موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
155

..........

____________

تختص بذي النفس السائلة، هذا.

و لكن الأظهر ما اختاره في المتن من التعميم، فانّ مورد بعض النصوص و إن كان هو خصوص ذي النفس كموثقة ابن بكير (1) لمكان التعبير بالذبح ضرورة عدم الحاجة إليه في تذكية ما لا نفس له، و كصحيحة محمد بن مسلم (2) لمكان التعبير بالدبغ كما ذكر، إلا أنّ صحيحة ابن أبي عمير (3) غير قاصرة الشمول لها، حيث إنّ لها عموماً و إطلاقاً، فمن حيث أجزاء الميتة عامة، لمكان النكرة الواقعة في سياق النفي في قوله: «لا تصلّ في شي‌ء منه» و من حيث ذي النفس و عدمه مطلقة، فإنّ لفظ الميتة يشمل بإطلاقه كلا القسمين.

و من البيّن أنّ مقتضى الجمود على ظاهرها أنّ الميتة بذاتها و بوصفها العنواني أُخذت موضوعاً للحكم و مناطاً للأثر، لا أنّها ملحوظة طريقاً و معرّفاً إلى ما هو النجس لتختص بذي النفس، خصوصاً في قوله: «حتى في شسع» و لا سيما بناءً على عدم المانعية لما لا تتم الصلاة فيه حتى إذا كان من الأعيان النجسة إذ النجاسة غير مانعة على هذا في مثل الشسع، فلا جرم تختص المانعية بحيثية كونه من الميتة بما هي ميتة.

و منه تعرف أنّه لا مجال لدعوى الانصراف و لا قرينية المناسبة بين الحكم و موضوعه، لابتنائها على لحاظ الميتة على سبيل الطريقية و المعرّفية، و لا شاهد عليها، بل ظاهرها أنّها ملحوظة بحيالها و بعنوانها الذاتي، و شي‌ء مما ذكر لا يصلح لرفع اليد عن هذا الظهور كما لا يخفى.

نعم، لا ينبغي الشك في انصرافها إلى حيوان له لحم قابل للأكل بعد ورود التذكية عليه، فلا تشمل مثل البقّ و البرغوث و نحوهما، فإنّها خارجة عن محط النظر في هذه الأخبار، لعدم كونها قابلة للأكل على التقديرين، فالمقتضي‌

____________

(1) المتقدمة في ص 148.

(2) المتقدمة في ص 148.

(3) المتقدمة في ص 149.

156

و كذا لا فرق بين أن يكون مدبوغاً أو لا (1) و المأخوذ من يد المسلم و ما عليه أثر استعماله بحكم المذكى، بل و كذا المطروح في أرضهم و سوقهم و كان عليه أثر الاستعمال، و إن كان الأحوط اجتنابه (2).

____________

للمانعية قاصر في نفسه بالإضافة إليها من غير حاجة إلى دعوى خروجها بالإجماع أو السيرة كما هو ظاهر.

(1) لما عرفت من ظهور النصوص في كون المانع هو عنوان الميتة بما هي ميتة، لا بما هي نجسة لترتفع بالدبغ على القول به. و أمّا على القول بعدمه فالأمر أظهر، مضافاً إلى التصريح بالتعميم في الصحيح المتقدم و أنّه لا ينفع و لو دبغ سبعين مرة.

(2) إذا شك في تحقّق التذكية فالأثر المرغوب إمّا هو الطهارة أو جواز الصلاة.

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ الموضوع للنجاسة هو الميتة لا عدم المذكى، لعدم وروده إلا في رواية واحدة ضعيفة (1) و بما أنّ أصالة عدم التذكية لا تثبت الميتة فمقتضى الأصل عدمها فيحكم بالطهارة.

و أمّا الثاني: فقد سبق (2) أنّ الموضوع لجواز الصلاة هو عنوان المذكّى، فهو مشروط به، و لا بدّ من إحرازه شأن كلّ شرط مع مشروطه، فمع الشك كان المتبع أصالة عدم التذكية فيحكم بالبطلان.

خلافاً لصاحب الحدائق حيث حكم بالصحة استناداً إلى أصالة الحلّ (3).

و يندفع: بأنّها أصل حكمي، و أصالة عدم التذكية أصل موضوعي حاكم عليه، كحكومة استصحاب النجاسة على أصالة الطهارة.

و لكنّها مشروطة بعدم جريان يد المسلم عليه، و إلا فهي كأمارة على‌

____________

(1) و هي مكاتبة قاسم الصيقل، الوسائل 3: 462/ أبواب النجاسات ب 34 ح 4.

(2) في ص 151.

(3) الحدائق 5: 526.

157

..........

____________

التذكية حاكمة على الأصل المذكور، و قد دلّت عليه جملة من النصوص:

كصحيح الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: اشتر و صلّ فيها حتى تعلم أنّه ميت بعينه» (1).

و صحيح البزنطي قال: «سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أ ذكيّة هي أم غير ذكيّة أ يصلّي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة إنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم إنّ الدين أوسع من ذلك» (2).

و نحوه صحيحه الآخر (3) و نحوها غيرها. فإنّه لا شبهة في عدم إرادة العموم من السوق في هذه النصوص بحيث يتناول سوق الكفار، بل المراد خصوص سوق المسلمين، كما لا ينبغي الشك في عدم خصوصية للسوق، إذ لا موضوعية لهذا العنوان قطعاً، فلو كان له (4) و كان في المحلّة أو في الشارع أو اشتراه من بيته عمّه الحكم بالضرورة، بل لا خصوصية للشراء، فلو انتقل إليه بهبة و نحوها كفى، بل حتى بناقل قهري كالإرث. فالعبرة بمقتضى الفهم العرفي بالأخذ من المسلم و جريان يده عليه و كونه تحت استيلائه، فإنّها أمارة التذكية و سوق المسلمين أمارة على أنّ اليد المأخوذ منها يد مسلم، فهو أمارة على الأمارة من دون خصوصية فيه، هذا.

و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما كان عليه أثر استعماله و ما لم يكن، بل قد يظهر من موثقة السكوني عدم البأس حتى إذا كان مظنّة استعمال الكافر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثم يؤكل، لأنّه يفسد و ليس له‌

____________

(1) الوسائل 4: 427/ أبواب لباس المصلي ب 38 ح 2.

(2) الوسائل 4: 455/ أبواب لباس المصلي ب 55 ح 1.

(3) الوسائل 3: 492/ أبواب النجاسات ب 50 ح 6.

(4) أي للمسلم.

158

..........

____________

بقاء، فاذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي، فقال: هم في سعة حتى يعلموا» (1).

قال المحقق الهمداني (قدس سره): إنّ وجود السكين في السفرة لعله يشهد بأنّها لغير المسلم، حيث إنّ المتعارف بينهم قطع الخبز و اللحم بالسكين بخلاف المسلمين (2).

و كيف ما كان، فيظهر من هذه النصوص أنّ يد المسلم أمارة التذكية، بل قد يظهر من مصحح إسحاق بن عمار كفاية الصنع في أراضي الإسلام و إن لم يؤخذ من يد المسلم، عن العبد الصالح (عليه السلام) أنه قال: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» (3). و قد عرفت آنفاً دلالة الموثقة على حلّية المطروح في أرض الإسلام حتى مع الظن بجريان يد الكافر عليه.

و المتحصل: من مجموع هذه النصوص: أنّ المخرج عن أصالة عدم التذكية أحد أمرين: إمّا الأخذ من يد المسلم، أو الصنع في أرض الإسلام و إن أُخذ من غيره، فانّ ذلك أمارة التذكية، و لا يلزم السؤال و الفحص، بل قد نهي عنه في صحيحة البزنطي المتقدمة، فيكون الصنع المزبور أمارة على جريان يد المسلم التي هي أمارة التذكية، كما أنّ السوق أيضاً أمارة على الأمارة حسبما عرفت.

و عليه فالمأخوذ من يد المسلم لا يعتبر فيه الجزم بكونه مصنوعاً في بلاد الإسلام، كما أنّ المصنوع في بلادهم لا يعتبر فيه الأخذ منه، فلو أخذه من الكافر كفى، لأنّه مسبوق بيد المسلم بحكم الغلبة فأحد الأمرين كافٍ في الحكم بالتذكية، و لا يعتبر شي‌ء آخر وراء ذلك.

نعم، هناك روايتان يظهر من إحداهما اعتبار استعمال المسلم في مشروط‌

____________

(1) الوسائل 3: 493/ أبواب النجاسات ب 50 ح 11.

(2) مصباح الفقيه (الطهارة): 656 سطر 4.

(3) الوسائل 4: 456/ أبواب لباس المصلي ب 55 ح 3.

159

كما أن الأحوط اجتناب ما في يد المسلم المستحلّ للميتة بالدبغ (1).

____________

الطهارة، و من الأُخرى اعتبار ضمانه و تعهّده بالتذكية.

أمّا الأُولى: فهي رواية إسماعيل بن عيسى قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه» (1).

و أمّا الثانية: فهي رواية محمد بن الحسين (الحسن) الأشعري قال: «كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال: إذا كان مضموناً فلا بأس» (2).

لكن ضعف سند الاولى بسعد و أبيه، و الثانية بسهل و الأشعري يمنع عن الاعتماد عليهما. و مع الغض عن السند فيمكن الحمل على الاستحباب جمعاً بينهما و بين ما تقدّم، الصريح في الكفاية و عدم الحاجة إلى السؤال.

على أنّ الاولى غير واضحة في سوق المسلمين، بل لعلّ قوله: «إذا رأيتم المشركين يبيعون ..» إلخ قرينة على كون سوق الجبل مشتركاً بينهم، فتخرج عن محلّ الكلام.

و كيف ما كان، فما في المتن من تقييد المطروح في الأرض أو السوق بأن يكون عليه أثر الاستعمال لا وجه له.

(1) منشأ الاحتياط ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء؟ فقال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلًا صرداً لا يدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فاذا حضرت الصلاة ألقاه‌

____________

(1) الوسائل 3: 492/ أبواب النجاسات ب 50 ح 7.

(2) الوسائل 3: 493/ أبواب النجاسات ب 50 ح 10.

160

و يستثنى من الميتة صوفها و شعرها و وبرها و غير ذلك مما مرّ في مبحث النجاسات (1).

____________

و ألقى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك، فقال: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة و يزعمون أنّ دباغه ذكاته» (1).

فإنّها ظاهرة في لزوم الاجتناب عما يؤخذ ممن يستحلّه بالدبغ، و من ثم ألقى (عليه السلام) الفرو. و أمّا إلقاء القميص الذي يليه فهو إما لأجل إصابته للفرو مع الرطوبة من عرق و نحوه فيتنجّس بالملاقاة، أو لأجل تعلّق شي‌ء من أجزاء الفرو به من صوف و نحوه، و إن كان الأظهر بل المتعيّن هو الأول، إذ الصوف مما لا تحلّه الحياة فلا مانع من حمله في الصلاة، هذا.

و لكن السند ضعيف جدّاً، لاشتماله على عدة من المجاهيل، فلا تصلح الرواية للتعويل. على أنّها قاصرة الدلالة، لعدم صراحتها في لزوم ما صدر منه (عليه السلام) فإنّه عمل لا لسان له، و لعلّه كان على سبيل الاستحباب من باب التورّع و الاحتياط الذي هو حسن على كلّ حال، و إن كان طاهراً في ظاهر الشرع لمكان اليد التي هي أمارة التذكية و عدم كون الجلد من الميتة، بل لا مناص من الحمل عليه و إن سلّمت الدلالة و لم تكن قاصرة، لصراحة الصحاح السابقة في جواز الشراء من سوق المسلمين. و من الواضح البيّن أنّ أكثرهم يومئذ من المخالفين الذين يستحلّون الميتة بالدباغة، فكيف يمكن حملها على إرادة غير المستحل، فلم يكن بدّ من الحمل على الاستحباب، فالاحتياط المذكور في المتن استحبابي لا وجوبي.

(1) تقدم الكلام حول هذا الاستثناء في مبحث النجاسات (2) بنطاق واسع و ذكرنا دلالة جملة من الروايات على طهارة ما لا تحلّه الحياة و على جواز‌

____________

(1) الوسائل 4: 462/ أبواب لباس المصلي ب 61 ح 2، الكافي 3: 397/ 2.

(2) شرح العروة 2: 423.

161

..........

____________

الصلاة فيه و إن كان من أجزاء الميتة، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إنّ الصوف ليس فيه روح» (1) حيث يفهم من التعليل عموم الحكم لكلّ ما لا روح فيه.

و لو لا تلكم الروايات الناصّة على الجواز لحكمنا بعدمه و إن بنينا على طهارته، أخذاً بإطلاق دليل المنع بعد وضوح عدم الملازمة بين الطهارة و بين جواز الصلاة. و من ثم حكمنا بطهارة ما لم يعلم أنّه من الميتة. و كذا ميتة ما لا نفس له مع عدم جواز الصلاة في شي‌ء منهما.

فلا مانع من أن يكون المقام من هذا القبيل لولا ما عرفت من النصوص الصريحة في الجواز، التي بها ترفع اليد أيضاً عن ظاهر موثقة ابن بكير من اعتبار التذكية حتى فيما لا تحلّه الحياة، حيث قال (عليه السلام): «فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذبح» (2) فإنّها ظاهرة بمقتضى رجوع القيد إلى الجميع في اشتراط التذكية حتى فيما لا تحلّه الحياة.

