موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
205

..........

____________

الحيوان] و الشك في كون الحيوان مما يؤكل أو من غيره يحتمل كل من القولين، و حيث إنّه (قدس سره) بنى على المانعية اختار الجواز فجعله أقوى.

هذه هي حال الأقوال في المسألة، و سيتّضح المختار منها.

و ينبغي قبل الشروع في صميم البحث التكلّم في جهات:

الاولى: أنّ الجواز المبحوث عنه في المقام يحتمل أن يراد به الوضعي منه الذي هو بمعنى المضي و النفوذ و الصحة المستلزم لترتب الأثر عليه و جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال، كما يحتمل أن يراد به الجواز التكليفي بمعنى الإباحة لا ما يقابل الحرمة الذاتية، لعدم احتمال أن تكون الصلاة في اللباس المشكوك من المحرمات الإلهية، بل ما يقابل الحرمة التشريعية أي الإتيان بالعمل في مقام الامتثال مضيفاً له إلى المولى و مسنداً له إلى الشارع فانّ جواز العمل تكليفاً بهذا المعنى يلازم الصحة و الاجتزاء به في مقام الامتثال، و إلا كان تشريعاً محرماً، و الشارع لا يرخّص في التشريع المحرّم، لعدم الفرق في حرمته بين عدم ثبوت الحكم واقعاً أو عدم إحرازه كما لا يخفى. فما لم تحرز صحة الصلاة في المشكوك بأصل أو أمارة فهي محكومة بالحرمة تشريعاً، فإذا أباحه الشارع و رخّصه في مقام الامتثال كشف ذلك لا محالة عن صحته و نفوذه. فالجواز التكليفي بهذا المعنى يلازم الجواز الوضعي، بل مرجعهما شي‌ء واحد.

الجهة الثانية: هل المراد بالجواز المبحوث عنه في المقام هو الجواز الواقعي أو الظاهري البحت، أو الظاهري المنقلب إلى الواقعي في بعض الفروض؟ وجوه، بل أقوال. و ستعرف أنّ الأقوى هو الأخير.

ظاهر المحقق القمي (قدس سره) في أجوبة مسائله هو الأوّل، حيث ذكر (قدس سره) أنّ المتبادر أو المنصرف ممّا دلّ على المنع من الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل صورة العلم بكون الشي‌ء جزءاً من حيوان غير مأكول اللحم، ففرض الشك خارج عن مصبّ الحكم رأساً، ثم قال (قدس سره): و على تقدير التنزّل‌

206

..........

____________

و التسليم فلا أقل من عدم ظهور الدليل في التعميم (1).

فعلى ما أفاده (قدس سره) من أخذ العلم جزءاً للموضوع تكون الصحة في ظرف الشك واقعية (2)، لانتفاء المانع حقيقة و ارتفاعه وجداناً، من دون حاجة إلى قيام أمارة أو أصل. لكن المبنى غير قابل للتصديق.

أمّا أوّلًا: فلأنّ الألفاظ أسامٍ للمعاني الواقعية دون المعلومة، فالنهي عما لا يؤكل متوجه إلى واقع هذا العنوان علم به أم جهل، كغيره من موضوعات الأحكام من الخمر و نحوه، و لا قرينة على الاختصاص بصورة العلم. و ما ادّعاه من التبادر أو الانصراف عهدته على مدّعيه.

و ثانياً: مع الغضّ فإنّما يسلّم الانصراف في مثل الأخبار المتضمنة للخطاب و النهي التكليفي، فيدعى ظهورها لمكان الاشتمال على البعث أو الزجر في صورة العلم، لكن الأخبار الدالّة على المنع عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لا تنحصر بذلك، بل قد عرفت أنّ العمدة منها هي الموثّقة، و هي عارية عن النهي و الخطاب، بل هي دالة على الحكم الوضعي أعني الفساد ابتداءً، قال (عليه السلام) فيه: «فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة ... إلخ» و لا مقتضي لدعوى الانصراف في مثل ذلك أصلًا، فهو بإطلاقه شامل لصورتي العلم و الجهل. فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

و ذهب المحقّق النائيني (قدس سره) إلى أنّ الصحّة ظاهرية لا واقعية (3). و تظهر الثمرة فيما لو صلّى في المشكوك ثم انكشف الخلاف و بان أنّه من أجزاء ما لا يؤكل، فعلى ما أفاده (قدس سره) تجب الإعادة، بخلاف ما لو كانت الصحّة واقعية.

و هذا منه (قدس سره) مبني على ما اختاره من اختصاص حديث لا تعاد‌

____________

(1) جامع الشتات 2: 776 السطر 26.

(2) [و في الأصل: و القيد، و الصحيح ما أثبتناه].

(3) رسالة الصلاة في المشكوك: 159.

207

..........

____________

بصورة النسيان و عدم شموله لفرض الجهل (1)، فإنّه بعد ما كان المنع عما لا يؤكل واقعياً غير مختص بصورة العلم كما مرّ آنفاً فبعد انكشاف الخلاف و تنجّز الواقع لا بدّ من الإعادة، التي هي مقتضى القاعدة الأوّلية في كل ما لو تبيّن خلل في العبادة من نقص جزء أو شرط أو الاقتران بمانع، ما لم يدل دليل على الإجزاء المقتضي لانقلاب القاعدة الأوّلية إلى الثانوية، من قاعدة لا تعاد و نحوها من القواعد المقرّرة في أمثال المقام، هذا.

و قد أفاد (قدس سره) في وجه الاختصاص أنّ ذلك مقتضى مادة الإعادة فإنّ الأمر بها أو نفيها إنّما يتّجه مع عدم بقاء الأمر الأول، و إلا فمع ثبوته يكلّف بإتيان العمل بنفس ذلك الأمر من دون حاجة إلى الأمر بالإعادة. فالمعتبر في مقسم هذا الحكم نفيا و إثباتاً سقوط الأمر الأول، المختصّ ذلك بالناسي، حيث إنّ الجزء المنسي عنه مرفوع عنه حتى واقعاً، و أمّا الجاهل فحيث إنّ الحكم الواقعي ثابت في حقه و غير ساقط عنه فهو لا يزال مخاطباً بنفس الأمر الأول فيقال له أدِّ العمل و ائتِ به، و لا يقال له أعد أو لا تعد كما لا يخفى.

لكنّك خبير بصحة إطلاق الإعادة في كلتا الصورتين و إن اختص الجاهل بإمكان خطابه بنحو آخر أيضاً كما ذكر فمهما يشتركان في صحة الإطلاق نفياً و إثباتاً بمجرد الشروع في العمل، نعم قبل الشروع لا معنى للحكم بالإعادة أو بعدمها، لانتفاء الموضوع، فإنّها عبارة عن الوجود الثاني للطبيعة و بعد لم يوجد أيّ فرد منها، من دون فرق في ذلك بين الجاهل و الناسي. و أمّا بعد الشروع و التلبس بالعمل فيصح الإطلاق، سواء فرغ من العمل أم كان بعد في الأثناء، و إن كان في الأول أظهر. و يكشف عن الثاني ما ورد في غير واحد من الأخبار من الإعادة في من أخلّ بصلاته في الأثناء من قهقهة أو تكلم أو حدث و نحو ذلك (2).

____________

(1) كتاب الصلاة 3: 5.

(2) الوسائل 7: 250/ أبواب قواطع الصلاة ب 7، 25، 1 و غيرها.

208

..........

____________

و بالجملة: فلا فرق في حسن الإطلاق في كلّ ذلك بين الناسي و الجاهل فيما إذا كان الجهل عذراً و عن قصور، فلو صلّى في اللباس المشكوك جهلًا يعذر فيه و بعد الفراغ بان الخلاف فهو مشمول لحديث لا تعاد.

نعم، الجاهل المتردد الذي لا يعذر فيه كمن صلّى قبل الفحص و نحو ذلك غير مشمول للحديث، لانصرافه إلى ما إذا كان المقتضي للإعادة ما يلحق العمل من انكشاف الخلاف المتأخر عنه بحيث لولاه كان محكوماً بالصحة. و أمّا في الفرض فالعمل محكوم بالبطلان بحكم العقل من أول الأمر، لمكان قاعدة الاشتغال فلا يعمّه الحديث.

و أوضح حالًا منه العالم المتعمّد، فانّ البطلان حينئذ ثابت من أوّل الأمر، لا أنّه يتجدّد لاحقاً لأجل انكشاف الخلاف، على أنّ شموله لمثله منافٍ لأدلّة الأجزاء و الشرائط و الموانع كما هو ظاهر. فما عن بعض من شموله للعامد بمراحل عن الواقع.

و أمّا الجاهل المقصّر غير المتردد فالحديث في حدّ نفسه غير قاصر الشمول له، لكن يمنع عن ذلك ما ورد في غير واحد من الأخبار من الأمر بالإعادة في من أخلّ بجزء أو شرط أو مانع، فانّ لازم شمول الحديث للجاهل المقصّر حمل هذه الأخبار على العالم العامد أو الجاهل المتردد اللذين قلّما يتفق لهما مصداق في الخارج، ضرورة أنّ الغالب من موارد هذه الأخبار إنّما هو الجاهل المقصّر، فيلزم من الشمول المزبور حمل هذه الأخبار على كثرتها على الفرد النادر و هو قبيح مستهجن. ففراراً عن هذا المحذور يمنع عن شمول الحديث للجاهل المقصّر.

فتحصّل: أنّ مورد حديث لا تعاد إنّما هو الناسي و الجاهل المعذور، دون المقصّر و دون المتردد و العامد.

و عليه فمن صلّى في اللباس المشكوك جاهلًا و هو معذور فيه ثم بان الخلاف بعد الفراغ حكم بصحة صلاته صحة واقعية، لحديث لا تعاد.

و كذا لو انكشف الخلاف في الأثناء لكن بعد أن نزع اللباس قبل الانكشاف‌

209

..........

____________

كما لو صلّى فيه ركعة ثمّ اتفق نزعها في الركعة الثانية ثم حدث الانكشاف في الركعة الثالثة مثلًا، فإنّ القاعدة جارية حينئذ، إذ حين اللبس كان جاهلًا معذوراً على الفرض فتشمله القاعدة بلحاظ ذلك الجزء، و عند الانكشاف لم يكن لابساً له. فجواز الصلاة مع المشكوك كان ظاهرياً، و بعده تبدل إلى الواقعي ببركة الحديث.

نعم، إذا كان لابساً له حال الانكشاف لم تنفع القاعدة حينئذ، فإنّها و إن جرت بالإضافة إلى الأجزاء السابقة لكنها لا تنفع بالنسبة إلى اللاحقة التي منها آن الانكشاف، المعتبر فيه الخلو عما لا يؤكل كبقية الآنات الصلاتية، لعدم تكفّل الحديث إلا لتصحيح العمل السابق و ترميم الخلل الواقع فيه، دون ما لم يأت به بعدُ من الأجزاء اللاحقة كما هو ظاهر جدّاً، ففي مثله يكون الجواز ظاهرياً بحتاً فيحكم بالبطلان عند انكشاف الخلاف.

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ كون الجواز ظاهرياً أم واقعياً يدور مدار جريان حديث لا تعاد و عدمه، و قد عرفت جريانه في بعض الصور، فيتبدّل فيه الجواز الظاهري إلى الواقعي، و هو ما إذا كان الانكشاف بعد الفراغ عن الصلاة أو في الأثناء لكن بعد النزع، فيحكم بالصحة. و أمّا إذا كان الانكشاف قبله فلا تبدّل و لا انقلاب، بل الجواز ظاهري بحت يرتفع بقاءً لدى الانكشاف فيحكم بالبطلان و وجوب الإعادة.

الجهة الثالثة: قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّه لا بدّ على كلا القولين من الشرطية أو المانعية من إحراز الصحة عند الشروع في الصلاة، و أنّ اللباس ليس من غير المأكول، إمّا بأمارة أو بأصل، لحكم العقل بلزوم إحراز الشرط أو انتفاء المانع في مقام الامتثال، فالصحة الظاهرية لا بدّ من إحرازها على كل حال، و إلا فالعمل بدونه محكوم بالبطلان بقاعدة الاشتغال.

و ما يقال من اختصاص ذلك بالقول بالشرطية للزوم إحراز الشرط بلا إشكال، دون المانعية فإنّ مجرد الشك في وجود المانع كافٍ في الحكم بعدمه بقاعدة المقتضي و المانع، بعيد عن الصواب.

210

..........

____________

أمّا أولًا: فلأنّ هذه القاعدة غير تامة في حد نفسها كما ذكرناه في الأُصول (1).

و ثانياً: على تقدير التسليم فمورد القاعدة إنّما هو المانع الذي يكون عدمه من أجزاء العلة في مقابل الشرط و المقتضي، فاذا أُحرزت أجزاء العلة التامة من غير ناحية المانع و شك في وجوده يحكم حينئذ بثبوت المعلول و ترتب المقتضى بالفتح و لا يعتنى باحتمال وجود المانع. و أمّا في المقام فليس إطلاق المانع على اللباس المتخذ من غير المأكول من هذا القبيل قطعاً، بل هو بمعنى ما أُخذ عدمه في المركب، فيعبّر عن القيود العدمية بالمانع، كما يعبّر عن الوجودية بالشرط، فكلّ منهما قيد مأخوذ في الواجب، غايته أنّ أحدهما وجودي و الآخر عدمي، و من الواضح لزوم إحراز الواجب بماله من القيود الوجوديّة و العدمية في مقام الامتثال.

نعم، الغالب أنّ القيد العدمي أعني عدم المانع محرز بأصل موضوعي أو حكمي، إذ المانع أمر حادث مسبوق بالعدم، بخلاف القيود الوجودية أعني الشرائط فإنّ وجودها على خلاف الأصل فتحتاج إلى الدليل غالباً، لكن ذلك لا يستوجب فرقاً فيما هو الملاك في المقام من لزوم إحرازهما في مقام الامتثال.

الجهة الرابعة: لا يخفى أنّ عنوان البحث في هذه المسألة و إن كان هو جواز الصلاة في خصوص ما يشك في جزئيته لما لا يؤكل، إلا أنّ ملاك البحث عام له و لكلّ مشتبه من بقية الموانع من الحرير و الذهب و المغصوب و نحوها، لعدم الموجب للتخصيص بعد التوسعة في ملاك النزاع في المقام.

نعم، قد يستظهر من الأدلّة عنوان الشرطية في المقام و المانعية في بقية الموارد، لكنّ ذلك مجرد استظهار في مقام الإثبات قابل للنقض و الإبرام، فلا يكاد يؤثر في تضييق نطاق البحث كما لعله ظاهر جدّاً. فالكلّ داخل في محلّ‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 240 فما بعد.

211

..........

____________

الكلام من دون فرق في ذلك بين ما إذا كانت المانعية شرعية مستفادة من دليل لفظي، أو عقلية ثبتت بالدليل اللبّي كما في الغصبية، حيث إنّ اعتبار الإباحة في اللباس لم يكن مدلولًا لدليل لفظي، و إنّما استفيد من حكم العقل بامتناع كون الحرام مصداقاً للواجب، الموجب لتقييد ما دلّ على اعتبار الساتر في الصلاة بكونه مباحاً، بخلاف مانعية مثل الحرير المستفادة من الأدلّة اللفظية.

