موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
105

و يجب ستر شي‌ء من أطراف هذه المستثنيات من باب المقدمة (1).

____________

بالثوب قطعاً فلا يجب ستره رأساً.

و أجاب المحقق الهمداني (قدس سره) (1) عن ذلك بأنّ الأرض إنّما لا تكون ساتراً صلاتياً فيما إذا كانت مستقلة في الساترية، كما في مثال الحفيرة، و أمّا مع الانضمام بالثوب فلا مانع من الاكتفاء بهما. أ لا ترى أنّ من صلّى في قميص من دون سروال صحت صلاته بلا إشكال مع أنّ عورته من طرف التحت لم تكن مستورة إلا بالأرض، و كذا فيما لو باشر بعض جسد المرأة للأرض حال جلوسها عليها للتشهد، فكما أنّ ذلك لا يمنع عن صدق مستورية المجموع بالثوب فكذا في المقام.

و فيه: أن هذا إنّما يتجه فيما إذا كان الثوب طويلًا من جميع الجوانب بحيث يستر ظاهر القدم ليكون مجموعة مستوراً بالثوب و بالأرض كما في مورد التنظير، لكن المفروض أنّ ظاهر القدم غير لازم الستر، لعدم كون الدروع المتعارفة التي دل النص على كفايتها طويلة الذيل. إذن فيكون الباطن مستوراً بالأرض فقط، و قد عرفت أنّ مثل هذا الستر غير كافٍ في الصلاة.

و ثانياً: أنّ المستورية بالأرض مع التسليم إنّما تنفع ما دام القدم ثابتاً عليها و أمّا لو رفعته لحاجة فلا ستر وقتئذ. و لا شبهة أنّ الإطلاق في نصوص الاكتفاء بالدرع و الملحفة و نحوهما يشمل هذه الصورة أيضاً.

و ثالثاً: أنّ باطن القدمين قد لا يكون مستوراً حالتي الجلوس و السجود و لا سيما لدى الجلوس متوركاً، فلم يكن مستوراً في جميع حالات الصلاة.

فتحصّل: أنّ ما ذهب إليه المشهور من التعميم للباطن و الظاهر هو الصحيح.

(1) كما هو الشأن في نظائر المقام من التحديدات الشرعية للأحكام الإلزامية، حيث إنّ الاشتغال اليقيني يستدعي براءة يقينية.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 152 السطر 7.

106

[مسألة 4: لا يجب على المرأة حال الصلاة ستر ما في باطن الفم من الأسنان و اللسان]

[1256] مسألة 4: لا يجب على المرأة حال الصلاة ستر ما في باطن الفم من الأسنان و اللسان، و لا ما على الوجه من الزينة كالكحل و الحمرة و السواد و الحلي و لا الشعر الموصول بشعرها و القرامل، و غير ذلك (1). و إن قلنا بوجوب سترها عن الناظر (2).

[مسألة 5: إذا كان هناك ناظر ينظر بريبة إلى وجهها أو كفّيها أو قدميها يجب عليها سترها]

[1257] مسألة 5: إذا كان هناك ناظر ينظر بريبة إلى وجهها أو كفّيها أو قدميها يجب عليها سترها (3) لكن لا من حيث الصلاة (4) فإن أثمت و لم تسترها لم تبطل الصلاة (5) و كذا بالنسبة إلى حليّها و ما على وجهها من الزينة، و كذا بالنسبة إلى الشعر الموصول و القرامل في صورة حرمة النظر إليها.

[مسألة 6: يجب على المرأة ستر رقبتها حال الصلاة]

[1258] مسألة 6: يجب على المرأة ستر رقبتها حال الصلاة (6)، و كذا تحت ذقنها حتى المقدار الذي يرى منه عند اختمارها (7) على الأحوط [1].

____________

(1) لخلوّ النصوص عن التعرّض لشي‌ء من ذلك، و مقتضى الأصل عدمه.

(2) لعدم الملازمة بين الحكم النفسي و الحكم الشرطي كما هو ظاهر.

(3) لإطلاق ما دلّ على وجوب الستر عن الناظر المحترم، الشامل لحال الصلاة.

(4) فإنّ الوجوب المزبور نفسي لا شرطي، و قد عرفت آنفاً عدم الملازمة بينهما.

(5) لعدم اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضده. و منه يظهر الحال فيما بعده.

(6) فانّ التستر بالمقنعة و الخمار و الملحفة التي دلّت النصوص على الاكتفاء بها يستلزم ستر الرقبة بطبيعة الحال.

(7) هذا لا دليل عليه، فانّ الذي يظهر من الأخبار وجوب ستر جميع ما‌

____________

[1] الظاهر وجوب ستر جميع ما تحت الذقن لاستتاره بالخمار عادة، و أما الزائد على ما يستره الخمار في العادة فلا يجب ستره.

107

[مسألة 7: الأمة كالحرة في جميع ما ذكر من المستثنى و المستثنى منه]

[1259] مسألة 7: الأمة كالحرة في جميع ما ذكر من المستثنى و المستثنى منه (1) و لكن لا يجب عليها ستر رأسها و لا شعرها (2) و لا عنقها (3)،

____________

تحت الذقن مما يستتر عند الاختمار عادة، و أمّا الزائد عليه مما لم تجر العادة على ستره فلا دليل على وجوبه، و مقتضى الأصل عدمه، و إن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.

(1) لإطلاق الأدلّة الشامل للحرة و الأمة في كل من الطرفين.

(2) و يدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع نقلًا و تحصيلًا منّا و من غيرنا من علماء الإسلام كما في الجواهر (1) جملة من الأخبار كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال «قلت: الأمة تغطي رأسها إذا صلّت؟ فقال: ليس على الأمة قناع» (2).

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث «قال: ليس على الإماء أن يتقنّعن في الصلاة» (3) و نحوهما غيرهما.

(3) فانّ وجوب ستر العنق إنّما استفيد مما دل على وجوب تقنّع المرأة أو اختمارها في الصلاة كما تقدم (4) و المفروض سقوط ذلك عن الأمة بمقتضى النصوص المتقدمة آنفاً.

و تؤيدها رواية قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن الأمة هل يصلح لها أن تصلّي في قميص واحد؟ قال: لا بأس» (5) و إن كانت ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن، فإنّ الصلاة في قميص واحد يلازم كشف العنق بطبيعة الحال.

____________

(1) الجواهر 8: 221.

(2) الوسائل 4: 409/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 1، 2.

(3) الوسائل 4: 409/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 1، 2.

(4) في ص 101.

(5) الوسائل 4: 412/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 10، قرب الإسناد: 224/ 876.

108

من غير فرق بين أقسامها من القنّة و المدبّرة و المكاتبة و المستولدة [1] (1).

____________

(1) لإطلاق النص و الفتوى، مضافاً إلى التصريح بالتعميم في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: ليس على الأمة قناع في الصلاة، و لا على المدبّرة قناع في الصلاة، و لا على المكاتبة إذا اشترط عليها مولاها قناع في الصلاة، و هي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها إلى أن قال: و سألته عن الأمة إذا ولدت عليها الخمار؟ فقال (عليه السلام): لو كان عليها لكان عليها إذا هي حاضت، و ليس عليها التقنع في الصلاة» (1) هذا.

و لا إشكال كما لا خلاف في شي‌ء من هذه الأقسام ما عدا المستولدة، فإنّ مقتضى ذيل صحيحة ابن مسلم المزبورة عدم وجوب التغطية عليها.

إلا أنّه قد يقال بمعارضتها مع مفهوم صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: الأمة تغطي رأسها؟ قال: لا، و لا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد» (2) بالعموم من وجه، نظراً إلى انّ الاولى مطلقة من جهة بقاء الولد و عدمه، و من جهة كونه من مولاها أو من غيره، و خاصة بحال الصلاة، على العكس من مفهوم الثانية حيث إنّها مطلقة من حيث الصلاة و خاصة من كلتا الجهتين، فتتعارضان في مادة الاجتماع و هي ما إذا كانت ذات ولد موجود من المولى و هي في حالة الصلاة، فالأُولى تدلّ بمنطوقها على عدم لزوم التغطية، و الثانية بمفهومها على لزومها، و المرجع بعد التساقط عموم ما دلّ على أنّ الأمة تصلّي من دون خمار أو قناع، فتكون النتيجة إلحاق أُم الولد بسائر أنواع الإماء بمقتضى الصناعة، مضافاً إلى الإجماع على عدم الفرق بين الأقسام كما عرفت.

____________

[1] الأحوط وجوب الستر عليها حال حياة ولدها.

____________

(1) الوسائل 4: 411/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 7.

(2) الوسائل 4: 410/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 4.

109

..........

____________

و فيه أوّلًا: أنّ ذيل الصحيحة الاولى الذي هو مركز الاستدلال لم يذكر لا في الكافي (1) و لا في العلل (2) و إنما ذكره الصدوق في الفقيه (3) و حيث إنّ طريقه إلى محمد بن مسلم ضعيف (4) فهي غير صالحة للاستدلال، فتبقى الصحيحة الثانية الدالة على لزوم التغطية سليمة عن المعارض.

و ثانياً: أنّ النسبة بينهما عموم مطلق لا من وجه إذ الصحيحة الثانية أيضاً خاصة بالصلاة كالأُولى، فإنّه و إن لم يصرّح بها فيها لكنّه يعلم ذلك من التعبير بتغطية الرأس التي هي من خواص الصلاة، ضرورة عدم وجوبها في غيرها على الحرة فضلًا عن الأمة، إذ اللازم على المرأة التستر من الأجنبي كيف ما اتفق، و لو بالدخول في غرفة أو في مكان مظلم. إذن فمقتضى الصناعة ارتكاب التخصيص بالالتزام بالتغطية في خصوص أُم الولد.

و ثالثاً: أنّ الصحيحة الأُولى لم ترد في أُم الولد و إن استظهره المحقق الهمداني (قدس سره) (5) مستشهداً له بأنّ الباعث على السؤال هو تشبّثها بالحرية الموجب لتوهم إلحاقها بالحرة في لزوم التغطية، إذ فيه أنّه على هذا لا ينسجم الجواب و لا يرتبط بالسؤال، إذ ليت شعري أي علاقة و ارتباط بين الحيضية و بين الولادة المستتبعة للتشبث بالحرية فضلًا عن أن يكون الحكم في الحيض أقوى كما ربما تشعر به الملازمة في قوله (عليه السلام): «لو كان عليها لكان عليها ...» إلخ.

بل الظاهر أنّ المفروض في السؤال مجرد ولادة الأمة و لو من غير مولاها فكأنّ السائل تخيّل أنّها بذلك تصبح بالغة تجري عليها أحكام الحرة‌

____________

(1) الكافي 5: 525/ 2.

(2) علل الشرائع: 346/ ب 54 ح 3.

(3) الفقيه 1: 244/ 1086.

(4) الفقيه 4 (المشيخة): 6.

(5) مصباح الفقيه (الصلاة): 160 السطر 5.

110

..........

____________

و أمّا المبعّضة فكالحرة (1) التي منها لزوم التغطية، فأجاب (عليه السلام) بأن الولادة لو أوجبت ذلك لكان التحيض الذي هو من أمارات البلوغ أولى بذلك، بل الوالدة و غيرها من سائر الإماء اتجاه التغطية شرع سواء.

و بالجملة: فلم ترد الصحيحة الاولى في أُم الولد لينعقد لها الإطلاق و تلاحظ النسبة بينها و بين الثانية و يتعارضان بالعموم من وجه و يتصدّى للعلاج كما أُفيد.

و رابعاً: على تقدير تسليم التعارض فاللازم تقديم المفهوم، و لا تصل النوبة إلى التساقط فضلًا عن تقديم المنطوق كما قيل و ذلك فإنّه لا محذور فيه عدا ارتكاب التقييد في منطوق الاولى، و الالتزام بوجوب التغطية على الأمة في صلاتها إذا كانت ذات ولد. و هذا بخلاف ما لو قدّمنا الأُولى، فإنّ لازمه تقييد مورد الثانية بغير حال الصلاة، و مقتضاه أنّه إذا لم يكن الولد باقياً لم يجب عليها تغطية الرأس، مع أنّه لم يقل أحد بالتفصيل في تغطية الأمة في غير تلك الحالة بين بقاء الولد و عدمه.

و المتحصّل: أنّ مقتضى الصناعة لولا ما ادعي من الإجماع على عدم التفرقة بين أقسام الأمة في عدم وجوب التغطية هو ارتكاب التخصيص و الالتزام بوجوب تغطية أُم الولد رأسها مع بقاء ولدها، عملًا بمفهوم الصحيحة الثانية السليم عمّا يصلح للمعارضة حسبما عرفت، و من ثمّ كان مقتضى الاحتياط الوجوبي رعاية الستر حال حياة الولد.

(1) على المشهور، بل اتفاقاً، نظراً إلى أنّ موضوع الحكم في لسان الأدلة عنوان الأمة، المنصرفة عن المبعّضة، بل المختصة بغيرها في النص و الفتوى، فتبقى هي تحت إطلاق المرأة، المحكومة بلزوم لبس الخمار أو القناع كما تقدم (1).

مضافاً إلى مفهوم صحيحة ابن مسلم المتقدمة حيث ورد فيها: «و لا على‌

____________

(1) في ص 96 ذكر مصدره.

111

مطلقا (1) و لو اعتقت في أثناء الصلاة و علمت به و لم يتخلل بين عتقها و ستر رأسها زمان صحت صلاتها (2)

____________

المكاتبة إذا اشترط عليها مولاها ...» إلخ (1) فانّ مفهومها أنّ المكاتبة المطلقة عليها القناع و إن أصبحت حرة بمقدار ما أدّت من مال الكتابة و صارت مبعّضة.

نعم، قد قيّد الحكم فيما رواه الصدوق بإسناده عن يونس بن يعقوب بالحرة قال (عليه السلام): «... و لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار» (2) و لا يقدح اشتمال الطريق على الحكم بن مسكين، فإنّه ثقة عندنا لوجوده في أسناد كامل الزيارات (3).

