موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
305

..........

____________

يصلح له أن يتختّم بالذهب؟ قال: لا» (1) فإنّ النهي ظاهر في التحريم.

نعم، لعلي بن جعفر رواية أُخرى بهذا المضمون (2)، لكن في الطريق عبد اللّٰه ابن الحسن و لم تثبت وثاقته.

و بالجملة: فالعمدة في المقام هاتان الروايتان المؤيدتان بغيرهما من سائر الأخبار، و إن ضعفت أسانيدها، و فيهما غنى و كفاية.

و بإزاء هذه الأخبار روايتان ربما يستظهر منهما الجواز:

إحداهما: رواية ابن القداح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) تختّم في يساره بخاتم من ذهب، ثمّ خرج على الناس فطفق ينظرون إليه، فوضع يده اليمنى على خنصره اليسرى حتى رجع إلى البيت فرمى به فما لبسه» (3).

حيث يظهر منها عدم حرمة اللبس، و لذا تختم (صلى اللّٰه عليه و آله) به. و إنّما رمى به لما شاهده (صلى اللّٰه عليه و آله) من نظر الناس إليه نظراً ينبئ عن عدم مناسبة ذلك لمقام النبوّة، فطرحه (صلى اللّٰه عليه و آله) كراهة جلب الأنظار. فغاية ما هناك كراهة اللبس دون التحريم.

و فيه أوّلًا: أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد و الأشعري.

و ثانياً: بقصور الدلالة، إذ غاية ما تدلّ عليه عدم ثبوت التحريم في ذلك الزمان الذي لبسه (صلى اللّٰه عليه و آله) فمن الجائز ثبوت التحريم بعده، إمّا في زمانه (صلى اللّٰه عليه و آله) أو زمن الأئمة (عليهم السلام) كما يفصح عنه تلك الأخبار، إذ لا ريب أنّ الأحكام تدريجية التشريع، بل تدريجية التبليغ، فربّ حكم لم يشرّع في صدر الإسلام فشرّع بعد حين، أو لم يبلّغ في عصره (صلى اللّٰه عليه و آله) لمصلحة في الإخفاء أو مفسدة في الإظهار، ثم بلّغ في زمن الأئمة‌

____________

(1) الوسائل 4: 415/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 10، مسائل علي بن جعفر: 162/ 251.

(2) الوسائل 4: 415/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 10، مسائل علي بن جعفر: 162/ 251.

(3) الوسائل 4: 413/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 3.

306

..........

____________

(عليهم السلام) بإيداع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لهم، فلا تنافي بين هذه الرواية و تلك الأخبار المصرّحة بالتحريم كما لا يخفى.

الثانية: صحيحة عبيد اللّٰه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال علي (عليه السلام): نهاني رسول اللّٰه (ص) و لا أقول لكم نهاكم عن التختّم بالذهب» (1) فانّ قوله (عليه السلام): «و لا أقول نهاكم» يكشف عن اختصاص النهي به (عليه السلام) دون غيره من سائر الناس، فليكن ذاك من مختصات أمير المؤمنين (عليه السلام).

و الجواب يظهر ممّا مرّ آنفاً، فانّ علياً (عليه السلام) و هو الصادق المصدّق يحكي ما جرى بينه و بين النبي (ص) من توجيه النهي إليه (عليه السلام) و عدم تعميمه لغيره لا تصريحه (ص) بالجواز لمن عداه، فلا ينافي ثبوت النهي للجميع في العصر المتأخّر لعدم مصلحة في الإظهار آن ذاك. فلا تنافي بين هذه الصحيحة و تلك الأخبار المتضمّنة للتحريم على الإطلاق.

و بالجملة: فتلك الأخبار و عمدتها الموثق و الصحيح كما عرفت قويّة السند و الدلالة سليمة عن المعارض.

نعم، قد يناقش في دلالة الموثّق من وجهين:

أحدهما: عدم مناسبة التعليل المذكور فيه مع الحرمة، أعني قوله (عليه السلام): «لأنّه من لباس أهل الجنة» فإنّ كونه من لباسهم و هم المتّقون الأبرار يكشف عن كونه من زيّ المتقين و لباس المؤمنين، فالأنسب للمؤمن لبسه تشبيهاً له بأهل الجنة، سيما في حال الصلاة التي هي معراج المؤمن، فينبغي أن يتّصف و هو في حال العروج و المناجاة مع الربّ بلباس المقرّبين و أهل الجنة و النعيم، فكيف يلتئم التعليل مع التحريم.

و يندفع: بأنّ الشبهة إنما نشأت من تخيّل أنّ المراد من اللبس في التعليل-

____________

(1) الوسائل 4: 414/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 7.

307

..........

____________

اللبس التكويني، أي ما يختاره أهل الجنة و يلبسونه باختيارهم و إرادتهم و ليس كذلك، بل المراد اللبس التشريعي الذي خصّه اللّٰه بأهل الجنة، و حرّمه على الرجال في الدنيا.

و حاصل المعنى: المنع عن لبس الرجال للذهب في حال الصلاة و غيرها لأنّ اللّٰه تعالى حرّمه عليهم في هذه الحياة الدنيا، و خصّه تشريعاً بأهل الجنة في الآخرة فلا يجوز مخالفة المولى سبحانه في هذا التشريع.

ثانيهما: اشتمال صدر الموثّق على ما يمنع ظهوره في التحريم، حيث ذكر قبل هذه الفقرة هكذا: «في الرجل يصلّي و عليه خاتم حديد، قال: لا، و لا يتختّم به الرجل، فإنّه من لباس أهل النار» (1) فانّ التختّم بالحديد غير محرّم قطعاً بل غايته الكراهة، فيكشف بمقتضى وحدة السياق أنّ الحكم في جميع فقرأت الموثّق مبني على الكراهة.

و فيه: أنّ النهي ظاهر في التحريم، كالأمر في الوجوب ما لم يقترن بالترخيص في الفعل أو الترك كما تقرّر في الأُصول (2) و قد ثبت الترخيص في الفعل بالنسبة إلى الحديد بالنصوص العديدة فيحمل على الكراهة، و لم يثبت ذلك بالنسبة إلى الذهب كما عرفت فلا بدّ من الأخذ بظاهر النهي. و قرينية السياق لم نتعقّلها بعد ما هو المشاهد من اشتمال غير واحد من الأخبار على الجمع بين المحرّمات و المكروهات بلسان واحد، كالجمع بين الواجبات و المستحبات، و المتّبع هو الدليل في كلّ مورد بالخصوص.

و أمّا المقام الثاني: فالمشهور بطلان الصلاة الواقعة في الذهب للرجال، بل لم ينسب الخلاف إلا إلى المحقق (قدس سره) في المعتبر (3) حيث تردّد فيه لأجل‌

____________

(1) الوسائل 4: 418/ أبواب لباس المصلي ب 32 ح 5.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 2: 131 [لكن ذكر ذلك في مبحث صيغة الأمر].

(3) المعتبر 2: 92.

308

..........

____________

ضعف رواية موسى بن أكيل (1). بل ربما يظهر منه في الشرائع الصحة، حيث لم يذكره في شرائط لباس المصلّي. و كيف كان، فالمتبع هو الدليل.

و الأقوى ما عليه المشهور، للأخبار و عمدتها موثّقة عمار المتقدمة المانعة من إيقاع الصلاة فيه، و لا ريب أنّ النهي عن العبادة يدلّ على الفساد، فليس المستند منحصراً في رواية موسى بن أكيل كي يتوقف عن الحكم لأجل ضعف السند، هذا.

و قد استدلّ العلامة (قدس سره) (2) للبطلان بوجهين آخرين:

أحدهما: أنّ استعمال الذهب حرام، و إيقاع الصلاة فيه بنفسه مصداق للاستعمال فيحرم و يفسد، لدلالة النهي عن العبادة على الفساد.

و فيه أوّلًا: أنّه لا دليل على حرمة مطلق الاستعمال، و لذا يجوز اقتناؤه و أخذه، و كذا صرف النقود الذهبية بلا إشكال، و إنّما الثابت بمقتضى النصوص المتقدّمة حرمة لبسه فقط دون سائر الاستعمالات.

و ثانياً: أنّ الصلاة بنفسها ليست مصداقاً للاستعمال و لا اللبس، لعدم كون ذلك من أجزائها و لا شرائطها، فهو أجنبي عن حقيقة الصلاة بالكلّية، بل غايته أنّ الاستعمال من مقارنات الصلاة و ملابساتها، نظير النظر إلى الأجنبية حال الصلاة، فلا تسري حرمته إليها قطعاً كما هو ظاهر جدّاً.

فالإنصاف: أنّ هذا الاستدلال منه (قدس سره) غريب جدّاً، لعدم الاتحاد بينهما بوجه.

ثانيهما: أنّ الصلاة مشروطة بالستر، و حيث إنّ لبس الذهب حرام فلا يتحقق به الستر الواجب في الصلاة، لعدم كون الحرام مصداقاً للشرط فوجوده كعدمه، فالصلاة فيه بمثابة الصلاة عارياً فتفسد لفقد الشرط.

و فيه أوّلًا: أنّ هذا لو تم فهو مختص بالساتر أعني اللباس الذهبي الذي‌

____________

(1) الوسائل 4: 414/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 5.

(2) المنتهي 4: 231.

309

و لا فرق بين أن يكون خالصاً أو ممزوجاً (1)

____________

تحقّق به الستر فعلًا و لا يعمّ مطلق اللباس، فهو أخص من المدعى.