لكن صراحة النصوص المزبورة في العدم تستوجب رفع اليد عن هذا الظهور، و الالتزام برجوع القيد إلى الفقرة الأخيرة، أعني قوله (عليه السلام): «و كلّ شي‌ء منه» و يكون حاصل المعنى أنّ الصلاة في كل شي‌ء مما يؤكل يتوقف على إحراز التذكية، و لا ينافي ذلك عدم التوقف في البعض كالصوف و نحوه، لأنّ مفهوم القضية الشرطية في قوله (عليه السلام): «و كلّ شي‌ء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي» عدم جواز الصلاة في كلّ شي‌ء منه إذا لم تعلم بالتذكية، فالقضية السالبة في الجملة المفهومية مصوغة على سبيل سلب العموم لا عموم السلب، و يكفي في سلبه جواز الصلاة في بعض الأجزاء و إن لم تحرز تذكيته، و إنّما لا يكفي إذا لوحظت القضية بنحو عموم السلب ليلزم الاطّراد في‌

____________

(1) الوسائل 3: 513/ أبواب النجاسات ب 68 ح 1.

(2) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

162

[مسألة 10: اللحم أو الشحم أو الجلد المأخوذ من يد الكافر أو المطروح في بلاد الكفار]

[1278] مسألة 10: اللحم أو الشحم أو الجلد المأخوذ من يد الكافر أو المطروح في بلاد الكفار، أو المأخوذ من يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين (1)

____________

جميع الأفراد، و يتنافى حينئذ مع صحيحة الحلبي، و ليس كذلك.

فالمقام نظير قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شي‌ء» (1) حيث إن مفهومه أنّه إذا لم يبلغ ينجسه شي‌ء لا أنّه ينجسه كلّ شي‌ء، بداهة أنّ نقيض السالبة الكلّية موجبة جزئية، كما أنّ نقيض الموجبة الكلّية سالبة جزئية فانّ السلب الكلّي ينافيه الإيجاب الجزئي، كما أنّ الإيجاب الكلّي ينافيه السلب الجزئي.

و عليه فلا مانع من الصلاة فيما لا تحله الحياة و إن كان من أجزاء الميتة.

(1) تقدم أنّ القاطع لأصالة عدم التذكية أحد أمرين:

الأوّل: الصنع في دار الإسلام، سواء أُخذ من يد مسلم أو كافر أو مجهول، لمصحّح إسحاق بن عمار الدالّ على أنّ الاعتبار بغلبة وجود المسلمين في البلاد التي يصنع فيها، ليكون ذلك أمارة على جريان يد المسلم و لو بحسب تلك الغلبة.

الثاني: الأخذ من يد المسلم، و قد دلّت عليه صحيحة الحلبي و صحيحة البزنطي (2) و غيرهما الناطقة باعتبار سوق المسلمين، و قد عرفت أنّ السوق في نفسه لا موضوعية له، و إنّما العبرة بغلبة وجود المسلمين فيه، و من ثم لو أُخذ فيه من يد مجهول الحال كفى، و لا يلزمه السؤال، بل قد نهي عنه في تلك الأخبار.

و منه تعرف أنّ ما أُفيد في المتن لا يستقيم على إطلاقه، فالمأخوذ من يد‌

____________

(1) الوسائل 1: 158/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1.

(2) المتقدمتان في ص 157.

163

أو المطروح في أرض المسلمين إذا لم يكن عليه أثر الاستعمال (1) محكوم بعدم التذكية، و لا تجوز الصلاة فيه.

____________

الكافر أو المطروح في بلاد الكفر إذا كان مصنوعاً في بلاد الإسلام محكوم بالتذكية، لكشفه عن جريان يد المسلم قبل الوصول إلى يد الكافر، كما أنّ المأخوذ من مجهول الحال في غير سوق المسلمين إنّما يحكم عليه بعدم التذكية إذا لم يكن مصنوعاً في بلاد الإسلام. فإطلاق القول بعدم التذكية في هذه الموارد في غير محلّه.

(1) تقدّم الكلام حول مستند هذا التقييد و أنه رواية إسماعيل بن عيسى الواردة في الشراء من أسواق الجبل (1) و عرفت النقاش فيها سنداً لضعفه، و دلالة لعدم وضوح كونها من أسواق المسلمين، بل لعلّ فيها ما يشهد بخلاف ذلك. و على أي حال فلا يمكن الاعتماد عليها. فالتقييد المزبور لا أساس له، بل يكفي كونه في يد المسلم أو مطروحاً في بلاد المسلمين و إن كان عارياً عن أثر الاستعمال، لإطلاقات نصوص السوق بعد أن عرفت أنّ السوق لا خصوصية له، و إنّما هو أمارة على إسلام من يؤخذ منه، بل عرفت أنّ الأخذ أيضاً لا خصوصية له، بل مجرد الاستيلاء على ما جرت عليه يد محكومة بالإسلام لغلبة المسلمين في البلد كافٍ و إن كان المأخوذ منه مجهول الحال، فلو جاءت هرّة و في فمها لحم حكم بتذكيته و إن لم يعلم إسلام اليد التي اختلسته الهرّة منها فضلًا عن استعمالها، بعد أن كان الغالب في الأرض هم المسلمين.

نعم، المأخوذ من يد الكافر في سوق المسلمين أو من مجهول الحال في سوق الكفار محكوم بعدم التذكية، لما عرفت من انصراف نصوص السوق إلى خصوص سوق المسلمين، و أنّه إنّما يكون أمارة مع الشك لا مع القطع بكفر اليد كما هو واضح جدّاً.

____________

(1) في ص 159.

164

بل و كذا المأخوذ من يد المسلم إذا علم أنّه أخذه من يد الكافر (1) مع عدم مبالاته بكونه من ميتة أو مذكى.

____________

(1) قد يقال بمشمولية هذه الصورة لإطلاقات نصوص السوق، نظراً إلى كثرة الكفرة الذين يتعاملون مع المسلمين، و لا سيما إذا ألحقنا بهم الخوارج و النواصب و الغلاة، لتداول ذبحهم للحيوانات و أكلهم لها و بيع جلودها، فلا موجب لتقييد يد المسلم بعدم السبق بيد الكافر، بل المتبع إطلاقات الأدلة.

و يظهر من المتن التفصيل بين المسلم المبالي بأحكام الدين و الملتزم بها فتكون يده حينئذ أمارة على التذكية، و بين غير المبالي فلا أمارية لها.

أقول: أمّا ما ذكره في غير المبالي فجيّد، إذ المستفاد من النصوص الناهية عن السؤال عن المأخوذ من سوق المسلمين اختصاص الحكم بصورة الجهل بالحال و احتمال اتصاف الحيوان بالتذكية، بحيث لو سألنا صاحب اليد لما ظهر لنا غالباً خلاف ما احتملناه، و من ثم نهينا عن تكلّف المسألة و التضييق على النفس بكثرة الأسئلة كما صنعه الخوارج، فلا تشمل ما كان معلوم الحال لكونه محكوماً بعدم التذكية من أول الأمر و قبل انتقاله إلى المسلم من أجل كونه تحت يد الكافر.

و بالجملة: لا تنفع يد المسلم المسبوقة قبل ساعة مثلًا بيد الكافر المحكومة آن ذاك بعدم التذكية، فإنّ ذلك بمنزلة ما لو أخذه من الكافر ابتداء و مباشرة من دون توسيط يد المسلم، فلا ينبغي الشك في خروج هذه الصورة عن منصرف الإطلاقات. و منه يعلم فساد ما أُفيد آنفاً من التمسك بها.

و أمّا ما ذكره في المبالي بالدين و الثقة الملتزم بأحكامه فإن كان تعريضه للبيع بمثابة إخباره عن التذكية صحّ، لحجيّة خبر الثقة في الموضوعات، و أمّا لو لم يكن كذلك و لو لاحتمال أنّه نسي شراءه من الكافر أو لم يكن ملتفتاً إلى كفره و نحن نعلم به فلا وجه حينئذ للحكم بالتذكية، لما عرفت من أنّ نصوص‌

165

..........

____________

أماريّة يد المسلم قاصرة الشمول للمسبوقة بيد الكافر. فالتفصيل بين المبالي و غيره لا يستقيم على إطلاقه.

تنبيه: لو كان نصف الحيوان بيد المسلم و نصفه الآخر في يد الكافر فمقتضى اليد الأُولى تذكية ما في تحتها، كما أنّ مقتضى الثانية عدم التذكية، و لكنّا نعلم وجداناً باتحاد حكم النصفين و الملازمة بينهما واقعاً، لعدم تحمّل الحيوان الواحد لحكمين متضادين، فأمّا أنّه مذكى كلّه، أو غير مذكى كلّه أيضاً، فلا يحتمل التفكيك في الحكم الواقعي.

و هل يمكن ذلك في الحكم الظاهري أو انّه لا بدّ من الحكم عليهما معاً بالتذكية أو بعدمها؟

لا شبهة أنّ يد المسلم أمارة التذكية، و بناء على المشهور من حجية مثبتات الأمارات تدلّ بالالتزام على تذكية النصف الآخر أيضاً.

و أمّا يد الكافر فان قلنا بأنّها أمارة على عدم التذكية كما مال إليه في الجواهر (1) فتدلّ طبعاً بالالتزام على عدم تذكية النصف الآخر، فيتعارض المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للآخر، و المرجع بعد التساقط أصالة عدم التذكية في النصفين معاً.

و إن أنكرنا ذلك و بنينا على أنّ يد الكافر لا تكون أمارة على التذكية لا أنّها تكون أمارة على العدم، فلا جرم تكون يد المسلم سليمة عن المعارض، فيعمل بمقتضاها من كونها أمارة على تذكية النصفين معاً، أحدهما بالمطابقة و الآخر بالالتزام.

هذا على المشهور من حجية الأمارات في لوازمها و العمل بمثبتاتها مطلقاً حتى أنّهم جعلوا ذلك هو الفارق بينها و بين الأُصول العملية.

و لكنّا ذكرنا في محلّه (2) أنّ هذا بالرغم من اشتهاره و انتشاره لا أساس له‌

____________

(1) الجواهر 8: 54.

(2) مصباح الأُصول 3: 151 155.

166

[مسألة 11: استصحاب جزء من أجزاء الميتة في الصلاة موجب لبطلانها و إن لم يكن ملبوساً]

[1279] مسألة 11: استصحاب جزء من أجزاء الميتة في الصلاة موجب لبطلانها و إن لم يكن ملبوساً (1).

____________

و ربّ شهرة لا أصل لها، فإنّ حجيّة اللوازم تفتقر إلى الدليل، و مجرد الأمارية لا تستوجبها. و من ثم كان الظن بالقبلة لدى فقد العلامات حجة و أمارة عليها، دون أن يثبت بذلك لازمها من دخول الوقت لو زالت الشمس عن الحاجب الأيمن لدى الوقوف إلى الجهة المظنون كونها قبلة.

أجل إنّ طائفة من الأمارات و هي التي تكون من سنخ الحكايات كخبر الواحد و الإقرار، و خبر الثقة في الموضوعات و ما شاكلها تكون حجة في مثبتاتها، لأنّ بناء العقلاء الذي هو العمدة في الحجية كما قام عليها في المدلول المطابقي قام عليها في المدلول الالتزامي أيضاً بمناط واحد حتى إذا كان المخبر بنفسه جاهلًا بالملازمة، فلو أخبر أنّ زيداً شرب ما في الكأس و لا يدري ما فيه و نحن نعلم أنّه سمّ قاتل فقد أخبر عن مماته، كما أنّه لو أقرّ بأنّه أوصل السلك الكهربائي بعمرو فقد أقرّ بقتله.

و حيث إنّ أمارية يد المسلم لم تكن من هذا القبيل فلا تكون مثبتاتها حجة. إذن فيبقى ما في يد الكافر تحت أصالة عدم التذكية، و نتيجة ذلك هو التفصيل بين النصفين فيحكم بتذكية ما في يد المسلم دون غيره. و لا مانع من التفكيك بين المتلازمين في الأحكام الظاهرية، فإنّه غير عزيز في الفقه كما لا يخفى.

(1) تقدّم في مبحث النجاسات (1) أنّ الممنوع في الروايات إنّما هو الصلاة في الميتة، و هي لمكان الظرفية تفيد الاختصاص بالملبوس، حيث يكون كظرف للمصلي و لو بالعناية فلا يشمل المحمول، كما هو الحال في النهي عن الصلاة في الذهب و الحرير، حيث إنّ الممنوع لبسهما لا حملهما، و لكن هناك رواية واحدة يظهر منها شمول المنع للمحمول أيضاً، و هي صحيحة عبد اللّٰه بن جعفر قال:

____________

(1) شرح العروة 3: 436.

167

[مسألة 12: إذا صلى في الميتة جهلًا لم يجب الإعادة]

[1280] مسألة 12: إذا صلى في الميتة جهلًا لم يجب الإعادة، نعم مع الالتفات و الشك لا تجوز و لا تجزئ (1)، و أمّا إذا صلى فيها نسياناً فان كانت ميتة ذي النفس أعاد في الوقت و خارجه [1] (2).

____________

«كتبت إليه، يعني أبا محمد (عليه السلام): يجوز للرجل أن يصلي و معه فأرة المسك؟ فكتب: لا بأس به إذا كان ذكيا» (1) لظهورها في أنّ المسئول عنه هو الفأرة أعني الوعاء دون المسك نفسه. و قد دلّت بمقتضى المفهوم على عدم جواز حملها في الصلاة إذا لم تكن ذكيا. و من ثم فصّلنا ثمة في الأعيان النجسة بين الميتة و غيرها، و عممنا المنع في الأول للملبوس و المحمول فراجع (2).

(1) فصّل (قدس سره) في الجاهل بين المركب و البسيط.

