موسوعة الإمام الخوئي - ج6

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
426 /
401

..........

____________

و هذا بخلاف ما إذا كان المحل نظيفاً، إذ لا حاجة حينئذ إلى غسلهما، لأن الماء بطبعه يصل إلى تحت القدمين عند صبه على الرأس و المنكبين، و عليه فلا يشترط تطهير جميع أعضاء الغسل قبله.

و أمّا المقام الثاني أعني اشتراط تطهير كل عضو قبل غسله فقد ذهب إليه المشهور. و المستند لهم في ذلك أحد أمرين:

أحدهما: أن العضو لو كان متنجساً تنجس به الماء عند وصوله إليه و لا يصح الغسل مع الماء المتنجس، إذ لا بدّ في إزالة الحدث من أن يكون الماء طاهراً، بل و كذلك الحال في إزالة الخبث، إذ الماء المتنجس بوصوله إلى العضو لا يكفي في تطهيره و إزالة الخبث، فلا يحصل به إزالة الخبث و لا الحدث.

نعم لا بدّ في إزالة الخبث من أن نعتبر طهارة الماء قبل أن يصل إلى المحل المتنجس فالنجاسة الحاصلة بنفس الغسل أي بوصول الماء إلى المحل غير مانعة عن حصول الطّهارة به، و ذلك للضرورة الملجئة إلى ذلك، حيث إن الماء القليل لو اشترطنا طهارته حتى بعد وصوله إلى المحل مع القول بنجاسة الغسالة مطلقاً لزم عدم إمكان تطهير شي‌ء من المتنجسات به، و هو خلاف الأخبار و الضرورة. و أما في إزالة الحدث فلا ضرورة ملجئة إلى تخصيص اشتراط الطّهارة بما قبل وصول الماء إلى العضو، بل نلتزم فيه باشتراط الطّهارة في الماء مطلقاً قبل وصوله إليه و بعده، و غاية ما يلزمه بطلان الغسل به قبل تطهير العضو المتنجس و هو مما لا محذور في الالتزام به، و من هنا نعتبر في صحّة الغسل بالماء القليل تطهير كل عضو قبل غسله.

و لا يخفى أنه لا تترتب النتيجة على هذا الاستدلال إلّا على نحو الموجبة الجزئية أي فيما إذا اغتسل بالماء القليل مع القول بنجاسة الغسالة مطلقاً، و أما إذا اغتسل في الكر أو الجاري أو غيرهما من المياه المعتصمة فلا يتنجس الماء بوصوله إلى العضو المتنجس حتى يشترط في صحّة الغسل به طهارة العضو قبل غسله، و كذا إذا اغتسل بالماء القليل مع القول بطهارة الغسالة مطلقاً كما التزم به بعضهم أو فيما إذا كانت متعقبة بطهارة المحل، فان الماء لا يتنجس في هذه الصورة فلا يبطل به غسله.

402

..........

____________

ثانيهما: أن غسل البدن يتعلق للأمر من جهتين: من جهة إزالة الخبث كما في موثقة عمار: «فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» (1) و غيره من الأوامر الواردة في غسل البدن أو صبّ الماء عليه لتطهيره (2)، و من جهة إزالة الحدث كما في صحيحة زرارة الآمرة بغسل البدن من القرن إلى القدم (3)، و حيث إنّ الأصل عدم التداخل فلا بدّ من أن نلتزم بتعدد غسل البدن فتارة من جهة الأمر بغسله لإزالة الخبث و أُخرى من جهة الأمر بإزالة الحدث، لاستحالة تعلق أمرين أو أزيد على طبيعة واحدة فلا محالة يقيد متعلق كل منهما بما هو غير متعلق الآخر هذا.

و لا يخفى أن الطبيعة الواحدة إذا تعلق بها أمران فصاعداً و إن كان مقتضى الأصل عدم التداخل فيه، لأن كل شرط و سبب يستدعي مسبباً عليحدة، و يستحيل أن يبعث نحو الشي‌ء الواحد ببعثين و يطلب مرّتين، كما إذا ورد إن أفطرت فكفّر و إن ظاهرت فكفّر، فيقيد متعلق كل منهما بفرد دون الفرد الآخر الذي تعلق عليه الطلب الآخر. إلّا أن ذلك فيما إذا كان الأمران مولويين تكليفيين كما في المثال، و أما إذا كانا إرشاديين فلا مانع من تداخلهما، و ليس الأصل فيهما عدم التداخل.

و الأمر في المقام كذلك، لأن الأمر بغسل البدن من جهة إزالة الأخباث إرشاد إلى نجاسة البدن بإصابة الماء المتنجس أو غيره له كما أنه إرشاد إلى أن نجاسته لا ترتفع بغير الغسل، و كذا الأمر بغسل البدن من جهة إزالة الحدث لأنه إرشاد إلى شرطية غسل تمام البدن في الغسل. و أي محذور في اجتماعهما على طبيعة واحدة؟ بل لا مناص عنه أخذاً بإطلاقهما، فنلتزم أن الغسل مما يزال به نجاسة البدن كما أنه شرط في صحّة الغسل فلا موجب لتقييد كل منهما بفرد غير ما تعلّق به الآخر، فانّ الموجب للقول بعدم التداخل إنما هو استحالة طلب الشي‌ء مرّتين و عدم معقولية البعث نحو الشي‌ء ببعثين الذي هو نظير محذور اجتماع المثلين في شي‌ء واحد، و هذا كما ترى مختص‌

____________

(1) الوسائل 1: 142/ أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.

(2) الوسائل 1: 343/ أبواب أحكام الخلوة ب 26 و غيره من الأبواب.

(3) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5.

403

[مسألة 6: يجب اليقين بوصول الماء إلى جميع الأعضاء]

[667] مسألة 6: يجب اليقين بوصول الماء إلى جميع الأعضاء فلو كان حائل وجب رفعه (1)، و يجب اليقين بزواله مع سبق وجوده (2) و مع عدم سبق وجوده يكفي الاطمئنان بعدمه (1) بعد الفحص.

[مسألة 7: الشك في كون الشي‌ء من الظاهر أو الباطن]

[668] مسألة 7: إذا شكّ في شي‌ء أنه من الظاهر أو الباطن يجب

____________

بالأمرين التكليفيين و لا يأتي في الإرشاديين بوجه، إذ لا طلب و لا بعث فيهما فلا محذور في اجتماعهما في شي‌ء واحد فالأصل فيهما التداخل لا عدم التداخل، فان بالغسل مرّة يرتفع الخبث كما يحصل به شرط صحّة الغسل.

و عليه فالصحيح عدم اعتبار طهارة كل عضو قبل غسله و تطهيره إلّا أن الأحوط ذلك، بل الأولى أن يطهر جميع أعضائه قبل أن يشرع في الغسل لوجود المخالف في المسألة و القول بالاشتراط.

(1) لقاعدة الاشتغال حتى يقطع بالفراغ.

كفاية الاطمئنان بالعدم

(2) لاستصحاب بقائه و لا ينقض اليقين إلّا بيقين مثله. و لكن الصحيح كفاية الاطمئنان بالزوال لأنه يقين عقلائي و يطلق عليه اليقين في لسان أهل المحاورة و العامّة، كما أنه يقين بحسب اللغة، لأن اليقين من يقن بمعنى سكن و ثبت كما أن الاطمئنان بمعنى سكن و استقر فهو يقين لغة و عرفاً و إن كان بحسب الاصطلاح لا يطلق عليه اليقين، فمع حصوله يرفع اليد عن اليقين السابق لا محالة، و عليه فلا وجه للفرق بين صورة سبق وجود الحائل و صورة عدم سبقه، بل يكفي الاطمئنان في كليهما.

____________

(1) لا فرق في كفايته بين سبق الوجود و عدمه.

404

غسله (1) (1) على خلاف ما مرّ في غسل النجاسات (2) حيث قلنا بعدم وجوب غسله. و الفرق أن هناك الشك يرجع إلى الشك في تنجسه بخلافه هنا حيث إن التكليف بالغسل معلوم فيجب تحصيل اليقين بالفراغ، نعم لو كان ذلك الشي‌ء باطناً سابقاً و شك في أنه صار ظاهراً أم لا فلسبقه بعدم الوجوب لا يجب غسله عملًا بالاستصحاب (2).

