موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
255

..........

____________

الموضوع مقيّداً بهذا الوصف كما يمكن أخذه مطلقاً عنه، بمعنى رفضه و عدم دخله في ترتّب الأثر، فهو في ذاته قابل لهذين القسمين، كما أنّ عرضه و هي العدالة يمكن لحاظها مقيداً بأن تكون في خصوص هذا الموضوع و هو زيد أو مطلقاً سواء كانت في هذا المحلّ أم في غيره. فالتقسيم المزبور جارٍ في حدّ نفسه في كل من العرض و محلّه، إلا أنّه بعد لحاظ الإطلاق أو التقييد في الجوهر لا يبقى بعدئذ مورد للحاظهما في العرض، بل ينعدم موضوع التقسيم حينئذ، فإذا لوحظ زيد مقيداً بالعدالة و متّصفاً بها لا يبقى بعد ذلك مجال للسؤال عن أنّ الجزء الآخر للمركّب و هي العدالة هل لوحظت مقيدة بكونها في زيد أو مطلقاً، فانّ تقييد الذات أوّلًا بذلك يغني عن تقييد العرض و لا يبقي مجالًا له، كما أنّ لحاظ الإطلاق فيه أيضاً سابق على لحاظه في العرض و مغنٍ عنه.

و هذا بخلاف ما إذا لوحظ التقييد في ناحية العرض فلوحظت العدالة مقيدة بكونها في زيد مثلًا الذي هو وجود محمولي خاص فحيث إنّ الذات في رتبة سابقة على العرض يبقى مجال للسؤال عن أنّ زيداً المأخوذ في الموضوع هل لوحظ مقيداً باتصافه بالعدالة أو مطلقاً، و من الواضح أنّه لا ثالث بينهما لاستحالة الإهمال في الواقعيات.

فان لوحظ مقيداً كان التقييد الثاني الملحوظ في ناحية العرض و هو تقييده بكونه في ضمن زيد لغواً محضاً، لكونه مستدركاً بعد لحاظ التقييد في ناحية الذات، فهو مغنٍ عن هذا التقييد كما عرفت.

و إن لوحظ مطلقاً عن اتصافه بالعدالة و عدمها لزم التناقض و التدافع بين هذا الإطلاق و بين التقييد المفروض لحاظه في ناحية العرض كما هو ظاهر. فحيث لا موقع للحاظ التقسيم في المقارن و هو العرض لا مناص من لحاظ الإطلاق أو التقييد في ناحية الذات نفسها، و حيث لم تؤخذ مطلقة على الفرض فهي مقيدة بالعدالة لا محالة، و لا معنى لتقيدها بها إلا لحاظ الاتصاف بهذا العرض الخاص. فالاتصاف المزبور مأخوذ في الموضوع قطعاً، و مرجعه إلى‌

256

..........

____________

لحاظ العرض نعتاً، و قد عرفت أنّ استصحاب العرض بوجوده المحمولي لا يثبت الاتصاف و الوجود النعتي، هذا ملخص كلامه (قدس سره).

و يرد عليه أوّلًا: أنّ تقدّم مرتبة الجوهر على العرض و إن كان مسلماً إلا أنّ ذلك لا يستدعي انحصار لحاظ التقييد في ناحية الذات، و عدم إمكان رعايته في ناحية العرض نفسه.

و السرّ أنّ وجود العرض في نفسه عين وجود في محلّه، و لذا كان العرض و المعروض موجودين بوجود واحد، و لا فرق بينهما إلا بالاعتبار. فالبياض مثلًا إذا لوحظ بحياله و بما هو شي‌ء في نفسه مع إلغاء جهة الانتساب و الاتصاف كان وجوده محمولياً، و إذا لوحظ بما أنّه عرض قائم بالغير و منتسب إلى المحل و وصف له كان وجوده نعتياً و المحلّ متصفاً به، و يعبّر عنه حينئذ بالأبيض. فهما شي‌ء واحد ذاتاً و أحدهما عين الآخر، و إنّما الاختلاف بحسب اللحاظ و الاعتبار.

و عليه فكما أنّ لحاظ الاتصاف و التقييد في ناحية الذات يغني عن لحاظ التقييد في ناحية العرض و اعتبار كونه في خصوص هذا الموضوع، و لا يبقي مجالًا له و لا للإطلاق فكذلك العكس، فيغني اعتباره في العرض عن لحاظ التقييد في الجوهر، و لا يبقي مجالًا لا له و لا للإطلاق. فأحد التقييدين يغني عن الآخر لا محالة، و أيّا منهما لاحظه المولى ابتداءً لا يبقى معه مجال للسؤال عن التقسيم من حيث الإطلاق و التقييد في الآخر. فالمولى يمكنه التوصّل إلى غرضه و هو التقييد بأيّ من النحوين شاء. و مجرد سبق أحدهما في المرتبة لا يمنع عن ذلك كما هو ظاهر.

و ثانياً: لو تمّ ما ذكره (قدس سره) لجرى هذا الكلام في مطلق المركّبات، سواء كان المركّب مركباً من الجوهرين أم العرضين أم الجوهر و العرض في محلّ أو محلّين، و لزم اعتبار الاتصاف على الإطلاق، ضرورة أنّ مقارنة الجوهر مع جوهر آخر أو مع عرض في محلّ آخر، و كذا مقارنة العرض مع عرض آخر‌

257

..........

____________

في هذا المحلّ أو محلّ آخر تكون من صفات هذا الجوهر أو هذا العرض و أعراضه الطارئة عليه، فهو يتصف بهذه المقارنة لا محالة، فلا بدّ في كل من جزأي المركب إذا قيس بالإضافة إلى اتصافه بالمقارنة مع الجزء الآخر و عدمها من لحاظه إمّا مطلقاً أو مقيداً في مرتبة سابقة على وجود المقارن، و معه يرتفع موضوع الإطلاق و التقييد بالإضافة إلى ذات المقارن، كما هو الحال بعينه في العرض و محلّه حرفاً بحرف، مع أنّه (قدس سره) لم يلتزم بذلك فيما عدا الأخير، و لا ينبغي الالتزام به.

فالصحيح في الاستدلال على اعتبار الاتصاف في هذا القسم اعني تركب الموضوع من العرض و محلّه أن يقال: إنّ وجود الأعراض في أنفسها عين وجودها لموضوعاتها كما مرّ، فهي في وجودها الخارجي لا تنفك عن وجود نسبة بينها و بين الموضوع، لأن حقيقة وجود العرض سنخ حقيقة متقوم بالموضوع و مرتبط به، في قبال وجود الجوهر الذي هو غني في ذاته عن القيام بالغير، و غير متقوّم بشي‌ء آخر.

و عليه فاذا كان الموضوع مركّباً من العرض و محلّه كقوله: أكرم زيداً العادل. فلا يخلو إمّا أن يؤخذ العرض بما هو شي‌ء في نفسه و موجود بحياله أينما تحقق، مع إلغاء جهة النسبة و النعتية لمحلّه، و من غير تقيده بموضوع خاص. و إمّا أن يؤخذ مع لحاظ الانتساب و الاتصاف، و بما أنّه نعت لموضوع خاص و عرض قائم بمحلّ مخصوص.

لا سبيل إلى الأول، إذ لازمه ترتيب الأثر على مطلق وجوده الساري و لو في غير هذا الموضوع، فيجب إكرام مطلق العادل و لو لم يكن زيداً. و هذا خارج عن محل الكلام، إذ هو خلف فرض التركّب من العرض و محلّه كما هو ظاهر.

فلا مناص إلا من أخذه على النحو الثاني كي لا يترتب الحكم إلا على خصوص وجوده في ذلك الموضوع الخاص، و لا معنى لذلك إلا أخذه ناعتاً و على سبيل مفاد كان الناقصة، أي لحاظ اتصاف المحلّ به، لما عرفت من أنّ‌

258

..........

____________

وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فاعتبار وجود العدالة في خصوص زيد مثلًا هو بعينه ثبوت العدالة لزيد، و هو عبارة أُخرى عن اتصاف زيد بالعدالة، فإنّه معنى النعتية كما لا يخفى.

و عليه فاذا كان الوجود النعتي أعني الاتصاف المزبور بنفسه مسبوقاً بالحالة السابقة فكنّا سابقاً على يقين باتصاف زيد بالعدالة جرى فيه الاستصحاب، و التأم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل، و إلا فاستصحاب مجرد العدالة بمفاد كان التامة و بوجودها المحمولي لا يجدي في إثبات الاتصاف و الوجود الناعتي، كي يحرز معه الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل إلا على القول بالأصل المثبت.

و من هنا كان استصحاب العدم المحمولي في باب الأعدام و الملكات غير مجدٍ في إثبات العدم النعتي، أعني الاتصاف بالعدم الذي هو معنى عدم الملكة حيث إنّ العدم المضاف إلى الملكة له حظ من الوجود و هو الاتصاف بالعدم في قبال تقابل السلب و الإيجاب فيما إذا كان الأثر مترتباً على ذاك العدم. فلو كان زيد الأعمى مثلًا موضوعاً للحكم، و شك في زوال عماه، فان كان بوصف كونه أعمى مسبوقاً بالحالة السابقة جرى استصحاب العدم النعتي و رتّب الأثر بضم الوجدان إلى الأصل، و إلا فاستصحاب عدم اتصافه بالبصر الثابت أزلًا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لا يجدي في إثبات الاتصاف بعدم البصر الذي هو معنى العمى.

و كذا لو كان هناك أثر مترتب على عنوان الكافر و شك في إسلام زيد و كفره، فاستصحاب عدم الإسلام أزلًا أو قبل البلوغ لا يثبت الاتصاف بعدم الإسلام الذي هو معنى الكفر، إذ التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، فانّ الكفر هو الاتصاف بعدم الإسلام (1) عمّن من شأنه ذلك لا مجرد عدم الإسلام. و كذا الحال في استصحاب عدم العلم أو عدم الغنى، فإنّه لا يثبت بهما عنوان الجهل‌

____________

(1) [و في الأصل: هو عدم الاتصاف بالإسلام. و الصحيح ما أثبتناه].

259

..........

____________

أو الفقر الذي هو عبارة عن الاتصاف بعدم العلم أو بعدم الغنى لا مجرد العدم، و غير ذلك من سائر موارد الأعدام و الملكات.

الجهة الثانية: لا ريب أنّ المفاهيم المأخوذة في لسان الدليل موضوعاً للحكم أو متعلقاً له لا يراد بها المفهوم من حيث إنّه مفهوم، بل بما أنّه معرّف للوجودات الخاصة و مشير إلى الأفراد الخارجية، من دون فرق في ذلك بين الجمل الإنشائية كقول: يجب الحج على المستطيع، أو أكرم العالم، أو الخبرية كقولنا: كلّ زوج ينقسم إلى متساويين، و نحو ذلك. فانّ المفهوم بما هو كذلك غير قابل للحكم عليه [إلّا] بماله تعلّق بالوجود الخارجي كما هو ظاهر.

و عليه فامّا أن يؤخذ المفهوم في مقام الثبوت على نحو يسري إلى جميع الأفراد و بنحو الطبيعة السارية، مع إلغاء كلّ خصوصية يمكن انقسام الطبيعة بلحاظها إلى قسمين ككون العالم فاسقاً أو عادلًا، و المستطيع حراً أو عبداً و نحو ذلك من المشخّصات الفردية، فيجعل الحكم حينئذ على سبيل الإطلاق. أو يؤخذ المفهوم معرّفاً إلى حصة خاصة و صنف مخصوص، فتلاحظ الطبيعة على نحو تسري إلى بعض الأفراد دون بعض، فلا بدّ من التقييد حينئذ و جعل الحكم على نحو لا ينطبق إلا على خصوص ذلك البعض.

و بالجملة: فالحكم المجعول في مقام الثبوت لا يخلو عن أحد هذين القسمين، فامّا أن يكون الموضوع فيه مطلقاً أو مقيداً بصنف خاص و عنوان مخصوص، و لا ثالث لهما، لوضوح استحالة الإهمال في الواقعيات، ضرورة أنّ المولى الحكيم و الحاكم الملتفت إلى الجهات التي لا تخفى عليه إمّا أن يرى دخل خصوصية في موضوع حكمه أو يرى عدم الدخل، و يستحيل في حقه الشك و الجهل. فعلى الأول لا بدّ من التقييد، و على الثاني لا مناص من الإطلاق.

نعم، في مقام الإثبات قد لا يرى مصلحة في البيان، أو يرى مفسدة فيه فيظهر الحكم مهملًا من دون تعرّض لأحد النحوين، و هذا لا مانع منه كما لا يخفى. فبينهما واسطة هو الإهمال في مقام الإثبات دون الثبوت. و من هنا ذكرنا‌

260

..........

____________

في محلّه أن التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة في مقام الإثبات، و التضاد في مقام الثبوت و تمام الكلام في محلّه (1).

الجهة الثالثة: لا يخفى أنّ التخصيص بالمتصل كالاستثناء و نحوه يصادم ظهور العام، فلا ينعقد الظهور من أول الأمر إلا في غير الخاص و أنّ المراد الاستعمالي هو ذلك. و هذا بخلاف التخصيص بالمنفصل، فإنّه لا يصادم الظهور إذ هو قد انعقد و وقع، و الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه، بعد أن لم يكن الكلام محفوفاً بما يصلح للقرينية، إلا أنّه مصادم لحجيته، بمعنى أنّه كاشف عن تضييق دائرة المراد الجدي و اختصاصه بغير مورد التخصيص. فقوله: لا يجب إكرام العالم الفاسق، الوارد بعد قوله: أكرم العلماء. يكشف عن تقيّد موضوع الوجوب في العموم بحسب الواقع و الإرادة الجدّية بغير الفاسق، و أنّه معنون بهذا العنوان لا محالة، لما عرفت في المقدمة الثانية من أنّ موضوع الحكم في مقام الثبوت لا مناص عن كونه مطلقاً أو مقيداً بقيد وجودي أو عدمي و لا يعقل فيه الإهمال، و بعد ورود التخصيص يقطع بعدم مطابقة المراد الاستعمالي مع المراد الجدي و أنّ العموم غير مراد واقعاً. فلا مناص من تقيّد موضوع الحكم و تعنونه بالعالم الذي لا يكون فاسقاً.

و من الغريب غفلة بعض الأساطين (قدس سره) عن ذلك و زعمه أنّ حال التخصيص بالمنفصل حال موت بعض الأفراد، فكما أنّ موت الفرد خروج تكويني له عن تحت العام فيختص الحكم لا محالة بما عداه، من دون تعنون العام بذلك و لا تقيّده بغيره، فكذلك التخصيص خروج تشريعي للخاص عن تحت العموم من دون أن يتعنون العام و يتقيد بما عداه، بل الحكم لا يشمل غير مورد التخصيص قهراً.

