موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
55

..........

____________

بعضها (1)، و أمّا عدم وجوب القضاء فهو المشهور المنصور، لتلك النصوص المفصّلة بين الوقت و خارجه في الإعادة و عدمها، و سنذكر بعضها، و لا يخفى الباقي على المراجع.

إنّما الكلام في أنّ هذا الحكم هل يختص بالمجتهد المخطئ كما ذكره في المتن أو يعمه و الغافل، و كذا الجاهل بالموضوع أو ناسية؟ و أمّا الجاهل بالحكم أو ناسية أو المتردد فقد سبق (2) خروجه عن منصرف النصوص.

الظاهر هو الثاني، إذ لا مقتضي للتخصيص بعد إطلاق الأخبار التي منها صحيحة عبد الرحمن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنّك صليت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و إن فاتك الوقت فلا تعد» (3) فإنّها بإطلاقها تعم المجتهد و غيره.

و نحوها صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا صليت على غير القبلة فاستبان لك قبل أن تصبح أنّك صليت على غير القبلة فأعد صلاتك» (4) فان عدم الإعادة بعد الإصباح و خروج وقت العشاءين المستفاد من المفهوم مطلق يعم المجتهد و غيره.

و لا نعرف وجهاً للتخصيص الذي ذكره في المتن عدا التقييد بالاجتهاد أو التحري في روايتين:

إحداهما: صحيحة سليمان بن خالد قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيّم فيصلي لغير القبلة، ثم يضحي فيعلم أنّه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال: إن كان في وقت فليعد صلاته، و إن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده» (5).

____________

(1) في ص 40، 44 و غيرهما.

(2) في ص 40 43.

(3) الوسائل 4: 315/ أبواب القبلة ب 11 ح 1.

(4) الوسائل 4: 316/ أبواب القبلة ب 11 ح 3.

(5) الوسائل 4: 317/ أبواب القبلة ب 11 ح 6.

56

..........

____________

و فيه: أنّ ذكر الاجتهاد ليس لخصوصية فيه، بل لأجل أنّ المفروض في السؤال أنّ الرجل في قفر من الأرض و اليوم غيّم، و بطبيعة الحال يتحرى المتصدي للصلاة و يفحص عن القبلة في مثل هذا الظرف، فتخصيص الاجتهاد بالذكر لكونه جارياً مجرى الغالب، فلا يدلّ على المفهوم حتى يتقيد به الإطلاق المزبور لو قلنا بثبوت المفهوم الاصطلاحي للقيد.

الثانية: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الأعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة، قال: يعيد و لا يعيدون، فإنّهم قد تحروا» (1) فانّ تعليل إعادته دونهم بتحرّيهم دونه يدلّ على دوران الصحة مدار التحري و الاجتهاد، فبدونه تجب الإعادة، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الوقت و خارجه.

و فيه: أنّ ظاهر الصحيح أنّ الانكشاف للأعمى إنّما كان في الوقت و بعد الفراغ من الصلاة، من جهة أخبار المأمومين إيّاه الذين قد تحروا فلا يشمل خارج الوقت.

و يعضده التصريح بالتفصيل بين الوقت و خارجه في صحيحة أبي بصير الواردة في الأعمى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الأعمى إذا صلّى لغير القبلة فإن كان في وقت فليعد، و إن كان قد مضى الوقت فلا يعيد» (2).

و بالجملة: فالصحيحة أجنبية عن القضاء الذي هو محلّ الكلام، بل هي خاصة بالإعادة في الوقت فتحمل على الانحراف الكثير، للنصوص المتقدمة النافية للإعادة في الوقت مع الانحراف اليسير و إن لم يتحرّ كأن كان غافلًا و نحوه كما مرّ (3)، إذ لا يحتمل اختصاص الأعمى بحكم دون غيره.

و كيف كان، فالإطلاق المتقدم محكّم بعد سلامته عما يصلح للتقييد، و لأجله يحكم بشمول الحكم للمجتهد و غيره كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 4: 317/ أبواب القبلة ب 11 ح 7.

(2) الوسائل 4: 318/ أبواب القبلة ب 11 ح 9.

(3) في ص 39 فما بعد.

57

[مسألة 2: إذا ذبح أو نحر إلى غير القبلة عالماً عامداً حرم المذبوح و المنحور]

[1251] مسألة 2: إذا ذبح أو نحر إلى غير القبلة عالماً عامداً حرم المذبوح و المنحور، و إن كان ناسياً أو جاهلًا أو لم يعرف جهة القبلة لا يكون حراماً (1).

____________

(1) قد عرفت فيما سبق اعتبار الاستقبال في الذبيحة (1) بل عرفت أن الأقوى اعتباره في الذابح أيضاً (2)، للنص الصحيح الدال عليه كما مرّ.

و كيف كان، فهل يختص هذا الحكم بصورة العلم و العمد، فلا يعتبر الاستقبال مع الخطأ في الاجتهاد أو الاعتقاد أو الجهل أو النسيان، أو يعم جميع الصور؟

المشهور بل المتسالم عليه بين الأصحاب هو الأول. إنما الكلام في مستنده فنقول:

لا ينبغي الإشكال في حلّية الذبيحة إذا ذبحها إلى غير القبلة ناسياً أو مخطئاً للتصريح في النصوص بعدم البأس إذا لم يتعمّد، التي منها صحيحة علي بن جعفر قال: «سألته عن الرجل يذبح على غير القبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمد» (3) و نحوها غيرها كما لا ينبغي الإشكال في الحلية إذا ذبح و لم يتمكن من معرفة جهة القبلة فكان جاهلًا بالموضوع، لعدم صدق التعمد حينئذ كسابقه.

إنما الإشكال فيما إذا ذبح لغير القبلة جاهلًا بالحكم، فانّ في إلحاقه بالجاهل بالموضوع تأملًا، لقصور النصوص المتقدمة عن شموله، فانّ الجاهل بالحكم عامد في الموضوع، أي يصدر عنه الذبح إلى غير القبلة عن قصد و اختيار، فهو يعلم أنّه يذبح إلى جهة المشرق مثلًا أو دبر القبلة مثلًا، و إن كان منشؤه الجهل بالحكم، فلا يكون مندرجاً في تلك النصوص النافية للبأس إذا لم يتعمد، هذا.

و قد استدل في الجواهر (4) للإلحاق بوجهين:

____________

(1) في ص 36.

(2) في ص 36.

(3) الوسائل 24: 28/ أبواب الذبائح ب 14 ح 5.

(4) الجواهر 36: 111.

58

..........

____________

أحدهما: رواية دعائم الإسلام: «في من ذبح لغير القبلة: إن كان خطأً أو نسي أو جهل فلا شي‌ء عليه، و تؤكل ذبيحته، و إن تعمّد ذلك فقد أساء، و لا نحبّ أن تؤكل ذبيحته تلك إذا تعمّد» (1).

و المذكور في الجواهر «يجب» بدل «نحب» و هو غلط، و الصحيح هو الثاني كما أثبته المحدث النوري في المستدرك.

و كيف كان، فقد ذكر (قدس سره) أنّ الجهل المذكور في الخبر مطلق يشمل الحكم و الموضوع.

و فيه أوّلًا: أنّ الخبر ضعيف السند بالإرسال، و لم يعلم استناد فتوى المشهور إليه كي ينجبر به الضعف لو سلّم كبرى الانجبار، لاحتمال استنادهم إلى الوجه الآتي.

و ثانياً: مع الغض عما ذكر لا مناص من اختصاص الجهل بالموضوع، بقرينة المقابلة بينه و بين التعمد المذكور في ذيل الخبر، إذ الجاهل بالحكم أيضاً عامد كما عرفت آنفاً، فلا إطلاق للجهل بالنسبة إلى الحكم و إلا لما صحّ التقابل كما لا يخفى.

ثانيهما: صحيحة محمد بن مسلم: «عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة، فقال (عليه السلام): كُلْ منها، فقلت له: فإنّه لم يوجهها، فقال (عليه السلام): فلا تأكل منها» (2).

فذكر (قدس سره) أنّها تحتمل وجهين:

الأول: أنّ الجامع بين السؤالين هو الذبح جاهلًا بالقبلة، و افتراقهما أنّ السؤال الأوّل عما لو صادف القبلة اتفاقاً فحكم (عليه السلام) بجواز الأكل حينئذ، و السؤال الثاني عما لو لم يصادف فأجاب (عليه السلام) بالمنع. فقوله:

____________

(1) المستدرك 16: 138/ أبواب الذبائح ب 12 ح 2، دعائم الإسلام 2: 174/ 626.

(2) الوسائل 24: 27/ أبواب الذبائح ب 14 ح 2.

59

..........

____________

«فإنّه لم يوجهها» أي لم يتحقق الاستقبال، قبال الفرض الأوّل الذي تحقق فيه صدفة. و عليه فالصحيحة تدلّ على خلاف المطلوب، لدلالتها حينئذ على المنع عن الأكل لو ذبح لغير القبلة جهلًا.

الثاني: أنّ الجامع بينهما هو الذبح لغير القبلة، و المقابلة بينهما باعتبار أنّ السؤال الأول عما لو صدر الذبح عن جهل فحكم (عليه السلام) بالجواز و الثاني عما لو صدر عن علم و عمد فحكم بالمنع، فقوله: «فإنّه لم يوجهها» أي تعمّد الذبح لغير القبلة عالماً. و على هذا تدل الصحيحة على المطلوب، لدلالتها على حلية ما ذبح لغير القبلة جاهلًا.

ثم رجّح (قدس سره) الاحتمال الثاني، لموافقته لفتوى المشهور.

و ليت شعري بعد فرض تساوي الاحتمالين و تكافئهما فهل يقدّم أحدهما لمجرد المطابقة مع فتوى المشهور. نعم، لو علم استنادهم إليها و أنّهم استظهروا منها الاحتمال الثاني بما أنّهم من أهل العرف صح الترجيح، لكشفه حينئذ عن ظهور الصحيحة في ذلك، لكن الاستناد غير ثابت.

و الصحيح أن يقال: إنّ الصحيحة في حدّ نفسها ظاهرة في الاحتمال الثاني لضعف الأوّل غايته، إذ من المستبعد جدّاً أنّ محمد بن مسلم على جلالته يجهل حلّية ما ذبح إلى القبلة و إن كان عن جهل، بحيث يحتاج إلى السؤال عمّا لو ذبح الجاهل و صادف القبلة، أ فهل ترى أنّه يحتمل اعتبار العلم في الحكم بالحلّية مع أنّه غير معتبر حتى في العبادات المفتقرة إلى نية التقرب فضلًا عن مثل الذبح الذي هو عمل توصّلي، فإن من صلّى متستراً متطهراً في غير الحرير يحكم بصحة صلاته و إن كان جاهلًا باعتبار هذه الأُمور و نحوها في الصلاة بلا إشكال.

و بالجملة: فالنصوص المتقدمة و إن كانت قاصرة الشمول للجاهل بالحكم لكن هذه الصحيحة تدل بظاهرها على انسحاب الحكم بالنسبة إليه أيضاً، فهي المستند في التعميم.

60

و كذا لو تعذّر استقباله كأن يكون عاصياً أو واقعاً في بئرٍ أو نحو ذلك مما لا يمكن استقباله، فإنّه يذبحه و إن كان إلى غير القبلة (1).

____________

(1) بلا خلاف فيه، لجملة من النصوص التي منها صحيح الحلبي قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): في ثور تعاصى فابتدره قوم بأسيافهم و سمّوا فأتوا علياً (عليه السلام) فقال: هذه ذكاة وحيّة (أي سريعة) و لحمه حلال» (1).

و رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن بعير تردّى في بئر فذبح من قبل ذنبه، فقال: لا بأس إذا ذكر اسم اللّٰه عليه» (2) و غيرهما.

فانّ هذه الروايات و إن سيقت لبيان عدم اعتبار وقوع الذبح و النحر في المذبح و المنحر و أنّه يجوز القتل كيف ما اتفق فيما إذا استعصى الحيوان و عرضه الجنون أو وقع في بئر بحيث امتنع ذبحه و نحره من الموضع المعيّن، لكن يستفاد منها بالالتزام عدم اعتبار الاستقبال أيضاً، لعدم التمكّن عادة من رعايته في هاتين الحالتين، فالحكم بالجواز مطلقاً يكشف عن عدم اعتباره أيضاً كما هو ظاهر.

بل يمكن أن يقال: إنّ النصوص السابقة التي أُنيط فيها التحريم بتعمد ترك الاستقبال بنفسها قاصرة الشمول للمقام، لعدم صدق العمد مع استعصاء الحيوان أو وقوعه في البئر، إذ التعمد نحو الفعل عبارة عن صدوره عن قصد و اختيار، فلا بدّ و أن يكون كلا الطرفين الفعل و الترك مقدوراً للمكلّف كي يصدر أحدهما عن اختياره، و المفروض عدم التمكّن من استقبال الحيوان عند جنونه أو وقوعه في البئر، فهو مضطر في ترك الاستقبال، فلا يصدر ذلك عن الاختيار الذي هو الموضوع للحرمة في الأخبار.

و بالجملة: فالمقتضي للحرمة قاصر في حدّ نفسه، مضافاً إلى وجود المانع و هي هذه النصوص كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 24: 19/ أبواب الذبائح ب 10 ح 1.

(2) الوسائل 24: 21/ أبواب الذبائح ب 10 ح 6.

61

[مسألة 3: لو ترك استقبال الميت وجب نبشه ما لم يتلاش و لم يوجب هتك حرمته]

[1252] مسألة 3: لو ترك استقبال الميت وجب نبشه ما لم يتلاش و لم يوجب هتك حرمته، سواء كان عن عمد أو جهل أو نسيان كما مرّ سابقاً (1).

____________

(1) تقدّم في محلّه وجوب الاستقبال بالميت في قبره (1) و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين دفنه و عدمه، و عليه فمع الدفن جهلًا أو نسياناً أو عصياناً يجب النبش مقدمة للاستقبال الواجب و لا يعارضه دليل حرمة النبش، فإنّه لبّي و هو الإجماع المستند إلى الهتك و المتيقّن منه غير المقام، فإطلاق الدليل الأول محكّم، على أنّه لا هتك في مثل هذا النبش كما لا يخفى.