الشك في كون الشي‌ء من الباطن

____________

(1) قدّمنا تفاصيل الشك في أن الشي‌ء من الباطن أو الظاهر من دون العلم بحالته السابقة في مبحث الوضوء و قلنا إن الشك فيه قد يكون من قبيل الشبهة الحكمية المفهومية و أُخرى من قبيل الشبهة الموضوعية (3)، و بيّنا أحكامهما مفصلًا و حيث إن الغسل و الوضوء في ذلك سواء فلا نطيل بذكره في المقام.

(2) و ليس هذا الأصل من المثبت في شي‌ء، لأن عدم وجوب غسل الموضع من الآثار المترتبة على كونه باطناً شرعاً، و ليس استصحاب الموضوع للأثر الشرعي لأجل ترتيبه من المثبت في شي‌ء، فان المثبت هو استصحاب الشي‌ء لأجل ترتيب آثار لوازمه أو ملزوماته أو ملازماته. و قد بينا في محلِّه أن أدلّة اعتبار الاستصحاب لا تشمل إلّا الآثار المترتبة على نفس المستصحب لا على لوازمه (4)، فإذا جرى استصحاب كون الشي‌ء من الباطن و تعبّدنا بعدم وجوب غسله و غسلنا سائر المواضع الظاهرة بالوجدان فبضم الوجدان إلى الأصل نحرز أنا غسلنا بدننا من القرن إلى القدم مما يعد ظاهراً، و الطّهارة اسم لذلك.

____________

(1) على الأحوط، و لا يبعد عدم الوجوب كما مرّ في باب الوضوء.

(2) تقدّم الكلام فيه [في المسألة 386].

(3) شرح العروة 5: 105.

(4) مصباح الأُصول 3: 161.

405

[مسألة 8: ما مرّ من أنه لا يعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي إنما هو فيما عدا غسل المستحاضة و المسلوس و المبطون]

[669] مسألة 8: ما مرّ من أنه لا يعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي إنما هو فيما عدا غسل المستحاضة و المسلوس و المبطون فإنه يجب فيه المبادرة إليه و إلى الصلاة بعده من جهة خوف خروج الحدث (1).

____________

(1) ظاهر كلامه بل صريحه أن كلامه إنما هو فيما إذا كانت هناك فترة تسع الصلاة مع الطّهارة، و لا إشكال في أن المسلوس و المبطون كما تقدّم (1) كذلك المستحاضة كما يأتي (2) تجب عليهم المبادرة إلى الغسل و الصلاة حينئذ و الإتيان بإجزائهما متوالية متتابعة، و إنما الكلام في أن هذا استثناء مما تقدّم من عدم اعتبار الموالاة في الغسل كما هو ظاهر عبارة المتن أو أنه حكم آخر لا ربط له بالحكم السابق بوجه؟

المتعين هو الأخير، لأنّ ما قدّمناه من عدم اعتبار الموالاة في الغسل (3) حكم وضعي بمعنى عدم اشتراط التتابع في الغسل، و أما وجوبه في المسلوس و أخويه فإنما هو وجوب تكليفي ليس بمعنى الاشتراط، لوضوح أن المسلوس أو أخويه إذا اغتسل لا مع الموالاة و لم يخرج منه حدث من باب الاتفاق حكم بصحّة غسله، و عليه فالغسل لا يشترط فيه الموالاة مطلقاً حتى المسلوس و المبطون و المستحاضة. نعم تجب المبادرة و المسارعة في حق هؤلاء تحفظاً على صلاتهم مع الطّهارة لئلّا يخرج منهم الحدث قبل إتمامها بمقدماتها و هو وجوب تكليفي، بل المبادرة و الموالاة في حقّهم أضيق دائرة من الموالاة المعتبرة في الوضوء أعني عدم جفاف الأعضاء السابقة و صدق التتابع العرفي، بحيث لو فرضنا أن الموالاة العرفية و بقاء الأعضاء السابقة على رطوبتها يتحقّقان و يستمران إلى خمس دقائق مثلًا و لكنه متمكن من الغسل في دقيقة واحدة وجب الإتيان به في دقيقة واحدة تحفّظاً على صلاته مع الطّهارة. فالموالاة ثابتة في حق هؤلاء، و ما أفاده ليس استثناء ممّا تقدّم، بل المناسب أن يذكر ذلك في‌

____________

(1) في ص 209.

(2) في المسألة [799].

(3) في ص 383.

406

[مسألة 9: يجوز الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ترتيباً لا ارتماساً]

[670] مسألة 9: يجوز الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ترتيباً لا ارتماساً نعم إذا كان نهر كبير جارياً من فوق على نحو الميزاب لا يبعد جواز الارتماس تحته أيضاً (1) إذا استوعب الماء جميع بدنه على نحو كونه تحت الماء.

____________

بحث السلس و البطن و الاستحاضة و يقال إنهم يجب أن يبادروا إلى الغسل و الصلاة و يسارعوا إليه بالإتيان متتابعاً، و لا يناسب ذكره في المقام.

و أمّا إذا لم تكن فترة في البين تسع الصلاة فقد ذكرنا في المسلوس و المبطون (1) و يأتي في المستحاضة أيضاً (2) أن ما ابتلوا به من الحدث ليس حدثاً في حقهم و لا ينتقض به وضوءهم و غسلهم.

جواز الغسل تحت المطر و نحوه

(1) إذا صدق معه الارتماس و التغطية و التستّر في الماء لا إشكال في صحّة غسله كما في النهر الكبير الجاري من الفوق، إذ لا يعتبر في الارتماس الدخول في الماء من طرف الرجلين كما هو الحال في المياه المتعارفة من الحوض و النهر و البحر و نحوها، بل لو دخله من طرف رأسه أيضاً لكفى ذلك في صحّته إذ المناط فيه صدق التغطية و التستّر بالماء.

و أمّا إذا لم يصدق معه الارتماس بالمعنى المذكور كما إذا وقع تحت المطر حيث إن قطراته غير متّصلة فتقع منه قطرة ثمّ قطرة اخرى من غير اتصال فلا يكون معه البدن متستراً بالماء و متغطياً به في آن واحد، فلا كلام في عدم كونه من الارتماس حقيقة إلّا أن الكلام في أنه ملحق بالارتماس في عدم اعتبار الترتيب فيه أو أنه غير ملحق به فيعتبر فيه الترتيب لا محالة. قد يقال بإلحاقه بالارتماس تمسكاً بإطلاق ما دلّ على كفاية الغسل تحت المطر، حيث لم يقيد الإجزاء فيه بما إذا كان مع الترتيب. و العمدة‌

____________

(1) في ص 212 219 222.

(2) في المسألة [787].

407

..........

____________

فيما دلّ على كفاية الغسل تحت المطر روايتان صحيحتان لعلي بن جعفر رواهما في كتابه، كما رواهما الحميري و الشيخ و غيرهما.

إحداهما: «عن الرجل يجنب هل يجزئه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك؟ فقال: إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك» (1).

ثانيتهما: «عن الرجل تصيبه الجنابة و لا يقدر على الماء فيصيبه المطر أ يجزئه ذلك أو عليه التيمم؟ فقال: إن غسله أجزأه و إلّا تيمّم» (2) بدعوى دلالتهما على أن ماء المطر إذا كان بقدر سائر المياه مما يكفي في غسل بدنه أجزأه ذلك عن الغسل من دون اعتبار الترتيب في صحّته. و مقتضى إطلاقهما أن الغسل تحت المطر ملحق بالارتماسي في عدم اعتبار الترتيب فيه و إن لم يكن ارتماساً حقيقة.