و قد خالف في ذلك بعض الأعاظم تبعاً لصاحب الكفاية (قدس سره) (1) فذكر أنّ المخصص إذا كان لبيّاً مستفاداً من دليل العقل يقتصر فيه على المقدار المتيقن، فكان الخارج عن عموم العام إنّما هي الأفراد المعلومة، فلا يوجب ذلك انثلام ظهور العام و حجيته في الباقي و إن كان الفرد مشكوكاً.

لكنه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجه، ضرورة أنّ العبرة في التخصيص إنّما هو بالمنكشف دون الكاشف، فاذا ثبت خروج عنوان عن تحت العام خروجاً واقعياً بحيث لا يكاد يشمله العموم في نفس الأمر و في مقام الثبوت، اقتضى ذلك لا محالة تقيّد موضوع العام بحسب الإرادة الجدية بما عدا عنوان الخاص، سواء أ كان الدالّ عليه في مقام الإثبات اللفظ أم العقل فعنوان العام مقيّد بحسب الواقع بغير ذلك على التقديرين، و معه كيف يمكن التمسك به عند الشك و في الشبهة المصداقية.

و بالجملة: فالمانعية العقلية كاللفظية لا تختص بصورة الإحراز، بل هي أمر واقعي تعمّ صورة الشك في وجود الموضوع أيضاً.

نعم، يتمّ ذلك فيما إذا كانت المانعية العقلية ناشئة من التزاحم بين التكليفين مع تقديم جانب النهي، فانّ المانعية حينئذ تختص بصورة العلم و الإحراز لتقوّم صدق المزاحمة بذلك، ضرورة أنّ التكليف إنّما يتصف بكونه مزاحماً و معجّزاً مولوياً في ظرف التنجّز و بلوغه إلى المكلف، و إلا فمجرد وجوده الواقعي ما لم يبلغ حدّ التنجز لا يكون مزاحماً مع التكليف الآخر.

____________

(1) الكفاية: 222.

212

..........

____________

و أمّا إذا كانت ناشئة من التعارض كما في أمثال المقام فيقيد التكليف بحسب الواقع بعدم اقترانه بالمانع. فهذا المانع بوجوده الواقعي متصف بالمانعية سواء علم به أم جهل كما هو ظاهر.

الجهة الخامسة: في تحقيق أنّ اعتبار عدم وقوع الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل هل هو على سبيل الشرطية، أو أنّه بنحو المانعية. فإنّ العمدة من روايات الباب إنّما هي موثقة ابن بكير المتقدمة سابقاً (1)، و هي بمقتضى صدرها ظاهرة في المانعية، كما أنّها بمقتضى الذيل ظاهرة في الشرطية.

فهل يؤخذ بالظهور الأول و يتصرّف في الثاني، فيحمل الاشتراط على التبعي و انّ وقوع الصلاة فيما أحلّه اللّٰه ليس لخصوصية فيه، بل لأجل التخلّص عن المانع، و هو الوقوع فيما لا يؤكل؟

أو يعكس فيتحفظ على الظهور الثاني، و يحمل النهي و الفساد في الصدر على العرضي، فيكون المجعول الشرطية، و أمّا المانعية المستفادة من الصدر فهي عرضية تبعيّة؟

و ربما يحتمل في المقام احتمال ثالث، و هو الجمع بين كلا الاعتبارين أعني الشرطية و المانعية فكما أنّ الوقوع في أجزاء ما لا يؤكل مانع كذلك يشترط في الصحة أن يكون اللباس متخذاً من النبات أو من حيوان محلّل الأكل.

لكن هذا الاحتمال ساقط جزماً، بل هو مستحيل و إن أصرّ عليه بعض الأعاظم (قدس سره) لامتناع الجمع بين شرطية أحد الضدين و مانعية الضد الآخر، من دون فرق في ذلك بين التكوينيات و التشريعيات.

أمّا في الأُمور التكوينية: فتوضيحه يتوقف على تحقيق معنى المانعية فيها و كيفية دخل أجزاء العلّة في وجود المعلول فنقول:

لا ريب أنّ العلّة تتألف من أُمور ثلاثة: المقتضي، و الشرط، و عدم وجود المانع، فهي بأجمعها دخيلة في وجود المعلول، كما أنّ بانتفاء واحد منها ينتفي‌

____________

(1) في ص 168.

213

..........

____________

وجوده، إلا أنّ كيفية دخل هذه الثلاثة مختلفة.

أمّا المقتضي فدخالته باعتبار أنّه هو الذي منه يترشح الأثر، و منه يتولّد المعلول، كالنار بالإضافة إلى الإحراق.

و أمّا الشرط كالمحاذاة في هذا المثال فليس شأنه الترشح و التوليد ضرورة أنّ الإحراق إنّما ينشأ و يترشح من ذات النار، و أمّا المماسة و المحاذاة فهي أجنبية عن الرشح بالكلّية. فدخالتها في التأثير و عدّ الشرط من أجزاء العلّة إنّما هو باعتبار كونه دخيلًا في فعلية الأثر الناشئ عن المقتضي، لنقص في الفاعل أو في المحلّ، فيكون متمماً لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل. و على أي تقدير فالشرط بنفسه بمعزل عن الفاعلية و التأثير، و أجنبي عن الإفاضة و الترشيح، بل إنّ هذه من صفات المقتضي فقط كما عرفت. فليس كيفية الدخل فيهما على حدّ سواء و من سنخ واحد.

و أمّا المانع الذي يعدّ عدمه من أجزاء العلّة فكيفية الدخل فيه تباين المقتضي و الشرط، فلا هو منشأ للرشح و لا أنّه متمّم للنقص، كيف و هو أمر عدمي، و لا يعقل ترشح الوجود من العدم، أو دخله في تحقق الأثر بالضرورة، فليست دخالته إلا باعتبار مزاحمة المانع بوجوده عن تأثير المقتضي و صدّه عن ترتب المقتضى بالفتح عليه. فلأجل التدافع و التمانع الحاصل بين وجودين المقتضي و المانع، حيث إنّ أحدهما يقتضي شيئاً و الآخر يضاده و يزاحمه و يقتضي خلافه اعتبر عدمه في فعلية الأثر و ترتّب المعلول. و لو لا هذه المزاحمة لما كاد يعقل أن يكون عدم شي‌ء من أجزاء علّة شي‌ء آخر.

و بالجملة: لا بدّ في صدق المانعية على شي‌ء من اتصاف وجوده بكونه مزاحماً فعلياً مع المقتضي المفروض وجوده و كافّاً له عن التأثير، بحيث لولاه لترتب الأثر عليه بالفعل، حتى يكون عدمه من أجزاء العلّة بالمعنى الذي عرفت، أي يكون المزاحم منتفياً حتى يؤثر المقتضي أثره.

و مما ذكرناه تعرف أنّ بين أجزاء العلة المقتضي، الشرط و عدم المانع نوعاً من الترتب و الطولية، بمعنى أنّه عند اجتماعها المستلزم لوجود المعلول‌

214

..........

____________

فالوجود مستند إلى تحقق مجموع هذه الأجزاء، و أمّا عند انتفائها فعدم المعلول حينئذ يستند إلى الأسبق فالأسبق، فلا يستند إلى اللاحق إلا بعد فرض وجود السابق.

فمثلًا النار مقتضٍ للإحراق، و المحاذاة شرط، و رطوبة المحلّ مانع، فعند اجتماع الأوّلين مع انتفاء المانع يتحقق الإحراق. و أمّا عند فقد شي‌ء منها المؤدي إلى عدم وجود المعلول فإنّما يستند العدم إلى وجود المانع مع تحقق المقتضي و الشرط، و إلا فمع عدم وجود النار من أصله أو وجودها من دون المحاذاة لا معنى للاستناد إلى رطوبة المحلّ، لما عرفت من أنّ المانع هو ما يكون مزاحماً مع المقتضي في التأثير، و المفروض عدم وجود المقتضي من أصله أو عدم كونه تام الفاعلية، و معه كيف تعقل المزاحمة حتى يكون العدم مستنداً إلى وجود المزاحم، فإنّه من السالبة بانتفاء الموضوع.

كما أنّه إنّما يستند إلى فقد الشرط مع فرض وجود المقتضي، فيستند عدم الإحراق إلى عدم المحاذاة مع وجود أصل النار، و إلا فمع عدمه لا معنى للاستناد إلى فقدان الشرط، إذ الشرطية المتقوّمة بالتتميم كما عرفت متفرّعة على فرض الوجود الناقص كي يتمّم و يجبر به النقص. و بالجملة: فمع فرض عدم المقتضي يستند عدم المعلول إليه لا إلى فقد الشرط، و لا إلى وجود المانع.

و لعمري إنّ هذا ظاهر جدّاً، بل لعلّه يعدّ من الضروري و إن أصرّ على خلافه بعض الأعاظم فجوّز الاستناد إلى كلّ من عدم المقتضي و وجود المانع عند فرض انتفاء أجزاء العلّة بأجمعها. و قد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه.

و من هنا يظهر استحالة مانعية أحد الضدّين بعد فرض شرطية الضد الآخر، ضرورة أنّ المقتضي مع شرطه إن كانا موجودين فيستحيل معه وجود المانع حتى يزاحم المقتضي في التأثير، لاستلزامه اجتماع الضدّين بعد فرض المضادة بينه و بين الشرط، فلا يعقل وجوده حينئذ كي يتصف بالمانعية حتى يكون عدمه من أجزاء العلّة و دخيلًا في فعليّة الأثر بالمعنى المتقدم.

215

..........

____________

و إن لم يكن المقتضي التام و بوصف كونه مؤثراً لولا المزاحم موجوداً إمّا لعدم وجود المقتضي من أصله أو لعدم تأثيره من جهة فقد الشرط فالمقتضي (بالفتح) بنفسه غير قابل للتحقق، لنقص في الفاعل أو لعدم وجوده من أصله، كان المانع موجوداً أم لا. فعدم المعلول حينئذ يستند إلى عدم المقتضي أو عدم الشرط لا إلى وجود المانع، إذ ليس هناك مقتض مؤثّر كي يزاحمه المانع في التأثير. فلا يعقل المانعية لأحد الضدّين بعد فرض شرطية الضدّ الآخر على أيّ تقدير. هذا كلّه في التكوينيات.

و أمّا في التشريعيات فليس إطلاق الشرط و المانع فيها على حدّ إطلاقه في الأُمور التكوينية، إذ ليس هناك تأثير لا تأثر و لا علّة و لا معلول، و إنّما هناك جعل حكم على الموضوع المقدّر وجوده مع أخذ قيود فيه وجودية و عدمية، فيعبّر عن القيد الوجودي بالشرط، و عن العدمي بالمانع، و هذا مجرد اصطلاح محض كما لا يخفى.

و عليه فبعد اعتبار الشرطية لأحد الضدّين أعني اعتبار التقيّد بوجوده كان اعتبار المانعية أي التقيّد بعدم الضدّ الآخر من اللغو الظاهر، لإغناء الجعل الأول عن الثاني بعد عدم انفكاك وجود الضدّ عن عدم الضدّ الآخر هذا إذا كان الضدّان مما لهما ثالث. و أمّا إذا لم يكن فاللغوية لا تنحصر في اعتبار المانعية، بل أيّاً منهما اعتبره أوّلًا كان الثاني لغواً، سواء كانت الشرطية أو المانعية، إذ المفروض عدم خلو المحلّ عن أحدهما. فاعتبار كلّ منهما يغني عن الآخر، و اللغو إنّما هو الجمع بين الاعتبارين من دون ترجيح في البين.

و المتحصّل من جميع ما قدمناه: استحالة الجمع بين شرطية أحد الضدّين و مانعية الضد الآخر، من دون فرق فيه بين التكوينيات و التشريعيات. فما اختاره بعض الأعاظم من الجمع بينهما في المقام فالتزم باشتراط كون اللباس من محلل الأكل إذا كان متخذاً من الحيوان، و بمانعية المتخذ من محرم الأكل ساقط جزماً.

بل يدور الأمر بين الشرطية المطلقة، و المانعية كذلك، و التفصيل بين الساتر‌

216

..........

____________

و غيره فالاعتبار في الأوّل بنحو الشرطية، و في الثاني على سبيل المانعية كما قيل.

و قبل الخوض في تحقيق الحال و بيان المختار ينبغي التنبيه على أمر قد تعرضنا له في الأُصول في بحث مقدمة الواجب (1) و هو أنّ الفرق بين الجزء و الشرط هو أنّ الجزء مما يتألف منه المركب، فينبسط الأمر المتعلق به و ينبث عليه لدى التحليل لا محالة، فانّ ذات الجزء إذا لوحظ في حدّ نفسه و لا بشرط فهو جزء، و إذا لوحظ بشرط الانضمام مع بقية الأجزاء فهو عين المركّب فالمركب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر. و عليه فهو داخل فيه قيداً و تقيّداً، و لذا قلنا بأنّ وجوبه نفسي لانبساط الأمر المتعلق بالمركب عليه.

و أمّا الشرط فهو و إن كان خارجاً عن حريم المأمور به، إلا أنّ التقيد به مأخوذ فيه، و لذا قيل إنّه جزء عقلًا و شرط خارجاً، أي انّ التقيّد به داخل في المأمور به و واقع في حيّز الطلب، و القيد خارج. فالشرطية أو المانعية إنّما تنتزعان من تقيّد الواجب بقيد وجودي أو عدمي.

و منه تعرف أنّ ذات القيد لا بدّ و أن يكون فعلًا اختيارياً للمكلّف، كي يصح الأمر بتقيد الواجب به أو بعدمه، لما عرفت من أن التقيد في باب الشرائط و الموانع داخل في المركب فلا بدّ و أن يكون أمراً اختيارياً، و لا يكاد يكون كذلك إلا إذا كان ذات القيد متعلقاً لاختيار المكلّف، إذ لا يعقل تقييد الواجب بأمر غير اختياري، و إنّما يجوز ذلك في تقييد الوجوب نفسه دون الواجب، و إلا لكان القيد مفروض الوجود، و مثله خارج عن حيّز الطلب الذي قد عرفت تعلّقه بالتقيد به.

و لأجله ذكرنا في محلّه أن عدّ القبلة من شرائط الصلاة و كذا الطهارة الحدثية و الخبثية مبني على ضرب من المسامحة، و إنّما الشرط هو الاستقبال و إيقاع الصلاة في هذه الأحوال، الذي هو فعل اختياري للمكلّف، دون نفس‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 296 298.

217

..........

____________

هذه الأُمور الخارجة عن تحت قدرته و اختياره.