ففي الأول، أعني من لم يلتفت إلى جهله إمّا لكونه غافلًا أو لاعتقاده الخلاف ثم انكشف له الخلاف بعد الصلاة صحّت، و لا إعادة عليه في الوقت فضلًا عن خارجه لحديث لا تعاد، سواء كانت الميتة نجسة أم طاهرة، فإنّ المانعية من كلتا الناحيتين مرفوعة بالحديث، مضافاً إلى النصوص الخاصة الناطقة بالعفو عن النجاسة لدى الجهل بها.

و في الثاني بما أنّ الشرط و هو التذكية غير محرز، بل محرز العدم بمقتضى أصالة العدم، فلا يجوز للملتفت الدخول في المشروط قبل إحراز شرطه، بعد وضوح عدم كون مثله مشمولًا للحديث.

(2) لنجاسة الميتة حينئذ، و قد نطقت الروايات ببطلان الصلاة مع نسيان النجاسة، و هي بمثابة التخصيص في حديث لا تعاد، فلا جرم تجب الإعادة أو القضاء.

____________

[1] هذا إذا كانت الميتة مما تتم الصلاة فيه و إلا لم تجب الإعادة حتى في الوقت.

____________

(1) الوسائل 4: 433/ أبواب لباس المصلي ب 41 ح 2.

(2) شرح العروة 3: 441.

168

و إن كان من ميتة ما لا نفس له فلا تجب الإعادة (1).

[مسألة 13: المشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من غيره لا مانع من الصلاة فيه]

[1281] مسألة 13: المشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من غيره لا مانع من الصلاة فيه (2).

[الرابع: أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه]

الرابع: أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه (3)، و إن كان مذكى أو حياً، جلداً كان أو غيره، فلا تجوز الصلاة في جلد غير المأكول، و لا شعره و صوفه، و ريشه، و وبره، و لا في شي‌ء من فضلاته،

____________

و كان على الماتن تقييد الحكم بما إذا كانت الميتة مما تتم فيه الصلاة. أمّا ما لا تتم فلا تجب الإعادة حتى في الوقت، لحديث لا تعاد، بعد قصور ما دلّ على البطلان في ناسي النجاسة عن الشمول للمقام، لاختصاصه بما إذا كانت النجاسة المنسية في الثوب و نحوه مما تتم فيه الصلاة.

(1) إذ لا مانعية حينئذ إلا من ناحية الميتة دون النجاسة، و هي مشمولة لحديث لا تعاد.

(2) لا لأصالة البراءة عن اشتراط تذكيته أو عن مانعيته، بل للأصل الموضوعي الحاكم عليها، و هو أصالة عدم كونه من جلد الحيوان، أمّا بناءً على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية فواضح، و أمّا بناء على عدمه فلجريانه على سبيل العدم النعتي، فانّ الجلد يتكون قبل ولوج الروح، و بعدئذ يتصف بكونه جلد الحيوان، فنشير إلى هذا الجسم بالذات و نقول إنّه كان موجوداً في زمان و لم يكن متصفاً بكونه من جلد الحيوان و الآن كما كان فيترتب عليه جواز الصلاة فيه.

(3) بلا خلاف فيه و لا إشكال، بل قد تسالم عليه الأصحاب ظاهراً قديماً و حديثاً، مضافاً إلى نقل الإجماع المستفيض في كلمات غير واحد منهم و قد دلّت عليه روايات كثيرة عمدتها موثقة ابن بكير قال: «سأل زرارة أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من‌

169

..........

____________

الوبر، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّٰه أكله إلى أن قال: و إن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد ذكّاه الذبح أم لم يذكه» (1) الدالّة بصدرها و ذيلها على المنع عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، سواء أذكي بالذبح أم لا.

نعم، ناقش في الحكم السيد صاحب المدارك فذكر أنّ الروايات لا تخلو عن ضعف في السند أو قصور في الدلالة، و المسألة محل إشكال (2). انتهى.

و هذه المناقشة منه (قدس سره) مبنية على مسلكه في حجيّة الأخبار من الاقتصار على ما كان الراوي إمامياً عدلًا موثقاً، المعبر عنه بالصحيح الأعلائي. فانّ مثل هذا السند و إن كان موجوداً في أخبار الباب إلا أنّ الدلالة حينئذ قاصرة، للتعبير ب‍ «ما أُحبّ» كما في صحيح محمد بن مسلم (3) غير الظاهر في التحريم، و ما كانت الدلالة فيه قوية كأغلب الأخبار لا تشتمل على مثل هذا السند، فانّ عمدتها رواية ابن بكير كما عرفت، و هو كإبراهيم بن هاشم الواقع في السند غير موصوفين بما ذكر كما لا يخفى.

لكن المبنى فاسد كما قرر في محلّه (4)، بل المناط في حجيّة الخبر كون الراوي موثوقاً به، سواء كان عدلًا إمامياً أم لا، و لا شك أنّ ابن بكير من الثقات، و قد تقدّم غير مرة أنّ إبراهيم بن هاشم أيضاً كذلك على الأقوى، مع أنّ هذه الرواية تشتمل على عظيمين من أصحاب الإجماع، و هما الرجل مع ابن أبي‌

____________

(1) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

(2) المدارك 3: 162.

(3) الوسائل 4: 355/ أبواب لباس المصلي ب 7 ح 1.

(4) مصباح الأُصول 2: 200.

170

سواء كان ملبوساً أو مخلوطاً به أو محمولًا (1) حتى شعرة واقعة على لباسه، بل حتى عرقه و ريقه و إن كان طاهراً ما دام رطباً، بل و يابساً إذا كان له عين.

____________

عمير، فلا ينبغي التشكيك في السند. كما أنّها صريحة الدلالة (1) مضافاً إلى التسالم و الإجماعات المستفيض نقلها كما عرفت. فالحكم في الجملة ينبغي أن يعدّ من المسلمات التي لا غبار عليها.

(1) إنّما الكلام في أنّ هذا الحكم هل يختص بالملبوس أم يعمّ المحمول أيضاً. ظاهر الروايات في حدّ نفسها هو الأول، لمكان التعبير بكلمة «في» التي هي للظرفية في مثل قوله: «إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء ...» إلخ المتوقف صدقها على اشتمال الوبر مثلًا على المصلي كي يصدق بهذه العناية وقوع الصلاة فيه، و إلا فلا مصحّح للصدق من دون مراعاة ذلك، فيختصّ بالملبوس، كما مرّ نظير ذلك في الميتة (2)، لكن المراد بها في خصوص المقام مطلق المصاحبة و الملابسة دون الظرفية بخصوصها، بقرينة ذكر البول و الروث في الموثق، لعدم اشتمالهما على المصلي حتى تصدق الظرفية فيهما، و لو فرض صحة الإطلاق فيما لو وقعا على اللباس باعتبار اشتمال اللباس المتنجس بهما على المصلّي فلا يكاد يصح الإطلاق حتى بهذه العناية فيما لو وقعا على البدن مباشرة، مع أنّ الصلاة حينئذ محكومة بالفساد بلا إشكال.

فيظهر من ذلك أنّ الممنوع مطلق المصاحبة كما عرفت فيعمّ المحمول‌

____________

(1) نعم هي معارضة برواية قاسم الخياط: «ما أكل الورق و الشجر فلا بأس بأن يصلى فيه، و ما أكل الميتة فلا تصلّ فيه» [الوسائل 4: 354/ أبواب لباس المصلي ب 6 ح 2]، بالعموم من وجه كما أشار إليه المحقق النائيني (قدس سره) في رسالته الصلاة في المشكوك: 45 فتتعارضان في مثل المسوخ التي تأكل الورق و لا يؤكل لحمها.

و لكنّه مضافاً إلى ضعف سند الرواية فلا تنهض للمقاومة أنّ دلالتها بالإطلاق، و دلالة الموثقة بالعموم الوضعي، و هو مقدّم عليه.

(2) في ص 167.

171

..........

____________

أيضاً، بل حتى السقطات من الشعر أو الوبر الواقعة على اللباس أو البدن.

و يؤيده رواية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: «كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر و الشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة، فكتب: لا تجوز الصلاة فيه» (1).

لكن الرواية لمكان الضعف غير صالحة للاستدلال، لعدم ثبوت وثاقة إبراهيم، غير أنّه حج أربعين سنة و كان وكيلًا للناحية المقدسة، و شي‌ء منهما لا يقتضيان الوثاقة. أمّا الأوّل فظاهر، و كذا الثاني، إذ مجرد الوكالة في الأموال لا تستدعي إلا الأمانة و عدم الخيانة فيها، و هي لا تستلزم الوثاقة في مقام الحكاية، التي هي مناط حجية الرواية، فإنّ بين الأمرين عموماً من وجه.

نعم، روى الكشي بسنده عن الدينوري قال: كنت أنا و أحمد بن أبي عبد اللّٰه بالعسكر فورد علينا رسول من الرجل فقال: الغائب العليل ثقة، و أيوب بن نوح و إبراهيم بن محمد الهمداني و أحمد بن حمزة و أحمد بن إسحاق ثقات جميعاً (2).

و هذه الرواية لو ثبتت فنعم التوثيق، لكنها في نفسها ضعيفة السند، كرواية الشيخ الطوسي لها في الغيبة (3)، و العلامة في الخلاصة (4)، فلا يعبأ بها لضعف الطريق في الجميع، هذا.

مضافاً إلى أنّ في السند عمر بن علي بن عمر بن يزيد، و هو أيضاً غير ثابت الوثاقة.

و قد يقال: إنّ في عدم استثناء القميين روايته من كتاب نوادر الحكمة مع رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه نوع شهادة على الوثاقة. و هذه الدعوى قد‌

____________

(1) الوسائل 4: 346/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 4.

(2) رجال الكشي: 557/ 1053 [و فيه (الرازي) بدل: الدينوري].

(3) الغيبة: 417/ 395 [و لم ينقل صدر جوابه (عليه السلام)].

(4) الخلاصة: 52/ 23.

172

..........

____________

تكرّر ذكرها في كلمات الوحيد البهبهاني و قد أخذها منه جمع ممّن تأخّر عنه فذكر أنّ ابن الوليد شيخ القميين مع اعترافه بجلالة محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري لا يعمل بجميع رواياته لنقله عن الضعاف كثيراً، فاستثنى عدة ممّن يروي عنهم يبلغ عددهم خمساً و عشرين راوياً فلم يعتمد على رواياته عنهم و قد وافقه القميون على ذلك إلا في استثناء محمد بن عيسى العبيدي الذي وقع الكلام فيه من بعضهم.

و كيف كان، فقد ذكر البهبهاني أنّ في اقتصار ابن الوليد في الاستثناء على جماعة مخصوصين نوع شهادة على توثيق غيرهم ممّن يروي محمد بن أحمد بن يحيى عنهم، و حيث إنّ من جملتهم هذا الرجل أعني عمر بن علي بن عمر فيشمله التوثيق (1).

لكن هذه الدعوى كما ترى ظاهرة الضعف، ضرورة أنّ ابن الوليد إنّما ذكر أنّه لا يعمل من روايات الأشعري ما يرويه عن هؤلاء الجماعة لثبوت ضعفهم لديه، و أمّا غيرهم ممن يروي عنهم فغير ثابت الضعف، و لذا لم يستثنهم، لا أنّهم موثقون. و كم فرق بين الأمرين، فليس في عدم التعرض لاستثناء غيرهم إشعار بالشهادة على وثاقتهم، فضلًا عن الدلالة كما لا يخفى، فتدبر.

و كيف ما كان، فهذه الرواية لمكان الضعف غير صالحة للاستدلال، و إنّما ذكرناها تأييداً.

و المتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الأقوى ما عليه المشهور من المنع عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل مطلقاً، من دون فرق بين الملبوس و المحمول و الشعرات الساقطة على اللباس، عملًا بإطلاق الموثق كما عرفت.

و منه يظهر ضعف التفصيل بين الملبوس و غيره كما عن جماعة، فخصوا المنع بالأوّل جموداً على ما هو المنسبق من كلمة «في» الواردة في الموثق، الظاهرة في‌

____________

(1) حاشية المدارك: 137.

173

..........

____________

الظرفية المستدعية لكون المدخول مما يشتمل على المصلّي و لو بعضه، فيختص باللباس، لعدم الاشتمال في غيره. كضعف التفصيل الآخر بين المحمول و غيره بإلحاق الشعرات الواقعة على اللباس بالملبوس، بدعوى الاقتصار على الظرفية المستفادة من الموثق مع الالتزام بالتوسعة فيها بقرينة ذكر الروث و البول، فانّ صدق الظرفية بلحاظهما مستقلا و إن كان ممتنعاً لكنّها صادقة على اللباس المتلوث بهما، فيصدق حينئذ أنّه صلّى في البول أو الروث بنحو من التوسعة في مفهوم الظرفية.

و فيه: أنّا لا نرى فرقاً في شمول إطلاق الموثق بين البول أو الروث الواقعين على اللباس أو على البدن، و لا نحتمل الفرق بين الصورتين لا ثبوتاً و لا إثباتاً كما لا يخفى. فلا ينبغي التأمّل في أنّهما كالمحمول مندرج تحت الإطلاق، و لازمه حمل الموثق على إرادة مطلق الملابسة و المصاحبة دون الظرفية، لا الخاصة و لا الموسعة كما عرفت.

و قد يقال بامتناع الحمل على مطلق المصاحبة، و إلا لزم المنع عن الصلاة في محل أجزاء ما لا يؤكل لحمه مثل المخازن و السفن الحاملة لها أو في المكان المفروش بها، لصدق المصاحبة حينئذ قطعاً، مع أنّه كما ترى لا يمكن الالتزام به.