فقد يقال بأنّها تستوجب تقييد المطلقات و حملها على الحرة فلا دليل إذن في المبعّضة، و معه يرجع إلى الأصل.

و يندفع بابتنائه على ثبوت المفهوم للوصف (4) و هو في حيّز المنع، إلا بالمعنى الذي ذكرناه في الأُصول من الدلالة على عدم تعلّق الحكم بالطبيعة على إطلاقها و سريانها، و من ثم لا يجب القناع على الأمة. و أمّا التخصيص بالحرة كي ينتفي عن المبعّضة فهو مبني على المفهوم الاصطلاحي، و لا نقول به. إذن فلا مانع من شمول المطلقات لها.

(1) أي من غير فرق في المبعّضة بين كون التحرير بمقدار النصف أو أقل أو أكثر كما هو واضح.

(2) كما لو اتفق أنّها سترت رأسها آناً ما قبل العتق. و لا شبهة حينئذ في‌

____________

(1) الوسائل 4: 411/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 7، تقدمت في ص 108.

(2) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 4، الفقيه 1: 244/ 1082.

(3) و لكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، فالرواية إذن محكومة بالضعف.

(4) الوصف في المقام غير معتمد على الموصوف، و مثله ملحق باللقب كما أفاده (دام ظله) في الأُصول [محاضرات في أُصول الفقه 5: 127].

112

بل و إن تخلل زمان [1] إذا بادرت إلى ستر رأسها للباقي من صلاتها بلا فعل مناف (1).

____________

الصحة، إذ الأجزاء السابقة لم يعتبر فيها الستر، و اللاحقة مشتملة عليه، فلا خلل في شي‌ء منها، و هذا واضح.

(1) على المشهور، بل بلا خلاف ظاهر كما في الجواهر (1). و يستدلّ له بوجوه:

أحدها: قصور الأدلّة عن إثبات اعتبار الستر فيما عدا الأفعال من الأكوان المتخلّلة، و لو ثبت فهو ساقط، لمكان العجز بعد فرض عدم تقصيرها في البدار، فالكشف قبل الستر خارج عن الاختيار و مثله ساقط لا محالة.

و يندفع: بأنّ مقتضى الإطلاق في أدلة اعتبار الاختمار لزوم رعايته من ابتداء الصلاة إلى اختتامها، و التخصيص بالأفعال عارٍ عن الدليل و منافٍ للإطلاق المزبور كما لا يخفى.

و حديث العجز لا يوجب سقوط الشرط بعد إمكان الاستئناف و كون الواجب هو الطبيعة المحدودة ما بين المبدأ و المنتهى، لا خصوص هذا الفرد الذي هو مورد للعجز فما هو المأمور به لا عجز فيه، و ما فيه العجز لم يكن مأموراً به.

ثانيها: حديث لا تعاد، فانّ من الواضح انّ صدق الإعادة لا يتوقف على الفراغ، بل يشمل رفع اليد في الأثناء و الاستئناف كما يشهد به نحو ما ورد من أنّ من تكلّم في صلاته فعليه الإعادة (2). و عليه فلو رفعت المعتقة في مفروض المسألة يدها عن صلاتها و أعادتها بعد رعاية الستر فقد أعادت بسبب غير الخمس المستثناة، و الحديث ينفي ذلك.

____________

[1] صحة الصلاة مع تخلله لا تخلو من إشكال بل منع.

____________

(1) الجواهر 8: 227.

(2) الوسائل 7: 238/ أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 4 و غيره.

113

و أمّا إذا تركت سترها حينئذ بطلت (1).

____________

و يندفع: بأنّ الحديث إمّا أنّه خاص بالناسي أو يشمل الجاهل القاصر- على القولين في المسألة و على التقديرين فلا يكاد يشمل الملتفت إلى الخلل في ظرفه و إن كان عاجزاً عن رفعه كما في المقام، و معه لا مناص من الإعادة.

ثالثها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل صلى و فرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة، أو ما حاله؟ قال: لا إعادة عليه، و قد تمّت صلاته» (1) فإنّ إطلاقها يشمل صورة الالتفات في الأثناء و التستر بعده المستلزم طبعاً للتكشف من زمان العلم إلى زمان وقوع الستر فاذا لم يكن هذا المقدار قادحاً في كشف العورة فأحرى بعدم القدح في المقام فيتعدّى اليه بالفحوى، أو لا أقل من اتحاد المناط.

و فيه: أنّ إطلاق الصحيحة و إن لم يكن قاصر الشمول لصورة الالتفات في الأثناء، و لا يختص بما بعد الفراغ كما لو علم بعد القيام بالكشف حال السجود إلا أنّه لم يفرض فيها الكشف حين الالتفات الذي هو محلّ الكلام ليتعدّى إلى المقام.

و دعوى الإطلاق حتى من هذه الناحية عهدتها على مدعيها، بل هي في حيّز المنع كما لا يخفى.

و بالجملة: لا نضايق من شمول الصحيحة لمن التفت حال الجلوس مثلًا إلى وجود ثقب في ثوبه أوجب كشف عورته حال السجود، إلا أنّ استدامة الكشف إلى حال الالتفات و العلم ليكون نظير المقام يحتاج إلى مزيد عناية لم تفرض في الرواية، و لأجله لا تصلح للاستدلال بها لما نحن فيه.

و المتحصّل: أنّ الأظهر في هذه الصورة بطلان الصلاة.

(1) للإخلال بالستر المعتبر في بقية الأجزاء لمكان انقلاب الموضوع و اندراجها بقاءً في عنوان الحرة المحكومة بلبس الخمرة عالمة عامدة، و هو‌

____________

(1) الوسائل 4: 404/ أبواب لباس المصلي ب 27 ح 1.

114

و كذا إذا لم تتمكن من الستر إلا بفعل المنافي (1) و لكن الأحوط الإتمام ثم الإعادة.

نعم لو لم تعلم بالعتق حتى فرغت صحت صلاتها على الأقوى (2)، بل و كذا لو علمت لكن لم يكن عندها ساتر (3) أو كان الوقت ضيقاً (4).

____________

موجب للفساد، و منه تعرف ضعف الاستناد إلى استصحاب الحكم الثابت قبل العتق. و أضعف منه ما عن المدارك من اختصاص الستر الواجب بما إذا توجّه التكليف به قبل الشروع في الصلاة (1) فانّ فيه ما لا يخفى.

(1) بحيث دار الأمر بين الإخلال بالستر الواجب و بين ارتكاب المنافي و بما أنّ كلا منهما موجب للفساد فلا مناص من الاستئناف.

و دعوى سقوط اعتبار الستر حينئذ لمكان العجز، نظراً إلى توقّفه على فعل المنافي الممنوع شرعاً، و هو كالممتنع عقلًا، مدفوعة بما عرفت من أنّ العجز عن إتمام الفرد لا يستوجب العجز عما هو الواجب، أعني الطبيعة الجامعة المحدودة ما بين المبدأ و المنتهى. فالممنوع مغاير للمأمور به، و معه لا موجب لسقوطه بوجه.

(2) لحديث لا تعاد، الحاكم على إطلاق دليل اعتبار الستر، بناءً على ما هو الصحيح من عدم اختصاصه بالناسي و شموله للجاهل القاصر، مضافاً إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة فلاحظ.

(3) أي في تمام الوقت بحيث ساغ لها الشروع في الصلاة ابتداءً، لسقوط الستر حينئذ بالعجز، بل ربما تصلّي عارية فيما لو كانت فاقدة للستر رأساً فضلًا عن كونها كاشفة. و أمّا لو كان الفقد مختصاً ببعض الوقت بحيث اختص العجز بالفرد دون الطبيعة الواجبة فلا مناص من الإعادة حسبما عرفت آنفاً.

(4) لوضوح أهمية الوقت الموجبة لسقوط اعتبار الستر لدى المزاحمة.

____________

(1) المدارك 3: 200.

115

و أما لو علمت عتقها لكن كانت جاهلة بالحكم و هو وجوب الستر فالأحوط إعادتها [1] (1).

[مسألة 8: الصبية غير البالغة حكمها حكم الأمة في عدم وجوب ستر رأسها و رقبتها]

[1260] مسألة 8: الصبية غير البالغة حكمها حكم الأمة في عدم وجوب ستر رأسها و رقبتها (2).

____________

(1) بل هو الأقوى فيما إذا كان الجهل عن تقصير كما هو الغالب، لإطلاقات الستر بعد سلامتها عن دليل حاكم.

و أمّا إذا كان الجهل عن قصور فالأظهر هو الصحة، لحديث لا تعاد الحاكم عليها، بناءً على ما هو الصواب من شموله للجاهل القاصر و عدم اختصاصه بالناسي.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في عدم شمول الحديث للجاهل المقصّر، إذ لازمه تخصيص أدلّة الأجزاء و الشرائط بالعالم العامد، و لا سبيل للمصير إليه، فإنّه من حمل المطلق على الفرد النادر، فلا جرم كان خاصّاً بالقاصر، و نتيجته هو ما عرفت من التفصيل المزبور.

(2) بلا خلاف بل إجماعاً محققاً كما قيل، بل عن الفاضلين (1) و الشهيد (2) دعوى الإجماع عليه من علماء الإسلام و هو العمدة في المقام، و أمّا النصوص فلا تخلو عن الخدش.

فمنها: رواية أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: «إذا حاضت الجارية فلا تصلّي إلا بخمار» (3) دلّت بمقتضى المفهوم بعد وضوح أنّ الحيض كناية عن البلوغ على عدم لزوم الاختمار لغير البالغة، لكن السند ضعيف بأبي البختري، بل قيل إنّه أكذب البرية.

____________

[1] الظاهر عدم وجوبها إذا كان جهلها عن قصور.

____________

(1) المعتبر 2: 103، المنتهي 4: 274.

(2) الذكرى 3: 9.

(3) الوسائل 4: 408/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 13.

116

بناءً على المختار من صحة صلاتها و شرعيتها (1). و إذا بلغت في أثناء الصلاة فحالها حال الأمة المعتقة [1] في الأثناء (2) في وجوب المبادرة إلى الستر و البطلان

____________

و منها: رواية أبي بصير: «.. على الجارية إذا حاضت الصيام و الخمار ...» إلخ (1) بالتقريب المتقدم، و لكنها أيضاً ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة البطائني.

و منها: مرسلة الصدوق قال «و قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): ثمانية لا يقبل اللّٰه لهم صلاة: منهم المرأة المدركة تصلّي بغير خمار» (2) و رواها البرقي أيضاً مرسلًا (3) و ضعفها ظاهر.

و منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن يونس بن يعقوب: «... و لا يصلح للمرأة إذا حاضت إلا الخمار» (4) و هي ضعيفة أيضاً عند القوم بالحكم بن مسكين الواقع في الطريق، و إن كان ثقة عندنا لوجوده في أسناد كامل الزيارات (5).

فالعمدة في مستند المسألة ما عرفت من الإجماع و التسالم.

(1) و هو الأظهر على ما مرّ مراراً في مطاوي هذا الشرح، و أمّا على التمرينية فلا أمر شرعاً و لا عبادة حتى يتكلّم حول اعتبار شي‌ء فيها و عدمه، و إنّما هي صورة العبادة، فهي سالبة بانتفاء الموضوع، و لأجله خصّ الماتن عدم الوجوب بذاك المبنى. و لم يكن بصدد التحديد ليورد عليه بأنّ إلحاق الصبية بالأمة لا يتوقف على الشرعية كما لا يخفى.

(2) و قد عرفت منّا ما هو الحال فيها، فيجري هنا أيضاً لاتحاد الأدلّة في‌

____________

[1] مرّ حكمها آنفاً.

____________

(1) الوسائل 4: 409/ أبواب لباس المصلي ب 29 ح 3.

(2) الوسائل 4: 406/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 6، الفقيه 1: 36/ 131.

(3) المحاسن 1: 76/ 36 [و فيه: الجارية بدل المرأة].

(4) الوسائل 4: 405/ أبواب لباس المصلي ب 28 ح 4، الفقيه 1: 244/ 1082 [في المصدر: للحرّة بدل «للمرأة»].

(5) و لكنّها أيضاً ضعيفة، لعدم كون الرجل من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

117

مع عدمها إذا كانت عالمة بالبلوغ.

[مسألة 9: لا فرق في وجوب الستر و شرطيته بين أنواع الصلوات الواجبة و المستحبة]

[1261] مسألة 9: لا فرق في وجوب الستر و شرطيته بين أنواع الصلوات الواجبة و المستحبة (1) و يجب أيضاً في توابع الصلاة من قضاء الأجزاء المنسية (2) بل سجدتي السهو على الأحوط [1] (3).

نعم، لا يجب في صلاة الجنازة (4) و إن كان هو الأحوط فيها أيضاً، و كذا لا يجب في سجدة التلاوة و سجدة الشكر.

____________

البابين، فالبالغة في الأثناء لا تعتني بما سبق من الأجزاء على التمرينية، لكونها صورة عبادة لا حقيقتها كما عرفت آنفاً. و على الشرعية تصحّ صلاتها لو اتفق سترها حال البلوغ، لصحّة الأجزاء السابقة و اللاحقة كلّ على حسب الوظيفة الفعلية، و قس على ذلك بقية الصور فلاحظ.

(1) لإطلاق الأدلّة، مضافاً إلى عدم الخلاف، بل حكاية الإجماع عليه.

(2) فإنّها هي نفس الأجزاء الأصلية قد تغيّر ظرفها و تبدّل محلّها، فلا جرم يعتبر فيها جميع ما يعتبر فيها. و التعبير بالقضاء يراد به معناه اللغوي أعني مطلق الإتيان مع التغيير المزبور دون الاصطلاحي ليدّعى إمكان الفرق و أنّه لا يعتبر في القضاء ما يعتبر في الأداء، و إن كان ظاهر دليله الاتحاد أيضاً في جميع الخصوصيات ما عدا الوقت.

(3) و إن كان الأظهر عدم الوجوب، فإنّهما عمل مستقل شرّع لإرغام الشيطان الموقع للإنسان في السهو و النسيان، فمن الجائز أن لا يعتبر فيه ما يعتبر في أجزاء الصلاة، و حيث لا دليل على اعتبار الستر فيهما فيرجع إلى أصالة العدم.