و أنت خبير بما في كلامه (قدس سره) من الخلط الواضح بين مقام الجعل و مقام الانطباق و الفعلية، فانّ الحكم في مقام الجعل يتعلق بالموضوع المقدّر‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 172 مبحث التعبّدي و التوصلي.

261

..........

____________

وجوده على سبيل القضية الحقيقية، و لا يفرق الحال في ذلك بين كثرة الأفراد خارجاً و قلّتها، بل حتى و إن لم يتحقق له فرد في الخارج أبداً، لعدم تعرض الجعل لحال الوجود الخارجي بوجه، و لذا قيل إنّ القضية الحقيقية مرجعها إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع و تاليها ترتب الحكم، فمرجع قولنا: المستطيع يحج إلى قولنا: إذا وجد في الخارج مستطيع وجب عليه الحج. من دون نظر في ذلك إلى الوجود فعلًا و عدمه، و إنّما يؤثر الوجود و العدم أو كثرة الأفراد و قلّتها في مقام الفعلية و الانطباق، فيتحقق الحكم الفعلي بتبع وجود موضوعه الخارجي و يتعدد بتعدده، فمهما وجد فرد يتعلّق به بمقتضى الانحلالية الملحوظة في مقام الجعل حكم و يكون مراعى بوجود ذلك الفرد حدوثاً و بقاءً، فيوجد بوجوده و ينعدم بانعدامه.

و عليه فموت فرد من مصاديق العام في مثل قولنا: أكرم كلّ عالم، لا يوجب إلا تقليل أفراده في مقام التطبيق و فعلية الحكم، فكانوا مثلًا قبل ذلك مائة فصار عددهم بعد ذلك تسعة و تسعين، من دون أن يؤثر تضيقاً في دائرة الجعل و تصرّفاً في نفس الحكم المجعول، بل هو قبل الموت و بعده على حدّ سواء.

و هذا بخلاف التخصيص، فإنّه من أجل كونه قرينة على المراد الجدي ناظر إلى مقام الجعل، و كاشف عن تضيق دائرة الحكم المجعول، و أنّ موضوعه لم يؤخذ على نحو الإطلاق و السريان، و إن كان كذلك بحسب الإرادة الاستعمالية لكنّه بحسب الإرادة الجدية مقيّد بعنوان خاص و هو عدم كون العالم فاسقاً فيما إذا ورد التخصيص على العالم المزبور بمثل قوله: لا تكرم العالم الفاسق. فهو كاشف عن تعنون العالم و تقيده بعنوان عدمي، لما عرفت (1) من عدم الواسطة بين الإطلاق و التقييد في مقام الثبوت، و استحالة الإهمال في الواقعيات، فاذا لم يكن الحكم مجعولًا على سبيل الإطلاق و السريان لمنافاته مع التخصيص بالضرورة فلا محالة يكون مقيداً بنقيض عنوان الخاص، من دون فرق في‌

____________

(1) في ص 259.

262

..........

____________

ذلك بين كثرة الأفراد بحسب الوجود الخارجي و في مقام الفعلية و الانطباق و قلّتها.

و لعمري إنّ هذا واضح جدّاً لا يكاد يخفى. فالخلط بين المقامين و قياس التخصيص بالموت كما صدر منه (قدس سره) غريب جدّاً.

و أغرب منه استشهاده (قدس سره) لذلك بذهاب جمع من الأعلام إلى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، بدعوى أنّ التخصيص لو كان موجباً للتضيّق كما هو الحال في التقييد بلا كلام لم يكن مجال للتمسك المزبور، و لم تصدر هذه الدعوى من أحد، كما لم يشك أحد في عدم جواز التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية، و من ثمّ لم يعنونوا هذا البحث في ذلك الباب.

إذ فيه: أنّ عدم تعرّض أُولئك الجماعة للتمسك بالإطلاق في الشبهات المصداقية لا يكشف عن عدم تمسكهم به فيها ليكون مغايراً مع العام، ضرورة أنّ كثيراً من المباحث المذكورة في باب العام و الخاص لا يتكلّمون عليها في باب المطلق و المقيد لاستغنائهم عنها فيقتنعون بما باحثوا في ذلك الباب، لوحدة المناط و اتحاد الملاك، و إليك بعضها:

فمنها: البحث عن حجية العام في الباقي بعد التخصيص بالمنفصل، حيث أنكرها جماعة، نظراً إلى أنّ العام يكون حينئذ مجازاً في الباقي، و حيث إنّ مراتب المجازات مختلفة و لا قرينة على التعيين فلا جرم يسقط عن الحجية. و أُجيب عنه بما هو مذكور في محلّه (1) مع أنّهم قد اتفقوا ظاهراً على أنّ المطلق بعد ورود التقييد عليه يصبح مجازاً، بل إنّ هذا قد استقر عليه رأيهم إلى زمان سلطان العلماء، فكان أحرى بالتعرض، فكيف أهملوه في هذا الباب.

و منها: بحث جواز التمسك بالعام في الزائد على المقدار المتيقن من المخصص المنفصل الدائر بين الأقل و الأكثر، فانّ مناطه يجري في باب المطلق أيضاً و قد أهملوه.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 164.

263

..........

____________

و منها: أنّ المرجع بعد التخصيص في زمان و الشك في بقاء حكم المخصص هل هو عموم العام أو استصحاب حكم المخصص؟ فإنّهم لم يتعرضوا لذلك في الباب المزبور مع جريانه فيه، إلى غير ذلك من المباحث الكثيرة و منها المقام التي استغنوا عن تكرارها اتّكالًا على ما باحثوا حوله في باب العام و الخاص لما يرونه من اتحاد المناط.

الجهة الرابعة: لا يخفى أنّ الموضوع المركّب من العرض و محلّه لا بدّ فيه من أخذ العرض على سبيل الناعتية، لأنّ وجوده في نفسه عين وجوده في غيره فلا يوجد إلا في موضوع و لا يتقوّم خارجاً إلا به، هذا بالنسبة إلى وجود العرض.

و أمّا بالنسبة إلى عدمه أعني ما لو تركب الموضوع من ذات و عدم العرض له فقد يؤخذ العدم ناعتاً و قد يؤخذ محمولياً، و يختلف ذلك باختلاف الموارد.

فربما يلاحظ العدم نعتاً للموضوع كما لو تركّب من زيد و عماه، حيث إنّ العمى ليس هو مطلق عدم البصر، و لذا لا يطلق على الحجر، بل الاتصاف به المنوط بقابلية المحل، و من ثم كان التقابل بين الأعمى و البصير (1) من تقابل العدم و الملكة. و حينئذ فلدى الشك فيه إن كانت له حالة سابقة كما لو احتملنا أنّه عالج عماه استصحب العمى، و إلا فلا تثبت بمجرد استصحاب عدم البصر إلا على القول بالأُصول المثبتة.

و ربما يلاحظ محمولياً من دون دخل لعنوان الاتصاف، و حينئذ فلا مانع من إحرازه بالاستصحاب، إذ قد كان زمان و لم يكن ثمّة ذات و لا عرض، و قد علمنا بالانتقاض بالنسبة إلى الذات فاحرزنا وجودها بالوجدان، أمّا العرض فلا علم بالانتقاض بالإضافة إليه فيستصحب ذلك العدم الأزلي فيلتئم‌

____________

(1) [لعل المناسب: «بين العمى و البصر» كما لا يخفى].

264

..........

____________

الموضوع. فلو كان موضوع الحكم زيد و عدم إبصاره لا عماه أمكن إحرازه بضم الوجدان إلى الأصل.

توضيح المقام: أنّ النعتية من لوازم وجود العرض، و لا حاجة إلى عناية أكثر من ملاحظة ذاته بما هو عرض.

و أمّا عدم العرض فليس كذلك، بداهة أنّ العدم لا يتقوّم بالموضوع كما يتقوّم به الوجود، فلا يتصف به، بل لا يقبل الاتصاف به إلا بعناية، و هي الاتصاف بشي‌ء ملازم لذلك العدم، فلا يتصف زيد بعدم البصر، بل بملازمة و هو العمى. و لا بعدم العلم، بل بلازمه و هو الجهل و هكذا، ضرورة أنّ النسبة إنّما تكون بين وجودين كالجوهر و العرض، و لا تكاد تكون بين وجود و عدم إذ العدم لا يحتاج إلى الربط، فمن ثمّ كان محمولياً بحسب طبعه إلا أن يدلّ دليله على لحاظه على سبيل الناعتية بنحو من العناية حسبما سمعت.

و ما اشتهر و تداول على الألسن من أنّ النسبة سلبية تارة و إيجابية اخرى فليس المراد من السلبية ربط السلب، بل سلب الربط، فانّ الموضوع و المحمول لمّا كانت بينهما نسبة كلامية فقد يحكي المتكلم ثبوت شي‌ء لشي‌ء، و قد يحكي عدم الثبوت. و ليس المراد من الحكاية الثانية ربط ذلك العدم، ضرورة أنّ العدم عدم في نفسه، و لا يحتاج إلى موضوع يقوم به. فالمراد من النسبة السلبية أنّ الهيئة الكلامية تدل على نفي شي‌ء عن شي‌ء.

و ممّا يرشدك إلى ذلك أنّ القضية الحملية سلبية كانت أم إيجابية لا تختص بالأعراض، بل تجري في غيرها أيضاً، كما في حمل الوجود على الماهية أو سلبه عنها في قولك: الإنسان موجود أو غير موجود. مع أنّه لا ربط بين الوجود و الماهية، إذ الماهية في نفسها لا وجود لها، بل تتحقق بالوجود، فلا يكون عارضاً عليها خارجاً بمعنى وجود شي‌ء لشي‌ء.

و هكذا الحال في الذاتي في باب الكلّيات كقولنا: زيد إنسان، أو الإنسان حيوان ناطق. فإنّ النسبة الكلامية و إن كانت موجودة إلا أنّ النسبة الربطية‌

265

..........

____________

بمعنى أن يكون أحد الوجودين متقوّماً بالوجود الآخر غير متحقّقة، إذ لا معنى للربط بهذا المعنى بين الشخص و النوع، أو هو مع الجنس أو الفصل و هكذا كما لا يخفى.

و أوضح حالًا القضايا الذاتية في باب البرهان كقولنا: اجتماع النقيضين محال. إذ لا معنى للربط المزبور بين الاستحالة و بين اجتماع النقيضين و إن كانت النسبة الكلامية موجودة.

إذن فالوجود الرابط منحصر في العرض و معروضه، لما عرفت من [أنّ] وجوده في نفسه عين وجوده في محله. و أمّا عدم العرض فلا يتحقق ربط فيه و من ثمّ لا يؤخذ وصفاً إلا بنحو من العناية، فتكون القضية السالبة من المعدولة المحمول كما في قولنا: زيد أعمى (1).

و ممّا ذكرنا يظهر الخلل في جملة من كلمات المحقق النائيني (قدس سره) التي منها ما ذكره من أنّه إذا تردد العدم بين أن يكون ناعتاً و أن يكون محمولياً فليس لدينا أصل يعيّن أحدهما (2).

إذ فيه ما عرفت من أنّ العدم بحسب طبعه الأولي إنّما يؤخذ محمولًا و تحتاج النعتية إلى عناية زائدة، فمن دون ثبوتها يحمل على المحمولية بطبيعة الحال، فلا يستقر الشك لنحتاج إلى تأسيس الأصل.

و قد تلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ الموضوع المركّب من وجود العرض و محلّه لا بدّ فيه من أخذ العرض ناعتاً، و عليه فلا يجري استصحاب وجوده إلا إذا كانت الذات مع اتصافها بالعرض موجودة سابقاً فتستصحب، فيقال: إنّ زيداً كان عالماً قبل الآن، و الآن كما كان. و أمّا استصحاب عدمه فيجري بلا إشكال، فنستصحب عدم كرّية الماء لدى الشك فيها، ضرورة أنّ كلّ عدم له تحقق سابقاً و إن أُخذ وجوده ناعتاً.

____________

(1) [لعل هذه الجملة لا تصلح مثالًا لما ذكره].

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 423.

266

..........

____________

و أمّا الموضوع المركّب من عدم العرض فقد يؤخذ العدم محمولياً فيجري استصحابه بعد إحراز الذات، و يلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل، و قد يؤخذ نعتياً كالعمى فلا يجري، لأنّ عدم البصر و إن كانت له حالة سابقة إلا أنّ استصحابه لا يثبت الاتصاف ليحرز العمى إلا إذا كان بعنوانه محرزاً سابقاً فيستصحب. إذن فيفصّل بين ما لو أُخذ العدم نعتاً و بين ما لو أُخذ محمولًا هذا.

و لبعض الأعاظم تفصيل آخر في المقام، و حاصله بتوضيح منّا: أنّ المركب من العرض و محلّه على قسمين:

فتارة يكون التركيب في الجمل التقييدية الناقصة كقولنا: الإنسان العالم موجود. حيث قيّدت الماهية بقيد خاص، و حكم بالوجود على حصة خاصة من الإنسان و هو العالم، و كما يمكن حمل الوجود على تلك الحصة يمكن حمل العدم، لقبولها في حدّ ذاتها لكلّ منهما، فاذا شككنا في وجود تلك الحصة الخاصة كان مقتضى الاستصحاب عدمها، من غير فرق بين لحاظ العرض محمولياً أو ناعتاً، إذ لا شبهة في أنّ تلك الحصة كيف ما لوحظت فهي مسبوقة بالعدم، و يشك في انقلابها إلى الوجود و الأصل عدمه.

و أُخرى يكون في الجمل التصديقية التامة، فيفرض الموضوع موجوداً ثم يقيّد بالعرض فيقال مثلًا: الإنسان الموجود عالم. حيث يكون ظرف وجود العرض هو ظرف وجود المعروض، و بما أنّ العدم بديل للوجود فلا بدّ و أن يكون ظرف عدم العرض و مرتبته هو نفس مرتبة وجوده، ففي قولنا: زيد الموجود أبيض. لمّا كان وجود البياض في مرتبة وجود زيد، فلا جرم كان عدم البياض في تلك المرتبة أيضاً، لاختصاص التقابل بين الوجود و العدم باتحاد المرتبة. و عليه فلا يجري استصحاب عدم البياض الثابت قبل وجود زيد، ضرورة أنّ ذلك العدم عدم مستقل لا عدم بديل لهذا الوجود.

أضف إلى ذلك أنّ الذي يتصف بالوجود أو العدم إنّما هي الماهية المعرّاة عن‌

267

..........

____________

الوجود، و أمّا المقيّدة به فهي عينه. فكما لا يصح أن يقال إنّ الوجود معدوم فكذلك الماهية المقيدة به، فإنّها أيضاً غير قابلة للاتصاف بالعدم، من غير فرق بين أخذ العرض ناعتياً أو محمولياً.