و فيه: أن الصحيحتين لا إطلاق لهما، حيث إن نظرهما إلى أن ماء المطر كبقية المياه، فكأن السائل احتمل أن لا يكون ماء المطر كافياً في الغسل فسأله عمن أصابته الجنابة و هو لا يقدر على غير المطر من المياه فهل إصابة المطر كافية في حقه أو أن وظيفته التيمم، ثمّ سأله عن حكمه عند تمكنه من سائر المياه فأجابه (عليه السلام) بأنه إن غسله اغتساله بالماء كفى. فالصحيحتان ناظرتان إلى كفاية ماء المطر كغيره و ليستا ناظرتين إلى غير ذلك فلا إطلاق فيهما. على أن قوله: «إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ...» ظاهر في أنّ الاغتسال بالمطر لو كان كالاغتسال بالماء من حيث الكم و الكيف أجزأه، بأن يكون ماء المطر بمقدار يمكن به الاغتسال كبقيّة المياه و أن يغسل به رأسه أوّلًا ثمّ جسده كما هو الحال في الغسل بغير ماء المطر. و يشهد له قول علي بن جعفر: حتى يغسل رأسه و جسده. لأنه قرينة على التفاته إلى اعتبار الترتيب‌

____________

(1) الوسائل 2: 231/ أبواب الجنابة ب 26 ح 10، مسائل علي بن جعفر: 183/ 354، قرب الاسناد: 182/ 672، التهذيب 1: 149/ 424.

(2) الوسائل 2: 232/ أبواب الجنابة ب 26 ح 11، مسائل علي بن جعفر: 183/ 355، قرب الاسناد: 181/ 668.

408

[مسألة 10: يجوز العدول عن الترتيب إلى الارتماس في الأثناء و بالعكس]

[671] مسألة 10: يجوز العدول عن الترتيب إلى الارتماس في الأثناء (1) و بالعكس (2) لكن بمعنى رفع اليد عنه و الاستئناف على النحو الآخر.

[مسألة 11: إذا كان حوض أقل من الكر يجوز الاغتسال فيه بالارتماس]

[672] مسألة 11: إذا كان حوض أقل من الكر يجوز الاغتسال فيه بالارتماس (3) مع طهارة البدن

____________

في الغسل بالمطر و يسأله عن أن تلك الكيفية في المطر كافية أو غير كافية، و أجابه (عليه السلام) بأنّ الغسل به إذا كان كالغسل بغيره كماً و كيفاً أجزأه. فهاتان الصحيحتان ممّا لا دلالة له على ذلك المدعى.

نعم هناك رواية ثالثة لا يبعد ظهورها في الإطلاق بل هو قريب، و هي رواية ابن أبي حمزة: «في رجل أصابته جنابة فقام في المطر حتى سال على جسده أ يجزئه ذلك من الغسل؟ قال: نعم» (1). لدلالتها على أن القيام تحت المطر كاف في صحّة الغسل من دون اشتراط الترتيب فيه. إلّا أنها مرسلة، و لأجله لا يمكننا الاعتماد عليه. فالصحيح أن في الغسل في المطر لا بدّ من ملاحظة الترتيب.

جواز العدول عن إحدى كيفيتي الاغتسال إلى الأُخرى

(1) إذ لا دليل على حرمة رفع اليد عن الترتيبي، فلو كان غسل رأسه بقصد الغسل الترتيبي ثمّ بدا له في الغسل الارتماسي و ارتمس يشمله قوله: «إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك».

(2) هذا إنما يتصور على مسلكه من إمكان كون الارتماس تدريجياً، و أمّا بناء على ما ذكرناه من أن الارتماس أمر آني دفعي الحصول فأمره دائر بين الوجود و العدم و لا يعقل فيه العدول و البداء في أثنائه.

إذا اغتسل في أقل من الكر

(3) لعدم الدليل على اشتراط الكثرة فيما يغتسل فيه بالارتماس، و لإطلاق قوله‌

____________

(1) الوسائل 2: 232/ أبواب الجنابة ب 26 ح 14.

409

لكن بعده يكون من المستعمل في رفع الحدث الأكبر، فبناءً على الإشكال فيه يشكل الوضوء و الغسل منه بعد ذلك (1) و كذا إذا قام فيه و اغتسل بنحو الترتيب (2) بحيث رجع ماء الغسل فيه (1)

____________

(عليه السلام): «إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه» (2).

(1) لأنه ماء قليل مستعمل في إزالة الحدث الأكبر و هو لا يجوز استعماله في رفع الحدث الأكبر أو الأصغر ثانياً، لما في موثقة ابن سنان من أن «الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه و أشباهه» (3).

(2) لا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره) بوجه، لأن الموضوع للنهي عن الاغتسال أو التوضؤ بالماء المستعمل هو الماء الذي اغتسل به الرجل لا ما امتزج به الماء المستعمل في الاغتسال.

و توضيح ذلك: أن الماء الراجع إلى الماء القليل قد يكون مستهلكاً في ضمنه لكثرته بالإضافة إلى الماء المستعمل الراجع إليه و لا إشكال حينئذ في جواز الاغتسال به، لعدم صدق الماء المستعمل عليه، بل هو ماء غير مستعمل في الاغتسال. و قد ينعكس الأمر و يكون الماء القليل مستهلكاً فيما يرجع إليه من الماء المستعمل لكثرته و قلّة الماء القليل، و معه أيضاً لا إشكال في المسألة إذ لا يجوز الغسل منه، لأنه ماء مستعمل في إزالة الحدث. و ثالثة: يمتزج الماء المستعمل الراجع إلى الماء القليل معه من دون أن يستهلك أحدهما في الآخر و هذا أيضاً لا مانع من استعماله في رفع الحدث، لما عرفت من أن الموضوع للمنع عن الاستعمال هو الماء الذي اغتسل به لا الماء الممتزج به الماء المستعمل في الاغتسال. و من هنا لا بأس بالماء المنتضح من الماء المستعمل في‌

____________

(1) موضوع الحكم هو الماء الذي يغتسل به من الجنابة، و أما الممتزج منه و من غيره فلا بأس به ما لم يستهلك غيره فيه.

(2) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5، 12.

(3) الوسائل 1: 215/ أبواب الماء المضاف و المستعمل ب 9 ح 13.

410

و أمّا إذا كان كراً أو أزيد فليس كذلك، نعم لا يبعد (1) صدق المستعمل عليه إذا كان بقدر الكر لا أزيد و اغتسل فيه مراراً عديدة (1) لكن الأقوى كما مرّ جواز الاغتسال و الوضوء من المستعمل.

____________

الإناء كما ورد في صحيحة الفضيل (2).

(1) و هذا لا لأنه إذا كان بمقدار الكر و اغتسل فيه نقص عن الكر و معه يكون من الماء القليل المستعمل في إزالة الحدث، إذ لو كان نظر الماتن إلى ذلك لم يكن وجه للتقييد بالمرار العديدة، إذ لو كان الماء بمقدار الكر فحسب من دون أن يزيد عليه لنقص عنه و لو بالغسل فيه مرّة واحدة كما لعله ظاهر. بل من جهة حسبان أن الماء إذا اغتسل فيه مراراً متعددة و كان بقدر الكر لا زائداً عليه بكثير كما في البحار و الأنهار الكبيرة صدق عليه أنه ماء مستعمل في إزالة الحدث الأكبر، فإنه لو قسّم إلى كل واحد واحد من اغتسالاته لوقع بإزاء كل واحد منها من الماء مقدار يسير غير بالغ حدّ الكر، و الماء القليل المستعمل في إزالة الحدث الأكبر غير رافع للحدث ثانياً فلا يصحّ استعماله في رفع الحدث ثانيا.

و فيه: أن الموضوع لعدم جواز استعمال الماء في رفع الحدث ثانياً ليس هو الماء المستعمل في إزالة الحدث الأكبر، و إلّا لصدق ذلك فيما هو زائد عن الكر، و لم يكن للتقييد بقوله: لا أزيد، وجه صحيح، لأنا لو فرضنا الماء زائداً على الكر و لكن كان المغتسل فيه زائداً عن الواحد كما في خزانات الحمامات حتى الدارجة في يومنا هذا أيضاً يأتي فيه الكلام المتقدّم، فإنه لو قسّم إلى كل واحد واحد من آحاد المغتسلين لم يقع بإزاء كل واحد منهم إلّا أقل قليل و لعله لا يكفي في غسل بدنه، و معه لو كان صدق عنوان المستعمل كافياً في عدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل بلا فرق في ذلك بين الماء القليل و الكثير للزم الحكم بعدم صحّة الغسل و الوضوء في خزانات‌

____________

(1) لا يضرّ صدقه عليه بعد ورود النص بجواز الاغتسال منه.