(4) لأنها دعاء و تهليل و تكبير، و ليست من حقيقة الصلاة في شي‌ء، فلا يشملها ما دلّ على اعتبار شي‌ء في الصلاة، و حيث لم ينهض دليل على اعتبار‌

____________

[1] الأظهر عدم وجوب الستر فيهما.

118

[مسألة 10: يشترط ستر العورة في الطواف أيضاً]

[1262] مسألة 10: يشترط [1] ستر العورة في الطواف أيضاً (1).

____________

الستر فيها فيرجع إلى أصالة البراءة.

و منه يظهر الحال في سجدة التلاوة، كما و يرجع في سجدة الشكر إلى إطلاق الأدلّة.

(1) كما عن جماعة من القدماء و المتأخرين. و يستدل له بجملة من النصوص كلّها ضعيفة السند، فإنّ ستة منها منقولة عن تفسير العياشي (1) و طريقه إلى المعصوم (عليه السلام) مجهول بعد أن حذف المستنسخ أسناد الكتاب روماً للاختصار، مضمونها أنّه: و لا يطوفنّ بالبيت عريان.

و السابعة: ما رواه الصدوق في العلل بإسناد يشتمل على عدة من المجاهيل عن ابن عباس في حديث: «أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بعث علياً (عليه السلام) ينادي: لا يحج بعد هذا العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان ..» (2).

و الثامنة: ما رواه القمي في تفسيره عن أبيه عن محمد بن الفضيل (الفضل) عن الرضا (عليه السلام) قال «قال أمير المؤمنين: إنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أمرني عن اللّٰه أن لا يطوف بالبيت عريان ..» إلخ (3).

و هي أيضاً ضعيفة السند، من أجل تردد الراوي الأخير بين محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة و بين محمد بن الفضيل الأزدي، و لم يوثق. إذن فلا يمكن الاعتماد على شي‌ء من هذه الأخبار. و لعلّه يشير العلامة في المختلف بقوله: و الرواية بالاشتراط غير مسندة من طرقنا (4) يريد به أنّها لم تثبت من‌

____________

[1] على الأحوط لزوماً.

____________

(1) الوسائل 13: 400/ أبواب الطواف ب 53 ح 3 8، تفسير العياشي 2: 74.

(2) الوسائل 13: 400/ أبواب الطواف ب 53 ح 1، علل الشرائع: 190/ ب 150 ح 2.

(3) الوسائل 13: 400/ أبواب الطواف ب 53 ح 2، تفسير القمي 1: 282.

(4) لاحظ المختلف 4: 215 [فانّ قوله المذكور ذكره تعليقاً على الاستدلال بالنبوي الآتي «الطواف بالبيت صلاة»].

119

..........

____________

طريق معتبر.

و من الغريب ما عن كشف اللثام من أنّ الخبر يقرب من التواتر (1). فإنّه لم يبلغ حدّ الاستفاضة فضلًا عن التواتر، لما عرفت من أنّ ستة منها رواها شخص واحد و هو العياشي. و لنفرض أنّه رواها بأجمعها عن طريق صحيح فانّ غايتها أنّها معتبرة لا متواترة، إذ يشترط في التواتر تعدّد الرواة في كلّ طبقة كما لا يخفى.

على أنّها في أنفسها لا تخلو عن غرابة، حيث لم تذكر و لا واحدة منها في الجوامع الفقهية، فلم يذكرها المشايخ الثلاثة في شي‌ء من الكتب الأربعة، هذا بحسب السند.

و قد ناقش صاحب الجواهر (2) في دلالتها أيضاً بأنّ الطواف عارياً لا يلازم كشف العورة، فإنّ بينهما عموماً من وجه، فقد يطوف عارياً ساتراً لخصوص عورته، و قد يطوف لابساً مع كشفها، فالمنع الوارد في النص لا يكشف عن لزوم الستر.

ثم أجاب بما هو الصواب من أنّ المراد من العراء في هذه النصوص ستر (3) العورة للإجماع على صحة الطواف عارياً مع سترها. فلا قصور فيها من ناحية الدلالة، هذا.

و ربما يستدلّ لاعتبار الستر بما ورد من أن «الطواف بالبيت صلاة» (4) فيعتبر فيه ما يعتبر فيها و منه الستر.

و فيه: أنّ هذا الحديث نبوي، و لم يرد من طرقنا، فلا يمكن الاعتماد عليه.

نعم، يمكن الاستدلال لذلك بمصحح يونس بن يعقوب قال «قلت‌

____________

(1) كشف اللثام 5: 408.

(2) الجواهر 19: 278.

(3) كذا في الجواهر، لكن العبارة لا تخلو عن نوع من المسامحة كما لا يخفى.

(4) سنن البيهقي 5: 85، 87.

120

[مسألة 11: إذا بدت العورة كلا أو بعضاً لريح أو غفلة لم تبطل الصلاة]

[1263] مسألة 11: إذا بدت العورة كلا أو بعضاً لريح أو غفلة لم تبطل الصلاة (1)

____________

لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رأيت في ثوبي شيئاً من دم و أنا أطوف، قال: فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله، ثم عد فابن على طوافك» (1).

فإنّ الأمر بالعود مع فرض إطلاق الرواية بمقتضى ترك الاستفصال من حيث وجوب الطواف أو استحبابه، و كونه قبل تجاوز النصف أو بعده و وضوح عدم وجوب إتمامه حينئذ إرشاد إلى اشتراط الطواف بساتر طاهر كاشتراط الصلاة به، و قد ورد نظير هذا المضمون فيها أيضاً. و لا يحتمل أن يكون الأمر مولوياً، لعدم احتمال حرمة الصلاة أو الطواف مع الثوب النجس و إنّما هو إرشاد إلى الشرطية المزبورة، و مرجعها إلى اشتراط أمرين فيهما: أحدهما الثوب فلا تجوزان عارياً. و الثاني طهارته. فيظهر من ذلك أنّ الستر معتبر في الطواف و إلا لما أمره بالغسل تعييناً، بل خيّره بينه و بين الإتمام عارياً لإطلاق الرواية من جهة الناظر المحترم، و من جهة الليل الأظلم.

و بالجملة: فلا يبعد دلالتها على عدم جواز الطواف عرياناً بعد ان كان السند تاماً، إذ لا غمز فيه ما عدا اشتمال طريق الصدوق إلى يونس بن يعقوب على الحكم بن مسكين (2) و لكنّه ثقة على الأظهر لوجوده في أسناد كامل الزيارات (3). إذن فرعاية الستر أحوط لزوماً، فتدبر جيداً.

(1) يريد به بقرينة المقابلة ما لو علم بالبدوّ بعد الفراغ، و لا إشكال حينئذ في الصحة، لحديث لا تعاد، و لصحيحة علي بن جعفر المتقدمة (4)، فانّ المتيقّن منها هو هذه الصورة.

____________

(1) الوسائل 13: 399/ أبواب الطواف ب 52 ح 1.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 46.

(3) تقدّم أنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

(4) في ص 113.

121

لكن إن علم به في أثناء الصلاة وجبت المبادرة إلى سترها [1] و صحت أيضاً، و إن كان الأحوط الإعادة بعد الإتمام خصوصاً إذا احتاج سترها إلى زمان معتد به (1).

[مسألة 12: إذا نسي ستر العورة ابتداءً أو بعد التكشّف في الأثناء]

[1264] مسألة 12: إذا نسي ستر العورة ابتداءً أو بعد التكشّف في الأثناء فالأقوى صحة الصلاة (2) و ان كان الأحوط الإعادة، و كذا لو تركه من أول الصلاة أو في الأثناء غفلة. و الجاهل بالحكم كالعامد على الأحوط.

____________

(1) أمّا إذا كانت العورة المعلوم كشفها مستورة حال العلم فلا ينبغي الإشكال في الصحة أيضاً، لما عرفت من حديث لا تعاد و الصحيحة المزبورة التي لا قصور في شمول إطلاقها لهذه الصورة كما سبق (1).

و أمّا إذا كانت مكشوفة في هذه الحالة فالظاهر البطلان، سواء احتاج الستر إلى زمان طويل أم قصير، مع فعل المنافي أم بدونه، إذ الحديث لا يشمل صورة العلم و العمد، كما أنّ الصحيح منصرف عنها أو قاصر الشمول لها على ما تقدّم و معه لا مناص من البطلان، للإخلال بالستر المعتبر حتّى في الأكوان المتخلّلة بمقتضى إطلاق الأدلّة. و من ثم يحكم بلزوم المبادرة لو التزمنا بالصحة، نعم يحكم بها عند ضيق الوقت لأهميته الموجبة لسقوط اعتبار الستر حينئذ، و قد تقدّم في الأمة المعتقة في الأثناء ما ينفع المقام فلاحظ (2).

(2) يظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في المسألة السابقة، ففي صورة النسيان أو الغفلة إذا كان حال الالتفات ساتراً للعورة صحت صلاته، لحديث لا تعاد و لصحيح ابن جعفر، لكونها المتيقّن منهما كما لا يخفى، دون ما إذا كان كاشفاً لها و لو آناً ما، إذ الحديث لا يشمل الإخلال العمدي، كما أنّ الصحيح‌

____________

[1] الظاهر بطلان الصلاة مع العلم به في الأثناء، و الأحوط الإتمام ثم الإعادة، و منه يظهر الحال في المسألة الآتية.

____________

(1) في ص 113.

(2) ص 111 فما بعدها.

122

[مسألة 13: يجب الستر من جميع الجوانب بحيث لو كان هناك ناظر لم يرها]

[1265] مسألة 13: يجب الستر من جميع الجوانب بحيث لو كان هناك ناظر لم يرها إلا من جهة التحت فلا يجب (1). نعم إذا كان واقفاً على طرف سطح أو على شباك بحيث ترى عورته لو كان هناك ناظر فالأقوى و الأحوط وجوب الستر من تحت أيضاً (2).

بخلاف ما إذا كان واقفاً على طرف بئر، و الفرق من حيث عدم تعارف وجود الناظر في البئر فيصدق الستر عرفاً و أما الواقف على طرف السطح لا يصدق عليه الستر إذا كان بحيث يرى، فلو لم يستر من جهة التحت بطلت صلاته و إن لم يكن هناك ناظر، فالمدار على الصدق العرفي و مقتضاه ما ذكرنا.

____________

منصرف عن ذلك على ما تقدم.

و أمّا في صورة الجهل بالحكم فان كان عن قصور فكذلك، بناءً على ما هو الصواب من شمول الحديث له، و أمّا إن كان عن تقصير و هو الغالب فحيث إنّه غير مشمول للحديث كما أنّه خارج عن مورد الصحيح فهو في حكم العامد، و لا مناص له من الإعادة.

(1) كما يقتضيه الاقتصار في لسان الأخبار على لبس القميص و الدرع و نحوهما مما لا يكاد يستر من جانب التحت، و عدم الإشارة في شي‌ء منها إلى لبس السروال و نحوه، فإنّه خير دليل على عدم لزوم الستر مما عدا الجوانب الأربعة، مضافاً إلى أنّ الحكم مورد للاتفاق و الإجماع لولا الضرورة.

(2) فإنّ قصر النظر على ما احتوته الأدلّة اللفظية و إن كان مقتضاه الاكتفاء بالجوانب الأربعة على سبيل الإطلاق إلا أنّ إمعان النظر في العلة الباعثة على إيجاب الستر من التجنب عن انتهاك الحرمة و عدم كون المصلي على حالة سيئة ذميمة لعلّه يشرف الفقيه و لو بمناسبة الحكم و الموضوع على القطع بعدم الفرق بينها و بين التحت فيما إذا كان معرضاً للنظر، كما لو وقف على سطح مخرم أو شباك أو على طرف السطح، للاشتراك وقتئذ في مناط الحكم، فلا بدّ من رعاية الستر حينئذ حتى من جانب التحت.

123

[مسألة 14: هل يجب الستر عن نفسه بمعنى أن يكون بحيث لا يرى نفسه أيضاً أم المدار على الغير]

[1266] مسألة 14: هل يجب الستر عن نفسه بمعنى أن يكون بحيث لا يرى نفسه أيضاً أم المدار على الغير؟ قولان الأحوط الأول، و إن كان الثاني لا يخلو عن قوة (1)

____________

و لا ينافيه الاكتفاء في النصوص على القميص، لكونها ناظرة إلى ما هو الغالب المتعارف من وقوف المصلّي على أرض غير مثقوبة و سليمة عن المعرضية للنظر من جانب التحت. أمّا غير السليمة فحالها حال سائر الجوانب في لزوم مراعاة الستر و إن لم يكن ناظر بالفعل، للوجه الذي عرفته و إن لم يكن النصّ شاملًا لها.

نعم، إذا كانت الأرض مع ثقبها سليمة عن المعرضية كالصلاة على شفير البئر حيث إنّ خصوصية البئر مانعة في حدّ طبعها عن وجود الناظر لم يجب الستر حينئذ (1).

و بالجملة: فالعبرة بالمعرضية، و المدار على الصدق العرفي، و مقتضاه ما عرفت. و هو المحكي عن غير واحد منهم العلامة في التذكرة (2) و النهاية (3). فما عن الشهيد في الذكرى من الترديد في الصحة في الواقف على طرف السطح و الجزم بها في القائم على مخرم (4) غير واضح، لما عرفت من أنّ العبرة بالمعرضية المشتركة بين الموردين و المنفيّة عن مثل البئر فلاحظ.

(1) لانصراف النص و الفتوى إلى التستر بلحاظ الغير، و قصورهما عن‌

____________

(1) و الإشكال عليه كما في المستمسك [5: 272] بأنّ لازمه جواز الصلاة عارياً في الحفيرة التي يساوي فراغها بدن المصلي، مدفوع بمنع الملازمة، لمانعية العراء في نفسه بعد دلالة النصوص على لزوم لبس الساتر سواء أ كان بالفعل ناظر أم لا، و لا عراء في محل الكلام، غايته عدم الحاجة إلى الستر في بعض الصور دون بعض لفارق ظاهر حسبما عرفت.