و جوابه ظاهر، إذ المراد من المصاحبة بمقتضى مناسبة الحكم و الموضوع ملاحظة المعيّة و الاقتران بين الصلاة بما هي صلاة مع أجزاء ما لا يؤكل، و أمّا سائر الملابسات و المقارنات الملحوظة بالإضافة إلى المصلي من المكان و الفضاء و نحوهما فهي أجنبية عن هذه المصاحبة المستفادة من الموثّق. فالمراد مصاحبة خاصة كما لا يخفى.

نعم، قد يعارض إطلاق الموثق بصحيحة محمد بن عبد الجبار قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله: هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكّة حرير محض، أو تكّة من وبر الأرانب؟ فكتب: لا تحلّ الصلاة‌

174

..........

____________

في الحرير المحض، و إن كان الوبر ذكيا حلّت الصلاة فيه إن شاء اللّٰه» (1).

لكن الأخذ بظاهر الصحيح مشكل جدّاً، لعدم خلوّه عن الاضطراب و التشويش، لأنّه إن أُريد من الذكي المقيّد به الوبر هو الطاهر في مقابل النجس فلا ريب في عدم اعتبار الطهارة فيما لا تتم به الصلاة كالقلنسوة المفروضة في السؤال و نحوها، للنصوص الكثيرة الدالة على العفو عنها حينئذ كما تقدّمت في محلّها (2).

و إن أُريد به ما يقابل الميتة فمن الواضح جواز الصلاة في أجزائها التي لا تحلها الحياة كالوبر و نحوه كما نطق به النص على ما مرّ (3). فعلى التقديرين يصبح التقييد لغواً لا محصّل له. فهذان الاحتمالان ساقطان.

نعم، هناك احتمالان آخران لا مناص من حمل الصحيح على أحدهما.

الأول: الحمل على التقية لاستقرار المذهب الحنبلي و الشافعي اللذين كانا هما المتعارف من مذاهب العامة في زمن صدور هذه الصحيحة على جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه مع التذكية كما نص عليه في الجواهر (4).

و يؤيده تذييل الصحيح بقوله (عليه السلام): «إن شاء اللّٰه» فانّ فيه نوع إشعار بالتقية كما لا يخفى.

و يؤيده أيضاً قوله في رواية إبراهيم الهمداني المتقدمة (5): «من غير تقية و لا ضرورة» المشعر باقتضاء التقية ذلك.

الثاني: أن يراد بالذكي ما ذكي بالحديد و كان محلّل الأكل كما فسّر بذلك في‌

____________

(1) الوسائل 4: 377/ أبواب لباس المصلي ب 14 ح 4.

(2) شرح العروة 3: 428.

(3) في ص 161.

(4) الجواهر 8: 85.

(5) في ص 171.

175

و لا فرق في الحيوان بين كونه ذا نفس أو لا كالسمك الحرام أكله (1).

____________

رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة (1). و هذا الاحتمال و إن كان بعيداً في حدّ نفسه و مخالفاً لظهور الصحيح، لكن لا مانع من الالتزام به في مقام الجمع، بل هو المتعيّن لو لم يحمل الصحيح على التقية بعد ما عرفت من تزييف الاحتمالين الأولين.

و لا يرد عليه بتوقّفه على كون الأرانب قسمين محلّل الأكل و محرّمه، و ليس كذلك كما قيل لابتناء الإيراد على كون المقيد ب‍ «الذكي» في الصحيح خصوص وبر الأرانب، و لا ملزم له، بل المقيّد مطلق الوبر، سواء كان من الأرانب أم غيرها كما لا يخفى.

و كيف كان، فقد عرفت أنّ الأقرب هو الاحتمال السابق أعني الحمل على التقية فلا تعارض بينه و بين الموثق.

فتحصّل: أنّ مقتضى إطلاق الموثق السليم عن المعارض لزوم الاجتناب في الصلاة عن كلّ جزء من أجزاء غير المأكول لبساً أو حملًا حتى الشعرة الواقعة على اللباس أو البدن، بل حتى العرق أو الريق و إن كان طاهراً، بل و إن كان يابساً إذا بقي له عين حينئذ. و أمّا اليابس الذي لا عين له فلا بأس به لانتفاء الموضوع كما هو واضح.

(1) كما هو المشهور، لإطلاق النصوص. و ربما يناقش فيه بأنّ العمدة منها هو الموثق كما مرّ، و صدره و إن كان مطلقاً يشمل ذات النفس و غيرها، لكن ذيله مختص بذي النفس، لقوله (عليه السلام): «ذكّاه الذبح أو لم يذكه» إذ من المعلوم اختصاص الذبح به دون ما لا نفس له، فيحمل الصدر عليه بقرينة الذيل.

و يندفع: بأنّ الصدر رواية مستقلة حكاها الصادق (عليه السلام) عن النبي‌

____________

(1) [بل الآتية في ص 223].

176

[مسألة 14: لا بأس بالشمع و العسل و الحرير الممتزج]

[1282] مسألة 14: لا بأس بالشمع و العسل و الحرير الممتزج و دم البق و القمل و البرغوث (1) و نحوها من فضلات أمثال هذه الحيوانات مما لا لحم لها.

____________

(صلى اللّٰه عليه و آله) بإخراج كتاب زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و الذيل من إنشاء الصادق (عليه السلام) بنفسه. فالموثّق ينحل إلى روايتين مستقلتين: إحداهما عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأُخرى عن الصادق (عليه السلام) لا ربط بينهما سوى مجرد الجمع بينهما في مجلس واحد فليس ذلك من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية بعد عدم صدورهما من متكلم واحد، بل الاولى منهما قد صدرت عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في زمانه، و قد انعقد لها الظهور الكلامي من دون احتفافه بما يصادم ظهوره في الإطلاق. فتذييلها بالرواية الثانية في مقام الجمع بينهما لدى الحكاية لا يخلّ بهذا الظهور، و ليس بينهما تنافٍ كي تحمل إحداهما على الأُخرى عملًا بصناعة الإطلاق و التقييد.

و عليه فالرواية الثانية الصادرة عن الصادق أعني الذيل و إن كانت قاصرة عن إفادة الإطلاق لما ذكر، لكن الأُولى الصادرة عن النبي الأكرم (صلى اللّٰه عليه و آله) أعني الصدر غير قاصرة عن إفادته، فيتمسك بها.

(1) الوجه في ذلك كلّه و نحوها من فضلات الحيوانات التي لا لحم لها أُمور:

أحدها: الإجماع و التسالم عليه.

الثاني: قيام السيرة القطعية على عدم الاجتناب عن هذه الأُمور، بل عن نفس تلك الحيوانات في الصلاة كما هو ظاهر.

الثالث: قصور المقتضي للمنع، فانّ العمدة من روايات الباب هو الموثق (1) و لا إطلاق له بالإضافة إلى ما لا لحم له من الحيوانات، فإنّه ينحلّ إلى روايتين كما عرفت آنفاً، و شي‌ء منهما لا إطلاق له. أمّا الذيل فظاهر، للتقييد فيه‌

____________

(1) أي موثق ابن بكير المتقدم في ص 168.

177

و كذا الصدف (1) لعدم معلومية كونه جزءاً من الحيوان، و على تقديره لم يعلم كونه ذا لحم، و أمّا اللؤلؤ فلا إشكال فيه أصلًا، لعدم كونه جزءاً من الحيوان.

____________

باللحم، و أمّا الصدر فهو و إن لم يتقيّد به، بل الموضوع فيه ما حرّم أكله الشامل لما لا لحم له أيضاً، لكنّه منصرف قطعاً إلى الحيوان الذي له لحم قابل للأكل فما لا لحم له الذي يكون أكله ببلعه كالبق و نحوه منصرف عن النصّ جزماً كما هو ظاهر جدّاً.

و يؤيده رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال: لا، و إن كثر» (1) لكنّها ضعيفة السند و إن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات لمكان ابن سنان الذي هو محمد بن سنان بقرينة الراوي و المروي عنه كما لا يخفى.

نعم، هناك رواية أُخرى لا بأس بالاستدلال بها و هي موثقة عبد اللّٰه بن أبي يعفور قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس، قلت: إنه يكثر و يتفاحش، قال: و إن كثر» (2) فانّ المراد السؤال عن حكم ذلك في الصلاة و إن لم يصرح بها و لذا سأل ثانياً أنّه يكثر و يتفاحش، لتخيّله اختصاص العفو بمقدار الدرهم مثلًا كما في سائر الدماء و إلا فلو أراد السؤال عن حكمه في نفسه كان السؤال الثاني لغواً، لوضوح عدم الفرق في نجاسة الشي‌ء بين قليله و كثيره.

و على الجملة: فالمقتضي للمنع في نفسه قاصر أوّلًا، و على تقدير ثبوته فالمانع موجود كما عرفت.

(1) إذ لم يثبت أولًا أنّ ما يتكوّن فيه حيوان كي يكون الصدف جزءاً منه‌

____________

(1) الوسائل 3: 431/ أبواب النجاسات ب 20 ح 7.

(2) الوسائل 3: 435/ أبواب النجاسات ب 23 ح 1. [الظاهر كونها صحيحة اصطلاحاً فلاحظ].

178

[مسألة 15: لا بأس بفضلات الإنسان]

[1283] مسألة 15: لا بأس بفضلات الإنسان، و لو لغيره كعرقه، و وسخه و شعره، و ريقه، و لبنه (1) فعلى هذا لا مانع في الشعر الموصول بالشعر، سواء كان من الرجل أو المرأة، نعم لو اتخذ لباساً من شعر الإنسان فيه إشكال [1] سواء كان ساتراً أو غيره، بل المنع قوي خصوصاً الساتر.

____________

أم أنّه ليس بحيوان رأساً، بل هو جسم نامٍ على هذه الكيفية الخاصة.

و على تقديره فهل إنّ الصدف جزء منه أو إنّه ظرف و وعاء لتكوّن الحيوان فيه.

و على تقديره أيضاً فهل هو ذو لحم أو أنّه جلد أو قشر محض، كبعض الحيوانات التي لا لحم لها. و التشكيك في كلّ من هذه النواحي كافٍ في عدم ثبوت المنع و الرجوع إلى البراءة كما هو ظاهر.

و صحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام): «سألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر و الفرات أ يؤكل؟ قال (عليه السلام): ذلك لحم الضفادع لا يحلّ أكله» (1) غير ظاهر في ثبوت اللحم لهذا الحيوان، لجواز أن يكون المراد أنّ هذا لحم الضفدع و قد دخل في الصدف غذاء لهذا الحيوان لا أنّه لحمه و هو غذاء الضفدع، فلا يخلو الصحيح عن الإجمال.

و أمّا اللؤلؤ فالأمر فيه أظهر، إذ لم يثبت كونه جزءاً من الحيوان أصلًا و لعلّه من قطرات المطر تبدلت عند وقوعها على الصدف لؤلؤاً، كما أُشير إلى ذلك في بعض الإشعار الفارسية فلاحظ. و قد قامت السيرة القطعية على جواز لبسه في الصلاة.

(1) لقيام السيرة على عدم الاجتناب عن هذه الأُمور في الصلاة، من غير فرق بين كونها من نفس المصلّي أو من غيره، بل إنّ بعضها كالظفر و السن‌

____________

[1] و الأظهر الجواز بلا فرق بين الساتر و غيره.

____________

(1) الوسائل 24: 146/ أبواب الأطعمة المحرمة ب 16 ح 1.

179

..........

____________

و إرضاع المرأة طفلها في الصلاة منصوص بالخصوص، و هل يحكم بالجواز في غير مورد السيرة و النصّ كما لو اتخذ لباساً من شعر الإنسان أو لا؟ استشكل فيه في المتن، من غير فرق بين كونه ساتراً أم غيره، بل ذكر (قدس سره) أنّ المنع قوي خصوصاً في الساتر.

و مبنى الإشكال هو أنّ الموثّق الذي هو العمدة في المقام هل يعمّ أجزاء كلّ ما لا يؤكل لحمه حتى الإنسان، أو يختص بالحيوان غير الإنسان؟ فعلى الأوّل يقتصر في التخصيص على المقدار المتيقن الذي قام عليه الدليل من السيرة أو النص، و يرجع فيما عدا ذلك إلى العام المقتضي للمنع، و حيث إنّ اللباس المتخذ من شعر الإنسان لم يرد فيه نص بالخصوص و لم يكن مورداً للسيرة كي يثبت التخصيص بالنسبة إليه زائداً على المقدار المعلوم فهو مشمول للعموم، و مقتضاه بطلان الصلاة فيه.

و على الثاني فحيث إنّ المقتضي للمنع قاصر في حد نفسه لعدم ثبوت العموم بالنسبة إليه فالمرجع حينئذ عند الشك أصالة البراءة.

و كأن الماتن (قدس سره) اختار الأوّل، و لأجله بنى على عدم الجواز. لكنّ الأظهر هو الثاني، لقصور المقتضي و عدم ثبوت الإطلاق في الموثق، لانصراف عنوان ما لا يؤكل عن الإنسان جزماً، إذ المنسبق منه إلى الذهن عرفاً ما يكون لحمه متعارف الأكل غايته قد يكون محلّلًا و أُخرى محرّماً، و ليس الإنسان من هذا القبيل بالضرورة.

و إن شئت فقل: عنوان ما لا يؤكل يتضمن النهي عن الأكل، فيستدعي أن يكون هناك آكل و مأكول، و المخاطب بالنهي إنّما هو الإنسان، فهو الآكل و هو الطرف للإضافة، فيكون الطرف الآخر أعني المأكول غيره من بقية الحيوانات.