(2) الوسائل 1: 211/ أبواب الماء المضاف و المستعمل ب 9 ح 1، 5.

411

[مسألة 12: يشترط في صحّة الغسل ما مرّ من الشرائط في الوضوء]

[673] مسألة 12: يشترط في صحّة الغسل ما مرّ من الشرائط في الوضوء (1) في

____________

الحمّامات لما عرفت، مع أنه مما لا يلتزم به هو (قدس سره) و لا غيره.

و السر في ذلك أن الموضوع لعدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل هو الماء المستعمل القليل، لأنّ الكر ممّا نعلم بعدم انفعاله و تأثره من الخبث و لا الحدث، و قد ورد في صحيحة محمّد بن مسلم السؤال عن «الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شي‌ء» (2)، و كذلك في صحيحته الأُخرى (3). و في صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكّة إلى المدينة تردها السباع و تلغ فيها الكلاب و تشرب منها الحمير و يغتسل فيها الجنب و يتوضأ منها، قال: و كم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق و إلى الركبة، فقال: توضأ منه» (4) حيث إن ظاهرها بل صريحها السؤال عن حكم الماء المستعمل، و قد دلّت على عدم البأس به إذا كان كرّاً و إليه يشير تفصيله بين ما إذا كان إلى نصف الساق و غيره، حيث إن الماء في الحياض الموجودة في الصحاري لو كان بالغاً إلى نصف الساق فهو زائد عن الكر بكثير، و لا تقاس تلك الأحواض بالحياض الموجودة في الدور و الحمامات.

فالمتحصل: أن الماء المستعمل الكثير لا يتأثر بشي‌ء، و إنما لا يجوز استعماله في رفع الحدث ثانياً فيما إذا كان قليلًا، و مع كونه كراً لا يمنع عن استعماله في رفع الحدث ثانياً و ثالثاً و إن صدق عليه عنوان المستعمل في إزالة الحدث.

____________

(1) مرّ تفصيلها في الوضوء، و تلحق حرمة الارتماس بحرمة استعمال الماء في الأثر، نعم يفترق الغسل عن الوضوء بأمرين: الأوّل: جواز المضي مع الشك بعد التجاوز و إن كان في الأثناء. الثاني: عدم اعتبار الموالاة فيه في الترتيبي.

(2) الوسائل 1: 159/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 5.

(3) الوسائل 1: 158/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1.

(4) الوسائل 1: 162/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 12.

412

الوضوء (1) من النيّة و استدامتها إلى الفراغ و إطلاق الماء و طهارته و عدم كونه ماء الغسالة و عدم الضّرر في استعماله و إباحته و إباحة ظرفه و عدم كونه من الذّهب و الفضّة و إباحة مكان الغسل و مصب مائه و طهارة البدن و عدم ضيق الوقت و الترتيب في الترتيبي و عدم حرمة الارتماس في الارتماسي منه كيوم الصوم و في حال الإحرام و المباشرة في حال الاختيار، و ما عدا الإباحة و عدم كون الظرف من الذّهب و الفضّة و عدم حرمة الارتماس من الشرائط (2) واقعي لا فرق فيها بين العمد و العلم و الجهل و النسيان، بخلاف المذكورات فإن شرطيتها مقصورة على حال العمد و العلم.

الشرائط المعتبرة في صحّة الغسل

____________

(1) و قد مرّ توضيح الكلام في جميع تلك الشرائط في الوضوء، و لا وجه لإعادته غير اشتراط عدم حرمة الارتماس لاختصاصه بالغسل. و الوجه في اشتراطه ظاهر إذ مع حرمة الارتماس يقع الغسل فاسداً منهياً عنه لعدم إمكان التقرب بالمبغوض و الحرام لا محالة، كما إذا ارتمس في نهار شهر رمضان أو في الإحرام أو في نهار الصوم الواجب المعيّن و لو غير شهر رمضان.

(2) أراد بذلك التفرقة بين الشروط المتقدّمة و بين اشتراط عدم حرمة الارتماس نظراً إلى أن الأخير من الشرائط الواقعية فلا فرق في بطلان الغسل عند حرمته بين صورتي العلم و الجهل لعدم اشتماله على شرطه، و هذا بخلاف بقيّة الشروط كاشتراط حليّة الماء و إباحة ظرفه أو عدم كون الظرف من الذهب أو الفضّة، لأن شرطيتها مقصورة بحال الذكر و العلم و الاختيار (1)، فإذا جهل بحرمتها فلا مانع عن صحّة الغسل لتمشي قصد التقرب منه عند الجهل بحرمة الماء أو ظرفه أو بكونه من الذهب أو الفضّة.

____________

(1) لا يخفى التهافت بين المتن و الشرح.

413

[مسألة 13: إذا خرج من بيته بقصد الحمام و الغسل فيه فاغتسل بالداعي الأوّل]

[674] مسألة 13: إذا خرج من بيته بقصد الحمام و الغسل فيه فاغتسل بالداعي الأوّل لكن كان بحيث لو قيل له حين الغمس في الماء: ما تفعل؟ يقول: اغتسل، فغسله صحيح و أمّا إذا كان غافلًا بالمرّة بحيث لو قيل له: ما تفعل، يبقى متحيِّراً فغسله ليس بصحيح (1).

____________

و لكنّا قدّمنا في بحث الوضوء (1) أن التفرقة بين صورتي العلم و الجهل في الأفعال المحرمة إنما يتمّ في موارد اجتماع الأمر و النهي أعني موارد التزاحم، بأن يتعلق الأمر بشي‌ء و النهي بشي‌ء آخر و تزاحما في موارد الاجتماع فإنه مع العلم بالحرمة لا يقع العمل صحيحاً لتزاحم الحكمين، و أمّا إذا جهل بالحرمة فلا مانع من الحكم بصحّة المجمع لعدم تزاحم الحرمة المجهولة مع الوجوب. و أما في موارد التعارض كما في المقام بأن يكون شي‌ء واحد متعلقاً للحرمة و الوجوب فان العمل محكوم بالبطلان حينئذ فلا فرق بين صورتي العلم بالحرمة و الجهل بها، و ذلك لا لعدم تمكنه من قصد التقرب مع الجهل بحرمته لوضوح إمكانه مع الجهل، بل من جهة أن المبغوض و المحرّم الواقعي لا يقع مصداقاً للواجب و لا يمكن أن يكون مقرباً بوجه إلّا أن يكون الجهل مركباً كما في موارد النسيان و الغفلة، فإن الحرمة الواقعية ساقطة حينئذ لحديث رفع النسيان و هو رفع واقعي، و مع عدم حرمة العمل بحسب الواقع لا مانع من أن يقع مصداقاً للواجب و يكون مقرباً إلى اللّٰه.

(1) ما أفاده (قدس سره) من الأمارات الغالبية الكاشفة عن وجود النيّة في خزانة النفس لا أنه هو المدار في صحّة الغسل و بطلانه، فان المدار على أن تكون حركته نحو العمل منبعثة عن الداعي إلى ذلك العمل و نيّته، فان كانت النيّة الداعية إلى العمل متحققة في خزانة نفسه و إن لم يلتفت إليها بالفعل إلّا أنه يأتي به بارتكازه فالعمل صحيح. و هذا أمر كثير التحقق خارجاً فترى أنه خرج من منزله بداعي‌

____________

(1) في شرح العروة 5: 319.

414

[مسألة 14: إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل و بعد ما خرج شك في أنه اغتسل أم لا يبني على العدم]

[675] مسألة 14: إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل و بعد ما خرج شك في أنه اغتسل أم لا يبني على العدم (1) و لو علم أنه اغتسل لكن شك في أنه على الوجه الصحيح أم لا يبني على الصحّة (2).

____________

التشرّف إلى الحضرة الشريفة و قد غفل عن ذلك في أثناء مشيه و طريقه إلّا أنه بالأخرة يصل الحرم بارتكازه و نيّته الكائنة في خزانة نفسه و إن لم يكن ملتفتاً إليها لتوجه النفس إلى أمر آخر دنيوي أو أُخروي.