(2) التذكرة 2: 462.

(3) نهاية الاحكام 1: 372.

(4) الذكرى 3: 20.

124

فلو صلى في ثوب واسع الجيب بحيث يرى عورة نفسه عند الركوع لم تبطل (1) على ما ذكرنا [1] و الأحوط البطلان، هذا إذا لم يكن بحيث قد يراها غيره أيضاً و إلا فلا إشكال في البطلان.

[مسألة 15: هل اللازم أن تكون ساتريته في جميع الأحوال حاصلًا من أول الصلاة إلى آخرها]

[1267] مسألة 15: هل اللازم أن تكون ساتريته في جميع الأحوال حاصلًا من أول الصلاة إلى آخرها أو يكفي الستر بالنسبة إلى كل حالة عند تحققها؟ مثلًا إذا كان ثوبه مما يستر حال القيام لا حال الركوع فهل تبطل الصلاة فيه و إن كان في حال الركوع يجعله على وجه يكون ساتراً أو يتستر عنده بساتر آخر، أو لا تبطل؟ وجهان، أقواهما الثاني (2) و أحوطهما الأول، و على ما ذكرنا فلو كان ثوبه مخرقاً بحيث تنكشف عورته في بعض الأحوال لم يضر إذا سدّ ذلك الخرق في تلك الحالة بجمعة أو بنحو آخر،

____________

الشمول لنفسه، فلا مانع من الصلاة في كيس ساتر لجميع بدنه عن الناظر المحترم و إن رأى بنفسه عورته فيه، إذ لا دليل على اعتبار التستر بلحاظ نفسه كما عرفت، فالكبرى مما لا ينبغي الإشكال فيها، و إنّما الكلام في الصغرى أعني المثال الذي فرّعه عليها و ستعرف الحال فيها.

(1) هذا التفريع غير واضح، إذ العبرة في المعرضية الممنوعة بإمكان النظر لا بفعليته، و في مفروض المثال تكون العورة في معرض نظر الغير أيضاً فيما لو أنزل رأسه ليتكلّم مع المصلّي، فإنّه يراها حينئذ من طرف الجيب الواسع كما يراها المصلي نفسه، لاتحاد النسبة و مساواتهما في مناط المعرضية كما لعله ظاهر.

فالصحيح: أنّ هذا المثال مندرج في الفرض الأخير أعني ما إذا كان بحيث يراها الغير أيضاً الذي جزم فيه بالبطلان.

(2) إذ لا يستفاد من الأدلّة أكثر من رعاية الستر في حالات الصلاة‌

____________

[1] الظاهر البطلان في المثال، و لعل الوجه فيه ظاهر.

125

و لو بيده على إشكال في الستر بها [1] (1).

[مسألة 16: الستر الواجب في نفسه من حيث حرمة النظر يحصل بكل ما يمنع عن النظر]

[1268] مسألة 16: الستر الواجب في نفسه من حيث حرمة النظر يحصل بكل ما يمنع عن النظر (2) و لو كان بيده أو يد زوجته أو أمته، كما أنّه يكفي ستر الدبر بالأليتين (3) و أما الستر الصلاتي فلا يكفي فيه ذلك و لو حال الاضطرار، بل لا يجزئ الستر بالطلي بالطين أيضاً حال الاختيار، نعم يجزئ حال الاضطرار على الأقوى، و إن كان الأحوط خلافه، و أمّا الستر بالورق و الحشيش فالأقوى جوازه حتى حال الاختيار (4)

____________

الفعلية. و عدم التستر على تقدير غير واقع غير قادح بعد فرض حصول الستر في جميع تلك الحالات.

و على الجملة: الذي اقتضته الأدلّة لزوم عدم وقوع شي‌ء من أجزاء الصلاة في حالة كونه مكشوف العورة، و هو حاصل في مفروض المسألة، و لا تكاد تدلّ على شي‌ء أكثر من ذلك.

(1) أظهره عدم الكفاية، إذ المستفاد من الأدلّة اعتبار كون الساتر الصلاتي من اللباس، و لا يكفي غيره. فالستر باليد و لو في بعض الأحوال غير مسقط للتكليف.

(2) بلا خلاف فيه و لا إشكال. و يقتضيه إطلاق الأدلّة، من غير خصوصية لساتر خاص بعد وضوح أنّ الغاية من التستر المنع عن وقوع النظر، فيحصل بكلّ ما منع و كيف ما تحقق، و هذا واضح.

(3) لاختصاص العورة به و عدم كونهما منها فيصلحان للستر، و قد عرفت آنفاً الاكتفاء بكلّ ساتر، مع أنّه مورد للنصّ و إن كان ضعيفاً (1).

(4) يقع الكلام تارة فيما يقتضيه الأصل العملي عند الشك في اعتبار‌

____________

[1] الظاهر عدم كفاية الستر باليد.

____________

(1) الوسائل 2: 34/ أبواب آداب الحمام ب 4 ح 2، 3.

126

..........

____________

خصوصية في الساتر الصلاتي، و أُخرى فيما يقتضيه الدليل الاجتهادي، فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فلا ينبغي التأمل في أنّ مقتضى الأصل هو البراءة عن اعتبار الخصوصيات المشكوكة في الساتر زائداً على اعتبار أصل الستر المعلوم رعايته في الصلاة، بناءً على ما هو الصواب من الرجوع إليها عند الشك في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و لكنّه ربما يفصّل في المقام بين ما إذا كان الشك في اعتبار هيئة خاصة في الساتر بعد الفراغ عن كفاية الستر بمادته كاحتمال اعتبار النسج في الصوف أو القطن أو الوبر و ما شاكلها مما له قابلية النسج و اللبس فالمرجع حينئذ أصالة البراءة، للشك في الشرطية، فتدفع الخصوصية الزائدة المشكوكة بها. و بين ما إذا كان الشك في كفاية أصل المادة في تحقق الستر المأمور به، كالشك في الاجتزاء بالتستر بالطين أو النورة أو الحناء و نحوها من المواد التي يحتمل اعتبار خصوصية في المأمور به و هي القابلية للبس غير منطبقة عليها، فانّ المقام حينئذ من مصاديق الدوران بين التعيين و التخيير، للشك في أنّ الساتر المزبور هل هو مقيّد بذلك تعييناً، أو أنّ المكلّف مخيّر بينه و بين الفاقد لتلك القابلية. و المرجع في مثل ذلك قاعدة الاشتغال.

و يندفع: بأنّ المرجع في الصورة الثانية أيضاً هو البراءة كالأُولى، إذ الخصوصية التي يحتمل معها التعيين مشكوكة تدفع بالأصل، على ما هو الشأن في كل مسألة فرعية دار الأمر فيها بينه و بين التخيير، فانّ المتيقّن من التكليف إنّما هو الطبيعي الجامع المردد بينهما، و الخصوصية المشكوكة مدفوعة بأصالة البراءة. و نتيجة ذلك هو البناء على التخيير، كما هو الحال في الأقل و الأكثر الارتباطيين، بل إنّ أحدهما عين الآخر، و لا فرق إلا في مجرد التعبير كما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح غير مرة.

و أمّا المقام الثاني: فالكلام فيه تارة في حال الاختيار، و أُخرى عند‌

127

..........

____________

الاضطرار، فهنا موضعان:

أمّا الموضع الأوّل: فقد دلّت جملة من النصوص على اعتبار كون الساتر لباساً من ثوب أو قميص و نحوهما.

منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه دم، يصلّي فيه أو يصلّي عرياناً؟ قال: إن وجد ماءً غسله، و إن لم يجد ماء صلى فيه، و لم يصلّ عرياناً» (1) دلّت على حكمين:

أحدهما: لزوم الصلاة في الثوب الطاهر لدى التمكن منه.

ثانيهما: إن لم يجده صلى في الثوب النجس و لا يصلي عرياناً.

و الحكم الثاني و إن كان معارضاً بنصوص أُخر دلت على أنّه يصلي حينئذ عارياً، بل هو المشهور، لكن الحكم الأوّل الذي هو محلّ الاستشهاد لا معارض له كما لا خلاف فيه و لا إشكال. و من الواضح أنّ ستر العورة بغير المنسوج من الصوف أو القطن أو الحشيش لا يصدق عليه لبس الثوب، بل هو بعد عارٍ و إن كانت عورته مستورة، فانّ العاري في مقابل اللابس، و حيث لم يكن لابساً بالوجدان فهو طبعاً مصداق للعاري، و قد منع في الصحيحة عن الصلاة كذلك مع التمكّن من الثوب الطاهر.

و منها: النصوص التي دلّت على أنّ أدنى ما يصلي فيه الرجل قميص أو المرأة درع و ملحفة أو خمار و مقنعة و ما شاكل ذلك (2)، فانّ المستفاد من مجموعها لزوم لبس ما يصدق عليه اللباس في الصلاة.

نعم، لا خصوصية لهذه العناوين، فلو صلّت المرأة في ثوب واحد طويل ساتر لجميع بدنها عدا ما استثني، أو الرجل في مئزر و نحوه ممّا يستر به سوءته صحت صلاتهما. إلا أنّ الساتر مهما كان يلزم أن يكون من سنخ اللباس‌

____________

(1) الوسائل 3: 484/ أبواب النجاسات ب 45 ح 5.

(2) الوسائل 4: 389/ أبواب لباس المصلي ب 22 ح 1، 2، 405/ ب 28.

128

..........

____________

ضرورة أنّ إلغاء هذه الخصوصية و عدم رعاية الملبوسية لكي يكتفى بالحشيش أو الصوف و القطن غير المنسوجين مخالف لظواهر هذه النصوص جدّاً، فلا يمكن رفع اليد عنها بوجه.

و مما يؤكّد ذلك صحيحة أُخرى لعلي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عرياناً و حضرت الصلاة كيف يصلّي؟ قال: إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتم صلاته بالركوع و السجود، و إن لم يصب شيئاً يستر به عورته أومأ و هو قائم» (1).

حيث يظهر منها بوضوح أنّ المرتكز في ذهن السائل أنّه لو كان متاعه عنده و المتيقّن منه لباسه الذي بفقده أصبح عرياناً لزمته الصلاة لابساً، بحيث كأنّه أمر مفروغ عنه، و لذا سأل عن حكم صورة الاضطرار و العجز عن اللباس، و قد أقرّه الإمام (عليه السلام) على ذلك، و من ثم لم يتعرض في الجواب إلا لحكم هذه الصورة. فيكون ذاك الارتكاز بضميمة التقرير كاشفاً عن اعتبار اللباس في حال الاختيار.

و يؤيّده ما رواه الحميري بسنده عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) أنه قال: «من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلّي حتى يخاف ذهاب الوقت، يبتغي ثياباً، فان لم يجد صلّى عرياناً جالساً» (2) فإنّ الستر بالحشيش و نحوه مما لا يلبس لو كان كافياً و كان في عرض الستر باللباس لما كان وجه للأمر بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت و أنّه بعد اليأس من الثوب يصليها عارياً، بل له ذلك من أوّل الوقت مع ستر عورته بالحشيش و نحوه. لكن السند ضعيف (3) بأبي البختري فلا تصلح إلا للتأييد.

____________

(1) الوسائل 4: 448/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 1.

(2) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 52 ح 1، قرب الإسناد: 142/ 511.

(3) و كذلك الدلالة عند المشهور، حيث يحملون كلمة «لا ينبغي» على الكراهة.

129

لكن الأحوط الاقتصار على حال الاضطرار [1] (1) و كذا يجزئ مثل القطن و الصوف غير المنسوجين و إن كان الأولى المنسوج منهما أو من غيرهما مما يكون من الألبسة المتعارفة.

____________

و المتحصّل: أنّ المستفاد من الأدلّة أنّه في حال الاختيار لا يكفي التستر إلا بالثوب و نحوه مما كان من سنخ الملبوس، و لا يجزئ غير اللباس من صوف أو قطن غير منسوجين فضلًا عن مثل الحشيش.

و أمّا الموضع الثاني: فالظاهر جواز التستر بتلك الأُمور من القطن و الصوف و الحشيش و نحوها في حالة الاضطرار و عدم التمكن من اللباس، و ذلك لصحيحة علي بن جعفر الثانية المتقدّمة (1)، حيث رخص (عليه السلام) الستر بالحشيش لمن كان عاجزاً عن اللباس، فيظهر أنّه في طوله لا عرضه، و أنّه مع التمكن منه يتستر به و لا يصلي عارياً.

كما يظهر من قوله (عليه السلام): «و إن لم يصب شيئاً يستر به ...» إلخ أنّ الحشيش لا خصوصية له، بل العبرة بمطلق الساتر للعورة من قطن أو صوف أو طين و نحو ذلك، و أنّه مع التمكن منه يتعين و لا تنتقل الوظيفة إلى الصلاة عارياً إلا لدى العجز عن ذلك أيضاً. فهناك مراحل ثلاث طوليّة: التستر باللباس أولًا، ثم بمطلق الساتر، ثم الصلاة عارياً.

(1) بل قد عرفت أنّ الأظهر ذلك في الحشيش و شبهه من الصوف و نحوه، و أمّا الطين فتحقق الستر به مشكل، و لكنّه على تقدير التحقق يكفي أيضاً، لإطلاق الصحيحة المزبورة.

____________

[1] بل الأظهر ذلك في الحشيش و ما أشبهه من الصوف و القطن و نحوهما.

____________

(1) في ص 128.

130

[فصل في شرائط لباس المصلي]

فصل في شرائط لباس المصلي و هي أمور:

[الأوّل: الطهارة في جميع لباسه]

الأوّل: الطهارة في جميع لباسه عدا ما لا تتم فيه الصلاة منفرداً، بل و كذا في محمولة، على ما عرفت تفصيله في باب الطهارة (1).

[الثاني: الإباحة]

الثاني: الإباحة [1] (2) و هي أيضاً شرط في جميع لباسه (3).

____________

(1) قد عرفت ما يصحّ الاستدلال به فلاحظ (1).