هذا محصّل كلامه (قدس سره) مع نوع من التوضيح، لعدم خلوّ عبارته عن شوب من الإجمال.

أقول: أمّا ما أفاده في الجمل التقييدية الناقصة من جريان استصحاب العدم لدى الشك في وجود العرض كالإنسان الأبيض لنفي الآثار المترتبة عليه فهو تام، و لكنّه خارج عن محلّ الكلام، بداهة أنّ انتفاء آثار الوجود باستصحاب العدم من أوضح الواضحات، سواء أُخذ العرض نعتاً أم محمولًا. و إنّما الكلام في أنّ الأثر لو كان مترتباً على العدم فهل يثبت بذلك الاستصحاب أم لا. فلو استصحبنا عدم القرشية فهل يثبت الأثر المترتب على هذا العدم و هو أنّها تحيض إلى خمسين أو لا. و ما ذكره لا يصلح لإثباته، بل المتّجه حينئذ هو ما عرفت من التفصيل بين أخذ [عدم] العرض محمولياً فيجري الاستصحاب و بين أخذه نعتاً فلا، لأن استصحاب العدم لا يصلح لإثبات اتصاف الموضوع به.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) في الجمل التصديقية التامة من أنّ نقيض الوجود في مرتبة هو العدم في تلك المرتبة فغير قابل للتصديق، و إلا لارتفع النقيضان في غير تلك المرتبة، فالقيام يوم الجمعة لو كان نقيضه عدم القيام المقيّد بيوم الجمعة لزمه ارتفاع النقيضين يوم الخميس، و هو كما ترى.

بل الصواب أنّ نقيض الوجود الخاص هو عدم الخاص لا العدم الخاص. و من ثمّ ذكروا أنّ نقيض الخاص أعم من نقيض العام، فنقيض قيام زيد يوم الجمعة عدم ذلك القيام و لو لعدم يوم الجمعة لا خصوص العدم يوم الجمعة حتى يلزم ارتفاع النقيضين قبل تحقق يوم الجمعة.

و بالجملة: لا يتصف العدم بتلك الخصوصية، فإنّ وجود النسبة و إن تقوّم‌

268

..........

____________

بالطرفين لكن عدمها يتحقق و لو لعدمهما. إذن فلا يكون نقيض الوجود هو العدم في تلك المرتبة، بل مطلقاً حتى السابق عليها. و لعمري إنّ هذا من الوضوح بمكان، و لا حاجة معه إلى إقامة البرهان.

و أمّا ما ذكره من أنّ الماهية المقيّدة بالوجود غير قابلة للاتصاف بالعدم، و إنّما المتصف به هو الماهية المعرّاة من كل من الوجود و العدم، ففيه من الخلط ما لا يخفى.

فإنّه (قدس سره) إن أراد من الاتصاف اللحوق و العروض صحّ ما ذكره، إذ من المعلوم أنّ الوجود لا يعرضه الوجود، و الشي‌ء لا يلحق نفسه، كما لا يلحقه العدم، لأنّه نقيضه، و النقيض لا يلحق نقيضه، فالماهية المقيّدة بالوجود لا يعرضها الوجود و لا العدم، بل الماهية بنفسها تتصف بالوجود، بمعنى عروضه عليها و كون الخارج ظرفاً لوجودها.

و إن أراد من الاتصاف ما ينتج الحمل و إن تجرّد عن العروض فلا يتم ما ذكره، بداهة أنّ حمل الوجود على الوجود أوّلي، و على الماهية تبعي، فهو متصف بالموجودية اتصافاً ذاتياً، كما في صفاته تعالى، بمعنى تحقق نفسه في الأعيان و كون الخارج ظرفاً له. إذن فعدمه بعدم نفس الذات، لا بعروض العدم له مع المحافظة على ذاته ليلزم اجتماع النقيضين.

و بالجملة: كما يتصف وجود زيد بالموجودية يتصف بالمعدومية أيضاً، و إلا لكان كلّ وجود قديماً، بل واجباً لذاته، و هو كما ترى.

و منه يظهر حال الماهيّة المقيّدة بالوجود، فإنّها أيضاً تتصف بكلّ من الوجود و العدم بالمعنى الذي عرفت. و لعلّ الخلط بين نحوي الاتصاف أوجب الوقوع في الاشتباه.

فتحصّل: أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يرجع إلى محصّل، بل الصحيح ما عرفت من التفصيل بين أخذ [عدم] العرض محمولًا أو ناعتاً، فيجري الاستصحاب على الأول دون الثاني.

إذا عرفت هذه المقدمات يتضح لك جلياً جريان الاستصحاب في الأعدام‌

269

..........

____________

الأزلية، فإنّ موضوع الحكم أو متعلّقه إذا كان مركّباً من جزأين متباينين بأن لم يكونا من العرض و محلّه و قد أُحرز أحدهما و شك في الآخر بعد أن كان محرزاً سابقاً جرى استصحابه، و التأم الجزءان بضم الأصل إلى الوجدان، و هذا واضح.

و أمّا لو تركّب من العرض و محلّه فان كان الأثر مترتباً على الوجود جرى استصحاب العدم لنفيه، و أما إذا كان مترتباً على العدم فان كان ناعتاً لا يجري استصحاب العدم لإثبات النعتية و الاتصاف، لعدم حجية الأُصول المثبتة، إلا إذا كان الاتصاف بنفسه ذا حالة سابقة فيستصحب.

و إن كان محمولياً كما لو دلّ دليل على إخراج الفاسق عن موضوع وجوب إكرام كلّ عالم، أو إخراج القرشية عن عموم كلّ امرأة تحيض إلى خمسين حيث إن الباقي بعد التقييد هو العالم غير المتصف بالفسق، أو المرأة غير القرشية، لا المتصف بعدم الفسق أو المتصفة بعدم كونها قرشية، ضرورة أنّ نتيجة التقييد المزبور ليس إلا اعتبار نفس العدم في الموضوع، لا الاتصاف و رعاية النسبة بينه و بين الذات، فإنّه يحتاج إلى عناية خاصة و مئونة زائدة لا يصار إليها من غير قرينة. فحينئذ لا مانع من جريان الأصل، فإنّه بعد العلم بتحقق ذات المرأة و الشك في تحقق الاتصاف بالقرشية كان مقتضى استصحاب العدم الأزلي عدم الاتصاف و عدم انتسابها إلى قريش، و بعد ضمّه إلى وجود الذات المحرز بالوجدان يثبت الموضوع المركّب و يحكم عليها بعدم التحيّض.

و هكذا الحال في المقام، فانّ الموضوع لجواز الصلاة بعد البناء على مانعية غير المأكول كما هو المستفاد من الأدلّة حسبما سبق (1) هو ما لم يؤخذ من غير المأكول، لا المتصف بعدم كونه (2) مأخوذاً من غير المأكول، فيتمسك في إحراز هذا العدم المحمولي باستصحاب العدم الأزلي و يحكم بجواز الصلاة فيه.

____________

(1) في ص 218.

(2) [الموجود في الأصل: بكونه. و الصحيح ما أثبتناه].

270

..........

____________

نعم، هذا مبني على القول بالمانعية الذي عرفت أنّه الصواب، و أمّا بناءً على القول بالشرطية كما نسب إلى العلامة (1) و غيره فكلّا، إذ عليه يكون الاتصاف معتبراً بطبيعة الحال. و من المعلوم أنّ الأصل المزبور لا يتكفّل بإثباته إلا على القول بحجية الأُصول المثبتة، و لا نقول بها.

الوجه السادس: التمسك باستصحاب عدم كون المصلّي لابساً لغير المأكول الثابت قبل لبسه للمشكوك فيه.

و تفصيل الكلام في المقام: أنّا قد أشرنا في بعض الأُمور المتقدمة (2) إلى الخلاف في مركز اعتبار المانعية لما لا يؤكل لحمه، و أنّه اللباس، أو الصلاة نفسها، أو المصلي نفسه.

فعلى التقادير يمكن التمسك بالأصل الموضوعي، بإجرائه في نفس الحيوان فيما إذا علم بعدم كونه محرّم الأكل في زمان، أو في اللباس نفسه بناء على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فيحرز به الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، و يحكم بجواز الصلاة لانتفاء المانع.

و أمّا لو شك في حال الحيوان من أوّل الأمر، و أنكرنا جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما عليه المحقق النائيني (قدس سره) (3) فان قلنا حينئذ بأنّ مركز الاعتبار هو نفس اللباس فحيث لا أصل يحرز به حال الموضوع فتنتهي النوبة حينئذ إلى التمسك بالأصل الحكمي من الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال و سيجي‌ء البحث حوله إن شاء اللّٰه تعالى (4).

و إن قلنا بأنّ مركزه الصلاة نفسها كما قد يتراءى من موثقة ابن بكير على ما مرّ فلا يمكن إحراز صحتها و عدم اقترانها بالمانع بالأصل الموضوعي‌

____________

(1) المنتهي 4: 236.

(2) في ص 232.

(3) أجود التقريرات 1: 464.

(4) في ص 277.

271

..........

____________

فيما إذا كانت من أوّل حدوثها مقرونة بما يشك في جزئيته لما لا يؤكل لحمه، إذ الأصل غير جارٍ في اللباس على الفرض، و الصلاة بنفسها غير مسبوقة بالحالة السابقة، لأنّها من أوّل وجودها إمّا واقعة فيما لا يؤكل أو في غيره، فليس لنا متيقّن كي يتعبّد ببقائه في ظرف الشك كما هو ظاهر.

نعم، فيما إذا طرأ لبس المشكوك أثناء الصلاة أمكن التمسك بالاستصحاب حينئذ فيقال: إنّ هذه الصلاة حينما وجدت لم تكن متّصفة بالوقوع في غير المأكول و الآن كما كان. و هذا مبني على أنّ الصلاة و إن كانت مركّبة من أجزاء متباينة، بل مقولات متضادّة لكنّها في نظر الشارع عمل وحداني تدريجي الحصول، افتتاحه التكبير و اختتامه التسليم، و أنّ المستفاد من أدلة المانعية اعتبار عدمها في نفس العمل من المبدإ إلى المنتهي بما له من الآنات المتخلّلة بين الأجزاء كما هو التحقيق لا اعتبارها في كلّ جزء بخصوصه فحسب، و إلا لزم عدم البطلان فيما إذا اقترنت تلك الآنات بالمانع، بل و نفس الجزء أيضاً، إذ غايته تدارك الجزء بإعادته نفسه لا استئناف الصلاة و إعادتها فيما إذا لم يكن التدارك موجباً للبطلان من جهة أُخرى، و هو كما ترى.

و بالجملة: إذا منعنا الوحدة الاعتبارية التشريعية أو قلنا باعتبار عدم المانع في كلّ جزء بخصوصه من دون أن يتقيد ذات العمل بذلك لم يكن حينئذ مجال للاستصحاب المزبور، لتعدد الموضوع و عدم العلم بالحالة السابقة، فإنّ الأجزاء السابقة لم تكن مقترنة بالمانع جزماً على الفرض، و الجزء اللاحق المقارن لما يشك في جزئيته لما لا يؤكل يشك من أوّل وجوده في اقترانه بالمانع و عدمه، فليست له حالة سابقة كي تستصحب.

و أمّا مع الاعتراف بالوحدة و بأنّ الاعتبار متعلق بنفس العمل لا بأجزائه كما هو الصحيح على ما عرفت صح التمسك حينئذ بالاستصحاب، فيقال: إنّ هذا العمل الوحداني عند تحققه و لو بتحقق أوّل جزء منه كان متصفاً بعدم وقوعه في غير المأكول و الآن كما كان، كما هو الحال في إجراء الاستصحاب في‌

272

..........

____________

سائر الأُمور التدريجية التي يشك في بقائها أو في بقاء صفتها كالحركة نفسها أو سرعتها أو بطئها.

و من هنا يتجه التفصيل في صحة الصلاة بين عروض المشكوك جزئيته لما لا يؤكل أثناء الصلاة و بين ما إذا كان مقارناً معها عند افتتاحها كما هو أحد الأقوال في المسألة فيحكم بالصحة في الأول تمسكاً باستصحاب عدم المانع، و بالبطلان في الثاني، لعدم جريان هذا الاستصحاب إلا بنحو التعليق. و سيجي‌ء البحث عنه (1).

و أمّا إذا قلنا بأنّ مركز الاعتبار هو المصلّي نفسه دون الصلاة و دون اللباس كما استظهرناه سابقاً من موثقة سماعة فراجع (2) جرى الاستصحاب الموضوعي حينئذ، و حكم بالصحة بضم الوجدان إلى الأصل، حتى فيما إذا كانت الصلاة من أوّل وجودها مقرونة بما يشكّ في كونه من أجزاء ما لا يؤكل، فيقال: إنّ المصلّي قبل لبسه لهذا المشكوك لم يكن لابساً أو مصاحباً لأجزاء ما لا يؤكل و الآن كما كان، فيحرز عدم المانع باستصحاب العدم النعتي، لوجود الحالة السابقة كما هو ظاهر.

نعم، لا يحرز بهذا الاستصحاب حال نفس المشكوك و أنّه من أجزاء ما لا يؤكل أو من غيره إلا على القول بالأصل المثبت، لكنّا في غنى عن إحراز ذلك إذ لا حاجة إليه بعد أن لم يكن اللباس بنفسه مركزاً لاعتبار المانعية، و إنما هو المصلّي نفسه كما هو المفروض. و هذا نظير ما لو خرج من المتطهر مائع مردد بين البول و المذي، فانّ استصحاب الطهارة و عدم انتقاضها بالحدث جارٍ و إن لم يحرز بذلك حال المائع و أنّه طاهر أو نجس، لترتّب الأثر على كونه متطهراً، و قد ثبت بالاستصحاب.

و مرجع ذلك في المقام و في المثال إلى عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين‌

____________

(1) في الوجه السابع

(2) ص 234.

273

..........

____________

الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود.

و قد تحصّل من جميع ما ذكرناه: جواز الصلاة فيما يشكّ في جزئيته لما لا يؤكل.

أوّلًا: لإجراء الأصل في نفس اللباس، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.

و ثانياً: لإجرائه في المصلّي نفسه بنحو العدم النعتي بالتقريب المتقدّم.

الوجه السابع: التمسك بناءً على أن يكون مركز اعتبار المانعية هي الصلاة نفسها بالاستصحاب التعليقي فيقال: إنّ الصلاة لو كانت متحققة قبل لبس المصلّي للمشكوك فيه أو مصاحبته له لم تكن واقعة فيما لا يؤكل فالآن كما كانت، فيحكم بصحتها حتى فيما إذا كانت من أول حدوثها مقترنة بما يشك في جزئيته لما لا يؤكل، بضمّ الوجدان إلى الأصل.