و أما إذا لم يكن عمله بتحريك نيّة ذلك العمل و لو بارتكازه في خزانة النفس فلا محالة يحكم ببطلانه، لعدم صدوره منه بالنيّة المعتبرة في صحّته. و ما أفاده (قدس سره) من عدم تحيره في الجواب على تقدير السؤال عنه فهو أمارة غالبية على وجود النيّة في الخزانة و عدمها لا أنه المدار في الحكم بالصحّة و الفساد كما قدّمنا تفصيله في بحث الوضوء (1).

إذا شكّ في اغتساله

(1) لاستصحاب عدم الإتيان به، اللّٰهمّ إلّا أن نقول بجريان قاعدة التجاوز عند التجاوز عن المحل العادي و كانت عادته الاغتسال في وقت تجاوز عنه، و لكنه احتمال ضعيف، لعدم ترتب أثر شرعي على التجاوز عن المحل العادي على ما فصّلنا القول فيه في محلِّه (2).

(2) لقاعدة الفراغ، لأن غسله مما مضى وكل شي‌ء قد مضى يمضى كما هو.

____________

(1) في شرح العروة 5: 418.

(2) في مصباح الأُصول 3: 315.

415

[مسألة 15: إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبين ضيقه و أن وظيفته كانت هو التيمم]

[676] مسألة 15: إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبين ضيقه و أن وظيفته كانت هو التيمم فإن كان على وجه الدّاعي يكون صحيحاً و إن كان على وجه التقييد (1) يكون باطلًا (1). و لو تيمم باعتقاد الضيق فتبين سعته ففي صحّته و صحّة صلاته إشكال (2) (2).

التفصيل بين الدّاعي و التقييد

____________

(1) هذا هو التفصيل الذي فصل به في الوضوء و حاصله: أنه إن أتى بالوضوء أو الغسل حينئذ بداعي الأمر الفعلي المتوجه إليهما الناشئ باعتقاده من الأمر بالصلاة أو بغيرها من المؤقتات فوضوءه و غسله صحيحان، حيث أتى بهما بداعي الأمر الفعلي المتعلق بهما، و غاية الأمر أنه أخطأ في التطبيق و حسب أن أمرهما الفعلي هو الوجوب الناشئ من الأمر بذي المقدّمة و كان أمرهما الفعلي هو الاستحباب، و هو غير مضر في صحّتهما بعد إتيانهما بداعي أمرهما الفعلي. و أما إذا أتى بهما مقيّداً بأن يكونا مقدّمتين للصلاة أي مقيّداً بكونهما واجبين غيريين فيحكم ببطلانهما، لعدم مقدّمتيهما و عدم وجوبهما الغيري حينئذ (3).

هذا و لكنا ذكرنا هناك أن طبيعة الوضوء أو الغسل طبيعة واحدة غير قابلة للتقييد بشي‌ء، و العبادية فيهما لم تنشأ عن مقدّميتهما للصلاة أو غيرها من العبادات و إنما نشأت عن استحبابهما الذاتيين، فلا مانع من الحكم بصحّتهما لإتيانهما بداعي أمرهما الفعلي، و الخطأ في التطبيق غير مانع عن صحّتهما (4).

(2) قد تعرّض (قدس سره) للمسألة في التكلّم على مسوغات التيمم (5) حيث عدّ‌

____________

(1) لا يبعد أن لا يكون للتقييد أثر في أمثال المقام.

(2) لا ينبغي الإشكال في بطلانه و بطلان صلاته.

(3) الثامن من شرائط الوضوء، قبل المسألة [560].

(4) شرح العروة 5: 361.

(5) في المسألة [1092].

416

[مسألة 16: إذا كان من قصده عدم إعطاء الأُجرة للحمامي فغسله باطل]

[677] مسألة 16: إذا كان من قصده عدم إعطاء الأُجرة للحمامي فغسله باطل و كذا إذا كان بناؤه على النسيئة من غير إحراز رضا الحمامي بذلك و إن استرضاه بعد الغسل، و لو كان بناؤهما على النسيئة و لكن كان بانياً على عدم إعطاء الأُجرة أو على إعطاء الفلوس الحرام ففي صحّته إشكال (1) (1).

____________

منها ضيق الوقت، و عندئذ تعرض لما إذا اعتقد المكلّف الضيق ثمّ تبين السعة و حكم هناك ببطلان التيمم جازماً به. و ما أفاده هناك هو الصحيح، إذ لا وجه لصحّة التيمم حينئذ، لأن المفروض أنه كان واجداً للماء و كان الوقت وسيعاً و غاية الأمر أنه تخيل الضيق و تخيل وجوب التيمم ثمّ تبين خطأ اعتقاده و هو في الوقت، نعم لو لم يتبين ذلك في الوقت إلى أن خرج فهو باعتقاده عاجز عن الماء و اعتقاده لا يترتب عليه شي‌ء.

و أمّا لو كان معتقداً عدم الماء في مجموع الوقت فيمكننا الحكم بصحّة تيممه و إن كان في الواقع متمكناً منه، و ذلك لأنه باعتقاده عدم التمكن يعجز عن استعماله و لا يتمكن منه ما دام معتقداً لعدم الماء فهو غير متمكن من استعمال الماء حقيقة لاعتقاده، فوظيفته التيمم و لو كان الماء موجوداً عنده واقعاً. و كيف كان، فلا وجه للإشكال في بطلان التيمم في مفروض المسألة، بل لا بدّ من الحكم ببطلانه جزماً كما صنعه هناك.

إذا اغتسل قاصداً عدم إعطاء الأُجرة

(1) التزم الماتن (قدس سره) ببطلان الاغتسال فيما إذا كان من قصده عدم إعطاء الأُجرة أو إعطاؤها من المال الحرام أو على إعطائها نسيئة فيما إذا كان بناء الحمامي على النقد، و استشكل في صحّته فيما إذا كان بناؤهما أي الحمامي و المغتسل على النسيئة و صار بناء المغتسل على عدم إعطاء الأُجرة للحمّامي.

____________

(1) أظهره عدم الصحّة مع عدم إحراز الرضا.

417

..........

____________

و تفصيل الكلام في هذه المسألة أن الاغتسال في الحمام قد يكون من باب الإجارة كما إذا أوقعاها بالصيغة على أن يدخل المغتسل الحمام مدّة متعارفة كساعة أو أقل أو أكثر لينتفع فيه بالتصرف في مائه و غيره في مقابلة أُجرة معيّنة، و عليه فيكون المغتسل مالكاً بإجارته هذه التصرف في الحمام مدّة متعارفة كما أن الحمامي يملك بها الأُجرة المسمّاة على ذمّة المغتسل، بلا فرق في ذلك بين أن يستوفي المغتسل تلك المنفعة المملوكة له أم لم يستوفها بل اشتغل مع أصحابه بشي‌ء آخر كالتكلم أو نحوه، لأنه لا بدّ أن يدفع الأُجرة المسماة مطلقاً و إن فوت المنفعة على نفسه. كما لا فرق في ذلك بين أن يبني على عدم إعطاء الأُجرة للحمامي أو بنى على إعطائها و لكنه لم يعطها بعد ذلك أو إعطائها من المال الحرام، لأن المعاملة صحيحة على كل حال و ذمّة المغتسل مشغولة بالأُجرة المسمّاة، و الفعل الخارجي أعني إعطاء الأُجرة من المال الحرام أو عدم إعطائها أجنبيان عن المعاملة و صحّتها. و لا يختص ذلك بالإجارة بل يأتي في كل معاملة كان فيها العوض أمراً ذميّاً كما إذا اشترى شيئاً بقيمة معيّنة في ذمّته، فإن المعاملة صحيحة سواء دفع القيمة أم لم يدفعها، بنى على إعطائها أم لم يبن عليه. هذا إذا كان الدخول في الحمام للاغتسال أو لغيره من باب الإجارة.