(2) أي إباحة التصرف في اللباس مقابل حرمته، سواء أ كان منشأ الحرمة هو الغصب أم غيره، كما لو اشترى الثوب بمعاملة فاسدة، أو وصل إليه بقمار و نحوه، أو كان متعلقاً لحق الغير كما ستعرف (2).

(3) و يستدلّ له بوجوه:

أحدها: الإجماع، الذي ادّعاه غير واحد.

و فيه: أنّه لا عبرة به، و لا سيما بعد استناد أكثر المجمعين إلى الوجوه الآتية. فلم يكن إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام).

ثانيها: قاعدة الاشتغال، بعد أن لم يكن دليل على الصحة بدونها.

و فيه: أن المرجع في أمثال المقام من موارد الدوران بين الأقلّ و الأكثر‌

____________

[1] على الأحوط في غير الساتر و في المحمول، و لا يبعد عدم الاشتراط فيهما.

____________

(1) شرح العروة 3: 235، 428، 436.

(2) يأتي في ص 137.

131

..........

____________

الارتباطي هو البراءة كما حقّق في محلّه (1).

ثالثها: رواية تحف العقول عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لكميل قال: «يا كميل انظر فيما تصلي و على ما تصلي، إن لم يكن من وجهه و حلّه فلا قبول» (2).

و فيه: مضافاً إلى ضعف السند، أنّ عدم القبول أعم من الفساد.

رابعها: مرسلة الصدوق التي أسندها في الكافي عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لو أنّ الناس أخذوا ما أمرهم اللّٰه فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم، و لو أخذوا ما نهاهم اللّٰه عنه فأنفقوه فيما أمرهم اللّٰه به ما قبله منهم» (3).

و فيه: مضافاً إلى ضعف السند في الطريقين، و إلى ما سمعت من الأعمية، أنّ الإنفاق الوارد فيها ظاهر في غير ما نحن فيه كما لا يخفى.

خامسها: أنّ الحركات الصلاتية من القيام و القعود و الركوع و السجود مصداق للتصرف في المغصوب و متحدة معه فتحرم، و بما أنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب و محقّقاً للعبادة، لامتناع التقرب بالمبغوض فتفسد أيضاً بطبيعة الحال.

و فيه أوّلًا: أنّ مصداق العبادة هو نفس الهيئات الخاصة، و أمّا الحركات فهي من سنخ المبادئ و المقدمات. فالهيئة الركوعية المتحصّلة من الانحناء الكذائي هي حقيقة الركوع بالذات، فهي المأمور به دون الانحناء نفسه، و هكذا السجود و نحوه فلا اتحاد بين المتعلّقين بعد كونهما من مقولتين مختلفتين إحداهما الوضع و الأُخرى مقولة الفعل.

و ثانياً: مع التسليم و البناء على أنّ الحركات بأنفسها هي الأجزاء دون‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 426.

(2) الوسائل 5: 119/ أبواب مكان المصلي ب 2 ح 2، تحف العقول: 174.

(3) الوسائل 5: 119/ أبواب مكان المصلي ب 2 ح 1، الفقيه 2: 31/ 121، الكافي 4: 32/ 4.

132

..........

____________

الهيئات فلا ينبغي الشك في تغايرها مع الحركات الغصبية، لقيام هذه بالبدن و تلك بالمغصوب. و من الضروري أنّ تباينها يستوجب تباين الحركات القائمة بهما، غاية الأمر أنّ إحدى الحركتين علّة لحصول الأُخرى، نظير حركة اليد بالإضافة إلى حركة المفتاح. إذن فلم تكن إحداهما عين الأُخرى ليكون المقام من صغريات مسألة الاجتماع.

سادسها: أنّ اللباس المغصوب محكوم بوجوب الإبانة و النزع و ردّه إلى مالكه، و من البيّن انّ الأمر بالنزع أمر بالإبطال، فكيف يجتمع مع الأمر بضدّه و هو الصلاة المشروطة باللبس، فإنّه لا يصححه حتى الترتب، إذ لا معنى للأمر بالإبطال و بعدمه على نحو الترتب كما لا يخفى، و هذا الوجه يختص بالساتر.

و فيه أوّلًا: أنّ الأمر بالنزع أمر بإيجاد ذات المبطل لا بنفس الإبطال و بينهما فرق واضح، فلا مانع من الأمر بالصلاة مترتباً على عدم الإتيان بالمبطل.

و ثانياً: مع التسليم فالمأمور به هو الإبطال الخاص لا مطلق الإبطال كي لا يمكن الأمر بضده على سبيل الترتب، فيقال له: أبطل صلاتك بنزع ثوبك و إلا فأتمها.

سابعها: أنّ النهي عن الغصب و إن لم يكن بنفسه موجباً لفساد العبادة نظراً إلى أنّ الشرط بعد أن لم يكن بنفسه عبادة، و إنّما العبادي تقيّد الصلاة به، حيث إنّه جزء منها لا ذات القيد لخروجه عنها، فلا جرم كان الأمر به توصلياً مقدمة لحصول التقيّد المزبور، فلا مانع من اتصافه بالحرمة، من غير فرق في ذلك بين الشرائط المتقدمة و المقارنة. إلا أنّه في خصوص الشرط المقارن يفهم العرف من ضم دليل النهي إلى [دليل] الشرط اختصاصه بغير الفرد المنهي عنه، فاذا ورد الأمر بالصلاة المشروطة باللباس و ورد النهي عن التصرف في لباس خاص كان المتفاهم العرفي بعد ضم أحد الدليلين إلى الآخر تقيّد إطلاق الأمر بغير مورد النهي. و نتيجة ذلك اختصاص المأمور به باللباس المباح، فالمقرون بغيره لم يكن مصداقاً للمأمور به.

133

من غير فرق بين الساتر و غيره و كذا في محمولة (1).

____________

و فيه: أنّ هذا إنّما يتجه فيما إذا كان الشرط هو اللباس في نفسه، و ليس كذلك، بل الشرط حسبما يستفاد من النصوص هو التستر الحاصل من اللباس كي لا يكون عارياً، فيكون اللبس مقدّمة لتحصيل ما هو الشرط، فلم يكن النهي متعلقاً ببعض ما اعتبر شرطاً كي يكون ضمه إلى دليل الأمر موجباً لتقييد الإطلاق حسبما أُفيد.

على أنّ هذا الوجه لو تمّ لاختص بالساتر، و لا يشمل مطلق الملبوس.

و المتحصّل من جميع ما تقدّم: أنّ الوجوه المستدل بها للإباحة كلّها مخدوشة و غير ناهضة للركون إليها، و مقتضى الصناعة عدم اعتبارها في اللباس، من غير فرق بين الساتر و غيره، و الملبوس و المحمول و المتحرك بحركة المصلّي و غير المتحرّك، و إن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه، لمكان الإجماعات المتكررة دعواها في كلمات الأصحاب و لا سيما في الساتر، حيث إن جمّا غفيراً منهم خصوا الاعتبار به، و قد عرفت اختصاص بعض الوجوه المتقدمة (1) به، بل يظهر منهم التسالم عليه، حيث لم يعلم مخالف صريح من قدماء الأصحاب عدا ما نسبه الكليني إلى الفضل بن شاذان (2). و هذا هو الذي يمنعنا عن الجزم بالصحة في الساتر. و من ثم كان الاحتياط فيه أشدّ و آكد.

فالنتيجة: هو التفصيل بين الساتر فالأحوط وجوباً (3) إباحته، و بين غيره من الملبوس و المحمول فالأقوى عدم الاعتبار و إن كان رعاية الاحتياط أولى.

(1) لاشتراك مناط البحث في الجميع، و قد عرفت أنّ الأظهر عدم الاعتبار فيما عدا الساتر بالفعل فلاحظ.

____________

(1) [و هو الوجه السادس و السابع].

(2) الكافي 6: 94.

(3) و لكن يظهر من تعليقته الشريفة (دام ظلّه) الفتوى بذلك، و لم يتّضح وجهه.

134

فلو صلّى في المغصوب و لو كان خيطاً منه (1) عالماً بالحرمة عامداً بطلت و إن كان جاهلًا بكونه مفسداً (2)، بل الأحوط البطلان مع الجهل بالحرمة أيضاً و إن كان الحكم بالصحة لا يخلو عن قوة [1] (3). و أمّا مع النسيان أو الجهل بالغصبية فصحيحة (4).

____________

(1) لإطلاق دليل حرمة التصرف في الغصب.

(2) بعد البناء على اعتبار الإباحة إمّا مطلقاً أو في خصوص اللباس أو في خصوص الساتر على سبيل الفتوى أو الاحتياط الوجوبي تأتي التفريعات المذكورة في المتن، التي منها الحكم بالبطلان في صورة العلم و العمد و إن كان جاهلًا بالمفسدية، إذ المناط في البطلان هو المبغوضية الناشئة من العلم بموضوع الغصب و بحرمته الثابتة على تقديري العلم بالمفسدية و الجهل بها، ضرورة عدم ارتفاعها بالجهل المزبور، و لأجله لا يكون البطلان منوطاً بالعلم بالفساد.

(3) و لكن الأظهر هو الجري على ما تقتضيه القاعدة من التفصيل بين القاصر و المقصّر، فيلحق الثاني بالعالم، لاشتراكه معه في صدور الفعل عنه على صفة المبغوضية المقتضية لاستحقاق العقوبة و المسقطة له عن صلاحية المقربية و المانعة عن صيرورته مصداقاً للواجب. و من البيّن أنّ حديث لا تعاد على القول بشموله للجاهل كما هو الصواب خاص بالقاصر، و لا يكاد يشمل المقصّر حسبما هو موضّح في محلّه (1).

و هذا بخلاف الأوّل، إذ بعد كونه معذوراً في جهله لا يجري فيه شي‌ء مما ذكر، و قد عرفت أنّه مشمول للحديث.

(4) أمّا الجاهل بموضوع الغصب سواء تسبب عن الجهل بحكم آخر كما لو اعتقد أنّ الكتاب من الحبوة، أو أنّ العقد الكذائي مملّك فاشترى به ثوباً و صلّى فيه، أو عن شبهة موضوعية، فلا ينبغي الشك في الصحة، لعدم صدور الفعل‌

____________

[1] الأقوى جريان حكم العالم على الجاهل عن تقصير.

____________

(1) شرح العروة 1: 271 فما بعد.

135

..........

____________

منه على صفة المبغوضية بوجه لتمنع عن انطباق الواجب عليه، و هذا ظاهر.

و أمّا الناسي فقد تقدّم في كتاب الطهارة عند التكلم حول اعتبار الإباحة في ماء الوضوء (1) و الغسل (2) أنّ المتجه هو التفصيل بين الغاصب و غيره، فيبطل في الأوّل نظراً إلى أنّه في حال النسيان و إن لم يكن مكلفاً بشي‌ء، لامتناع توجيه الخطاب إليه، إلا أنّه لما كان منتهياً إلى سوء اختياره و كان التكليف متنجزاً في حقه قبل نسيانه كان ذلك مصححاً لاستحقاق العقوبة، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و إن نافاه خطاباً، فحيث إنّه كان مسبّباً عن تقصيره و سوء تصرّفه فلا جرم لم يكن معذوراً في عمله، بل كان صادراً منه على صفة المبغوضية، و مثله لا يكون مقرباً، فلا يقع مصداقاً للواجب.

و هذا بخلاف غير الغاصب، فانّ مقتضى حديث الرفع الذي هو رفع واقعي في غير «ما لا يعلمون» تخصيص حرمة الغصب بغير الناسي فلا حرمة فيه، كما لا مبغوضية حتى واقعاً لتكون مانعاً عن صلاحية التقرب و صيرورته مصداقاً للواجب، فلا مانع من صحته.

و منه تعرف أنّه لا مجال للتمسّك بالحديث في القسم الأوّل أعني الناسي الغاصب إذ هو بمناط المنّة على نوع الأُمة، و لا امتنان على النوع في الرفع عن الغاصب كما هو ظاهر.

و بالجملة: فالتفصيل المزبور متّجه في ذاك المورد و نحوه مما يكون يتحد فيه الغصب مع العبادة و ينطبق أحدهما على الآخر، و لا يكاد ينسحب إلى المقام بعد ما عرفت من عدم الاتحاد، و تغاير متعلّق النهي مع ما تعلّق به الأمر.

نعم، ينسحب على مبنى من يرى اعتبار الإباحة في اللباس استناداً إلى اتحاد الحركات الصلاتية مع الحركات الغصبية كما هو أحد الوجوه في المسألة (3)

____________

(1) شرح العروة 5: 321.

(2) شرح العروة 6: 412، و أيضاً ذكره في 9: 57.

(3) [و هو الوجه الخامس].

136

و الظاهر عدم الفرق بين كون المصلي الناسي هو الغاصب أو غيره (1) لكن الأحوط الإعادة بالنسبة إلى الغاصب، خصوصاً إذا كان بحيث لا يبالي على فرض تذكره أيضاً.

____________

حسبما تقدم. و قد عرفت ما فيه.

و عليه فالناسي للغصب إن لم يكن هو الغاصب فلم يصدر منه أيّ محرم حتى واقعاً بمقتضى حديث الرفع، فلا خلل في صلاته بوجه، و إن كان هو الغاصب فالفعل و إن صدر منه مبغوضاً و مستحقاً للعقاب إلا أنّ غاية ما في الباب الإخلال بالشرط أعني الستر فكأنّه صلّى عارياً ناسياً، إذ لا يزيد عليه بشي‌ء، و مثله محكوم بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد. فالأقوى وفاقاً للمتن هو الحكم بالصحة في كلتا الصورتين (1) بمناطين حسبما عرفت.

(1) كما عرفت الحال في ذلك.

____________

(1) هكذا أفاده (دام ظله) في بحثه الشريف، و لكنّه عدل عنه في الطبعة الأخيرة من تعليقته الأنيقة و حكم بالبطلان في الصورة الثانية [لاحظ التعليقة فإنها موافقة لما ذكره هنا] نظراً إلى أنّ الإخلال لو كان من ناحية الشرط فقط لتمّ ما أُفيد، إلا أنّ هناك جهة أُخرى للفساد و هي الصدور على صفة المبغوضية الموجبة للالتحاق بالعالم العامد كالتحاق الجاهل المقصّر به. و من البيّن أنّ الحديث لا يتكفّل لرفع هذه النقيصة، إذ لا يوجب قلب المبغوض إلى المحبوب، و لا جعل الحرام الواقعي مصداقاً للواجب كما لا يخفى.