و مما ذكرنا يعلم أنّ الشرط أو المانع في محلّ الكلام لا بدّ و أن يكون اعتبار أمر وجودي أو عدمي صالح لتعلق الاختيار به كي يمكن أخذه قيداً في الواجب، كإيقاع الصلاة في اللباس المأخوذ من حيوان مأكول اللحم أو [غير] محرم الأكل، أو عدم إيقاعها فيه. و أمّا نفس المأكوليّة و عدمها أعني حكم الشارع بحليّة الأكل أو بحرمته فلا يعقل أن يكون شرطاً أو مانعاً، فإنّه فعل اختياري للشارع، و مثله خارج عن تحت قدرة المكلف و اختياره فكيف يتقيد الواجب به أو بعدمه، و هذا ظاهر.

فما أفاده بعض الأعاظم (قدس سره) من تعميم الشرط و المانع لما كان خارجاً عن الاختيار، و أنّهما منتزعان من إضافة الواجب إلى شي‌ء خارجي و إن كان غير اختياري، في حيّز المنع و غير قابل للتصديق كما عرفت.

و مما ذكرنا يعلم أيضاً أنّ المدار في استفادة الشرطية أو المانعية على أنّ القيد المأخوذ في الصلاة هل هو عنوان وجودي أو عدمي، من دون فرق في ذلك بين كون متعلّق هذا العنوان وجودياً أم عدميا، فاذا كان المستفاد من الأدلّة هو إيقاع الصلاة في محلّل الأكل أو إيقاعها في غير محرم الأكل كان الاعتبار من باب الشرطية، و إذا كان مفادها عدم الإيقاع في محرم الأكل أو عدم إيقاعها في غير محلّل الأكل كان ذلك من باب المانعية. فاختلاف الاعتبارين يدور مدار تقيّد الصلاة بأمر وجودي أو عدمي.

فإذا كان وجودياً كان شرطاً و إن كان متعلقه عدميا كالإيقاع في غير محرم الأكل. و إن كان عدميا كان مانعاً و إن كان متعلقه وجودياً كعدم الإيقاع في محرم الأكل، لما عرفت من أنّ الحلّية و الحرمة ليستا من الشرط و المانع في شي‌ء، لخروجهما عن تحت الاختيار، و إنّما المقدور الإيقاع و عدمه، فالاعتبار بهما لا بمتعلقهما.

فما أفاده بعض الأساطين (قدس سره) من أنّ ما لا يؤكل لحمه إن كان كناية عن حرمة الأكل كان الفساد مستنداً إلى وجود المانع، و إن كان كناية عن‌

218

..........

____________

عدم حلّيته دلّ على اشتراط الصحة بالحلّية فيكون الفساد مستنداً إلى فقد الشرط، غير وجيه، لابتنائه على ما اختاره (قدس سره) من تعميم شرط الواجب لما كان خارجاً عن الاختيار، و قد عرفت ما فيه.

إذا عرفت هذا فنقول: المستفاد من الروايات الواردة في المقام عموماً و خصوصاً إنّما هي المانعية، لتضمنها النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل أو في خصوص الأرانب و الثعالب و نحوهما من العناوين الخاصة، فيستفاد منها اعتبار عدم إيقاعها في هذه الأُمور، الذي هو منشأ انتزاع المانعية كما عرفت. و ليس هناك ما يمكن استفادة الشرطية منه في الروايات عدا أُمور:

منها: قوله (عليه السلام) في ذيل موثقة ابن بكير: «لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّٰه أكله» (1) فانّ مقتضى إناطة الصحة و القبول بإيقاع الصلاة فيما أحل اللّٰه أكله الذي هو عنوان وجودي هي الشرطية لمكان الأمر بإيجاد هذا العنوان الملازم لها.

و أورد عليه المحقق النائيني (قدس سره) (2) بأنّ ظهور الصدر و هو قوله: إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله ... إلى قوله: فاسدة في المانعية يمنع عن دلالة الذيل على الشرطية، لعدم إمكان الجمع بين مانعية أحد الضدّين و شرطية الضدّ الآخر كما مرّ، فيكون ذلك من سوء تعبير ابن بكير، حيث عبّر أولًا بما يظهر منه المانعية و ثانياً بما يظهر منه الشرطية، فلا ظهور في الموثق إلا في المانعية دون الشرطية.

و إن أبيت إلا عن الظهور في كلّ منهما فحيث إنّ الظهورين حينئذ متصادمان، لامتناع الجمع بينهما ثبوتاً كما عرفت فتسقط الموثقة عن الحجية حينئذ من هذه الجهة، لتعارض الصدر و الذيل، فتطرح و يرجع إلى الروايات الأُخر الظاهرة في المانعية بلا معارض، هذا.

____________

(1) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 146 فما بعدها.

219

..........

____________

و لكنّه يمكن أن يقال بعدم التعارض بين الفقرتين و عدم تصادم الظهورين لتعدد الموردين، فانّ الذيل ناظر إلى خصوص الساتر، و الصدر إلى ما عدا الساتر من الملبوس أو المحمول.

و توضيحه: أنّ مقتضى إناطة الصحة و القبولية في الذيل بإيقاع الصلاة في غير محرم الأكل أنّ مجرد ذلك كافٍ في الحكم بالصحة، مع أنّه على إطلاقه غير قابل للتصديق إلا إذا كان النظر مقصوراً على خصوص الساتر، و إلا فمجرد لبس شي‌ء ما من قلنسوة أو عمامة أو ثوب لا يتستر به و إن كان متخذاً من محلّل الأكل غير كافٍ في صحة الصلاة قطعاً. فلا مناص من أن يكون محطّ النظر و مورد التقييد في هذه الفقرة من الموثقة هو اللباس الساتر في مقابل الصلاة عارياً.

و عليه فيستفاد منها بمقتضى تعليق الصحة على العنوان الوجودي شرطية الستر المخصوص في الصلاة، بمعنى لزوم إيقاع الصلاة في ساتر متخذ من غير ما لا يؤكل لحمه، و حيث إنّ المفروض في مورد السؤال كونه حيوانياً فلا بدّ من تقييده بكونه من مأكول اللحم أو بعدم كونه من غير المأكول، إذ لا فرق في الشرطية المنتزعة من العنوان الوجودي بين كون متعلقه وجودياً أو عدميا كما مرّ (1). و على أي حال فلا مانع من استفادة الشرطية من الذيل في خصوص الساتر.

و أمّا الصدر فهو متمحّض في المانعية، إذ لا يعتبر في صحة الصلاة وقوعها في شي‌ء غير الساتر حتى يكون مشروطاً بشي‌ء. فالبطلان المستند إلى الوقوع في غير المأكول الذي تضمّنه صدر الموثق من الملبوس أو المحمول لا يكون إلا من جهة وجود المانع لا فقدان الشرط، كما يشهد له عطف البول و الروث على ما قبله من الوبر و الشعر و الجلد، إذ لا يحتمل اشتراط الصحة بالوقوع في بول المأكول و روثه، و إن احتمل بالإضافة إلى شعره و جلده و وبره فيما إذا كان‌

____________

(1) في ص 217.

220

..........

____________

اللباس متخذاً من الحيوان. فهي ظاهرة في أنّ هذه الأُمور بأنفسها مانعة عن الصحة كما لا يخفى.

و بالجملة: يمتاز الساتر عن غيره في اشتراط صحة الصلاة به دون غيره. و عليه فاذا كان القيد راجعاً إلى الأول كان ظاهراً في الشرطية، و أمّا إذا كان عائداً إلى الثاني فلا سبيل فيه غير المانعية، إذ كونه شرطاً له يتوقف على أن يكون المشروط به دخيلًا في صحة الصلاة، و المفروض عدمه.

و دعوى إمكان تصوير الشرطية في المقام لكن لا مطلقاً، بل على تقدير وجود المشروط خارجاً، بأن يقال: إذا لبست شيئاً غير الساتر في الصلاة أو حملته فيشترط أن يكون من المأكول أو من غير ما لا يؤكل، فاسدة جزماً لأوْله إلى تحصيل الحاصل أو طلب المحال، ضرورة أنّ ما حمله أو لبسه في الصلاة لا يخلو إما أن يكون واجداً لذاك القيد أعني كونه من غير محرّم الأكل أم لا، فعلى الأوّل يكون الأمر به المنتزع منه الشرطية تحصيلًا للحاصل و على الثاني يكون من طلب المحال، لعدم إمكان تحصيله في تلك الصلاة لامتناع قلب الشي‌ء عما وقع عليه.

و بالجملة: قبل الدخول في الصلاة لم يكن موضوع للشرطية، لعدم تحقق ذاك التقدير المعلق عليه الشرطية على الفرض. و بعده يستحيل الأمر به حتى ينتزع منه الشرطية، لدورانه بين محذورين كما عرفت.

و على هذا فيمكن التوفيق بين الصدر و الذيل مع التحفظ على ظهور الأوّل في المانعية، و الثاني في الشرطية من دون تهافت، باختصاص الذيل بالساتر و حمل الصدر على ما عداه من الملبوس أو المحمول، فيرتفع التنافي باختلاف المورد.

إلا أنّ دقيق النظر يقضي بخلاف ذلك و عدم ظهور الذيل إلا في المانعية كالصدر.

و بيانه: أنّ الذيل إن كان هكذا: لا تقبل الصلاة حتى يصلّيها في غيره .. إلخ.

221

..........

____________

لكان لاستفادة الشرطية مجال واسع، من جهة تعليق الصحة في طبيعي الصلاة على قيد وجودي، لكن المذكور في الموثق هكذا: «لا تقبل تلك الصلاة ...» إلخ مع أداة الإشارة. فلا بدّ من تعيين المشار إليه بعد امتناع أن يكون المراد به خصوص الصلاة الشخصية الخارجية الواقعة فيما لا يؤكل، لعدم قبولها للصحة حتى لو أعادها فيما يؤكل، فانّ الصحيح حينئذ هي الصلاة المعادة الثانية دون الأُولى. فهي بوصف وقوعها الخارجي غير صالحة للقبول أبداً، و لا يمكن تصحيحها بوجه، إذ الشي‌ء لا ينقلب عما هو عليه، سواء أتى بصلاة أُخرى صحيحة أم لا، مع أنّ صريح الموثّق تعليق الصحة في تلك الصلاة بإتيانها فيما يؤكل. و عليه فيتردد المشار إليه بين أُمور:

أحدها: أن تكون الأداة إشارة إلى طبيعي الصلاة على إطلاقها.

الثاني: أن تكون إشارة إلى نوع من طبيعة الصلاة الذي وقع فرد منه فاسداً، فتلاحظ الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل أنّها صلاة صبح أو ظهر أو عصر أو آيات و نحو ذلك من أنواع الصلاة التي فرض وقوع فرد منها خارجاً على صفة الفساد أي فيما لا يؤكل فتكون الأداة إشارة إلى ذلك النوع أو الصنف.

الثالث: أن تكون إشارة إلى شخص الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل، لكن لا بما أنّها شخص خارجي، لاستحالته بهذا المعنى كما عرفت، بل بما أنّها واقعة في الحيواني بإلغاء الخصوصية الشخصية و تجريدها عن كونها واقعة فيما لا يؤكل بخصوصه.

لا ريب في استفادة الشرطية على المعنيين الأوّلين بالتقريب المتقدم، فانّ وجود الإشارة و عدمها حينئذ على حدّ سواء كما لا يخفى.

و أمّا على الاحتمال الثالث فلا ظهور لها في الشرطية أبداً، ضرورة أن الصلاة في الحيواني تنقسم إلى قسمين: مأكول اللحم و غير المأكول، و لا ثالث لهما و بعد الحكم في الصدر بمانعية غير المأكول و بطلان الصلاة من جهة الاقتران بالمانع فلا محالة تكون الصحة و القبولية منوطة بالوقوع في المأكول، لكن لا بما هو كذلك، بل فراراً عن المانع، ففرض الفساد في القسم الأول استناداً إلى‌

222

..........

____________

وجود المانع يستلزم تعليق الصحة على الوقوع في القسم الثاني بعد حصر التقسيم فيهما. فهذه الفقرة مؤكّدة لما هو المستفاد من الفقرة الأُولى و بيان لما هو المفهوم منها، من دون أن تتضمن تأسيس حكم جديد كما هو ظاهر.

و غير خفي أنّ الاحتمال الثالث هو الأقرب إلى الإشارة، إذ تجريد المشار إليه المذكور في الكلام عن كلّ خصوصية و حمله على الطبيعة المطلقة أو خصوص نوع منها بلا مقتض، و الضرورات تقدّر بقدرها، و المقدار اللازم تجريده عن الخصوصية الشخصية الخارجية الواقعة فيما لا يؤكل، لامتناع الإشارة إليه كما عرفت، فتلغى هذه الخصوصية فقط، و يتحفظ على ما عداها التي منها خصوصية وقوعها في الحيواني المفروض في السؤال، بل إنّ حصر الصحة فيما إذا وقعت في المحلل الذي تضمنه الذيل يقتضي ذلك، و إلا فيمكن فرض الصحة فيما إذا وقعت في اللباس المتخذ من النبات فلا يكون الحصر حاصراً كما لا يخفى.

و عليه فلا دلالة في الذيل على الشرطية أصلًا حتى يعارض به الصدر فيورث الإجمال من جهة تصادم الظهورين، بل هي صدراً و ذيلًا ظاهرة في المانعية كما عرفت.

و يؤكّد ما ذكرناه و يشهد له قوله (عليه السلام) في آخر الموثق: «و إن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شي‌ء منه فاسد ...» إلخ (1) فإنّ إسناد الفساد إلى الوقوع فيما نهى اللّٰه عنه و حرّم أكله الذي هو بمعنى الزجر عن الفعل و اعتبار عدم صدوره من المكلف كالصريح في المانعية كما لا يخفى. فيكون ذلك قرينة على أنّ الجواز المعلّق على كون الحيوان محلّل الأكل في قوله (عليه السلام) قبل ذلك: «فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كلّ شي‌ء منه جائز» (2) إنّما هو من جهة فقد المانع لا شرطية الوقوع في محلل الأكل.

____________

(1) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

(2) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

223

..........

____________

و منها: أي من الأمور التي استفيد منها الشرطية رواية علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه و أبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها، فقال: لا تصلّ فيها إلا ما كان منه ذكيا، قلت: أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ قال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه ...» إلخ (1).

فانّ قوله (عليه السلام): «إذا كان مما يؤكل» ليس قيداً لحصول التذكية ضرورة ورودها على غير المأكول أيضاً فتفيد الطهارة و إن لم تؤثر في جواز الصلاة، بل هو قيد للصلاة المذكورة في الصدر، فكأنّه يعتبر فيها أمران: أحدهما وقوعها في المذكى إذا كان الملبوس أو المحمول حيوانياً. الثاني: وقوعها في مأكول اللحم.

و إن شئت فقل: يعتبر في الصلاة تذكية خاصة، و هي الواردة على محلّل الأكل، فيكون ذلك شرطاً في الصحة، و مع عدمه يستند الفساد إلى فقد الشرط لا وجود المانع.

