل الجنابة تشبيهاً للمجهول بالمعلوم و الضعيف بالقوي فهذا الاستدلال غير تام.

و أمّا ما ورد من أنّ غسل الميت بعينه غسل الجنابة، لأنّ الميت يجنب حال موته بخروج النطفة التي خلق منها فغسل الميت بعينه غسل الجنابة، فيندفع بأن أكثرها ضعيفة السند و لا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. على أن منها ما اشتمل على أن النطفة إنما تخرج منه من ثقبة في بدنه كعينه أو أنفه و أُذنيه، و لا إشكال في أن خروج النطفة من غير الموضع المعيّن لا يوجب الجنابة فلا يكون الميت جنباً بذلك و لا يكون غسله غسل الجنابة. ثمّ لو سلمنا أنه يجنب بذلك لدلالة الدليل مثلًا على أن الميت يجنب بذلك فلا دليل على أن غسل الجنابة في الأحياء يعتبر فيه ما يعتبر في غسل الجنابة في الأموات.

ثمّ إنّ ممّا يدلّنا على عدم الترتيب بين الطرفين ما ورد في ذيل صحيحة محمّد بن مسلم «فما جرىٰ عليه الماء فقد طهر» (1) و في ذيل صحيحة زرارة «فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» (2) لما مرّ من أن صب الماء على أحد الطرفين لا يمكن عادة أن يغسل به أحدهما من دون أن يصل منه الماء إلى شي‌ء من الطرف الآخر و هو أمر ظاهر، فإنه‌

____________

(1) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 1.

(2) تقدّم ذكرها في ص 373.

377

..........

____________

يجري الماء منه إلى شي‌ء من الجانب الأيسر لا محالة، و الذيلان المتقدّمان يدلّان على كفاية ذلك في الغسل و عدم وجوب غسله ثانياً مع أن غسل ذلك المقدار من الجانب الأيسر وقع قبل غسل تمام الطرف الأيمن، فهما تدلّان على عدم اعتبار الترتيب بين الطرفين.

و يدلّ على ذلك من الأخبار الخاصّة مضافاً إلى المطلقات المتقدّمة ما ورد في ذيل صحيحة زرارة الواردة في من شك في غسل بعض جسده في الغسل، حيث قال: «فان دخله الشك و قد دخل في صلاته فليمض في صلاته و لا شي‌ء عليه، و إن استيقن رجع فأعاد عليه الماء، و إن رآه و به بلّة مسح عليه و أعاد الصلاة باستيقان ...» (1) حيث فصّلت بين صورتي الشك و اليقين، و دلّت على وجوب إعادة الماء على الموضع غير المغسول أو مسحه بالبلة الموجودة في بدنه و على إعادة الصلاة في صورة اليقين و هذا إنما يتمّ بناء على عدم الترتيب بين الجانبين، لأن الترتيب لو كان معتبراً بينهما لوجب التفصيل بين ما إذا كان المحل المنسي غسله في الطرف الأيسر فيعود عليه بالماء أو يمسحه بالرطوبة الموجودة في بدنه كما في الرواية، و بين ما إذا كان في الطرف الأيمن فإنه يعود عليه الماء أو يمسحه و يعيد غسل طرفه الأيسر ليحصل به الترتيب المأمور به، فكونها ساكتة عن التفصيل بين الصورتين مع أنها في مقام البيان يدلّنا على عدم اعتبار الترتيب بين الجانبين.

و منها: موثقة سماعة المتقدِّمة حيث ورد فيها «ثمّ يضرب بكف من ماء على صدره و كف بين كتفيه ...» (2) فان الظاهر أن الصبتين بنفسهما الغسل المأمور به لا أنهما مقدّمتان للغسل بأن يبلل بهما البدن و يصل الماء في الغسل إلى جميع أطرافه بسرعة. و هي كما ترى تدلّ على لزوم غسل الصدر و الكتف من دون تقديم أحد الجانبين على الآخر، إذ لو اعتبر الترتيب بينهما للزم الأمر بصبهما على الجانب الأيمن من الصدر و الكتف أوّلًا ثمّ صبهما على الجانب الأيسر منهما.

____________

(1) الوسائل 2: 260/ أبواب الجنابة ب 41 ح 2.

(2) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 8.

378

..........

____________

و منها: صحيحة حكم بن حكيم، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل الجنابة، فقال: أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها ثمّ اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثمّ اغسل فرجك و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل، فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك أن لا تغسل رجليك، و إن كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك» (1).

حيث إنه (عليه السلام) فرّع على صب الماء على الرأس و الجسد بقوله: «فإن كنت ...» إلخ أنه إن كان في مكان نظيف فالماء الذي صبه على الرأس و الجسد يكفي في غسل رجليه فلا يجب غسلهما بعد ذلك، و أما إذا كان المكان قذراً و تنجس به رجلاه فيجب أن يغسلهما بعد صبه الماء على رأسه و جسده إتماماً للغسل، و هذا لا يتم إلّا بناء على عدم اعتبار الترتيب بين الطرفين، إذ لو كان معتبراً لوجب أن يأمره بغسل رجله اليمنى أوّلًا ثمّ غسل رجله اليسرى و جميع طرفه الأيسر ثانياً تحصيلًا للترتيب المعتبر بين الجانبين.

و ممّا يدلّنا على ما ادعيناه و لعله أظهر ما في الباب من الروايات ما رواه الصدوق في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة تغتسل و قد امتشطت بقرامل و لم تنقض شعرها كم يجزئها من الماء؟ قال: مثل الذي يشرب شعرها و هو ثلاث حفنات على رأسها و حفنتان على اليمين و حفنتان على اليسار ثمّ تمرّ يدها على جسدها كلِّه» (2) و هي صريحة في المدعى، فان قوله (عليه السلام): «ثمّ تمرّ يدها» تدلّ على تراخي إمرار اليد عن صبّ الحفنتين على اليمين و اليسار، و لا وجه للإمرار بعد ذلك إلّا عدم وصول الحفنتين في كل من الطرفين إلى جميع البدن، و إلّا الإمرار مما لا وجه له، و لم تدلّ الموثقة على أنها تمر بيدها على الجانب الأيمن أوّلًا ثمّ تصب الحفنتين على الأيسر و تمرّ يدها عليه، بل هي مطلقة‌

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 7، 233/ ب 27 ح 1.

(2) الوسائل 2: 257/ أبواب الجنابة ب 38 ح 6. الفقيه 1: 55/ 208.

379

..........

____________

فقد يكون الموضع الذي لم يصله الماء في الطرف الأيمن مع أنها قد صبت الحفنتين على الأيسر فإنها دلّت على أنها لو مسحت بيدها ذلك الموضع كفى في غسلها، و لا يتم هذا إلّا مع عدم لزوم الترتيب بين الجانبين. فالموثقة ظاهرة بل كادت أن تكون صريحة في عدم اعتبار الترتيب بينهما.

و ممّا يشهد على ذلك بل يعادل جميع ما أسلفناه أن غسل الجنابة مسألة كثيرة الابتلاء لكل أحد إلّا ما ندر، و الحكم في مثلها لو كان لشاع بين الرواة و لم يخف على أحد مع أنه لم يرد اعتبار الترتيب بين الطرفين و لا في رواية، إذ لو كان معتبراً لورد في الأخبار و انتشر بين الرّواة، فإنه قد ذكر الترتيب بين الرأس و البدن كما ذكر اعتباره بين الجانبين أيضاً في غسل الميت مع قلّة الابتلاء به فلو كان معتبراً في غسل الجنابة أيضاً لورد في الروايات، فنفس عدم الاشتهار في مثله يدلّنا على العدم، فإن الأعراب لا يمكنهم فهم اعتبار الترتيب بين الجانبين من قوله: «ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» فلو كان معتبراً لوجب عليه التنبيه و البيان.