نعم، يستثني من ذلك موردان:

أحدهما: ما لو تلاشى الميت فإنّه لا مقتضي حينئذ للنبش ليستقبل به، لعدم صدق عنوان الميت الذي هو موضوع للحكم، و إنّما هي عظام مجتمعة، على أنّه مع التلاشي يتعذر استقباله.

الثاني: ما لو استلزم النبش هتك حرمته الذي هو حرام بلا إشكال، فإنّ حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً، و قد دلّت النصوص الكثيرة على حرمة إيذاء المؤمن و هتكه (2) فتقع المزاحمة حينئذ بين وجوب الاستقبال به و حرمة هتكه، و لا شك أنّ الثاني أهم، لا أقلّ من كونه محتمل الأهمية فيقدّم، و اللّٰه سبحانه أعلم.

____________

(1) شرح العروة 9: 295.

(2) الوسائل 12: 264/ أبواب أحكام العشرة ب 145 148 و غيرها.

62

[فصل في الستر و الساتر]

فصل في الستر و الساتر اعلم أن الستر قسمان: ستر يلزم في نفسه، و ستر مخصوص بحالة الصلاة.

[فالأوّل: ستر يلزم في نفسه]

فالأوّل: يجب ستر العورتين (1) القبل و الدبر على كلّ مكلّف من الرجل و المرأة عن كلّ أحد من ذكر أو أنثى و لو كان مماثلًا، محرماً أو غير محرم و يحرم على كلّ منهما أيضاً النظر إلى عورة الآخر، و لا يستثني من الحكمين إلا الزوج و الزوجة، و السيد و الأمة إذا لم تكن مزوجة و لا محلّلة [1]، بل يجب الستر عن الطفل المميز خصوصاً المراهق، كما أنّه يحرم النظر إلى عورة الطفل المراهق، بل الأحوط ترك النظر إلى عورة المميّز، و يجب ستر المرأة تمام بدنها عمن عدا الزوج و المحارم (2) إلا الوجه و الكفين مع عدم التلذذ و الريبة، و أمّا معهما فيجب الستر و يحرم النظر حتى بالنسبة إلى المحارم و بالنسبة إلى الوجه و الكفين.

____________

(1) تقدّم الكلام حول وجوب ستر العورتين على كل مكلف من كلّ ناظر و كذا حرمة النظر إليهما في أحكام الخلوة فلاحظ (1).

(2) ينبغي التكلّم في جهات:

الاولى: لا إشكال في وجوب ستر المرأة تمام بدنها مع قطع النظر عن الوجه و الكفين عمن عدا الزوج و المحارم إجماعاً، بل و ضرورة. و يدلّ عليه من الكتاب قوله تعالى:

____________

[1] بل و لا ذات عدة.

____________

(1) شرح العروة 4: 316 فما بعد.

63

..........

____________

وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ ... (1)، و قوله تعالى (2) وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ (3).

أمّا الأُولى فدلالتها ظاهرة، و قد ورد في صحيح الفضيل تفسيرها بأنّ ما دون الخمار و ما دون السوار من الزينة (4)، و كذا الثانية، فان نفي الجناح عن القواعد خاصة يقتضي ثبوته لغيرهن، بل المراد بالثياب خصوص الخمار و الجلباب كما ورد في تفسيرها في صحيح الحلبي و غيره (5)، فلا يجوز وضع غيرهما للقواعد أيضاً.

و من السنّة جملة وافرة من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة كما لا تخفى على المراجع، التي منها صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته؟ فقال: لا، إلا أن تكون من القواعد، قلت له: أُخت امرأته و الغريبة سواء؟ قال: نعم ...» إلخ (6).

الجهة الثانية: يستثني عمّن يجب تستر المرأة عنه الزوج و المحارم، بلا خلاف و لا إشكال كما صرح به في الآية الأُولى. نعم، لم يذكر في الآية الأعمام و الأخوال و الأصهار مع أنّهم من المحارم بلا إشكال. لكن يدلّ عليه مضافاً إلى السيرة القطعية أنّه يمكن استفادة حكم الأوّلين من نفس الآية المباركة لاستثناء ابني الأخ و الأُخت فيها المقتضي لاستثناء العم و الخال أيضاً، لوحدة النسبة من الطرفين، فإنّ المرأة إذا لم يجب تستّرها عن ابن أخيها و ابن أُختها‌

____________

(1) النور 24: 31.

(2) لعلّ التعبير ب‍ (لٰا يَرْجُونَ) بدل لا يرغبن إشارة إلى أنّ القواعد لا زلن راغبات في النكاح و لا يكرهنه قط. نعم، ربما يئسن من أن يرغب فيهن أحد، فهنّ لا يرجون النكاح حينئذٍ لا أنّه لا يرغبن فيه.

(3) النور 24: 60.

(4) الوسائل 20: 200/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 109 ح 1.

(5) الوسائل 20: 202/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 110 ح 2 و غيره.

(6) الوسائل 20: 199/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 107 ح 1.

64

..........

____________

و هي عمة له أو خالة لم يجب تستّرها عن عمها و خالها أيضاً، لوحدة النسبة بعينها، و إنّما التبدل في طرفيها فكأنّه استغني عن ذكر الأخيرين في الآية المباركة اعتماداً على الأوّلين.

و أمّا الصهر فيمكن استفادة الحكم بالنسبة إليه أعني عدم وجوب تستر المرأة عن زوج ابنتها مضافاً إلى ما عرفت من السيرة القطعية المتصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) من الأخبار الكثيرة المتضمنة أنّ المرأة الميتة يغسّلها محارمها (1) فإنّها تدلّ على جواز نظر المحارم إلى المرأة المستلزم لعدم وجوب تسترها منهم، و لا شك أنّ الصهر من المحارم كما يشهد به قوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (2) بل يمكن الاستدلال بهذا الوجه بالنسبة إلى الأعمام و الأخوال كما هو ظاهر.

الجهة الثالثة: لا إشكال في عدم جواز النظر إلى كلّ امرأة حتى المحارم ما عدا الزوجة و المملوكة أي إلى جزء من بدنها حتى الوجه و الكفين إذا كان عن شهوة و ريبة، بل بلا خلاف في ذلك على ما ذكره شيخنا الأنصاري في كتاب النكاح (3)، بل لعلّه من ضروريات الفقه. و تشهد له جملة من النصوص.

منها: موثقة علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ...» إلخ (4) رواها الكليني بسنده إلى عقبة و السند صحيح، و رواها الصدوق أيضاً بإسناده عن هشام بن سالم عن عقبة (5) و طريقه إلى هشام صحيح (6). إنّما الكلام في عقبة بنفسه، فإنّه‌

____________

(1) الوسائل 2: 516/ أبواب غسل الميت ب 20، 21، 22.

(2) النساء 4: 23.

(3) كتاب النكاح: 53.

(4) الوسائل 20: 190/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 104 ح 1، الكافي 5: 559/ 12.

(5) الوسائل 20: 192/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 104 ح 5، الفقيه 4: 11/ 2.

(6) الفقيه 4 (المشيخة): 8.

65

..........

____________

لم يوثق لكنه مذكور في سند كامل الزيارات فالرواية موثقة (1).

كما أنّ الدلالة أيضاً ظاهرة، فانّ المراد بالنظرة الموصوفة بالسهم هي الصادرة عن شهوة و التذاذ و ريبة و افتتان التي ربما تؤدي إلى الوقوع فيما هو أعظم، فهي سهم مسموم لكونها معرضاً للفتنة، فانّ خوف الفتنة المأخوذ في كلمات الأصحاب ملازم للريبة و الشهوة، فإنّها التي توقع الإنسان في خطر الافتتان دون غيرها، و إن كانت الشهوة أعم، فقد ينظر إلى المرأة الشخيصة أو العفيفة بشهوة مع الأمن عن الوقوع في الزنا، لعدم القدرة عليه.

و بالجملة: الافتتان ملازم للالتذاذ [و الريبة] المذكورين في كلماتهم. فالنظرة عن الشهوة المستفاد حرمتها من الصحيحة تقتضي تحريم ما يخاف منه الفتنة أيضاً كما هو ظاهر.

و يؤيده الروايات الكثيرة و إن لم تصح أسانيدها الدالة على أنّ زنا العين النظر، التي منها المرسل: «ما من أحد إلا و هو يصيب حظّا من الزنا، فزنا العينين النظر، و زنا الفم القبلة، و زنا اليدين اللمس ...» إلخ (2) فانّ التعبير عنه بالزنا لمكان شهوته، فكأن النظر مرتبة نازلة من الزنا.

و منها: صحيحة علي بن سويد قال «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي لا بأس إذا عرف اللّٰه من نيّتك الصدق، و إيّاك و الزنا فإنّه يمحق البركة و يهلك الدين» (3) دلّت على حرمة النظر إذا لم تكن نيته الصدق بأن كان عن شهوة و ريبة.

و قد احتمل الشيخ (4) و نعم الاحتمال أنّ المراد بالابتلاء توقف شغله و كسبه على النظر إلى النساء كمن يبيع حاجيات النسوان مثل البزاز و نحوه‌

____________

(1) حسب النظر السابق المعدول عنه.

(2) الوسائل 20: 191/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 104 ح 2.

(3) الوسائل 20: 308/ أبواب النكاح المحرم و ما يناسبه ب 1 ح 3.

(4) في كتاب النكاح: 54.

66

..........

____________

و قوله: «يعجبني» أي بحسب الطبع البشري، فإنّ الإنسان يسرّه بالطبع النظر إلى كل شي‌ء جميل، سواء كان إنساناً أم حيواناً أم جماداً كالوردة أو المجسمة البديعة أو التصوير الجميل، فأجابه (عليه السلام) بعدم البأس إذا لم يكن بقصد الريبة و الشهوة المنبعثة عن الغريزة الجنسية.

و كيف كان، فالصحيحة دالّة على حرمة النظر مع عدم كون النية صادقة كما عرفت، هذا مع أنّ الحرمة في هذا الفرض من مسلّمات الفقه و ضرورياته كما مرّ، فلا إشكال في ذلك.

الجهة الرابعة: في حرمة النظر إلى بدن الأجنبية ما عدا الوجه و الكفين و إن لم يكن بقصد الريبة إلا في الموارد الخاصة المنصوصة من العلاج و غيره.

و يدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع، بل الضرورة كما ذكره شيخنا الأنصاري (1) أُمور:

الأول: قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (2) فانّ المراد بالزينة مواضعها كما مرّ (3)، و لا شك أنّ الإبداء في نفسه و لو من غير ناظر لا حرمة فيه، بل هي خاصة بوجود الناظر، و إذا حرم تحريم الإبداء حينئذ حرم النظر أيضاً لا محالة للملازمة بينهما. نعم، تحريم النظر لا يدل على تحريم الإبداء، فيمكن أن يكون النظر حراماً و لم يكن التستّر واجباً على المنظور إليه، فإنّ نظر المرأة إلى بدن الرجل حرام و لم يجب تستره منها، كما أنّ نظر الرجل إلى الأمرد عن شهوة حرام و لم يجب تستره منه، إذ كل منهما يعمل على وظيفته، لكن وجوب التستر و حرمة الإبداء يلازم حرمة النظر، و إلا فلو جاز لم يكن مقتضٍ لوجوب الستر.

الثاني: قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ ... إلخ (4) فإنّ‌

____________

(1) كتاب النكاح: 44.

(2) النور 24: 31.

(3) في ص 63.

(4) النور 24: 30.

67

..........

____________

الآية المباركة في حدّ نفسها و لا سيما بملاحظة شأن نزولها من قصة الشاب الأنصاري المروية في حديث سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة و كان النساء يتقنّعن خلف آذانهن فنظر إليها و هي مقبلة، فلما جازت نظر إليها و دخل في زقاق قد سماه ببني فلان فجعل ينظر خلفها، و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلما مضت المرأة نظر فاذا الدماء تسيل على ثوبه و صدره، فقال: و اللّٰه لآتينّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لأُخبرنّه، فأتاه، فلما رآه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: ما هذا؟ فأخبره، فهبط جبرئيل بهذه الآية قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ... إلخ» (1) ظاهرة في المطلوب كما لا يخفى.

الثالث: قوله تعالى وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً .. إلخ (2) فانّ التخصيص بالقواعد يدلّ على ثبوت البأس لغير القواعد، فيجب عليهن التستر، و قد تقدم أنّ وجوب التستر يلازم حرمة النظر و إن لم يكن الأمر بالعكس.

و تدلّ عليه أيضاً الروايات الكثيرة الواردة في تفسير الآية المباركة (3).

الرابع: صحيح البزنطي المانع من النظر إلى شعر أُخت الزوجة، و قد تضمّن أنّها و الغريبة سواء (4) فانّ مقتضى الإطلاق فيها كالآيات المتقدمة عدم الفرق بين قصد التلذذ و عدمه.

الخامس: موثقة عباد بن صهيب قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة و الأعراب و أهل السواد و العلوج، لأنهم إذا نهوا لا ينتهون ...» إلخ (5) كذا ذكره في الوسائل.

____________

(1) الوسائل 20: 192/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 104 ح 4.

(2) النور 24: 60.

(3) الوسائل 20: 202/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 110.

(4) الوسائل 20: 199/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 107 ح 1.

(5) الوسائل 20: 206/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 113 ح 1.

68

..........

____________

و الصحيح: لأنّهن إذا نهين لا ينتهين كما في الوافي (1).

و كيف كان، فمقتضى التعليل حرمة النظر إلى رؤوس غير من ذكر في الخبر ممن تنتهي إذا نهيت، فكأنه يستفاد منها أنّ حرمة النظر لأجل أنّ المؤمنة لها حق على المؤمن و هو أن لا ينظر إليها فيهتك حرمتها، فأما إذا ألقت المرأة جلبابها و ألغت احترامها و أسقطت حقها بحيث كلّما نهيت لا تنتهي فلا حرمة لها، نظير إلغاء الإنسان احترام ماله، فتدلّ على عدم جواز النظر إلى العفيفات اللاتي ينتهين إذا نهين.