و أمّا إذا كان من باب إباحة التصرّف في الحمّام بعوض لأنه من المعاملات المتداولة في الخارج من دون أن يكون هناك تمليك أو تملك، فان المغتسل يدخل الحمام و يغتسل من غير أن يعلم بأُجرته و أنها أي مقدار و لا سيما في الغرباء كأهل مملكة أُخرى، بل و كذلك في أهل مملكة واحدة كالنجفي إذا دخل الحمام في بغداد، لأن الأسعار تختلف باختلاف البلدان و الأمكنة و لا يدري أن الأُجرة أي مقدار، كما أن الحمّامي لا يدري أنه يصرف من الماء بمقدار الاغتسال ارتماساً أو ترتيباً أو يصرفه مقداراً زائداً لتنظيف بدنه، كما لا يعلم أنه يتصرف في الحمام بمقدار الاغتسال أو يريد تنظيف بدنه بالصابون و النورة و نحوهما، و مع هذا كله لا يستشكل أحد في صحّة غسله، فلو كان ذلك من باب الإجارة للزم تعيين الأُجرة و المنفعة و العلم بهما قبل الدخول لاعتبار العلم بمقدار العوضين في الإجارة.

418

..........

____________

و عليه فهو من باب إباحة التصرف بعوض، فكأن الحمامي أعلن بالكتابة أو بغيرها على أنه يرضى للدخول في حمامه بشرط إعطاء العوض عند الخروج، و حيث إن الشرط بعنوان الموضوع فيكون الرضا متعلقاً بدخول كل من يعطي العوض عند الخروج، فإعطاء العوض عند الخروج من الشرط المتأخر لرضا الحمامي في الدخول و الاغتسال في الحمام أو غيره من التصرّفات، و معه لا بدّ من أن يبني المغتسل على إعطاء الأُجرة حين الدخول و الاغتسال كما لا بدّ من أن يعطيها عند الخروج.

فلو فرضنا أنه بنى على إعطائها إلّا أنه عند الخروج لم يعط الأُجرة يحكم ببطلان غسله، لأن عدم إعطاء الأُجرة كاشف عن عدم رضا الحمّامي بتصرّفاته من الابتداء كما أنّ إعطاءها كاشف عن رضاه بذلك على ما هو الحال في جميع موارد الشرط المتأخِّر. كما أنه لو انعكس الأمر فلم يبن على إعطاء الأُجرة عند دخوله و اغتساله إلّا أنه دفعها عند الخروج أيضاً يبطل غسله، و ذلك لأن إعطاءه الأُجرة و إن كان كاشفاً عن رضا الحمامي بدخوله و اغتساله إلّا أن المغتسل إما أن يكون حال غسله عالماً بعدم رضا الحمامي باغتساله لأنه بانٍ على عدم إعطائه الأُجرة، و إما أن يكون شاكاً في ذلك لتردده في أنه يعطي الأُجرة أو لا يعطيها. فعلى الأوّل فهو عالم بحرمة التصرف في الماء و غيره، و معه كيف يتمشى منه قصد التقرّب عند الاغتسال و إن كان الحمامي راضياً واقعاً. و أما على الثاني فأيضاً الأمر كذلك، لاستصحاب عدم رضا الحمامي و عدم إعطائه الأُجرة بعد الخروج، فالتصرّفات الصادرة منه محكومة بالحرمة الظاهرية بالاستصحاب و إن كان في الواقع حلالًا لرضا الحمّامي بتصرّفاته و مع العلم بالحرمة أو ثبوتها بالتعبد كيف يتمشى منه قصد التقرّب ليصحّ غسله.

و معه لا بدّ في صحّة اغتساله من بنائه على إعطاء العوض عند الخروج و من إعطائه كذلك، و مع انتفائهما أو انتفاء أحدهما يحكم ببطلان غسله. و لا فرق في ذلك بين النقد و النسيئة، فلو فرضنا أن الحمامي يرضى بإعطاء العوض بعد مدّة معيّنة و لكنه بان على عدم إعطائها بعد تلك المدّة أو لم يعطها بعدها أيضاً يحكم ببطلان غسله لما مرّ بعينه، فالتفصيل بين النقد و النسيئة ممّا لا وجه له.

419

[مسألة 17: إذا كان ماء الحمام مباحاً لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع من الغسل فيه]

[678] مسألة 17: إذا كان ماء الحمام مباحاً لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع من الغسل فيه (1) لأنّ صاحب الحطب يستحق عوض حطبه و لا يصير شريكاً في الماء و لا صاحب حق فيه.

[مسألة 18: الغسل في حوض المدرسة لغير أهله مشكل]

[679] مسألة 18: الغسل في حوض المدرسة لغير أهله (2) مشكل بل غير إذا كان تسخين الماء بشي‌ء مغصوب

____________

(1) أو أحماه بالكهرباء أو النفط المغصوبين. و الوجه في صحّة غسله حينئذ ما ذكرناه في بحث المكاسب من أن الأعراض مطلقاً سواء كانت من أعراض الجسم أم النفس لا تقابل بالمال و إنما هي توجب زيادة قيمة الجسم و معروضها، فالصوف المنسوج كالألبسة و نحوها و إن كانت قيمته أضعاف قيمة الصوف غير المنسوج إلّا أن زيادة القيمة إنما هي قيمة لذات الصوف لا أنها قيمة النسج، و كذلك الجسم الأبيض مع غيره أو الجسم العريض و الطويل مع الجسم غير العريض، فان نسج الثوب أو بياض الجسم أو عرضه و طوله ليست أُموراً قابلة للتمليك لأحد بإزاء مال أو بغيره و لا معنى لأن يكون نسج الصوف ملكاً لأحد و نفس الصوف ملكاً لآخر، و هكذا بياض الجسم أو عرضه و طوله و كذلك الحال في اعراض النفس ككتابة العبد، إذ لا معنى لأن تكون كتابة العبد لأحد و نفس العبد لأحد. و عليه فالحرارة المتحققة في الماء المباح لا معنى لأن تقابل بالمال و تكون ملكاً لصاحب الحطب أو الكهرباء أو النفط حتى يكون شريكاً مع صاحب الماء في الماء، لأنها ممّا لا يقابل بشي‌ء، نعم يكون المتصرِّف في الحطب ضامناً لمالكه فلا بدّ من أن يخرج عن عهدته بدفع قيمته إلى مالكه، و أما الماء المتصف بالحرارة فهو ملك صاحب الماء فيصح غسله فيه و وضوءه و غيرهما من التصرفات.

(2) هذه المسألة تبتني على بحث كبروي و هو أن الوقف إذا شك في سعته و ضيقه إمّا من جهة الموقوف عليه و أنه جميع المسلمين أو خصوص أهل العلم مثلًا، و إما من‌

420

..........

____________

جهة كيفية التصرّف مع العلم بالموقوف عليه كما إذا شكّ في أن الوقف وقف للانتفاع به في جهة معيّنة أو في جميع الجهات، فهل يجوز التصرّف فيه في غير المقدار المتيقن أو لا يجوز؟ فنقول:

إنّ الإطلاق و التقييد المعبر عنهما بالسعة و الضيق بحسب مقام الدلالة و الإثبات من قبيل العدم و الملكة، حيث إن الإطلاق ليس إلّا عدم التقييد بخصوصية في مقام البيان، و عليه فلو شك في أن الواقف هل جعله وقفاً موسعاً أو مضيقاً و كان في مقام البيان و لم يأت بقيد يدلّ على كونه وقفاً لجهة معيّنة، فيمكننا التمسك بإطلاق كلامه بمقدّمات الحكمة و الحكم بأن الوقف مطلق حتى في مقام الثبوت لاستكشافه من الإطلاق في مقام الإثبات. و أما إذا لم يكن هناك إطلاق ليتمسك به و شكّ في سعة الوقف و ضيقه فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقن، و ذلك لأن التقابل بين الإطلاق و التقييد في مقام الثبوت تقابل التضاد، لأن الإطلاق عبارة عن لحاظ العموم و السريان و عدم مدخلية شي‌ء من الخصوصيات في الموضوع، و التقييد هو لحاظ الخصوصية و مدخليتها في الموضوع، فإذا شككنا في أن الواقف لاحظ السريان في وقفه أو لاحظ الخصوصية المعيّنة فأصالة عدم لحاظه العموم و السريان يمنع عن الحكم بعموم الوقف و شموله للجميع.

و لا يعارضه أصالة عدم لحاظ الخصوصية إذ لا أثر لها، حيث إن عموم الوقف مترتب على لحاظ السريان لا على عدم لحاظ الخصوصية، فاستصحاب عدم لحاظ الخصوصية لإثبات أنه لاحظ العموم و السريان إثبات لأحد الضدين بنفي الضد الآخر و هو من أظهر أنحاء الأُصول المثبتة.