فتحصل: أن الترتيب بين الجانبين مما لا دليل عليه سوى الإجماعات المنقولة و الشهرة المحققة، و الشهرة لا نقول بحجيتها و كذا الإجماعات المنقولة، لأنها إخبارات حدسية لا تشملها أدلّة اعتبار الخبر الواحد، و مع القول بذلك في الأُصول لا وجه للاعتماد عليها في الفروع حتى يشمله ما قاله بعض العلماء على ما نقله الشيخ (قدس سره) في بحث الإجماع المنقول من أنهم إذا وردوا الفقه نسوا ما ذكروه في الأُصول (1). و الإجماع المحصل غير حاصل لنا و لا سيما مع مخالفة الصدوقين حيث راجعنا عبارته و لم نرها دالّة على اعتبار الترتيب بين الطرفين (2). فالصحيح عدم اعتباره بين الجانبين و لكن الاحتياط مع ذلك في محلِّه.

____________

(1) فرائد الأُصول 1: 93.

(2) الفقيه 1: 46 49.

380

و الأحوط أن يغسل النصف الأيمن من الرقبة (1) ثانياً مع الأيمن و النصف الأيسر مع الأيسر، و السرة و العورة (2) يغسل نصفهما الأيمن مع الأيمن و نصفهما الأيسر مع الأيسر، و الأولى أن يغسل تمامهما مع كل من الطرفين. و الترتيب المذكور شرط واقعي، فلو عكس و لو جهلًا أو سهواً بطل.

حكم الأجزاء المشتركة

____________

(1) الكلام في الأجزاء المشتركة. منها الرقبة: قدمنا أن الرقبة داخلة في الرأس لا من جهة أن الرأس بمفهومه يشمل الرقبة، بل من جهة أن الرقبة كالرأس في الغسل و لا بدّ أن تغسل قبل غسل البدن، و لكن الحد المشترك بينها و بين الجسد لا بدّ من غسله مع الرقبة تارة و مع البدن اخرى لقاعدة الاشتغال، حتى يحصل القطع بغسل الرقبة بتمامها قبل البدن و غسل البدن بعد الرقبة، كما هو الحال في الوضوء حيث لا بدّ من إدخال مقدار من الأطراف في الغسل تحصيلًا للقطع بتحقق الغسل الواجب. ثمّ إن قلنا بالترتيب بين الجانب الأيمن و الأيسر وجب غسل النصف الأيمن من الحدّ الفاصل من الرقبة مع الجانب الأيمن ثانياً و نصفها الأيسر مع الجانب الأيسر ثانياً، و أما إذا أنكرنا الترتيب بينهما فلا بدّ من غسله مع البدن كيفما اتفق. و منها السرة و العورة.

(2) هل يجب غسلهما مع الأيمن فقط، أو يجب غسلهما مع الأيسر كذلك، أو ينصفان فيغسل نصفهما الأيمن مع الأيمن و نصفهما الأيسر مع الجانب الأيسر، أو لا بدّ من غسلهما بتمامهما مع الجانب الأيمن تارة و مع الجانب الأيسر اخرى؟ و هذا الأخير هو الذي جعله الماتن أولى.

و الظاهر أنه لا أولوية ملزمة لذلك، و ذلك لأنه مبني على احتمال أن تكون السرة و العورة تابعتين للأيمن أو للأيسر و من هنا تغسلان بتمامهما مع كل من الطرفين عملًا بكلا الاحتمالين، و لكنّه احتمال لا منشأ له، إذ لا وجه لتبعيتهما للأيمن أو الأيسر، لأن نسبتهما إلى كل من الجانبين على حد سواء بحيث لو نصفتا وقع نصفهما في أحد الجانبين و نصفهما الآخر مع الآخر، و مع تساوي النسبتين لا موجب لاحتمال تبعيتهما‌

381

و لا يجب البدأة بالأعلى في كل عضو و لا الأعلى فالأعلى (1)

____________

لأحد الطرفين، فهما عضوان مستقلان كبقيّة الأعضاء المستقلة كالأنف و غيره. و هل يجب غسل نصفهما الأيمن مع الأيمن و نصفهما الأيسر مع الأيسر؟ الصحيح عدم وجوب ذلك أيضاً. أمّا بناء على عدم الترتيب بين الجانبين فظاهر، فإنه يتمكن من غسلهما كيفما اتفق، و أمّا بناء على القول بالترتيب بين الطرفين فلأنه لم يثبت بدليل لفظي ليحكم بالترتيب في كل عضو، و إنّما ثبت لو قلنا به بالإجماع كما مر، و هو دليل لبِّي يقتصر فيه على المقدار المتيقن و هو غير الأعضاء المشتركة من السرة و العورة، فالمطلقات فيهما محكمة. و له أن يغسلهما كيفما اتفق، نعم غسلهما بتمامهما مع كل من الجانبين احتياط محض لا بأس به.

عدم وجوب البدأة بالأعلى فالأعلى

(1) هذا هو المعروف بينهم، بل لا خلاف فيه إلّا ما نسب إلى بعضهم. و ما ذهبوا إليه هو الصحيح. و قد يجعل صحيحة زرارة «ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك» (1) و صحيحته الأُخرى «ثمّ صب على رأسه ثلاث أكف ثمّ صب على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين» (2) دليلًا على لزوم البدأة بالأعلى فالأعلى.

و فيه: أنّ القرن ليس بمعنى أعلى الرأس و إنما معناه موضع القرن من الحيوانات نعم يكنى به عن الاستغراق، فالأمر بغسل البدن من القرن إلى القدم معناه وجوب غسل الجسد بتمامه و لا دلالة له على لزوم كون ذلك من الأعلى إلى الأسفل. على أنها إنما وردت لتحديد المغسول و أنه هو ما بين القرن و القدم، و أمّا أنه كيف يغسل فلا تعرض له في الرواية بوجه كما ذكرنا نظيره في الوضوء، هذا بالإضافة إلى الصحيحة الأُولى.

و أمّا الصحيحة الثانية فهي أيضاً لا تدلّ على لزوم الغسل من الأعلى إلى الأسفل‌

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

(2) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 2.

382

..........

____________

لأنّ الأمر بصب الماء على المنكبين ليس أمراً مولوياً و إنما هو إرشاد إلى إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن، و ذلك للقرينة الخارجية و الداخلية.

أمّا الخارجية فهي موثقة سماعة الآمرة بصب كف من الماء على الصدر و كف منه على الكتف (1) فانّ الصدر و الكتف ليسا من أعلى البدن فمنه يظهر أن الغرض إيصال الماء إلى أجزاء البدن، و هذا قد يكون بصب الماء من اليمين و اليسار و قد يكون من القدام و الخلف، فليس الأمر بصب الماء من المنكبين إلّا لذلك لا لأجل لزوم الغسل من الأعلى إلى الأسفل.

و أمّا القرينة الداخلية فلقوله (عليه السلام) في ذيلها: «فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» لأنه تفريع على صب الماء من المنكبين، و معناه أنّ الصب إنما هو لجريان الماء على البدن، و من الواضح أن الجريان إنما يكون بصب الماء من الأعلى و المنكب و لذا أمر به لا لأن الغسل لا بدّ أن يقع من الأعلى إلى الأسفل، هذا كله.