و بعبارة اخرى: الحديث ناظر إلى نسيان يكون المصلّي معذوراً فيه فلا يشمل المقام، و معه لا مناص من البطلان.

أقول: هكذا أفاده (دام ظله) في وجه العدول، و لقائل أن يقول: إما أنّ المبغوضية مانعة أو أنّ المقربية شرط زائداً على الستر، و مهما كان الأمر فهذه اعتبارات ملحوظة في الصلاة يكون الإخلال بها كغيرها مما عدا الخمسة مشمولًا لإطلاق الحديث المتكفّل للتصحيح من كل خلل ما عداها، و أمّا تقييد النسيان بما كان عن عذر فيدفعه إطلاق الحديث أيضاً. و قياسه بالجاهل المقصر مع الفارق، إذ الحديث غير قاصر الشمول له في حدّ نفسه، و إنّما خرج عنه لقرينة خارجية مفقودة في المقام، و هي لزوم حمل الإعادة في جواب أسئلة الرواة على الفرد النادر و هو العالم العامد حسبما أفاده (دام ظله) غير مرّة.

137

[مسألة 1: لا فرق في الغصب بين أن يكون من جهة كون عينه للغير أو كون منفعته له]

[1269] مسألة 1: لا فرق في الغصب بين أن يكون من جهة كون عينه للغير أو كون منفعته له، بل و كذا لو تعلق به حق الغير بأن يكون مرهوناً (1).

[مسألة 2: إذا صبغ ثوب بصبغ مغصوب فالظاهر أنّه لا يجري عليه حكم المغصوب]

[1270] مسألة 2: إذا صبغ ثوب بصبغ مغصوب فالظاهر أنّه لا يجري عليه حكم المغصوب (2) لأنّ الصبغ يعدّ تالفاً، فلا يكون اللون لمالكه، لكن لا يخلو عن إشكال أيضاً، نعم لو كان الصبغ أيضاً مباحاً لكن أجبر شخصاً على عمله و لم يعط أُجرته لا إشكال فيه، بل و كذا لو أجبر على خياطة ثوب أو استأجر و لم يعط أُجرته إذا كان الخيط له أيضاً، و أمّا إذا كان للغير فمشكل،، و إن كان يمكن أن يقال إنّه يعد تالفاً [1] فيستحق مالكه قيمته، خصوصاً إذا لم يمكن ردّه بفتقه، لكن الأحوط ترك الصلاة فيه قبل إرضاء مالك الخيط، خصوصاً إذا أمكن ردّه بالفتق صحيحاً، بل لا يترك في هذه الصورة.

____________

(1) إذ لا خصوصية للغصب في مناط البحث، و إنّما العبرة بوقوع الصلاة في لباس يحرم التصرّف فيه و إن كانت عينه مملوكة له، كما لو كانت مستأجرة فكانت منفعته للغير، أو مرهونة فكانت متعلّقاً لحق الغير و لم يأذنا له، أو منذورة فكانت متعلقاً لحقه سبحانه كما لو نذر أن لا يتصرف في لباسه الخاص لغرض شرعي راجح، أو نذر التصدق به في سبيله بنحو نذر الفعل لو تحقق الأمر الكذائي و قد حصل، أو كان اللباس مما يحرم التصرّف فيه في نفسه كلبس الرجل ما يختص بالمرأة أو بالعكس، فانّ ملاك البحث مشترك بين الجميع و الكلّ داخل فيه بمناط واحد.

(2) بعد أن حكم في المسألة السابقة بشمول الحكم للتصرف في متعلق حق الغير، تعرض في هذه المسألة لبيان صغريات هذه الكبرى. و تفصيل الكلام: أنّ فروض المسألة ثلاثة:

أحدها: ما إذا لم يكن الغير مستحقاً لشي‌ء من عين اللباس و إنّما يستحق‌

____________

[1] فيه منع إلا أن الحكم بالبطلان معه مبني على الاحتياط المتقدم.

138

..........

____________

شيئاً في ذمة صاحبه لأجل عمل أوقعه فيه بأمره، كما لو أجبر على صبغ ثوبه بصبغ مملوك له أو مأذون من قبل مالكه، أو على خياطة ثوبه بخيط نفسه، أو استأجره على ذلك من غير دفع الأُجرة إليه، و لا شبهة في جواز الصلاة في مثل هذا اللباس، لسلامته عن أي حق متعلّق به بعد وضوح عدم السراية مما اشتغلت به الذمة من اجرة المثل أو المسمّى إليه، و هذا ظاهر.

ثانيها: ما إذا كان مستحقاً لشي‌ء فيه كما لو أجبر أو استأجر أحداً لخياطة ثوبه و لم يعط أُجرته مع كون الخيط للعامل. و قد فصّل الماتن (قدس سره) بين البناء على عدّ الخيط تالفاً، و لا سيما مع عدم إمكان فتقه و امتناع ردّه بحيث ينتقل الضمان إلى البدل فتجوز الصلاة فيه، و بين البناء على بقاء عينه و لا سيما مع إمكان فتقه فيجب ردّه و لا تجوز الصلاة.

و لكن الظاهر عدم الجواز على كلا التقديرين.

أمّا الثاني: فواضح، لما تقدّم من عدم جواز الصلاة في اللباس المغصوب و لو بخيط واحد.

و أمّا الأوّل: فلأجل أنّ الخيط و إن عدّ تالفاً إلا أنّ التالف هو ماليته لا ملكيته، فانّ عين الخيط المملوك للغير موجود في الثوب بالوجدان، و من ثمّ تزيد به ماليّته، و لا يجوز التصرف في ملك الغير بغير إذنه.

بل الأمر كذلك حتى لو زالت الملكية بزوال المالية، بداهة ثبوت حق الاختصاص و الأولوية كثبوته في الكوز المكسور و ميتة الحيوان المملوك، و من ثم لا تجوز مزاحمة المالك في ذلك. و قد تقدّم شمول مناط البحث للتصرف في متعلّق حق الغير.

فما ذكره في المتن من إمكان القول بالصحة فيما إذا عدّ تالفاً غير واضح حتى لو عمّمنا التلف لسقوط المالية و الملكية معاً.

كما أنّ ما صنعه (قدس سره) من عطف الاستئجار من دون دفع الأُجرة‌

139

..........

____________

على الإجبار و جعلهما من باب واحد غير واضح أيضاً، لما هو المقرر في محلّه (1) من أنّ صحة عقد الإجارة لا يتوقف على دفع الأُجرة خارجاً، بل المالك يملك العمل بمجرد العقد، غاية الأمر أنّ للأجير حق الفسخ لو لم يتسلم الأجر، فما لم يفسخ كان اللباس بتمامه لمالكه فتجوز الصلاة فيه بطبيعة الحال.

و بالجملة: الاستئجار قبل تصدّي الأجير للفسخ يختلف عن الإجبار فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر.

ثالثها: ما إذا صبغ الثوب بصبغ مغصوب، و قد حكم في المتن بجواز الصلاة فيه، نظراً إلى أنّ الصبغ يعد تالفاً عرفاً و يضمن الغاصب بدله، فلا يكون اللون لمالكه ليشتمل الثوب على جزء مغصوب يمنع عن الصلاة فيه، ثم عقّبه بقوله: لكن لا يخلو عن إشكال.

أقول: و هو في محلّه، بل لا ينبغي التأمل في عدم مساعدة الارتكاز العقلائي على التلف في أمثال هذه الموارد.

نعم، قد تكون العين باقية بصورة أُخرى بحسب النظر العقلي فقط، و لا يكاد يساعده الفهم العرفي بوجه، كما في تسخين الماء المباح بالحطب أو النفط المغصوبين أو بقوة كهربائية مختلسة، فانّ الحرارة و إن كانت مسبّبة عن أجزاء منتشرة في الماء منقلبة عن تلك المواد بحسب التدقيق العقلي إلا أنّه بالنظر العرفي تعدّ تلك المواد تالفة فانية و أنّ الحرارة الموجودة في الماء لم تكن إلا عرضاً مبايناً مع الجوهر المغصوب.

و أمّا في أمثال المقام فقد استقر الارتكاز العقلائي على بقاء عين المال حتى بالنظر العرفي فضلًا عن الدقّي، غاية الأمر أنّ الأجزاء قد تفرّقت و تشتّت بعد ما كانت مجتمعة.

و بعبارة اخرى: تغيّر الصبغ من شكل إلى آخر، و تحوّل من كيفية إلى أُخرى لا أنّه انعدم و انصرم بالمرّة.

____________

(1) العروة الوثقى 2: 383 فصل: في أحكام العوضين بعد المسألة [3282]، المسألة [3297].

140

..........

____________

و يشهد لهذا الارتكاز ملاحظة نظائر المقام و أشباهه، فلو غصب مقداراً من الشاي فصبّ عليه الماء المغلي المباح حتى اكتسب اللون و بقي الثافل، أو مقداراً من التمر فألقى عليه الماء و بقي مدة حتى اكتسب حلاوة و صار نقيعاً، أ فهل يمكن القول بجواز شرب الشاي أو النقيع بدعوى أنّ المغصوب تالف و الموجود لون أو حلاوة لا يستند إلى المالك فيحل للغاصب و لا يضمن إلا قيمة المغصوب.

و أوضح من ذلك ما لو غصب الدهن و ألقاه على الأرز بحيث لا يمكن ردّه أ فهل ترى جواز أكله بزعم أنّ الدسومة عرض تالف مع وضوح بقاء عين المغصوب غايته بشكل آخر.

و أوضح من الكلّ ما لو غصب كميّة من السكر و أذابها في الماء أ فهل يسمح في شربه استناداً إلى الدعوى المزبورة، كل ذلك لا يكون إتلافاً، و لا يكون الاستعمال سائغاً في شي‌ء من هذه الموارد، و السرّ ما عرفت من بقاء عين المغصوب و إن تغير شكله و تبدّلت هيئته. فدعوى التلف و السقوط ساقطة البتة.

و عليه فلا ينبغي التأمل في عدم جواز الصلاة في الثوب المصبوغ في محل الكلام، كما لا يجوز في الثوب المخيط بالخيط المغصوب حسبما عرفت، هذا.

و لكنه (دام ظله) جدّد النظر أخيراً حول ما أفاده في المقام و بنى على افتراق الأمثلة المذكورة عن الصبغ الذي هو محلّ الكلام، نظراً إلى اشتمالها على عين المغصوب و لو بصورة اخرى و من شكل إلى آخر، و أمّا الصبغ فإنّما يكون من هذا القبيل لو كان المصبوغ حاملًا لعين الصبغ كما في صبغ اللوح أو الحديد و أمّا الثوب فلا يحمل أي جزء منه، و إنّما يبقى فيه اللون الخالص الذي هو صفة محضة. و من المقرر في محلّه (1) أنّ الأوصاف لا تقابل بشي‌ء من المال و إن أوجبت الازدياد في قيمة العين، فلا يقاس الصبغ المبحوث عنه بتلك الأمثلة، بل يعدّ تالفاً بنظر العرف بعد افتراض زوال العين، فلا مانع من الصلاة فيه. و بذلك‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 7: 269.

141

[مسألة 3: إذا غسل الثوب الوسخ أو النجس بماء مغصوب]

[1271] مسألة 3: إذا غسل الثوب الوسخ أو النجس بماء مغصوب فلا إشكال في جواز الصلاة فيه بعد الجفاف (1)، غاية الأمر أنّ ذمّته تشتغل بعوض الماء، و أما مع رطوبته فالظاهر أنّه كذلك أيضاً، و إن كان الأولى تركها حتى يجف.

[مسألة 4: إذا أذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة فيه مع بقاء الغصبية صحّت]

[1272] مسألة 4: إذا أذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة فيه مع بقاء الغصبية صحّت (2).

____________

يفترق الثوب المصبوغ عن المخيط بالخيط المغصوب، لبقاء العين في الثاني دون الأول، فلا يكونان من باب واحد كما أُشير إلى هذا التفصيل في تعليقته الشريفة.

(1) إذ لا مقتضي للمنع بعد عدم وجود عين المغصوب فيه، كما لا إشكال في عدم الجواز مع وجود عين الماء بحيث يمكن ردّه إلى مالكه و لو بعد العصر لصدق الصلاة في المغصوب.

و أمّا مع وجود مجرد الرطوبة فالظاهر عدم الجواز أيضاً. فإنّ مال الغير و إن عدّ تالفاً كما في الصورة الأُولى إلا أنّ له حق الاختصاص بالإضافة إلى الرطوبة الموجودة. و قد عرفت (1) عموم مناط المنع للتصرف في متعلق حق الغير، نعم لو دفع البدل سقط حقّه و ساغ التصرف فيه، للمعاوضة القهرية الواقعة بين العين التالفة و بين البدل المبذول، الموجبة لزوال الحق بطبيعة الحال.

(2) قد يتعلّق الإذن بشخص خاص، و قد يصدر على سبيل الإطلاق.

أمّا الأوّل: فلا إشكال في الصحة فيما إذا كان المأذون غير الغاصب، لانتفاء المانع بالمرّة، و هذا واضح.

و أمّا إذا كان هو الغاصب فيقع الكلام تارة من ناحية الموضوع و أُخرى من ناحية الحكم.

____________

(1) في ص 137.

142

..........

____________

أمّا الموضوع فربما يناقش في إمكان الجمع بين الغصب و الإذن، لما يتراءى بينهما من التضاد.

و يندفع: بانتزاع الغصب من الاستيلاء على مال الغير من دون إذنه و رضاه، سواء تصرّف فيه خارجاً أم لا، فلو تصرّف فقد ارتكب محرّماً آخر. و عليه فربما لا يرضى المالك بالغصب و لا يزال يطالب بالردّ إلا أنّ حنانه على الغاصب يمنعه عن الرضا ببطلان صلاته و يدعوه إلى الإذن في هذا التصرف الخاص، في حين كونه ساخطاً على أصل الاستيلاء، و لا تنافي بين الأمرين بوجه.