و عليه فلو لم يكن هناك إطلاق أو أمارة على جواز التصرف في الوقف في غير المقدار المتيقن لا يحكم بجوازه، كما إذا شك غير أهل المدرسة في جواز تصرّفاته في ماء حوضها بالاغتسال فان مقتضى أصالة عدم لحاظ العموم و السريان في وقفه عدم كون الوقف عاما شاملًا له، بل مقتضى أصالة الاشتغال أو استصحابه بطلان وضوئه. و من ذلك القبيل ما إذا علمنا بوقفية لحاف مثلًا و شككنا في أنه وقف للتصرّف فيه في جهة معيّنة كالتغطية به لبرد و نحو برد أو أنه موقوف لمطلق التصرّفات حتى جعله‌

421

صحيح بل و كذا لأهله (1) (1) إلّا إذا علم عموم الوقفية أو الإباحة.

[مسألة 19: الماء الذي يسبلونه يشكل الوضوء و الغسل منه]

[680] مسألة 19: الماء الذي يسبلونه يشكل الوضوء و الغسل منه إلّا مع العلم بعموم الإذن (2).

[مسألة 20: الغسل بالمئزر الغصبي باطل]

[681] مسألة 20: الغسل بالمئزر الغصبي باطل (2) (3).

____________

فراشاً ينام عليه، أو علمنا بوقفية كتاب لأهل العلم و شككنا في أن الوقف فيه خاص بمطالعته و تدريسه و دراسته أو يعمّ غيرها أيضاً كجعل الخبز عليه عند أكله أو جعله متكئاً عند المنام، فان مقتضى أصالة عدم لحاظ العموم و السريان عدم عموميّة الوقف حينئذ فتكون التصرفات الزائدة على المقدار المتيقن متوقفة على مرخص.

(1) فيه: أن التصرف في ماء الحوض للاغتسال به في الدور و الأماكن الصالحة للسكنىٰ أمر متعارف في البلاد الحارة كالنجف و ما شابهها. و معنى وقف المدرسة لأهلها أن المدرسة كالدور و أهل المدرسة كأرباب الدور، فكما أن ربّ الدار يتصرّف فيها بما يحتاج إلى التصرّف فيه من الأُمور المتعارفة من غسل بدنه و تنظيفه و منامه و نحوها فكذلك أهل المدرسة، فيتصرّفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم.

(2) و قد ظهر حال الماء المسبل ممّا قدّمناه في المسألة السابقة، لأنّ التسبيل بمعنى إباحة التصرّف، و مع الشك في عمومها و تقيّدها تجري أصالة عدم لحاظ العموم فلا يمكن التصرّف فيه في غير المقدار المتيقن منه و هو شربه، و أمّا التوضؤ أو الاغتسال أو غسل الثياب به فلا مسوغ له إلّا أن يكون هناك إطلاق أو أمارة قائمة على الجواز.

الاغتسال بالمئزر الغصبي

(3) فيه: أن الغسل إنما يكون باطلًا فيما إذا كان الاغتسال تصرفاً في المئزر‌

____________

(1) إذا كانت المدرسة وقفاً و كان الاغتسال لأهلها في حوضها من التصرفات المتعارفة فالظاهر أنه لا بأس به.

(2) فيه إشكال و الصحّة أظهر.

422

[مسألة 21: ماء غسل المرأة من الجنابة و الحيض و النفاس و كذا اجرة تسخينه إذا احتاج إليه على زوجها على الأظهر]

[682] مسألة 21: ماء غسل المرأة من الجنابة و الحيض و النفاس و كذا اجرة تسخينه إذا احتاج إليه على زوجها على الأظهر (1) لأنه يُعد جزءاً من نفقتها (1).

____________

المغصوب ليكون محرّماً فيكون باطلًا. إلّا أن صبّ الماء للاغتسال الذي هو بمعنى جريه على البدن أو مسّه به أمر و صبّه على المئزر و جريه عليه أمر آخر و هما أمران أحدهما أجنبي عن الآخر، لأن الغسل بمعنى جريان الماء على البدن، و هو أمر آخر أجنبي عن جريان الماء على المئزر و إن كانا متحققين بفعل واحد و بصب الماء مرّة واحدة، و مع التعدّد لا وجه لسراية الحرمة من أحدهما إلى الآخر كما لا يسري الوجوب من أحدهما إلى ثانيهما.

مئونة اغتسال الزوجة ليست على الزوج

(1) النفقة الواجبة على الزوج على ما دلّت عليه الآية المباركة وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ (2) و الروايات المتضمّنة على أن عليه النّفقة (3) و إن لم تفسر في نفس الآية و الأخبار الآمرة بها إلّا أن هناك جملة من الروايات قد حددت النفقة الواجبة على الزوج بما يقيم صلبها أو ظهرها و يكسو عورتها أو جثتها و غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى، و في بعضها أنه ليس لها عليه شي‌ء غير هذا؟ قال: لا (4).

و قد دلّت جملة من الأخبار الأُخر على وجوب السكنى أيضاً على الزّوج (5) و عليه فالواجب على الزّوج السكنى و ما يقيم صلب زوجته و كسوتها. و قد دلّ على ذلك أيضاً ما ورد في تفسير قوله تعالى فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ (6)

____________

(1) فيه إشكال بل منع.

(2) الطّلاق 65: 7.

(3) الوسائل 21: 509/ أبواب النفقات ب 1 ح 1، ب 11 ح 3، 5 و غيرها من الموارد.

(4) الوسائل 21: 509/ أبواب النفقات ب 1.

(5) الوسائل 21: 519/ أبواب النفقات ب 8 ح 1، 4، 11.

(6) البقرة 2: 228.

423

[مسألة 22: حكم ارتماس الصائم نسيانا]

[683] مسألة 22: إذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو صوم غيره (1) أو

____________

و إن كانت الرواية ضعيفة (1)، فيجب عليه كل ما تحتاج إليه المرأة في معاشها و حياتها حتى الماء لتنظيف بدنها و الصابون بل الصبغ و الدهن كما اشتملت عليه بعض الأخبار لأنها راجعة إلى معاش المرأة و بها يُقام صلبها، حيث إنها لو لم تنظف بدنها و لم تستحم فربّما ابتليت بالمرض و صارت مورداً للتنفّر و الانزعاج. و أما ما كان خارجاً عن معاشها و إقامة صلبها و كسوتها كالامور الواجبة عليها شرعاً بأسبابها من الكفارة أو الدية إذا قتلت شبهة أو عمداً و أُجرة الماء للاغتسال أو تسخينه أو غير ذلك مما هو خارج عن معاشها فلا دليل على وجوبها على الزوج، بل الزّوجة إن كانت متمكِّنة منها فهو و إلّا فينتقل الأمر إلى بدلها في حقّها كالتيمم بدلًا عن الغسل، و هي معذورة فإن التيمم أحد الطهورين (2) و يكفيك عشر سنين (3).

نعم لولا تلك الأخبار المحدِّدة للنفقة الواجبة بالأمرين: ما يقيم صلب المرأة و يكسو عورتها، و تصريحه (عليه السلام) بعدم وجوب غيرهما على الزوج لكان مقتضى إطلاق النفقة في الأخبار المطلقة و الأمر بالإنفاق في الآية المباركة هو وجوب تمام نفقتها الأعم مما يرجع إلى معاشها و معادها، إلّا أن الأخبار المحددة تخصص النفقة الواجبة بما يرجع إلى معاش المرأة، و معه فلا يبعد عدم كون ماء الغسل و مقدّماته على الزّوج.

ارتماس الصائم نسياناً

(1) الكلام في ذلك يقع من جهات:

الجهة الاولى: أن الصائم في شهر رمضان أو في الواجب المعيّن قضاء أو نذراً و لو في غير رمضان أو المحرّم إذا ارتمس في الماء للاغتسال فان كان ذلك عن علم و عمد‌

____________

(1) و هي مرسلة العياشي المذكورة في الوسائل 21: 512/ أبواب النفقات ب 1 ح 13.