على أنا لو سلمنا كونه مولوياً فهو متعلق بالصب على المنكبين مقيّداً بالمرّتين و ليس أمراً مطلقاً بالصب على المنكبين، و قد علمنا خارجاً أن القيد مستحب، إذ لا يعتبر في الصب مرّتان، فيكون الأمر بالمقيد أمراً استحبابيا.

و توهّم أنّ العلم بالاستحباب إنما يوجب رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب في القيد و أما ذات المقيّد فالأمر باق على ظهوره فيه، فأصل الصب على المنكبين واجب مندفع بأن ذلك إنما يتم في العموم و الإطلاق، فإن الأمر إذا تعلق بإكرام عشرة و علمنا بعدم وجوب إكرام واحد منهم فهو لا يوجب رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب في الجميع، و إنما نرفع اليد عنه في خصوص الواحد المعلوم استحبابه، و هذا بخلاف الأمر بالمقيّد لأنّه شي‌ء واحد لا ينحل إلى أمرين أمر بالذات و أمر بالقيد، فإذا علمنا أنّ القيد مستحب فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور الأمر بالمقيّد من الوجوب.

و يؤيِّد ما ذكرناه من عدم لزوم الغسل من الأعلى إلى الأسفل صحيحة زرارة‌

____________

(1) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 8.

383

و لا الموالاة العرفية بمعنى التتابع و لا بمعنى عدم الجفاف (1)، فلو غسل رأسه و رقبته في أوّل النّهار و الأيمن في وسطه و الأيسر في آخره صح، و كذا لا يجب الموالاة في أجزاء عضو واحد

____________

المتقدِّمة الواردة في نسيان بعض الأعضاء (1)، حيث دلّت على أنه يغسل ذلك الموضع أو يمسح بيده عليه، فان الغسل من الأعلى إلى الأسفل لو كان واجباً للزم أن يفصّل بين ما إذا كان المنسي أسفل الجزء و ما إذا كان من الأجزاء العالية، فإنه في الصورة الثانية لا بدّ من غسله و ما بقي إلى آخر العضو حتى يتحقق الغسل من الأعلى إلى الأسفل. و هي و إن كانت واردة في النسيان إلّا أنه يدلّنا على عدم لزوم الترتيب بين الأعلى و الأسفل بإطلاقها.

عدم اعتبار الموالاة في الغسل

(1) و ذلك مضافاً إلى المطلقات كقوله في صحيحة زرارة: «ثمّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك» (2) لعدم تقييدها بكون الغسل متوالياً بل له أن يغسل عضواً أوّل الصبح و عضوه الآخر عند الزوال، تدلّ عليه جملة من الأخبار.

منها: صحيحة محمّد بن مسلم الواردة في قضية الجارية حيث أمر (عليه السلام) الجارية بأن تغسل رأسها و تمسحه مسحاً شديداً و تغسل جسدها عند إرادة الإحرام (3).

و منها: ما ورد في مضمرة حريز من قوله (عليه السلام): «و ابدأ بالرأس ثمّ أفض على سائر جسدك، قلت: و إن كان بعض يوم؟ قال: نعم» (4).

____________

(1) الوسائل 2: 260/ أبواب الجنابة ب 41 ح 2. و قد تقدّمت في ص 377.

(2) تقدّم ذكرها في ص 381.

(3) الوسائل 2: 237/ أبواب الجنابة ب 29 ح 1.

(4) الوسائل 2: 237/ أبواب الجنابة ب 29 ح 2.

384

و لو تذكر بعد الغسل ترك جزء من أحد الأعضاء رجع و غسل ذلك الجزء فإن كان في الأيسر كفاه ذلك، و إن كان في الرأس أو الأيمن وجب غسل الباقي على الترتيب (1)، و لو اشتبه ذلك الجزء وجب غسل تمام المحتملات (1) مع مراعاة الترتيب (2).

____________

و منها: صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إن عليّاً (عليه السلام) لم ير بأساً أن يغسل الجنب رأسه غدوة و يغسل سائر جسده عند الصلاة» (2).

(1) ما أفاده (قدس سره) على طبق القاعدة ليحصل الترتيب المعتبر بين الرأس و البدن، و أمّا بين الجانب الأيمن و الأيسر فقد عرفت أنه لا يعتبر الترتيب بينهما، نعم لو قلنا به لصحّ ما أفاده من وجوب غسل الموضع الباقي في الجانب الأيمن ثمّ إعادة غسل الأيسر ليحصل الترتيب بينهما.

(2) و ذلك للعلم الإجمالي بوجوب غسل موضع من مواضع الغسل، و حيث إنه غير معيّن فيجب غسل الجميع تحصيلًا للقطع بالفراغ، و لكن هذا إنما يتم فيما إذا كان الموضع غير المغسول في عضو واحد كما إذا علم بأنه ترك غسل جزء من أجزاء رأسه فيجب غسل جميع الرأس لما مر، أو علم بأنه ترك غسل جزء من أجزاء بدنه فيجب غسل الجميع بناء على عدم الترتيب بين الجانبين. و أمّا بناء على الترتيب بينهما فكما إذا علم ببقاء جزء من طرفه الأيمن فقط فيغسل جميع ذلك الطرف و هكذا.

و أمّا إذا كان المعلوم بالإجمال مردّداً بين عضوين مترتبين كما إذا علم بأنه ترك جزءاً من رأسه أو من بدنه بناء على عدم الترتيب بين الجانبين، و أمّا بناء عليه فكما إذا علم بترك جزء من رأسه أو من جانبه الأيمن، فمقتضى إطلاق عبارة الماتن أيضاً وجوب الاحتياط حينئذ. إلّا أن الصحيح أنه لا يجب عليه الجمع بين الأطراف‌

____________

(1) بل يكتفي بغسل الجزء المحتمل تركه من العضو اللاحق لانحلال العلم الإجمالي، فتجري قاعدة التجاوز بالإضافة إلى الجزء المحتمل تركه من العضو السابق.

(2) الوسائل 2: 238/ أبواب الجنابة ب 29 ح 3.

385

[الثانية: الارتماس]

الثانية: الارتماس و هو غمس تمام البدن في الماء (1)

____________

وقتئذ، و ذلك لانحلال العلم الإجمالي إلى القضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها بالشك البدوي، و ذلك للقطع حينئذ بفساد غسل البدن أو الطرف الأيمن إما لأنه بقي منه جزء لم يغسله و إما لبطلان غسل الرأس لبقاء جزء منه، فان مع بطلان غسله يبطل غسل البدن أو الطرف الأيمن للإخلال بالترتيب فلا مناص من إعادة غسله. و أما الرأس فهو مشكوك الغسل و عدمه و مقتضى قاعدة التجاوز صحّته، إذ بنينا و بنى الماتن (قدس سره) على جريانها في الغسل.

و هكذا الحال فيما إذا علم إجمالًا ببقاء جزء من طرفه الأيمن أو الأيسر بناء على اعتبار الترتيب بينهما، لأنه يعلم حينئذ ببطلان غسل الأيسر إمّا لعدم غسل شي‌ء من أجزائه و إما لبطلان غسل الأيمن لبقاء جزء من أجزائه و يشكّ في صحّة غسل الجانب الأيمن شكّاً بدويّاً تجري فيه قاعدة التجاوز. و هكذا الحال في كل أمرين مترتبين، كما إذا علم إجمالًا ببطلان وضوئه أو بنقصان ركوع من صلاته، فإنّه يعلم ببطلان صلاته تفصيلًا إما لنقصان ركوعها و إما لبطلان الوضوء، مع أنّ مقتضى إطلاق عبارته (قدس سره) وجوب الاحتياط في هذه الصورة أيضا.