و فيه: مضافاً إلى ضعف سندها بالعلوي و الديلمي، بل و كذا علي بن أبي حمزة على الأصح، أنّها قاصرة الدلالة على الشرطية، إذ بعد فرض وقوع الصلاة في الحيواني كما هو مورد السؤال و انقسامه إلى محلل الأكل و محرّمه، و استظهار مانعية المحرم من الموثق المتقدم كما عرفت فلا محالة تكون الصحة منوطة بالوقوع في محلّل الأكل، لكن لا لاعتباره بما هو، بل تخلّصاً عن المانع. فالموثق المتقدم قرينة على المراد من هذه الرواية، و بعد الجمع بينهما و ضمّ إحداهما إلى الأُخرى لا يبقى ظهور لهذه في الشرطية كما لا يخفى.

و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) في ذيل هذه الرواية قال: «لا بأس بالسنجاب فإنّه دابة لا تأكل اللحم، و ليس هو مما نهى عنه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذ نهى عن كلّ ذي ناب و مخلب» فانّ قوله (عليه السلام): «و ليس هو مما نهى عنه (صلى اللّٰه عليه و آله)» كالصريح في أنّ الاعتبار إنّما هو‌

____________

(1) الوسائل 4: 348/ أبواب لباس المصلي ب 3 ح 3.

224

..........

____________

بالنهي الذي هو منشأ انتزاع المانعية. فيكون ذلك قرينة أُخرى على المراد من الصدر.

و منها: ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: «و كلّ ما أنبتت الأرض فلا بأس بلبسه و الصلاة فيه، و كلّ شي‌ء يحلّ لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكي منه و صوفه و شعره و وبره» (1).

و لا يخفى ما فيه من ضعف السند أولًا، لاشتمال تحف العقول بأجمعه على المراسيل و إن كان مؤلفه جليل القدر كما تعرضنا له في بحث المكاسب (2).

و قصور الدلالة ثانياً، إذ مضافاً إلى إناطة اللبس فيها بحلية اللحم دون الصلاة التي هي محل البحث، أنّه على تقدير التسليم فغاية ما يدل عليه جواز الصلاة و عدم البأس بها عند وقوعها في محلل الأكل، و هذا بنفسه مما لا كلام فيه، قلنا بالشرطية أم المانعية، إنّما الكلام في العقد السلبي أعني ما إذا لم تقع في محلل الأكل فوقعت في محرمه فهل البطلان حينئذ مستند إلى فقدان الشرط أم وجود المانع، و من الواضح أنّ الرواية أجنبية عن التعرض لهذه الجهة بالكلّية.

فتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ روايات الباب بأجمعها لا يستفاد منها إلا المانعية، و أما الشرطية فلا تكاد تستفاد من شي‌ء منها.

الجهة السادسة: بناءً على ما هو المعروف من التفصيل بين الشرطية و المانعية في الرجوع لدى الشك في كون اللباس مأخوذاً من محلّل الأكل أو محرّمة إلى الاشتغال في الأوّل و البراءة في الثاني كما سيجي‌ء البحث حوله مفصّلًا إن شاء اللّٰه تعالى. فاذا اتضح كلّ من الأمرين فبنينا على الشرطية أو على المانعية كما هو المختار فلا كلام. و أما إذا لم يتضح شي‌ء منهما و قلنا بقصور الأدلّة عن‌

____________

(1) الوسائل 4: 347/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 8، تحف العقول: 338.

(2) مصباح الفقاهة 1: 5.

225

..........

____________

إثبات واحد منهما، إمّا لتصادم الظهورين في صدر الموثّق و ذيله كما ذكره الأُستاذ (قدس سره) (1) أو لجهة أُخرى، فشككنا في أنّ المجعول الشرعي هل هو اعتبار الشرطية أو المانعية. و بالنتيجة تردّد أمر فساد الصلاة الواقعة في غير المأكول بين كونه من جهة وجود المانع أو فقدان الشرط فماذا يقتضيه الأصل العملي حينئذ؟ و هل الأصل الجاري في المقام هو البراءة كي توافق نتيجته المانعية، أم الاشتغال كي تفيد فائدة الاشتراط.

ذهب المحقق النائيني (قدس سره) (2) إلى الأول، بدعوى أنّ اعتبار الشرطية يتضمن كلفة زائدة، و هي لزوم إحراز الشرط عند الامتثال و عدم جواز الرجوع إلى البراءة، بخلاف المانعية العارية عن هذه الكلفة، فحيث إنّ أحد الجعلين يتضمن ضيقاً لا يقتضيه الآخر و هو مشكوك فيدفع بأصالة البراءة. فبحسب النتيجة يعامل مع المشكوك معاملة المانعية كما لو كانت محرزة.

لكن المناقشة فيما أفاده (قدس سره) واضحة جدّاً، ضرورة أنّ نفس المانعية و الشرطية المجعولين لو لوحظ كل واحد منهما بحياله فهو بنفسه يتضمّن الكلفة و الضيق لا محالة، إذ اعتبار كلّ منهما قيد مأخوذ في المأمور به وجوداً أو عدماً، و التقييد خلاف الإطلاق المتضمن للتوسعة و التسهيل، فلا يختص التضيق في مقام الجعل و التشريع بأحدهما دون الآخر، بل هما من هذه الجهة على حدّ سواء، و عليه فلو لوحظ الشك في كلّ واحد منهما مستقلا مع قطع النظر عن الآخر فهو مورد للأصل.

و أمّا بعد العلم الإجمالي بصدور واحد منهما كما هو المفروض في المقام فالأصل في كلّ منهما معارض بالآخر، إذ هما اعتباران متقابلان و ضدان متباينان، و ليس في البين قدر متيقن يقطع به في مقام الجعل و التشريع كي يشك في الزائد على المقدار المعلوم حتى يدفع بالأصل، كما هو الحال في الأقل و الأكثر‌

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 150.

(2) [لم نعثر عليه في مظان وجوده].

226

..........

____________

الارتباطيين، نعم يختص أحدهما بخصوصية يمتاز بها عن الآخر، و هي حكم العقل بلزوم الإحراز في مقام الامتثال و عدم جواز الرجوع إلى البراءة بناءً على الشرطية دون المانعية، إلا أنّ هذه الخصوصية أجنبية عن مقام التشريع و غير ملحوظة في مقام الجعل أبداً، بل هي كما عرفت من الآثار المترتبة عليه بحكم العقل و من شؤون هذا النوع من الاعتبار و الجعل، و حيثياته العقلية، و لا مساس له بالشارع بوجه، فهذه الكلفة عقلية محضة، و من الواضح عدم كون الأحكام العقلية مورداً للأُصول العملية لا الشرعية و لا العقلية كما لا يخفى.

و بالجملة: إن أُريد نفي أصل اعتبار الشرطية بالأصل فهو معارض بجريانه في اعتبار المانعية بعد فرض العلم الإجمالي بصدور أحدهما، و إن أُريد نفي الأثر المترتب عليه من لزوم الإحراز لدى الشك فهو حكم عقلي لا يكاد يرتفع بالأصل.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ مقتضى الأصل حينئذ هو الاشتغال، إذ الرجوع إلى البراءة الشرعية أو العقلية موقوف على إحراز كون المورد من الشك في التكليف، كما إذا ثبتت المانعية. و أمّا مع احتمال الشرطية كما هو المفروض فيحتمل أن يكون الشك عائداً إلى مقام الامتثال لا في أصل التكليف. و من الواضح أنّ مجرّد احتمال أن يكون الشك من الشك في الامتثال بعينه شك في تحقق الامتثال الذي هو موضوع لقاعدة الاشتغال.

و بالجملة: ما لم تحرز المانعية لا مجال للرجوع إلى البراءة، إذ مجرد احتمال أن يكون المجعول على سبيل الشرطية الملازم في المقام لعدم إحراز حصول المأمور به في الخارج و لو ببركة الأصل كافٍ في استقلال العقل بالرجوع إلى الاشتغال.

الجهة السابعة: بعد ما عرفت من استفادة المانعية من هذه الأخبار المتضمنة لفساد الصلاة الواقعة في أجزاء ما حرم اللّٰه أكله، يقع الكلام حينئذ في تحديد مدلول هذه الروايات، و ما يتطرق فيها من الاحتمالات مع بيان ما هو الصحيح‌

227

..........

____________

منها، حيث إنّ المانعية تدور مدارها سعة و ضيقاً فنقول:

هل المراد بما حرّم اللّٰه أكله المأخوذ في هذه الأخبار ذوات الحيوانات المحرم أكلها كالأسد و الأرنب و الثعلب و نحوها فيكون ذلك عنواناً مشيراً و معرّفاً لهذا النوع من الحيوانات، من دون أن يكون لنفس هذا العنوان دخالة و موضوعية في ثبوت الحكم، فكأنّ لذات الحيوان كالأسد مثلًا حكمين عرضيين: أحدهما: حرمة أكله، الثاني: عدم جواز الصلاة فيه، من دون ترتّب بينهما، بل هما حكمان ثبتا لموضوع واحد.

أو أنّ هذا العنوان ما حرّم اللّٰه أكله مأخوذ على سبيل الموضوعية من دون أن يكون عبرة إلى الأفراد الخارجية؟ فهناك حكمان طوليان، أحدهما موضوع للآخر، فذات الحيوان كالأسد موضوع لحرمة الأكل، و ما حرم أكله موضوع لعدم جواز الصلاة فيه.

و على الثاني فهل المراد بالحرمة المترتّب عليها المانعية هي الحرمة الفعلية المنحلّة إلى الأحكام العديدة حسب اختلاف الأشخاص و الحالات و الطوارئ الدخيلة في فعلية الأحكام، فلا يكون المانع إلا أجزاء الحيوان المحرّم أكله بالفعل و لو لجهة من الجهات كالضرر و الغصب و نحوهما. و أما ما حلّ أكله فعلًا و لو لأجل الاضطرار و نحوه فلا بأس به.

أو المراد بها الحرمة الطبيعية المجعولة في أصل الشرع مع قطع النظر عن الطوارئ الشخصية و الملابسات الخاصة المانعة عن فعلية الأحكام؟

و على الثاني فهل المراد بالحرمة الطبيعية الحرمة الثابتة للحيوان بعنوانه الذاتي، أو يعم الثابتة لها بعنوان عارض كموطوء الإنسان أو الجدي الشارب لبن الخنزيرة، فيكون موضوع المانعية كلّ حيوان محكوم بحرمة الأكل في أصل الشرع، سواء كان التحريم لعنوانه الأصلي و لاقتضاء ذاته ذلك، أو لأجل عروض عنوان اقتضى تحريماً طبعياً في عالم التشريع على سبيل الإطلاق؟

و على الثاني فهل المراد بالعنوان العارض خصوص ما لا يكون قابلًا للزوال‌

228

..........

____________

كالمثالين المتقدمين، أو يعمّ ما كان قابلًا له كالجلل الزائل بالاستبراء؟ وجوه أو أقوال، ملخصها: أنّ المانع هل هو ذات الحيوان، أو بعنوان محرّم الأكل بحرمة فعلية، أو طبعية ذاتية، أو حتى العارضة لكن بشرط عدم قبولها للزوال، أو حتى إذا قبلت الزوال كالجلال؟ و الأقوى هو الأخير، كما يتضح وجهه من تزييف ما عداه من بقية الوجوه.

أمّا كون المانع هو الوقوع في أجزاء ذات الحيوان فهو و إن مال إليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في بحثه و غيره (1)، إلا أنّه خلاف ظواهر الأدلّة المتضمنة لعنوان ما لا يؤكل، أو ما حرّم اللّٰه أكله، فإنّ حمل العنوان المأخوذ في لسان الدليل على المعرفية مخالف لسياق الكلام، لا يكاد يصار إليه من دون قرينة بل ظاهر الأخذ يعطي كون العنوان ملحوظاً على سبيل الموضوعية ما لم تقم قرينة على الخلاف المفقودة في المقام كما لا يخفى.

نعم، لو كان المستند في الحكم رواية علي بن أبي حمزة (2) المتضمنة للنهي عن الصلاة في كلّ ذي ناب و مخلب كان موضوع الحكم هي العناوين الذاتية أعني السباع.

إلا أنّ الرواية مضافاً إلى ضعف سندها من جهات كما تقدّم لا يمكن الأخذ بمضمونها، للقطع بتعميم الحكم للسباع و غيرها مما لا يؤكل لحمه كما تضمنه موثّق ابن بكير و غيره. على أنّ علي بن أبي حمزة بنفسه روى رواية أُخرى بعين هذا السند تضمّن المنع عن كلّ ما لا يؤكل من السباع و غيرها (3). فهذا الاحتمال ضعيف جدّاً.

و أمّا احتمال أن يكون الموضوع هو ما حرم أكله بالفعل فهو أضعف من سابقه من وجوه:

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 320 فما بعدها.

(2) الوسائل 4: 348/ أبواب المصلي ب 3 ح 3، و قد تقدمت في ص 223.

(3) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 2 [و الظاهر أنها عين روايته الاولى كما أشار المحقّق الرباني في هامش الوسائل].

229

..........

____________

أمّا أوّلًا: فلأنّ مقتضاه اختلاف الحكم باختلاف الأشخاص، فالثوب المنسوج من صوف المعز مثلًا لا يجوز الصلاة فيه بالإضافة إلى من حرم أكله عليه فعلًا لجهة من الجهات من الضرر أو الغصب و نحوهما، و تجوز الصلاة فيه بعينه بالإضافة إلى غيره ممن لم يحرم عليه الأكل. بل يختلف الحكم في شخص واحد بالإضافة إلى حالاته، فلا تجوز في الثوب المزبور في حال حرمة أكل لحمه لأجل الضرر مثلًا، و تجوز في نفس الثوب بعد ارتفاع الضرر. بل يختلف في شخص واحد بتعدد الزمان، فلا يجوز اللبس في نهار شهر رمضان لحرمة أكل لحم الحيوان المتخذ منه اللباس فعلًا على الصائم، و يجوز فيه بعينه في الليل لارتفاع التحريم حينئذ. و أيضاً مقتضى ذلك جواز الصلاة في أجزاء السباع لمن اضطر إلى أكلها، و عدم الجواز في نفس ذاك الجزء لغيره، بل له أيضاً بعد زوال الاضطرار.

و هذا كلّه كما ترى مضافاً إلى بعده في نفسه لا يحتمل أن يلتزم به الفقيه بل كاد أن يكون مخالفاً للضرورة كما لا يخفى.

و ثانياً: أنّ الحرمة الفعلية مخالفة لظواهر النصوص المتضمنة كموثق ابن بكير و غيره لتنويع الحيوان إلى محرّم الأكل و محلله، فانّ ظاهر إسناد الحلّية أو الحرمة إلى الحيوان أنّ الحكم بهما من جهة اقتضاء ذات الحيوان ذلك و أنّه بنفسه يكون لحمه محلّل الأكل أو محرمة، لا من جهة العوارض الشخصية من ضرر أو اضطرار أو صوم و نحوها مما تختلف به الحلّية و الحرمة الفعليتين، فانّ ذلك خلاف ظاهر إضافة الحكم إلى الحيوان نفسه كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّا نقطع بعدم دوران الحكم جوازاً و منعاً مدار حلّية اللحم و حرمته فعلًا، ضرورة أنّ اللباس قد يكون متخذاً من حيوان مذبوح قبل سنين عديدة، أو مجلوباً من البلدان النائية بعد ذبح الحيوان في أقصى البلاد الخارجة عن محل الابتلاء عادة، فلا يكون الحيوان حينئذ محلل الأكل و لا محرّمه لانتفاء الموضوع من أصله أو لعدم الابتلاء به، فليس هناك خطاب فعلي أصلًا‌

230

..........