الجهة الخامسة: في النظر إلى الوجه و الكفين بدون قصد الريبة. أمّا معه فلا إشكال في الحرمة كما مرّ في الجهة الثالثة. و المشهور ذهبوا إلى الحرمة، و أصرّ عليه في الجواهر (2)، و ذهب شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3) و جماعة إلى الجواز، و فصّل بعضهم بين النظرة الأُولى فتجوز دون الثانية جمعاً بين الأدلّة، و أمّا الماتن فقد احتاط فيه وجوبيّاً في المقام و في كتاب النكاح (4).

و كيف كان، فينبغي التعرض أوّلًا لما استدلّ به للمشهور، فان تم و إلا فيحكم بالجواز أو يحتاط. و قد استدلّ لهم بوجوه من الأدلّة الأربعة:

الأول: قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ .. إلخ (5) فانّ وجوب الغض مطلق يشمل الوجه و الكفين، فلا يجوز النظر إلى أي جزء من بدن الأجنبية كما لا يجوز لها النظر إلى الأجنبي.

و فيه أولًا: أنّ الآية غير ظاهرة في تحريم النظر، لعدم ظهور الغض في الغمض، بل لا يبعد أن يكون المراد التجاوز عن المرأة و عدم القرب منها و الإعراض عنها المعبّر عنه بالفارسية ب‍ (چشم‌پوشي) و هذا استعمال دارج في‌

____________

(1) لاحظ الوافي 22: 829/ 22276 [فإنه مطابق لما ذكر في الوسائل].

(2) الجواهر 29: 77.

(3) كتاب النكاح: 46 49.

(4) العروة الوثقى 2: 582 المسألة 31 [3663].

(5) النور 24: 30.

69

..........

____________

العربية و غيرها، فيكون كناية عن الكف عن الزنا، المساوق لقوله تعالى وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (1).

و بعبارة اخرى: بعد امتناع حمل الغض على معناه المطابقي و هو إطباق الجفنين و غمض العينين، لعدم وجوب ذلك بالضرورة، يدور ذلك الأمر بين كونه كناية عن أحد معنيين: إما المنع عن إيقاع النظر على المرأة، بأن يصرف نظره عنها فينظر إلى الفوق أو التحت من السماء أو الأرض أو أحد الجانبين، تحفظاً عن وقوع النظر عليها. و إما إرادة الإعراض عنها و عدم الدنو منها، بأن لا يعقّبها و لا يتصدّى لمقدمات الوقوع في الحرام و هو الزنا، فيكفّ بصره عنها بتاتاً كما عرفت، و ليس المعنى الأول الذي هو مبنى الاستدلال أولى من الثاني لو لم يكن الأمر بالعكس.

و ثانياً: مع الغض عما ذكر و تسليم ظهور الآية المباركة في المنع عن النظر فلا ريب في عدم إمكان الأخذ بإطلاقه، لجواز النظر إلى كثير من الموجودات من السماء و الأرض و الشجر و الحجر و المدر و سائر الأجسام. و تخصيصها بها بحيث لا يبقى تحت الإطلاق إلا الأجنبية يوجب تخصيص الأكثر القبيح الذي هو من مستهجن الكلام جدّاً، سيما في المقام الذي لا يبقى تحت العام إلا فرد واحد، فانّ مثل هذا الكلام لا يكاد يصدر عن الفرد العادي فما ظنك بالقرآن المعجز، فلا بد و أن يكون المراد بالآية المباركة غض البصر عما حرّمه اللّٰه، فيتوقّف ذلك على إثبات الحرمة من الخارج، و القدر الثابت ما عدا الوجه و الكفين من الأجنبية فلا يمكن الاستدلال بالآية لتحريم النظر إليها منها.

و بالجملة: الأمر بالغض في الآية إرشاد إلى ترك النظر إلى ما ثبتت حرمته بدليله، فهي مجملة بالإضافة إلى الوجه و الكفين، فلا يمكن الاستدلال بها للمقام كما هو ظاهر.

____________

(1) النور 24: 30.

70

..........

____________

الثاني: قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ .. إلخ (1) دلّت على حرمة الإبداء الملازم لعدم جواز النظر كما مرّ (2) و إطلاقه يشمل الوجه و الكفين.

و فيه: أنّه قد استثني في نفس الآية الزينة الظاهرة، قال تعالى إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا و لا ينبغي الإشكال في عدم كون المراد من الزينة نفسها من الثياب و نحوها، لعدم المانع من إظهارها في حد نفسها بالضرورة، مضافاً إلى بعد هذا المعنى عن سياق الآية في حدّ نفسه، بل المراد مواضعها أعني البدن نفسه كما فسرت بذلك في جملة من النصوص، و من الواضح أنّ الوجه و الكفين من أظهر المصاديق لمواضع الزينة الظاهرة المستثناة في الآية.

مضافاً إلى التصريح به في جملة من النصوص المتضمنة أنّ الزينة الظاهرة ما دون الخمار و ما دون السوارين (3)، و هي صحيحة الفضيل، و نحوها موثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّٰه (عز و جل) وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا قال: الخاتم و المسكة و هي القُلْب» (4) أي السوار فانّ النظر إلى الخاتم لا ينفك عن النظر إلى الكف.

و سند الرواية صحيح ما عدا سعد بن مسلم (5) فإنّه لم يذكر عنه شي‌ء في الرجال إلا أنّه قائد أبي بصير، لكنّه مذكور في سند كامل الزيارات، بل إنّ هذا السند بعينه مذكور هناك أي محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن أحمد ابن إسحاق عن سعد بن مسلم عن أبي بصير و المراد بالحسين بن محمد الحسين بن محمد بن عامر أو عمران الأشعري القمي، و هو ثقة. و بالجملة‌

____________

(1) النور 24: 31.

(2) في الجهة الرابعة، الأمر الأول.

(3) الوسائل 20: 200/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 109 ح 1.

(4) الوسائل 20: 201/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 109 ح 4.

(5) [في المصدر الكافي 5: 521/ 4 سعدان بن مسلم، و راجع معجم رجال الحديث: 9: 104/ 5099].

71

..........

____________

فالرواية موثقة.

و نحوها موثقة مسعدة بن زياد، قال: «سمعت جعفراً و سئل عما تظهر المرأة من زينتها، قال: الوجه و الكفين» (1).

و بالجملة: فالاستثناء عن ذلك يقتضي جواز النظر إلى الوجه و الكفين لدخولهما في المستثنى دون المستثنى منه، فالآية على خلاف المطلوب أدلّ كما لا يخفى.

الثالث: قوله تعالى وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً إلخ (2) دلت على المنع عن وضع الثياب بالنسبة إلى غير القواعد فيجب التستر عليهن و ذلك يدل بالملازمة على حرمة النظر كما مرّ (3) و إطلاقه يشمل الوجه و الكفين.

و فيه: أن المراد بالثياب الخمار و الجلباب كما فسرت بذلك في غير واحد من الأخبار (4) فيجوز النظر إلى شعورهن و رؤوسهن، و أما غير القواعد فلا يجوز النظر الى مثل ذلك منهنّ. و أما الوجه و الكفان فلا تعرّض لهما في الآية نفياً و إثباتاً.

و بالجملة: غاية ما يستفاد من الآية عدم جواز النظر إلى شعر غير القاعدة و رأسها الذي هو موضع للخمار و الجلباب، و أمّا الوجه و الكفان فالآية ساكتة عن حكم النظر إليهما.

فتحصّل: أنّ الآيات التي استدلّ بها للقول بالحرمة كلّها قاصرة الدلالة.

الرابع: الإجماع الذي ادّعاه الفاضل المقداد، حيث ذكر إطباق الفقهاء على أنّ المرأة بتمامها عورة فلا يجوز النظر إليها (5).

و فيه: مضافاً إلى أنّه إجماع منقول، أنّ دعواه موهونة في المقام إذا أراد به ما‌

____________

(1) الوسائل 20: 202/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 109 ح 5.

(2) النور 24: 60.

(3) في الجهة الرابعة، الأمر الأول.

(4) الوسائل 20: 202/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 110.

(5) لاحظ التنقيح الرائع 3: 22.

72

..........

____________

يعم الوجه و الكفّين، لذهاب جماعة من المحققين كالشيخ الطوسي (1) على ما نسب إليه و الشيخ الأنصاري (2) و غيرهما إلى الجواز، و معه كيف يمكن دعوى الإطباق و الاتفاق. و إن أراد به دونهما فهو مسلّم، لكنه لا ينفع للمقام و أجنبي عن محل الكلام. فهذه الدعوى على تقدير غير صحيحة و على التقدير الآخر غير مفيدة.

الخامس: قيام السيرة العملية من المتشرعة المتصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) على التستر عن الأجنبي الكاشف عن وجوبه الملازم لحرمة النظر كما مرّ.

و فيه أوّلًا: أنّ السيرة ممنوعة من أصلها، سيما في مثل القرى و القصبات و البلدان أيضاً، بل لعلّ السيرة في هذه الموارد قائمة على العكس كما لا يخفى نعم لا نضايق من تحققها بالإضافة إلى النساء المجلّلات في البلدان الكبار، و أمّا على سبيل العموم فكلا، فهي مختصة بطائفة من النساء في بعض البلاد.

على أنّه يمكن منع السيرة هنا أيضاً، فإنّ المجللات إنّما يتسترن عن الأجانب المحض، دون الأقارب و إن لم يكونوا محارم كزوج الأُخت أو أخي الزوج أو ابن العم و نحوهم ممن يسكنون في دار واحدة معها، فإنهنّ لا يتسترن غالباً عن مثل هؤلاء الأقارب مع أنّهم أجانب شرعيين و إن لم يكونوا كذلك عرفاً. و من المعلوم عدم الفرق في وجوب الستر عن الأجنبي بين العرفي و الشرعي كما يفصح عنه الصحيح المتقدم (3) الوارد في شعر أُخت المرأة المتضمّن أنّها و الغريبة سواء. فيظهر أنّ السيرة في موردها إنّما هي لجهة أُخرى لا للمنع الشرعي، و إلا كان مقتضاها عدم الفرق بين الموارد كما عرفت.

و ثانياً: لو سلّم فلم يحرز الاتصال، لاحتمال أن يكون المستند في ذلك فتوى المشهور بحيث لم تكن السيرة قبل صدور الفتوى منهم، فلم تتصل إلى زمن‌

____________

(1) المبسوط 4: 160.

(2) كتاب النكاح: 46 49.

(3) في ص 63.

73

..........

____________

المعصومين (عليهم السلام) كي يحتج بها لأجل عدم ردعهم (عليهم السلام) عنها.

و ثالثاً: على فرض الاتصال فسيرة المتدينين أعم من وجوب التستر، فإنّ السيرة القائمة على فعل غايته الدلالة على عدم حرمته، كما أنّ القائمة على الترك غايته الدلالة على عدم وجوبه، لا الدلالة على الوجوب في الأول و التحريم في الثاني كما لا يخفى. ففي المقام غاية ما تدلّ عليه السيرة القائمة على التستر جوازه دون وجوبه كما ادّعي.

السادس: حكم العقل بذلك، و تقريره: أنّ من الظاهر أنّ محاسن المرأة عمدتها في وجهها، و بما أنّ النظر إليها يؤدي إلى الزنا غالباً و يوصل إلى مبغوض الشارع كثيراً، لكونه معرضاً للافتتان فالعقل يحكم بعدم جواز النظر إلى الوجه على الإطلاق حسماً لمادة الفساد.

و فيه: أنّ هذا الوجه إنّما يحسن تقريره حكمة للتشريع، التي لا يجب فيها الاطّراد بعد الفراغ عن ثبوت الحكم أعني حرمة النظر إلى الوجه على الإطلاق من الخارج، فيحكم بعدم جواز النظر حتى بدون الريبة، لعدم لزوم الاطّراد في الحكمة، نظير حكم الشارع بالاعتداد لحكمة عدم اختلاط المياه غير المطّردة في جميع الموارد.

و أمّا استكشاف الحكم الشرعي من نفس هذا الوجه على الإطلاق فكلّا، لما مرّ غير مرة من عدم الطريق إلى كشف ملاكات الأحكام من غير ناحية الأمر أو النهي، فلا سبيل للعقل لإدراك الملاك التام المستتبع لحرمة النظر، و ما ذكر وجه اعتباري لا يصلح أن يكون علة للحكم، و إلا كان لازمه المنع عن النظر إلى بعض المحارم، فانّ النظر إلى بعضهم و إن كان مأموناً عن الافتتان كالأُم و البنت و الأُخت بحيث لا يكاد يتفق النظر إليهنّ عن شهوة لكن البعض الآخر ليس كذلك، كالأُخت من الرضاعة و أُم الزوجة و نحوهما ممن يتطرّق احتمال اللالتذاذ في النظر إليهن و كذا بالنسبة إلى الأمرد، فاللازم المنع عن النظر في جميع ذلك حسماً لمادة الفساد، لكون النظر في هذه الموارد أيضاً‌

74

..........

____________

معرضاً للافتتان غالباً كما ذكر، و هو كما ترى.

و بالجملة: فلا يمكن الاستناد إلى هذا الوجه العقلي في الحكم بعدم جواز النظر إلى الأجنبية حتى مع الأمن عن الفتنة و عدم كونه بقصد الشهوة و الريبة الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.

السابع: الروايات المتضمنة لجواز النظر إلى المرأة لمن يريد تزويجها، و أحسنها سنداً و دلالة للمقام صحيحة هشام و حمّاد و حفص كلّهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوجها» (1)، حيث دلّت بالمفهوم على عدم جواز النظر إلى الوجه و المعاصم و هي الكفّان أو السواران المستلزم للنظر إلى الكفين إذا لم يكن من قصده التزويج.