و أمّا الحكم فقد يتوهم المنع، نظراً إلى أنّه بعد ما كان مأموراً بالردّ في كلّ آن بمقتضى افتراض الغصب فهذا الأمر يستدعي النهي عن ضده و هو الصلاة، و لا يرفعه إذن المالك، لعدم مقاومته مع نهي الشارع، و بذلك يفترق الغاصب عن غيره. و إليه يشير الماتن بقوله: خصوصاً ... إلخ.

و فيه: مضافاً إلى منع المبنى، لعدم اقتضاء [الأمر] النهي عن الضد الخاص أنّ النهي بعد تسليمه غيري، و مثله لا يقتضي الفساد حتى في العبادات كما هو موضح في محلّه (1).

و عليه فالأصح ما ذكره في المتن من عدم الفرق بين الغاصب و غيره من هذه الجهة.

و أما الثاني: أعني ما لو أطلق الإذن، فإن أُحرز الظهور في العموم بحيث يتناول الغاصب أو أُحرز عدمه فلا إشكال، و يختلف ذلك باختلاف المقامات و المناسبات كما لا يخفى. و إن لم يحرز فان تمّ الانصراف إلى غير الغاصب فهو و إلا كان المرجع أصالة عدم الرضا، المقطوع به حال الغصب، و بذلك يحرز عدم تناول الإذن للغاصب.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 3: 87.

143

خصوصاً بالنسبة إلى غير الغاصب (1) و إن أطلق الإذن ففي جوازه بالنسبة إلى الغاصب إشكال، لانصراف الإذن إلى غيره (2) نعم مع الظهور في العموم لا إشكال.

[مسألة 5: المحمول المغصوب إذا تحرك بحركات الصلاة يوجب البطلان]

[1273] مسألة 5: المحمول المغصوب إذا تحرك بحركات الصلاة يوجب البطلان [1] و إن كان شيئاً يسيراً (3).

[مسألة 6: إذا اضطر إلى لبس المغصوب لحفظ نفسه أو لحفظ المغصوب]

[1274] مسألة 6: إذا اضطر إلى لبس المغصوب لحفظ نفسه أو لحفظ المغصوب [2] من التلف صحت صلاته فيه (4).

____________

(1) قد عرفت وجه الخصوصية.

(2) بل حتى مع عدم الانصراف حسبما عرفت.

(3) قد عرفت عدم البطلان في غير الساتر من الملبوس فضلًا عن المحمول تحرّك أم لم يتحرّك فراجع (1) و لا نعيد.

(4) بلا إشكال فيما إذا كان المضطر غير الغاصب، لسقوط الحرمة و جواز اللبس حال الاضطرار حتى واقعاً، بل قد يكون واجباً أحياناً كما لا يخفى.

و أمّا لو كان هو الغاصب فلا ينبغي الإشكال أيضاً فيما لو نشأ الاضطرار عن جهة أُخرى غير الغصب، كما لو تسبّب عن مرض أو برد لا يتحمل و نحو ذلك مما لا يستند إلى الغصب، إذ ما من شي‌ء حرّمه اللّٰه الا و قد أحلّه عند الضرورة، فلم يصدر منه إلا فعل سائغ حتى في صقع الواقع.

و أمّا لو استند إلى الغصب كما لو توقف حفظ المغصوب على لبسه فهذا اللبس و إن كان جائزاً عقلًا من باب أخفّ القبيحين و أقل المحذورين نظير‌

____________

[1] على الأحوط كما تقدم.

[2] هذا في غير الغاصب، و أما فيه فصحة الصلاة محل إشكال، و لا يبعد عدم صحتها إذا كان ساتراً بالفعل.

____________

(1) ص 130 فما بعد.

144

[مسألة 7: إذا جهل أو نسي الغصبية و علم أو تذكر في أثناء الصلاة]

[1275] مسألة 7: إذا جهل أو نسي الغصبية و علم أو تذكر في أثناء الصلاة فإن أمكن نزعه [1] فوراً و كان له ساتر غيره صحت الصلاة (1) و إلا ففي سعة الوقت و لو بإدراك ركعة يقطع الصلاة (2) و إلا فيشتغل (3) بها في حال النزع.

____________

الخروج عن الدار الغصبية إلا أنّه لما كان مستنداً إلى سوء الاختيار، و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا جرم يصدر منه على صفة المبغوضية المانعة عن الصلوح للمقربية. و من ثمّ يشكل الصلاة فيما إذا كان ساتراً بالفعل على ما تقدّم (1).

(1) لعدم قدح الغصبية السابقة لمكان النسيان، و لا اللاحقة لمكان النزع إلا بناءً على اعتبار الإباحة حتى في الآنات المتخلّلة، فإنّه قد يشكل لعدم رعايتها في آن النزع، نظير ما تقدّم (2) في الأمة المعتقة أثناء الصلاة. و على أيّ حال فاعتبار النزع في الصحة في غير الساتر بالفعل مبني على الاحتياط الاستحبابي كما تقدّم (3).

(2) لعدم التمكن من إتمامها صحيحة حسب الفرض. إما لاستلزام النزع و التبديل الفعل الكثير، أو لعدم وجود ساتر مباح.

(3) بحيث وقعت المزاحمة بين رعاية الوقت و رعاية الشرط فإنّه يقدم الأول، لأنّ الصلاة لا تسقط بحال، فيستمر في صلاته في حال النزع و إن وقع جزء منها في المغصوب.

نعم، لو كان المغصوب هو الساتر و كان مأموناً من الناظر نزعه و أتمّ صلاته عارياً، فانّ ضيق الوقت لا يسوّغ الصلاة في المغصوب مع التمكن منها عارياً كما لا يخفى.

____________

[1] وجوب النزع وضعاً في غير الساتر بالفعل مبني على الاحتياط المتقدم.

____________

(1) في ص 133.

(2) في ص 111.

(3) في ص 133.

145

[مسألة 8: إذا استقرض ثوباً و كان من نيته عدم أداء عوضه]

[1276] مسألة 8: إذا استقرض ثوباً و كان من نيته عدم أداء عوضه أو كان من نيته الأداء من الحرام فعن بعض العلماء أنّه يكون من المغصوب، بل عن بعضهم أنّه لو لم ينو الأداء أصلًا لا من الحلال و لا من الحرام أيضاً كذلك (1).

____________

(1) يقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة و اخرى بالنظر إلى النصوص الخاصة الواردة في المقام.

أمّا الأوّل: فلا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضاها عدم جريان حكم الغصب لصحة العقود المذكورة في المتن من القرض و الإجارة و البيع و نحوها، لأنّ العبرة في صحّة العقود المعاوضة باعتبار المبادلة و إنشاء العقد القائم بالطرفين من دون إناطة بالوفاء الخارجي فضلًا عن نية الأداء من الحلال أو الحرام. فمناط الصحة مجرد الاعتبار النفساني المبرز الصادر منهما، و لم تكن النية المزبورة من مقوّمات العقد، غاية الأمر أنّه لو تخلف عن الأداء و لم يتعقب العقد بالوفاء كان للطرف الآخر خيار الفسخ، و هو أمر آخر، فما لم يفسخ كان العقد صحيحاً و المعاملة نافذة، و معه لا مجال لاحتمال الغصبية.

و منه تعرف فساد دعوى المنافاة يبن القصد إلى المعاوضة و بين نية عدم الأداء أو الأداء من الحرام، فإنّها إنّما تتجه لو كان المنشأ هو المعاوضة الخارجية، و ليس كذلك، و إنّما هي في وعاء الاعتبار، فيعتبر كلّ من البائع و المشتري ملكية الآخر للثمن أو المثمن، و الآثار تترتب على هذا الاعتبار و لا مانع من أن يكون في عين الحال بانياً على الامتناع و عدم الأداء خارجاً.

و يشهد لذلك عدم ذكر الفقهاء نية الأداء من شرائط العقد، و هذا مما يكشف بوضوح عن عدم الدخل في صحة العقد بوجه.

و أمّا الثاني: فقد وردت في المقام روايتان:

إحداهما: مرسلة ابن فضال عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من استدان‌

146

..........

____________

ديناً فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق» (1).

و فيه أوّلًا: أنّ السند ضعيف بالإرسال، و بصالح بن أبي حماد فإنّه لم يوثق بل ربما يستشعر ضعفه من النجاشي حيث قال: إنّ حديثه يعرف و ينكر (2) بل قد ضعّفه ابن الغضائري صريحاً (3). نعم روى الكشي عن علي بن محمد أنّه قال فيه: إنّه خيّر أو مؤمن (4) و لكن الراوي لم يوثق. و العمدة أنّ الرجل لم يثبت توثيقه، و هو كافٍ في الضعف.

و ثانياً: أنّ موردها القرض، و يمكن القول بأنّ فيه خصوصية و هي أنّه تمليك بالضمان لا مبادلة مال بمال، و لعلّ ذلك يتنافى مع قصد عدم الأداء، فكيف يمكن التعدّي إلى البيع و نحوه من المبادلات مع وضوح لزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على مورد قيام النص.

ثانيتهما: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أيّما رجل أتى رجلًا فاستقرض مالًا و في نيّته أن لا يؤديه فذلك اللصّ العادي» (5).

و فيه: مضافاً إلى ضعف السند، لضعف طريق الصدوق إلى أبي خديجة سالم ابن مكرم الجمال، و لا أقل من أجل اشتماله على محمد بن علي الكوفي (6) و لم يوثق، أنّ الدلالة قاصرة، فإنّها و إن كانت واضحة في موردها إلا أنّها أخص من المدعى من وجهين:

أحدهما: الاختصاص بالقرض، فلا تشمل غيره كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 18: 328/ أبواب الدين و القرض ب 5 ح 2.

(2) رجال النجاشي: 198/ 526.

(3) حكاه عنه في الخلاصة: 359/ 1417.

(4) رجال الكشي: 566/ 1068.

(5) الوسائل 18: 329/ أبواب الدين و القرض ب 5 ح 5، الفقيه 3: 112/ 475.

(6) الفقيه 4 (المشيخة): 79.

147

و لا يبعد ما ذكراه [1] (1)، و لا يختص بالقرض، و لا بالثوب، بل لو اشترى أو استأجر أو نحو ذلك و كان من نيته عدم أداء العوض أيضاً كذلك.

[مسألة 9: إذا اشترى ثوباً بعين مال تعلق به الخمس أو الزكاة مع عدم أدائهما من مال آخر]

[1277] مسألة 9: إذا اشترى ثوباً بعين مال تعلق به الخمس أو الزكاة مع عدم أدائهما من مال آخر، حكمه حكم المغصوب (2).

____________

ثانيهما: أنّ موردها نية عدم الأداء، فلا تشمل عدم نية الأداء الذي هو المورد الثاني مما ذكره في المتن.

فتحصّل: أنّ ما ذكره بعض العلماء لا يمكن المساعدة عليه في شي‌ء من الموردين لا بمقتضى القاعدة، و لا بموجب النصوص الخاصة، بل الأقوى صحة المعاملة بعد تحقق القصد إليها حقيقة، و معه لا موضوع للغصب.

(1) بل هو بعيد كما عرفت.

(2) سيأتي في محلّه (1) إن شاء اللّٰه تعالى أنّ مستحق الزكاة شريك مع المالك في ماليّة العين الزكوية، و حينئذ فان اشترى بما فيه الزكاة شيئاً فالمعاملة بالإضافة إلى حصّة الزكاة فضولية تتوقّف صحتها على الإجازة.

نعم، بما أنّ الزكاة يجوز دفعها من مال آخر، و لا يلزم أن يكون من نفس العين، فبعد الدفع يملك تلك الحصة، و يكون المقام من صغريات من باع شيئاً ثم ملكه المحكوم بالصحة، من غير حاجة إلى الإجازة. و عليه فقبل الدفع يجري عليه حكم المغصوب، فلو كان ثوباً لا تجوز الصلاة فيه.

و منه تعرف أنّ ما في المتن من التقييد بعدم الأداء يراد به بعد الشراء، إذ لا مجال للتقييد قبله، لوضوح خروج العين بعد الأداء عن موضوع الشراء، بما فيه الحق، فيخرج عن مفروض المسألة.

و كيف ما كان، فالحكم في الزكاة مطابق لمقتضى القاعدة، مضافاً إلى النصّ‌

____________

[1] بل هو بعيد فيما إذا تحقق قصد المعاملة حقيقة.

____________

(1) العروة الوثقى 2: 114 المسألة [2690].

148

[الثالث: أن لا يكون من أجزاء الميتة]

الثالث: أن لا يكون من أجزاء الميتة (1)،

____________

الخاص المتضمن لجواز التصرف بعد الدفع من مال آخر كما سيأتي في محلّه. هذا في الزكاة.

و أمّا في الخمس فان بنينا على ما هو المشهور من إلحاقه بالزكاة فيجري فيه ما عرفت، و إن أنكرنا ذلك فمقتضى نصوص التحليل بناءً على المختار من شمولها للمقام كما سيأتي (1) صحة المعاملة و انتقال الحق ممّا فيه الخمس إلى بدله، و مقتضاها كون الثوب بنفسه مشتركاً بين المالك و بين السادة فلا يجوز التصرف فيه بغير إذن الشريك.

و بالجملة: لا تجوز الصلاة في الثوب إما لأنّ المعاملة فضولية، أو لأنّه بنفسه متعلق لحقّ الخمس، و لا يجوز التصرّف فيه قبل أدائه.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في عدم جواز الصلاة في أي جزء من أجزاء الميتة، سواء أ كان هو الجلد أم غيره مما تحله الحياة، من غير فرق بين كون الحيوان محلل اللحم أم محرّمه، و قد ادعي عليه الإجماع في غير واحد من الكلمات حتى ممّن قال بطهارة الجلد بالدبغ، فانّ الميتة بعنوانها تبطل الصلاة فيها لا لمكان نجاستها فحسب كي يقتصر على موردها.

و تشهد به جملة من النصوص دلّت طائفة منها على النهي عن الصلاة في الميتة كصحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألته عن الجلد الميت أ يلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: لا، و لو دبغ سبعين مرة» (2).