____________

لا بحرمة الأكل و لا بحليته، مع أنّ اللباس محكوم بعدم جواز الصلاة فيه إذا كان مأخوذاً من نوع خاص من الحيوانات، و بالجواز إذا كان مأخوذاً من النوع الآخر.

فيظهر من ذلك أنّ المراد بالحرمة هي الحرمة الطبيعية، أي ما كان طبع الحيوان في نوعه محكوماً بحرمة أكل اللحم في أصل التشريع، سواء تمت شرائط الفعلية أم لا، في قبال ما كان حلالًا كذلك سواء اتّصف بالحرمة الفعلية لجهة من الجهات أم لا.

و أمّا احتمال اختصاص هذه الحرمة الطبيعية بما إذا ثبتت للحيوان في حدّ ذاته و بعنوانه الأوّلي مع قطع النظر عن العوارض فلا تعمّ ما ثبتت له في أصل الشرع لكن بعنوان عارض كموطوء الإنسان، أو الجدي الشارب لبن الخنزيرة المحرم أكله هو و نسله.

فيدفعه إطلاق الأدلة بعد صدق عنوان محرّم الأكل عليه أيضاً صدقاً حقيقياً من دون أيّة عناية و مسامحة، فيصدق على الموطوء و شارب اللبن أنّه مما حرم اللّٰه أكله في الشريعة المقدسة على حدّ صدقه على الأسد و الأرنب و نحوهما من المحرّمات الذاتية، فإنّ كون جهة الحرمة ذاتية أم عرضية أي كونها لأجل الوصف العنواني القائم بالذات أم لأمر خارج عن مقام الذات عارض عليه بعد كونها على التقديرين مجعولة في أصل الشريعة المقدسة لطبيعة الحيوان على الإطلاق، و على سبيل القضية الحقيقية غير فارق في صدق عنوان محرم الأكل المأخوذ في لسان الأدلّة موضوعاً للحكم صدقاً حقيقياً و حمله عليه حملًا شائعاً كما لا يخفى. فتخصيص الحكم بالأوّل مخالف لإطلاق الأدلّة.

و هل يتعدّى عن العنوان الذاتي إلى مطلق العناوين العرضية، أو إلى خصوص ما لا يكون منها قابلًا للزوال كالمثالين المتقدّمين دون ما كان قابلًا له كالجلل الزائل بالاستبراء؟

231

..........

____________

ذهب شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1) إلى الثاني، و لا نعرف له وجهاً، فانّ قبول العنوان للزوال و عدمه أجنبي عن الصدق المزبور الذي هو المناط في شمول الإطلاق، فإنّه إمّا أن يقتصر على العنوان الذاتي بدعوى قصور الأدلّة عن الشمول للعرضي فينبغي أن لا يتعدى حتى إلى العارضي غير القابل للزوال، مع أنّه (قدس سره) سلّم التعدي إليه، و اعترف بشمول الأدلّة له.

و إمّا أن يتعدّى إلى العارضي لعدم قصور الإطلاق كما هو الصحيح فلا فرق إذن بين ما لم يقبل الزوال و ما قبله كالجلال. فالتخصيص بالأول بلا موجب بعد عدم دخل قابلية الزوال و عدمه في الصدق المزبور.

و من الغريب قياسه (قدس سره) الجلل بالاضطرار، فكما أنّ الاضطرار إلى أكل لحوم السباع مثلًا لا يجوّز الصلاة في أجزائها لقبوله للزوال فكذلك الجلّال لعين الملاك.

و أنت خبير بما بينهما من الفرق الواضح، ضرورة أنّ الاضطرار إلى أكل لحم الأسد مثلًا الموجب لحلّية الأكل بالإضافة إلى خصوص المضطر إليه لا يوجب تغييراً في أصل التشريع، و لا يقتضي تبدّلًا في الحكم الواقعي بالنسبة إلى عامة المكلفين بحيث يصدق على اللحم المزبور أنّه مما أحلّ اللّٰه أكله في الشريعة المقدسة كما أحلّ لحم الغنم و نحوه.

و هذا بخلاف الجلال، فانّ ذات لحم الحيوان المتصف بالجلل حرم على كلّ أحد كلحم الأسد، و يصدق عليه حقيقة أنّه مما حرم اللّٰه أكله في الشريعة المقدّسة على عامّة المكلفين كما حرّم لحم السباع و نحوها مما لا يؤكل لحمه. فهما و إن اشتركا في قبول الزوال إلا أنّ الجلال يمتاز بخصوصية بها تندرج تحت الإطلاق دون الاضطرار، فقياس أحدهما بالآخر قياس مع الفارق الواضح كما هو ظاهر.

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 96.

232

..........

____________

و ببالي أنّه (قدس سره) حكم بنجاسة بول الجلال أخذاً بإطلاق قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) الشامل للعنوان الأصلي و العرضي. فتسليم التعميم هناك دون المقام مع أنّ الموضوع فيهما شي‌ء واحد و هو عنوان ما لا يؤكل، الذي رتّب عليه نجاسة البول و عدم جواز الصلاة فيه غير ظاهر الوجه.

الجهة الثامنة: ذكر بعضهم أنّه يختلف جريان الأُصول باختلاف كيفية اعتبار المانعية من حيث تعلّقها بالصلاة أو اللباس أو المصلي.

فإن كانت معتبرة في الصلاة نفسها، بأن اعتبر فيها أن لا تقع في غير المأكول من دون إضافة إلى المصلّي أو اللباس، فينبغي حينئذ التفصيل بين ما لو كان المشكوك فيه مصاحباً مع المصلّي عند مفتتح الصلاة، و ما لو طرأ عليه في الأثناء. فيحكم بالصحة في الثاني، للشك في عروض المانع بعد أن كانت الصلاة خالية عنه، فتستصحب الصحة و يدفع المانع المشكوك حدوثه بالأصل. و بالبطلان في الأول، لعدم الحالة السابقة، إذ الصلاة من أوّل حدوثها يشك في صحتها و فسادها، لاحتمال اقترانها بالمانع من أول الأمر، فيحكم بالبطلان لقاعدة الاشتغال.

و إن كانت معتبرة في اللباس فهي محكومة بالفساد في كلتا الصورتين، إذ لا أصل يتضح به حال اللباس من حيث اتخاذه من محلّل الأكل أو محرّمة، بل هو من حين وجوده يشك في اتصافه بكونه جزءاً لما يؤكل أو ما لا يؤكل، فسواء طرأ لبسه أثناء الصلاة أم لبسه قبل الشروع فيها يحتمل اقتران الصلاة بالمانع من دون أن يكون له أصل دافع.

و إن كانت معتبرة في المصلي يحكم بصحة الصلاة حينئذ على التقديرين، إذ المصلي قبل أن يلبس المشكوك لم يكن لابساً لما لا يؤكل يقيناً فيستصحب عدمه إلى ما بعد اللبس، و به يحرز انتفاء المانع المستلزم لصحة الصلاة.

____________

(1) الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

233

..........

____________

و نحن الآن لسنا بصدد التعرّض لهذه التفريعات، إذ سيجي‌ء البحث حولها عند التكلم فيما تقتضيه الأُصول العملية إن شاء اللّٰه تعالى (1). و إنّما المهم في المقام تحقيق الصغرى و أنّ المستفاد من الأدلّة أيّ من المحتملات الثلاثة المتقدمة فنقول:

لا ريب أنّ الشرطية أو المانعية إنّما تنتزعان من اعتبار تقيّد الواجب بشي‌ء وجوداً أو عدماً، فاعتبار القيدية لا بدّ و أن تلاحظ بالإضافة إلى ذات المأمور به، و لا يكاد يكون شي‌ء شرطاً في شي‌ء أو مانعاً عنه إلا بعد أخذه في الواجب نفسه، و إلا فاعتباره في شي‌ء آخر خارج عن حريم المأمور به لا يستوجب الانتزاع المزبور بالضرورة. و عليه فالتقييد الاعتباري لا مناص من أن يكون ملحوظاً بالإضافة إلى نفس الصلاة، بمعنى أنّ طرف الاعتبار و متعلقه إنّما هو الصلاة نفسها على جميع التقادير.

و البحث المعقول في المقام إنّما هو في أنّ مركز هذا الاعتبار و مورده هل هو الصلاة نفسها أو اللباس أو المصلي، و أنّ هذا التقييد المعتبر في الصلاة هل هو بلحاظ نفسها أو أحد الأمرين الآخرين. فهل الصلاة يعتبر فيها أن لا تقع في محرم الأكل أو تقع في غير ما لا يؤكل، أو أنّ المعتبر فيها أن لا يكون اللباس متخذاً من غير المأكول، أو أنّ المعتبر فيها أن لا يكون المصلي لابساً أو مصاحباً لجزء مما لا يؤكل. فالنزاع في مركز هذا الاعتبار.

و التحقيق: أنّ احتمال كون القيد ملحوظاً في ناحية اللباس ساقط جزماً، لما عرفت في مطاوي ما تقدم عند بيان الفرق بين الجزء و الشرط (2) أنّه لا معنى لأخذ شي‌ء قيداً في الواجب وجوداً أو عدماً إلا فيما إذا كان القيد أيضاً متعلّقاً للأمر بتبع الأمر المتعلق بالمركّب، لكون التقييد به مأخوذاً في الواجب و إن كان ذات القيد خارجاً عنه، في قبال الجزء الذي هو داخل قيداً و تقيداً. و من هنا‌

____________

(1) في ص 239 فما بعدها.

(2) في ص 216.

234

..........

____________

ذكرنا أنّ شرط الواجب أو المانع عنه لا بدّ و أن يكون فعلًا اختيارياً للمكلّف كي يمكن أخذ التقييد به في الواجب.

و من الواضح أنّ اتصاف اللباس أو المحمول بكونه مأخوذاً من المأكول أو من غيره أمر واقعي خارج عن اختيار المكلّف، إذ ليس هو فعلًا من أفعاله بل صفة خارجية قائمة بالغير تابعة لأسبابها، فلا يعقل تعلق التكليف به وجوداً أو عدماً حتى يكون قيداً في المأمور به.

و ما يتراءى في كلمات الفقهاء من إطلاق الشرط عليه فيقال إنّ من شرائط اللباس أن لا يكون من غير المأكول فهو مسامحة في التعبير، حيث أُسند ما هو شرط في الصلاة أو المصلي إلى اللباس لما بينهما من نوع من الملازمة كما لا يخفى.

و عليه فالأمر دائر بين أن يكون التقييد معتبراً في ناحية الصلاة أو المصلي دون اللباس. فالمحتملات ثنائية لا ثلاثية.

و حينئذ نقول: ظاهر قوله (عليه السلام) في موثق سماعة: «و لا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه» (1) اعتبار القيدية في ناحية المصلّي، حيث تعلّق النهي المنتزع منه المانعية به، و ليس بإزائه ما ينافي هذا الظهور سوى قوله (عليه السلام) في موثق ابن بكير: «فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شي‌ء منه فاسدة، لا تقبل تلك الصلاة ...» إلخ (2) فإنّها ظاهرة في الجملة في اعتبار القيد في ناحية الصلاة نفسها، من جهة إسناد الفساد إليها.

لكن دقيق النظر يقضي بعدم المنافاة، و أنّ هذه أيضاً ظاهرة في رجوع القيد إلى المصلّي كما في موثقة سماعة، نظراً إلى أن لبس ما لا يؤكل فعل من أفعال المكلف كنفس الصلاة، و لا معنى لأن يكون أحد الفعلين ظرفاً للفعل الآخر سواء أُريد به ظرف الزمان أو المكان، فلا معنى لكون لبس الوبر ظرفاً للصلاة‌

____________

(1) الوسائل 4: 353/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 3.

(2) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

235

..........

____________

إلا بعناية توسيط المصلّي نفسه، حيث إنّ اللباس الذي هو شرط في الصلاة و لو في الجملة لمّا كان محيطاً بالمصلّي بوصفه العنواني فكأنّ الصلاة أيضاً بنفسها وقعت فيه، و إلا فمع الغضّ عن هذا التوسيط لا مصحح لإطلاق الظرفية، إذ لا علاقة و لا ارتباط بينهما بوجه. فالإسناد أولًا و بالذات إلى المصلّي و بعنايته يسند إلى الصلاة تجوزاً و توسعاً في الإطلاق. و نتيجة ذلك أنّ مركز التقييد هو المصلّي نفسه، كما هو مفاد موثقة سماعة و مآل موثقة ابن بكير حسبما عرفت.

هذا تمام الكلام في الأُمور التي ينبغي تقديمها أمام المقصود. و حيث أحطت بها خبراً فهذا أوان الخوض فيه و البحث عن أصل المسألة فنقول و العون منه مأمول:

يقع الكلام تارة بالنظر إلى الأدلّة الاجتهادية، و أُخرى فيما تقتضيه الأُصول العملية بعد فقد تلك الأدلّة، فهنا مقامان:

أمّا المقام الأول: فقد استدلّ لجواز الصلاة في اللباس المشكوك بوجوه:

أحدها: ما عن المحقق القمي من انصراف النصوص المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل إلى صورة العلم، فالمشكوك غير مشمول للدليل من أصله. و مقتضى ذلك صحة الصلاة الواقعة فيه حتى واقعاً، إذ الإحراز جزء من موضوع الفساد، و هو منفي على الفرض، فلا مجال للقول بأنّ المانع موجود غير أنّ المصلي جاهل به.

و من ثم بنى (قدس سره) في أجوبة مسائله على أنّ صحة الصلاة في المشكوك صحة واقعية (1).

و فيه: أنّ هذه الدعوى مع أنّه لا قائل بها دون إثباتها خرط القتاد ضرورة أنّ الألفاظ موضوعة لمعانيها الواقعية دون المعلومة المحرزة. فالانصراف المدعى في المقام مما لا أساس له بتاتاً.

____________

(1) جامع الشتات 2: 776 السطر 26.

236

..........

____________

ثانيها: أنّ مقتضى العمومات أو الإطلاقات جواز الصلاة في كلّ ساتر خرجنا عنها فيما لا يؤكل بالدليل المخصص، لكون حجيته أقوى من حجية العام، و حيث إنّ هذه الحجية خاصة بالأفراد المعلومة، لتقوّم تنجّزها بالوصول صغرى و كبرى، فيرجع في المشكوكة أعني الشبهات المصداقية للمخصص إلى العمومات، إذ لم تقترن فيها بحجة أقوى لترفع اليد عنها.