و فيه أولًا: أنها أجنبية عما نحن فيه، لأنّ النظر المحكوم فيها بالجواز هو النظر عن شهوة و التذاذ على ما يقتضيه طبع النظر بقصد الزواج، فانّ الناظر حينئذ يفكّر في أمور، لأنّه يشتريها بأغلى الثمن كما عبّر بذلك في بعض النصوص (2)، فيتأمل في محاسنها و جمالها نظر شهوة و تهييج كي تحصل له الرغبة في التزويج، فمفهومها المنع عن مثل هذا النظر لو لم يكن لهذه الغاية. و أين ذلك من النظر الساذج العاري عن الشهوة و الريبة الذي هو محلّ الكلام.

و يؤكّد ما ذكرناه و يؤيّده: رواية الحسن بن السريّ، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها و ينظر إلى خلفها و إلى وجهها، قال: نعم، لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ينظر إلى خلفها و إلى وجهها» (3) فانّ التعبير بالتأمّل غير المنفك عن التلذذ كالصريح فيما ذكرناه.

نعم، لا يخلو سند الرواية عن الضعف و لذا ذكرناها بعنوان التأييد لمكان الحسن بن السري، فإنّه لم تثبت وثاقته، نعم وثقه العلامة في‌

____________

(1) الوسائل 20: 88/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 36 ح 2، 1، 3.

(2) الوسائل 20: 88/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 36 ح 2، 1، 3.

(3) الوسائل 20: 88/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 36 ح 2، 1، 3.

75

..........

____________

الخلاصة (1) و ابن داود (2) لكن من المعلوم أنّ المستند في توثيقهما هو النجاشي، إلا أنّ توثيق النجاشي إيّاه غير معلوم، فإنّه و إن ذكر الفاضل التفريشي عن بعض معاصريه أنّه وجد توثيقه في بعض نسخ النجاشي، لكن التفريشي اعترف بنفسه بخلو نسخ أربع من النجاشي التي هي عنده عن هذا التوثيق (3). و المجلسي أيضاً بنى على أنّ الصواب خلوّ نسخة النجاشي عن التوثيق (4).

و بالجملة: فالأمر يدور بين زيادة التوثيق في نسخة النجاشي أو نقيصته، و لا أصل ينقّح ذلك، فلا اطمئنان بتوثيق النجاشي إيّاه، فالرواية حسنة لولا الحسن.

و كيف كان، فالصحيحة بنفسها ظاهرة في المطلوب كما عرفت.

و ثانياً: لو سلّم دلالتها على المنع عن النظر و لو من غير شهوة فلا بدّ من حملها على الكراهة، جمعاً بينها و بين آية الإبداء (5) الصريحة في جواز النظر إلى الزينة الظاهرة بضميمة الأخبار المفسرة لها بالوجه و الكفين كما تقدّم (6).

و ما يقال: من أنّ غاية ما يستفاد من الآية عدم وجوب التستر بالنسبة إلى الوجه و الكفّين، و هو لا يستلزم جواز النظر إليهما كي يحمل لأجله النهي المستفاد من مفهوم الصحيحة على الكراهة، فإنّ عدم وجوب الستر أعم من جواز النظر، كما في الرجل، فإنّه لا يجب عليه التستر مع أنّه يحرم على المرأة النظر إلى بدنه، و كما في الأمرد فإنّه يحرم النظر إليه بشهوة مع عدم وجوب التستر عليه.

مدفوع: بأنّ هذا إنما يتمّ لو تضمنت الآية عدم وجوب الستر، و ليس‌

____________

(1) الخلاصة: 105/ 244.

(2) رجال ابن داود: 73/ 418.

(3) لاحظ نقد الرجال 3: 263/ 3581.

(4) رجال المجلسي: 187/ 478 [و لعلّه من جهة عدم نقله التوثيق عن النجاشي].

(5) النور 24: 31.

(6) في ص 70 71.

76

..........

____________

كذلك، بل إنها دلت على جواز الإبداء الذي هو بمعنى الإظهار و الإراءة، فانّ الظاهر أنّ مثل هذا التعبير يدل على جواز النظر كما لا يخفى، و ليس هو على حدّ التعبير بعدم وجوب الستر، و لعل الفرق واضح.

الثامن: الأخبار الدالة على أنّ النظر سهم من سهام إبليس مسموم، و أنّ زنا العينين النظر (1) فإنّها بإطلاقها تعمّ الوجه و الكفين.

و فيه: أنّ هذه الروايات و إن كان بعضها صحيح السند لكنّها قاصرة الدلالة على ما نحن فيه، فانّ التعبير بالسهم لا يناسب إلا النظر مع خوف الافتتان الذي هو من الشيطان، كما أنّ تنزيله منزلة الزنا يقتضي وجود جامع بينهما و هو اللذة و الشهوة كي يصدق أنّ النظر زنا العين، فكأن الشارع وسّع في مفهوم الزنا، فالحقيقي منه ما كان بتوسط الآلة المخصوصة، و التنزيلي ما كان بواسطة اللمس أو الفم أو العين على اختلاف مراتبها التي يجمعها الالتذاذ و الارتياب، و هو خارج عن محلّ الكلام، هذا.

مع أنّه لم يتعرض لذكر متعلّق النظر في هذه الأخبار. و الأخذ بالإطلاق أينما سرى كما ترى، للزومه تخصيص الأكثر المستهجن كما مرّ (2) و حمله على خصوص الأجنبية بتمام بدنها لا شاهد عليه، و لعل المراد خصوص العورتين من الرجل أو المرأة. و بالجملة: فالمتعلّق مجمل و لا قرينة على التعيين، فلا يصح الاستدلال بها فتأمل.

التاسع: مكاتبة الصفار إلى أبي محمد (عليه السلام) في الشهادة على المرأة هل يجوز أن يشهد عليها من وراء الستر و هو يسمع كلامها إذا شهد عدلان بأنّها فلانة بنت فلان، أو لا تجوز له الشهادة حتى تبرز من بيتها بعينها، فوقّع (عليه السلام): تتنقّب و تظهر للشهود (3) فانّ ظاهر الأمر بالتنقب هو الوجوب.

____________

(1) الوسائل 20: 190/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 104 ح 1، 2، 5.

(2) في ص 69.

(3) الوسائل 27: 401/ أبواب الشهادات ب 43 ح 2 [و قد سقطت هذه الرواية عن الوسائل ط طهران].

77

..........

____________

و فيه: أنّ النقاب لا يستر تمام الوجه بل بعضه أعني من الذقن إلى ما فوق الأنف فالعينان و الحاجبان و الجبهة مكشوفة، و لا يحتمل الفرق في وجوب الستر و عدمه بين بعض الوجه و تمامه فيظهر من ذلك أنّ الأمر بالتنقب ليس لمكان الوجوب الشرعي، بل هو حكم تأدبي أخلاقي دفعاً للحزازة العرفية حيث إنّ ظهور المرأة و حضورها مكشوفة الوجه في مجلس الرجال لا يخلو عن الاستهجان، لمنافاته مع العفاف المرغوب فيه، و لا سيما في المرأة الجليلة الشخيصة، فانّ ذلك مهانة لها و يمسّ بكرامتها.

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن: أنّ الوجوه التي استدلّ بها للمشهور لا يتم شي‌ء منها، فهي ساقطة بأسرها، للمناقشات التي قدمناها و أكثرها مقتبسة من كلام شيخنا الأنصاري في كتاب النكاح (1) على الاستدلال بكل من الأدلّة الأربعة أو فقل الوجوه التسعة كما عرفت بما لا مزيد عليه.

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2) بعد أن ناقش في أدلّة المشهور بمثل ما مرّ تصدى (قدس سره) للاستدلال على الجواز بوجوه:

منها: الأخبار الواردة في تفسير الزينة الظاهرة بالوجه و الكفّين، و فيها الصحاح و قد تقدمت (3).

و منها: ما ورد من نظر جابر إلى وجه الزهراء (سلام اللّٰه عليها) و هو أصفر من شدة الجوع، فدعا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فصار أحمر (4).

و فيه: أنّ هذه الروايات بأجمعها ضعيفة السند كما لا يخفى، بل لا يمكن الاستدلال بها حتى لو صحت أسانيدها، إذ لا يمكننا التصديق بخروج الزهراء‌

____________

(1) كتاب النكاح: 46 فما بعد.

(2) في كتاب النكاح: 46.

(3) في ص 70 71.

(4) الوسائل 20: 215/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 120 ح 3.

78

..........

____________

(عليها السلام) سافرة الوجه عند جابر و نحوه من الأجانب، فإنّ مثل هذا لا يكاد يصدر عن امرأة عادية عفيفة فضلًا عن سيدة النساء بضعة سيد الأنبياء مصدر كلّ عفّة و حياء، و قد ورد أنّ ابنتها زينب و هي الصديقة الصغرى (عليها السلام) لم تكن تخرج إلى قبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا ليلًا عند ما لم يكن أحد يرى شخصها بل و لا شبحها، فاذا كانت هذه حالة ابنتها و هي الصديقة الصغرى فما ظنك بها نفسها و هي الصديقة الكبرى.

و بالجملة: لا يسعنا التصديق بخروجها مكشّفة الوجه عند جابر بتاتاً، و لا نحتمل صدق الحديث بوجه مهما صح السند و قوي المستند، كيف و قد عرفت ضعف الروايات بأجمعها. فهذا الاستدلال كغيره مما ذكره (قدس سره) من الروايات الضعاف ساقط و لا يعبأ بشي‌ء منها.

و العمدة فيما استدل به صحيح علي بن سويد المتقدّم سابقاً قال «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي لا بأس إذا عرف اللّٰه من نيّتك الصدق، و إيّاك و الزنا ...» إلخ (1) فإنّه كالصريح في جواز النظر إذا كان صادقاً في نيّته، أي لم يقصد به الشهوة و الريبة بحيث يؤدي إلى الزنا. فعلى تقدير تمامية الأدلة السابقة على الحرمة يجمع بينها و بين هذا الصحيح بالحمل على الكراهة، هذا.

و قد تعرّض في الجواهر (2) لهذه الصحيحة و حمل الابتلاء فيها على الصدفة و الاتفاق من دون تعمد و قصد، و أنّ نية الصدق المذكورة في الجواب إشارة إلى نفي البأس إذا كان صادقاً فيما يدّعيه من الابتلاء بهذا المعنى.

و أنت خبير ببعد هذا الاحتمال عن سياق الرواية جدّاً، لمنافاته لقوله: «فيعجبني النظر إليها» الظاهر في تحقق الإعجاب حال النظر غير المنفك حينئذ عن القصد فلا يلائم النظر الاتفاقي عن غير عمد. و حملها على إرادة الإعجاب‌

____________

(1) الوسائل 20: 308/ أبواب النكاح المحرم و ما يناسبه ب 1 ح 3.

(2) الجواهر 29: 79.

79

..........

____________

بعد صرف النظر و الحادث بعد التأمّل في النظر السابق كما ترى، فإنّه خلاف المتراءى من إسناد الإعجاب إلى النظر الظاهر في تحققه في هذه الحال كما عرفت.

و نحوه في الضعف حمل الابتلاء على الاضطرار الرافع للتكليف، و أنّ الوجه في السؤال ما يدخله من الإعجاب بعد النظر. فإنّ إطلاق الابتلاء على الاضطرار لم يعهد في المحاورات، فهو استعمال غير مأنوس، لكونه على خلاف المتفاهم العرفي من هذه الكلمة كما لا يخفى.

فيدور الأمر بين أحد معنيين آخرين:

أحدهما: حمل الابتلاء على الابتلاء النفساني من جهة غلبة النفس الأمّارة و قاهريّة القوة الشهوية فيجد نفسه مبتلى بالبخوع للميولات النفسانية.

و هذا أيضاً يتلو ما تقدّمه في الضعف، فانّ الابتلاء بهذا المعنى من عمل الفساق و المنهمكين في الشهوات الذين يتتبعون آثار النساء و يقعدون لهن كلّ مرصد، نجلّ ساحة ابن سويد و هو من ثقات أصحاب الرضا (عليه السلام) عن مثل ذلك. على أنّ الإمام (عليه السلام) كيف يقرّه على الفسق، و أيّ معنى و الحال هذه لعرفان اللّٰه من نيّته الصدق.

فيبقى الاحتمال الثاني الذي ذكره الشيخ (قدس سره) و هو أنّ ابتلاءه بالنظر إلى النساء من جهة اقتضاء شغله ذلك، ككونه بزّازاً أو صائغاً و نحوهما ممن يتّجر في حاجيات النسوان فيبتلى بمواجهتهنّ في مقام البيع و الشراء، فسأل عما قد يتطرقه عند النظر من الإعجاب بهن و التمتع بجمالهن، على ما هو مقتضى الطبع البشري من التذاذه من النظر إلى كل شي‌ء جميل، سواء كان إنساناً أو حيواناً أو جماداً كمجسمة جميلة أو تصوير حسن و نحو ذلك، فأجاب (عليه السلام) بعدم البأس إذا عرف اللّٰه من نيّته الصدق، أي كان نظره نظراً ساذجاً و الإعجاب الذي يدخله ناشئاً عن الفطرة البشرية المقتضية للالتذاذ بكلّ شي‌ء بديع دون الإعجاب و الالتذاذ المنبعثين عن القوة الشهوية و المنبعثين عن الغريزة الجنسية التي هي من سنخ نظر الزوج إلى زوجته، إذ من الواضح عدم‌

80

..........

____________

الملازمة بين هذين النوعين من النظر، فقد يلتذ الإنسان من النظر إلى وجه ولده الجميل من دون أن يخطر بباله انبعاث هذه اللذة عن الشهوة و الغريزة الجنسية، و كذا غير ولده من الأمثلة المتقدمة، فهذا التفكيك متحقق حتى في النظر إلى المرأة الجميلة الأجنبية كما هو ظاهر. ففصّل الإمام (عليه السلام) في الجواب بين هذين النوعين، و خصّ الجواز بالنوع الأوّل الذي عبّر (عليه السلام) عنه بقوله: «إذا عرف اللّٰه من نيتك الصدق».

و يؤيّده قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و إيّاك و الزنا» فانّ التحذير عن الوقوع في الزنا قرينة قطعية على أنّ المراد من النظر المنفي عنه البأس ما كان من النوع الأوّل المأمون عن الزنا، دون الثاني الذي هو معرض للافتتان و يؤدي إلى الزنا غالباً.