و ثانياً: أنّه غير تام في نفسه، لعدم الدليل على اعتبار الإباحة في ذات الشرط، و إنّما يعتبر ذلك في الجزء، حيث ينبسط الأمر المتعلّق بالمركّب عليه فلا يتعلّق بالحرام، و أمّا الشرط فهو خارج عن المأمور به، و إنّما الداخل التقيّد به، و إباحته لا تستدعي اعتبار الإباحة في ذات القيد كما لا يخفى، و لذا يحصل التقيّد بالطهارة عن الخبث و إن حصل التطهير بالغسل بالماء المغصوب.

نعم، لو ثبت من الخارج عبادية الشرط كما في الطهارات الثلاث لم يتحقق بالفرد المحرّم، لمنافاة الحرمة مع العبادية، و إلا فمجرد الشرطية لا تستدعي الإباحة. و من الظاهر أنّ الستر المعتبر في الصلاة ليس شرطاً عباديا و لذا لم نمنع عن صحة الصلاة في الساتر المغصوب.

(1) مع صدق اسم الذهب عليه و لو بإضافة الغش، فيقال إنّه ذهب مغشوش، كما لو كان الخليط من النحاس أو غيره قليلًا جدّاً بحيث لا يوجب سلب العنوان، و هذا لا إشكال فيه، لإطلاق الأدلّة الشاملة للخالص و غيره. إنّما الكلام في صور ثلاث:

إحداها: ما إذا كان الثوب مثلًا سداه من الذهب و اللحمة من غيره، أو بالعكس.

الثانية: ما لو امتزج الذهب مع غيره بكميّة متساوية كما لو اذيب مقدار من الذهب و ما يعادله من النحاس، و امتزج أحدهما مع الآخر بحيث لم يصدق على الممتزج شي‌ء من العنوانين.

الثالثة: ما لو كان الثوب مثلًا مطرّزاً بالذهب.

أمّا القسم الثاني: فلا ينبغي الإشكال في الجواز، لعدم صدق لبس الذهب الذي هو الموضوع للحكم، و أولى منه ما لو كان الذهب أقل من المزيج فكان مستهلكاً بحيث صدق عليه العنوان الآخر.

310

..........

____________

إنّما الإشكال في القسمين الآخرين و قد ذهب جمع إلى حرمة اللبس فيهما. و ذكر كاشف الغطاء (1) في وجهه أنّه لم يعهد صنع الثوب، بل و لا غيره مما لا تتم الصلاة فيه كالقلنسوة و نحوها من الذهب الخالص، بل المتعارف خلطه بغيره إمّا بجعل سداه من الذهب و اللحمة من غيره أو بالعكس، أو يكون بنحو التطريز، و لا ريب أنّ النهي في الأخبار منصرف إلى الفرد المتعارف دون ما لا يعهد، فلو اتفق صنعه من الذهب الخالص فهو غير مشمول للنهي.

و الجواب عنه ظاهر كما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره) (2) إذ لم يتوجّه النهي في شي‌ء من الأخبار إلى لبس ثوب من الذهب كي يدعى انصرافه إلى المتعارف، بل متعلّق النهي مجرّد لبس الذهب، و كم له مصداق من الذهب الخالص كلبس القرط و السوار و الخاتم و الخلخال و نحوها مما تتزيّن النساء بلبسه مع فرض خلوص الذهب، و كأنّ المقصود من تلك الأخبار منع الرجال عن لبس هذه الأشياء التي هي من مختصات النساء.

فالإنصاف: أنّه لا دليل على حرمة اللبس في هذين القسمين، لعدم صدق لبس الذهب الذي هو الموضوع للحكم كما عرفت في شي‌ء منهما، بل ما هو ذهب غير ملبوس، و ما هو الملبوس لا يصدق عليه أنّه لبس للذهب، بل هو لبس شي‌ء استعمل فيه الذهب في سداه أو لحمته، أو طلي بالذهب كما في التطريز، لا أنّه بنفسه لبس للذهب.

و ما يقال من أنّ من لبس ذلك يصدق عليه أنّه لابس للذهب، و إن لم يصدق الذهب على نفس اللباس لأنّه جزؤه لا كلّه، فلا ضير في عدم الصدق في الملبوس، مدفوع بأنّ هذه الاشتقاقات تتبع المبدأ في الصدق، و لا يختلف الحال فيها باختلاف الهيئات، فإذا لم يصدق على اللباس أنّه ذهب و لم‌

____________

(1) كشف الغطاء: 199 السطر 35.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 144 السطر 22.

311

..........

____________

يكن الملبوس بنفسه مصداقاً له فكيف يصدق عنوان لبس الذهب، و أنّ المكلّف لابس للذهب.

و بالجملة: فلا وجه لحرمة اللبس في هذين القسمين بعد قصور الأدلّة عن الشمول، إلا إذا صدق عنوان التزيين فيمكن القول بالتحريم حينئذ من تلك الجهة، و سيجي‌ء الكلام فيه إن شاء اللّٰه تعالى (1).

و هل تبطل الصلاة في القسمين فتثبت الحرمة الوضعية و إن لم تثبت النفسية؟

قد يقال بذلك نظراً إلى شمول موثقة عمار الناهية عن الصلاة في الذهب لمثل ذلك، إذ يصدق على من صلّى في ثوب مطرّز بالذهب أو كانت لحمته أو سداه منه أنّه صلّى في الذهب و إن لم يصدق لبسه، و لأجله حكمنا ببطلان الصلاة مع استصحاب شي‌ء من أجزاء ما لا يؤكل و إن لم يكن لابساً له، للصدق المزبور.

و يندفع: بظهور كلمة «في» في الظرفية. فالممنوع إيقاع الصلاة في الذهب على وجه يكون الذهب ظرفاً لها، و حيث إنّ هذا على ظاهره لا محصّل له كما لا يخفى فيكون إسناد الظرفية إلى الذهب إسناداً مجازياً باعتبار كونه ظرفاً للمصلّي، فالمظروف حقيقة هو المصلّي، و لا يكون الذهب ظرفاً له إلا مع اشتماله عليه، و لو على بعضه، إذ لا تتحقّق الظرفية بدونه. و من الواضح توقّف صدق الاشتمال على اللبس، فمجرد المصاحبة من دون صدق اللبس المستلزم لنوع من الاشتمال لا يحقق الظرفية بلا إشكال، فلا يصدق الصلاة في الذهب إلا إذا كان لابساً له.

و أمّا فيما لا يؤكل فإنّما ترفع اليد عن ظهور كلمة «في» الواردة في قوله (عليه السلام) في موثقة ابن بكير: «فالصلاة في وبره و شعره و روثه و بوله و ألبانه و كلّ شي‌ء منه فاسدة ...» إلخ (2) في الظرفية، و تحمل على مطلق المصاحبة لمكان‌

____________

(1) في الصفحة الآتية.

(2) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

312

..........

____________

القرينة، و هي ذكر البول و الروث و الألبان، لعدم اتخاذ اللباس منها كي تكون ظرفاً للمصلّي، فلأجله تحمل على الظرفية الموسّعة الشاملة لمطلق المصاحبة فينتج بطلان الصلاة في المحمول و الملبوس.

و مثل هذه القرينة مفقودة في المقام، فلا مقتضي لرفع اليد عن ظهور «في» في الظرفية. فقياس المقام بذاك الباب مع الفارق.

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ المستفاد من الأخبار و عمدتها موثقة عمار و صحيحة علي بن جعفر (1) حرمة لبس الذهب، فما صدق عليه هذا العنوان حرم لبسه و الصلاة فيه، من غير فرق بين الخالص و المغشوش بمقتضى الإطلاق، و ما لم يصدق كما في المطرّز و ما سداه من الذهب دون اللحمة أو العكس، و ما كان ممزوجاً بغير الذهب بكمية متساوية جاز لبسه و الصلاة فيه لخروجه عن منصرف الأخبار. فالحكم دائر مدار صدق اللبس و عدمه.

و هل التزيّن بالذهب بعنوانه محرّم على الرجال و إن لم يصدق عليه اللبس كما صرّح به الماتن (قدس سره) في المسألة (23) الآتية أو لا؟ و على الأوّل فهل توجب الحرمة بطلان الصلاة أو لا؟

أمّا الحرمة النفسية فالمعروف ذلك، بل في الجواهر دعوى الإجماع عليها بقسميه (2) فان تمّ الإجماع و لم يتمّ، لاحتمال استناد المجمعين إلى ما ستعرف و إلا فتتميم ذلك بالدليل مشكل جدّاً، فانّ ما يستدلّ به عدة أخبار لا تخلو عن شوائب الإشكال.

منها: رواية روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): لا تتختّم بالذهب فإنّه زينتك في الآخرة» (3).

____________

(1) المتقدمتان في ص 304.

(2) الجواهر 41: 54.

(3) الوسائل 4: 412/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 1.

313

..........

____________

و منها: رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام): إني أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي، و أكره لك ما أكره لنفسي، لا تتختّم بخاتم ذهب فإنّه زينتك في الآخرة» (1).

و منها: رواية حنّان بن سدير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): إياك أن تتختّم بالذهب فإنّه حليتك في الجنة ...» إلخ (2).

دلّت هذه الأخبار على أنّ علّة المنع من التختّم بالذهب كونه من الزينة المختصة بالآخرة، فيظهر منها أنّ مطلق التزيّن بالذهب حرام في الدنيا على الرجال، صدق عليه اللبس أم لا.