و يندفع: بما سبق في مطاوي المقدمات من أنّ المخصص المنفصل و إن لم يصادم ظهور العام لكنه يصادم حجيته، و يكشف عن تضيق دائرة الإرادة الجدية و عدم شمولها لمورد التخصيص. و عليه فالفرد المشكوك حيث لم يعلم اندراجه في المراد الجدي من العام لم يكن مجال للتمسك به.

و بعبارة اخرى: الدليل المخصص و إن لم يكن حجة إلا بعد الوصول كبرى و صغرى كما أُفيد إلا أنّ من الواضح تقييد العام بعد ورود التخصيص عليه بغير مورد الخاص، لامتناع الجمع بين التوسعة و التضيق و الإطلاق و التقييد فهو خارج عن تحت الإرادة الجدية منه. و عليه فالفرد المشكوك و إن لم يعلم دخوله في المخصص لكنّه لم يعلم دخوله في العام أيضاً بما هو حجة، و إن كان داخلًا فيه بحسب المراد الاستعمالي، فكما يشك في شمول المخصص له يشك في شمول العام أيضاً، فلا يصح التمسك به.

على أنّه ليس لدينا عموم أو إطلاق يدلّ على جواز الصلاة في كلّ ساتر ليرجع إليه في الفرد المشكوك كما لا يخفى.

ثالثها: ما يظهر من كلمات المحقق القمي (1) و تمسك به بعضهم من أنّ المانعية في المقام منتزعة من النهي الوارد في موثقة سماعة «... و لا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه» (2) و من المعلوم أنّ فعلية النواهي كالأوامر متقوّمة بالوصول كبرى و صغرى، لتصلح للزجر و البعث، و حيث لا وصول في المشكوك فلا فعلية. فلا‌

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) الوسائل 4: 353/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 3.

237

..........

____________

يقاس ذلك بمثل لا صلاة إلا إلى القبلة، أو بطهور، أو بفاتحة الكتاب، و نحوه مما لا يكون بلسان النهي. و إنّما هو إرشاد بحت، فانّ العبرة ثمة بالواقع لا بالواصل، و بذلك يفترق أحدهما عن الآخر.

و فيه أولًا: أنّ دليل المانعية في المقام غير منحصر فيما ذكر، بل العمدة موثقة ابن بكير، و المانعية فيها غير مستفادة من النهي، بل من التصريح بالفساد حيث قال (عليه السلام): «إنّ الصلاة في وبر كلّ شي‌ء حرام أكله ... فاسد» و هكذا في ذيلها. فعلى تقدير تسليم الكبرى فالصغرى ممنوعة في المقام.

و ثانياً: مع الغض عن هذه الموثقة و تسليم انحصار الدليل بما تضمّن النهي فما ذكره من اعتبار الوصول إنّما يتجه في النواهي أو الأوامر المولوية النفسية الحاوية للتكاليف الاستقلالية، و الصالحة للبعث أو الزجر، دون مثل المقام مما هو إرشاد إلى المانعية أو أحد أخويها، الذي هو بمثابة الإخبار عن أمر واقعي و هو الدخل في المأمور به وجوداً أو عدماً، علم به المكلّف أو لا، ضرورة أنّ مثله لا يتضمن بعثاً أو زجراً ليتوهم إناطتها به.

و ما قرع سمعك من انتزاع المانعية أو الشرطية من التكليف فلا يراد به هذا النهي المتعلّق بذات المانع، بل المراد الانتزاع من تقيّد التكليف المتعلق بالمركب بالقيد العدمي أو الوجودي كما لا يخفى.

و ثالثاً: لا نسلّم اعتبار الوصول في الفعلية حتى في التكاليف النفسية إلا إذا لوحظ العلم جزءاً من الموضوع، و إلا ففعليتها بفعلية موضوعاتها، علم بها المكلف أم لا، فمتى كان الموضوع فعلياً أصبح الحكم فعلياً أيضاً بتبعه، بل لا يمكن تخلّفه عنه، فإنّه كتخلّف المعلول عن علته.

نعم، تنجّزه منوط بالوصول، و بدونه يكون معذوراً، فلا تنجّز مع الجهل لا أنّه لا فعلية. و من ثم يكون الاحتياط وقتئذ حسناً، لما فيه من المحافظة على الواقع، إمّا لزوماً كما في موارد العلم الإجمالي، أو استحباباً كما في الشبهات البدوية، فإنّه لولا الفعلية لم يكن ثمة واقع لتحسن المحافظة عليه. فالخلط بين الفعلية و التنجّز أوجب الوقوع في الاشتباه.

238

..........

____________

و بالجملة: فاعتبار الوصول في فعلية الحكم غير سديد و إن أصرّ عليه صاحب الكفاية في مبحث اجتماع الأمر و النهي (1) و لأجله صحح الصلاة في المغصوب لدى الجهل، نظراً إلى عدم فعلية الحرمة حينئذ. و أجبنا عنه بضرورة فعلية الحكم إذا كان موضوعه موجوداً بتمام قيوده، غاية الأمر أنّه لا يتنجّز مع الجهل. و تمام الكلام في محلّه (2).

رابعها: التمسك بالروايات التي تضمنت جواز الصلاة في الخزّ الخالص غير المغشوش بوبر الأرانب (3) بدعوى أنّ اختصاصها بمحرز الخلوص بحيث يعلم عدم نسج شي‌ء من خيوطه بوبر غيره حمل للمطلق على الفرد النادر، فيلغو تشريع هذا الجعل. فحذراً عن اللغوية يراد بها ما يطلق عليه اسم الخزّ مما كان لبسه متعارفاً في تلك الأزمنة، بحيث يشمل محتمل الغشية، فاذا شمل ما احتمل فيه الغش و الخلط شمل ما احتمل أن يكون اللباس بأجمعه مما لا يؤكل، لعدم القول بالفصل بين موارد الشبهة.

و فيه أولًا: أنّ معرفة الخالص من جلد الخز كغيره من الجلود سهلة يسيرة و غير عزيزة عند أهل الخبرة، بل هو معروف لديهم يميزونه عن غيره كما يميزون جلد الشاة عن المعز.

و أمّا الخلوص في الوبر فيمكن إحرازه بالعلم الوجداني كما لو نسج اللباس بيده، أو التعبدي كما لو أخبره البائع الذي يثق به، أو شخص آخر من أهل الخبرة، أو غيرهما من حجة معتبرة. فإحراز الموضوع بعلم أو علمي كبقية الموضوعات لم يكن من الفرد النادر بحيث يمتنع حمل المطلقات عليه، فمع استقرار الشك بحيث لم يكن ثمّة حتى أصل محرز لا مانع من أن لا تتناوله هذه المطلقات، لما عرفت من عدم قلّة الموارد التي يمكن فيها إحراز الخلوص و لو‌

____________

(1) كفاية الأُصول: 156 الأمر العاشر.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 4: 232 فما بعد.

(3) و من تلك الروايات ما روي في الوسائل 4: 361/ أبواب لباس المصلي ب 9 ح 1.

239

..........

____________

بحجة غير العلم.

و ثانياً: مع التسليم فغايته الالتزام بتخصيص آخر في عمومات عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل، فكما أنّ الخز الخالص خارج عنها فكذا ما يحتمل فيه الخلط و الغش، نظراً إلى أنّ الاقتصار على الأوّل يستوجب الحمل على الفرد النادر كما أُفيد. و حينئذ فما هو الموجب للتعدّي إلى كلّ مشكوك مما لا يؤكل فإنّا إنّما تعدينا إلى التخصيص الثاني لعلة مختصة به مفقودة في غيره، و هي التي سمعتها من محذور اللغوية الناشئة من الندرة، فلا يقاس غيره به. و لا أساس لدعوى عدم القول بالفصل في مثله كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّا لو سلّمنا شمول نصوص الخزّ للخالص و المحتمل الخلط، إلا أنّها مقيّدة بما دل على عدم جواز الصلاة في المغشوش. إذن فالتمسك بها في الفرد المشكوك يكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية (1) الذي هو في حيّز المنع.

فتحصّل: أنّ هذه الوجوه كلها ساقطة، و لا سبيل للتمسك بالأدلّة الاجتهادية لتجويز الصلاة فيما يشك في كونه مما لا يؤكل لحمه.

و أمّا المقام الثاني: أعني البحث حول الأُصول العملية بعد اليأس عن الأدلّة الاجتهادية فالكلام فيه يقع تارة فيما تقتضيه الأُصول الموضوعية أي التي يتنقح بها حال الموضوع الحاكمة على الأُصول الحكمية من البراءة أو الاشتغال، و أُخرى فيما تقتضيه الأُصول الحكمية، فهنا مبحثان.

____________

(1) هكذا أفاده (دام ظله) في بحثه الشريف و في رسالته التي كتبها في اللباس المشكوك [في ص 35] و تعرّض له المحقّق النائيني (قدس سره) أيضاً [في رسالة الصلاة في المشكوك: 176] غير أنّ في النفس منه شيئاً، إذ بعد تسليم ما يدعيه المستدل من امتناع تخصيص الإطلاق بمجرد الخلوص، و لزوم شموله بنفسه للمشكوك حذراً من لغوية التشريع لو أُريد منه الفرد النادر، فلازمه تخصيص ما دلّ على المنع عن الصلاة في المغشوش بمحرز الغشية، ضرورة امتناع المحافظة على الإطلاقين، للزوم التدافع. إذن فالفرد المشكوك مصداق واقعي للعام، و مثله لا يكون من التمسك به في الشبهة المصداقية.

240

..........

____________

أمّا المبحث الأول: فيستدل على جواز الصلاة في اللباس أو المحمول المشكوك بوجوه:

الأول: التمسك بأصالة الحلّ بتقريب: أنّ الحيوان الذي أُخذ منه هذا الجزء كالصوف يشك في حلّية لحمه و حرمته فيشمله عموم قوله (عليه السلام): «كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال» (1) فبمقتضى أصالة الإباحة تحرز حلّية اللحم في ظاهر الشرع التي هي الموضوع لجواز الصلاة فيما أُخذ منه فيترتب عليه الأثر.

و قد نوقش فيه من وجوه:

أحدها: أنّ الحكم بالحلّية الفعلية المستندة إلى أصالة الإباحة يستدعي وجود الموضوع و دخوله في محلّ الابتلاء كي يصح التعبد الشرعي بحلّيته فعلًا و لا يكون لغواً، مع أنّ الحيوان المتخذ منه الجزء المشكوك ربما يكون تالفاً قبل سنين، أو خارجاً عن محلّ الابتلاء فلم يكن هناك أثر شرعي فعلي يصحّ التعبّد بلحاظه كي يجري الأصل.

و يندفع: بأنّ الدخول في محلّ الابتلاء و كونه ذا أثر فعلي لو كان معتبراً في مجرى الأصل نفسه لتمّ ما أُفيد، إلا أنّه لا دليل على هذا التضييق، بل المعتبر بمقتضى كون الأصل ناظراً إلى التطبيق في مقام العمل وجود أثر شرعي عملي داخل في محل الابتلاء، و هذا المقدار من الأثر كاف في صحة التعبد الشرعي بلحاظه، سواء كان بنفسه مجرى للأصل أو مترتباً على ما يجري فيه الأصل كما في المقام.

و نظيره ما لو لاقى شي‌ء مستصحب النجاسة، و قبل العلم بالملاقاة انعدم الملاقي بالفتح أو خرج عن محل الابتلاء، فإنّه لا ريب في الحكم بنجاسة الملاقي بالكسر استناداً إلى استصحاب نجاسة الملاقي بالفتح مع أنّه معدوم أو خارج عن محل الابتلاء على الفرض، فمع أنّ المجرى بنفسه لم يكن‌

____________

(1) الوسائل 17: 87/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1.

241

..........

____________

مورداً للأثر يحكم بجريانه بلحاظ ما يستتبعه من الأثر العملي، و هو الحكم بنجاسة الملاقي بالكسر و بذلك يخرج التعبّد الشرعي عن اللغوية.

و مقامنا من هذا القبيل، فانّ الحكم بحلّية لحم الحيوان التالف أو الخارج عن محل الابتلاء و إن لم يكن بنفسه قابلًا للتعبد فلا يكون المجرى مورداً للأثر، إلا أنّه بلحاظ تضمنه أثراً فعلياً عملياً داخلًا في محلّ الابتلاء و هو جواز الصلاة في الجزء المتخذ منه يصحّ التعبد، فيشمله عموم دليل الأصل.

ثانيها: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) (1) من أنّه على تقدير تسليمه لا يجري فيما لو كان هناك حيوانان متميّزان في الخارج قد علمنا بحرمة لحم أحدهما بعينه و حلّية الآخر و شككنا في أنّ الصوف مثلًا مأخوذ من هذا أو ذاك، فإنّه لا معنى حينئذ لجريان أصالة الحلّ في الحيوان، إذ لم يكن شي‌ء من الحيوانين مشكوك اللحم على الفرض كي يجري فيه الأصل، و إنّما الشك متمحض في أخذ الصوف من هذا أو من ذاك، و الأصل المزبور لا يجدي لدفع هذا النوع من الشك، لعدم تعلّقه بالحيوان.

نعم، العنوان الانتزاعي و هو ما أُخذ منه هذا الصوف يشك في حلّيته و حرمته، إلا أنّه بنفسه لم يكن موضوعاً للأثر، بل لا وجود له في الخارج، و إنّما الموجود هذا أو ذاك معيناً، و المفروض عدم الشك في شي‌ء منهما. فما هو المشكوك لا وجود له، و ما هو الموجود لم يكن مورداً للشك ليجري فيه الأصل.

و يندفع: بأنّ الميزان في جريان الأصل كون المجرى مشكوكاً فعلًا بأيّ عنوان كان مع تعلّق أثر شرعي به داخل في محلّ الابتلاء، سواء كان معلوم الحكم بعنوانه الأوّلي أم لا، إذ المدار في شمول أدلّة الأُصول صدق الشك الفعلي كيف ما كان. و من الواضح أنّ عنوان ما أُخذ منه هذا الصوف الداخل في محلّ الابتلاء له معنون موجود في الخارج يشار إليه بهذا العنوان المشير، و لا يضر‌

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 316.

242

..........

____________

بصدق الشك الفعلي معلومية حكم كلّ واحد من الحيوانين سابقاً بعنوان آخر.

فالمقام نظير ما لو كان هناك لحمان في الخارج أحدهما مقطوع الحرمة و الآخر مقطوع الحلّية فوقعت قطعة من أحدهما في يد شخص و شك في أخذها من هذا أو ذاك، فإنّه لا إشكال في جريان أصالة الحلّ في تلك القطعة مع أنّها كانت سابقاً معلومة الحكم من حيث الحلّية و الحرمة على الفرض.

و كما لو فقد أحد اللحمين في المثال و بقي الآخر و شك في أنّ الباقي هل هو ما علم حلّيته أو حرمته، فإنّ أصالة الحلّ تجري حينئذ في اللحم الموجود بلا إشكال، مع أنّه في السابق كان معلوم الحكم.