و قد تحصّل من جميع ما تلوناه عليك لحدّ الآن أن مقتضى الصناعة بالنظر إلى أدلّة الباب نفسها بعد ضمّ بعضها إلى بعض و التدبّر فيما يقتضيه الجمع بين الأدلّة هو اختيار القول بالجواز، كما ذهب اليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) مصرّاً عليه.

لكن مع ذلك كلّه في النفس منه شي‌ء، و الجزم به مشكل جدّاً، و لا مناص من الاحتياط الوجوبي في المقام كما فعله الماتن (قدس سره) و نعم ما صنع و ذلك لما ثبت من تتبع الآثار و استقصاء الموارد المتفرقة من الأخبار اهتمام الشارع الأقدس بشأن الأعراض اهتماماً بليغاً، بحيث يعلم من مذاقه التضييق فيما دون النظر فضلًا عنه، و التشديد في ناموس المسلمين بالنهي عما يخالفه تحريماً أو تنزيهاً، كما يفصح عنه نهيه عن خروجهنّ للجمعة و الجماعات (1) على ما هي عليه من الفضل و المثوبات، و كذا النهي عن حضورهن لتشييع الجنائز (2) و المنع عن اختلاطهن مع الرجال في الأسواق، الوارد في نهي علي (عليه‌

____________

(1) منها ما في الوسائل 7: 340/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 22 ح 1، 8: 334/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 4.

(2) الوسائل 3: 239/ أبواب الدفن ب 69 ح 3، 4، 5.

81

..........

____________

السلام) أهل الكوفة عن ذلك (1)، و النهي عن المحادثة معهن و سماع صوتهن (2) فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، و عن تقبيل البنات بعد بلوغهنّ ست سنين (3) و عن التسليم على المرأة الشابة حيث ورد أنّ علياً (عليه السلام) كان لا يسلم عليهنّ (4) و عن الجلوس في مكان قامت عنه المرأة و الحرارة بعد باقية لكونه مهيجاً للشهوة (5) إلى غير ذلك من الموارد المتفرقة التي لا تخفى على المتتبع و معه كيف يمكن الحكم بالجواز سيما و أنّ الوجه مجمع الحسن و مركز الجمال و مثار الفتنة و النظر اليه من مزال الأقدام و مواقع الهلكة غالباً.

على أنّه لو كان الجواز ثابتاً في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لكان من الواضحات المشهورات مع أنّه لم ينقل (6) القول به صريحاً من المتقدمين إلا الشيخ الطوسي (قدس سره) (7) و بعض من تبعه من المتأخرين حتى قيل إنّ المنع مما اختص به المسلمون قبال غيرهم. فلا يسعنا في المقام إلا الاحتياط الوجوبي كما عرفت، و اللّٰه سبحانه أعلم.

و من جميع ما مرّ يعلم الحال في عكس المسألة أعني نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي و إن كانت الأدلّة في الفرض السابق أكثر، إذ ليس في المقام دليل لفظي عدا آية الغض، و قد عرفت الإشكال في الاستدلال بها (8) و عدة من الروايات الضعاف لكن مقتضى الاحتياط الوجوبي عدم النظر منهن إليه‌

____________

(1) الوسائل 20: 235/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 132.

(2) الوسائل 20: 197/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 106.

(3) الوسائل 20: 229/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 127.

(4) الوسائل 20: 234/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 131 ح 3.

(5) الوسائل 20: 248/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 145.

(6) لا يلائم هذا مع ما في رياض المسائل [2: 74 السطر 13، 7] و الحدائق [23: 53] من إسناد الجواز إلى المشهور فلاحظ و تدبّر.

(7) تقدم في ص 71 نسبة الجواز إليه.

(8) في ص 81 الجهة الخامسة.

82

و الأحوط سترها عن المحارم من السرة إلى الركبة مطلقاً (1)، كما أنّ الأحوط [1] ستر الوجه و الكفين عن غير المحارم مطلقاً.

____________

أيضاً لبعض ما عرفت، فتدبر جيداً.

ثم إنّ ممن أصرّ على الجواز صاحب الحدائق (قدس سره) فذكر ما يستدلّ به عليه نحو ما مرّ، ثم ذكر ما يعارضه مما يدلّ على المنع أعني روايات أنّ النظر سهم و أن زنا العينين النظر و قال: إنّ هذا مطلق يشمل الوجه و الكفين فيحمل على غيرهما جمعاً. ثم ذكر أنّ العلامة استدل على المنع بوجوه و هي التي تقدّم (1) بعضها عن صاحب الجواهر ثم قال: إنّه لا يمكن الأخذ بها لما فيها من المناقشات، سيما في قبال ما دل على الجواز التي هي أكثر و الاستدلال بها أحسن. و ذكر أخيراً أنّ العلامة كأنّه (قدس سره) لم يلتفت إلى هذه الأدلّة أو لم تكن بمرأى منه، و إلا فلا ريب في ظهورها في الجواز (2) انتهى.

و الإنصاف: أنّ ما افاده (قدس سره) متين جدّاً بالنظر إلى نفس أدلّة الباب و الجمع بينهما بما هي، و أمّا بالنظر إلى العلم الخارجي الحاصل من تتبع الآثار المستكشف منه مذاق الشارع في هذا المضمار من التضييق و التشديد في شأن الإعراض كما عرفت مستقصى فلا يمكن المساعدة على ما ذكره، بل المتجه الاحتياط في المقام كما مرّ.

(1) لتحديد العورة بذلك في ذيل موثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: «إذا زوّج الرجل أمته فلا ينظرنّ إلى عورتها، و العورة ما بين السرّة و الركبة» (3) فتكون الموثقة مفسرة للمراد من العورة في الروايات الكثيرة المانعة من النظر إلى عورة المحارم.

____________

[1] لا يترك.

____________

(1) في ص 68 فما بعد.

(2) الحدائق 23: 53 فما بعد.

(3) الوسائل 21: 148/ أبواب نكاح العبيد و الإماء ب 44 ح 7.

83

..........

____________

و بالجملة: هذه الموثقة قد دلّت على أنّ العورة في مطلق المرأة عبارة عما بين السرة و الركبة، و بعد ضمّها إلى ما دلّ على المنع عن النظر إلى عورة المحرم ينتج عدم جواز النظر إلى ما بين السرة و الركبة من المرأة المحرم.

و هذه الرواية موثقة كما عرفت، و رميها بالضعف كما عن الهمداني (1) و غيره من جهة أنّ الحسين بن علوان عامي لم يوثّق في غير محله كما مرّ غير مرة، لتوثيق النجاشي إياه على ما هو ظاهر عبارته حيث قال: «الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي، و أخوه الحسن يكنّى أبا محمد ثقة ..» إلخ (2). فإنّ الظاهر أنّ التوثيق عائد إلى الحسين، المصدّر به الكلام الذي له كتاب، دون الحسن الذي لا كتاب له كما صرّح به في ذيل العبارة و لذا لم يعنونه مستقلا، لعدم تعرضه لغير من له كتاب. و قد صرّح ابن عقدة بأنّ الحسن كان أوثق من أخيه، و أحمدَ عند أصحابنا (3). فإنّ التعبير بأفعل التفضيل يدلّ على اشتراكهما في الوثاقة و الحمد، غير أنّ الحسن أوثق و أحمد.

و بالجملة: فلو كنّا نحن و هذه الموثقة كان اللازم الجزم بعدم جواز نظر الرجل إلى ما بين السرّة و الركبة من محارمه، لقوتها سنداً، و كذا دلالة، بالتقريب المتقدم، إلا أنّ القول به حيث لم ينقل عن أحد من الأصحاب، بل لعلّ التسالم منهم على خلافه، لم يسعنا الإفتاء به صريحاً، بل اللازم هو الاحتياط الوجوبي في المقام كما صنعه في المتن.

و أما عكس ذلك- أعني نظر المرأة إلى ما بين السرة و الركبة من الرجل المحرم لها أو نظر الرجل إلى مثله فيما بين ذلك فالظاهر هو الجواز، لعدم الدليل على المنع، و التحديد في الموثّق قاصر الشمول للمقام، فانّ قوله (عليه السلام): «و العورة ما بين السرّة ..» إلخ لا إطلاق له بحيث يشمل الرجل أيضاً كي يكون تفسيراً لطبيعة العورة على الإطلاق، بل المراد بقرينة ما قبله خصوص عورة‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 153 السطر 28.

(2) رجال النجاشي: 52/ 116.

(3) حكاه عنه في الخلاصة: 338/ 1337.

84

..........

____________

النساء السابق ذكرها متصلًا بهذه الجملة، لما هو المقرر في محلّه من أن المعرّف المكرر لا يراد بالثاني [منه] إلا الأوّل (1).

نعم، ربما يستفاد المنع من روايتين:

إحداهما: ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة «قال: إذا تعرّى أحدكم الرجل نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا، ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه و يجلس بين قوم» (2).

و هذه الرواية و إن كانت معتبرة السند، إذ ليس في الطريق من يتنظر فيه عدا القاسم بن يحيى و الحسن بن راشد لكنهما موجودان في طريق كامل الزيارات. و تضعيف ابن الغضائري للحسن لا يعبأ به، لعدم الاعتماد على توثيقاته و تضعيفاته.

لكنّها قاصرة الدلالة، لاشتمال هذا الحديث بطوله على غير واحد من الآداب من السنن و المكروهات، بل إنّ أكثره كذلك، فمن القريب جدّاً أن يكون الحكم في هذه الفقرة أيضاً مبنيّاً على الآداب و الأخلاق دون الإلزام الشرعي، كما يؤيده تخصيص المنع بحال الجلوس بين القوم، فإنّه لو كان محرّماً شرعاً لما كان التحريم مختصاً بهذه الحال كما لا يخفى.

فالمناسب جدّاً إرادة التنزيه و مراعاة الأدب تحفظاً على كرامة الرجل و وقاره و لئلا تعرضه الخفة و المهانة من كشف الفخذ عند القوم.

الثانية: رواية بشير النبّال، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام فقال: تريد الحمام؟ قلت: نعم، فأمر بإسخان الماء ثم دخل فاتزر بإزار فغطى ركبتيه و سرته إلى أن قال ثم قال: هكذا فافعل» (3) فانّ ظاهر الأمر هو الوجوب.

____________

(1) الإتقان في علوم القرآن 2: 351.

(2) الوسائل 5: 23/ أبواب أحكام الملابس ب 10 ح 3، الخصال: 630.

(3) الوسائل 2: 35/ أبواب آداب الحمام ب 5 ح 1.

85

[مسألة 1: الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر]

[1253] مسألة 1: الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول [1] بالشعر (1) سواء كان من الرجل أو المرأة، و حرمة النظر إليه.

____________

لكن الرواية ضعيفة بعدة من المجاهيل و الضعفاء، و هم سهل بن زياد و إسماعيل بن يسار، و عثمان بن عفان السدوسي، و بشير النبال، فلا تصلح للاستدلال بوجه، هذا.

مضافاً إلى قيام السيرة القطعية على الكشف عن الفخذ، بل ما عدا القبل و الدبر في الحمامات، و في الملاحين و الفلاحين حال العمل، فلا يتسترون عن ذلك و هم بمرأى و منظر من المتدينين، و لم يعهد الردع عنهم.

و يؤيّده الروايات الكثيرة المفسّرة للعورة في الرجال بالقبل و الدبر، التي تقدّمت في بحث التخلي (1) فإنّها و إن كانت ضعيفة السند بأجمعها لكنّها كثيرة جدّاً تبلغ حدّ الاستفاضة لولا التواتر، فالظاهر عدم وجوب الستر و إن كان أحوط.

فما صنعه في المتن من تخصيص الاحتياط الوجوبي بالصورة السابقة دون عكسها هو الأوجه كما ظهر وجهه مما مرّ. و الإيراد عليه بعدم المقتضي للتفكيك في غير محلّه.

(1) إثبات هذا بالدليل مشكل جدّاً، لأنّ ما دلّ على المنع عن النظر إلى شعر الأجنبية كصحيح البزنطي المتقدّم (2) الوارد في شعر أُخت الزوجة ظاهر في الشعر الأصلي، لظهور الإضافة في الإضافة الفعلية، أي ما هو شعر الأجنبية بالفعل لا ما كان كذلك سابقاً، فلا يصدق هذا العنوان على الشعر الموصول إلا بالعناية و علاقة المجاز باعتبار ما كان، الذي هو على خلاف ظهور الكلام، فليس حال مثل هذا الشعر إلا حال الخيط المشدود بالشعر-

____________

[1] لا يبعد عدم وجوبه إلا إذا كان محسوباً من الزينة، و كذا الحال في القرامل و الحلي.

____________

(1) شرح العروة 4: 321.

(2) في ص 63.

86

و أما القرامل من غير الشعر (1) و كذا الحليّ ففي وجوب سترهما و حرمة النظر إليهما مع مستورية البشرة إشكال، و إن كان أحوط.

____________

الأصلي الذي هو شي‌ء أجنبي عن المرأة بالكلّية، فدليل المنع قاصر الشمول للمقام. فالظاهر جواز النظر إليه بما أنّه شعر، نعم لا يبعد حرمته بعنوان آخر آخر، أعني عنوان الحليّ، و سيجي‌ء البحث عنه إن شاء اللّٰه تعالى.

و قد يفصّل في المقام بين ما كان الشعر الموصول مأخوذاً من غير الأجنبية كالمحارم أو الرجال أو الحيوان فيجوز النظر اليه، لعدم المقتضي للمنع، و بين ما كان مأخوذاً منها فلا يجوز، استصحاباً للمنع الثابت حال الاتصال بالأجنبية.