الغسل الارتماسي و كيفيته

(1) لا خلاف بين الفقهاء (قدس سرهم) في أن الغسل ترتيباً إنما يجب فيما إذا كان غسل البدن تدريجياً، و أما إذا كان دفعة فلا يعتبر فيه الترتيب من غير خلاف، و إن قالوا بعدم تعرض القدماء لذلك إلّا أنه لعله من جهة وضوحه. و يدلّ على ذلك ما ورد في صحيحة زرارة «و لو أن رجلًا جنباً ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده» (1) و في صحيحة الحلبي قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

386

دفعة واحدة عرفيّة (1) (1)

____________

يقول: إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله» (2) و في موثقة النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة و يخرج يجزئه ذلك من غسله؟ قال: نعم» (3).

(1) و أمّا إذا لم يكن كذلك بل كان تدريجياً فهو على قسمين، لأنه قد يرمس أعضاءه في الماء متدرجاً فيدخل رجله ثمّ يخرجها فيرمس رجله الأُخرى ثمّ يخرجها فيرمس عضوه الآخر إلى أن تنتهي أعضاؤه. و لا إشكال في عدم كفاية ذلك بوجه، لعدم صدق أن الرجل ارتمس ارتماسة واحدة و إنما يصدق أنه رمس رجله أو عضوه الآخر، و المعتبر في الغسل هو صدق أن الرجل ارتمس.

و قد يرتمس الرجل و لكنه متدرجاً كما إذا فرضنا حوضاً له درج متعددة فدخل الدرجة الأُولى و صبر مقداراً ثمّ دخل الثانية فصبر عشرة دقائق، و هكذا إلى أن أحاط الماء بدنه، مقتضى ما أفاده الماتن (قدس سره) بطلان ذلك لعدم انغماس البدن في الماء دفعة واحدة عرفية هذا، و لكنه (قدس سره) ذكر في المسألة الرابعة الآتية أن الغسل الارتماسي يتصور على وجهين:

أحدهما: أن ينوي الغسل حين إحاطة الماء بدنه لا عند دخوله في الماء، و حينئذ يكون الغسل آنياً و متحققاً دفعة واحدة حقيقية، و دخول الماء و التدرّج في المقدّمات لا فيه نفسه.

و ثانيهما: ما إذا نوى الغسل من أوّل دخوله الماء ليكون غسله تدريجياً و مستمراً إلى أن يدخل تمام بدنه الماء. و على الأوّل لا يتصور وقوع الحدث في أثناء الغسل لأنه آني و هذا بخلاف الثاني، و عليه فيعتبر في الارتماس الدفعة الواحدة الحقيقية دون‌

____________

(1) هذا بالإضافة إلى الغسل الارتماسي التدريجي، و أما الدفعي منه فتعتبر فيه الوحدة الحقيقية.

(2) الوسائل 2: 232/ أبواب الجنابة ب 26 ح 12.

(3) الوسائل 2: 232/ أبواب الجنابة ب 26 ح 13.

387

و اللّازم أن يكون تمام البدن تحت الماء (1) في آن واحد و إن كان غمسه على التدريج، فلو خرج بعض بدنه قبل أن ينغمس البعض الآخر لم يكف (2)، كما إذا خرجت رجله أو دخلت في الطين قبل أن يدخل رأسه في الماء، أو بالعكس بأن خرج رأسه من الماء قبل أن تدخل رجله.

____________

العرفية كما ذكره في المقام، و لعل نظره في ذلك إلى الصورة الثانية التي يحصل الغسل فيه متدرجاً، فان الدفعة فيها لا بدّ و أن تكون دفعة عرفية كما أفاده (قدس سره) و هو ظاهر قوله (عليه السلام): «إذا ارتمس ارتماسة واحدة فقد أجزأه». و أما في الصورة الأُولى فقد عرفت أن الغسل الارتماسي فيه آني و تعتبر فيه الوحدة العقلية لا محالة.

اعتبار كون البدن بتمامه تحت الماء

(1) و ذلك لأن الأخبار الواردة في أجزاء الارتماسة الواحدة إنما ناظرة إلى إلغاء اعتبار الترتيب في الغسل الترتيبي حيث يعتبر فيه غسل الرأس أوّلًا ثمّ البدن، و لكن في الارتماس يكفي الغسل من طرف الرجل، فهو مجزئ عن الغسل الواجب بهذا الاعتبار. و أما أن المغسول في الارتماس أقل منه في الترتيبي فلا دلالة لها على ذلك بوجه، بل مقدار الغسل على حاله و إنما ألغت الأخبار كيفية الترتيب فحسب. و على الجملة لا اختلاف بينهما بحسب الكميّة و إنما يفترقان في الكيفية، و حيث إن الدليل دلّ على وجوب غسل جميع أجزاء البدن في الغسل ترتيباً بحيث لو تعمد في إبقاء مقدار شعرة واحدة فيه دخل النار و أبطل عبادته كذلك الحال في الارتماس، و من هنا يأتي في كلامه أن وصول الماء إلى البدن لو احتاج إلى تخليل الشعر وجب.

(2) لأن الارتماس عبارة عن إحاطة الماء لتمام أجزاء البدن دفعة على ما يأتي تفصيله في ذيل المسألة الرابعة إن شاء اللّٰه، فإذا خرج بعض أعضائه عن الماء عند دخول الجزء الآخر فيه فهو رمس للجزء لا رمس للبدن تحت الماء، و عليه يتفرّع بطلان الارتماس فيما إذا دخلت رجله في الطين أو خرجت عن الماء قبل أن يدخل‌

388

و لا يلزم أن يكون تمام بدنه أو معظمه خارج الماء بل لو كان بعضه خارجاً فارتمس كفى (1)، بل لو كان تمام بدنه تحت الماء فنوى الغسل و حرك بدنه كفى (1) على الأقوىٰ (2)

____________

رأسه في الماء أو بالعكس، كما إذا دخل الماء كالسمك بأن يدخل فيه برأسه حتى يخرج رأسه من الماء قبل أن تدخل رجله.

(1) لأن المأمور به هو الارتماس في الماء و هو يتحقق بإحاطة الماء للبدن دفعة، بلا فرق في ذلك بين كون مقدار من بدنه في الماء أم لم يكن، بل المتعارف في الارتماس في البحار و الأنهار و أمثالهما هو الأوّل، حيث يرتمس بعد كون نصف بدنه أو الأزيد من النصف في الماء. و أما الخروج عنه و الطفرة في الارتماس فهما إنما يناسبان اللعب و العبث و غير معتبرين في تحققه بوجه.

نيّة الغسل و تحريك البدن تحت الماء

(2) بناء على كفاية الارتماس بقاء في الامتثال، و أما بناء على ما أسلفناه من أن الأوامر ظاهرة في الإحداث مطلقاً ما دام لم تقم قرينة على كفاية الإبقاء فلا. و من هنا لو كان في السجدة فتليت عليه آية التلاوة فبقي في السجدة مقداراً بداعي امتثال الأمر بالسجدة لم يكف ذلك في الامتثال، لأن ظاهر الأمر طلب الإيجاد و الإحداث، فلا دليل إذن على كفاية قصد الغسل و تحريك بدنه و هو تحت الماء لأنه ارتماس بقائي فلا بدّ من أن يكون شي‌ء من بدنه خارج الماء و يقصد الغسل بإدخاله حتى يكون ارتماس بدنه بتمامه ارتماساً إحداثيّاً. نعم لا يعتبر في ذلك أن يكون رأسه خارج الماء بل الرأس و غيره من أعضاء بدنه على حد سواء، فان المدار على عدم كون بدنه بتمامه تحت الماء ليصدق إحداث الارتماس بإدخاله، فما عن المستند من اعتبار كون رأسه‌

____________

(1) فيه إشكال و الاحتياط لا يترك، و كذا الحال في تحريك الأعضاء تحت الماء في الغسل الترتيبي.