و لا يخفى أنّ الخبرين الأخيرين و إن لم يتم سندهما إلا أنّ الخبر الأوّل موثّق، فانّ روح بن عبد الرحيم وثّقه النجاشي، و كذا غالب بن عثمان (3) الذي هو المنقري، و إن قيل بكونه واقفياً، فانّ الوقف لا ينافي الوثاقة. و أحمد بن محمد ثقة، سواء أُريد به ابن خالد أم ابن عيسى كما لا يخفى. و اعتبار باقي رجال السند غني عن التوضيح. فلا وجه لتعبير بعض عنه بالخبر المشعر بالضعف كما لا وجه لدعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب كي يتطرّق إليها الإشكال بمنع الانجبار كما تكرر منّا غير مرة، و ذلك لصحة سند الخبر الأوّل، و فيه غنى و كفاية فلا حاجة إلى الجابر.

إنما الإشكال من حيث الدلالة، فإنّه يتوجّه عليها:

أوّلًا: احتمال أن يكون الحكم من مختصّات أمير المؤمنين (عليه السلام) كما لا يأباه سياقها من توجيه الخطاب إليه (عليه السلام) خاصة، سيما قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في خبر أبي الجارود: «انّي أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي و أكره لك‌

____________

(1) الوسائل 4: 414/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 6.

(2) الوسائل 4: 416/ أبواب لباس المصلي ب 30 ح 11.

(3) رجال النجاشي: 168/ 444، 305/ 835.

314

..........

____________

ما أكره لنفسي» الكاشف عن مزيد عناية و اهتمام بشأنه (عليه السلام) فخصّه بحكم دون غيره.

و يؤيّده: قول علي (عليه السلام) في رواية عبيد اللّٰه بن علي الحلبي المتقدمة سابقاً (1): «نهاني رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أقول نهاكم عن التختّم بالذهب ...» إلخ، غايته أنّه ثبت من الخارج شمول هذا الحكم اعني التختّم بل مطلق لبس الذهب لغيره أيضاً، فيرفع اليد عن ظهوره في الاختصاص بمقتضى الروايات الأُخر بتقريب تقدّم سابقاً (2)، و أمّا في المقام فلم يثبت التعدّي، فلا بد من التحفظ على الظهور، و لا أقلّ من الاقتصار على المتيقّن و هو علي (عليه السلام) إذ لا إطلاق فيها يعمّ غيره كما هو ظاهر.

و ثانياً: أنّ الاستدلال بهذه الأخبار مبني على أن تكون الزينة فيها بمعناها الحدثي و العنوان المصدري أعني التزيّن و لا شاهد عليه، بل هو بعيد عن سياقها، فانّ مرجع الضمير في قوله (عليه السلام): «فإنّه زينتك في الآخرة» نفس الخاتم الذهبي لا التختّم به كما لا يخفى. فلو أُريد بالزينة المعنى المصدري و المفهوم الحدثي فكيف يمكن حمله على الذات.

فالظاهر أنّ المراد بالزينة فيها ما يتزيّن به، أعني نفس الذوات و الأعيان الخارجية المعدّة للتزيّن بها كالخاتم و السوار و القرط و الخلخال و نحوها، فإنّها بأنفسها هي الزينة، نظير ما تقدّم سابقاً في تفسير قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلخ (3) و كلّ ذلك من الملبوس، إذ ليس غيره معدّاً للتزيين بحسب المتعارف الخارجي.

و حاصل المعنى حينئذ: أنّ الخاتم الذهبي الذي هو مورد هذه الأخبار شي‌ء‌

____________

(1) في ص 306.

(2) في ص 306.

(3) النور 24: 31.

315

بل الأقوى اجتناب الملحّم و المذهّب بالتمويه و الطلي إذا صدق عليه لبس الذهب [1] (1).

____________

يتزيّن به في الآخرة، و حلية مختصة بها، فلا يشرع لبسه و التمتع به في الدنيا فلا دلالة فيها على المنع عن مطلق التزيّن بالذهب كما لا يخفى فتدبر جيداً.

فالحرمة النفسية غير ثابتة. و على تقدير التسليم فلا دليل على الحرمة الوضعيّة و بطلان الصلاة بذلك، إذ النهي في الأخبار منوط بعنوان اللبس المفقود في الفرض. و ليس التزيّن بنفسه متحداً مع الصلاة لا جزءاً و لا شرطاً كي يسري النهي إليها فتفسد العبادة، بل هو من المقارنات و الملابسات و اللوازم الاتفاقية فيه نظير النظر إلى الأجنبية أثناء الصلاة التي لا توجب تعلّق النهي بالعبادة نفسها كما هو ظاهر جدّاً.

و المتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الثابت بحسب الأدلة حرمة لبس الذهب و بطلان الصلاة فيه، و أمّا التزيّن فهو بنفسه غير محرم، و على تقديره لا دليل على بطلان الصلاة معه.

(1) أمّا الملحّم أي ما كانت لحمته من الذهب، و اللحمة هي الخيوط العرضية عند النسج التي يلتحم بها السدي و هي الخيوط الطوليّة و يعبّر عنهما بالفارسية ب‍ (تار و پود) فبناءً على اختصاص الحرمة باللباس يجوز لبسه و الصلاة فيه، لعدم صدق لبس الذهب كما مرّ، و بناءً على التعميم لمطلق التزين يحرم لبسه دون الصلاة فيه كما عرفت آنفاً.

و أمّا المموّه أي ما صبغ بماء الذهب بحيث يخيّل أنّه الذهب، فيوجب التمويه و التلبيس فلا إشكال في الجواز و الصحة حتى بناءً على حرمة التزين، إذ الحرام إنّما هو التزين بالذهب لا بمائه من دون أن يشتمل على العين كما هو‌

____________

[1] نعم، إلا أنّ في صدقه في كثير من أقسام المموّه و المطلي و الممزوج و في بعض أقسام الملحم إشكالًا بل منعاً.

316

و لا فرق بين ما تتم فيه الصلاة و ما لا تتم كالخاتم و الزر [1] و نحوهما (1).

____________

الفرض، فإنّه لون محض، نظير الثوب المصبوغ بالدم الذي تجوز الصلاة فيه بعد التطهير و زوال العين. نعم، تبقى هناك لا محالة أجزاء دقيقة و ذرات صغيرة بحسب الدقة العقلية، لاستحالة انتقال العرض من دون محلّه، لكن العبرة بالنظر العرفي دون التدقيق الفلسفي.

و أمّا المطلي: فإن أُريد به المموّه فقد عرفت حكمه، و إن أُريد به ما طلي بالذهب مع بقاء العين كورقة خفيفة بحيث يكون هناك جسم على جسم، فبناءً على اختصاص التحريم باللباس لا ريب في الجواز و الصحة، إذ ليس هذا لبساً للذهب، فهو كالملحّم و المطرّز في أنّ الذهب غير ملبوس و الملبوس غير الذهب، بل شي‌ء عليه الذهب، و بناءً على التعميم للزينة يحرم لبسه و التزيّن به دون الصلاة معه كما علم مما مرّ.

ثم إنّه قيّد في المتن المنع عن هذه الأُمور بما إذا صدق عليه لبس الذهب. و الأولى بناءً على مسلكه من تعميم الحرمة لمطلق التزين كما سيصرّح به في ذيل مسألة 23 الآتية أن يضيف عليه قوله: أو صدق عليه التزين بالذهب. إذ لا وجه للتخصيص بالأوّل بعد عدم دوران الحكم مدار اللبس كما يرتئيه (قدس سره).

(1) أمّا ما كان من الملبوس كالخاتم فلا ينبغي الإشكال في حرمة لبسه لإطلاق النصوص التي عمدتها موثقة عمار و صحيحة علي بن جعفر كما مرّ، بل في الأخير قد صرّح بذلك فلاحظ (1)، بل إنّ النهي عن لبس الذهب منصرف في حدّ نفسه إلى مثل الخاتم و نحوه مما لا تتم الصلاة فيه، إذ لم يعهد صنع ثوب أو سروال منسوج بأجمعه من الذهب، و إن كان على تقدير الصنع مشمولًا‌

____________

[1] لا يبعد الجواز فيه و في أمثاله مما لا يصدق عليه عنوان اللبس.

____________

(1) ص 304.

317

نعم، لا بأس بالمحمول منه مسكوكاً أو غيره (1)

____________

للأخبار كما عرفت لكنه غير متعارف خارجاً.

كما لا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة فيه، لا لخبر موسى بن أكيل النمري المتقدّم (1) كي يناقش فيه بضعف السند كما عن المحقّق في المعتبر (2) و لأجله تردّد فيه، بل لإطلاق موثّقة عمار، المؤيّد بهذا الخبر و برواية الخصال قال (عليه السلام): «و يجوز أن تتختّم بالذهب و تصلّي فيه، و حرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد» (3).

و أمّا ما كان من غيره كالأزرار التي تعدّ جزءاً من اللباس دون أن تكون ملبوسة بأنفسها فحالها حال الملحّم و المطرّز، بل الأمر فيها أهون منهما كما لا يخفى، و قد عرفت عدم صدق لبس الذهب حينئذ. فإن بنينا على حرمة مطلق التزين حرم لبس الثوب المشتمل على تلك الأزرار، و إلا كما هو الأقوى فلا. و أمّا الصلاة معها فهي صحيحة على كل حال.

(1) أمّا جواز حمله تكليفاً فلا إشكال فيه، كما لا خلاف، لعدم صدق عنوان اللبس و لا التزين، مضافاً إلى استقرار السيرة على ذلك سيما في المسكوك، فانّ المعاملات كانت معه غالباً، و لم تكن الأوراق النقدية متداولة إلا في الأزمنة المتأخرة، فكانت تحمل سيما في الأسفار، و قد ورد الأمر بشدّ الحاج نفقته على بطنه، و هذا ظاهر.