(2) الوسائل 3: 386/ أبواب التيمم ب 23 ح 5.

(3) الوسائل 3: 386/ أبواب التيمم ب 23 ح 4.

424

في حال الإحرام ارتماساً نسياناً لا يبطل صومه و لا غسله، و إن كان متعمداً بطلا معاً (1)، و لكن لا يبطل إحرامه و إن كان آثماً. و ربّما يقال: لو نوى الغسل حال الخروج من الماء صحّ غسله. و هو في صوم رمضان مشكل، لحرمة إتيان المفطر فيه بعد البطلان أيضاً فخروجه من الماء أيضاً حرام كمكثه تحت الماء، بل يمكن أن يقال: إنّ الارتماس فعل واحد مركب من الغمس و الخروج فكلّه حرام، و عليه يشكل في غير شهر رمضان أيضاً، نعم لو تاب ثمّ خرج بقصد الغسل صحّ (2).

____________

فلا إشكال في بطلان غسله و صومه، لأن الارتماس مفطر و هو حرام في نهار شهر رمضان و مع حرمته يقع على وجه الفساد، كما أنه يوجب بطلان الصيام، فهناك تلازم بين حرمة الارتماس و بطلان الغسل و بطلان الصيام. و أما في الإحرام فالارتماس متعمداً محرم في نفسه و موجب لبطلان الغسل دون الإحرام.

و أمّا إذا كان الارتماس سهواً و غفلة فلا يحرم ارتماسه فيصح غسله كما يصحّ صومه، فان ارتكاب المفطر سهواً و غفلة غير محرم و لا موجب لبطلان الصيام حينئذ، كما أنه غير محرم في الإحرام لصدوره سهواً و غفلة. فتحصل: أن الصوم في شهر رمضان أو الواجب المعيّن إذا كان الارتماس متعمداً بطلا معاً و إذا كان نسياناً صحّا معا.

الجهة الثانية: أن الصوم غير الواجب المعيّن و غير صوم رمضان أيضاً يبطل بالارتماس في الماء إلّا أن الغسل يقع صحيحاً و لا حرمة فيه، لعدم حرمة الإفطار في الصوم المندوب أو الواجب غير المعيّن قبل الزوال، فلا ملازمة بين بطلان الصوم و بطلان الاغتسال. هذا إذا وقع عن علم و عمد، و أما إذا وقع سهواً و غفلة فلا إشكال في صحّة صومه و غسله، لعدم بطلان الصوم بالمفطر عن غفلة و نسيان. هذا كلّه إذا نوى الغسل حال دخوله في الماء.

____________

(1) هذا إذا كان الصوم واجباً معيّناً، و إلّا بطل الصوم خاصّة.

(2) تقدّم الإشكال فيه.

425

..........

____________

الجهة الثالثة: فيما إذا نوى الغسل حال خروجه من الماء فعلى ما قدّمناه من أن ظواهر الأدلّة طلب الإحداث و الإيجاد فالواجب هو الارتماس إحداثاً و إيجاداً و أما الارتماس بقاء فهو غير مأمور به فلا يكفي في الاغتسال لا إشكال في عدم صحّة غسله، فلو كان إيجاده عن تعمد و اختيار بطل صومه، بل ارتكب المعصية أيضاً فيما إذا كان الصوم واجباً معيّناً أو كان في نهار شهر رمضان بخلاف ما إذا لم يكن عن اختيار، فان صومه لا يبطل بذلك و لا يرتكب المعصية مطلقا.

و أمّا إذا قلنا بكفاية الإبقاء كالإحداث و لو بدعوى أن قوله: إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة (1) مطلق يشمل كلّاً منهما فنوى الغسل حال الخروج ففيه تفصيل و حاصله: أن إدخال بدنه في الماء إذا لم يكن عن عمد و اختيار كما إذا زلق فوقع في الماء في شهر رمضان أو نسي حتى أحاط الماء على تمام بدنه فلا كلام في صحّة صومه و غسله أو صحّة إحرامه و غسله من دون أن يرتكب الحرام، و ذلك لعدم حرمة خروجه من الماء حينئذ، فالارتماس بحسب البقاء غير محرّم في حقه لعدم استناده إلى الاختيار، و هو نظير الخروج من الدار المغصوبة إذا توسطها من غير اختياره. و أما إذا كان ارتماسه بسوء اختياره فلا إشكال في بطلان صومه المعيّن و كذلك في صوم شهر رمضان.

و هل يصحّ غسله إذا نوى الغسل حال الخروج نظراً إلى أنّ المفطر الحرام إنّما هو حدوث الارتماس و أما بحسب البقاء فلا حرمة فيه لعدم كونه مفطراً؟ أمّا في صوم شهر رمضان فقد استشكل الماتن في صحّته، و هو كما أفاده، و ذلك لأن الارتماس بحسب البقاء و إن لم يكن مفطراً إلّا أن الإتيان بالمفطر محرم في شهر رمضان و لو بعد إبطال الصوم أو الإفطار، فإذا أفطر بالأكل أو بغيره فيحرم عليه الأكل أو غيره ثانياً و ثالثاً في نفسه لا بعنوان أنه مفطر، و مع حرمته و مبغوضيته لا يقع مصداقاً للواجب. و أمّا في غير صوم شهر رمضان فأيضاً استشكل فيه الماتن من جهة أن الارتماس من أوّله و هو غمس بدنه في الماء و إحاطته إلى آخره و هو خروجه من الماء شي‌ء واحد‌

____________

(1) الوسائل 2: 230/ أبواب الجنابة ب 26 ح 5، 12.

426

..........

____________

و موجود بوجود فأرد، و المفروض أن هذا الوجود الواحد محكوم بحرمته و هو مبغوض، و مع مبغوضيته و حرمته كيف يقع مصداقاً للواجب و مقرّباً إلى اللّٰه، و إن كان ذلك الوجود أمراً مستمرّاً؟ هذا.

و لا يخفى أن الارتماس و إن كان له وجود واحد مستمر إلّا أنه بما أنه ارتماس و تغطية غير محرم في الصوم و إنما حرم فيه لأنه مفطر، و من هنا لو ارتمس غافلًا أو ناسياً أو لا باختياره صحّ صومه، فليس الصوم مشروطاً بعدم الارتماس و إنما هو مشروط بعدم المفطر. نعم الارتماس بما أنه ارتماس و تغطية محرم في الإحرام و أما في الصوم فلا. و إذا كان الأمر كذلك فلا إشكال في أن المفطر إنما هو حدوث ذلك الوجود الواحد المستمر و أمّا بعده و هو تحت الماء فهو ليس بمفطر، إذ لا صوم ليكون بقاء الارتماس مفطراً له. و لا مانع من أن يكون شي‌ء واحد محكوماً بحكم بحدوثه و بحكم آخر بحسب البقاء، و هذا كما في السجدة، لأنّ الواجب منها هو ما كان بقدر الذكر و أمّا الزائد عليه أي إبقاء السجدة فهو أمر مستحب أي إطالتها.

و حيث إنّ الصوم صوم غير رمضان فلا دليل على حرمته ثانياً و ثالثاً فلا محالة يكون الارتماس بحسب البقاء غير مفطر و لا محرّم كما عرفت، فلا مانع من أن ينوي به الغسل فإنّه يقع صحيحاً حينئذ، و هذا بخلاف صوم رمضان فانّ الارتماس بحسب البقاء أيضاً محرم فيه ثانياً و ثالثاً و إن لم يكن مفطراً، اللّٰهمّ إلّا أن يندم و هو تحت الماء و يتوب، فانّ التوبة تجعل الذنب كالعدم فكأنه تحت الماء لم يرتكب الارتماس على وجه حرام، و حينئذ لا مانع من أن ينوي الغسل عند الخروج و به يحكم بصحّة غسله لا محالة. إلّا أن ما ذكرناه في المقام يبتني على القول بكفاية الغسل و الارتماس بقاء و هو ممّا لا نلتزم به كما مرّ.

هذا تمام كلامنا في هذا الجزء من الكتاب و يليه إن شاء اللّٰه تعالى الجزء السادس و أوّله فصل في مستحبّات غسل الجنابة. و للّٰه الحمد أوّلًا و آخرا‌