و بالجملة: لا ينبغي التشكيك في انصراف هذا العنوان عن الإنسان فالمقتضي للمنع قاصر في حدّ نفسه. فالأقوى جواز الصلاة في الثوب المنسوج‌

180

[مسألة 16: لا فرق في المنع بين أن يكون ملبوساً أو جزءاً منه]

[1284] مسألة 16: لا فرق في المنع بين أن يكون ملبوساً أو جزءاً منه، أو واقعاً عليه أو كان في جيبه، بل و لو في حُقة هي في جيبه (1).

[مسألة 17: يستثني مما لا يؤكل الخز الخالص]

[1285] مسألة 17: يستثني مما لا يؤكل الخز الخالص (2)

____________

من شعر الإنسان، لأصالة البراءة عن المانعية و إن كان الأحوط تركه.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة قريباً، و معه لا حاجة إلى الإعادة فلاحظ (1).

(2) يقع الكلام تارة في الوبر المتخذ من ذلك الحيوان، و أُخرى في الجلد فهنا مقامان:

أمّا المقام الأول: فلا إشكال كما لا خلاف في استثناء الوبر، بل هو مورد للإجماع و الاتفاق كما نصّ عليه في غير واحدة من الكلمات. و النصوص الواردة في المقام كثيرة، إلا أنّ جملة منها غير صالحة للاستدلال و إن استدلّ بها و هي الحاكية لفعل المعصوم (عليه السلام) من لبسه الخز أو الصلاة فيه و نحو ذلك، و هي كثيرة كصحيح الجعفري أنّه قال: «رأيت الرضا (عليه السلام) يصلّي في جبّة خزّ» (2)، و علي بن مهزيار (3) و زرارة (4) و البزنطي (5) و غيرها.

و الوجه في ذلك: أنّ الخز يطلق لغة على معاني أربعة: الحرير الخالص و المشوب بغيره من صوف و نحوه، و الثوب المتخذ من وبر الحيوان المسمّى بالخز، و نفس ذلك الحيوان.

أمّا المعنى الأوّل و الأخير فغير مرادين من هذه الأخبار جزماً كما هو ظاهر فيدور الأمر بين الاحتمالين المتوسطين. و مبنى الاستدلال هو الثاني منهما، و إلا فعلى الأول أعني إرادة الحرير المشوب بغيره تكون الروايات أجنبية عن‌

____________

(1) في ص 170.

(2) الوسائل 4: 359/ أبواب لباس المصلي ب 8 ح 1، 2، 3.

(3) الوسائل 4: 359/ أبواب لباس المصلي ب 8 ح 1، 2، 3.

(4) الوسائل 4: 359/ أبواب لباس المصلي ب 8 ح 1، 2، 3.

(5) الوسائل 4: 364/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 5.

181

..........

____________

المقام كلّية، و لا قرينة على التعيين. كما لا يحتمل فيها الإطلاق، فإنّها قضية شخصية خارجية، و لا لسان للفعل كي يستظهر منه الحال.

و بالجملة: الروايات المزبورة في حدّ نفسها قابلة لإرادة كلّ من المعنيين لاستعمال الخز في الحرير المشوب حتى في لسان الأخبار كما في صحيح أبي داود ابن يوسف بن إبراهيم قال: «دخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و عليَّ عباء خز و بطانته خز و طيلسان خز مرتفع، فقلت: إن عليَّ ثوباً أكره لبسه، فقال: و ما هو؟ قلت: طيلساني هذا، قال: و ما بال الطيلسان؟ قلت: هو خز، قال: و ما بال الخز؟ قلت: سداه إبريسم ...» إلخ (1) فقد أُطلق الخز على ما سداه الإبريسم، فلعلّ المراد به في هذه الروايات هو ذلك أيضاً، و حيث لا قرينة على التعيين فتصبح مجملة فتسقط عن الاستدلال.

و هناك روايات اخرى لا بأس بدلالتها، لكنها ضعيفة السند، كمرفوعة أيوب بن نوح (2) و غيرها، أغمضنا عن ذكرها.

و العمدة في المقام روايات ثلاث معتبرة سنداً و دلالة.

إحداها: موثقة معمر بن خلاد قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في الخز، فقال: صلّ فيه» (3) فانّ الخز هنا لا يحتمل أن يراد به الحرير المحض كما هو ظاهر، كما لا يحتمل إرادة نفس الحيوان، إذ لا معنى للصلاة فيه، فلا يقال: سألت عن الصلاة في الشاة مثلًا. فيدور الأمر بين أن يراد به الثوب المتخذ من وبر الخز أو الحرير المشوب بغيره من صوف و نحوه و مقتضى الإطلاق و ترك الاستفصال جواز الصلاة في كلّ منهما، و إلا فلو جاز في أحدهما دون الآخر لزم التنبيه و استفصال المراد من اللفظ المشترك، و لما ساغ إلقاء الحكم على سبيل الإطلاق من دون قرينة على التعيين، فحيث لم‌

____________

(1) الوسائل 4: 363/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 2.

(2) الوسائل 4: 361/ أبواب لباس المصلي ب 9 ح 1.

(3) الوسائل 4: 360/ أبواب لباس المصلي ب 8 ح 5.

182

..........

____________

يستفصل (عليه السلام) يعلم جواز الصلاة في الوبر كالحرير المشوب، و هو المطلوب.

الثانية: صحيحة الحلبي قال: «سألت عن لبس الخز، فقال: لا بأس به، إنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبس الكساء الخز في الشتاء، فاذا جاء الصيف باعه و تصدّق بثمنه، و كان يقول: إني لأستحيي من ربّي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت اللّٰه فيه» (1). و التقريب كما تقدّم، و يستفاد شمول الحكم للصلاة من قوله (عليه السلام) في الذيل: «قد عبدت اللّٰه فيه» لظهور العبادة فيها كما لا يخفى.

و تزيد هذه الصحيحة على ما مرّ أنّ الظاهر منها إرادة الوبر من الخز دون الحرير المشوب، للتصريح فيها بأنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبسه في الشتاء، و هو (عليه السلام) كان رجلًا صرداً كما نص عليه في بعض الأخبار (2) و لا ريب أنّ الخز أدفأ من الحرير المشوب بالصوف، لأن الحرير بارد. فيظهر من ذلك أنّه (عليه السلام) كان يلبس وبر الخز، فيكون ذلك قرينة على أن المراد من الخز المذكور في السؤال هو ذلك.

الثالثة: صحيحة سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن جلود الخز؟ فقال: هُوَذا نحن نلبس، فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك، قال: إذا حلّ وبره حلّ جلده» (3). و المراد بأحمد بن محمد المذكور في السند و إن أمكن أن يكون هو أحمد بن محمد بن عيسى، لكن المراد به هو أحمد بن محمد بن خالد أعني ابن البرقي كما نصّ عليه في الكافي، و إن كان الأنسب أن يذكر السند حينئذ هكذا: عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن سعد.

و كيف كان، فلا ريب أنّ الرواية صحيحة السند كما أنّها قوية الدلالة أيضاً،

____________

(1) الوسائل 4: 366/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 13.

(2) كرواية أبي بصير المتقدمة في ص 159.

(3) الوسائل 4: 366/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 14، الكافي 6: 452/ 7.

183

..........

____________

لظهور قوله (عليه السلام): «هوذا نحن نلبس» في استمرار اللبس حتى في حال الصلاة بمقتضى الإطلاق، سيما لو كان «هوذا» كلمة واحدة بمعنى الاتصال و الاستمرار كما قيل، المعبر عنه بالفارسية ب‍ (همين) كما في الجواهر (1). فإن الأمر حينئذ أظهر، و على أي حال فهي صريحة في حلية الوبر بالتقريب الذي سنذكره في الجلد.

و أما المقام الثاني: أعني الصلاة في جلد الخز ففيه خلاف، و لعلّ المشهور هو الجواز. و يستدل له بعدة من الروايات:

الأُولى: موثقة معمر بن خلاد المتقدمة، بدعوى أنّ الخز المذكور فيها بعد امتناع حمله على نفس الحيوان يراد به أجزاؤه، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الوبر و الجلد، و إلا وجب التنبيه و التعيين.

و يندفع: بأنّه بعد امتناع حمله على نفس الحيوان يتعيّن حمله على الوبر المتخذ منه، الذي هو أحد إطلاقاته و مما يستعمل فيه هذا اللفظ لغة و عرفاً، أو على الحرير المشوب كما مرّ. و أمّا الجلد فليس هو من إطلاقاته. فإرادته تفتقر إلى التقدير الذي هو خلاف الأصل لا يصار إليه من غير شاهد.

الثانية: رواية يحيى بن أبي عمران أنه قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب و الفنك و الخز و قلت: جعلت فداك أُحبّ أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب بخطه إليّ: صلّ فيها» (2).

و هذه الرواية قوية الدلالة، لأنّ اقتران الخز بغيره من الحيوانات أعني السنجاب و الفنك يكشف عن أنّ المراد به هو الحيوان أيضاً، لوحدة السياق فقوله (عليه السلام): «صلّ فيها» أي صلّ في أجزاء هذه الحيوانات من الجلد و الوبر و غيرهما، فيقدر المضاف لا محالة.

و لا يخفى أنّ قول السائل: «أُحبّ أنْ لا تجيبني بالتقية» توقّع في غير محلّه‌

____________

(1) الجواهر 8: 88.

(2) الوسائل 4: 349/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 6.

184

..........

____________

لأنّ المورد إن كان من موارد التقية فلا يرفع الإمام (عليه السلام) يده عنها و لا يخالف وظيفته (عليه السلام) بهذا التوقع، و إلا فهو (عليه السلام) يخبر عن الواقع لا محالة من دون أن يتّقي فيه بعد انتفاء مقتضيه، و على التقديرين فهو توقّع مستدرك فتأمّل.

و كيف كان، فالرواية لا بأس بدلالتها، لكنّها ضعيفة السند، لأنّ الصدوق يرويها عن شيخه محمد بن علي ماجيلويه (1) و لم يوثق. و قد مرّ غير مرّة أنّ مجرد كون الرجل من مشايخ الإجازة لا يقتضي الوثاقة، كيف و من مشايخ الصدوق الذي يروي عنه مَن لم يُرَ في خلق اللّٰه أنصب منه، على حدّ تعبير الصدوق نفسه (قدس سره) (2) حتى ذكر أنّه (لعنه اللّٰه) كان يصلّي على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) منفرداً، فكان يقول: اللهم صلّ على محمد منفرداً. هذا مضافاً إلى أنّ يحيى بن أبي عمران بنفسه أيضاً لم يوثق.

الثالثة: رواية ابن أبي يعفور (3) فإنّها كالصريحة في كون المراد هو جلد الخز، فإنّه الذي يحتاج إلى التذكية التي جعل الإمام (عليه السلام) ذكاته بموته في ذيل الخبر كسائر الحيتان دون الوبر كما هو ظاهر، فهي صريحة الدلالة. لكنّها ضعيفة السند بعدة من المجاهيل كالعلوي و الديلمي و قريب.

الرابعة: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) رجلٌ و أنا عنده عن جلود الخز، فقال: ليس بها بأس، فقال الرجل: جعلت فداك إنها علاجي أي شغلي أُعالج به أمر المعاش، و في بعض النسخ: في بلادي و إنّما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا خرجت من الماء تعيش خارج الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس» (4).

____________

(1) راجع الفقيه 1: 170/ 804 و 4 (المشيخة): 44.

(2) [و هو أبو نصر أحمد بن الحسين الضبي كما ذكره في عيون أخبار الرضا 2: 279/ 3].

(3) الوسائل 4: 359/ أبواب لباس المصلي ب 8 ح 4.

(4) الوسائل 4: 362/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 1.

185

..........

____________

و يدفعها: قصور الدلالة، إذ لا تعرّض لها لحال الصلاة، و إنّما السؤال عن جواز اللبس و عدمه، فزعم السائل أنّها من الميتة فلا يجوز لبسها و الانتفاع بها فأجاب (عليه السلام) بعدم كونها منها، فهي أجنبية عمّا نحن فيه كما هو ظاهر.

الخامسة: صحيحة سعد بن سعد المتقدّمة (1) في الوبر، و هي العمدة في الاستدلال. و بيانه: أنّ المحتملات في الصحيحة أمور:

الأول: أن يكون السؤال من جهة احتمال النجاسة الذاتية للخز، حيث انّها كلاب تخرج من الماء كما عبّر بذلك في الصحيحة المتقدمة آنفاً و عليه فالنظر فيها إلى الطهارة و النجاسة لا إلى كون الجلد من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه.

و فيه: أن هذا الاحتمال بعيد في حد نفسه لا يمكن حمل الصحيح عليه، إذ كيف يحتمل في حق السائل أعني سعد بن سعد و هو من أجلاء أصحاب الرضا (عليه السلام) بل قد أدرك الكاظم (عليه السلام) أن يخفى عليه مثل هذا الحكم أعني اختصاص النجاسة الذاتية بالكلب البري دون البحري، سيما و هو يرى أنّ الإمام (عليه السلام) قد لبس الوبر كما اعترف به في الصحيح، فهل يحتمل في حقّه مع ما هو عليه من الجلالة أن يفرّق في أجزاء النجس الذاتي بين الوبر و الجلد مع عدم خفائه على من له أدنى مساس بالفقه.

على أنّه كان الأنسب حينئذ أن يبدل الإمام (عليه السلام) في الجواب الحلّيّة بالطهارة فيجيب هكذا: إذا طهر وبره طهر جلده، لا إذا حلّ وبره حلّ جلده كما لا يخفى. فهذا الاحتمال ساقط جزماً.