و اعترض عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)، أولًا: بمنع جريان الاستصحاب التعليقي من أصله.

و ثانياً: على تقدير التسليم فإنّما يجري مع بقاء الموضوع في ظرف الشك و انحفاظه في القضيتين المتيقّنة و المشكوكة و في المقام ليس كذلك، فانّ موضوع الصحة هي الصلاة، و هي لم تكن موجودة سابقاً على الفرض، و في ظرف الشك و إن وجدت لكنّها من أول حدوثها يشكّ في صحتها و فسادها من جهة اقترانها بما يشكّ في جزئيته لما لا يؤكل، من دون أن تكون لها حالة سابقة متيقّنة، فلم يكن الموضوع موجوداً في زمان و قد ثبت له حكم تعليقي كي يستصحب ذلك الحكم لنفس الموضوع في ظرف الشك.

و لأجل ذلك لا يجري استصحاب الحرمة التعليقية أو هي مع النجاسة الثابتة للعنب في حال الزبيبيّة حتى مع تسليم أصل هذا الاستصحاب، فإنّ الحرمة المتعلقة بالعنب إنّما تثبت في حال الغليان، و لا ريب أنّ الصالح له إنّما هو‌

____________

(1) كتاب الصلاة 1: 254.

274

..........

____________

ماؤه لا نفسه من قشر و نحوه، فيرجع بالأخرة إلى أنّ موضوع الحكم و الركن الركين فيه إنّما هو العصير العنبي، و لا شكّ في انعدام هذا الموضوع في حال الزبيبية، فان الزبيب عنب جاف قد انعدم عصيره قطعاً، و أمّا الماء الخارجي الملقى عليه عند الغليان فهو موضوع آخر مباين مع العصير العنبي، يشكّ في حلّيته و حرمته من أوّل الأمر.

أقول: ما أفاده (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب التعليقي في حدّ نفسه و إنكاره من أصله فهو في محلّه كما تعرضنا له في الأُصول (1).

و الوجه في ذلك على سبيل الإجمال: أنّ الحكم المجعول لا واقع له إلا في مرحلتين لا ثالث لهما: إحداهما مرحلة الجعل و التشريع، و الأُخرى مقام الفعلية و التطبيق.

ففي مرحلة الجعل يجعل الحكم على الموضوع المقدّر وجوده، و لا نظر في ذلك إلى وجود الموضوع خارجاً و عدمه كما هو مقتضى جعل الأحكام على سبيل القضايا الحقيقية، و من هنا ذكرنا غير مرة أنّها راجعة إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع، و تاليها ترتب الحكم. فمرجع قولنا: المستطيع يحج، إلى قولنا: إذا وجد في الخارج مكلّف و كان مستطيعاً وجب عليه الحج.

و بالجملة: فبعد الجعل يتحقق الحكم في عالم التشريع حقيقة، وجد له موضوع في الخارج أم لا. و لا رافع له إلا النسخ، و لو شكّ في رفعه لاحتماله جرى استصحاب عدم النسخ بلا كلام.

و في مرحلة الفعلية يخرج الحكم عن مقام الفرض و التقدير إلى مقام التحقق و التطبيق، و ذلك عند ما يتحقق الموضوع خارجاً بما له من القيود المأخوذة فيه فاذا وجد المستطيع خارجاً بما له من بقية الشرائط المعتبرة وجب الحج و صدق حقيقة أنّه ثبت حكم في الخارج بعد أن لم يكن. و ارتفاع هذا الحكم إنّما هو بانعدام الموضوع إمّا بنفسه أو بفقد قيد من القيود المعتبرة فيه، من دون‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 134.

275

..........

____________

فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية و الوضعية، فتزول الاستطاعة مثلًا بعد حدوثها أو تزول الزوجية بطلاق أو فسخ و نحوهما.

و بالجملة: لا نتعقل للحكم الشرعي واقعاً إلا في هاتين المرحلتين، و له في كل مرحلة رافع خاص كما عرفت.

و عليه فلا معنى للاستصحاب التعليقي أصلًا، لأنّ الحرمة المعلّقة على الغليان مثلًا الثابتة للعنب التي يراد استصحابها في حال الزبيبية إن أُريد بها الحرمة الثابتة في مرحلة الجعل فلا يحتمل ارتفاعها، بل هي باقية جزماً، لاختصاص رافعها حينئذ بالنسخ المنفي احتماله على الفرض، نعم لو احتمل جرى استصحاب عدمه، لكنه أجنبي عن المقام كما هو ظاهر.

و إن أُريد بها الحرمة الفعلية فلا يحتمل حدوثها، لكونها منوطة بتحقق الموضوع بما له من القيود كما عرفت، فلا يكون العصير العنبي حراماً بالفعل إلا مع الغليان كما مرّ، و المفروض عدم تحققه سابقاً. فالحرمة الشأنية غير مرتفعة قطعاً، و الحرمة الفعلية غير متحققة قطعاً، فماذا هو المستصحب بعد أن عرفت حصر الحكم الشرعي في هاتين المرحلتين.

نعم، الملازمة بين عروض الغليان للعصير العنبي و حرمته متيقّنة سابقاً و مشكوكة لاحقاً، بمعنى أنّا نعلم أنّ العصير في حال العنبية لو لحقه الغليان حرم، و نشك في بقاء هذه الملازمة في حال الزبيبية، إلا أنّ هذه الملازمة ليست بشرعية، بل هي حكم عقلي، بمعنى أنّ العقل يستقلّ بأنّ موضوع الحكم إذا كان مركّباً من جزأين كالعصير العنبي و غليانه بالإضافة إلى الحرمة، أو هي مع النجاسة و قد تحقق أحدهما و هو العصير العنبي، فإذا فرض تحقق الآخر و هو الغليان و انضمامه إلى الأوّل فهو يستلزم ترتّب الحكم لا محالة، لتمامية جزأي الموضوع الذي هو بمنزلة العلّة لتعلق الحكم به، و لا معنى لجريان الاستصحاب في هذا الحكم العقلي كما لا يخفى.

كما أنّ ما أفاده (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب التعليقي بعد‌

276

..........

____________

تسليمه في نفسه في خصوص مثال العنب و الزبيب فهو حقّ أيضاً لا محيص عنه، لما عرفت من تعدد الموضوع في القضيتين و تباينه، فانّ المتيقن السابق موضوعه العصير العنبي، و المشكوك لاحقاً هو الماء الخارجي الملقى على الزبيب، و هما متباينان عرفاً كما مرّ.

و أمّا ما أفاده (قدس سره) من قياس المقام بهذا المثال و أنّ الموضوع هنا أيضاً متعدد فلا يمكن المساعدة عليه، ضرورة أنّ الموضوع في المقام هو طبيعي الصلاة، و اليقين و الشك إنّما يلحظان بالإضافة إلى نفس الطبيعة، و هي الموضوع للمستصحب، فالمتيقّن السابق هو أنّ طبيعي الصلاة لو كانت متحقّقة في الخارج لكانت صحيحة أي غير واقعة فيما لا يؤكل و يشك بقاءً في ثبوت هذا الحكم التقديري لنفس تلك الطبيعة. فلو بنينا على صحة الاستصحاب التعليقي لم يكن مانع من جريانه من هذه الجهة.

نعم، لو كان الموضوع هي الصلاة الخارجية دون الطبيعة لتمّ ما أُفيد، لعدم تحققها سابقاً، و عند وجودها في ظرف الشك يشكّ في حكمها من أول الأمر، فلم يكن الموضوع باقياً و محفوظاً في القضيتين. لكنّه بمراحل عن الواقع كما عرفت.

فالصحيح في الجواب أن يقال: إنّ الاستصحاب التعليقي على تقدير تسليمه فإنّما يجري فيما إذا كان التعليق راجعاً إلى الحكم الشرعي نفسه، بأن كان الموضوع متحقّقاً بالفعل و قد ثبت له حكم تعليقي أو تنجيزي، فيعمم الاستصحاب لكلا النوعين من الحكم.

و أمّا إذا كان التعليق راجعاً إلى نفس الموضوع أو المتعلّق فلا مجال لجريان الاستصحاب حينئذ أصلًا، ضرورة أنّ الآثار إنّما تترتب على الموضوع المفروض وجوده بالفعل، و عند تحققه الخارجي، و أمّا الوجود التقديري المعلّق على شي‌ء لم يتحقق فلا أثر له، فلا يكون قابلًا للتعبد.

كما أنّ الملازمة المتيقنة سابقاً و هي أن الموضوع لو كان موجوداً لترتّب عليه الأثر غير قابلة لورود التعبّد بها، لعدم كونها بنفسها حكماً شرعياً، و لا‌

277

..........

____________

موضوعاً ذا أثر شرعي كما هو ظاهر. فاذا فرضنا مثلًا أنّ الطهارة مترتبة على تحقق الغسل بالماء خارجاً، و قد كان الماء موجوداً في الحوض سابقاً و شككنا في بقائه لاحقاً، و قد ألقينا الثوب النجس فيه فعلًا، فهل يمكن الحكم بتحقق الغسل و حصول الطهارة بدعوى أنّ الثوب لو كان واقعاً في الحوض قبل ساعة مثلًا لتحقق الغسل فتستصحب الملازمة أو الوجود التقديري؟ كلّا، فإنّ الأثر يترتب على الغسل الخارجي، و هو مشكوك الحدوث من أول الأمر، للشك في بقاء الماء. و استصحاب الملازمة أو بقاء الماء لا يثبت عنوان الغسل الذي هو الموضوع للأثر كما هو واضح.

و بالجملة: موضوع الحكم هو فعلية الغسل، لا الغسل التقديري، و لا الملازمة بينه و بين الوقوع في الحوض. و إثبات الفعلية بإجراء الأصل في شي‌ء منهما مبني على القول بالأصل المثبت.

و المقام من هذا القبيل، فانّ متعلّق التكليف أو فقل الموضوع للصحة هي الصلاة غير الواقعة خارجاً و بالفعل في غير المأكول، لا الصلاة التي على تقدير وجودها لم تكن كذلك. فاستصحاب الصحة التقديرية المنتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً، أو استصحاب منشأ الانتزاع و هو عدم اتصاف الصلاة بكونها في غير المأكول على تقدير وجودها الخارجي لا يثبت موضوع الصحة أعني أنّ الصلاة الخارجية كذلك إلا على القول بالأصل المثبت.

المبحث الثاني في الأُصول الحكمية: قد عرفت إمكان إثبات الصحة و جواز الصلاة في اللباس المشكوك بالأصل الموضوعي من التمسك باستصحاب العدم الأزلي و غيره، و معه لا تنتهي النوبة إلى الرجوع إلى الأصل الحكمي. فالرجوع إليه إنّما هو بعد تسليم عدم تمامية شي‌ء من الأُصول الموضوعية.

كما لا ريب أنّ مقتضى القاعدة ما لم تثبت الصحة و جواز الاقتصار في مقام‌

278

..........

____________

الامتثال بالصلاة في المشكوك فيه هو الرجوع إلى قاعدة الاشتغال، و لزوم إيقاع الصلاة فيما يقطع بعدم كونه من غير المأكول، إذ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية بالضرورة، فيجب إحراز الامتثال و تفريغ الذمة بالإتيان بالمأمور به جامعاً للشرائط و فاقداً للموانع، فكما يجب إحراز الشرط يجب عقلًا إحراز عدم المانع و لو ببركة الأصل، إذ لا فرق في لزوم إحراز المأمور به بقيوده بين القيود الوجودية و العدمية كما مرّ التنبيه عليه في بعض المباحث السابقة (1) هذا.

و قد استدلّ في المقام على الجواز استناداً إلى الأصل الحكمي من وجهين:

أحدهما: التمسك بأصالة الحلّ في نفس الصلاة كما عن صاحب الحدائق (قدس سره) (2) بدعوى أنّ للصلاة باعتبار الوقوع في المأكول و في غيره فردين: حلال و حرام، و يشكّ في هذه الصلاة الشخصية الواقعة في اللباس المشكوك فيه أنّها من الفرد المحلّل أو المحرم، فيشمله عموم قوله (عليه السلام): «كلّ شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» (3) و غيرها من سائر الأخبار الدالّة على أصالتي الحلّ و الإباحة.

و فيه: أنّه إن أُريد بالحرمة المحتملة الحرمة الذاتية فهي مقطوعة العدم، إذ لا ريب أن مجرّد الصلاة فيما يقطع بكونه من غير المأكول فضلًا عمّا يشك ليس بنفسه من المحرمات الإلهية كما لو كان بقصد التعليم و نحوه.

و إن أُريد بها الحرمة التشريعية فلا ريب في عدم التشريع لو صلّى في المشكوك بقصد الرجاء لاحتمال الجواز، أو لاحتمال عدم كونه من غير المأكول فيصلّي بانياً على تحقيق الحال بعد الفراغ و الإعادة لو انكشف الخلاف، فلا يحتمل الحرمة في مثل ذلك. نعم، لا يجوز الاقتصار عليه في مقام الامتثال للزوم الخروج عن عهدة الاشتغال اليقيني بالبراءة اليقينية كما هو ظاهر.

____________

(1) في ص 209، الجهة الثالثة.

(2) الحدائق 7: 86.

(3) الوسائل 17: 87/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1.

279

..........

____________

و أمّا لو صلّى فيه مضيفاً له إلى المولى و بنية جزمية لا رجاءً فهو حرام قطعاً، لكونه من إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين، الذي هو تشريع محرم بالأدلّة الأربعة، فلا يحتمل جوازه كي يكون مشكوك الحلّية فيرجع إلى أصالة الحل.

و بالجملة: ذات الصلاة من دون إضافة إلى المولى محلّل قطعاً، و كذا مع إضافة رجائية، و أمّا مع الإضافة الجزمية فهي محرّمة قطعاً. فعلى كل تقدير لا شكّ حتى يتمسك بأصل الحل.

نعم، لو كان المراد بالحلّية في أخبار أصالة الحلّ ما يشمل الحلّية الوضعية المساوقة للصحة و جواز الاقتصار في مقام الامتثال لصحّ الاستدلال حينئذ كما لا يخفى. لكنّه بمراحل عن الواقع، بل الحلّية تكليفيّة محضة. إذ المراد بها في روايات الباب الترخيص العملي و نفي البأس عن الفعل مع الشكّ في الحرمة، لا الحكم بالنفوذ و المضيّ في مقام الامتثال، و إلا لصحّ الاستدلال بها في جميع أبواب العبادات و المعاملات حتى بالمعنى الأعم عند الشك في تحقق شرط أو وجود مانع ما لم يقم دليل على خلافه من عموم و نحوه، و هو كما ترى، بل لازمه تأسيس فقه جديد كما لا يخفى.