و السرّ هو ما عرفت من أنّ العبرة بصدق الشك الفعلي كيف ما اتفق، و بأيّ عنوان تحقق، و هو حاصل في هذه الفروض.

ثالثها: ما ذكره هو (قدس سره) (1) أيضاً من أنّ الموضوع لعدم جواز الصلاة لو كان عنوان ما حرّم اللّٰه أكله بما هو كذلك اتجه التمسك بأصالة الحلّ و ليس كذلك، بل الموضوع ذوات الحيوانات من الأسد و الأرنب و الثعلب و نحوها، فالمانع هو وقوع الصلاة في شي‌ء من أجزاء هذه الحيوانات، و العنوان المزبور معرّف و مشير إلى هذه الذوات. و من الواضح أنّ أصالة الحلّ لا يثبت بها كون الحيوان المتخذ منه هذا الجزء من النوع المحلّل، أو عدم كونه من الأنواع المحرّمة، لعدم تكفّل الأُصول و لا سيما غير المحرز منها كما في المقام لإثبات اللوازم غير الشرعية.

فما هو موضوع الحكم لا يثبت بأصالة الحلّ، و ما يثبت بها لم يكن موضوعاً للحكم.

و ما أفاده (قدس سره) متين جدّاً بناءً على مسلكه من كون الموضوع ذوات الحيوانات، و حمل العنوان المأخوذ في لسان الروايات على المعرفيّة‌

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 325.

243

..........

____________

و المشيرية. و أمّا بناءً على ما هو الصواب كما عرفته سابقاً (1) من كون الموضوع نفس العنوان، نظراً إلى أنّ الحمل على المعرفية خلاف ظواهر الأدلّة لا يصار إليه من دون القرينة، فلا تمكن المساعدة على ما ذكره (قدس سره).

رابعها: ما ذكره هو (قدس سره) (2) أيضاً من أنا لو سلّمنا كون العبرة بالحلية و الحرمة لا بذوات الحيوانات إلا أنّه لا ينبغي الشك في أنّ المراد بهما ما كان كذلك ذاتاً و بحسب الطبع الأوّلي في أصل التشريع، دون الحلّية و الحرمة الفعليين، لعدم دوران جواز الصلاة و عدمه مدارهما. أ لا ترى أنّ الصوف المتخذ من ميتة الشاة تجوز فيه الصلاة و إن حرم لحمها لمكان الموت أو لاعتبارات أُخر، حتى في المذكّى من غصب أو ضرر أو صوم و ما شاكل ذلك من العناوين الثانوية الموجبة للحرمة الفعلية، كما أنّه ربما لا تجوز الصلاة و إن حلّ الأكل فعلًا كالوبر المتخذ من أرنب حلّ أكل لحمه لاضطرار و نحوه.

و بالجملة: موضوع الحكم هو الشأني الطبعي منهما لا الفعلي. و من البديهي أنّ أصالة الحلّ متكفّلة لإثبات الحلّية الفعلية، و لا نظر فيها إلى الحلّية الطبيعية بوجه. و لا ملازمة بين الأمرين، لجواز التفكيك من الطرفين، إذ لا تنافي بين الحلّية الذاتية و الحرمة الفعلية، و كذا عكسها حسبما عرفت. فما هو موضوع الحكم لا يثبته الأصل، و ما يثبته لم يكن موضوعاً للحكم.

نعم، ربما يكون التعبد الشرعي متعلقاً بالحلّيّة الشأنية كما لو شك في تبدّلها بحرمة مثلها بعروض الجلل أو صيرورتها موطوءة الإنسان بشبهة حكمية أو موضوعية، أو في زواله بالاستبراء فنستصحب الحالة السابقة من الحلّية أو الحرمة الطبيعيتين، إلا أنّ ذلك خارج عن نطاق البحث، إذ الكلام في أصالة الحلّ التي ليس مفادها إلا الحلّية الفعلية حسبما عرفت.

و ما أفاده (قدس سره) في غاية الجودة و المتانة، و هو الوجه الصحيح الذي‌

____________

(1) في ص 228.

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 327.

244

..........

____________

نعتمد عليه في المنع عن جريان أصالة الحلّ، فانّ ما يترتب على هذا الأصل هو الحلية الفعلية، و الموضوع في المقام هو الحلية الذاتية، فلا تصلح أصالة الحلّ لإثبات موضوع الجواز، و هكذا في جانب الحرمة.

و عليه فلو عثرنا على حيوان شك في تذكيته من دون أي أمارة عليها فمقتضى أصالة عدم التذكية و إن كان هو عدم جواز أكل لحمه إلا أنّه لا يترتب عليها عدم جواز الصلاة في أجزائه، إذ لا تثبت بالأصل المزبور الحرمة الطبعية الشأنية الّتي هي الموضوع لعدم الجواز، إلّا إذا كانت تلك الحرمة أو الحلية مجرى للأصل كما لو شك في الاستبراء من الجلل أو في أصل عروضه حسبما عرفت.

الوجه الثاني: التمسك بأصالة الطهارة بتقريب: أنّه لو تردد اللباس بين اتخاذه من حيوان طاهر مأكول اللحم كالغنم، أو نجس غير مأكول كالكلب كان مقتضى أصالة الطهارة جواز الصلاة فيه، فاذا جاز ثمّة جاز في بقية الشبهات بعدم القول بالفصل.

و يندفع: بأنّ أصالة الطهارة لا يترتب عليها إلا آثار الطهارة و أحكامها و من البيّن أنّ جواز الصلاة لم يكن أثراً للطهارة بمجردها، بل شريطة عدم كون اللباس مما لا يؤكل، بشهادة عدم الجواز في وبر الأرانب مثلًا مع أنّه طاهر، نعم طهارة اللباس في مفروض المثال ملازم لكونه مأخوذاً من المأكول، إلا أنّ ذلك من اللوازم العقلية التي لا تكاد تثبت حتى بالأُصول المحرزة فضلًا عن غيرها كأصالة الطهارة.

على أنّا لو سلّمنا حجية الأُصول المثبتة فغايته جواز الصلاة في خصوص المثال، لإحراز كونه من المأكول بالتعبد الشرعي، فما هو الموجب للتعدي إلى ما لا تعبد فيه بعد ثبوت الفارق الظاهر المانع عن التمسك بعدم القول بالفصل كما لا يخفى.

الوجه الثالث: استصحاب الإباحة الثابتة قبل البلوغ، بدعوى جواز أكل لحم كافة الحيوانات محلّلها و محرّمها قبل وضع قلم التكليف، و بعد البلوغ‌

245

..........

____________

يشك في انقلاب الجواز إلى المنع بالنسبة إلى الحيوان الذي اتخذ منه هذا اللباس، و مقتضى الأصل بقاؤه على ما كان، فاذا ساغ أكله ببركة الاستصحاب جاز الصلاة أيضاً لإحراز موضوعه بالتعبد الشرعي.

و يندفع أولًا: بأنّ المقسم في الأحكام الخمسة على ما يشهد به حديث رفع القلم عن الصبي (1) هو من وضع عليه قلم التكليف، و هو البالغ، فالصبي خارج عن دائرة الحكم، و نفي الحرمة عنه إنّما هو من باب السالبة بانتفاء الموضوع. إذن فاستصحاب الحلّ إلى ما بعد البلوغ إسراء للحكم من موضوع إلى موضوع آخر، و لم يكن من الاستصحاب المصطلح في شي‌ء.

و ثانياً: أنّ الإباحة الثابتة حال الصغر إباحة فعلية، و قد عرفت (2) أنّ الموضوع لجواز الصلاة هي الحلية الطبعية الشأنية، فاستصحاب تلك الإباحة لا ينفع لإثبات موضوع الحكم، إذ لا تنافي بين الحلّية الفعلية الناشئة من العوارض المانعة عن التنجّز من جنون أو صغر أو اضطرار و نحوها، و بين الحرمة الشأنية.

الوجه الرابع: استصحاب عدم جعل الحرمة للحيوان الذي اتخذ منه هذا اللباس، إذ لا ريب في أنّها حادث مسبوق بالعدم الثابت قبل الشرع فيستصحب ذاك العدم، سواء أ كانت الشبهة حكمية كالمتولّد من حيوانين محرّم الأكل و محلّله و لم يشبه أحدهما كما هو واضح، أم موضوعية كما لو تردّد الحيوان المتخذ منه اللباس بين الأرنب و الشاة، فإنّ الحرمة قد ثبتت للأرنب مثلًا على سبيل القضية الحقيقية المنحلّة بعدد الأفراد الخارجية، فلكلّ فرد حكم يخصّه، إذن فالشك في التطبيق شك في تعلّق فرد من الحرمة بالنسبة إلى المشكوك زائداً على الأفراد المتيقّنة، و مقتضى الأصل عدمه، هذا.

و قد أورد عليه المحقق النائيني (قدس سره) بوجوه:

____________

(1) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11، 12. 29: 90/ أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2.

(2) في ص 243.

246

..........

____________

أحدها: أنّ عدم الحرمة الثابت قبل الشريعة يغاير في سنخه مع العدم الثابت بعدها، فإنّ الأوّل عدم محمولي من باب السالبة بانتفاء الموضوع، حيث لا شرع ليحكم بها أو بعدمها، و يكون التقابل بينه و بين جعل الحرمة من تقابل السلب و الإيجاب.

و أمّا الثاني فهو عدم نعتي، أي متّصف بالانتساب إلى الشارع الأقدس و يكون التقابل بينه و بين جعلها من تقابل العدم و الملكة (1).

و إن شئت فقل: العدم الثابت سابقاً هو عدم الحكم بالحرمة، و الذي نروم إثباته لاحقاً هو الحكم بعدم الحرمة. و من البيّن أنّ إثبات الثاني بالاستصحاب الجاري في الأوّل من أوضح أنحاء الأصل المثبت، فانّ هذا نظير إثبات العمى باستصحاب عدم البصر الثابت قبل الخلقة، حيث إنّ الثابت سابقاً عدم محمولي، أي عدم الاتصاف بالرؤية، فلا يثبت به العدم النعتي، أي الاتصاف بعدم الرؤية الذي هو معنى العمى إلا على القول بحجيّة الأُصول المثبتة.

و فيه: أن الشريعة عبارة عن مجموعة أحكام منسوبة لصاحبها و مجعولة لمشرّعها. فان قلنا بأنّ الشارع هو اللّٰه سبحانه فلا شبهة في انتساب العدم إليه فهو نعتي حتى قبل بعث الرسول و أمره بنشر الأحكام، فكان اللحم المزبور جائز الأكل آن ذاك و متصفاً بأنّه لا حرمة له فيستصحب إلى ما بعد البعث.

و إن قلنا بأنّه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فكذلك، بداهة أنّ الأحكام لم تجعل دفعة واحدة، بل كان التشريع على سبيل التدريج، و كانت تبلّغ شيئاً فشيئاً حسب المصالح الوقتية. إذن فلم تكن حرمة اللحم مجعولة في بدء الشريعة فكان العدم وقتئذ نعتياً بالضرورة فيستصحب.

ثانيها: أنّا نقطع بجعل حكم لذلك الحيوان في الشريعة المقدسة أما الحرمة أو الإباحة. إذن فاستصحاب عدم الحرمة معارض باستصحاب عدم الإباحة (2).

____________

(1) ذكره في موارد منها ما في أجود التقريرات 2: 190.

(2) لم نعثر عليه.

247

..........

____________

و فيه أولًا: ما عرفت آنفاً من أنّ الأحكام تدريجية الحصول، فكانت الإباحة ثابتة في بادئ الأمر و قبل بيان التحريم كما يفصح عنه قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً .. إلخ (1) فكان كل شي‌ء محكوماً بالترخيص حتى يرد فيه النهي. إذن فالإباحة النعتية سابقة على التحريم فتستصحب من غير معارض له في ظرفه.

و ثانياً: أنّه لا تعارض بين الأصلين المزبورين، لعدم كون الإباحة موضوعاً لجواز الصلاة، و إنّما الحرمة أُخذت موضوعاً لعدم الجواز و بتبعه يسند الجواز إلى الإباحة تجوزاً في الإسناد و توسعاً في الإطلاق، من غير أن يكون أصيلًا في الجعل كما يتضح ذلك بملاحظة الأدلّة، و عليه يحمل قوله (عليه السلام) في ذيل موثقة ابن بكير: «.. لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّٰه أكله» حيث إنّه (عليه السلام) بعد أن حكم قبل ذلك بفساد الصلاة فيما حرم أكله فتفريعاً على ما سبق تقتضي طبيعة الحال إيقاع الصلاة في المحلّل حذراً عمّا يوجب الفساد و تجنباً عنه، من غير أن تكون موضوعية للمحلل بما هو كذلك، فلا شأن له عدا كونه وسيلة للاجتناب المزبور.

و عليه فاستصحاب عدم الإباحة لا أثر له، و إنّما الأثر الوحيد مترتب على استصحاب عدم الحرمة فيجري من دون معارض.

ثالثها: أنّ للحكم مرحلتين: مرحلة الجعل و مرحلة المجعول، فإذا شك في الأوّل و كان موضوعاً للأثر جرى فيه الاستصحاب وجوداً أو عدماً، كما أنّ الثاني لو كان له أثر و كانت له حالة سابقة كان مجرى للاستصحاب أيضاً. و أمّا الأثر المترتب على مرحلة المجعول و مقام الفعلية كاتصاف الحيوان الخارجي في المقام بعدم الحرمة على تقدير الذبح الشرعي فلا يجري فيه الاستصحاب لا بلحاظ هذه المرحلة لعدم الحالة السابقة، و لا بلحاظ مرحلة الجعل لأنّ‌

____________

(1) الأنعام 6: 145.

248

..........

____________

استصحاب عدم الجعل لإثبات العدم في مرحلة المجعول من الأصل المثبت الذي لا نقول به (1).

و يندفع: بأنّ تغاير مقام الجعل عن المجعول و اختلاف سنخ الحكم بلحاظ المرحلتين و إن تكرر في كلمات شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في موارد عديدة من أبحاثه الشريفة، و فرّع عليه عدم إثبات أحدهما بالاستصحاب الجاري في الآخر مصرّاً عليه، إلا أنّه لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فانّ الحكم الشرعي إنّما يجعل بجعل واحد مرة واحدة، غاية الأمر أنّه مجعول للموضوع المقدر وجوده على سبيل القضية الحقيقية، فاذا لم يوجد موضوعه خارجاً بقي مقصوراً على مقام الإنشاء، و يعبّر عنه حينئذ بمرحلة الجعل، و إذا وجد عبّر بمرحلة المجعول، و أصبح الحكم فعلياً بنفس الجعل الأول لا بجعل آخر. فالفعلية تابعة للجعل، و القضية قبل تحقق الموضوع فرضية تقديرية، و بعده فعلية تحقيقية، لا أنّ هناك سنخين من الحكم يمتاز أحدهما عن الآخر في هويّته و حقيقته ليكون إثبات أحدهما بالأصل الجاري في الآخر من الأصل المثبت.