الثاني: أن يكون السؤال عن النجاسة العرضية من جهة احتمال كونه من الميتة، حيث إنّه يرعى في البرّ و دابة تمشي على أربع، فليس هو على حدّ الحيتان التي تكون ذكاتها بخروجها عن الماء حيّة و الموت خارجه، بل تحتاج‌

____________

(1) في ص 182.

186

..........

____________

إلى التذكية بالذبح، و بدونه تكون من الميتة، كما أُشير إلى ذلك كلّه في بعض النصوص المتقدمة، فتكون حينئذ أجنبية عمّا نحن فيه أيضاً.

و فيه: أنّ هذا الاحتمال و إن كان قابلًا في حدّ نفسه و لا يأباه مقام سعد كما كان يأبى الاحتمال السابق، إلا أنّ ذيل الصحيح لا يساعد على ذلك، إذ عليه تصبح القضية الشرطية كاذبة، أعني قوله (عليه السلام): «إذا حلّ وبره حلّ جلده» إذ لا ملازمة بين الأمرين جزماً، بل الثابت خلاف ذلك، إذ الميتة إنّما لا ينتفع بها أو يحكم بنجاستها في الأجزاء التي تحلّها الحياة كالجلد، دون مثل الوبر و نحوه مما لا تحله الحياة. فحلّية الوبر لا تستلزم حلّية الجلد بالضرورة. على أنّه كان الأنسب حينئذ التعبير بالطهارة دون الحلّية كما عرفت في الاحتمال السابق.

فيبقى في المقام الاحتمال الثالث و هو المتعين، بأن يكون السؤال من جهة كون جلد الخز من أجزاء ما لا يؤكل لحمه التي لا تجوز الصلاة فيها و لا تحلّ فأجاب (عليه السلام) بأنّه هَوْذا أو هُوَذا على الاحتمالين نحن نلبس. الصريح في الاستمرار أو الدالّ بالإطلاق على لبسه حتى في حال الصلاة. فذكر ثانياً أنّ الذي تلبسونه إنّما هو الوبر و سؤالي عن الجلد، فأجاب (عليه السلام) بأنّه إذا حلّ الوبر حلّ الجلد. و لا ريب في صدق هذه الملازمة، إذ البطلان في أجزاء ما لا يؤكل لا يختص بجزء دون جزء، فإذا حلّ الصلاة في جزء حلّ في غيره، كما أنّه لو حرم في جزء حرم فيما عداه أيضاً، لاشتراك الجميع فيما هو المناط جوازاً و منعاً. فكأنّه (عليه السلام) قال: إذا حرم في الجلد كما تتخيّل حرم في الوبر أيضاً لوحدة المناط، لكنه حلّ في الوبر لانتفاء المانع حيث إن الخزّ مستثنى عما لا يؤكل فحلّ في الجلد أيضاً.

فتحصّل: أنّ الصحيح ما عليه المشهور من إلحاق الجلد بالوبر، لأجل هذه الصحيحة. و أمّا غيرها مما استدل به في المقام من بقية الروايات فهي ضعيفة سنداً أو دلالة كما عرفت.

187

..........

____________

نعم، قد تعارض الصحيحة بما رواه في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام): «أنه كتب إليه: روي لنا عن صاحب العسكر (عليه السلام) أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغشّ بوبر الأرانب، فوقّع: يجوز. و روى عنه أيضاً: أنّه لا يجوز. فبأيّ الخبرين نعمل؟ فأجاب (عليه السلام): إنما حرم في هذه الأوبار و الجلود، فأمّا الأوبار وحدها فكلّ حلال» (1).

و بما عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم و هو إبراهيم بن هاشم «و لا يصلّى في الخز، و العلّة في أن لا يصلّى في الخز أنّه من كلاب الماء، و هي مسوخ إلا أن يصفّى و ينقّى» (2).

لكنّهما كما ترى لا تصلحان لمعارضة ما سبق، للإرسال في الأُولى، حيث إنّ الطبرسي في الاحتجاج ينقلها عن الحميري مرسلًا، و جهالة محمد بن علي بن إبراهيم في الثانية، على أنّه لم يثبت أنّ ما في علله رواية أم دراية، و لعلّها اجتهاد أو استنباط من نفسه.

و عليه فلا ينبغي التأمّل في جواز الصلاة في جلد الخز كوبره كما عليه المشهور.

ثم إنّ الخز و إن عزّ وجوده في عصرنا و كان متداولًا في العصور السابقة يشتغل ببيعه جماعة كثيرون يسمّون بالخزازين إلا أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد به في الروايات هو المسمّى بالخز في عصرنا الحاضر، كما هو الشأن في سائر الألفاظ الواردة فيها المستعملة في معانيها، فإنّها تنزّل على ما يفهم منها في العرف الحاضر بمقتضى أصالة عدم النقل.

و ما عن المحدّث المجلسي في البحار من الاستشكال نظراً إلى ما يتراءى من‌

____________

(1) الوسائل 4: 366/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 15، الاحتجاج 2: 589.

(2) البحار 80: 235/ 32 [و ذكر في 1: 28 حول مؤلف كتاب العلل ما نصّه: بل الأظهر كما سنح لي أخيراً أنّه محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد الهمداني].

188

..........

____________

الأخبار من أنّه حيوان لا يعيش خارج الماء، فلا ينطبق على ما هو المسمّى بالخزّ الآن الذي هو دابة يعيش في البر و لا يموت بالخروج من الماء (1) غير قابل للتصديق، لما عرفت من أنّ المتبع في أمثال المقام أصالة عدم النقل، التي هي أصل عقلائي يعوّل عليه في تشخيص مفاد الكلمات المحرّرة في السجلات منذ قرون متمادية، و لا يعتنى باحتمال إرادة معنى آخر ما لم يثبت خلافه، استناداً إلى الأصل المزبور، فإنّه لو لم يجر في المقام لم يجر في بقية الموارد بمناط واحد فيختل باب استنباط الأحكام و قد بنى فقهاؤنا العظام على كشف مقاصد الأئمة (عليهم السلام) مما يفهمونه من الألفاظ في عصرهم، و لا يبالون باحتمال النقل المدفوع بالأصل.

و أمّا ما أشار إليه من الأخبار التي منها رواية ابن الحجاج (2) فلعل المراد أنّه لا يعيش خارج الماء دائماً، فلا مانع من خروجه أحياناً، كما في كثير من الحيوانات البحرية كالضفدع و نحوه، بل يظهر من رواية حمران بن أعين أنه «سبع يرعى في البرّ و يأوي في الماء» (3).

و عليه فلا ينبغي الاستشكال في انطباق المذكور في الأخبار على ما هو المعروف في زماننا مما يسمّى باسم الخز، هذا بحسب المفهوم.

و أمّا تشخيص الموضوع و تعيين المصداق فهل يكفي إخبار البائع بذلك؟ يظهر من المحقق الهمداني ذلك، نظراً إلى قيام السيرة على سماع إخبار ذي اليد من أرباب الصنائع و البضائع عن حقيقة ما في يده و تصديقه فيما يدّعيه، فمن أراد شيئاً من الأدوية يرجع إلى العطار، أو من الأقمشة يرجع إلى التجار و يركن إلى قوله و إن لم يعرفه بنفسه، فكذلك إخبار البائع عن كون ما في يده خزاً (4).

____________

(1) البحار 80: 220.

(2) الوسائل 4: 362/ أبواب لباس المصلي ب 10 ح 1، و قد تقدمت في ص 184.

(3) الوسائل 24: 191/ أبواب الأطعمة المحرمة ب 39 ح 2.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 130 سطر 2.

189

غير المغشوش بوبر الأرانب و الثعالب (1)

____________

و لكنه غير واضح، إذ لا دليل على حجية إخبار ذي اليد بما هو كذلك عما في يده، و مورد السيرة في الأمثلة المزبورة حصول الوثوق من قوله فيما إذا كان من أهل الخبرة و المعرفة، و إلا فمجرد إخبار البائع عن كونه خزاً من دون حصول الوثوق من كلامه لا دليل على اعتباره، و لعلّ المحقق المزبور لا يريده.

و كيف ما كان، فلا شبهة في أنّ المرجع في تشخيص الموضوع في المقام و نحوه من الموضوعات الملتبسة هو أهل الخبرة.

(1) فالصلاة في المغشوش بأحد الوبرين باطلة على المشهور، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، و لم ينسب الخلاف إلا إلى الصدوق في الفقيه، حيث إنّه بعد أن أورد رواية الجواز قال ما لفظه: و هذه الرخصة الآخذ بها مأجور و رادّها مأثوم (1). و مستند المشهور إطلاقات المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل، الشاملة للمغشوش و غيره بعد ظهور استثناء الخز في الاختصاص بالخالص منه المؤيدة بمرفوعتي أيوب بن نوح و أحمد بن محمد و الظاهر أنّهما رواية واحدة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الصلاة في الخز الخالص لا بأس به، فامّا الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصلّ فيه» (2) فانّ الانجبار بعمل الأصحاب لا نقول به، فلا تصلحان إلا للتأييد.

و بإزاء ذلك روايتان صريحتان في الجواز.

إحداهما: ما رواه الشيخ في الاستبصار بإسناده عن داود الصرمي عن بشير ابن بشار قال: «سألته عن الصلاة في الخز يغشّ بوبر الأرانب، فكتب: يجوز ذلك» (3).

____________

(1) الفقيه 1: 171 ذيل ح 805.

(2) الوسائل 4: 361/ أبواب لباس المصلي ب 9 ح 1 و ملحقه.

(3) الوسائل 4: 362/ أبواب لباس المصلي ب 9 ح 2، الاستبصار 1: 387/ 1471.

190

..........

____________

و الأُخرى: ما رواه في التهذيب بسند آخر عن داود الصرمي أنّه سأل رجل أبا الحسن الثالث (عليه السلام): و ذكر مثله (1). و رواه الصدوق أيضاً بإسناده عن داود الصرمي (2)، و رواه في التهذيب أيضاً بسند آخر عن الصرمي مضمراً حيث قال: «سألته عن الصلاة ...» إلخ (3).

و ربما يجاب بإعراض الأصحاب، و لكن الظاهر أنّها موهونة في نفسها، فانّ بشير بن بشار لم يوجد في كتب الرجال. و على أي حال فسواء أ كان ضبط الكلمة كذلك كما في الوسائل أم بصورة بشير بن يسار كما في الاستبصار، أم بصورة بشر بن يسار كما في الوافي (4) لا توثيق له. فالرواية الأُولى ضعيفة على جميع التقادير.

و أما الثانية فالصرمي لا توثيق صريح له في كتب الرجال، و اعتماد الصدوق لا يكشف عنه، و لعلّه مبني على أصالة العدالة التي لا نقول بها، نعم هو من رجال كامل الزيارات، فيكون ثقة عندنا بتوثيق ابن قولويه (5).

إذن فالسند الأول و إن كان ضعيفاً لكن الثاني خالٍ عن هذا الضعف لظهوره في أنّه كان حاضراً في مجلس السؤال، فيروي جواب الإمام (عليه السلام) مباشرة و إن كان السائل مجهولًا، أو أنّه رأى خط الإمام (عليه السلام) لو كان السؤال على سبيل المكاتبة.

و لكن الذي يمنعنا عن الركون إليه أنّ مقتضى السند الأول و هو صحيح إلى داود أنّه لم يكن حاضراً في مجلس السؤال. و مقتضى الثاني حضوره إمّا مع كون السائل غيره كما هو قضية إحدى روايتي التهذيب، أو كونه نفسه كما‌

____________

(1) التهذيب 2: 213/ 834.

(2) الفقيه 1: 170/ 805.

(3) التهذيب 2: 212/ 833.

(4) الوافي 7: 411/ 6221.

(5) و لكنه لم يكن من مشايخه بلا واسطة فلا يشمله التوثيق.

191

و كذا السنجاب (1)

____________

هو مقتضى المضمرة، و حيث لا يحتمل تعدد الواقعة فلا يدرى أنّه نقل عن الإمام بلا واسطة أو بواسطة مجهول، فلا جرم تسقط عن درجة الاعتبار.

و من ثمّ قال في التهذيب ما لفظه: و هذا ظاهر التناقض، لأنّه لو كان السائل هو نفسه لوجب أن تكون الرواية الأخيرة كذباً، و لو كان السائل غيره لوجب أن تكون الاولى كذباً، و إذا تقابل الروايتان و لم يكن هناك ما يعضد إحداهما وجب اطراحهما (1).

و على الجملة: محتملات الرواية عن داود حسب اختلاف نقل المشايخ ثلاثة: كونه هو السائل، كون السائل غيره و هو حاضر، كونه غيره و هو غائب. و حيث إنّ الواقعة واحدة بالضرورة فلا سبيل للتعويل عليها.

أضف إلى ذلك أنّ المضمرة لا حجية لها في نفسها، لجهالة المروي عنه، فانّ داود الصرمي غايته أنّه موثق بتوثيق ابن قولويه، و لم يبلغ من الجلالة حداً لا يحتمل روايته عن غير المعصوم، مثل زرارة و محمد بن مسلم و أضرابهما، فلا يعتمد عليها بوجه.

هذا مع أنّ موردها وبر الأرانب خاصة، فعطف الثعالب عليها عارٍ عن الدليل.

و المتحصّل: اختصاص الاستثناء بالخز الخالص كما عليه المشهور.

(1) فتجوز الصلاة في جلده و وبره و إن كان مما لا يؤكل. و قد اختلفت كلمات الفقهاء (قدّس اللّٰه أسرارهم) في ذلك، فذهب الشيخ في المبسوط (2) و صلاة النهاية (3) و أكثر المتأخرين إلى الجواز، و نسبه في المنتهي إلى الأكثر (4)

____________

(1) التهذيب 2: 213/ ذيل ح 834.