389

..........

____________

خارج الماء (1) فممّا لا دليل عليه في المقام، نعم له خصوصية في المفطرية في شهر رمضان فإن الإفطار إنما يتحقّق بإدخال رأسه و رمسه للدليل، و أمّا في تحقّق الارتماس فلا خصوصية لإدخال رأسه بوجه حال كون سائر بدنه في الماء هذا.

ثمّ لو أغمضنا عن ذلك و لم نعتبر الأحداث في الارتماس نظراً إلى أن الإبقاء أيضاً فعل اختياري له و هو كاف في صحّة الغسل، فلا موجب لاعتبار تحريك البدن تحت الماء، فإن إحاطة الماء بدنه بقاءً غسل ارتماسي فما الموجب لاعتبار تحريك البدن تحته؟

و دعوى أنه لأجل جريان الماء على بدنه لقوله (عليه السلام): «كل ما جرى عليه الماء فقد أجزأه» (2) أو «ما جرى عليه الماء فقط طهر» (3) مندفعة بأن الجريان معتبر في الغسل الترتيبي دون الارتماسي، إذ لا يعتبر فيه إلّا إحاطة الماء للبدن هذا.

بل لو لم نعتبر الأحداث في ذلك و قلنا بكفاية الإبقاء في الامتثال للزم الالتزام في الغسل الترتيبي أيضاً، كما إذا صبّ الماء على رأسه بداع من الدواعي و قصد الغسل بالرطوبات الباقية على بدنه، لأنه غسل بقائي إذ لا يعتبر فيه جريان الماء على البدن فلو وضع إناء الماء على صدره فلصق الماء على بدنه و هكذا إلى آخر أجزاء بدنه كفى ذلك في تحقق الغسل المأمور به و إن لم يكن للماء جريان. و دعوى أن الجريان معتبر في الغسل لقوله (عليه السلام): «كل ما جرى عليه الماء فقد أجزأه» مندفعة بأن قوله هذا إذا لوحظ مع قوله: «كل شي‌ء أمسسته الماء فقد أنقيته» (4) لا مناص من حمله على مجرّد كفاية وصول الماء و إن لم يكن فيه جريان. مع أنّ كفاية الرطوبات الباقية على البدن في الغسل ممّا لا نحتمل التزامهم به بوجه إلّا بعض من عاصرناهم (قدس اللّٰه أسرارهم) فإنه كان ملتزماً بذلك.

____________

(1) المستند 2: 333.

(2) الواردين في ذيل صحيحتي زرارة و محمّد بن مسلم. الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 2.

(3) الواردين في ذيل صحيحتي زرارة و محمّد بن مسلم. الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 1.

(4) المذكور في ذيل صحيحة زرارة الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

390

و لو تيقّن بعد الغسل عدم انغسال جزء من بدنه وجبت الإعادة (1) و لا يكفي غسل ذلك الجزء فقط.

وجوب الإعادة عند العلم بعدم انغسال جزء

____________

(1) فقد يقال كما عن العلّامة في القواعد (1) و صاحب المستند (2) (قدس سرهما) بكفاية غسل ذلك الموضع الباقي فحسب من دون حاجة إلى إعادة تمام الغسل، أخذاً بصحيحة زرارة المتقدِّمة الدالّة على كفاية غسل الموضع الباقي فقط عند يقينه ببقاء جزء من بدنه (3) بدعوى أنّ الغسل الارتماسي كالترتيبي حيث لم تقيد الصحيحة الحكم بالترتيبي هذا.

و يدفعه: أن هذه الجملة من صحيحة زرارة المشار إليها ليست رواية مستقلّة و إنما وردت في ذيل صحيحته الواردة في الوضوء، حيث روى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّٰه ما دمت في حال الوضوء، إلى أن قال قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال: إذا شك و كانت به بلّة و هو في صلاته مسح بها عليه، و إن كان استيقن رجع فأعاد عليهما ما لم يصب بلّة، فإن دخله الشك و قد دخل في صلاته فليمض في صلاته و لا شي‌ء عليه، و إن استيقن رجع فأعاد عليه الماء، و إن رآه و به بلّة مسح عليه و أعاد الصلاة باستيقان ...» (4) و مقتضى صدرها أن المراد بالغسل هو الترتيبي كما هو الحال في الوضوء لأن الغسل فيه أيضاً ترتيبي، فكأنه سئل عن حكم الغسل المتحقق في كل من الوضوء و الغسل و أنه إذا لم يستوعب الأعضاء حكمه أي‌

____________

(1) القواعد 1: 211.

(2) المستند 2: 334.

(3) تقدّم ذكرها في ص 377.

(4) ذكر صاحب الوسائل صدرها في الوسائل 1: 469/ أبواب الوضوء ب 42 ح 1 و ذيلها في 2: 260/ أبواب الجنابة ب 41 ح 2.

391

..........

____________

شي‌ء. و مع قرينية صدر الصحيحة على إرادة الغسل الترتيبي كيف يبقى لذيلها إطلاق حتى يشمل الارتماسي أيضاً، هذا أوّلا.

و ثانياً: لو سلمنا أن صدرها ليس قرينة على الذيل أيضاً لا يمكننا الاستدلال بها على ذلك المدعى، حيث إنها ناظرة إلى السؤال عن الموالاة و أنه إذا غسل مقداراً من بدنه و لم يغسل بعضه نسياناً أو غفلة هل يصح غسله أو لا يصح، حيث إنه لو غسله بعد التفاته إليه تخلل في غسل أجزائه زمان لا محالة فأجابه (عليه السلام) بأنّ الموالاة غير معتبرة في الغسل. و من الظاهر أن الموالاة إنما تعتبر أو لا تعتبر في الغسل الترتيبي، و أما الارتماسي فهو أمر وحداني إما أن يوجد و إما أن لا يوجد، لأن المراد به إحاطة الماء للبدن و أمره يدور بين الوجود و العدم، و لا معنى فيه لغسل شي‌ء من البدن تارة و غسل بعضه اخرى ليعتبر بينهما الموالاة أو لا تعتبر. و عليه فالصحيحة مختصّة بالغسل الترتيبي و لا تعم الارتماسي بوجه.

نعم هناك شي‌ء و هو أن الغسل الارتماسي هل هو أمر أجنبي عن الغسل رأساً إلّا أنه يوجب سقوطه، كما في عدلي الواجب التخييري، حيث إن كل واحد منهما أمر مغاير للآخر بحسب الطبيعة إلّا أنه مسقط للآخر، و كما في الإتمام حيث ذكروا أنه مسقط للواجب من غير أن يكون عدلًا للواجب التخييري أصلًا. أو أن الارتماسي أيضاً غسل و لكنّه طبيعة و الترتيبي طبيعة أُخرى من الغسل فهما طبيعتان متغايرتان أو لا هذا و لا ذاك بل هما طبيعة واحدة و لها كيفيّتان، فقد يؤتى بكيفية الارتماس و أُخرى بكيفية الترتيب، نظير ما ذكرناه في صلاتي القصر و التمام حيث قلنا إنهما طبيعة واحدة لها كيفيتان و فردان، فقد تجب كيفية القصر و أُخرى تجب الإتمام و ثالثة يتخير بينهما كما في مواضع التخيير؟

أمّا احتمال أن يكون الارتماسي أمراً أجنبياً مغايراً مع الغسل الترتيبي و مسقطاً له فيدفعه ظهور قوله (عليه السلام): «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك» (1) فان ظاهره أن الارتماس من طبيعة الغسل و هو مجزئ عن الترتيبي لا أنه‌

____________

(1) تقدّم ذكرها في ص 385 386.