الوجه الثاني: و هو العمدة في المقام التمسك بأصالة البراءة، و تقريره يتوقف على تقديم أُمور:

الأوّل: لا ريب أنّ الشكّ إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل و في أصل ثبوت التكليف فهو مورد لأصالة البراءة الشرعية و العقلية، و أمّا إذا رجع إلى مرحلة الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف الثابت بعد العلم بفعليّته و وجوده فهو مورد لقاعدة الاشتغال، لاستقلال العقل بلزوم إحراز الفراغ عن التكليف المعلوم، و أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.

الثاني: أنّ من الواضح أنّه لا يكفي في تنجيز التكليف مجرّد العلم بجعل الكبرى الكلّية في الشريعة المقدسة ما لم ينضم معه إحراز الصغرى، فانّ العلم‌

280

..........

____________

بالكبرى بمجرده غير صالح للبعث و التحريك بالضرورة، فالعقاب على مخالفته قبل وصول الصغرى عقاب بلا بيان.

و عليه ففي موارد التكاليف الانحلالية كحرمة شرب الخمر و نحوه لا يكون التكليف منجّزاً ذا بعث أو زجر إلا بعد وصول الكبرى و الصغرى معاً، فلو وصلت إحداهما دون الأُخرى كأن علم بحرمة شرب الخمر و لم يعلم أنّ المائع الخارجي خمر، أو علم بخمريته و لم يعلم بحرمته لم يتحقق التنجيز حينئذ، لتقوّمه بكلا الأمرين كما عرفت، و معه يكون المورد مجرى لأصالة البراءة الشرعية و العقلية.

و بعبارة اخرى: التكليف المجعول في الكبرى الكلّية ينحلّ حسب تعدد وجود موضوعه في الخارج إلى تكاليف عديدة، فعند الشك في الانطباق يشكّ في تعلّق التكليف بهذا الفرد المشكوك فيدفع بأصل البراءة عقلًا و شرعاً. و التفكيك بينهما بإجراء البراءة الشرعية دون العقلية بزعم تمامية البيان من قبل المولى كما عن بعض قد ظهر فساده مما مرّ، بل إمّا أن يجريا معاً أو لا يجري شي‌ء منهما. و تمام الكلام في محلّه (1).

الثالث: أنّ في جريان البراءة و عدمه في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين و إن كان بحث عريض و كلام طويل الذيل إلا أنّ الأقوى هو الجريان، لا لأجل انحلال العلم الإجمالي إلى متيقّن و مشكوك كما في الأقل و الأكثر الاستقلاليين، لاستحالة الانحلال الحقيقي في المقام، بل لأجل الانحلال الحكمي.

و توضيحه على سبيل الإجمال: أنّ انحلال العلم الإجمالي إنّما يتحقق فيما إذا رجع المعلوم بالإجمال لدى التأمل إلى معلوم تفصيلي و مشكوك بدوي، كما هو الحال في موارد الدوران بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين، حيث إنّ الأقل معلوم تفصيلًا و الزائد عليه يشكّ في وجوبه من أول الأمر، فيرجع فيه إلى البراءة‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 323 التنبيه الرابع.

281

..........

____________

السليمة عن المعارض.

و هذا غير متصوّر في الارتباطيين، إذ التكليف حينئذ دائر بين تعلّقه بالأقل بشرط الانضمام إلى الجزء أو الشرط المشكوك فيه كما هو مقتضى الارتباطية و بين تعلّقه به لا بشرط الانضمام، فالأقل مأخوذ إمّا بشرط شي‌ء أو لا بشرط، فنعلم إجمالًا بالجامع بين هذين الأمرين، و في مثله لا يكاد يكون الأقل معلوماً بالتفصيل كي يتحقق معه الانحلال الحقيقي.

لأنه إن أُريد بالأقل المعلوم كذلك الأقل بشرط الانضمام فهو واضح الفساد.

و إن أُريد به الأقل لا بشرط الانضمام فهو بنفسه طرف للعلم الإجمالي لدوران المعلوم بالإجمال بين أخذ الأقل لا بشرط أو بشرط شي‌ء كما عرفت فكيف يكون متعلّقاً للعلم التفصيلي.

و إن أُريد به ذات الأقل لا بشرطٍ عن كلتا الخصوصيتين و الجامع بينهما المعبّر عنه باللابشرط المقسمي فهو نفس المعلوم بالإجمال، إذ لا نعني به سوى تعلّق العلم بالجامع بين الخصوصيتين و الشكّ في أنفسهما، فليس ذلك شيئاً وراء نفس العلم الإجمالي. فمرجع الانحلال حينئذ إلى انحلال العلم الإجمالي بنفسه، و هو غير معقول. فالانحلال الحقيقي غير متصوّر في المقام.

نعم، نتيجة الانحلال و هي الرجوع إلى البراءة عن الأكثر من دون معارض المعبّر عنه بالانحلال الحكمي ثابتة في المقام، و معه يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.

و ذلك لأن المانع عن جريان الأُصول في الأطراف ليس هو نفس العلم بدعوى أنّ إجراء الأصل مغيّا في الأدلة بعدم حصول العلم بالخلاف، و المراد به الأعم من الإجمالي و التفصيلي. إذ فيه: أنّ الغاية ظاهرة في العلم التفصيلي خاصة، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام): «حتى تعلم الحرام منه بعينه فتدعه» (1).

____________

(1) الوسائل 17: 87/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1.

282

..........

____________

بل المانع إنّما هي المعارضة، و لا تعارض في المقام، لعدم جريان الأصل في ناحية الأقل، إذ الذي يكون طرفاً للعلم الإجمالي هو الأقل لا بشرط كما عرفت و هو يتضمّن التوسعة و الإطلاق من حيث الانضمام مع الأكثر و عدمه و رفع مثله مخالف للامتنان، فلا يكون مشمولًا لحديث الرفع المبني على الامتنان. كما لا يكون مشمولًا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لتماميّة البيان بالنسبة إليه كما هو واضح.

و أمّا وجوب الأكثر فحيث إنّه يتضمن الضيق و فيه كلفة زائدة، و لم يتم البيان بالنسبة إليه فهو مجرى لأصل البراءة الشرعية و العقلية من دون معارض.

الرابع: قد عرفت أنّ الشك إن كان راجعاً إلى مقام الجعل و في أصل ثبوت التكليف فهو مورد لأصل البراءة، كما أنّه إن رجع إلى مقام الامتثال فهو مورد لقاعدة الاشتغال.

و أمّا إذا رجع إلى مقام الانطباق فشكّ في صدق عنوان المأمور به على الموجود الخارجي فهل هو مجرى للبراءة أو الاشتغال؟ لم أرَ من تعرض للمسألة مستقصى.

و توضيح الحال أن يقال: إنّ صور المسألة ست، فانّ الفعل الاختياري الذي تعلّق به التكليف إمّا أن يكون له متعلق كذات الخمر بالإضافة إلى شربه المحرّم، و كذات العقد بالنسبة إلى الوفاء به، و يعبّر عنه بالموضوع أو بمتعلّق المتعلّق. و إمّا أن لا يكون له تعلّق بشي‌ء آخر كالتكلم أو الذكر أو الدعاء أو القراءة و نحوها مما لا تضاف إلى شي‌ء آخر، و قد تعلق بها أحكام إلزامية. و على الثاني: فامّا أن يكون التكليف وجوبياً أو تحريماً. و على الأول: فامّا أن يكون الموضوع أمراً جزئياً شخصياً أو يكون كلّياً. و الطبيعة الكلّية إما أن تؤخذ بنحو صرف الوجود و على سبيل البدل، أو بنحو الطبيعة السارية. و السريان إمّا أن يكون بنحو العموم الاستغراقي أو المجموعي. فهذه أقسام ستة.

283

..........

____________

أمّا القسم الأوّل: أعني ما إذا لم يكن للمتعلّق متعلّق، و كان التكليف إيجابياً كوجوب الذكر أو الدعاء أو التكلّم بالعربية مثلًا، و شكّ في انطباق ذلك على الوجود الخارجي كأن شكّ أنّ ما تفوّه به مصداق للذكر أو الدعاء أو الكلام العربي أو لا، فلا ريب أنّ المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال، لفعليّة التكليف و تنجّزه و القدرة على امتثاله، و لا بد في الخروج عن عهدة التكليف الواصل من الاعتماد على اليقين، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، فلا يجوز في نظر العقل الاقتصار على الفرد المشكوك. هذا فيما إذا كان المطلوب بنحو صرف الوجود كما هو الغالب في مثل هذا القسم، بل لا يكاد يوجد في الأحكام الشرعية على غير هذا النحو.

و أمّا إذا فرضنا أنّ المطلوب هي الطبيعة السارية بنحو العموم الاستغراقي أو المجموعي و إن كان ذلك مجرد فرض لا مصداق له خارجاً إلا بمثل نذر و شبهه، كأن ينذر أن يقرأ في يوم الجمعة مثلًا كل ما كان مصداقاً للدعاء و شكّ في انطباق الطبيعة على الموجود الخارجي زائداً على المقدار المعلوم من أفرادها فحينئذ اندرج المقام في باب الدوران بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين على الأوّل أعني ما كان من قبيل العموم الاستغراقي و الارتباطيين على الثاني. و الأوّل مجرى لأصالة البراءة بلا إشكال، و كذلك الثاني على المختار، بل المشهور حسبما هو موضح في الأُصول (1)، للشك في تعلّق التكليف زائداً على الأفراد المعلومة، أو في جزئيّة شي‌ء زائداً على الأجزاء المتيقّنة، و مقتضى الأصل البراءة عنها.

و منه تعرف أنّ ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) (2) من الرجوع إلى أصالة الاشتغال لدى الشك في الانطباق على سبيل الإطلاق لا يمكن المساعدة عليه، بل الصواب اختصاصه بما كان على نحو صرف الوجود، و لا يشمل ما‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 426.

(2) كتاب الصلاة 1: 180، 184، 187.

284

..........

____________

لوحظ على سبيل الطبيعة السارية و إن كان الفرض في نفسه نادراً كما عرفت.

و أمّا القسم الثاني: و هو نفس الفرض مع كون التكليف تحريمياً كالنهي عن الكذب، أو عن الذكر حال الجنابة أو الحيض، فالمرجع لدى الشك في الانطباق هو أصالة البراءة، على العكس من القسم الأول، لوضوح افتراق النهي عن الأمر في انبعاثه عن مفسدة متحقّقة في الطبيعة و لا بدّ في الاجتناب عنها من الارتداع عن تمام الأفراد على سبيل الشمول و الاستيعاب، إمّا بنحو العموم الاستغراقي كما هو الغالب أو المجموعي، فلا يتحقق الامتثال بالاجتناب عنها بنحو صرف الوجود على خلاف الأمر، حيث إنّه لما كان ناشئاً عن مصلحة قائمة بالطبيعة فلا جرم يتحقق امتثالها بأوّل فرد تنطبق الطبيعة عليه.

و عليه فلا مناص من انحلاله إلى نواهي عديدة، إمّا استقلالية لو كان السريان على سبيل العموم الاستغراقي، أو ضمنية لو كان بنحو العموم المجموعي فيما لو كان هناك مفسدة واحدة قائمة بالمجموع فيرجع في الفرد أو الجزء المشكوك إلى أصالة البراءة في الأول بلا إشكال، و في الثاني على المختار حسبما تقدم.

و قد يتوهّم أنّ مقتضى ذلك جواز الإخبار عمّا يشك في كونه مصداقاً للكذب، نظراً إلى الشكّ في تعلق النهي به زائداً على الأفراد المتيقنة فيرجع إلى أصالة البراءة.

و لكنه كما ترى، أمّا أوّلًا: فللعلم الإجمالي بحرمة الإخبار به أو بنقيضه، لأن أحدهما مصداق للكذب يقيناً، فلا بدّ من التجنب و التثبت رعاية لتنجّز العلم الإجمالي.

و أمّا ثانياً: فللأدلّة الخاصة الناهية عن القول بغير علم من الكتاب و السنّة كقوله تعالى آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ (1) و قوله (عليه السلام):

____________

(1) يونس 10: 59.

285

..........

____________

«رجل قضى بالحق و هو لا يعلم» (1) و قوله تعالى وَ تَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِكُمْ مٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ .. إلخ (2) و الأخير مطلق يشمل الأحكام الشرعية و غيرها.

و بالجملة: فلا يقاس الإخبار بغيرها من المحرمات المشكوكة، لوجود الدليل الحاكم على أصالة البراءة، و لولاه لكانت هي المرجع، لعدم قصور في شمولها للمقام كغيره من سائر الموارد.

هذا كلّه مع الشك في الانطباق، و أمّا مع العلم به و الشك في الامتثال فلا شبهة في أنّ المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال، فلو علمنا أنّ فرداً مصداق للذكر الواجب أو الكذب المحرم تعيّن إحراز امتثاله بفعل الأول و ترك الثاني.

و مثله ما لو شككنا في خروج المني بالملاعبة ليصدق عليه الاستمناء المحرّم، فان انطباق العنوان لدى الخروج لمّا كان محرزاً لزم الاجتناب عن الاقتحام، للشك معه في تحقق الامتثال اللازم إحرازه بحكم العقل، فلا تجوز الملاعبة المزبورة، نعم في هذا المثال للمتعلّق متعلّق فيخرج عن محل الكلام.

و المثال المنطبق على المقام ما لو حرم عليه النوم، و احتمل أنّ الاضطجاع يستوجب غلبة النوم فإنّه يحرم عليه.

و بالجملة: ففي أمثال هذه الموارد لا بدّ من إحراز ترك المنهي عنه بمقتضى قاعدة الاشتغال، إلا أن يكون هناك أصل موضوعي حاكم يحرز معه الامتثال كأصالة عدم تحقق النوم بالضجعة، أو عدم خروج المني باللعبة بناءً على ما هو الأصح من جريان الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية كالحالية بعد وضوح عدم الفرق في إحراز الامتثال بين ما كان بعلم وجداني أو تعبّدي متحصّل من أمارة أو أصل عملي كما في المقام.

ثم إنّ الشبهة الوجوبية و إن شاركت التحريمية في الرجوع إلى أصالة البراءة‌

____________

(1) الوسائل 27: 22/ أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6.

(2) النور 24: 15.

286

..........

____________

فيما لو كان العموم مجموعياً حسبما عرفت إلا أنّهما يفترقان في مورد إعمال هذا الأصل.