و فيه: مضافاً إلى ما هو الحق من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية أنّ الموضوع متعدد جزماً، لأنّ الحرام هو الشعر المضاف إلى الأجنبية بإضافة فعلية من دون تجوّز كما عرفت، و هذا الموضوع قد ارتفع يقيناً بمجرّد الانفصال عن الأجنبية، و لذا لا إشكال في جواز النظر اليه بعد الفصل و قبل الوصل بامرأة أُخرى كما لو كان مطروحاً على الأرض، فالشك بعد الاتصال في ثبوت حكم جديد، و الأصل البراءة دون الاستصحاب لانتقاضه باليقين بالخلاف، فهذا التفصيل ساقط. فالصحيح أنّ هذا الشعر حكمه حكم الحليّ و القرامل الذي ستعرف حكمها.

(1) بل حتى الشعر كما عرفت آنفاً، فحكمه مع القرامل من غيره و الحليّ على حد سواء. و قد استشكل (قدس سره) في جواز النظر إليها، بل احتاط فيه. و كأنّ الوجه في احتمال وجوب الستر دعوى شمول آية الإبداء (1) لها، فإنّها من الزينة المحرّم إبداؤها بمقتضى الآية.

و فيه: أنه مبني على أن يكون المراد بالزينة نفس ما يتزيّن به، أعني الجسم الخارجي الذي هو آلة التزيين كالقلادة و نحوها. لكنّه باطل جزماً، لعدم احتمال المنع عن إبداء مثل ذلك، كيف و هذه الآلات يتداول بيعها في الأسواق، و تنتقل‌

____________

(1) النور 24: 31.

87

[مسألة 2: الظاهر حرمة النظر إلى ما يحرم النظر إليه في المرآة و الماء الصافي]

[1254] مسألة 2: الظاهر حرمة النظر إلى ما يحرم النظر إليه في المرآة و الماء الصافي (1) مع عدم التلذذ، و أما معه فلا إشكال في حرمته.

____________

من يد رجل إلى رجل، و المرأة بنفسها تباشر البيع أو الشراء من الرجال من دون نكير، فاراءة نفس آلة التزيين ليس بحرام قطعاً، بل المراد من الزينة الممنوع إبداؤها في الآية إراءة المرأة الحالة الحاصلة لها من تزينها بهذه الآلات، فإنّ الزينة اسم مصدر من التزين، و لكلّ من المصدر و اسمه صيغة مخصوصة في المقام كما قد يتفق في بعض الموارد و إن كان الغالب اشتراكهما في الصيغة، و الفرق انّما هو بالاعتبار، فالمصدر هو المعنى الحدثي الملحوظ انتسابه إلى الفاعل، و الاسم ما كان مجرّداً عن الانتساب، لكن المقام يختص كما عرفت باختصاص كل منهما بصيغة مخصوصة. فالمصدر هو التزين و الاسم الزينة.

و بالجملة: بعد ما زيّنت المرأة نفسها بما يتزين به تطرؤها حالة مخصوصة تتحلّى معها، و يعبّر عن تلك الحالة الحاصلة لها بعد التزيين بالزينة، و إبداء هذه الحالة لا ينفك عن إبداء مواضع الزينة أيضاً، و إلا فاراءة نفس ما تتزيّن به من دون المحلّ ليس ذلك من إبداء الزينة بهذا المعنى الذي هو المراد في المقام دون الأول أعني نفس الآلة بالضرورة كما عرفت لأن التحلّي الحاصل لها منوط بقيام هذه الآلات بمواضعها، فابداؤها يستلزم إبداء المواضع، فلو لم يرد في تفسير الزينة إرادة المواضع كانت الآية بنفسها ظاهرة في أرادتها بالتقريب المتقدم.

و عليه فلا وجه لاحتمال وجوب ستر الشعر الموصول أو القرامل أو الحليّ بأنفسها، و لا مانع من إبدائها بما هي ما لم يقترن بإبداء المواضع (1) فيكون التحريم حينئذ من أجلها لا من أجل هذه الأمور فتدبر جيداً.

(1) خلافاً لبعضهم حيث ذهب إلى الجواز، بدعوى انصراف الأدلّة عن‌

____________

(1) هذا مخالف لتعليقته الجديدة فليلاحظ.

88

..........

____________

مثل هذا النظر غير الواقع على شخص الأجنبية، بل على صورتها المنطبعة في المرآة أو غيرها من الأجسام الشفافة، فلا دليل على حرمة مثل هذا النظر بعد أن كانت الرؤية فيها على سبيل الانطباع دون الانكسار.

لكن الدعوى غير مسموعة، فإنّها على تقدير تماميتها مما تجهلها عامة الناس و لا يلتفت إليها أكثرهم، إذ لا يفرّق لدى العرف بين هذا النظر و بين النظر إلى شخص الأجنبية. و حديث الانطباع و الانكسار من الأبحاث الدقيقة البعيدة عن أذهان العرف، فإنهم لا يرتابون في أنّ الناظر إلى عورة الإنسان في المرآة الحاكية لها حكاية تامة ناظر إليها حقيقة، و لا يرون فرقاً بينه و بين من ينظر إليها مباشرة و من دون واسطة، سواء كانت الرؤية بنحو الانطباع أم غيره هذا.

مع أنّه لا يبعد أن يقال: إنّ الصواب انكسار النور من المرآة و وقوع النظر على شخص الأجنبية دون انطباع صورتها فيها، كما يكشف عنه ما إذا فرضنا مرآة قبال الإنسان على نحو لا تسع أكثر من صورة واحدة و وقف شخص عن يمين الناظر و آخر عن يساره، فانّ كلا من الشخصين حينئذ يرى صورة الآخر و لا يرى صورة نفسه، فلو كانت الرؤية على سبيل الانطباع فكيف انطبعت فيها صورتان بل ثلاثة مع أنّها لم تسع لأكثر من صورة واحدة على الفرض. و لا شك في عدم انطباع صورة فوق اخرى، و إلا لما تمت الحكاية عن شي‌ء منهما مع أنّها تامة عن كل منهما بالوجدان. فيعلم من ذلك بطلان هذا المسلك و أنّ النور ينكسر عن المرآة فيصيب نفس الجسم الخارجي كالأجنبية فلا فرق بين النظر إليه مباشرة أو في المرآة إلّا من حيث استقامة النور في الأول و انكساره في الثاني. و هناك شواهد و مؤيدات اخرى لا يسعها المقام.

و قد يقال: إنّ الأمر و إن كان كذلك إلا أنّه يستفاد من بعض الأخبار جواز النظر في المرآة، و هو ما رواه الكليني بسنده عن موسى بن محمد الملقب بالمبرقع أخي أبي الحسن الثالث (عليه السلام): «أنّ يحيى بن أكثم سأله في‌

89

[مسألة 3: لا يشترط في الستر الواجب في نفسه ساتر مخصوص و لا كيفية خاصة]

[1255] مسألة 3: لا يشترط في الستر الواجب في نفسه ساتر مخصوص و لا كيفية خاصة، بل المناط مجرّد الستر و لو كان باليد و طلي الطين و نحوهما.

[أما الثاني أي الستر حال الصلاة]

أما الثاني أي الستر حال الصلاة فله كيفية خاصة و يشترط فيه ساتر خاص، و يجب مطلقاً، سواء كان هناك ناظر محترم أو غيره أم لا، و يتفاوت بالنسبة إلى الرجل و المرأة (1).

____________

المسائل التي سأله عنها: أخبرني عن الخنثى و قول علي (عليه السلام): تورث الخنثى من المبال، من ينظر إليه إذا بال؟ و شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل، مع أنّه عسى أن يكون امرأة و قد نظر اليه الرجال أو يكون رجلًا و قد نظر اليه النساء، و هذا مما لا يحلّ، فأجاب أبو الحسن الثالث (عليه السلام): أمّا قول علي (عليه السلام) في الخنثى أنّه يورث من المبال فهو كما قال، و ينظر قوم عدول يأخذ كلّ واحد منهم مرآة و يقوم الخنثى خلفهم عريانة فينظرون في المرآة فيرون شبحاً فيحكمون عليه» (1).

لكن الرواية ضعيفة السند، فانّ المبرقع لم يوثق، بل إنّ المفيد في الإرشاد (2) و كذا الكليني (3) نقلا رواية تدلّ على ضعف الرجل. و كيف كان، فيكفي في الضعف عدم ثبوت الوثاقة.

(1) أمّا الكيفية الخاصة فسيجي‌ء البحث عنها عند تعرض المصنف لها (4).

و أمّا أصل وجوب الستر حال الصلاة و اشتراطها به و إن لم يكن هناك ناظر محترم فقد يستدلّ له بالإجماع، و هو كما ترى، للجزم عادة بكون المستند بعض الوجوه الآتية، فلا يحتمل أن يكون تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام). فالأولى أن يستدلّ له بوجوه:

____________

(1) الوسائل 26: 290/ أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه ب 3 ح 1، الكافي 7: 158/ 1.

(2) الإرشاد 2: 307.

(3) الكافي 1: 502/ 8.

(4) في ص 92.

90

..........

____________

الأول: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه دم، يصلّي فيه أو يصلي عرياناً؟ قال: إن وجد ماءً غسله، و إن لم يجد ماءً صلّى فيه، و لم يصلّ عرياناً» (1).

فإنّها معتبرة من حيث السند، إذ رواها الشيخ و الصدوق عن علي بن جعفر، و طريق الثاني إليه صحيح (2). و أمّا الأوّل فله إليه طريقان: أحدهما: ما ذكره في المشيخة (3) و هو ضعيف، لمكان أحمد بن محمد بن يحيى العطار غير الموثق على الأقوى. و الثاني ما ذكره في الفهرست (4) المنتهى إلى الصدوق، و هو صحيح. ففي الحقيقة الرواية عن الصدوق.

و أمّا الدلالة فظاهرة، حيث حكم (عليه السلام) في الشرطية الأُولى بوجوب الغسل مع التمكن منه، المقتضي لوجوب الستر في الصلاة، و إلا لم يكن وجه لوجوب الغسل، بل صلّى عارياً.

و بعبارة اخرى: فصّل (عليه السلام) بين صورتي وجدان الماء و عدمه، و حكم بوجوب الغسل في الأُولى و الصلاة في النجس في الثانية، و على التقديرين منع عن الصلاة عارياً، فلولا اعتبار الستر حال الصلاة لم يكن وجه للمنع، بل لا مقتضي لتجويز الصلاة في النجس كما لا يخفى. و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين وجود الناظر المحترم و عدمه.

و قد تقدم الكلام حول هذه الصحيحة في مبحث الخلوة (5) و قلنا: إنّ ذيلها أعني الشرطية الثانية و إن كانت معارضة بموثقة سماعة المانعة عن الصلاة في‌

____________

(1) الوسائل 3: 484/ أبواب النجاسات ب 45 ح 5، الفقيه 1: 160/ 756، التهذيب 2: 224/ 884، الإستبصار 1: 169/ 585.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 4.

(3) التهذيب 10 (المشيخة): 86.

(4) الفهرست: 87/ 367.

(5) [بل تقدم في مبحث النجاسات] راجع شرح العروة 3: 359، 364.

91

..........

____________

الثوب النجس و أنّه يصلي عارياً (1) لكنّ اللازم تقديم الصحيحة عليها ببيان قد تقدم في محلّه، و على أيّ حال سواء قدمناها عليها أم لا فغايته سقوط هذه الفقرة من الصحيحة عن الحجية لأجل المعارضة، دون الفقرة الأُولى التي هي محل الاستشهاد في المقام، لسلامتها عن المعارض فيؤخذ بها.

و يعضده ما يظهر من غير واحد من الروايات من ارتكاز اعتبار الستر في الصلاة في أذهان الرواة بحيث إنّ ذلك من المسلمات لديهم، و قد أقرّهم الإمام (عليه السلام) على ذلك، التي منها صحيح زرارة، قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه و لم يجد شيئاً يصلّي فيه، فقال: يصلّي إيماءً» (2) و نحوها غيرها.

و يؤيده خبر أبي البختري عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) أنه قال: «من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت، يبتغي ثياباً» (3) فإنّها و إن كانت ضعيفة السند بأبي البختري وهب بن وهب الذي قيل في حقه: أنّه أكذب البرية، فلا يستدل بها، لكنها صالحة للتأييد.

الثاني: صحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يصلّي في قميص واحد، فقال: إذا كان كثيفاً فلا بأس به ..» إلخ (4) فانّ تعليق الجواز على ما إذا كان القميص كثيفاً أي غليظاً ساتراً يدلّ بمقتضى القضية الشرطية على عدم الجواز فيما إذا كان رقيقاً حاكياً عما تحته، بل الظاهر أنّ منشأ السؤال ما ورد في غير واحد من الأخبار من الأمر بالصلاة في ثوبين و لا أقل من ثوب و حبل كما في صحيحة محمد بن مسلم الآتية المحمول على الفضل.

____________

(1) الوسائل 3: 486/ أبواب النجاسات ب 46 ح 1.

(2) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6.

(3) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 52 ح 1.

(4) الوسائل 4: 387/ أبواب لباس المصلي ب 21 ح 1.

92

أما الرجل فيجب عليه ستر العورتين (1) أي القبل من القضيب و البيضتين و حلقة الدبر لا غير، و إن كان الأحوط ستر العجان أي ما بين حلقة الدبر إلى أصل القضيب، و أحوط من ذلك ستر ما بين السرة و الركبة.

____________

و كأنّ السائل تخيل الوجوب قياساً على ثوبي الإحرام فأجاب (عليه السلام) بعدم البأس في قميص واحد مع رعاية الشرط المتقدم.

و نحوها صحيحته الأُخرى: «إذا كان عليه قميص صفيق أو قباء ليس بطويل الفُرَج فلا بأس ..» إلخ (1) و الصفيق: الغليظ، قبال الصقيل أي الخفيف، و طويل الفُرَج: أي متسعها بحيث تظهر العورة من وراء الفُرَج.