392

و يجب تخليل الشّعر إذا شكّ في وصول الماء إلى البشرة التي تحته (1).

____________

أمر أجنبي عنه و مجزئ، كما أن ظاهره أن الارتماس هي الطبيعة المأمور بها و غاية الأمر أن المتعيّن الأوّلي كيفية اخرى و تلك الكيفية مجزية عن الواجب لا أنه طبيعة أُخرى مغايرة للطبيعة الواجبة، و عليه فالمتعين أنهما طبيعة واحدة و إنما تختلفان بحسب الكيفية.

و يترتب على ذلك أنّ المكلّف إذا نوى الترتيبي فغسل رأسه و لكنه عند غسل بدنه بدا له و أراد الارتماس فارتمس ثمّ انكشف بقاء لمعة على بدنه لم يصلها الماء، فعلى الاحتمالين الأوّلين لا بدّ من أن يرجع و يغتسل من الابتداء، لأنه في غسل بدنه لم يقصد الترتيب حتى يتحقق بغسل الموضع غير المغسول بعد غسله، و إنما قصد الارتماس و هو لم يتحقق لبقاء شي‌ء من بدنه فيبطل، و هذا بخلاف الاحتمال الثالث، لأن الواجب حينئذ ليس إلّا غسل الجنابة و لا يجب على المكلّف أن ينوي الترتيبي أو غيره، و حيث إنه نوى غسل الجنابة و صب الماء على بدنه و لم يحطه الماء فلا محالة يكون هذا ترتيبياً و إن لم يقصده، إلّا أنّ الترتيبي و الارتماسي لما كانا طبيعة واحدة كان قصد أحدهما قصداً للآخر لا محالة، بل كفى قصد غسل الجنابة في صحّته و إن لم يقصد الترتيب أو الارتماس، و بما أنّ الماء لم يصل تمام بدنه فهو يكون ترتيبياً لا محالة فان لم نقل بالترتيب بين الجانبين فيغسل ذلك الموضع فقط سواء كان في الجانب الأيمن أو الأيسر، و أمّا بناء على الترتيب بينهما فان كان الموضع في الجانب الأيسر فأيضاً يغسله فقط، و أما إذا كان في الجانب الأيمن فيغسل ذلك الموضع منه و يعود إلى غسل الجانب الأيسر من الابتداء تحصيلًا للترتيب المعتبر بينهما.

وجوب تخليل الشعر لو شك في مانعيته

(1) لما مرّ من أن المستفاد من قوله (عليه السلام): «إذا ارتمس ارتماسة» أن الارتماس مأمور به و مجزئ عن الواجب، و هو و الترتيبي طبيعة واحدة لا أنه أمر أجنبي مسقط للواجب، كما في الإتمام حيث ذكروا أنه مسقط للمأمور به، و عليه فكل‌

393

و لا فرق في كيفية الغسل بأحد النحوين بين غسل الجنابة و غيره (1) من سائر الأغسال (1) الواجبة و المندوبة

____________

ما يعتبر في الترتيبي يعتبر في الارتماسي أيضاً، فكما أنه لا بدّ من إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن في الترتيبي فلو ترك بمقدار شعرة واحدة متعمداً دخل النار، على ما في الخبر (2) كذلك الحال في الارتماسي بعينه، لأنه هو هو بعينه سوى أنه لا يعتبر فيه الترتيب. و عليه فلو كان شعره كثيفاً مانعاً عن وصول الماء تحته أو احتمل مانعيته يجب تخليله و إزالة المانع عن وصول الماء إلى البشرة كبقية الموانع، و ذلك تحصيلًا للقطع بالامتثال أو لحكم العقل بإفراغ الذمة عما اشتغلت به.

(1) هذا بناء على ما قدمناه من أن الارتماسي و الترتيبي طبيعة واحدة و إنما يختلفان بحسب الكيفية فقط، فإن سائر الأغسال و إن لم ترد كيفيتها في رواية إلّا أن العرف يستفيد مما ورد في كيفية غسل الجنابة أن الكيفية الواردة فيه غير مختصّة به، لأن الأغسال طبيعة واحدة و إنما الاختلاف في أسبابها. و إنما تصدوا (عليهم السلام) لبيان الكيفية في الجنابة دون غيرها لأن الابتلاء بها أكثر من الابتلاء بغيرها من الأسباب فتصدوا لبيان كيفيته حتى يظهر الحال في غيرها من ذلك البيان، فبما أن غسل الجنابة له فردان من طبيعة واحدة أعني الترتيبي و الارتماسي و هما يكفيان عنه فلا محالة يكفيان عن بقية الأغسال الواجبة أيضا.

و يؤيِّد ما ذكرناه ما رواه في الفقيه من أنّ غسل الحيض و الجنابة سواء (3)، و ما ورد في أنّ الجنب إذا ابتلي بالحيض لا يغتسل بل يصبر إلى أن تنقضي أيام حيضها و بعده تغتسل غسلًا واحداً عن الجميع (4)، و ما دلّ على أنّ الغسل الواحد يجزئ عن الحقوق المتعدِّدة (5) حيث تدلّ على أن الأغسال طبيعة واحدة و إنما الاختلاف في الأسباب.

____________

(1) هذا في غير غسل الميت، حيث لا يشرع فيه الارتماس.

(2) و هي صحيحة حجر بن زائدة. الوسائل 2: 175/ أبواب الجنابة ب 1 ح 5.

(3) الوسائل 2: 265/ أبواب الجنابة ب 43 ح 9، الفقيه 1: 44/ 173.

(4) الوسائل 2: 263/ أبواب الجنابة ب 43 ح 5، 6 و غيرهما.

(5) الوسائل 2: 261/ أبواب الجنابة ب 43 ح 1.

394

نعم في غسل الجنابة لا يجب الوضوء بل لا يشرع (1) بخلاف سائر الأغسال (2) كما سيأتي (1) إن شاء اللّٰه.

____________

و أمّا إذا قلنا بأن الارتماسي أمر أجنبي مسقط عن المأمور به فلا وجه للحكم بكفايته في بقية الأغسال، لأنّ مورد الأخبار الدالّة على إجزائه و كفايته إنما هو غسل الجنابة، و لا دليل على كفايته عن بقيّة الأغسال، كما نسب إلى العلّامة التوقف في ذلك في بعض كتبه.

لا يشرع الوضوء مع غسل الجنابة

(1) و ذلك لقوله سبحانه إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ إلى قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (2) فإن التفصيل قاطع للشركة فيستفاد من الآية المباركة أن وظيفة غير الجنب هي غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين، و أما وظيفة الجنب فهي الاغتسال، فكما أن غير الجنب لا يشرع في حقه الاغتسال فكذلك الجنب لا يشرع في حقه الوضوء. و قد ورد في الأخبار أن غسل الجنابة ليس قبله و لا بعده وضوء (3) فالكتاب و السنّة متطابقان على عدم مشروعية الوضوء مع غسل الجنابة.