ففي الوجوبية لو أمر المولى بإكرام جماعة من العلماء مثلًا بطلب واحد متعلق بالمجموع منبعث عن مصلحة واحدة قائمة بهذه الهيئة، و شككنا في شمولها لزيد العالم و عدمه فاللازم حينئذ إكرام من عداه، لأنّه المتيقّن من الجعل المردد بين كونه بالإضافة إلى زيد لا بشرط أو بشرط شي‌ء، و يرجع في جزئيته لهذا المجموع و اشتراط الواجب بانضمامه إليهم إلى أصالة البراءة، كما هو الشأن في سائر موارد الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، فيكون مورد الأصل هو ذاك الفرد المشكوك.

و أمّا في الشبهة التحريمية مثل ما لو ورد النهي عن مجالسة الأشرار بنهي واحد متعلق بهم أجمع، و شككنا في كون زيد منهم فالأمر حينئذ بالعكس، فلا تحرم مجالسة من عداه، كما لا تحرم مجالسته وحده، للشك في تعلّق النهي بشي‌ء منهما منعزلًا عن الآخر، و إنّما المتيقن من مورد النهي مجالستهم بأجمعهم فإنّه المعلوم حرمته، فيرجع في غير هذه الصورة إلى أصالة البراءة، إلا إذا فرضنا رجوع التكليف التحريمي إلى الوجوبي، بأن لم تكن ثمة مفسدة كامنة في مجموع الأفعال، بل مصلحة قائمة بمجموع التروك، فإنّه يجري حينئذ ما عرفته في الشبهة الوجوبية من لزوم الامتثال في الأفراد المتيقنة من التروك، و الرجوع فيما عداها إلى أصالة البراءة، فلا تجوز في المثال مجالسة من علم كونه من الأشرار و تجوز في الفرد المشكوك، هذا في الشبهة الموضوعية.

و كذلك الحال في الشبهة الحكمية كما لو بنينا على حرمة تصوير ذوات الأرواح و شككنا في اختصاصه بالبدن الكامل، أو شموله للناقص، بعد وضوح أنّ الحرمة لو ثبتت للكلّ فهي حرمة واحدة، لا أنّ لكل عضو حرمة مستقلّة مغايرة للعضو الآخر، فانّ المرجع حينئذ أصالة البراءة عن حرمة تصوير البعض، إذ لا علم لنا بها إلا لدى تصوير تمام الأجزاء بالأسر.

287

..........

____________

و أما القسم الثالث: و هو ما إذا كان للمتعلّق متعلّق يعبّر عنه بالموضوع و كان جزئياً شخصياً كالقبلة في وجوب الصلاة إليها، أو حرمة استقبالها أو استدبارها لدى التخلّي، و كعرفات في حرمة الإفاضة عنها قبل الغروب من يوم عرفة، فمع الشك في الانطباق إن كان الحكم إيجابياً و على سبيل صرف الوجود كالصلاة إلى القبلة لا بدّ فيه من الإحراز بقاعدة الاشتغال، و إن كان انحلالياً جمعاً أو جميعاً وجوباً أو تحريماً فالمرجع أصالة البراءة، إلا أن يكون ثمّة أصل موضوعي حاكم كأصالة بقاء النهار في مثال الإفاضة، أو علم إجمالي غير دائر بين الأقل و الأكثر كما في مثال التخلّي عند اشتباه القبلة، حيث يعلم إجمالًا بوجودها في أحد الأطراف، فإنّ اللازم حينئذ هو الاحتياط أيضاً كما اتضح مما تقدم.

و أمّا القسم الرابع: و هو ما لو كان للمتعلّق متعلّق كلّي ملحوظ على سبيل صرف الوجود فلا مصداق لهذه الكبرى في التكليف التحريمي، لوضوح أنّ المفسدة لما كانت قائمة بالطبيعة فلا جرم تسري إلى جميع أفرادها أو مجموعها و لا يعقل قيامها بفرد ما كما لا يخفى.

و إنّما يتّجه ذلك في التكليف الوجوبي كما في أمر المولى بإكرام العالم في قوله: أكرم عالماً، حيث يكون وجود طبيعي الموضوع في الجملة موجباً لحدوث مصلحة في الفعل المتعلّق به، و هو الإكرام في المثال، من غير فرق بين تعدد وجود الموضوع خارجاً و وحدته، إلا من حيث التوسعة على المكلف في مقام الامتثال و ضيقه.

و عليه فيتوقف وجوب الامتثال على وجود العالم خارجاً قلّ عدده أم كثر فلو شكّ بعد العلم بوجوده في تحقق الإكرام كان المرجع قاعدة الاشتغال.

أمّا لو شك في أصل الوجود لأجل الشك في انطباقه على فرد فحيث إنّه مشروط بوجوده اشتراط الحكم بوجود موضوعه، و الشك في الشرط شك في المشروط، فلا جرم يشك في تعلّق التكليف فيرجع إلى أصالة البراءة، و لا يجب الفحص عنه كما هو ظاهر.

288

..........

____________

و هذا بحسب الكبرى مسلّم لا غبار عليه، و إنّما الإشكال في انطباقها على الشك في وجود الماء للوضوء، حيث إنّ الماء بنحو صرف الوجود موضوع لوجوب التوضي به، فلا وجوب بدونه، و حينئذ فمع العلم بوجوده لا يجوز التوضي بمائع يشك في مائيته، لقاعدة الاشتغال كما هو واضح.

و أمّا مع الشك في أصل الوجود فقد ذهب المحقق النائيني (قدس سره) (1) إلى أصالة البراءة عن وجوب الوضوء، للشك في وجود موضوعه، تعويلًا على الكبرى المزبورة و تطبيقاً لها على المثال، و من ثمّ جعل النصّ الوارد في المقام المتضمن لوجوب الفحص غلوة سهم أو سهمين (2) حكماً تعبدياً مخالفاً لمقتضى القاعدة.

و لكنّه كما ترى، إذ لا يثبت بالأصل المزبور كون المكلّف فاقدا للماء لينتقل إلى التيمم، بداهة أنّ وجدان الماء كما أنّه شرط لوجوب الوضوء فكذلك فقدانه شرط لوجوب التيمم، فكيف تجري البراءة عن أحدهما لإثبات الآخر، بل هو يعلم إجمالًا بأحد التكليفين و لزوم تحصيل إحدى الطهارتين. و مقتضى العلم الإجمالي الفحص حتى يحصل اليأس و يحرز العجز، أو يرتفع وجوبه بدليل نفي الضرر أو الحرج لينتقل إلى التيمم.

و منه تعرف أنّ النصّ المزبور موافق للقاعدة من حيث أصل الفحص، و إن كان مخالفاً لها من حيث التحديد بالغلوة و الغلوتين، و أنّه لولاه لزم الفحص إلى أن يحصل العجز حسبما عرفت.

و أمّا القسم الخامس: و هو الذي يكون الموضوع فيه ملحوظاً على سبيل السريان و الاستغراق، بأن يكون لكلّ فرد من أفراد الطبيعة حكم مستقل وجوبي أو تحريمي مغاير للفرد الآخر، كما في قولنا: أكرم كلّ عالم، أو لا تشرب الخمر، حيث لوحظ كلّ فرد من العالم أو من الخمر موضوعاً مستقلا لحكم‌

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 226، 227.

(2) الوسائل 3: 341/ أبواب التيمم ب 1 ح 2.

289

..........

____________

منعزل عن الآخر و إن أُنشئ الكلّ بلسان واحد، فحينئذ لو شككنا في فرديّة فرد للطبيعة و انطباقها عليه فلا شبهة أنّ المرجع أصالة البراءة، و ذلك لما تكرّر غير مرة من إناطة فعليّة التكليف و تنجّزه بوصوله كبرى و صغرى، فلا يكفي مجرد وصول الكبرى ما لم يحرز انطباقها على الصغرى. فالشك في الانطباق مساوق للشك في تعلّق التكليف.

و بعبارة اخرى: لا بدّ من انطباق عنوان متعلّق التكليف و تحققه في مرتبة سابقة على الحكم به. إذن فالشك في عالميّة زيد مثلًا شك في مصداقية إكرامه (1) لطبيعي إكرام العالم، و معه يشك طبعاً في تعلّق الوجوب فيرجع إلى أصالة البراءة، هذا.

و لكنّ المحقق النائيني (قدس سره) (2) علّل جريان البراءة بوجه آخر، و هو ما أشار إليه في غير مورد من اشتراط فعليّة التكليف بوجود موضوعه خارجاً على ما هو الشأن في كافة القضايا الحقيقية، فإنّ مرجع قولنا مثلًا لا تشرب الخمر، إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع و تاليها ثبوت الحرمة له، فكأنّه قيل: إذا وجد شي‌ء في الخارج و صدق عليه الخمر فلا تشربه.

و عليه فالشك في وجود الموضوع شك في وجود شرط فعليّة التكليف، و بما أنّ الشك في الشرط شك في المشروط فهو مساوق للشك في أصل التكليف فيرجع إلى البراءة.

و ما أفاده (قدس سره) و إن كان وجيهاً في الجملة، و لكنّه لا يستقيم على إطلاقه، و توضيحه: أنّ متعلّق المتعلّق الذي نعبّر عنه بالموضوع تارة يكون خارجاً عن اختيار المكلف كالزوال بالنسبة إلى صلاة النهار، و الهلال بالإضافة إلى صيام رمضان، و هكذا، و في مثله لا مناص من أخذ الموضوع مفروض الوجود، لامتناع تعلق التكليف بإيجاده أو إعدامه بعد خروجه عن حيّز‌

____________

(1) [الموجود في الأصل: مصداقيته. و لعل الصحيح ما أثبتناه].

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 197 198.

290

..........

____________

الاختيار، و إنّما المعقول توجيه الطلب نحو العمل على تقدير وجوده، فلا جرم يكون شرطاً في تعلّق الحكم، فاذا شك في وجوده فقد شك في أصل التكليف المشروط به، فتجري البراءة عنه، و هذا واضح.

و أُخرى يكون تحت اختياره كالعقد المأخوذ موضوعاً لوجوب الوفاء به و الخمر المجعول موضوعاً لحرمة شربه، و هذا على قسمين:

إذ تارة يكون ذلك الفعل الاختياري دخيلًا في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة أو ذا مفسدة بحيث لولاه لم يكن مقتض للصلاح و لا للفساد، و نظيره في التكوينيات العطش بالنسبة إلى شرب الماء، أو المرض بالنسبة إلى شرب الدواء أو استعمال الحامض، فإنّه لولا العطش لم يكن أي مقتضٍ لشرب الماء كما أنّه لولا المرض لم تكن مصلحة في شرب الدواء و لا مفسدة في تناول الحامض. و في التشريعيات العقود على الإطلاق بالنسبة إلى وجوب الوفاء و التزويج بالنسبة إلى وجوب الإنفاق، و السفر بالنسبة إلى القصر، و الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، و هكذا.

و تارة اخرى يكون دخيلًا في تحقق المصلحة و المفسدة لا في الاتصاف بهما نظير اشتراط شرب الدواء بوقوعه بعد الأكل، حيث يكون ذلك شرطاً في تأثير المصلحة و تحققها بعد ثبوت أصل الاتصاف.

أمّا القسم الأوّل: فهو ملحق بالقسم السابق في لزوم كونه مفروض الوجود لدى تعلّق الحكم، من غير أن يتوجّه طلب إليه بوجه، فلا يلزم إيقاع العقد و لا التزويج و لا السفر و لا تحصيل الاستطاعة، و إنّما المصلحة في ترتيب الآثار على تقدير تحقق هذه الأُمور، من غير أيّ مقتضٍ للبعث نحوها. إذن فمع الشك في تحققها يرجع إلى أصالة البراءة عن ترتيب آثارها، كما كان كذلك في القسم السابق.

و أمّا القسم الثاني: فلم يؤخذ الموضوع هنا مفروض الوجود، إذ لا مقتضي له بعد عدم الدخل في الاتصاف بالصلاح أو الفساد، و بذلك يفترق هذا القسم‌

291

..........

____________

عن القسمين المتقدمين.

و حينئذ فان كان التكليف وجوبياً كالصلاة المقيّدة بالساتر فكما أنّ المولى يأمر بإيجاد الفعل ينبغي له أن يأمر بإيجاد موضوعه أيضاً بمناط واحد، و هو الدخل في تحصيل المصلحة، فكما أنّ وجودها في الصلاة يدعوه للأمر بها فكذلك تأثير الساتر في تحقيقها يدعوه للأمر به أيضاً بتوجيه الأمر إلى القيد و المقيّد، فيجب على المكلّف تحصيله و لو بالنسج بعد كونه قادراً على إيجاد الواجب بذاته و قيده كما هو المفروض.

و إن كان تحريمياً و المفروض دخل الموضوع في فعليّة المفسدة و تحققها لا في اتصاف الفعل بها فلا محالة يكون النهي فعلياً حتى قبل وجود الموضوع و يكون امتثاله إمّا بعدم إيجاده في الخارج أو بعدم استعماله على تقدير الإيجاد فانّ مفسدة شرب الخمر مثلًا لا تتوقف على وجوده خارجاً، بل هو متّصف بها قبل الوجود أيضاً، و منهيّ عنه باعتبار القدرة على شربه بالقدرة على مقدمته و هي صنعه.

و من ثمّ لو علم المكلّف من حاله أنّه لو صنعه لغاية من الغايات لشربه حرم عليه صنعه، لا لأجل الدليل الخاص، بل لنفس دليل حرمة الشرب، لما عرفت من فعليّة النهي. فلا تكون فعلية الحكم في هذا القسم منوطاً بفعلية الموضوع.

و بالجملة: اشتمال شرب الخمر على المفسدة الفعلية المستتبعة للنهي الفعلي يستوجب الانزجار عنه من غير إناطة بوجود الموضوع، و هو يحصل بأحد النحوين، إمّا بعدم صنعة أو بعدم شربه بعد صنعه كما عرفت، فلا مانع من فعليّة الحكم قبل وجود الموضوع في هذا القسم، و بذلك يفصل بينه و بين القسمين السابقين. إذن فلا يستقيم ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) على إطلاقه.

فتحصّل: أنّ الكبرى التي أفادها (قدس سره) من أنّ الشك في وجود الموضوع يرجع إلى الشك في تحقق شرط التكليف، و من ثمّ يرجع إلى البراءة لا‌

292

..........

____________

أساس لها بنطاقها العام، بل ينبغي التفصيل على النهج الذي سبق من اختصاصها بموضوع دخيل في اتصاف الفعل بالمصلحة أو المفسدة، و لا تعمّ ما يكون من مبادئ تحقق ما هو متصف بأحدهما حسبما عرفت، و أنّ الوجه الصحيح للرجوع إلى البراءة هو ما ذكرناه فلاحظ.