و أمّا الصلاة معه فربما يحتمل بل يقال بعدم الجواز، استناداً إلى قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار المتقدّمة (4): «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلّي فيه»‌

____________

(1) ذكر مصدره في ص 308.

(2) المعتبر 2: 92.

(3) الوسائل 4: 380/ أبواب لباس المصلي ب 16 ح 6، الخصال: 588/ 12.

(4) في ص 304.

318

..........

____________

فانّ مرجع الضمير نفس الذهب، لا الذهب الملبوس، فقد جعل الذهب موضوعاً لحكمين: أحدهما حرمة لبسه، و الآخر عدم جواز الصلاة فيه.

و عليه فالمراد من كلمة «في» مطلق المصاحبة لا خصوص الظرفية كي تختص بالملبوس، فحال المقام حال ما تقدّم فيما لا يؤكل من إرادة مطلق المصاحبة.

و يندفع أوّلًا: بأنّ مرجع الضمير و إن كان هو الذهب نفسه لا لبسه كما ذكر لكنّا نستفيد الاختصاص به من كلمة «في» الظاهرة في الظرفية، فيختص الحكم بما كان له نوع اشتمال على المصلّي و لو على بعضه، تحقيقاً للظرفية المستندة إلى الصلاة باعتبار المصلّي، و إلا فالذهب لا يكون ظرفاً للصلاة نفسها كما لا يخفى.

و بالجملة: الحمل على مطلق المصاحبة خلاف ظاهر الظرفية لا يصار إليه بدون القرينة المفقودة في المقام. نعم، هي موجودة بالنسبة إلى ما لا يؤكل و هي ذكر البول و الروث و الألبان في موثق ابن بكير (1)، إذ لا معنى للاشتمال و الظرفية بالنسبة إليها، فتحمل على الظرفية الموسّعة أو مطلق المصاحبة كما تقدّم سابقاً (2).

و ثانياً: مع الغض عمّا ذكر فالسيرة مانعة عن التعدّي إلى المحمول ضرورة أنّ المعاملات كانت في الزمن السابق و قد أدركناه بالجنسين غالباً سيما المسكوك، و إنّما تداولت الأوراق النقدية في الأزمنة المتأخّرة كما مرّ، و لا ريب أنّ السيرة كانت قائمة على حملها حال الصلاة، إذ لم يعهد النزع و لم ينقل عن أحد، فلو كانت الصلاة معها باطلة لاشتهر و بان و كان من الشائعات الواضحات.

____________

(1) المتقدم في ص 168.

(2) في ص 170.

319

كما لا بأس بشد الأسنان [1] به (1). بل الأقوى أنّه لا بأس بالصلاة فيما جاز فعله فيه من السلاح كالسيف و الخنجر و نحوهما [2]، و إن أُطلق عليهما اسم اللبس لكن الأحوط اجتنابه (2).

____________

(1) أمّا إذا لم يكن ظاهراً بأن كان الشدّ في أحد طرفي الفم أو من ناحية الباطن فلا إشكال في الجواز حتّى إذا لُبس السن بالذهب، فضلًا عن الشدّ، إذ لا يصدق عليه أنّه لبس الذهب، كما لا يصدق التزين به.

و أمّا إذا كان ظاهراً كما في الثنايا فعلى المختار من عدم حرمة التزين لا إشكال في الجواز، و على القول الآخر يحرم نفساً لا وضعاً كما مرّ غير مرة.

و ربما يستدلّ للجواز بصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «أنّ أسنانه (عليه السلام) استرخت فشدّها بالذهب» (1).

و فيه أوّلًا: أنّه حكاية فعل لا لسان له، و لعلّ الأسنان كانت مخفيّة، فلا تدلّ على الجواز في الأسنان الظاهرة المتضمّنة للتزين.

و ثانياً: أنّ شدّه (عليه السلام) كان لمكان الاسترخاء كما نصّ عليه، فيظهر أنّ ذلك كان من جهة الاحتياج و الاضطرار الذي يبيح كلّ محظور فلا يدلّ على الجواز حال الاختيار الذي هو محلّ الكلام.

فالأولى في الاستدلال ما عرفت من منع المقتضي و عدم الدليل على التحريم على التفصيل الذي سبق.

(2) أمّا أصل التحلية فلا ريب في جوازها كما في سائر موارد التحلي، فلا‌

____________

[1] بل لا بأس بتلبيس السن بالذهب.

[2] الموجود في النصّ جواز تحلية السيف بالذهب أو جعل نعله منه و لا يصدق لبس الذهب في شي‌ء منهما، و أما فيما صدق ذلك كما إذا جعل نفس السيف أو قرابة من الذهب فعدم جواز لبسه و الصلاة فيه لا يخلو من قوة.

____________

(1) الوسائل 4: 416/ أبواب لباس المصلّي ب 31 ح 1.

320

و أمّا النساء فلا إشكال في جواز لبسهنّ و صلاتهنّ فيه (1).

____________

ينبغي التكلّم فيه.

و أمّا لبس السلاح المحلّى بالذهب فلا بأس به بناءً على اختصاص التحريم بلبس الذهب، لعدم صدقه على المقام، إذ هو لبس شي‌ء محلّى بالذهب، لا أنّه لبس للذهب نفسه، فهو نظير لبس المطرّز و نحوه مما مرّ.

بل إنّ الأخبار الواردة في جواز تحلية السيوف بنفسها دالة على ذلك بالملازمة العرفيّة، إذ لا يراد تحليتها و وضعها في الرفّ مثلًا دون أن ينتفع بها بل يحلّى للانتفاع المتوقّف غالباً على اللبس.

نعم، بناءً على تعميم التحريم لمطلق التزين حرم اللبس حينئذ، لأنّه تزين. و أما الصلاة فجائزة على كل تقدير كما مرّ مراراً.

هذا كلّه فيما إذا كان السيف محلّى، و أمّا إذا كان بتمامه ذهباً فلا ينبغي الإشكال في حرمة لبسه و بطلان الصلاة فيه، و يعلم وجهه مما مرّ فتذكر.

(1) أمّا جواز اللبس فلا ريب فيه و لا خلاف، لقصور المقتضي، فإنّ الأخبار المانعة خاصة بالرجال، مضافاً إلى الأخبار الدالّة على الجواز صريحاً كصحيح أبي الصباح قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الذهب يحلّى به الصبيان؟ قال: كان علي (عليه السلام) يحلّي ولده و نساءه بالذهب و الفضة» (1).

و صحيح داود بن سرحان قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الذهب يحلّى به الصبيان، فقال: إنّه كان أبي ليحلّي ولده و نساءه الذهب و الفضة، فلا بأس به» و نحوهما غيرهما (2).

و أمّا جواز الصلاة فكذلك، لاختصاص المنع بالرجل، فيرجع في غيره إلى الأصل بناءً على ما هو الصحيح من جريانه في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر‌

____________

(1) الوسائل 5: 103/ أبواب أحكام الملابس ب 63 ح 1، 2.

(2) الوسائل 5: 103/ أبواب أحكام الملابس ب 63 ح 1، 2.

321

و أمّا الصبي المميّز فلا يحرم عليه لبسه و لكن الأحوط له عدم الصلاة فيه (1).

____________

الارتباطيين، و يؤيّده التصريح بالجواز في رواية الخصال المتقدمة (1)، هذا.

و قد نسب إلى الصدوق المنع بدعوى أنّ مقتضى إطلاق النهي عدم الفرق بين الرجال و النساء، و قد ثبت لهنّ الجواز في خصوص اللبس فيقيّد به، و أمّا جواز الصلاة فلم يثبت التقييد، لعدم الدليل عليه فيتمسك بالإطلاق.

و الظاهر التباس الأمر على الناسب، فانّ الصدوق (قدس سره) إنّما ذكر هذه الدعوى في مسألة الحرير بعين هذا التقرير (2) و هو و إن لم يكن سليماً عن الإشكال كما سنتعرّض له في تلك المسألة إن شاء اللّٰه تعالى (3) إلا أنّ له وجهاً وجيهاً في بادئ النظر.

و أمّا في المقام فلم يذكر هذه الدعوى، و ليس لها وجه أصلًا، ضرورة اختصاص الأخبار الناهية بأجمعها بالرجال، و لم يرد في المقام نهي مطلق يعمهم و النساء كما ورد في مسألة الحرير، هذا مع أنّ الصدوق (قدس سره) بنفسه روى رواية الخصال المصرّحة بجواز اللبس و الصلاة لهنّ. فالنسبة في غير محلّها جزماً، و على الصحة فالدعوى فاسدة جدّاً كما عرفت.

(1) أمّا جواز اللبس فالظاهر عدم الخلاف و الإشكال فيه، و يقتضيه مضافاً إلى حديث رفع القلم عن الصبي (4) و قصور المقتضي للمنع كما مرّ صحيحتا أبي الصباح و داود بن سرحان المتقدّمتان (5) الصريحتان في الجواز. و عليه فلا مانع للأولياء من تحلية صبيانهم الذهب.

____________

(1) في ص 317.

(2) الفقيه 1: 171/ ذيل ح 807.

(3) في ص 346.

(4) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11، 12، 29: 90/ أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2.

(5) في ص 320.

322

..........