الثالث: الأخبار الكثيرة المستفيضة المتضمنة أنّ المكلف إذا لم يجد ساتراً صلّى عارياً مومئاً إما قاعداً أو قائماً، أو إن كان ناظر محترم فجالساً و إلا قائماً على اختلاف ألسنتها (2) فإنّها متفقة على المنع عن الركوع و السجود و أنّه يومي إليهما. و هذا المقدار و إن لم يكف في اعتبار الستر في الصلاة بما هي، لكنه يدل على اعتباره في خصوص الركوع و السجود، و لذا منع عنهما مع العجز عن رعاية الستر فيهما، فلا مناص للمكلّف من تحصيل الساتر قبل الدخول في الصلاة من باب المقدمة كي لا تبدو عورته في حالتي الركوع و السجود فيفوّتهما على نفسه اختياراً، فانّ الانتقال إلى الإيماء الذي هو بدل اضطراري إنّما هو مع العجز عن الوظيفة الاختيارية كما هو ظاهر.

و لعلّ فيما ذكرناه من الأخبار غنى و كفاية. فلا ينحصر المستند بالإجماع كما قيل الذي عرفت ما فيه.

(1) فإنّهما القدر المتيقّن من العورة الواجب سترها على الرجال حال الصلاة و غيرها، و ما عدا ذلك لا دليل عليه حتى العجان، لخروجه عن مفهوم العورة‌

____________

(1) الوسائل 4: 390/ أبواب لباس المصلي ب 22 ح 2.

(2) الوسائل 4: 448/ أبواب لباس المصلي ب 50، 3: 486/ أبواب النجاسات ب 46.

93

..........

____________

عرفاً، و مع الشك فأصالة البراءة محكمة، على أنّ العجان يتستر بتستر القبل و الدبر عادة، ففرض تسترهما بدونه لعله لا يتفق أو نادر التحقّق. و كيف كان فستره بما هو لا دليل عليه كما عرفت.

مضافاً إلى تقييد العورة بالقبل و الدبر في غير واحد من النصوص التي تقدّمت في بحث التخلي (1) فإنّها و إن كانت ضعيفة لكنها كثيرة مستفيضة.

و عن القاضي تحديدها بما بين السرة و الركبة (2) و عن أبي الصلاح وجوب ستر ما بين السرة إلى نصف الساق (3).

أمّا الأخير فلا شاهد عليه أصلًا، إذ لم ترد به و لا رواية ضعيفة. و لعلّه يريد ما ذكره القاضي، و الزيادة من باب المقدمة العلمية، لكنّها تحصل بما دون ذلك من ثلث الساق أو ربعه، بل أقل بمقدار يحرز معه ستر الركبة كما لا يخفى.

و أمّا تحديد القاضي، فإن أراد تفسير العورة بذلك مطلقاً و لو في غير حال الصلاة فيردّه خروج ذلك عن مفهوم العورة عرفاً كما عرفت، و الروايات الواردة في تفسيرها و أنّها القبل و الدبر دافعة لذلك كما مرّ. فلا دليل على هذا التحديد.

نعم، ورد ذلك في موثقة الحسين بن علوان الواردة في نظر الرجل إلى عورة أمته المزوّجة من قوله: «و العورة ما بين السرة و الركبة» التي تقدمت الإشارة إليها سابقاً (4) لكن ذلك ليس تحديداً لمطلق العورة، بل لخصوص عورة النساء السابق ذكرها في كلام الإمام (عليه السلام)، لأنّ المعرّف المكرّر لا يراد بالثاني إلا الأوّل كما مرّ (5) فلا ينبغي الإشكال في جواز النظر إلى ما عدا القبل و الدبر.

____________

(1) شرح العروة 4: 321.

(2) المهذب 1: 83.

(3) الكافي في الفقه: 139.

(4) في ص 82.

(5) في ص 84.

94

..........

____________

و يؤيّده: صحيح علي بن جعفر (عليه السلام) في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «و سألته عن الرجل يكون ببطن فخذه أو أليته الجرح هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه و تداويه؟ قال: إذا لم يكن عورة فلا بأس» (1). و قوله (عليه السلام): «إذا لم يكن عورة» أي إذا لم يقع نظره على العورة، أو إذا لم يكن الجرح في العورة، و أمّا الفخذ نفسه فقد جوّز (عليه السلام) النظر إليه.

و قد نقل في الجواهر (2) و مصباح الفقيه (3) هذه الصحيحة عن قرب الإسناد و هو اشتباه، فإنّها غير مذكورة فيه، بل هي في كتاب علي بن جعفر كما نقلها عنه في الوسائل فلاحظ.

و إن أراد تفسير الستر الصلاتي بذلك مع الاعتراف بعدم كونه من العورة في غير حال الصلاة فلا شاهد عليه أيضاً.

نعم، ربما يستأنس لذلك بصحيح رفاعة، قال: «حدّثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي في ثوب واحد متزراً به، قال: لا بأس به إذا رفعه إلى الثندوتين» (4).

و خبر سفيان بن السمط عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الرجل إذا اتزر بثوب واحد إلى ثندوته صلّى فيه» (5). و الثندوة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة.

لكنّهما لا يصلحان للاستدلال لضعف السند. أمّا الأوّل فلأنّه و إن كان صحيحاً إلى رفاعة لكنّه يرويها مرسلة. و أمّا الثاني فمن جهة أحمد بن عبديل و سفيان ابن السمط، فإنّهما مجهولان لم يتعرّض لهما في كتب الرجال، هذا.

مضافاً إلى ما في غير واحد من الروايات من جواز الصلاة في السراويل‌

____________

(1) الوسائل 20: 233/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 130 ح 4، مسائل علي بن جعفر: 166/ 269.

(2) الجواهر 8: 183.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 153 السطر 20.

(4) الوسائل 4: 390/ أبواب لباس المصلي ب 22 ح 3.

(5) الوسائل 4: 391/ أبواب لباس المصلي ب 22 ح 5.

95

و الواجب ستر لون البشرة (1)، و الأحوط [1] ستر الشبح الذي يرى من خلف الثوب من غير تميز للونه، و أما الحجم أي الشكل فلا يجب ستره.

____________

وحدها، التي منها صحيح محمد بن مسلم (1) مع أنّ السروال يشدّ من السرّة أو ما دونها، و لعل الغالب هو الثاني، فلو كان الواجب الستر من السّرة لم يتجه تجويز الصلاة في السروال وحده على الإطلاق و إن شدّ مما دون السرّة على ما تقتضيه هذه النصوص الذي هو الغالب فيها كما عرفت.

(1) بلا إشكال، فإنّه المتيقن من الأخبار. و يلحق به الشبح، و هو ما ترى معه العين من دون تشخيص للون، كما لو كانت العورة مستورة بثوب رقيق جدّاً يحكي ما تحته كالنايلون فإنّها غير مستورة حينئذ لتعلق النظر إليها بشخصها، إذ لا يعتبر في صدق النظر إلى الشي‌ء تشخيص لونه قطعاً، فانّ من نظر إلى جسم من خلف زجاجة غليظة أو خفيفة ملوّنة أو بتوسط نظّارة ملوّنة يصدق عرفاً أنّه نظر إليه حقيقة، لتعلّق النظر إليه بذاته و إن لم يميّز لونه الواقعي الذي هو عليه، لعدم دخل ذلك في صدق النظر كما عرفت، فيجب ستر الشبح كالعين.

و أمّا الحجم أعني شكل العورة و هيئتها كما لو سترها بساتر غليظ لا تبدو معه البشرة و لا اللّون لكن الهيئة الخاصة و الحجم المخصوص مشهود، على نحو يقبل حدوده للوصف من جهة انعكاس الأشعة النورية الفاصلة بين الناظر و العورة، و أوضح حالًا ما لو سترها بخصوصها بخرقة أو طين أو كاغذ و نحوها، فهل يجب ستر مثل ذلك أيضاً أو لا؟

الظاهر الثاني، بل لا ينبغي الإشكال فيه، لعدم كون العورة مكشوفة حينئذ، إذ لم يتعلّق بها النظر، و لذا لا علم بكونها عورة من ناحية حسّ‌

____________

[1] لا يترك.

____________

(1) الوسائل 4: 390/ أبواب لباس المصلي ب 22 ح 2.

96

و أما المرأة فيجب عليها ستر جميع بدنها (1) حتى الرأس و الشعر.

____________

البصر، لجواز كونها شيئاً آخر بهذا المنظر، و إنّما يعلم بأنّها عورة من جهة القرائن الخارجية، فهي بنفسها غير مبصرة و لا مرئية، و إنّما يرى شيئاً شبيهاً بالعورة، فلا يجب في مثله الستر.

و يؤيده: خبر عبيد اللّٰه الرافقي في حديث «أنّه دخل حماماً بالمدينة فأخبره صاحب الحمام أنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يدخله فيبدأ فيطلي عانته و ما يليها ثم يلفّ إزاره على أطراف إحليله و يدعوني فاطلي سائر بدنه، فقلت له يوماً من الأيام: إنّ الذي تكره أن أراه قد رأيته، قال: كلا، إنّ النورة ستره» (1) فإنّه و إن كان ضعيفاً سنداً لجهالة الرافقي، و كذا متناً، إذ من البعيد جدّاً أنّ الإمام (عليه السلام) يفعل كذلك، لكنّه لا يخلو عن التأييد.

(1) و المراد بها الحرة. و أمّا الأمة فسيجي‌ء الكلام فيها (2).

و لا إشكال كما لا خلاف في وجوب ستر بدنها في الجملة، لجملة وافرة من النصوص (3) و فيها الصحاح و غيرها كما لا تخفى على المراجع.

و ما عن ابن الجنيد من مساواتها مع الرجل في العورة الواجب سترها في الصلاة (4) ساقط جدّاً على تقدير صدق النسبة إذ لم ترد به و لا رواية ضعيفة، و لا حكي القول به عن أحد، فهو شاذ مطروح.

إنّما الكلام في مواضع:

منها: الرأس فإنّ المشهور و إن ذهبوا إلى وجوب ستره، بل لا خلاف فيه من أحد عدا ابن الجنيد كما عرفت للتصريح به في تلك النصوص المشار إليها آنفاً.

____________

(1) الوسائل 2: 53/ أبواب آداب الحمام ب 18 ح 1.

(2) في ص 107 المسألة 1259.

(3) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28 و غيره.

(4) حكاه عنه في المختلف 2: 114.

97

..........

____________

إلا أنّ مقتضى موثقة ابن بكير عدم الوجوب، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة أن تصلّي مكشوفة الرأس» (1).

و نحوها روايته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا بأس أن تصلّي المرأة المسلمة و ليس على رأسها قناع» (2).

و العمدة هي الأُولى. و أمّا الثانية فضعيفة السند بأبي علي بن محمد بن عبد اللّٰه ابن أبي أيوب، فإنّه مجهول.

و من الغريب ما عن المحقق في المعتبر على ما حكاه في الحدائق عنه (3) من رمي الاولى بالضعف من جهة عبد اللّٰه بن بكير، فانّ الرجل و إن كان فطحياً لكن الأصحاب لم يعاملوا مع الفطحية معاملة سائر المذاهب الفاسدة، بل كثيراً ما يعبّرون عن بعضهم و منهم الرجل نفسه بالعدل الثقة، و السرّ أنّهم لا يفترقون عن الإمامية الاثني عشرية سوى الانحراف بامامة عبد اللّٰه الأفطح خلال ستة أشهر ثم عدلوا إلى الحق، حتى أنّ العلامة الذي لم يعمل إلا بروايات الشيعة الاثني عشرية كان يعمل بروايات الفطحية (4). على أنّ ابن بكير من أصحاب الإجماع كما ذكره الكشي (5) و غيره، فالنقاش في سند الرواية من جهته من غرائب الكلام.

و كان الأولى للمحقق أن يناقش فيه من جهة محمد بن عبد اللّٰه الأنصاري، فإنّه بهذا العنوان لم يوثق، و إنّما وثّقوا محمد بن عبد اللّٰه بن غالب الأنصاري. لكن الظاهر أنّ المراد بهما واحد، لاتحاد الطبقة و من يروي عنه و من يروي هو عنه فلاحظ. و كيف كان، فلا ينبغي التشكيك فيها من حيث السند.

و أمّا الدلالة فهي ظاهرة، بل صريحة في جواز صلاة الحرة مكشوفة‌

____________

(1) الوسائل 4: 410/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 5، 6.

(2) الوسائل 4: 410/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 5، 6.

(3) الحدائق 7: 12.

(4) [كما صرح في موارد منها ما في الخلاصة: 195/ 609].

(5) رجال الكشي: 375/ 705.

98

..........

____________

الرأس. و من هنا وقع الأصحاب في كيفيّة الجمع بينها و بين النصوص المتقدمة الدالّة على وجوب ستر الرأس في حيص و بيص.

فحملها الشيخ (قدس سره) (1) تارة على الصبية. و هو كما ترى، للتصريح فيها بالمرأة غير الصادقة على الصغيرة بالضرورة.

و أُخرى على حال الضرورة. و هذا أيضاً أبعد من سابقه، إذ مضافاً إلى عدم اختصاصه حينئذ بالرأس، لجواز الكشف عن كلّ جزء من البدن، بل عن جميعه لدى الاضطرار بلا إشكال يردّه: أنّه حمل تبرعي منافٍ لظهور الكلام جدّاً، إذ ليس المنسبق منه إلى الذهن إلا إرادة حال الاختيار. و هل ترى جواز الحمل على الاضطرار فيما لو ورد مثلًا أنّ شرب الخمر حلال، أو أنّه يطرح بلا تأمل و لا إشكال؟

و حملها صاحب الحدائق (قدس سره) على إرادة عدم وجوب التستر بالقناع خاصة، فلا ينافي وجوب الستر بساتر آخر (2). و هذا أيضاً يتلو ما تقدّمه في الضعف، للتصريح فيها بأنّها تصلّي مكشوفة الرأس، و لا ريب أنّ التستر بأي ساتر و لو غير القناع ينافي الكشف بالضرورة.

فالإنصاف: أنّه لا جواب لنا عن هذه الموثّقة، و لا مناص عن الاعتراف باستقرار المعارضة بينها و بين النصوص المتقدمة بعد تعذر الجمع في خصوص المقام بالحمل على الاستحباب، لما في بعض تلك النصوص ما يأبى لسانه عن الحمل عليه، و هي صحيحة زرارة، قال: «سالت أبا جعفر (عليه السلام) عن أدنى ما تصلي فيه المرأة، قال: درع و ملحفة فتنشرها على رأسها و تجلّل بها» (3) فإنّ السؤال عن أقل الواجب و أدنى ما يجزئ عنه، و قد اعتبر (عليه السلام) في الجواب ستر الرأس، فكيف يحمل على الاستحباب.