و أمّا القسم السادس: و هو ما إذا كان العموم المفروض في جانب الموضوع مجموعياً، فقد ظهر مما سبق أنّه لدى الشك في الانطباق يندرج المقام في كبرى الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، للشك في جزئية الفرد المشكوك للمأمور به أو للمنهي عنه، و حينئذ فان كان التكليف إيجابياً يقتصر على الأفراد المتيقّن دخلها في المجموع، و يرجع في الفرد المشكوك إلى أصالة البراءة.

و إن كان تحريمياً فلا جزم بالحرمة إلا لدى اجتماع تمام ما يحتمل دخله في الهيئة الاجتماعية، فيرجع فيما عدا الفرد المشكوك فضلًا عنه بنفسه منعزلًا عن غيره إلى أصالة البراءة، للشك في ثبوت النهي في كلّ من الصورتين، إلا إذا رجع النهي المزبور إلى الأمر بالتروك، بحيث كان التكليف منبعثاً عن مصلحة في اجتماع التروك، لا عن مفسدة في انضمام الأفعال، فإنّه يجري حينئذ ما عرفته في التكليف الإيجابي من الاقتصار على المقدار المتيقّن من التروك و يرجع فيما عداه إلى أصالة البراءة.

ثم إنّ الأقسام الستة المزبورة للشبهات الموضوعية كما أنّها تجري في الأحكام النفسية تجري في الأحكام الضمنية أيضاً بمناط واحد، فاذا شك في جزء أو شرط مأخوذ على سبيل صرف الوجود لا بدّ من إحرازه بقاعدة الاشتغال، و إذا كان ملحوظاً على سبيل العموم الاستغراقي أو المجموعي في الحكم الوجوبي أو التحريمي كان من الأقل و الأكثر الاستقلالي أو الارتباطي و معه لا بدّ من إحراز انطباق المتعلّق في الحكم بفعلية (1) التكليف، و مع الشك فيه يرجع إلى أصالة البراءة حسب التفصيل الذي عرفت، فلاحظ و لا نعيد.

____________

(1) [لعل المناسب: بتنجز].

293

..........

____________

إذا عرفت هذه الأُمور فنقول: لا شبهة أنّ الموضوع في مسألتنا هذه لم يكن شخصياً، و إنّما هو كلّي، و هو عدم كون اللباس من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، كما لا شبهة في عدم كونه ملحوظاً على سبيل صرف الوجود، لعدم تصوّره في الأحكام التحريمية كما عرفت، فيدور الأمر بين كونه ملحوظاً على سبيل الانحلال و الاستغراق أو على سبيل العموم المجموعي لتمام الأفراد، و حيث لا يحتمل الثاني في المقام، إذ مضافاً إلى امتناع إحصائها تبطل الصلاة في بعضها بالضرورة، فلا جرم يتعيّن الأوّل، فلكلّ فرد من أفراد ما لا يؤكل نهي يخصه. إذن فكلّ ما أُحرز فيه الصدق و أنّه مما لا يؤكل فهو منهيّ عنه، و كلّ ما شك في الصدق فقد شك في تعلّق النهي به فيرجع إلى أصالة البراءة حسبما سبق.

هذا إذا أُخذ بظاهر النهي و قلنا بأنّ المستفاد منه الزجر عن لبس ما لا يؤكل، و أمّا لو أنكرنا ذلك، نظراً إلى أنّه لا مقتضي للزجر الحقيقي و النهي المولوي، إذ لا يحتمل أن تكون الصلاة فيما لا يؤكل ذات مفسدة في نفسها تستتبع التحريم النفسي إلا بعنوان التشريع و هو أمر آخر خارج عن نطاق البحث، و ما نحن بصدده فلا جرم يكون النهي في أمثال هذه المقامات من المركّبات الاعتبارية إرشاداً إلى الفساد و المانعية، كما أنّ الأمر إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية.

و نتيجة ذلك تقيّد الصلاة بعدم الوقوع في شي‌ء من أفراد ما لا يؤكل فكانت مقيّدة بهذه الأعدام الخاصة، كما أنّها مقيّدة بوجودات كذلك، و الكلّ متعلّق للتكليف الغيري الضمني، إذن فكلّ فرد أُحرز أنّه مما لا يؤكل فقد علمنا بتقيّد الصلاة بعدم الوقوع فيه، و كلّ ما شك فيه فقد شك في تقييد زائد مدفوع بأصالة البراءة على ما هو الشأن من الرجوع إليها في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و لكن هذا كلّه مبني على ما هو الصواب من اعتبار نفس هذه الإعدام في الصلاة، أعني القول بالمانعية.

294

..........

____________

و أمّا بناء على القول بأنّ المعتبر هو عنوان وجودي ملازم لعدم لبس ما لا يؤكل أو منتزع منه، و أنّ النهي إرشاد إلى اعتبار ذلك العنوان كما يقتضيه القول بالشرطية، فالمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال، للشك في حصول ذاك العنوان المنوط به الامتثال، و الأصل عدمه. و إن شئت فقل: يندرج المقام حينئذ في كبرى الشك في المحصّل التي هي مورد لقاعدة الاشتغال بلا إشكال.

و لكنّك عرفت ضعف المبنى عند التكلم حول موثقة ابن بكير (1) و أنّه لا يستفاد منها و لا من غيرها من نصوص الباب ما عدا المانعية دون الشرطية، فلاحظ و لا نعيد، هذا.

و مما يؤكد القول بالمانعية تسالم الأصحاب على أنّ من اضطر إلى لبس ما لا يؤكل أو الحرير أو النجس و ما شاكلها مما ورد النهي عنه في الصلاة لا يجوز له الاقتحام إلا بمقدار الاضطرار، فلا يسوغ له لبس الأكثر من القدر المضطر إليه، و هذا خير دليل على أنّ مورد الاعتبار الشرعي هو نفس هذه الأعدام، فيرتفع الاعتبار بمقدار الاضطرار بعد فرض الانحلال، فانّ الضرورات تقدّر بقدرها.

و هذا بخلاف ما إذا كان مورد الاعتبار هو العنوان الوجودي الملازم لهذه الأعدام، إذ هو عنوان بسيط ملازم لجميع تلك الأعدام لا لبعضها، فاذا سقط عن الشرطية بالاضطرار امتنع تحصيله، و معه لا مقتضي للاقتصار على مورد الاضطرار، إذ لا يتفاوت الحال بينه و بين ما لو زاد عليه في مناط الحكم. فكيف ينسجم ذلك مع فتوى المشهور بلزوم الاقتصار حسبما عرفت.

إلا أن يقال: إنّ العنوان الوجودي ملازم للإعدام الممكنة و للأفراد التي يجب تركها و هي المقدورة منها، فان كانت بأجمعها مقدورة كان ملازماً لها أجمع و إن تعذّر بعضها لاضطرار و نحوه كان ملازماً للبعض الآخر المقدور، فيجب تركه تحصيلًا للعنوان الملازم له.

____________

(1) في ص 218.

295

..........

____________

أو يقال: إنّ العنوان المزبور له مراتب بعضها عالية و يحصل بترك الجميع و بعضها دانية يحصل بترك البعض، فيتنزّل عند تعذّر العالية إلى المرتبة النازلة كما في الطهارة المائية و الترابية.

و لكنّك خبير بأنّ هذا كلّه فرض في فرض و مجرد دعاوي فارغة غير بينة و لا مبينة، فإنّ أصل اعتبار العنوان الوجودي لا دليل عليه، و على تقديره لا دليل على كونه بأحد النحوين، بل الصحيح الذي يساعده الدليل هو اعتبار الإعدام في أنفسها و على سبيل المانعية، فيرجع فيما يشك في تقيّد الصلاة بعدمه إلى أصالة البراءة حسبما عرفته مستوفى، من غير فرق بين الساتر و المحمول و بين ما كان مع المصلّي في مفتتح صلاته و غيره، و بين ما علم اتخاذه من الحيوان و بين ما احتمل أخذه من غيره كالقطن أو الاسفنج، لاتحاد المناط في الجميع.

و أمّا ما ذكره العلامة (1) من اعتبار الوقوع فيما أحلّ اللّٰه أكله لا عدم الوقوع في غير المأكول، استناداً إلى استفادة الشرطية من قوله (عليه السلام) في ذيل موثقة ابن بكير: «لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّى في غيره مما أحلّ اللّٰه أكله ..» إلخ (2) و معه لا مجال للبراءة في إثبات ما علم تعلّق التكليف به، بل لا بدّ من إحراز الامتثال بقاعدة الاشتغال.

فقد سبق التعرّض لجوابه (3) و عرفت أنّ المشار إليه في قوله: «تلك الصلاة ...» إلخ ليس هو شخصها، لامتناع تصحيحها بعد وقوعها في غير المأكول، بل كلّي الصلاة التي تقع في أجزاء الحيوان، و حيث إنّ له قسمين غير مأكول و مأكولًا و قد حكم في الصدر بالبطلان في القسم الأول الذي استفيد منه المانعية، فلا جرم تكون الصحة منوطة بالوقوع في القسم الثاني، فالذيل بيان لمفهوم الصدر، و لا يتكفّل حكماً آخر ليدلّ على الشرطية.

____________

(1) المنتهي 4: 236.

(2) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

(3) في ص 221.

296

..........

____________

بل قد عرفت فيما سبق (1) إمكان التصحيح حتى على القول بالشرطية استناداً إلى الأصل الموضوعي الحاكم على أصالة الاشتغال، و هو استصحاب عدم تعلّق الحرمة بالحيوان المتخذ منه هذا اللباس بعد ما عرفت من تدريجية التشريع.

و لكنّه يختص بما إذا علم الاتخاذ من الحيوان، لا ما تردد بين الأخذ من غير المأكول أو من غير الحيوان كالقطن، إذ لا أثر للأصل المزبور حينئذ كما لا يخفى.

و قد تحصّل من جميع ما قدمناه: أنّه بناءً على القول بالشرطية فالمرجع قاعدة الاشتغال إلا مع وجود الأصل الموضوعي الحاكم.

و أمّا بناءً على القول بالمانعية كما هو الصحيح و عليه المشهور فالأقوى جواز الصلاة في اللباس المشكوك، أولًا لأجل التمسك باستصحاب العدم الأزلي.

و مع الغض عنه فالتمسك باستصحاب العدم النعتي، إمّا مطلقاً بناءً على أنّ مركز الاعتبار هو المصلي كما هو المختار، أو في خصوص ما إذا لبسه في الأثناء لو كان المركز هو الصلاة.

و مع الغض عنه أيضاً فالتمسك بأصالة البراءة، من غير فرق بين جميع الصور كما تقدّم تفصيله بنطاق واسع.

هذا تمام الكلام في مسألة جواز الصلاة في اللباس المشكوك، و الحمد للّٰه ربّ العالمين.

____________

(1) في الوجه الرابع ص 245.

297

[مسألة 19: إذا صلّى في غير المأكول جاهلًا أو ناسياً فالأقوى صحة صلاته]

[1287] مسألة 19: إذا صلّى في غير المأكول جاهلًا أو ناسياً فالأقوى صحة صلاته (1).

____________

(1) إذا بنينا على جواز الصلاة في اللباس المشكوك فيه فلا ريب أنّ هذا الجواز حكم ظاهري مقرّر في ظرف الجهل بالموضوع، فلو صلّى فيه استناداً إلى دليل الجواز فانكشف الخلاف بعدئذ، أو صلّى غافلًا أو ناسياً أو معتقداً بعدم كونه من غير المأكول ثم انكشف الخلاف، فالمشهور المعروف حينئذ التفصيل بين صورتي الجهل و النسيان فيحكم بالصحة في فرض الجهل مطلقاً بسيطاً كان أم مركّباً، و بالبطلان في فرض النسيان. و اختار السيد الماتن (قدس سره) الصحة في كلتا الصورتين.

و قد وجّه التفصيل شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1) بعد اختياره بما حاصله بتوضيح منّا: أنّ الحكم بالصحة في صورة الجهل مستند إلى النصّ الخاص و هي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال (عليه السلام): إن كان لم يعلم فلا يعيد» (2). فيظهر منها أنّ المانعية ذكرية لا واقعية.

و أمّا البطلان عند النسيان فلقوله (عليه السلام) في موثق ابن بكير: «لا يقبل اللّٰه تلك الصلاة حتى يصليها في غيره مما أحلّ اللّٰه أكله» (3) فانّ هذه الفقرة ظاهرة في التأسيس، و ناظرة إلى الجعل الثانوي بالإضافة إلى مرحلة الامتثال و ليست تأكيداً للفقرة السابقة أعني قوله (عليه السلام): «فالصلاة في وبره‌

____________

(1) في كتاب الصلاة 1: 168 169.

(2) الوسائل 3: 475/ أبواب النجاسات ب 40 ح 5.

(3) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

298

..........

____________

و شعره إلى قوله: و كلّ شي‌ء منه فاسدة» المتكفّلة لبيان المانعية بحسب الجعل الأوّلى، فإنّ الحمل على التأكيد على خلاف الأصل. فالمتحصّل من مجموع الموثقة حكمان تأسيسيان:

أحدهما: جعل المانعية لما لا يؤكل بحسب أصل الشرع و بالعنوان الأوّلي و قد دلّت على ذلك الفقرة السابقة.

الثاني: أنّه لو صلّى فيما لا يؤكل لجهة من الجهات من غفلة أو جهل أو نسيان فإنّه لا يجتزئ بتلك الصلاة حتى يصلّيها في غيره مما أحلّ اللّٰه أكله. و هذا هو المستفاد من الفقرة اللاحقة أعني قوله (عليه السلام): «لا يقبل اللّٰه تلك الصلاة ...» إلخ التي هي في قوة الأمر بالإعادة.

و عليه فتقع المعارضة بين الموثقة في هذه الفقرة و بين حديث لا تعاد بالعموم من وجه، لأعميّة الأُولى بالنسبة إلى صورتي الجهل و النسيان و اختصاصها بما إذا كان الخلل من حيث الوقوع فيما لا يؤكل، كما أنّ الحديث عام بالإضافة إلى هذا الخلل و غيره و خاص بالنسيان لعدم شموله للجاهل بناءً على مختاره (قدس سره) من الاختصاص بالناسي و مورد المعارضة هي الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل نسياناً، فتجب الإعادة بمقتضى الموثّق، و لا تجب بمقتضى الحديث.

إلا أنّ صورة الجهل خارجة عن الموثّق بمقتضى صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة النافية للإعادة فيما لو صلّى و هو لا يعلم، فيختصّ الموثّق بالناسي فتنقلب النسبة حينئذ بينه و بين الحديث إلى العموم و الخصوص المطلق، إذ الموثّق يكون حينئذ أخصّ من الحديث كما لا يخفى، فيخصّص الحديث به و نتيجة ذلك الحكم بالبطلان و وجوب الإعادة في صورة النسيان. فاتّجه التفصيل حينئذ في المقام بين الجهل و النسيان، فيحكم بالصحة في الأوّل لصحيحة عبد الرحمن، و بالبطلان في الثاني للموثق كما عليه المشهور.