____________

نعم، قد يتوهّم معارضة الصحيحتين بما رواه ابن إدريس في آخر سرائره نقلًا من رواية جعفر بن محمد بن قولويه عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يحلّي أهله بالذهب، قال: نعم النساء و الجواري، فأمّا الغلمان فلا» (1).

و فيه أوّلًا: أنّ الرواية ضعيفة بالإرسال، لامتناع رواية ابن قولويه عن أبي بصير بلا واسطة كما لا يخفى.

و ثانياً: أنّ الغلام يصدق على المميّز في أوان بلوغه، بل حتى بعد التجاوز عنه بسنين قليلة ما لم يصل إلى حدّ الرجولية. و الحاصل أنّه يعمّ الصبي و البالغ و لا يختص بالأوّل، و موضوع الحكم في الصحيحتين هو الصبي، فلا تعارض بينهما و بين هذا الخبر، لإمكان الجمع بعد صناعة الإطلاق و التقييد فيحمل الغلمان في الخبر على غير الصبيان.

و أمّا صلاته في الذهب فالظاهر أيضاً هو الجواز، سواء قلنا بأنّ عبادات الصبي شرعيّة أم تمرينيّة، و إن كان الصحيح هو الأوّل، لقوله (عليه السلام): مروا صبيانكم بالصلاة و الصيام (2)، حيث إنّ الأمر بالأمر بالشي‌ء أمر بذلك الشي‌ء كما تقرّر في محلّه (3). فالصلاة الصادرة عن الصبي مأمور بها من قبل الشارع، لا أنّها مجرّد تمرين محض.

و كيف كان، فلا دليل على اعتبار المانعية لمثل هذه الصلاة، إذ ما دلّ على المنع و عمدته موثّقة عمّار المتقدّمة (4): «لا يلبس الرجل الذهب، و لا يصلّي فيه» موضوعه الرجل غير الصادق على الصبي.

____________

(1) الوسائل 5: 104/ أبواب أحكام الملابس ب 63 ح 5، السرائر 3: 636.

(2) الوسائل 4: 19/ أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5، 7، 8، 10: 234/ أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 4: 74.

(4) في ص 304.

323

[مسألة 21: لا بأس بالمشكوك كونه ذهباً في الصلاة و غيرها]

[1289] مسألة 21: لا بأس بالمشكوك كونه ذهباً في الصلاة و غيرها (1).

[مسألة 22: إذا صلّى في الذهب جاهلًا أو ناسياً فالظاهر صحتها]

[1290] مسألة 22: إذا صلّى في الذهب جاهلًا أو ناسياً فالظاهر صحتها (2).

____________

و دعوى أنّ المراد به مطلق الذكر في مقابل الأُنثى، لا خصوص الرجل المقابل للمرأة و الصبي، لا شاهد عليها، بل ظاهر أخذ عنوان الرجل دخل الخصوصية في ترتّب الحكم. و مع التنزّل فلا أقل من الاحتمال المورث للإجمال فتسقط أدلّة المانعية عن الاستدلال، فيرجع إلى البراءة (1) عن المانعية بالإضافة إليه، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الأصل في الأقل و الأكثر الارتباطيين. و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه.

فإن قلت: الموضوع في عبادة الصبي هو عبادة البالغ، فكأنّه قيل: يصلّي الصبي صلاة البالغ، فيعتبر فيه ما يعتبر فيه.

قلت: نعم، لكنّه فيما إذا ثبتت جزئية شي‌ء لعبادة البالغ أو شرطيته أو مانعيته بدليل عام يشمله و غيره كما في غالب الأحكام، و أمّا إذا ثبت حكم لخصوص عنوان الرجل كما في المقام فلا وجه للتعدّي عنه إلى غيره.

(1) للأصل الموضوعي، أعني أصالة عدم كونه ذهباً، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما مرّ توضيحه مفصّلًا (2) فيجوز لبسه و الصلاة فيه. مضافاً إلى الأصل الحكمي، أعني أصالة البراءة عن الحرمة و عن المانعية. و قد تقدّم في بحث الأواني تقرير الأصل بوجه ثالث فراجع (3) و لاحظ.

(2) لحديث لا تعاد الشامل لمطلق الخلل الناشئ من احتمال فوات قيد وجودي أو عدمي، فيعمّ الموانع كالأجزاء و الشرائط. و مجرّد كون الخمسة المستثناة من قبيل الأخير لا يستوجب التقييد، و لا يصلح قرينة للاختصاص‌

____________

(1) [الموجود في الأصل: استصحاب عدم اعتبار المانعية. و لعل الصحيح ما أثبتناه].

(2) في ص 250 فما بعدها.

(3) شرح العروة 4: 315.

324

[مسألة 23: لا بأس بكون قاب الساعة من الذهب]

[1291] مسألة 23: لا بأس بكون قاب الساعة من الذهب، إذ لا يصدق عليه الآنية، و لا بأس باستصحابها أيضاً في الصلاة إذا كان في جيبه، حيث إنّه يعدّ من المحمول، نعم إذا كان زنجير الساعة من الذهب و علّقه على رقبته أو وضعه في جيبه لكن علّق رأس الزنجير يحرم، لأنّه تزيين بالذهب [1]، و لا تصحّ الصلاة فيه أيضاً (1).

____________

بما عدا الموانع كما لا يخفى. فيتمسك بالإطلاق في جميع أنحاء الخلل المحتمل من غير فرق بين صورتي الجهل و النسيان، بناءً على شمول الحديث لهما كما هو الصحيح. و أمّا بناءً على الاختصاص بالناسي كما عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1) فلا بدّ من الإعادة في صورة الجهل، لقاعدة الاشتغال.

نعم، بناء على المختار يختص الجهل بما كان عذراً كالجهل بالموضوع أو بالحكم عن قصور، دون التقصير و دون ما كان متردّداً في الصحة عند الشروع فدخل في الصلاة بانياً على الإعادة لو لم تطابق الواقع أو غير مبالٍ أصلًا. و قد تقدّم توضيح ذلك كلّه مفصلًا في بحث اللباس المشكوك، فراجع (2) و لاحظ.

(1) ذكر (قدس سره) أنّ قاب الساعة لا مانع من كونه من الذهب، إذ لا يصدق عليه اللبس و لا الآنية بناءً على حرمة استعمال الأواني منهما حتى في غير الأكل و الشرب، فلا مقتضي لحرمته النفسية بعد عدم صدق شي‌ء من العنوانين. كما لا مانع من استصحابه في الصلاة إذا كان في جيبه، إذ غايته أنّه يعدّ حينئذ من المحمول، و قد مرّ عدم الإشكال فيه (3).

نعم، إذا علّق الزنجير المصنوع من الذهب على رقبته، أو وضعه في جيبه‌

____________

[1] بل لأنه لبس له فيما إذا علّق الزنجير على رقبته، و في بعض صور تعليق رأس الزنجير أيضاً.

____________

(1) كتاب الصلاة 3: 5.

(2) ص 206.

(3) في ص 317.

325

..........

____________

لكن علّق رأس الزنجير حرم، لأنّه حينئذ تزيين بالذهب، و بطلت الصلاة معه أيضاً.

أقول: أمّا ما أفاده (قدس سره) أوّلًا فمتين جدّاً، لما عرفت. و أمّا بالنسبة إلى الزنجير فالظاهر حرمته، لا لمجرّد صدق التزيين كي يدور الحكم مدار القول بحرمته، و قد أنكرناها كما مرّ (1) بل لصدق اللبس حقيقة، سواء علّقه على رقبته أم شدّه على صدره مع تعليق الساعة على رأسه من الطرف الآخر، إذ لبس كلّ شي‌ء بحسبه، فيختلف لبس الزنجير عن لبس الخاتم و السوار و نحوهما، و الكلّ يتبع الصدق العرفي. و لو قلنا بحرمة التزيين أيضاً كان حراماً من الجهتين.

نعم، لو وضع الزنجير في جيبه و قد أخرج مقداراً من رأسه لم يتحقّق اللبس و إن صدق التزيين، فتدور الحرمة مدار القول بها فيه.

و أما النقض على ما ذكرناه بما لو كان بدل الزنجير خيطاً من الحرير و علّقه على رقبته فاللازم حرمته أيضاً، لصدق اللبس على الفرض، و لبس الحرير حرام على الرجال كالذهب.

فمندفع بمنع الصدق، و بطلان القياس، لكونه مع الفارق. و السرّ ما أشرنا إليه من أنّ لبس كلّ شي‌ء بحسبه، فيصدق اللبس مع الزنجير دون الحرير. و لذا لو شدّ خيطاً منه حول إصبعه أو ساعده على شكل الخاتم أو السوار لم يصدق أنّه لبس الحرير، و لو بدّله بالذهب و نحوه صدق لبس الذهب مثلًا، فليس صدق اللبس مطّرداً في كلّ مورد، بل لخصوصية المورد دخل في الصدق و الوجه فيه: أنّ الحرير لم يوضع لهذا النحو من اللبس و لم يكن معدّاً لمثل ذلك بخلاف الذهب و نحوه فانّ لبسه هو هكذا، فلا يقاس أحدهما بالآخر كي يتوجّه النقض.

____________

(1) في ص 312.

326

[مسألة 24: لا فرق في حرمة لبس الذهب بين أن يكون ظاهراً مرئياً أو لم يكن ظاهراً]

[1292] مسألة 24: لا فرق في حرمة لبس الذهب بين أن يكون ظاهراً مرئياً أو لم يكن ظاهراً (1).

[مسألة 25: لا بأس بافتراش الذهب و يشكل التدثّر به]

[1293] مسألة 25: لا بأس بافتراش الذهب (2) و يشكل التدثّر به.