(2) أي يشرع فيها الوضوء، و ذلك لإطلاقات الأمر به و عدم دلالة دليل على نفي مشروعيته كما في غسل الجنابة. نعم هناك بحث آخر يتعرض له الماتن بعد الأغسال و هو وجوب الوضوء مع بقيّة الأغسال و عدم وجوبه، حيث ورد أنه «أي وضوء أنقى من الغسل» (4) و غيره مما يدلّ على عدم وجوبه، و نحن أيضاً لنتعرّض له هناك. و هما‌

____________

(1) و يأتي الكلام على ذلك [في المسألة 1055].

(2) المائدة 5: 6.

(3) الوسائل 2: 246/ أبواب الجنابة ب 34.

(4) الوسائل 2: 247/ أبواب الجنابة ب 34 ح 4.

395

[و هنا مسائل متعلقة بغسل الجنابة]

[مسألة 1: أفضلية الغسل الترتيبي على الارتماسي]

[662] مسألة 1: الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي (1).

[مسألة 2: قد يتعين الارتماسي كما إذا ضاق الوقت عن الترتيبي]

[663] مسألة 2: قد يتعين الارتماسي كما إذا ضاق الوقت عن الترتيبي و قد يتعيّن الترتيبي كما في يوم الصوم الواجب (1) و حال الإحرام (2) و كذا إذا كان الماء للغير و لم يرض بالارتماس فيه.

____________

بحثان، لا بدّ للتعرض إلى مشروعية الوضوء مع بقيّة الأغسال في المقام و إلى وجوبه أو جوازه في البحث الآتي في محلِّه إن شاء اللّٰه تعالى (2)، فإنّ القول بعدم وجوبه معها لا تستلزم نفي مشروعية الوضوء كما لا يخفى.

أفضليّة الترتيبي من الارتماسي

(1) لأنّ الأخبار الواردة في المقام (3) إنما أمرت بالغسل ترتيباً و أنه يغسل رأسه أوّلًا ثمّ بدنه و يصب الماء على رأسه ثلاثاً ثمّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين، فلو كنا نحن و هذه الأخبار لقلنا بتعين الترتيبي لا محالة و لكنّه ورد أن الارتماسي مجزئ عن ذلك الواجب الأوّلى (4)، فإذا ضمّ أحدهما إلى الآخر ينتج أن المأمور به هو الترتيبي و إن كان يمكنه الاكتفاء بالارتماس، و معه يكون الترتيبي هو الأفضل لأنه المأمور به الأوّلي. و هذا نظير ما إذا أمره المولى بشي‌ء ثمّ قال: لو أتيت بشي‌ء آخر كذا أيضاً أجزأك و كفاك، فإنّ الإتيان بالشي‌ء الأوّل أفضل حينئذ لأنه المأمور به.

تعين كل من الكيفيتين بالخصوص أحيانا

(2) لحرمة تغطية الرأس على المحرم و لو بالماء، و لأنّ الارتماس من المفطرات في‌

____________

(1) أي ما لا يجوز إبطال الصوم فيه.

(2) في المسألة [768].

(3) الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26.

(4) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5، 12، 13، 15.

396

[مسألة 3: يجوز في الترتيبي أن يغسل كل عضو من أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس]

[664] مسألة 3: يجوز في الترتيبي أن يغسل كل عضو من أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس بل لو ارتمس في الماء ثلاث مرات: مرّة بقصد غسل الرأس و مرّة بقصد غسل الأيمن و مرّة بقصد الأيسر كفى (1) و كذا لو حرّك بدنه تحت الماء (1)

____________

الصوم، نعم لو كان الصوم مستحباً أو واجباً موسعاً غير مضيق جاز الارتماس، لجواز إبطال الصوم غير الواجب، و معه يبقى التخيير بحاله بخلاف الصوم الواجب كصوم شهر رمضان أو المضيق و المعيّن كقضائه بناء على المضايقة أو نذر صوم يوم معيّن.

ثمّ إن هناك فرقاً بين تعين الارتماسي لضيق الوقت عن الترتيبي و بين تعين الترتيبي لحرمة الارتماسي، فان في الثاني قد تعلّق النهي بالارتماس و معه تكون العبادة باطلة لأنّ المحرّم لا يكون مصداقاً للواجب و لا يمكن التقرب به و هذا بخلاف الأوّل، فإن الترتيبي لم يتعلّق به النهي حينئذ، و إنما تعين الارتماس لجهة واجب آخر مقدّمة للصلاة في وقتها، فلو عصى و لم يأت بالصلاة أداء و أتى بالغسل الترتيبي صح غسله و لا دليل على بطلانه حينئذ. نعم فيما إذا تعيّن الارتماسي لأن مالك الماء لم يرض بالترتيبي لاستلزامه صرف الماء زائداً مثلًا كان الترتيبي محرماً في نفسه و غير مجزئ و إن عصى و لم يأت بالصلاة.

غسل كل عضو بالارتماس في الترتيبي

(1) لأن الصب الوارد في الأخبار إنما هو مقدّمة لجريان الماء على البدن كما ورد في ذيل بعضها (2)، و لا خصوصية له، فلو جرى الماء على بدنه بغير الصب كالارتماس أيضاً كفى في صحّته.

____________

(1) مرّ الكلام فيه [في صدر هذا الفصل الكيفية الثانية للغسل].

(2) كما في صحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة. الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26 ح 1، 2.

397

ثلاث مرّات (1)، أو قصد بالارتماس غسل الرأس و حرك بدنه تحت الماء بقصد الأيمن و خرج بقصد الأيسر، و يجوز غسل واحد من الأعضاء بالارتماس و البقيّة بالترتيب، بل يجوز غسل بعض كل عضو بالارتماس و بعضه الآخر بإمرار اليد.

[مسألة 4: الغسل الارتماسي يتصور على وجهين]

[665] مسألة 4: الغسل الارتماسي يتصور على وجهين (1) أحدهما: أن يقصد الغسل بأوّل جزء دخل في الماء (2) و هكذا إلى الآخر فيكون حاصلًا على وجه التدريج. و الثاني: أن يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه (3) و حينئذ يكون آنياً، و كلاهما صحيح، و يختلف باعتبار القصد

____________

(1) قد مرّ أن ظواهر الأوامر هي طلب الإيجاد و الإحداث، و الوجود البقائي خارج عن المأمور به و معه لا يكفي تحريك بدنه تحت الماء بدلًا عن الغسل المأمور به.

للارتماسي صورتان

(2) ليكون الغسل الارتماسي تدريجياً يشرع فيه من أوّل دخوله في الماء إلى أن يحيط الماء بتمام بدنه، و هو حينئذ نظير الصلاة و غيرها من المركبات، فكما أنه يشرع في الصلاة من حين دخوله فيها إلى أن ينتهي إلى آخرها كذلك الحال في الغسل الارتماسي حينئذ، و معه يمكن أن يتحقق الحدث في أثنائه كما يمكن أن يتحقق في أثناء الترتيبي على ما يأتي حكمه إن شاء اللّٰه تعالى (2).

(3) فيكون الغسل الارتماسي أمراً وحدانياً دفعي الحصول و لا يعقل تخلل الحدث في أثنائه. و لا يخفى أن الجمع بين القسمين المذكورين في الارتماسي و القول بأنه قد يتحقق بهذا و قد يتحقق بذاك أمر غير صحيح، بل الصحيح أن يقال: إن الارتماسي إما أن يتحقق على نحو التدريج فحسب و إما أنه دفعي و وحداني، فهو من قبيل أحدهما لا أنه قد يكون تدريجياً و قد يكون دفعيا.

____________

(1) الأحوط الاقتصار على الوجه الثاني، و أحوط منه قصد ما في الذمّة بلا تعيين.

(2) في المسألة [691].

398

..........