أقول: الذي ينبغي أن يقال في المقام: أمّا بالنظر إلى الصحيحة فهي غير شاملة لجميع فروض الجهل، فانّ موردها عذرة الإنسان أو السنّور أو الكلب‌

299

..........

____________

فيحكم بالعفو عنها من حيث النجاسة و من حيث كونها جزءاً لما لا يؤكل و بالأولوية القطعية يتعدّى إلى غيرها من سائر أجزاء ما لا يؤكل الطاهرة كشعر السنّور مثلًا. و أمّا التعدّي إلى غيرها من سائر الأجزاء النجسة كالمني و البول و الدم فهو قياس محض بعد فقد الأولوية كما لا يخفى.

على أنّ موردها المحمول، فالتعدّي إلى الملبوس قياس قطعاً، مضافاً إلى أنّ موردها الثلاثة فكيف يتعدّى إلى غيرها من سائر الحيوانات. و من الواضح أنّ اللازم في الحكم المخالف للقاعدة هو الاقتصار على المقدار المتيقن، دون التعدي إلى غيره مما لم يساعده الدليل. فالصحيحة غير عامة لجميع مصاديق الجهل.

و منه يظهر عدم انقلاب النسبة بين الموثّق و حديث لا تعاد حتى بعد تخصيصه بالصحيحة، لعدم خروج فروض الجهل عن الموثّق بأجمعها كما عرفت.

و أمّا بالنظر إلى الموثّق فان بنينا على ظهور الفقرة الثانية في التأكيد كما هو الصحيح و لا أقل من عدم الظهور في التأسيس، حيث إنّه (عليه السلام) بعد ما حكم بمانعيّة ما لا يؤكل بمقتضى الفقرة السابقة فلازمه عقلًا و عرفاً لزوم الإعادة لو صلّى فيه، و عدم قبوليّة تلك الصلاة إلا بأن يصلّيها ثانياً فيما أحلّه اللّٰه، فلو القي هذا الكلام على العرف لم يفهم منه حكماً جديداً، بل رأى أنّ ذلك من توابع الحكم الأوّل و مستتبعاته و من شؤونه و لوازمه، و التأكيد و إن كان على خلاف الأصل لكنّه في الكلام الذي يكون قابلًا للحمل على التأسيس بحسب الفهم العرفي، بحيث دار الأمر بينهما، دون ما لا يقبل كما في المقام فلا ظهور للفقرة الثانية في إنشاء حكم ثانوي مجعول للمصلّي فيما لا يؤكل ناسياً أو جاهلًا، بل هي ظاهرة في أصل جعل المانعية تأكيداً للفقرة الأُولى كما عرفت.

فعليه لا ريب في حكومة حديث لا تعاد على الموثّق، كغيره من سائر الأدلّة المتكفّلة للأحكام الأوّلية التي هي محكومة بالنسبة إلى الحديث، و حينئذ فتتبع الحكومة مقدار دلالة الحديث سعة و ضيقاً.

300

..........

____________

فان قلنا بشموله للجاهل كالناسي كما هو الصحيح لزم الحكم بصحة الصلاة في كلتا الصورتين كما عليه الماتن (قدس سره) و كانت الصحيحة أعني صحيحة عبد الرحمن المتقدمة مؤكّدة للصحة في الجاهل بالإضافة إلى بعض فروضه كما عرفت، و إلا فمستند الحكم على سبيل الإطلاق إنّما هو الحديث.

و إن قلنا باختصاصه بالناسي اختصت الصحّة به دون الجاهل إلا في بعض فروضه المندرجة تحت الصحيحة المتقدمة كما مرّ. فيفصّل حينئذ بين صورتي الجهل و النسيان، و يحكم بالصحة في الثاني دون الأوّل على عكس التفصيل المنسوب إلى المشهور.

و إن بنينا على ظهور الفقرة الثانية في التأسيس كما عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) و أنّها متعرّضة لبيان حكم جديد، و هو لزوم الإعادة لو صلّى فيما لا يؤكل وقعت المعارضة حينئذ بين الموثّق و حديث لا تعاد بالعموم من وجه، حتى بعد تخصيص الموثّق بالصحيحة المتقدّمة، لا لمجرد اختصاص الصحيحة ببعض فروض الجهل كما أشرنا إليه، بل لو أغضينا النظر عن ذلك و سلمنا شمولها لتلك الفروض و غيرها كانت النسبة أيضاً كذلك.

و الوجه فيه: أنّ الصحيحة خاصة بالشبهات الموضوعية، و لا تعمّ الشبهة الحكمية كما هو ظاهر، فالجاهل بالحكم باق تحت الموثّق حتى بعد تخصيصه بالصحيحة، و هو غير مشمول لحديث لا تعاد، فانّا و إن عممنا الحديث للجاهل لكنّه يختص بما إذا كان الجهل عذراً كالجهل بالموضوع أو بالحكم إذا كان عن قصور، دون الجاهل بالحكم عن تقصير الذي هو الغالب الشائع من مصاديق الجهل، و إلا لزم حمل أدلّة الأحكام الأوّلية كقوله (عليه السلام): من تكلّم أو من أحدث في صلاته فعليه الإعادة، و نحو ذلك على العالم المتعمّد أو الجاهل بالموضوع أو بالحكم عن قصور التي هي أقلّ قليل بالإضافة إلى الجاهل بالحكم عن تقصير، بل هي من الأفراد النادرة كما لا يخفى، فيلزم حمل‌

301

..........

____________

تلك المطلقات على الفرد النادر، و هو بعيد جدّاً، سيما فيما كان مسبوقاً بأسئلة الرواة، و هي كثيرة.

و بالجملة: فالجاهل بالحكم المقصّر مشمول للموثّق دون الحديث.

و عليه فما أفاده الأُستاذ (قدس سره) من انقلاب النسبة بينهما بعد تخصيص الموثّق بالصحيح من العموم من وجه إلى العموم المطلق غير وجيه سواء قلنا بشمول الحديث للجاهل أم خصّصناه بالناسي.

أمّا على الأوّل فلعدم شمول الحديث للجاهل المقصّر كما عرفت، و شمول الموثّق له، لعدم خروجه عنه حتى بعد تخصيصه بالصحيح كما مرّ.

كما أنّ الحديث عام لمطلق الخلل، و الموثّق مخصوص بما لا يؤكل، فمادة الافتراق من الطرفين ظاهرة، و يتعارضان في مادة الاجتماع، أعني الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل نسياناً، فتجب الإعادة بمقتضى الموثّق، و لا تجب بمقتضى الحديث.

و على الثاني فالأمر أظهر، إذ عليه تكون مادة الافتراق من جانب الموثّق أكثر، لعدم شمول الحديث لشي‌ء من مصاديق الجهل على الفرض. و على أي تقدير فتقع المعارضة في مورد الاجتماع الذي عرفته، فلا مجال للتخصيص أي تخصيص الحديث بالموثّق المبني على انقلاب النسبة كما زعمه كي ينتج البطلان في صورة النسيان.

نعم، هذه النتيجة ثابتة، لكن لا لهذا الوجه الذي أفاده (قدس سره) بل لأنه بعد تعارض الدليلين و تساقطهما في مادة الاجتماع يرجع إلى عموم ما دلّ على اعتبار المانعية لما لا يؤكل بحسب الجعل الأوّلي، كنفس الموثقة بلحاظ الفقرة السابقة و غيرها كموثقة سماعة و نحوها من سائر العمومات التي مفادها البطلان لو صلّى فيما لا يؤكل، من دون حاكم عليها، إذ الحاكم ليس إلا الحديث و المفروض ابتلاؤه بالمعارض في صورة النسيان كما عرفت.

و أمّا في صورة الجهل فيحكم بالصحة إمّا للحديث بناءً على شموله للجاهل لعدم ابتلائه بالمعارض حينئذ كما لا يخفى، و إمّا لصحيحة عبد الرحمن بناء على‌

302

[مسألة 20: الظاهر عدم الفرق بين ما يحرم أكله بالأصالة، أو بالعرض]

[1288] مسألة 20: الظاهر عدم الفرق بين ما يحرم أكله بالأصالة، أو بالعرض (1) كالموطوء و الجلال و إن كان لا يخلو عن إشكال.

____________

عدم الشمول له. فيتّجه التفصيل المنسوب إلى المشهور حينئذ.

لكنّك عرفت أنّ الأقوى هي الصحة مطلقاً وفاقاً للمتن، و قد ظهر وجهه من مطاوي ما مرّ فلاحظ.

(1) قد مرّ الكلام حول هذه المسألة (1) عند ما تعرضنا تفصيلًا لمسألة اللباس المشكوك فيه، و استقصينا البحث هناك، و لا بأس بإعادة ما مرّ و الإشارة إليه على سبيل الإجمال بمناسبة تعرّض الماتن (قدس سره) له في المقام فنقول:

عنوان ما حرّم اللّٰه أكله المأخوذ موضوعاً لعدم جواز الصلاة فيه في لسان الأخبار هل هو معرّف و عنوان يشير إلى ذوات الحيوانات كالأسد و الأرنب و الثعلب و نحوها كما عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (2) فكأنّ الموضوع نفس تلك الذوات أُشير إليها بهذا العنوان، و يلزمه عدم شمول الحكم لما حرّم أكله لعارض كالموطوء و شارب لبن الخنزيرة و نحوها، لخروجه حينئذ عن تلك الذوات، أو أنّ هذا العنوان بنفسه موضوع للحكم؟

الظاهر هو الثاني، إذ المعرّفية و المشيرية خلاف المنسبق من ظاهر أخذ الشي‌ء بنفسه موضوعاً للحكم، لا يصار إليها إلا بقرينة مفقودة في المقام.

و على المختار فهل المراد بالمحرّم ما حرّم أكله بالفعل، أو ما كان كذلك في أصل الشرع و إن لم تتم فيه شرائط الفعلية؟

لا ينبغي الإشكال في الثاني، و إلا لانتقض بموارد طرداً و عكساً، كما لو حلّ أكل لحم الأسد مثلًا لاضطرار و نحوه، أو مات الحيوان قبل سنين، فلا موضوع للّحم كي يحرم أكله بالفعل، أو كان خارجاً عن محلّ الابتلاء، فإنّ الحرمة‌

____________

(1) في الجهة السابعة في ص 226.

(2) رسالة الصلاة في المشكوك: 320 فما بعدها.

303

..........

____________

الفعلية مفقودة في جميع ذلك، و مع ذلك لا تجوز الصلاة في الوبر المتخذ منه أو غيره من سائر أجزائه بلا إشكال. و أيضاً ربما يحرم أكل لحم المعز لضرر أو غصب أو صوم أو عدم ورود التذكية عليه لكونه حياً بالفعل أو ميتة، فيحرم الأكل فعلًا و مع ذلك تجوز الصلاة في صوفه بلا إشكال. فيظهر أنّ العبرة بالحلّية و الحرمة الثابتتين في أصل الشرع، و بنحو الشأنية دون الفعلية منهما التي تختلف باختلاف الحالات و الأشخاص، و لا تكون عامّة لجميع الناس.

ثم إنّ مقتضى إطلاق الأدلّة عدم الفرق في هذه الحرمة الثابتة في أصل الشرع بالإضافة إلى عامّة الناس بين ما كانت ذاتية كالأسد و نحوه، و بين ما طرأت لجهة عارضية كالموطوء و شارب لبن الخنزيرة، و الحرمة في كلتا الصورتين ثابتة في أصل الشرع و عامّة لجميع المكلّفين من دون اختصاص بشخص خاص أو حالة مخصوصة، فيصدق على الثاني كالأوّل أنّه مما حرّم اللّٰه أكله في الشريعة المقدسة صدقاً حقيقياً و من دون عناية كما لا يخفى. فلا موجب لاختصاص الحكم بالأوّل، و لا يقاس ذلك بالحرمة الثابتة لبعض الأشخاص أو في بعض الأحوال لجهة عارضية كالأمثلة المتقدّمة آنفاً، للفرق الواضح بين المقامين في الصدق المزبور كما لا يخفى.

و هل المراد بالحرمة ما كانت دائمة أبدية و إن كانت عرضية، بحيث لم توقّت بوقت و لم تقبل للزوال كما في الموطوء و شارب لبن الخنزيرة، حيث إنّ الحرمة فيهما ثابتة أبداً كالمحرّم الذاتي، بل في الشارب تسري إلى النسل أيضاً، أو تعمّ الحرمة الموقتة القابلة للزوال كما في الجلال حيث تزول الحرمة بزوال الجلل باستبراء و نحوه؟ اختار شيخنا الأُستاذ (قدس سره) الأوّل (1) و لم نعرف له وجهاً صحيحاً، بل الأقوى الثاني، لاندراج الكلّ تحت إطلاق الأدلّة بملاك واحد كما لا يخفى.

____________

(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 96.

304

[الخامس: ان لا يكون من الذهب للرجال]

الخامس: ان لا يكون من الذهب للرجال، و لا يجوز لبسه لهم في غير الصلاة أيضاً (1).

____________

و من الغريب حكمه (قدس سره) بنجاسة بول الجلال مع حكمه (قدس سره) في المقام بجواز الصلاة في أجزائه، مع اتحاد الموضوع في المقامين و هو عنوان ما لا يؤكل لقوله (عليه السلام) هناك: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) الذي هو المستند للنجاسة، فإن اختص العنوان بما لا يقبل للزوال فلما ذا يحكم بنجاسة بول الجلال، و إن شمل ما يقبل له فلما ذا يحكم بجواز الصلاة فيه. فلم نعرف وجهاً للتفكيك، لعدم وضوح الفرق بين المقامين.

(1) يقع الكلام في مقامين:

أحدهما: في حرمة لبس الذهب للرجال تكليفاً حال الصلاة و غيرها.

الثاني: في الحرمة الوضعية و بطلان الصلاة الواقعة فيه.

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال كما لا خلاف في الحرمة، بل عليه الإجماع لولا الضرورة.

و يدلّ عليه جملة من النصوص، و أكثرها و إن كانت ضعيفة السند إلا أنّ فيها الموثّق و الصحيح.

فالأوّل: موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «لا يلبس الرجل الذهب، و لا يصلّي فيه، لأنّه من لباس أهل الجنة» (2). التي رواها الشيخ و الصدوق بطريقين معتبرين (3).

و الثاني: صحيحة علي بن جعفر التي رواها صاحب الوسائل عن كتابه و طريقه إلى الكتاب صحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه قال: «هل‌

____________

(1) الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

(2) الوسائل 4: 413/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 4.

(3) التهذيب 2: 372/ 1548، علل الشرائع: 348/ 1.