[السادس: أن لا يكون حريراً محضاً للرجال]

السادس: أن لا يكون حريراً محضاً للرجال (3).

____________

ثم إنّ ما أفاده (قدس سره) من بطلان الصلاة إنّما يتمّ بناءً على ما ذكرناه من صدق عنوان اللبس، و إلا فلا وجه للبطلان و إن قلنا بحرمة التزين كما أسمعناك مراراً.

(1) لصدق اللبس على التقديرين فيشمله الإطلاق، نعم لو كانت الحرمة لأجل التزين اختصت بالظاهر، إذ لا تزين مع التخفّي.

(2) كما لو صنع كرسياً مثلًا من الذهب و جلس عليه، لعدم صدق اللبس و لا التزين.

و أمّا التدثّر فهو يطلق على معنيين: أحدهما: الالتحاف و الالتفاف كما تصنعه المرأة عند الصلاة، و منه قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) و لا ينبغي الإشكال في الحرمة حينئذ، لصدق اللبس فضلًا عن التزين.

ثانيهما: التغطّي بحيث يجعله فوقه كاللحاف عند النوم، في قبال الفرش الذي يجعله تحته، و الظاهر الجواز حينئذ، إذ حكمه حكم الافتراش في عدم صدق اللبس و لا التزين كما عرفت، و عليه فلو صلّى مضطجعاً تحت هذا اللحاف صحّت صلاته.

(3) يقع الكلام في الحرمة النفسية تارة و الوضعية اخرى، و نقدّم الثاني تبعاً للمتن فنقول:

يعتبر في صحة الصلاة عدم وقوعها في الحرير المحض للرجال، فتبطل‌

____________

(1) المدثر 74: 1.

327

..........

____________

صلاتهم به إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، و تشهد له طائفة من النصوص، جملة منها صحيحة السند و هي أربعة:

الأُولى: صحيحة محمد بن عبد الجبار قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله هل يصلّى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب (عليه السلام): لا تحلّ الصلاة في حرير محض» (1).

3 الثانية: صحيحته الأُخرى قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله هل يصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكّة حرير محض أو تكّة من وبر الأرانب؟ فكتب: لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض، و إن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه إن شاء اللّٰه تعالى» (2).

الثالثة: صحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص في حديث قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) هل يصلّي الرجل في ثوب إبريسم؟ فقال: لا» (3) و التعبير عنه بالخبر المشعر بالضعف كما عن الهمداني (قدس سره) (4) لا وجه له، و لعلّه اغترّ من ظاهر عبارة الحدائق (5) مع أنّه (قدس سره) أيضاً وصفه بالصحة كما يظهر بالتأمّل فلاحظ.

الرابعة: صحيحة أبي الحارث قال: «سألت الرضا (عليه السلام) هل يصلّي الرجل في ثوب إبريسم؟ قال: لا» (6).

فالعمدة هي هذه الصحاح الأربع، و باقي الأخبار مؤيّدة للمطلوب. و دلالتها على البطلان ظاهرة، بل صريحة كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 4: 368/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 2.

(2) الوسائل 4: 377/ أبواب لباس المصلي ب 14 ح 4.

(3) الوسائل 4: 367/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 1.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 137 السطر 1.

(5) الحدائق 7: 89.

(6) الوسائل 4: 369/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 7.

328

..........

____________

نعم، قد تعارض بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الثوب الديباج، فقال: ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس» (1). و قد حملها الشيخ (قدس سره) تارة على حال الحرب و لا يخفى بعده، و أُخرى على ما إذا كان الديباج سداه قطناً أو كتاناً (2)، و حملها صاحب الوسائل على التقية.

أقول: يقع الكلام في المعارض تارة من حيث السند، و أُخرى من حيث الدلالة.

أمّا السند: فلا ينبغي التشكيك في صحته، فانّ سعداً المذكور فيه و إن كان يحتمل بدواً تردده بين سعد بن عبد اللّٰه الأشعري الذي طريق الشيخ إليه صحيح في المشيخة (3) و الفهرست (4)، و بين غيره ممن لم يصح كسعد بن أبي خلف، أو سعد بن سعد الأحوص (5) و نحوهما. لكن المتعيّن هو الأوّل.

أوّلًا: أنّه (قدس سره) لم يذكر في المشيخة غيره، و في التهذيب لم يرو إلا عنه، بمعنى أنّه كثيراً ما يصرح باسمه و اسم أبيه، و إذا أُطلق أحياناً فهو مسبوق أو ملحوق به، فيطمأنّ عادة أنّه المراد به و قد حذف اسم أبيه اختصاراً اعتماداً على القرينة السابقة أو اللاحقة.

و ثانياً: مع الغضّ عمّا ذكر لا يحتمل عادة أن يراد به غيره، لاختلاف الطبقة، فإنّ الرّاوي بعده هو أحمد بن محمد، و المراد به إمّا أحمد بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و هذا أعني سعد بن عبد اللّٰه روى عنهما كثيراً، فايّاً من كان تجوز روايته عنه لاتحاد الطبقة، بخلاف ما لو أُريد به‌

____________

(1) الوسائل 4: 370/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 10.

(2) الاستبصار 1: 386/ ذيل ح 1465، 1466.

(3) التهذيب 10 (المشيخة): 73.

(4) الفهرست: 75/ 316.

(5) الفهرست: 76/ 320، 319.

329

..........

____________

سعد بن أبي خلف، فإنّه من أصحاب الصادق أو الكاظم (عليهما السلام) فكيف يمكن روايته عن أحمد بن محمد بن عيسى أو ابن خالد المتأخرين عنه بكثير.

و كذا سعد بن سعد الأحوص، فانّ البرقي أعني محمد بن خالد والد أحمد يروي عنه فكيف يروي هو عن ابنه أحمد.

و بالجملة: فاختلاف الطبقات يمنع عن إرادة غير سعد بن عبد اللّٰه، فلا ينبغي التأمّل في صحة السند.

و أمّا من حيث الدلالة فقد اختلفت كلمات اللغويين في تفسير الديباج، فعن أقرب الموارد أنّه الثوب الذي سداه و لحمته حرير (1) فيتحد مع الحرير المحض و تستقر المعارضة حينئذ. لكن هذا لم يثبت، بل يبعّده وقوع التقابل بينهما في بعض الأخبار، و قد ظفرنا من ذلك على مواضع ثلاثة:

أحدها: الصحيحة الأُولى لمحمد بن عبد الجبار المتقدمة (2)، قال فيها: «هل يصلّى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج».

الثاني: مرسلة ابن بكير: «لا يلبس الرجل الحرير و الديباج إلا في الحرب» (3).

الثالث: موثّقة سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن لباس الحرير و الديباج ...» إلخ (4) و لعلّ المتتبّع يجد أكثر من ذلك، و لا ريب أنّ هذه تكشف عن التعدّد و تغاير المعنى، و إلّا فلا وجه للمقابلة مع الاتحاد.

و عليه فلعلّ الأقوى تفسيره بما عن لسان العرب من أنّه الحرير المنقوش (5) الشامل بإطلاقه للخالص و غيره من دون دخل المحوضة في مفهومه.

و يؤيّد هذا التفسير جواب الإمام (عليه السلام) في هذه الصحيحة أعني‌

____________

(1) أقرب الموارد 1: 816.

(2) في ص 327.

(3) الوسائل 4: 372/ أبواب لباس المصلّي ب 12 ح 2، 3.

(4) الوسائل 4: 372/ أبواب لباس المصلّي ب 12 ح 2، 3.

(5) لسان العرب 2: 262.

330

سواء كان ساتراً للعورة أو كان الساتر غيره (1)

____________

صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدّمة بقوله (عليه السلام): «ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس» فعلّق الجواز بما إذا لم يكن النقش تمثالًا.

و على هذا فترتفع المعارضة، إذ النسبة حينئذ بينها و بين الصحاح المتقدّمة المانعة نسبة الإطلاق و التقييد، فتحمل هذه على غير الخالص.

و إن أبيت إلا عن الاتحاد كما عن الأقرب فلا مناص عن الحمل على التقية، لذهاب العامّة إلى جواز الصلاة في الحرير المحض (1).

و أمّا الحمل على الكراهة فهو و إن أمكن بالنسبة إلى الخبرين الأخيرين من الصحاح الأربع المتقدّمة، لكنّه لا يتمشّى في الأُوليين منها، للتصريح فيهما بعدم الحلّية الممتنع حمله عليها، إذ المراد بها في المقام الحلّية الوضعية كما لا يخفى بمعنى سدّ الطريق قبال فتحه، المساوق للبطلان، دون التكليفية كي تقبل الحمل على الكراهة.

(1) كما نصّ عليه جمع من الأصحاب، لإطلاق الأدلّة الشامل لما كان ساتراً بالفعل و غيره.

نعم، لو استندنا في البطلان إلى الحرمة النفسية، بدعوى أنّ الساتر إذا كان حراماً فوجوده كعدمه، إذ يعتبر في الشرط أعني الستر أن يكون مصداقاً للمباح، فلو تستّر بالحرير المحرّم فكأنه لم يتستّر، فتبطل الصلاة لفقدها شرطية الستر. كان اللازم حينئذ اختصاص البطلان بالساتر كما تقدّم (2) نظير هذه الدعوى في الذهب.

لكنّها مضافاً إلى فسادها في نفسها كما أشرنا إليه هناك لا نستند إليها في‌

____________

(1) حلية العلماء 2: 67، المغني 1: 661، الشرح الكبير 1: 506، المجموع 3: 180 [و المراد من الجواز هنا هو الصحة، لا الحكم التكليفي، لأنهم يذهبون إلى حرمة لبسه].