(2) المبسوط 1: 82 83.

(3) النهاية: 97.

(4) المنتهي 4: 218.

192

..........

____________

بل قال في المبسوط: إنّه لا خلاف فيه. و ذهب الشيخ نفسه في الخلاف (1) و كتاب الأطعمة و الأشربة من النهاية (2) إلى المنع، و اختاره جمع من القدماء، و نسبه الشهيد الثاني إلى الأكثر (3) بل عن ابن زهرة دعوى الإجماع عليه (4). فالمسألة خلافية و ذات قولين، و ليس أحدهما أشهر من الآخر.

و كيف ما كان، فالمتبع هو الدليل بعد وضوح أنّ منشأ الخلاف اختلاف الأخبار، و قد دلّت غير واحدة من الروايات على الجواز، و هي على طائفتين:

إحداهما: غير نقية السند، و هي لأجل ضعفها لا يلتفت إليها حتى بناءً على الانجبار بعمل المشهور، لمنع الصغرى، إذ لا شهرة في البين كما عرفت، مضافاً إلى منع الكبرى.

مع أنّ بعضها غير قابل للتصديق في نفسه، ففي رواية علي بن أبي حمزة: «.. لا بأس بالسنجاب فإنّه دابة لا تأكل اللحم، و ليس هو مما نهى عنه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب» (5). حيث دلّت على اختصاص المنع بما له ناب و مخلب أي السباع مع وضوح عدم الاختصاص بلا إشكال، ضرورة أنّ الاعتبار بما لا يؤكل لحمه، سواء أ كان من السباع أم لا، فلو صح السند لزم الحمل على التقية.

ثانيتهما: نصوص معتبرة.

فمنها: صحيحة أبي علي بن راشد قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الفراء أيّ شي‌ء يصلّى فيه؟ قال: أيّ الفراء؟ قلت: الفنك و السنجاب‌

____________

(1) الخلاف 1: 511 مسألة 256.

(2) النهاية: 586 587 [و الصحيح في كتاب الصيد و الذبائح].

(3) روض الجنان: 207 السطر 7.

(4) الغنية: 66 [و فيها: و لا يجوز في جلود ما لا يؤكل لحمه ... و يدلّ على جميع ذلك الإجماع].

(5) الوسائل 4: 348/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 3.

193

..........

____________

و السمور، قال: فصلّ في الفنك و السنجاب. فامّا السمور فلا تصلّ فيه» (1).

و لعلّ السؤال في قوله (عليه السلام): «أيّ الفراء» من أجل أنّ لهذه الكلمة إطلاقين: أحدهما: اللباس المعروف الذي هو شي‌ء كالجبة يبطن من جلود بعض الحيوانات. و الثاني: حمار الوحش، و منه المثل المعروف: كلّ الصيد في جوف الفراء. فأجاب بأنّ المراد هو الأول المتخذ من السنجاب و نحوه.

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه سأله عن أشياء منها الفراء و السنجاب، فقال: لا بأس بالصلاة فيه» (2).

و منها: صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) قال: «سألته عن الفراء و السمور و السنجاب و الثعالب و أشباهه، قال: لا بأس بالصلاة فيه» (3).

و هذه النصوص بالرغم من صحة أسنادها و صراحة مفادها قد نوقش فيها من وجهين:

أحدهما: أنّ السنجاب قد قورن في هذه النصوص بأُمور لا تجوز الصلاة فيها قطعاً كالفنك و السمور و الثعالب و نحوها، نعم خلت الصحيحة الأُولى للحلبي عنها، إذ لم يذكر فيها مع السنجاب إلا الفراء التي هي حمار الوحش و يؤكل لحمه، و لكن الظاهر أنّها متحدة مع الثانية، لاتحاد السند و المتن، غير أنّ الشيخ أجمل مرة و فصّل أُخرى. إذن فلا مناص من حملها على التقية.

ثانيهما: أنّ السنجاب بنفسه مذكور في موثقة ابن بكير الصريحة في عدم الجواز. و من الواضح امتناع تخصيص المورد بهذه النصوص و إخراجه عن العام الوارد عليه الذي هو نص فيه. فلا جرم تقع المعارضة بينهما، فلا تصلح للاستناد إليها.

____________

(1) الوسائل 4: 349/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 5.

(2) الوسائل 4: 347/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 1.

(3) الوسائل 4: 350/ أبواب لباس المصلي ب 4 ح 2.

194

..........

____________

و يندفع الأول: بأنّ سقوط الرواية عن الحجية في بعض مدلولها لمانع مختص به لا يلازم سقوطها في البعض الآخر، فانّ التفكيك في مفاد الدليل غير عزيز في الفقه، و السرّ أنّ الرواية المشتملة على حكمين تنحلّ في الحقيقة إلى روايتين، فكأنّ الراوي روى مرة جواز الصلاة في الفنك و أُخرى جوازها في السنجاب، فاذا كان للأُولى معارض أوجب سقوطها عن الحجية لا مقتضي لرفع اليد عن الثانية السليمة عنه، نظير ما لو أخبرت البينة في الشبهات الموضوعية عن طهارة الثوب و الإناء، و قد علمنا بنجاسة الثوب، فانّ سقوطها فيه لا يستوجب السقوط عن الحجية في الإناء.

و عليه فتحمل الاولى في المقام على التقية لوجود المعارض، و الثانية على بيان الحكم الواقعي لسلامتها عنه.

فالعمدة في الإشكال هو الوجه الثاني. و قد أجاب عنه جمع منهم صاحب الجواهر (1) بعدم الضير في تخصيص الموثقة بهذه الصحاح و إن استلزم تخصيص المورد، إذ لا محذور فيه في القرينة المتصلة بالضرورة كما لو سئل عن إكرام زيد العالم فأُجيب أكرم كلّ عالم إلا زيداً، أو لو أُجيب في الموثقة هكذا: و كلّ شي‌ء منه إلا السنجاب. فاذا ساغ ذلك في المتصلة و لم يكن محذور فيه ساغ في المنفصلة أيضاً بمناط واحد، إذ المعيار في التنافي بين الدليلين عدم إمكان الجمع بينهما في لسان واحد، فإذا أمكن لدى الاتصال و صحّ التخصيص الدافع للمنافاة أمكن لدى الانفصال أيضاً.

و الأصل في هذا الجواب هو صاحب الجواهر على ما ذكره المحقق الهمداني (2) (قدس سرهما).

و لكنك خبير بأنّ هذه العلّة واضحة الدفع، للفرق البيّن بين القرينتين، فانّ‌

____________

(1) الجواهر 8: 100.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 131 سطر 31.

195

..........

____________

المتصلة تمنع عن أصل الظهور و تصادم انعقاده، فلا ظهور للعام في ابتداء الكلام إلا فيما عدا الخاص. و بذلك ينعدم موضوع المعارضة لتقوّمها بظهورين متصادمين، و ليس في البين إلا ظهور واحد.

أمّا في المنفصلة فقد انعقد الظهور للعام و استقر الكلام، فاذا لم يكن المخصص المنفصل صالحاً للتخصيص لاستلزامه إخراج المورد كما هو المدعى فلا جرم تتحقق المعارضة بينهما. فلو قيل إنّ زيداً باع جميع كتبه إلا الفقهية، لم يكن ثمة تعارض بين المستثنى و المستثنى منه. أما لو قيل إن زيداً باع جميع كتبه و لم يبق عنده و لا كتاباً واحداً، ثم بعد مدّة قيل إنّه لم يبع كتبه الفقهية، رأى العرف تهافتاً و تناقضاً بين الكلامين. و السرّ ما عرفت من عدم انعقاد الظهور إلا بعد التخصيص في الأوّل، و انعقاده قبله في الثاني.

و عليه فالصحاح المجوّزة للصلاة في السنجاب تعارض الموثقة المانعة التي هي كالنص في موردها حسب الفرض. فهذا الجواب غير تام.

و الصحيح في المقام أن يقال: إنّ تخصيص المورد إنّما يكون ممنوعاً فيما إذا كان بخصوصه منظوراً من العام و معقوداً عليه الكلام، فكان المجيب ناظراً إلى مورد السؤال، كما لو سئل عن إكرام زيد العالم، فقال: أكرم كلّ عالم، أو عن إكرام شارب الخمر، فقال: لا تكرم كلّ فاسق. فانّ إخراج هذا المورد بعد ذلك بمخصص منفصل موجب للتناقض كما أُفيد.

و أمّا إذا لم يكن المجيب ناظراً إلى مورد السؤال و إنّما تعرّض لحكم كلّي و لا سيما إذا كان السؤال عن أُمور عديدة كما في المقام، حيث إنّ زرارة سأل في موثقة ابن بكير أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من دون أن يكون السائل ناظراً إلى خصوص السنجاب و لا المجيب، و إنّما ذكره في السؤال من باب المثال، و قد أعطى الإمام (عليه السلام) ضابطة كلّية بنطاق عام، فانّ مثل هذا العموم لا يكون نصّاً في المورد المزبور، بل غايته أنّه ظاهر في الشمول له ظهوراً قابلًا للتخصيص بدليل‌

196

و أمّا السمور (1)

____________

منفصل، كما هو الحال في سائر العمومات و الإطلاقات، من دون أي تهافت أو تناقض.

إذن فلا مانع من تخصيص الموثقة بالصحاح المتقدمة و إخراج السنجاب من تحتها و الحكم بجواز الصلاة فيه. فما لعلّه المشهور و اختاره في المتن من صحة الصلاة فيه هو الصحيح.

(1) و هو على وزن تنّور، حيوان يشبه السنَّوْر، أكبر منه، له جلد ناعم يتخذ للفراء، و قد اختلف الأصحاب في إلحاقه بالخز و السنجاب في الاستثناء عمّا لا يؤكل لحمه، فاختار الماتن تبعاً للمشهور عدم الإلحاق فلا تجوز الصلاة فيه، بل عن المفاتيح دعوى الإجماع عليه (1). و عن الصدوق في المقنع (2) و غيره الجواز.

و يظهر ذلك من المحقق في المعتبر، حيث إنه بعد أن استدل له بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الفراء و السمّور و السنجاب و الثعالب و أشباهه، قال: لا بأس بالصلاة فيه» (3) و بصحيحة علي ابن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء و السمّور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود، قال: لا بأس بذلك» (4). قال ما لفظه: و طريق هذين الخبرين أقوى من تلك الطرق، و لو عمل بهما عامل جاز (5).

لكنّك خبير بأنّ صحيحة ابن يقطين كغيرها مما ورد بهذا السياق كصحيحة‌

____________

(1) مفاتيح الشرائع 1: 109.

(2) المقنع: 79.

(3) الوسائل 4: 350/ أبواب لباس المصلي ب 4 ح 2.

(4) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 1.

(5) المعتبر 2: 86.

197

..........

____________

ابن الصلت (1) ناظرة إلى مجرد اللبس، و غير متعرضة للصلاة، فلا يصح الاستدلال بها لهذا الصدد.

نعم، صحيحة الحلبي صريحة فيه، و لا يقدح اشتمالها على الثعالب، لما تقدّم (2) من أنّ رفع اليد عن بعض فقرأت الحديث لوجود المعارض لا يمنع عن الأخذ بالبعض الآخر السليم عنه، فلا مانع من الاستدلال بها.

و تؤيّده رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن لبس السمّور و السنجاب و الفنك، فقال: لا يلبس و لا يصلّى فيه إلا أن يكون ذكيا» (3) حيث دلّت على جواز الصلاة مع التذكية، و إن كانت ضعيفة السند من أجل اشتماله على عبد اللّٰه بن الحسن.

فلو كنّا نحن و هذه الصحيحة لحكمنا بجواز الصلاة فيه، و لكنّها معارضة بصحيحتين تضمنتا النهي عن الصلاة فيه، الذي هو في أمثال المقام إرشاد إلى الفساد.

إحداهما: صحيحة أبي علي بن راشد، قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الفراء أي شي‌ء يصلّى فيه؟ قال: أيّ الفراء؟ قلت: الفنك و السنجاب و السمّور، قال: فصلّ في الفنك و السنجاب، فأمّا السمّور فلا تصلّ فيه» (4).

ثانيتهما: صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن جلود السمّور، فقال: أيّ شي‌ء هو ذاك الأدبس؟ فقلت: هو الأسود، فقال: يصيد؟ قلت: نعم، يأخذ الدجاج و الحمام، فقال: لا» (5).

____________

(1) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 2.

(2) في ص 194.

(3) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 4 ح 6.

(4) الوسائل 4: 349/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 5.

(5) الوسائل 4: 350/ أبواب لباس المصلي ب 4 ح 1.

198

و القاقم (1)

____________

و لا ينبغي التأمل في أنّ الترجيح مع الثانية، لوجهين:

أحدهما: أنّها مخالفة للعامة، حيث إنّهم يرون جواز الصلاة في كافة الجلود مما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل (1) فتقدم، لأنّ الرشد في خلافهم، فتحمل الاولى على التقية.

ثانيهما: أنّها موافقة للسنة القطعيّة من موثقة ابن بكير و غيرها، و الأولى مخالفة لها فتطرح.

و مع الغض عن ذلك و تسليم عدم الترجيح و استقرار المعارضة فيرجع بعد التساقط إلى العمومات المانعة من الصلاة فيما لا يؤكل، من موثقة ابن بكير و غيرها، للزوم الرجوع إليها بعد ابتلاء المخصص بالمعارض. فالنتيجة واحدة، سواء ثبت الترجيح أم لا، فما في المتن من عدم جواز الصلاة في السمّور هو الصحيح.