و طائفة اخرى على الأمر بالصلاة في المذكى كقوله (عليه السلام) في موثقة ابن بكير: «... فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه وكل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكاه الذبح ...» إلخ (3) هذا.

____________

(1) في العروة الوثقى 2: 199 المسألة [2979].

(2) الوسائل 4: 343/ أبواب لباس المصلي ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

149

..........

____________

و مورد صحيحة ابن مسلم و غيرها و إن كان هو خصوص الجلد فيحتاج التعميم لغيره إلى دليل آخر من إجماع أو تنقيح مناط و نحوهما، إلا أنّه يكفي في التعميم صحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الميتة، قال: لا تصلّ في شي‌ء منه و لا في شسع» (1).

و لا يضره الإرسال بعد أن كان المرسَل عنه غير واحد، لما تقدّم عند التكلم حول رواية يونس في مبحث الحيض أنّ هذا التعبير و نحوه كجماعة أو عدّة من أصحابنا يدلّ على أنّ المروي عنه جماعة كثيرون بحيث لا يحتمل عادة عدم وثاقة واحد منهم.

و كيف ما كان، فالحكم في الجملة مما لا غبار عليه، و إنّما الإشكال في كيفية الاعتبار و أنّ المجعول الشرعي هل هو اعتبار المانعية للميتة كما هو ظاهر الطائفة الأُولى، فيتصرّف في الطائفة الثانية و يحمل الأمر بالصلاة في المذكى على العرضي من جهة الملازمة بعد وضوح عدم الواسطة بينه و بين الميتة. أو أنّ المجعول هو اعتبار الشرطية للتذكية كما هو ظاهر الأمر في الطائفة الثانية فيتصرّف في الأُولى و يحمل النهي على العرضي، لما عرفت من الملازمة. أو أنّ المجعول كلا الاعتبارين كما قيل فالتذكية شرط كما أنّ الميتة مانع، فيؤخذ بظاهر كلّ من الطائفتين؟ وجوه متصورة في مقام الثبوت.

أما الاحتمال الأخير فساقط جزماً، بداهة أنّ أحد الاعتبارين يغني عن الآخر بعد انتفاء الواسطة بينهما، و استلزام وجود أحدهما لعدم الآخر و بالعكس، سواء كان التقابل بين الميتة و المذكى من تقابل التضاد أو العدم و الملكة. فاعتبارهما معاً لغو محض، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين.

و تظهر الثمرة في صورة الشك في الشبهة الموضوعية و أنّ هذا الجلد مثلًا هل هو من أجزاء الميتة أو المذكى. فعلى الأول يبنى على العدم، لأصالة عدم المانع‌

____________

(1) الوسائل 4: 343/ أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2.

150

..........

____________

أو أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بعدم وقوعها مع هذا الشي‌ء، حيث إنّ المانعية انحلالية. و على الثاني لا بد من الإحراز، لقاعدة الاشتغال عند الشك في تحقق الشرط المعتبر في المأمور به. و حينئذ فان استظهرنا من الأدلّة أحد الأمرين فهو و إلا فلا أصل يحرز به شي‌ء منهما.

أمّا بناءً على كون التقابل بين الميتة و المذكى من تقابل التضاد كما لا يبعد، حيث إن الميتة كما عن المصباح المنير عبارة عن زهاق الروح المستند إلى سبب غير شرعي (1)، في مقابل المذكى الذي هو عبارة عن الزهاق المستند إلى سبب شرعي، فهما عنوانان وجوديان و ضدّان لا ثالث لهما، فالأمر واضح، إذ لا سبيل حينئذ لإجراء الأصل لا في نفس الحكم، لمعارضة أصالة عدم المانعية بأصالة عدم الشرطية بعد العلم الإجمالي بمجعولية أحد الاعتبارين. و لا في الموضوع لأنّ استصحاب عدم الموت إنّما يجدي لو كان المجعول هو المانعية، و هو أوّل الكلام، لاحتمال أن يكون المجعول شرطية التذكية، و من الواضح عدم ثبوتها باستصحاب عدم الموت إلا بنحو الأصل المثبت. كما أنّ استصحاب عدم التذكية إنّما يجدي لو كان المجعول شرطية التذكية، و هو أيضاً غير معلوم حسب الفرض، و لا يثبت به الموت لو كان هو الموضوع للأثر للشك في المانعية كما ذكر.

و أمّا بناءً على أن يكون التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة فقد يقال إنّ اعتبار المانعية حينئذ يرجع إلى الشرطية، نظراً إلى أنّ الموت على هذا معناه عدم التذكية، فالنهي عنه يؤول إلى الأمر بالتذكية، إذ نتيجة النفي في النفي هو الإثبات. فلا فرق بين الاعتبارين لرجوعهما إلى معنى واحد، و إنّما الاختلاف في مجرد التعبير، و عليه فعند الشك يكون مقتضى الأصل عدم التذكية.

و لكنّه يندفع بأنّ العدم المقابل للملكة لم يكن عدماً مطلقاً، بل هو مضاف و له حظ من الوجود فيعتبر فيه الاتصاف بالعدم كما تعرضنا له في مبحث‌

____________

(1) المصباح المنير: 584.

151

..........

____________

النجاسات (1) فليس العمى مجرد عدم البصر عمّن من شأنه ذلك، بل الاتصاف بعدم البصر، كما أنّ الكفر هو الاتصاف بعدم الإسلام و هكذا.

و عليه فالميتة عبارة عن الاتصاف بعدم التذكية لا مجرد عدمها كي تحرز بالاستصحاب، و لا ريب أنّ استصحاب عدم التذكية لا يثبت الاتصاف بالعدم كي يحرز معه عنوان الميتة.

نعم، لو كانت الميتة مركباً من زهاق الروح مع عدم ورود التذكية على المحل كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسائله (2) أمكن إحرازه بضمّ الوجدان إلى الأصل، فإنّ الزهاق محرز بالوجدان، و التذكية مشكوكة تدفع بالأصل فيلتئم الموضوع بضم أحدهما إلى الآخر، و لكنه غير ثابت كما عرفت.

و التحقيق: أنّ مفهوم الميتة لم يكن شيئاً مما ذكر، بل هو عبارة عن خصوص ما مات حتف أنفه، المعبر عنه بالفارسية ب‍ (مردار) الذي تشمئز منه جميع الطباع و تستنفره، كما تساعده اللغة (3) و الاستعمالات القرآنية. و أوضح شاهد له قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ السَّبُعُ .. إلخ (4) مع أنّ جميع المذكورات ما عدا الدم و لحم الخنزير من أقسام الميتة، أي من أفراد غير المذكى، فبقرينة المقابلة يظهر أنّ المراد خصوص الموت حتف الأنف.

و هو و إن تعلّق النهي عن أكله في الآية الشريفة كما تعلّق النهي عن الصلاة فيه في الروايات العديدة كما سمعت إلا أنّ ذلك لا يمنع عن تعلّق الحكمين المزبورين بما هو أوسع من ذلك، و هو العنوان العام أعني غير المذكى-

____________

(1) شرح العروة 3: 81 82.

(2) فرائد الأُصول 1: 410.

(3) المصباح المنير: 584.

(4) المائدة 5: 3.

152

..........

____________

و يكون التنصيص على هذا الفرد لمكان الاهتمام أو لكونه من أحد الأقسام و المصاديق البارزة، و يكون الجمع بينهما في الآية من عطف العام على الخاص.

و حيث تعلّق النهي عن أكل غير المذكى بمقتضى قوله تعالى إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ .. إلخ (1) و عن الصلاة فيه في موثقة ابن بكير كما عرفت (2) فيعلم من ذلك أنّ الموضوع في الحقيقة هو ذلك العنوان العام من دون خصوصية للميتة لما عرفت من أنّه لا مانع من تعلّق الحكم بعنوان و تعلّقه بعنوان آخر أوسع منه، فيعلم أن العبرة بالثاني، و إنّما ذكر الأوّل من باب التطبيق و كونه من أحد المصاديق، بل قد يقال إنّ الميتة في لسان الأخبار مساوقة لعدم المذكى توسعاً في الإطلاق كما هو كذلك في العرف الحاضر.

و على الجملة: مقتضى الجمع بين الآيات الكريمة و الروايات الشريفة أنّ الميتة بعنوانها لا اعتداد بها، و إنّما هي من مصاديق غير المذكى، و أنّ هذا العنوان هو المناط في ترتّب الحكمين المزبورين، فلو شك في تعلّق التذكية بجلد و نحوه على الوجه الشرعي كان المرجع أصالة عدم التذكية، و لا تعارضها أصالة عدم كونه من الميتة، لما عرفت من عدم كونها بعنوانها موضوعاً للأثر. إذن فلا يجوز أكله كما لا تجوز الصلاة فيه.

نعم، هي موضوع لخصوص الحكم بالنجاسة، لعدم ترتّبها في شي‌ء من الأدلّة على عنوان غير المذكى ما عدا رواية الصيقل (3) الضعيفة السند، و بذلك تمتاز عن الحكمين المزبورين، لاختلاف موضوعها عن موضوعهما، فانّ موضوع النجاسة في لسان الأدلّة هو عنوان الميتة، و يلحق بها بعض ما ثبت بالنصوص الخاصة كأليات الغنم المقطوعة منها حال الحياة و ما أخذته الحبالة من الصيد، فاذا شككنا في جلد أنّه من الميتة حكم بطهارته لأصالة عدمها‌

____________

(1) المائدة 5: 3.

(2) في ص 148.

(3) الوسائل 3: 462/ أبواب النجاسات ب 34 ح 4.

153

سواء كان حيوانه محلّل اللّحم أو محرمة (1)

____________

بعد وضوح عدم ثبوتها بأصالة عدم التذكية، لعدم حجية الأُصول المثبتة، و إن حكمنا بعدم جواز الصلاة فيه استناداً إلى الأصل المزبور حسبما عرفت، إلا إذا قامت أمارة على التذكية من يد المسلم أو سوق المسلمين و نحوهما، فإنّه يعتمد عليها بأدلّة اعتبارها. و بذلك يرتكب التقييد فيما ورد في ذيل موثقة ابن بكير من تعليق جواز الصلاة على العلم بالتذكية، كما يرتكب التقييد أيضاً فيما دلّ على إناطة المنع بالعلم بأنّه ميتة كموثّق سماعة: «لا بأس ما لم تعلم أنّه ميتة» (1) الظاهر في جواز الصلاة في المشكوك التذكية، فيحمل على ما إذا كان مقروناً بأمارة عليها من يد مسلم و نحوها.

و ملخص الكلام في المقام: أنّ المستفاد من الأدلّة بعد ضمّ بعضها ببعض أنّ الموضوع لحرمة الأكل و لعدم جواز الصلاة هو عنوان غير المذكى، فالتذكية شرط في جواز الأكل و في جواز الصلاة، لا بدّ من إحرازها في الحكم بهما، شأن كلّ شرط مع مشروطه، لا أنّ الميتة مانع.

كما أنّ الموضوع للنجاسة هو عنوان الميتة إمّا حقيقة و هي ما مات حتف أنفه، أو تنزيلًا كالأجزاء المبانة حال الحياة مثل الأليات المقطوعة من الأغنام و نحوها، و هي عنوان وجودي يحكم بعدمه لدى الشك فيه، و لا يثبت بأصالة عدم التذكية.

و نتيجة ذلك أنّه عند عدم قيام أمارة على التذكية كالجلود المستوردة من بلاد الكفر مع احتمال تذكيتها لا تجوز الصلاة فيها، لأصالة عدم التذكية، و لكنها محكومة بالطهارة لأصالة عدم كونها من الميتة بعد عدم إحرازها بالأصل المزبور، لعدم حجية الأُصول المثبتة.

(1) هذا التعميم و إن كان صحيحاً إلا أنّ التصريح به مستدرك لا يناسب‌

____________

(1) الوسائل 3: 493/ أبواب النجاسات ب 50 ح 12.

154

بل لا فرق بين أن يكون مما ميتته نجسة أو لا (1) كميتة السمك و نحوه مما ليس له نفس سائلة على الأحوط.

____________

المقام، فانّ محلّ الكلام مانعية الميتة التي هي جهة عرضية ترتفع بالتذكية في المحل القابل، أما البطلان فيما لا يؤكل فهو مستند إلى مانع ذاتي لا تؤثر التذكية في ارتفاعه و لا تجوز الصلاة فيه ذكي أم لا، حياً كان أو ميتاً، كما صرح بهذا التعميم في موثقة ابن بكير حيث قال (عليه السلام): «... فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد، ذكاه الذبح أو لم يذكه» (1). فمورد اشتراط التذكية أو مانعية الميتة خصوص محلل الأكل كما أُشير إليه أيضاً في الموثقة.

(1) كما اختاره شيخنا البهائي في حبل المتين و نقله عن والده (2) استناداً إلى إطلاق النصوص الشامل لما كانت له نفس سائلة فكانت ميتته نجسة، و ما لا نفس له سائلة كالسمك، خلافاً لجماعة منهم صاحب الجواهر (3) و المحقق الهمداني (4) فأنكروا الإطلاق.

أمّا للانصراف إلى الأول كما في الجواهر خصوصاً مع التصريح في بعضها بدبغ الجلود و لو سبعين مرة (5) الذي هو طعن على ما ترتئيه العامة من حصول الطهارة بالدبغ، فانّ من الواضح أنّ ميتة غير ذي النفس طاهرة لا تحتاج إلى الدبغ، و من ثم تكون خارجة عن منصرف النصوص.

و إمّا لما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره) من أنّ مناسبة الحكم و الموضوع تستوجب الاختصاص، نظراً إلى ما هو المرتكز في الأذهان من نجاسة الميتة و اشتراط الصلاة بالطهارة و أنّ مانعيتها إنّما هي من أجل النجاسة. فلا جرم‌

____________

(1) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

(2) حبل المتين: 180.

(3) الجواهر 8: 63.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 119 السطر 12.

(5) كما في صحيحة ابن مسلم المتقدمة في ص 148.