(2) عن العلامة في ص 308.

331

و سواء كان مما تتم فيه الصلاة أو لا على الأقوى [1] كالتكّة و القلنسوة و نحوهما (1).

____________

الحكم بالبطلان، بل المستند في المقام الروايات المتقدمة المصرّحة بالبطلان الشاملة بإطلاقها للساتر و غيره كما عرفت.

(1) اختلفت كلمات الأصحاب في جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه منفرداً من الحرير أي ما لا يكون ساتراً حتى بالقوّة و عدمه، فالأشهر بل المشهور هو الجواز. و عن الشيخ المفيد (1) و الصدوق (2) و ابن الجنيد (3) و العلامة في المختلف (4) و جمع من متأخّري المتأخّرين كصاحب المدارك (5) و المجلسي (6) و الكاشاني (7) و الفاضل الخراساني في الذخيرة (8) و غيرهم اختيار المنع، و تبعهم السيد (قدس سره) في المتن، و قوّاه صاحب الحدائق (قدس سره) (9) و بالغ الصدوق في المنع فقال: لا تجوز الصلاة في تكّة رأسها من إبريسم (10)، و منشأ الاختلاف اختلاف الأخبار كما ستعرف.

و أمّا ما استند إليه في الحدائق و لو بنحو التأييد للقول بالمنع من عموم الأخبار المانعة من الصلاة في الحرير المحض، فغير سديد، إذ الموضوع في تلك‌

____________

[1] في القوة إشكال، نعم هو أحوط.

____________

(1) المقنعة: 150.

(2) المقنع: 80، الفقيه 1: 171/ ذيل ح 807، 810.

(3) حكاه عنه في المختلف 2: 98.

(4) المختلف 2: 99.

(5) المدارك 3: 179.

(6) البحار 80: 241.

(7) مفاتيح الشرائع 1: 110.

(8) ذخيرة المعاد: 227 السطر 42.

(9) الحدائق 7: 97.

(10) الفقيه 1: 172/ ذيل ح 810.

332

..........

____________

العمومات الثوب من الحرير أو الإبريسم، غير الصادق على مثل التكّة و القلنسوة و نحوهما ممّا لا تتمّ الصلاة فيه، لا مطلق اللبس كي يشملها فلاحظ.

و كيف كان، فالعمدة في المقام اختلاف الأخبار كما عرفت، فانّ مقتضى الإطلاق في صحيحتي محمد بن عبد الجبار المتقدمتين (1) المنع، بل إنّ لهما قوة ظهور في ذلك زائداً على الإطلاق، من جهة أنّ موردهما هو القلنسوة التي لا تتم فيها الصلاة، فهما باعتبار المورد كالنصّ في ذلك، لاستهجان التخصيص به.

و دعوى أنّ الحرير مختص لغة بالثوب فلا يشمل ما لا تتم، يدفعها مضافاً إلى منعها، إذ لا شاهد عليها، أنّ التكّة و القلنسوة قد اضيفتا إلى الحرير المحض في الصحيحتين الكاشف عن صدقه عليهما كصدقه على الثوب فلاحظ.

و بإزاء هاتين الصحيحتين خبر الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كلّ ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه، مثل التكّة الإبريسم، و القلنسوة و الخف و الزنّار يكون في السراويل و يصلّى فيه» (2).

و يقع الكلام في هذا الخبر تارة من حيث السند، فان بنينا على الضعف تعيّن العمل بالصحيحتين السليمتين عن المعارض. و أُخرى بناءً على الصحة، فهل يمكن التوفيق و الجمع العرفي بينهما على وجه ترتفع المعارضة أو لا؟ و ثالثة بناءً على استقرار المعارضة فأيّهما المرجّح. فهذه جهات البحث.

أمّا الجهة الأُولى: فليس في السند من يتأمّل فيه عدا أحمد بن هلال العبرتائي، فقد ذكر العلامة في الخلاصة أنّ روايته غير مقبولة (3).

لكنّا ذكرنا غير مرّة عدم الاعتماد على تضعيف العلامة و توثيقه، و كذا غيره من المتأخرين، لابتنائه على الحدس و الاجتهاد، و إنّما يعتمد على من يقطع أو يحتمل استناده في الجرح و التعديل على الحسّ كي يشمله دليل حجية الخبر.

____________

(1) في ص 327.

(2) الوسائل 4: 376/ أبواب لباس المصلي ب 14 ح 2.

(3) الخلاصة: 320/ 1256.

333

..........

____________

على أنّ من المعلوم من مسلك العلامة اقتصاره في الحجيّة على خبر الإمامي الاثني عشري، فلا يعتمد على غيره و إن كان ثقة، و الرجل منحرف عن الحق كما ستعرف، و لأجله منع عن قبول روايته. فلا يكشف المنع عن عدم الوثاقة.

و لم نعثر على غير العلامة ممّن ضعّف الرجل في حديثه، برميه بالكذب أو الوضع و نحوه ممّا يوجب عدم صدقه في الحديث أو الخدش في قبول روايته.

بل إنّ النجاشي قد صرّح بالقبول فقال: إنّه صالح الرواية، يعرف منها و ينكر (1). فيظهر منه أنّ الرجل في نفسه صالح الرواية غير أنّ بعض أحاديثه منكرة إمّا لخلل في المضمون أو لروايته عمّن لا يعتمد عليه، و قد ذكرنا في محلّه (2) أنّ هذا هو المراد من مثل هذه العبارة الكثيرة الدوران في كلمات الرجاليين، و إلا فظاهرها يقتضي التناقض بين الصدر و الذيل كما لا يخفى.

هذا مع أنّ ابن الغضائري لم يتوقّف في حديثه عن نوادر ابن أبي عمير و مشيخة الحسن بن محبوب (3) فلولا أنّ الرجل في نفسه صالح الحديث و مقبول الرواية لم يكن فرق بين روايته عنهما و عن غيرهما في عدم قبول شي‌ء منها.

و قد صرّح الشيخ (قدس سره) في العدّة بقبول رواياته في حال استقامته (4). و من هنا ذكر في إكمال الدين قوله: حدّثنا يعقوب بن يزيد عن أحمد بن هلال في حال استقامته عن ابن أبي عمير (5). فيظهر أنّه ثقة في نفسه، و إنّما منع عن الأخذ برواياته انحرافه عن الحق، و هذا إنّما يقدح عند من يقتصر في الحجيّة على خبر الإمامي الاثني عشري، و أمّا على المختار من التعميم لمطلق الثقة و إن لم يكن كذلك كما في الفطحيّة و الواقفيّة و نحوهما من سائر الفرق المخالفة للفرقة‌

____________

(1) رجال النجاشي: 83/ 199.

(2) معجم رجال الحديث 3: 152.

(3) حكاه عنه في الخلاصة: 320/ 1256.

(4) العُدّة: 57 السطر 1.

(5) كمال الدين: 204/ 13.

334

..........

____________

الناجية، فلا يكون الانحراف المزبور قادحاً في الحجيّة و مانعاً عن قبول الرواية.

نعم، ذكر الصدوق (1) تبعاً لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد أنّه يستثني من روايات محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري (2) في كتاب نوادر الحكمة ما يرويه عن جماعة و عدّ منهم أحمد بن هلال، و تبعه القميّون في ذلك، غير أنّ بعضهم ناقش في استثناء محمد بن عيسى العبيدي كما تقدّم سابقاً.

لكن سبق غير مرّة أنّ الاستثناء المزبور لا يدل على التضعيف، بل غايته عدم ثبوت وثاقة هؤلاء عندهم لا الطعن فيهم في قبال الباقين الثابتة وثاقتهم.

و منه يظهر أنّ ما ذكره الشيخ في التهذيب من عدم العمل بما يختص الرجل أعني أحمد بن هلال بروايته (3) غير دالّ على التضعيف، و لعلّ عدم العمل لدى الاختصاص لاشتمال حديثه على المنكرات، أو غايته عدم ثبوت وثاقته عنده.

و على الجملة: لا ينبغي الريب في انحراف الرجل عن الحقّ و فساد عقيدته بعد أن كان مستقيماً في أوّل أمره، بل كان من أعيان هذه الطائفة و وجوهها و ثقاتها، و قد وردت فيه ذموم شديدة و مطاعن أكيدة عن العسكري (عليه السلام) كما ذكره النجاشي (4) و عن الناحية المقدّسة كما عن الكشي (5) تتضمن اللّعن عليه و التبرّي منه، بل خروجه عن الدين، حتى قطع اللّٰه عمره بدعوة الحجّة (عجل اللّٰه فرجه).

____________

(1) كما في رجال النجاشي 348/ 939.

(2) [المذكور في الأصل: أحمد بن محمد بن يحيى العطار. و الصحيح ما أثبتناه].

(3) التهذيب 9: 204/ ذيل ح 812.

(4) رجال النجاشي: 83/ 199.

(5) رجال الكشي: 535/ 1020.

335

..........

____________

و قد حكى الصدوق في إكمال الدين عن شيخه ابن الوليد عن سعد بن عبد اللّٰه أنّه قال: ما سمعنا و لا رأينا بمتشيّع رجع عن تشيّعه إلى النصب إلا أحمد ابن هلال (1).

بل يظهر كما عن شيخنا الأنصاري (2) من نسبته إلى النصب تارة و إلى الغلو اخرى عدم اعتناقه مذهباً أصلًا، لما بين المسلكين من بعد المشرقين و كونهما على طرفي النقيض.