و من ثم يجري استصحاب عدم النسخ لدى الشك في زوال الجعل به و يحكم ببقائه و فعليته لدى تحقق موضوعه، من غير أن تتطرق شبهة المثبتية مع أنّها لو تمت لعمّت، لعدم الفرق في مناطها بين استصحاب الوجود أو العدم كما لا يخفى. فكما أنّ استصحاب الجعل يثبت الحكم الفعلي فكذا استصحاب عدمه ينفيه بمناط واحد.

و عليه فاذا شك في أنّ الحيوان الذي اتخذ منه هذا اللباس هل جعلت له الحرمة أم لا استصحب العدم، و ترتب عليه جواز الصلاة فيه فعلًا.

و المتحصّل من جميع ما تقدّم: أنّ التمسك بهذا الاستصحاب صحيح و لا إشكال فيه، و النقود الواردة عليه كلّها مدفوعة بما عرفت.

أجل، يبتني ذلك على ما هو الأصح كما سبق من أنّ المانع هو عنوان ما‌

____________

(1) ذكره في موارد منها ما في أجود التقريرات 2: 296، 409.

249

..........

____________

حرّم اللّٰه أكله، لا ذوات الحيوانات من الأسد و الأرنب و نحوهما و كون العنوان المزبور مشيراً إليها، و إلا فالأصل المزبور لا يترتب عليه عدم كون الحيوان من تلك الذوات إلا على القول بالأُصول المثبتة.

نعم، يمكن القول بأنّ هذا الأصل و إن لم ينفع إلا أنّ التشريع لما كان على سبيل التدريج، من غير فرق بين الأحكام الاستقلالية النفسية و بين التبعية الضمنية كالشرطية و المانعية، إذن فكان زمان في أول الشريعة و لم تجعل المانعية لذات هذا الحيوان المشكوك، و الآن كما كان، فيستصحب عدم تقيد الصلاة بعدم وقوعها في اللباس المتخذ منه فينتج صحتها.

ثم إنّه بناءً على تمامية هذا الاستصحاب كما هو الصواب فلا يفرق الحال فيه بين القول بمانعية الصلاة فيما لا يؤكل أو شرطية الوقوع في المأكول، إذ كما يثبت بالاستصحاب عدم التحريم يثبت به الحلّ أيضاً فيحرز الشرط ببركة الأصل. فالتفصيل بينهما كما تقدم سابقاً لا وجه له.

ثم لا يخفى أنّ هذا الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الحيوان المتخذ منه اللباس مردداً بين المأكول و غيره.

و أمّا إذا تردد بين غير المأكول و بين غير الحيوان كالقطن فلا مجال حينئذ للأصل المزبور، فانّ عدم الحرمة في غير الحيوان سالبة بانتفاء الموضوع، بل المرجع أصل آخر حاكم عليه و هو أصالة عدم اتخاذه من الحيوان، لا عدم حرمته كما لا يخفى.

الوجه الخامس من الأُصول الموضوعية: التمسك باستصحاب عدم اتصاف المشكوك فيه بكونه جزءاً مما لا يؤكل، الثابت قبل وجوده، بتقريب: أنّ الموضوع للحكم أعني المانعية مؤلف من جزأين: كون الشي‌ء لباساً أو محمولًا و نحوهما من أجزاء الحيوان، و اتصافه بكونه جزءاً مما لا يؤكل، و قد كنّا سابقاً قبل خلق الحيوان على يقين بعدم وجود شي‌ء من الجزأين، و بعد‌

250

..........

____________

وجود الحيوان و خلقه قد علمنا بانقلاب عدم الجزء الأول إلى الوجود، و أمّا الجزء الثاني أعني الاتصاف المزبور فلا علم لنا بالانقلاب، فيحكم ببقاء العدم على ما كان عليه أزلًا.

و قد اشتهر التعبير عن هذا الاستصحاب في كلماتهم باستصحاب العدم الأزلي، باعتبار أنّ المستصحب هو العدم الثابت قبل وجود الموضوع غير المحدود بزمان معين، فكأنّه كان ثابتاً من الأزل.

و كيف كان، فقد وقع الخلاف في حجية هذا الاستصحاب، فأثبته صاحب الكفاية مطلقاً (1) و أنكره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) كذلك (2) و اختار بعض الأعاظم التفصيل في المقام كما ستعرف.

و حيث إنّ هذه المسألة مهمّة جليلة يترتب عليها فوائد كثيرة في الأبواب المتفرقة من الفقه ينبغي لنا التعرض لها، و البحث عنها كبروياً تعميماً للفائدة و إن كان خارجاً عن نطاق المقام، فنقول و به نستعين: لا بدّ قبل الخوض في صميم البحث من تقديم جهات:

الجهة الاولى: أنّ الموضوع للحكم قد يكون بسيطاً، و أُخرى مركّباً من جزأين فصاعداً. و نعني بالموضوع ما يعمّ المتعلّق، و بالجزء مطلق القيد المأخوذ في موضوع الحكم أو متعلّقه، لا خصوص الجزء الاصطلاحي المقابل للشرط.

أمّا لو كان بسيطاً فلا إشكال في جريان استصحاب الحالة السابقة من الوجود أو العدم، فيترتب عليه الأثر نفياً أو إثباتاً، و هذا ظاهر.

و أمّا لو كان مركّباً فلا ريب في ترتّب الأثر مع العلم بوجود الجزأين مثلًا فعلًا، أو سابقاً مع الشك فعلًا فيحرز الموضوع بالاستصحاب. كما لا ريب في عدم الترتّب مع العلم بعدمهما سابقاً و إن شك فعلًا فيستصحب العدم. و أمّا إذا كان أحد الجزأين مقطوع الوجود سابقاً و الآخر مقطوع العدم فانقلب العدم إلى‌

____________

(1) كفاية الأُصول: 223.

(2) أجود التقريرات 1: 464.

251

..........

____________

الوجود قطعاً و شك في بقاء الموجود، كما لو كنّا على يقين من الطهارة سابقاً مع القطع بعدم الصلاة و عند ما تحققت الصلاة شككنا في بقاء الطهارة، حيث إنّ الأثر أعني الوجوب متعلّق بمجموع الأمرين.

فالمشهور حينئذ جريان الاستصحاب في الجزء المشكوك فتستصحب الطهارة، و بذلك يلتئم جزءا الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل فيحرز الامتثال و يقطع بالفراغ.

إلا أنّه ربما يناقش في ذلك بمعارضة هذا الاستصحاب باستصحاب عدم تحقق المجموع المركّب من الأمرين، أعني الصلاة المقيدة بالطهارة التي هي الموضوع للأثر، للشك في تحقق عنوان الاجتماع في الخارج وجداناً، و الأصل عدمه.

و قد أجاب عنه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) بأنّ الشك الثاني مسبّب عن الأوّل، إذ لا منشأ له سوى الشك في بقاء الطهارة على الفرض، و لا ريب في حكومة الأصل السببي على المسببي فلا تعارض (1).

و فيه: أنّ السببية و إن كانت مسلّمة لكنّها تكوينية عقليّة، و ليست بشرعية بالضرورة، فإنّ وجود المركّب عند وجود تمام الأجزاء كانتفائه عند انتفاء أحدها أمر تكويني لا مساس له بالشرع، و الأصل السببي إنّما يكون حاكماً فيما إذا كان التسبّب أيضاً شرعياً، كما في الشك في طهارة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة، فإنّ من آثار طهارة الماء شرعاً طهارة ما غسل به فالتفرع و التسبب شرعي لا محالة، فمع الحكم بطهارة الماء بقاعدة الطهارة أو استصحابها لا يبقى مجال للشك في طهارة الثوب المغسول به. و ليس المقام من هذا القبيل.

فالأولى في التفصّي أن يقال: إنّ الأثر إنّما يترتب على ذوات الأجزاء عند اجتماعها، أي وجود كلّ جزء في زمان يوجد فيه الجزء الآخر، و أمّا المركب‌

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 410.

252

..........

____________

بما هو مركّب أعني صفة الاجتماع فليس هو نفسه موضوعاً للأثر، بل هو عين الأجزاء بالأسر، فلا يكون شيئاً آخر وراءها كي يكون دخيلًا في ثبوت الحكم، و إلا فلو فرض أنّ هذا العنوان البسيط المنتزع من تحقق الأجزاء مجتمعة هو الموضوع للحكم بحيث تكون هي من محصلات هذا العنوان خرج الموضوع حينئذ عن التركّب إلى البساطة، و هو خلف فرض التركيب الذي هو محل الكلام.

و بعبارة اخرى: إمّا أن يفرض أنّ موضوع الحكم في المركبات ذوات الأجزاء، أو عنوان الاجتماع، أو الذوات بوصف الاجتماع.

أما الأخير فهو يرجع في الحقيقة إلى الثاني، فإنّ الموضوع حينئذ هو عنوان الاجتماع و المقارنة.

و أمّا الذوات فهي متعلّق لهذا العنوان و طرف للإضافة، لأنّه من الأوصاف التعلقية ذات الإضافة، نظير السبق و اللحوق، فأخذها في الموضوع بعد أخذ نفس العنوان من اللغو الظاهر.

و أمّا الثاني فهو خلف، لرجوعه إلى أنّ الموضوع إنّما هو العنوان البسيط المنتزع، أعني التركّب و الاجتماع، و أنّ ذوات الأجزاء من محصّلات هذا العنوان و محققاته، و هو خلاف فرض كونه مركّباً. فيتعين الأول، فإذا أُحرز بعض الأجزاء بالوجدان لا مانع من إجراء الأصل في البعض الآخر، فليتم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل. و لا يعارض ذلك باستصحاب عدم وجود المجموع المركّب، لما عرفت من عدم كون عنوان الاجتماع بنفسه موضوعاً للأثر.

و منه يظهر أنّ الاستصحاب الثاني في حدّ نفسه غير جارٍ، لعدم ترتّب الأثر عليه، لا أنّه محكوم بالأصل الأول من جهة حكومة الأصل السببي على المسببي حتى مع الغض عمّا ناقشناه في هذه الحكومة من اختصاصها بما إذا كان التسبب أيضاً شرعياً و في المقام عقلي كما عرفت آنفاً.

هذا كلّه فيما إذا لم يكن هناك ربط تكويني بين جزأي المركّب و إن كانا‌

253

..........

____________

مرتبطين تشريعاً لا محالة من جهة أخذهما معاً في موضوع الحكم كما لو كانا جوهرين أو عرضين في محلّ واحد أو محلّين، أو جوهر و عرض قائم في غير هذا الموضوع.

مثال الأول: حجب الاخوة للُام عن الثلث، فانّ موضوع الحكم أعني الحجب مركّب من وجود جوهرين و هما الأخوان فصاعداً، فاذا علمنا بوجود أحدهما وجداناً و شككنا في بقاء الآخر عند موت المورث و عدمه يستصحب بقاؤه، و بضم الوجدان إلى الأصل يلتئم الموضوع فيترتب الحكم.

و مثال الثاني: الطهارة و الصلاة اللتان هما عرضان قائمان بالمصلّي، فاذا أُحرزت الصلاة وجداناً و شك في بقاء الطهارة يحكم بترتب الأثر بضم الوجدان إلى الأصل كما مرّ.

و مثال الثالث: الإرث المترتب على وجود المورّث مع إسلام الوارث الذي هو عرض قائم بغير ذاك الجوهر، فإذا أُحرز الأول بالوجدان و شك في بقاء الثاني يستصحب، و بضم الوجدان إلى الأصل يلتئم الموضوع فيرتب الأثر.

و الجامع بين هذه الأقسام عدم وجود الربط التكويني بين جزأي المركّب كما عرفت.

و هناك قسم رابع يتضمن الربط تكويناً كما لو كان الموضوع مركّباً من العرض و محلّه، مثل ما إذا كان الأثر مترتباً على زيد و عدالته أو الماء و كرّيته و نحوهما، فهل يجري فيه الكلام المتقدّم من إجراء الأصل في أحد الجزأين و ضمّه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان، فتستصحب العدالة أو الكرّية الموجودتان سابقاً، و بعد الضم إلى زيد أو الماء المحرزين بالوجدان يحكم بالتئام جزأي الموضوع فيرتب الحكم أم لا؟ الظاهر الثاني، للفرق بين هذا القسم و الأقسام المتقدمة، من جهة أنّ تركّب الموضوع من العرض و محلّه يستدعي أخذ عنوان الاتصاف و لحاظ العرض ناعتاً، فزيد المتصف بالعدالة موضوع للحكم، و كذلك الماء المتصف بالكرّية، و عليه فان كان الاتصاف بنفسه مسبوقاً‌

254

..........

____________

بالحالة السابقة بأن كان العرض بوجوده النعتي متيقناً سابقاً جرى فيه الاستصحاب، و إلا فاستصحاب وجوده المحمولي و ضمه إلى المحلّ المحرز بالوجدان لا يجدي في ترتب الأثر، إذ لا يثبت به عنوان الاتصاف و الوجود النعتي الذي لا مناص من أخذه في الموضوع إلا على القول بالأصل المثبت.

و نظير ذلك ما إذا كان الأثر مترتباً على زيد و عماه، فانّ العمى ليس عبارة عن مجرد عدم البصر، بل الاتصاف به، و لذا كان التقابل بينه و بين البصر من تقابل العدم و الملكة حيث إنّ هذا العدم له حظ من الوجود، و ليس كتقابل السلب و الإيجاب و حينئذ فان كان الاتصاف المزبور بنفسه متيقناً سابقاً جرى فيه الاستصحاب، و إلا فمجرّد عدم الاتصاف بالبصر (1) الثابت في الأزل و قبل أن يوجد زيد لا يجدي في إثبات عنوان الاتّصاف إلا على القول بالأصل المثبت، و هذا في نفسه لا شبهة فيه.

إنّما الكلام في إقامة البرهان على هذه الدعوى، و هي أنّ الموضوع إذا كان مركّباً من العرض و محلّه لزم أخذ عنوان الاتصاف في الموضوع و لحاظ العرض ناعتاً.

ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (2) في وجه ذلك أنّ انقسام الشي‌ء في حدّ نفسه إلى الإطلاق أو التقييد بلحاظ الحالات و الأوصاف الطارئة عليه مقدّم على لحاظ التقسيم المزبور بالإضافة إلى مقارناته و عوارضه، لتقدّم رتبة الجوهر على العرض بالطبع، لمكان افتقار العرض إلى المحلّ و استغناء الجوهر عنه، و لأجله لا يبقي التقسيم الأوّل و لحاظ الذات مطلقاً أو مقيداً مجالًا للتقسيم الثاني و لا عكس.

مثلًا إذا كان الموضوع مركّباً من زيد و عدالته فالذات و هو زيد إذا لوحظ في حدّ نفسه و قيس بالإضافة إلى صفته و هي العدالة يمكن أخذه في‌

____________

(1) [و في الأصل: و إلا فمجرد اتصاف عدم البصر. و الصحيح ما أثبتناه].

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 420.