(1) بضم القاف الثانية، يقال إنّه أكبر من الفأرة و يأكلها، و لم يوجد على وزنه في لغة العرب، و لعلّه أعجمي مستعرب. و ظاهر تعبير الماتن بقوله: على الأقوى مع ذكر القاقم في سياق غيره من المذكورات في المتن، وجود الخلاف فيه أيضاً، مع أنّه لم ينسب القول بالجواز إلى أحد، و بما أنّه من الحشرات التي تعيش تحت الأرض كالفأرة و هي بأجمعها محرمة الأكل فلا شبهة في عدم جواز الصلاة في أجزائه كغيره مما لا يؤكل لحمه.

نعم، روى المحدّث النوري في المستدرك رواية علي بن جعفر المتضمنة للجواز مشتملة على القاقم (2).

لكن صاحب الوسائل رواها خالية عنه (3) فلم تثبت تلك الزيادة، و على‌

____________

(1) بدائع الصنائع 1: 86، المغني 1: 88، الشرح الكبير 1: 101.

(2) المستدرك 3: 199/ أبواب لباس المصلّي ب 3 ح 2.

(3) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 4 ح 6.

199

و الفنك (1)

____________

تقدير الثبوت فالرواية ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن. إذن فلا ينبغي التأمل في عدم الجواز.

(1) قال في مجمع البحرين: الفنك كعسل، دويبة برية غير مأكول اللحم يؤخذ منه الفرو، و يقال إنّ فروها أطيب من جميع أنواع الفراء، و هو نوع من جراء الثعلب الرومي. قال: و حكي عن بعض العارفين أنّه يطلق على فرخ ابن آوى في بلاد الترك (1).

و المشهور عدم جواز الصلاة فيه، بل عن المفاتيح (2) دعوى الإجماع عليه استناداً إلى إطلاق موثق ابن بكير.

و نسب الجواز في الحدائق إلى الصدوق في كتابيه و هما المقنع و الأمالي المسمّى بالمجالس، فإنّهما كتاب واحد، و نسب إلى العلامة في المنتهي أنّه استوجهه (3).

و تدلّ عليه جملة من النصوص عمدتها صحيحة ابن راشد قال: «فصلّ في الفنك و السنجاب ..» إلخ (4) المؤيدة بروايات بشير بن بشار، و يحيى بن أبي عمران، و وليد بن أبان (5) و ليس لها معارض ما عدا إطلاق موثق ابن بكير الصالح للتقييد بها من غير محذور كما سبق الكلام فيه مستقصى (6) و بذلك يفارق السمور و نحوه مما له معارض.

____________

(1) مجمع البحرين 5: 285.

(2) مفاتيح الشرائع 1: 109.

(3) لم أعثر على مصدر هذه النسبة في غير المستمسك [5: 325] من الكتب المطوّلة. و الموجود في الحدائق [7: 70 71] بعد النسبة إلى الصدوق في كتابيه نسبته إلى الشيخ في الخلاف و سلار نقلًا عن المختلف.

(4) الوسائل 4: 349/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 5.

(5) الوسائل 4: 348/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 4، 6، 7.

(6) في ص 193 فما بعدها.

200

و الحواصل (1) فلا تجوز الصلاة في أجزائها على الأقوى.

____________

إذن فمقتضى الصناعة الحكم بالجواز عملًا بهذه النصوص لولا إعراض الأصحاب عنها، لكن المختار عدم سقوط الصحيح به عن درجة الاعتبار. فالأقوى جواز الصلاة فيه و إن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.

(1) قيل إنّها من سباع الطيور، لها حواصل عظيمة و قد دلّت جملة من النصوص على استثنائها مما لا يؤكل، عمدتها ما عبّر عنه بصحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال: «سألته عن اللحاف (الخفاف) من الثعالب أو الجرز (الخوارزمية) منه أ يصلّى فيها أم لا؟ قال: إن كان ذكيا فلا بأس به» (1) فإنّ الخوارزمية هي قسم من الحواصل.

و لكن هذه النسخة المطابقة للإستبصار (2) معارضة بنسخة اخرى أوردها في التهذيب بلفظة «الجرز منه» (3) قيل: الجرز نوع لباس للنساء، و الضمير في «منه» راجع إلى الثعالب. و عليه فتكون الرواية أجنبية عمّا نحن فيه.

إذن فلم يثبت متن الرواية بنحو يصلح للاستدلال به لما نحن بصدده، و لا سيما بعد اختلاف النسخ من ناسخ واحد. هذا أولًا.

و ثانياً: مع التسليم فهي أخصّ من المدعى، لاختصاصها بنوع خاص من الحواصل تسمّى بالخوارزمية، لا على سبيل الإطلاق، و لم يثبت عدم القول بالفصل، غايته أنّهم لم يصرحوا بذلك كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّ سندها مخدوش و إن عبر عنها بالصحيحة في الجواهر (4) و غيره فانّ في السند علي بن السندي، و لم يوثق، نعم وثّقه نصر بن الصباح على ما‌

____________

(1) الوسائل 4: 358/ أبواب لباس المصلي ب 7 ح 11.

(2) الاستبصار 1: 382/ 1449.

(3) التهذيب 2: 367/ 1528.

(4) الجواهر 8: 108.

201

..........

____________

حكاه الكشي (1) لكنه بنفسه لم يوثّق، فلا عبرة بتوثيقه.

إذن فالرواية مخدوشة سنداً و متناً و دلالة فلا يعوّل عليها.

ثم إنّ هناك روايات اخرى يستدل بها على الجواز:

منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن بشير بن بشار قال: «سألته عن الصلاة في الفنك و الفراء و السنجاب و السمور و الحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أن أُصلّي فيه بغير تقيّة؟ قال فقال: صلّ في السنجاب و الحواصل الخوارزمية، و لا تصلّ في الثعالب و لا السمور» (2). و لكنّها بهذا السند مضمرة لم يعلم من المروي عنه، فلا تصلح للاستدلال.

نعم، رواها ابن إدريس في آخر السرائر نقلًا عن كتاب مسائل الرجال برواية الحميري و ابن عياش عن داود الصرمي عن بشر بن بشار عن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) (3) فلا إضمار حينئذ.

و لكنّها مضافاً إلى أنّها أخصّ من المدعى كما عرفت مخدوشة متناً و سنداً.

أمّا المتن فلتضمنه جواز الصلاة حتى في التي تصاد ببلاد الشرك و تؤخذ من المشركين، مع أنّها محكومة عندئذ بأنّها ميتة، فلا بدّ من حملها على التقية.

و أمّا السند فلما سبق من أنّ الصرمي و إن كان ثقة عندنا لوقوعه في أسناد كامل الزيارات (4) و لكن ابن بشار لا توثيق له.

و منها: التوقيع المروي عن الخرائج: «و إن لم يكن لك ما تصلّي فيه فالحواصل جائز لك أن تصلّي فيه» (5).

____________

(1) رجال الكشي: 598/ 1119.

(2) الوسائل 4: 348/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 4، التهذيب 2: 210/ 823.

(3) السرائر 3: 582.

(4) و قد سبق أنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

(5) المستدرك: 3: 197/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 1، الخرائج و الجرائح 2: 702/ 18. [و فيه: فان لم يكن لك بدّ فصلّ فيه، و الحواصل جائز لك أن تصلي فيه].

202

[مسألة 18: الأقوى جواز الصلاة في المشكوك كونه من المأكول]

[1286] مسألة 18: الأقوى جواز الصلاة في المشكوك كونه من المأكول (1) أو من غيره، فعلى هذا لا بأس بالصلاة في الماهوت، و اما إذا شك في كون

____________

و لكنّها: مضافاً إلى الإرسال مختصة بحال الضرورة، فهي أخصّ من المدعى.

و منها: صحيحة علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود، قال: لا بأس بذلك» (1) بدعوى شمول جميع الجلود للحواصل.

و فيه: أنّ السؤال إنّما هو عن اللبس دون الصلاة، فهي أجنبية عمّا نحن فيه.

و منها: صحيحة الريان بن الصلت قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس الفراء و السمور و السنجاب و الحواصل و ما أشبهها، و المناطق و الكيمخت و المحشو بالقز و الخفاف من أصناف الجلود، فقال: لا بأس بهذا كلّه إلا بالثعالب» (2).

و فيه: أنّها أيضاً واردة في اللبس، نعم يمكن القول بأنّ استثناء الثعالب يكشف عن إرادة الصلاة، و إلا لم يبق مورد للاستثناء، لوضوح عدم الفرق في جواز اللبس بين الثعالب و غيرها. إلا أن يقال: إنّ الوجه في الاستثناء بعد اشتراك جميع الجلود المتخذة من غير المأكول في كراهة اللبس أنّ المأخوذة من الثعالب أشد كراهة و أكثر مرجوحية.

إذن فلا سبيل للاستدلال بها على جواز الصلاة في الحواصل. و معه كان المرجع عموم ما دلّ على المنع عن الصلاة في غير المأكول من موثقة ابن بكير و غيرها.

(1) اختلفت الأنظار في جواز الصلاة فيما يشك في جزئيته لما لا يؤكل لحمه‌

____________

(1) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 1.

(2) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 2 [و في التهذيب 2: 369/ 1533: فراء السمور].

203

شي‌ء من أجزاء الحيوان أو من غير الحيوان فلا إشكال فيه.

____________

على أقوال:

أحدها: عدم الجواز مطلقاً. و هذا هو المشهور بين الفقهاء، بل عن المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب (1).

الثاني: الجواز مطلقاً. اختاره المحقق الأردبيلي (2) و قال [به] السيد صاحب المدارك (3) و جمع آخرون، بل إنّ هذا في الجملة هو المعروف بين المتأخرين كما ستعرف.

الثالث: التفصيل بين الشرطية و المانعية، و أنّه بناء على أن يكون الشرط في صحة الصلاة كون اللباس من النبات أو من حيوان مأكول اللحم فمع الشك يحكم بالفساد، لعدم إحراز الشرط. و أمّا بناءً على القول باعتبار المانعية و أنّ إيقاع الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه مانع عن الصحة يندفع المانع لدى الشك بأصالة العدم، و يحكم بجواز الصلاة فيه. اختاره صاحب الجواهر (4) هذا.

و قد ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (5) أنّ هذا القول ليس تفصيلًا في المسألة، إذ بناءً على الشرطية لا إشكال في عدم الجواز، للزوم إحراز الشرط. و محلّ الكلام جوازاً و منعاً إنّما هو بناءً على القول بالمانعية.

لكنّك ستعرف إن شاء اللّٰه تعالى أنّ مقتضى بعض أدلّة القائلين بالجواز عدم الفرق بين الشرطية و المانعية (6) فالتفصيل بين المبنيين قول ثالث في المسألة.

الرابع: التفصيل بين ما يكون مع المصلي من افتتاح صلاته و ما يقع عليه أو‌

____________

(1) المدارك 4: 214.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 95.

(3) المدارك 3: 167.

(4) الجواهر 8: 80 فما بعد.

(5) رسالة الصلاة في المشكوك: 8.

(6) كالوجه الرابع الآتي في ص 245.

204

..........

____________

يلبسه بعد الشروع فيها، بالجواز في الثاني و عدمه في الأول.

و هذان التفصيلان هما الأساس في المقام. و أمّا التفاصيل الأُخر من بقية الأقوال المذكورة في المسألة فكلّها من شؤون التفصيل الأوّل أعني الفرق بين الشرطية و المانعية و مما يترتب و يتفرع عليه.

فمنها: التفصيل بين اللباس و غيره من المحمول و نحوه، فيحكم بالبطلان في الأوّل دون الثاني. اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) في نجاة العباد (1) و أقرّ عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) في التعليقة. فكأنّهما (قدس سرهما) يريان أنّ من شرائط اللباس كونه من أجزاء ما يؤكل إذا كان متخذاً من الحيوان و أمّا غير اللباس فلم يشترط فيه شي‌ء، بل هناك اعتبار المانعية إذا كان من أجزاء ما لا يؤكل، ففي الأول يحكم بالبطلان لدى الشك لعدم إحراز الشرط و في الثاني يحكم بالصحة دفعاً للمانع المحتمل بالأصل.

و منها: التفصيل بين الساتر و غيره، فيحكم بالبطلان في الأول دون الثاني سواء أ كان ملبوساً أم محمولًا أو غيرهما. و هو أيضاً مبني على ما عرفت من اختصاص اعتبار الشرطية في الساتر بخصوصه فلا بدّ من إحرازه في الحكم بالصحة، و في غيره لم يعتبر إلا المانعية المدفوعة بالأصل.

و منها: ما ذكره السيد (قدس سره) في المتن من التفصيل بين ما يعلم كونه من أجزاء الحيوان و يشك في كون الحيوان مما يؤكل أو لا يؤكل، و بين ما لم يعلم كونه من الحيوان أو من غيره، فجعل الجواز في الثاني مما لا إشكال فيه و أمّا في الأول فذكر أنّه الأقوى. فهو (قدس سره) و إن حكم بالجواز في كلتا الصورتين لكنه جعله في إحداهما أظهر. و هو أيضاً مبني على ما عرفت من التفصيل المتقدم، إذ لا يحتمل الشرطية مع الشك في كونه من أجزاء الحيوان فإنّ القائل بها يخصصها بما علم كونه منه كما لا يخفى، فليس هناك إلا احتمال المانعية المدفوعة بالأصل، نعم في صورة العلم [بكونه من أجزاء‌

____________

(1) نجاة العباد: 89 90.