____________

بيان ذلك: أن الأخبار الواردة في الغسل الارتماسي على قسمين: فقسم اشتمل على لفظة الارتماس و أنه إذا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه، و هذا أي الارتماس ورد في روايتين معتبرتين (1). و الارتماس معناه الستر و التغطية، فيقال رمس خبره أي كتمه و ستره و رمسه في التراب أي غطاه به. و قسم اشتمل على لفظة الاغتماس كما ورد في مرسلة الفقيه (2)، و هو أيضاً بمعنى الارتماس، و إن قيل إن بينهما فرقاً و هو أن التستر و التغطي بالماء إذا كان كثيراً بأن مكث تحته فهو اغتماس، و أما إذا لم يمكث تحته فهو ارتماس، إلّا أنه لم يثبت. و كيف كان، فسواء ثبت أم لم يثبت فهما بمعنى واحد، و من الظاهر أن التغطي و التستر بالماء لا يتحقق إلّا بإحاطة الماء تمام البدن بحيث لو بقي منه شي‌ء خارج الماء لم يصدق الاغتماس و التغطي.

و عليه فالارتماس أمر وحداني دفعي لا أنه تدريجي، إذ ليس هو بمعنى إحاطة الماء ليقال إنه أمر تدريجي الحصول، بل معناه التستر و التغطي و هما أمران دفعيان و على هذا فلا بدّ من أن يقال إن الارتماس إن كان بمعنى إحاطة الماء للبدن فهو أمر تدريجي لا بدّ من أن ينوي الغسل من أوّل جزء دخل في الماء، و إذا كان معناه التغطِّي و التستّر فهو دفعي وحداني لا بدّ أن يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه. فهو إمّا هذا أو ذاك لا أنه قد يتحقق بهذا و قد يتحقق بذاك، و بما أن اللغة قد فسرته بالتستّر و التغطِّي و بيّنت موارد استعمالاته فهي أصدق شاهد على أنه بمعنى الستر و التغطي فهو أمر دفعي وحداني و معه ينوي الغسل حال استيعاب الماء تمام بدنه. و الأحوط أن لا ينوي شيئاً لاحتمال أن يكون الارتماس بمعنى إحاطة الماء و هو تدريجي، و الأولى من ذلك أن يقصد ما في الذمّة لأنه مبرئ على كل حال.

____________

(1) و هما صحيحة زرارة و صحيحة الحلبي. الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5، 12. و كذلك ورد لفظ الارتماس في موثقة السكوني، نفس الباب ح 13.

(2) الوسائل 2: 233/ أبواب الجنابة ب 26 ح 15. الفقيه 1: 48/ 191.

399

و لو لم يقصد أحد الوجهين صحّ أيضاً و انصرف إلى التدريجي (1).

[مسألة 5: يشترط في كل عضو أن يكون طاهراً حين غسله]

[666] مسألة 5: يشترط في كل عضو أن يكون طاهراً حين غسله فلو كان نجساً طهره أوّلًا، و لا يكفي غسل واحد (1) لرفع الخبث و الحدث كما مرّ في الوضوء، و لا يلزم طهارة جميع الأعضاء قبل الشروع في الغسل و إن كان أحوط (2).

____________

(1) لأنه أسبق في الوجود من الاستيعاب التام.

اشتراط الطّهارة في كل عضو حين غسله

(2) في المقام بحثان: أحدهما: أنه هل يعتبر في صحّة الغسل طهارة جميع الأعضاء قبله بحيث لو كانت رجله مثلًا متنجسة لم يصح غسل رأسه أو لا يعتبر ذلك في صحّة الغسل، فان قلنا باشتراط الطّهارة في جميع الأعضاء قبل الغسل فلا تصل النوبة إلى البحث الثاني، و أما إذا لم نقل بهذا الاشتراط فيقع الكلام في أن الغسل يشترط فيه طهارة كل عضو قبل غسله و إن لم تعتبر طهارة المجموع قبل الغسل أو يكفي صبّ الماء مرّة واحدة لإزالة الخبث و الحدث معاً، و هذا هو البحث الثاني في المقام. و هذا بخلاف الوضوء فان البحث السابق لا يأتي فيه، إذ لم يقل أحد باعتبار طهارة مجموع أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه، بل يكفي تطهير كل عضو قبل غسله و إن كانت الأعضاء الباقية نجسة.

أمّا المقام الأوّل فقد ذهب جماعة إلى اشتراط طهارة مجموع الأعضاء قبل الغسل في صحّته مستدلين عليه بالأخبار المتضمنة للأمر بغسل الفرج قبل صبّ الماء على الرأس و البدن (2) و بما دلّ على غسل ما في البدن من الأذى أي النجاسة قبل غسل‌

____________

(1) الأظهر كفايته على تفصيل مرّ في باب الوضوء [فصل شرائط الوضوء الشرط الثاني].

(2) راجع الوسائل 2: 229/ أبواب الجنابة ب 26.

400

..........

____________

الرأس و البدن (1) بدعوى أنها ظاهرة في شرطية تطهير البدن قبل الغسل في صحّته.

و لكن الصحيح عدم دلالتها على الاشتراط، و ذلك لأنا و إن قلنا إن ظاهر الأمر هو الوجوب النفسي و أن هذا الظهور الأوّلي انقلب إلى ظهور ثانوي في المركبات و المقيّدات، حيث إن ظهور الأمر فيهما في الإرشاد إلى الشرطية أو الجزئية كما أن النهي فيهما ظاهر في الإرشاد إلى المانعية إلّا أن هذا إنما هو فيما إذا كان المولى بصدد المولوية، بأن يكون الأمر مولوياً، فان الإرشاد إلى الشرطية و الجزئية أو المانعية أيضاً من وظائف المولى. و أما إذا لم يكن المولى بهذا الصدد و إنما كان بصدد بيان أمر عادي طبيعي فلا ظهور لأمره في الإرشاد إلى أي شي‌ء، و الأمر في المقام كذلك، لأن الغالب نجاسة الفرج بالمني في موارد غسل الجنابة، و المني ليس كالبول ليزول بصب الماء عليه لأنه ماء كما في الخبر (2) و المني لزج في نفسه و تحتاج إزالته إلى دلك أو صابون و إعمال عناية، و هذا بحسب الطبع و المتعارف إنما يتحقق في الكنيف أو موضع آخر ثمّ يغتسل في موضع آخر لا أنه يزال في أثناء الغسل، لأن غسله في أثناء الغسل صعب حيث إن الماء عند صبه على الرأس يصيبه لا محالة و هو نجس فيتنجس ما يلاقيه، كما تتنجس الأرض حيث يقطر منه الماء على الأرض و يحتاج إلى تطهير ذلك كلّه، و الإمام (عليه السلام) بأمره بانقاء الفرج ناظر إلى بيان أمر طبيعي عادي و معه لا ينعقد له ظهور في الإرشاد إلى الشرطية بوجه.

و يدلّ على ما ذكرناه صحيحة حكم بن حكيم المتقدّمة (3) الآمرة بغسل الرجلين بعد غسل الرأس و البدن إذا كان الموضع قذراً، لتنجسهما بوصول الماء إليهما و معه لم يحكم ببطلان غسل رأسه و بدنه، بل أمره بغسلهما بعد ذلك حتى يطهرا و يصح غسلهما‌

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 7.

(2) الوسائل 1: 343/ أبواب أحكام الخلوة ب 26 ح 3. 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 4، 7.

(3) الوسائل 2: 233/ أبواب الجنابة ب 27 ح 1 و ورد صدرها في 230/ ب 26 ح 7. و قد تقدّم ذكرها في ص 378.