فالمعارضة مستقرة و المعالجة متعذرة، فلا مناص من طرح الموثقة، لعدم‌

____________

(1) التهذيب 2: 218/ ذيل ح 858.

(2) الحدائق 7: 12.

(3) الوسائل 4: 407/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 9.

99

..........

____________

صلاحيّتها للمقاومة مع تلك النصوص المستفيضة بل المتواترة إجمالًا، لعدم المجازفة في دعوى القطع بصدور بعضها إجمالًا، فتكون تلك النصوص من المشهورات و من قبيل بيّن الرشد و هذه من الشاذ النادر المأمور بطرحه و الأخذ بالمشهور.

و منها: الشعر، فقد اختلفت كلمات الأصحاب في استثنائه، حيث لم يرد بذلك نص بالخصوص فأثبته جمع و منعه آخرون، و توقف فيه ثالث. لكن الظاهر وجوب ستره، لا لتبعية الشعر للرأس الواجب ستره كي يستشكل بعدم جريانه في الشعر الطويل لاختصاص التبعية بالقصير، بل لاستفادة ذلك من نفس الأخبار الدالّة على وجوب ستر الرأس، التي منها صحيحة زرارة المتقدمة آنفاً و غيرها (1) فإنّ بشرة الرأس بنفسها متسترة بالشعر إلا ما شذ ممن لا ينبت على رأسه الشعر الملحق بالعدم فلا حاجة إلى الأمر بسترها و ليس المقام نظير الأمر بالغسل اللازم فيه إيصال الماء إلى البشرة كما هو ظاهر.

و عليه فالأمر بستر الرأس لا يستفاد منه إلا ستر ما ينبت عليه من الشعر الذي يكون مكشوفاً بطبعه لولا الساتر. فهذه الأدلّة تدلّنا بالمطابقة على وجوب ستر الشعر من دون حاجة إلى التماس دليل آخر.

و أوضح رواية من روايات الباب تدلّ على ما ذكرناه و تؤكّده هي صحيحة زرارة المتقدمة آنفاً، لمكان التصريح بالتجلّل الذي هو بمعنى التغطية الكاملة و الاستيعاب التام، يقال: جلّل المطر الأرض إذا عمّها و طبّقها فلم يدع شيئا إلا غطّى عليه. فالأمر بنشر الملحفة على الرأس و التجلّل بها معناه استيعاب التغطية للرأس بحيث لم تدع شعرة و إن طالت إلا و سترتها كي يكون التستر مستوعباً لجميعها، تحقيقاً لمعنى التجلّل. و بالجملة: فالدليل الصحيح هو ما ذكرناه.

____________

(1) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28.

100

..........

____________

و أمّا ما قد يستدلّ به لذلك من صحيح الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: صلّت فاطمة (عليها السلام) في درع و خمارها على رأسها، ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها و أُذنيها» (1) ففي غير محلّه، لتوقف الاستدلال على تمامية السند و الدلالة.

أمّا السند فمعتبر، فإنّه و إن اشتمل على محمد بن موسى بن المتوكل، و علي ابن الحسين السعدآبادي و هما لم يوثقا في كتب القدماء من الرجاليين، لكن الأوّل منهما وثّقه العلامة صريحاً (2) و توثيقه على الظاهر مأخوذ من توثيق شيخه السيد ابن طاوس في فلاح السائل، فإنّه (قدس سره) بعد ذكره في سلسلة سند قال: رجال السند ثقات بالاتفاق (3). فيظهر أنّ وثاقة الرجل مورد للاتفاق، و لا أقل من أن يكون قد وثّقه جماعة كثيرة بحيث كان مشهوراً بذلك، و هذا المقدار كاف في الوثاقة، إذ لا يسعنا عدم الأخذ بكلام السيد (قدس سره) مع ما هو عليه من العظمة و الجلالة.

و أمّا السعدآبادي الذي هو من مشايخ الكليني فقد صرّح ابن قولويه و الرجل من مشايخه أيضاً في كامل الزيارات بأنّه لا ينقل في كتابه إلا عن الثقات، فإنّه لو سلّم التشكيك و لا نسلّم (4) في إرادة التعميم لكلّ من هو مذكور في سند الكتاب فلا نكاد نشك في إرادة خصوص مشايخه الذين ينقل عنهم بلا واسطة، و منهم الرجل نفسه كما عرفت، فانّ ذلك هو المتيقّن من التوثيق.

و أمّا فضيل الراوي للحديث فهو مردّد بين فضيل بن يسار و فضيل بن عثمان الأعور، و أيّا منهما كان فهو موثّق، و إن لم تكن لنا قرينة على التعيين‌

____________

(1) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 1.

(2) الخلاصة: 251/ 857.

(3) فلاح السائل: 284/ 175.

(4) و قد سلّم، بل عدل (قدس سره) أخيراً.

101

إلا الوجه (1)

____________

لكون كلّ منهما من أصحاب الصادقين (عليهما السلام) و لا ترجيح لاحتمال أحدهما على الآخر. و كيف كان، فالسند تام.

إنّما الكلام في الدلالة، و هي قاصرة، لانحلال الرواية إلى دلالتين: عقد سلبي و هو عدم سترها (سلام اللّٰه عليها) وجهها عند الصلاة، و عقد إيجابي و هو سترها الشعر و الأُذنين.

أمّا الأوّل فهو لا محالة يدلّ على عدم الوجوب، لأنّها (روحي فداها) معصومة و فعلها حجة. فعدم سترها الوجه يدلّ على عدم وجوبه قطعاً، لعدم احتمال ترك الواجب من المعصوم (عليه السلام) كما هو ظاهر.

و أمّا الثاني الذي هو مبنى الاستدلال فلا دلالة فيه على الوجوب، بل غايته الرجحان، فإنّه فعل لا لسان له، فيحتمل الندب كالفرض، و الجامع المقطوع به هو الفضل، فلا يدلّ على أحدهما بالخصوص. و لعلّ الباقر (عليه السلام) الحاكي لفعلها كان في مقام بيان العقد السلبي.

و منها: العنق، و لا ينبغي الإشكال في وجوب ستره و إن استشكل فيه بعضهم، فانّ الخمار و القناع المأخوذين في الأخبار يقتضي تستره كما هو ظاهر جدّاً.

(1) و منها: الوجه، و المشهور عدم وجوب ستره، و هو الصحيح. و ما يحكى عن بعضهم من عدم استثنائه ليس بشي‌ء فإن السيرة قائمة على عدم وجوب الستر، مضافاً إلى دلالة صحيحة الفضيل المتقدمة آنفاً عليه، و كذا موثقة سماعة قال: «سألته عن المرأة تصلّي متنقبة، قال: إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، و إن أسفرت فهو أفضل» (1). بل يستفاد من هذه أنّ السفور أفضل، و لعلّه لذلك كانت تكشف فاطمة (عليها السلام) عن وجهها كما في صحيح فضيل المتقدم، هذا.

____________

(1) الوسائل 4: 421/ أبواب لباس المصلي ب 33 ح 1.

102

المقدار الذي يغسل في الوضوء (1). و إلا اليدين إلى الزندين و القدمين إلى الساقين (2)

____________

و يدلّ عليه أيضاً الأخبار المتضمنة أنّها تصلّي في درع و مقنعة و خمار (1) فإنّ شيئاً من ذلك بحسب طبعه لا يقتضي ستر الوجه كما هو واضح.

(1) و أمّا تحديد الوجه، فلا ريب في عدم وجوب سترها الوجه الوضوئي أعني ما دارت عليه الوسطى و الإبهام فإنّه المتيقّن من دليل الجواز، بل إنّ الوجه في المقام أوسع من ذلك. أمّا من ناحية العرض فلما تضمنه صحيح فضيل من أنّها (عليها السلام) إنّما سترت رأسها إلى حدّ الاذن، فما بين الاذن إلى جانب الخدّ الذي تدور عليه الإبهام كان مكشوفاً. و كذا من ناحية الطول فانّ ما تحت الذقن ليس من الوجه الوضوئي، و مع ذلك لم تستره الزهراء (عليها السلام) مع أنّ الخمار و المقنعة أيضاً لا يقتضي ستره.

(2) على المشهور، بل إجماعاً كما أفاده غير واحد. و لكن صاحب الحدائق استشكل فيه، نظراً إلى أنّ الدليل على الاستثناء إنّما هو خصوص الاكتفاء بالدرع و الخمار و المقنعة و نحوها، بدعوى أنّها لا تستر اليدين و القدمين، مع أنّ من الجائز أن تكون دروعهن في تلك الأزمنة واسعة الأكمام طويلة الذيل كما هو المشاهد الآن في نساء أهل الحجاز، بل أكثر بلدان العرب، فإنّهم يجعلون الأقمصة واسعة الأكمام مع طول زائد بحيث يجرّ على الأرض (2). ففي مثله يحصل ستر الكفين و القدمين.

و فيه أولًا: أنّ هذه المناقشة إنّما تتّجه لو كان لدينا دليل يدل على لزوم ستر جميع البدن و حاولنا تخصيصه بهذه النصوص، فيورد عليه بعدم إحراز كون الدروع في تلك القرون بمثابة ينافي الإطلاق ليستوجب الخروج عنه، و ليس‌

____________

(1) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28.

(2) الحدائق 7: 8.

103

..........

____________

الأمر كذلك، فانّ الدليل على لزوم الستر لم يكن إلا نفس هذه النصوص، و حينئذ فيمكن قلب الدعوى فيقال إنّ مقتضى الإطلاق في هذه الأخبار الاكتفاء بكلّ ما صدق عليه الدرع و الخمار سواء أستر اليدين و القدمين أم لا.

و مع الغض فتكفينا أصالة البراءة عن وجوب ستر الزائد على المقدار المتيقن مما يسترانه، و هو ما عدا اليدين و القدمين.

و ثانياً: أنّ ما ادّعاه (قدس سره) من توسعة الأكمام و طول الذيول إنّما ينفع لو كانت كذلك من جميع الأطراف كي يتحقق به ستر باطن اليدين و القدمين و ظاهرهما، و هذا من البعد بمكان، إذ مقتضاه أن لا تتمكن المرأة من العمل في بيتها و لا الخروج منه، لتعسر المشي عليها كما لا يخفى.

بل الظاهر أنّها كانت واسعة الأكمام من طرف واحد و هو الذي يلي باطن الكف، كما أنّ طول الذيل كان من الخلف فقط كما هو المشاهد في نساء أهل الحجاز و غيرهن، و من الواضح أنّ مثل ذلك لا يكون ساتراً لظاهر اليدين و لا القدمين، بل يكونان مكشوفين.

و ثالثاً: سلّمنا التوسعة و الطول من جميع الجوانب إلا أنّا لا نسلّم أن جميعها كانت كذلك، بل إنّ بعضها كانت كما ذكرناه، و لا سيما التي كانت تستعمل في البيوت لا عند الخروج، و لا ريب أنّ إطلاق كفاية الدرع الوارد في النص يشمل الجميع. إذن فما عليه المشهور هو الصحيح، هذا.

و ربما يفصّل بين اليدين و القدمين و يدّعى اختصاص الاستثناء بالأول و يقتضيه ظاهر عبارة المحقق في الشرائع حيث قال (قدس سره): عدا الوجه و الكفين و ظاهر القدمين، على تردّد في القدمين (1).

و يستدلّ له بأنّ مقتضى نصوص الاكتفاء بالدرع و الخمار و إن كان هو عموم الاستثناء كما سبق إلا أنّ صحيحة علي بن جعفر تدلّ بالمفهوم على لزوم ستر القدمين: «عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال: تلتف فيها‌

____________

(1) الشرائع 1: 83.

104

ظاهرهما و باطنهما (1).

____________

و تغطي رأسها و تصلي، فان خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك فلا بأس» (1) فانّ مفهومها وجوب ستر الرجل مع القدرة.

و يندفع: بعدم كونه بصدد التحديد و بيان ما يجب ستره ممّا لا يجب، و إلا لما عبّر بالرجل الشامل للساق الواجب ستره بلا إشكال. على أنّ إناطة الوجوب بالقدرة لم يكن مختصاً به، بل يعم جميع أجزاء البدن، حتى أنّها تصلّي عارية إذا لم تجد ساتراً رأساً.

بل الظاهر أنّ السائل لما فرض أنّها لم تكن عندها إلا ملحفة واحدة و بطبيعة الحال لا تكفي لستر تمام البدن بحيث دار الأمر بين أن تصلي مكشوفة الرأس أو مكشوفة الرجل حكم (عليه السلام) حينئذ بتقديم الثاني، فلا ربط لها إذن بمحل الكلام لتدلّ على التفصيل المزبور.

(1) لشمول الدليل لهما. و يقتضيه إطلاق كلمات الأصحاب، بل و تنصيص بعضهم بالتعميم.

نعم، خصه جماعة بظهر القدمين، و يستدل له بقصور الدليل أعني نصوص الاكتفاء بالدرع و الخمار عن الشمول لباطن القدم، نظراً إلى أنّه مستور دائماً و في جميع حالات الصلاة، إمّا بالأرض كما في حالتي القيام و الركوع، أو بالثوب كما في حالتي الجلوس و السجود، و من الواضح أنّ مورد الاستثناء عن وجوب الستر ما من شأنه التستر و يكون صالحاً له كظاهر الكف و باطنه و ظاهر القدم لا ما هو غني عنه و مستور بنفسه، فانّ الدليل منصرف عن مثله كما لا يخفى.

و يندفع أوّلًا: بأنّ التستر بالأرض لا يغني عن الستر الصلاتي، فإنّه يعتبر فيه ساتر خاص و هو ما يصدق عليه اللباس، و من ثمّ لا تكفي الصلاة في حفيرة عارياً و إن كان مستوراً عن الناظر المحترم، و حيث لا يجب ستره‌

____________

(1) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 2.