و لعلّ السرّ و اللّٰه العالم في عدوله عن الحقّ و انحرافه عن المذهب هو البغي و الحسد، حيث إنّه كما عرفت كان من أعيان هذه الطائفة و وجوهها، و على جانب عظيم في أعين الناس، و قد لقيه أصحابنا بالعراق و كتبوا عنه، و أنكروا ما ورد في مذمّته حتى حملوا القاسم بن العلاء على أن يراجع في أمره مرة بعد اخرى، و لذلك كان يتوقّع اللعين صدور التوقيع باسمه و تفويض السفارة اليه و جعله نائباً خاصاً، فلمّا رأى خلاف ذلك دعاه بغيه و حسده إلى الخروج عن الدين و الانحراف عن الحق، أعاذنا اللّٰه من سوء الخاتمة، و وقانا من تسويلات النفس الغاشمة.

و كيف كان، فكلّ ذلك مما لا ريب فيه و لا إشكال، لكنّ شيئاً من ذلك لا يقتضي نفي الوثاقة عن الرجل في نفسه، و عدم صدقه في حديثه الذي هو المناط في حجّية الخبر كي يعارض به توثيق النجاشي المتقدّم.

بل إنّ الرجل قد وقع في سلسلة سند كامل الزيارات، و قد مرّ غير مرّة توثيق جعفر بن محمد بن قولويه لكلّ من يقع في سند كتابه، و لزوم الأخذ به ما لم يثبت تضعيفه من الخارج. فهذا توثيق آخر يعضد توثيق النجاشي، و ليس في البين ما يعارض التوثيقين كي يرفع اليد عنهما.

و عليه فالأظهر قبول روايات أحمد بن هلال، لثبوت توثيقه السليم عن‌

____________

(1) كمال الدين: 76.

(2) كتاب الطهارة: 57 السطر 19.

336

..........

____________

المعارض، و لأجله نعتبر رواية الحلبي في المقام موثّقة.

و يؤيّده: أنّ المشهور قد عملوا بها كما عرفت، لانحصار مدركهم فيها، فمع تسليم الضعف فهو مجبور بعمل المشهور بناءً على ما هو المعروف من ثبوت الانجبار، و إن كان على خلاف التحقيق.

و من الغريب أنّ صاحب الحدائق (قدس سره) مع اعتراضه كثيراً على الأصحاب في تقسيمهم الأخبار إلى الصحيح و الحسن و الضعيف، و بنائه على حجّية الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة، و عدم الطعن في أسانيدها كيف حكم على هذه الرواية بالضعف (1)، مع أنّها موثّقة، بل مجبورة بعمل المشهور كما عرفت.

الجهة الثانية: بعد الفراغ عن حجيّة رواية الحلبي، و البناء على كونها موثّقة كما عرفت فهل يمكن الجمع الدلالي بينها و بين الصحيحتين المتقدّمتين لمحمد ابن عبد الجبار (2) أو أنّهما متعارضتان؟ الظاهر هو الأول، لأنّ الموثّقة صريحة في الجواز و نصّ فيه بحيث لا تقبل التصرّف و التأويل، بخلاف الصحيحتين، فانّ دلالتهما على المنع و إن كانت في غاية القوّة، لكون ما لا يتم بنفسه مورداً لهما، و يقبح تخصيص المورد كما عرفت (3) لكنّهما مهما بلغتا من القوّة فهما بالأخرة ظاهرتان قابلتان للتأويل، و لا تكادان تخرجان عن حدّ الظهور إلى الصراحة كما في الموثّقة، فهما من قبيل النص و الظاهر، فليحمل الإطلاق في الصحيحتين على غير ما لا تتم الصلاة فيه.

و القبح المزبور ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص، بل هو قبح كلامي نشأ من المنافاة لحكمه التكلّم، فيرتفع القبح و الاستهجان فيما إذا كانت هناك نكتة اقتضت العدول عن مورد السؤال، و إلقاء الحكم بنحو الكبرى الكلّية و إن‌

____________

(1) الحدائق 7: 97.

(2) في ص 327.

(3) في ص 332.

337

..........

____________

لم تنطبق على المورد، فيتدارك القبح بتلك المصلحة.

و قد تقدّم نظير ذلك في السنجاب و قلنا إنّه و إن كان مورداً لموثقة ابن بكير المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه لكنّه يحكم بالجواز للنصّ الخاص الوارد فيه غير القابل للتأويل، و يحمل إطلاق الموثّقة على غير هذا المورد فلاحظ (1).

الجهة الثالثة: لو أغمضنا عمّا ذكر و بنينا على استقرار المعارضة لتعذّر الجمع العرفي، فهل يمكن ترجيح أحدهما على الآخر؟

ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) أنّ الترجيح مع الصحيحتين، لموافقة خبر الحلبي مع العامّة، فإنّ المنقول عن أبي حنيفة و الشافعي و أحمد في إحدى الروايتين جواز الصلاة في الحرير المحض فيحمل على التقيّة (2).

و هذا كما ترى غريب جدّاً، ضرورة أنّهم يجوّزون الصلاة في الحرير مطلقاً سواء كان مما تتم فيه الصلاة أم لا، و المستفاد من موثّقة الحلبي ظهوراً، بل صراحة المفروغية عن مانعية الحرير في الصلاة، و أنّها أمر مفروض مسلّم و إنّما حكم بالجواز لكون الحرير مما لا تتم فيه الصلاة مثل التكّة و القلنسوة و نحوهما، بحيث لولا هذه الجهة لكان عدم الجواز لمانعية الحرير في حدّ ذاته مما لا ريب فيه، و هذا كما ترى مخالف لمذهب العامّة، فكيف يحمل مثله على التقيّة.

و عن المحقّق الهمداني (قدس سره) عكس ذلك، فحمل الصحيحتين على التقيّة، و رجّح الموثّقة عليهما و قال بعد ما استظهر أنّهما رواية واحدة قد وقع الاختلاف في النقل من حيث التعبير باللفظ و المضمون، فنقلها محمد بن عبد الجبار إجمالًا تارة و تفصيلًا اخرى: إنّهما من الأخبار التي تلوح منها آثار التقيّة، حيث إنّهما من المكاتبة دون المشافهة، و يحتاط في الأُولى ما لا يحتاط في الثانية، فإنّها تبقى و هذه تفنى، مع اشتمالها على نفي البأس عن الصلاة في وبر ما لا يؤكل كالأرانب مشروطاً بالتذكية المحمول على التقيّة البتّة.

____________

(1) ص 194 فما بعدها.

(2) الحدائق 7: 97.

338

..........

____________

و في التعليق على المشيئة إيماء إليها كما لا يخفى، فبعد هذه الشواهد و الأمارات سيما بعد تطرّق التقيّة في بعض الفقرات لا يبقى وثوق بصدورها لبيان الحكم الواقعي، فلا مجال لدعوى إبائها عن التقيّة.

بل إنّ في العدول عن التصريح بالمنع عن الصلاة فيه إلى التعبير بنفي الحلّية في قوله (عليه السلام): «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» المشعر بالحرمة النفسية فقط كما يرونها دون الوضعية كما نقول بها إيماء إلى ما ذكرناه من ابتنائها على التقية. و عليه فتحمل هذه الفقرة على إرادة حرمة نفس الحرير حال الصلاة لا بطلان الصلاة الواقعة فيه (1).

و أنت خبير بما فيه، بل لم نكن نترقّب صدوره عن مثله (قدس سره). أمّا ما أفاده من دعوى الاتحاد فغير بعيدة، و لا نضايقه فيها.

و أمّا ما أفاده من حمل قوله (عليه السلام): «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» على إرادة حرمة اللبس فمن غرائب الكلام، بل لعلّ طرح الرواية أهون من هذا الحمل، ضرورة ظهور قوله: «لا تحلّ» بل صراحته في نفي الحلّية الوضعيّة المساوقة للبطلان، سيما بعد إسناده إلى الصلاة نفسها، فكيف يحمل على الحرمة النفسية و يسند إلى اللبس غير المختص بحال الصلاة.

فالإنصاف: أنّه لا يمكن ترجيح شي‌ء من الروايتين على الأُخرى بالحمل على التقية، لمخالفتهما معاً مع العامّة. و من الظاهر عدم موافقة مضمون إحداهما مع الكتاب أو مخالفته كي يرجّح من هذه الجهة. و قد ذكرنا في بحث التعادل و التراجيح حصر الترجيح بهذين (2) فهما متكافئان بعد تسليم المعارضة.

و حينئذ فان بنينا على التخيير بعد فقد الترجيح كما هو المشهور جاز الأخذ بأحدهما مخيّراً و الفتوى بمضمونه، و إلا كما هو الأقوى، لضعف أخبار‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 141 السطر 26.

(2) مصباح الأُصول 3: 414.

339

بل يحرم لبسه في غير حال الصلاة أيضاً إلّا مع الضرورة لبرد، أو مرض، و في حال الحرب، و حينئذ تجوز الصلاة فيه أيضاً [1] (1).

____________

التخيير بأجمعها كما تعرّضنا له في محلّه (1) فيتساقطان على ما هو الأصل في المتعارضين، و حينئذ فحيث ليس لنا عموم فوق يرجع إليه، إذ الأخبار المانعة عن الصلاة في الحرير و عمدتها الصحيحة الثالثة و الرابعة المتقدّمتان (2) كلّها مقيّدة بالثوب غير الصادق على التكّة و القلنسوة و نحوهما مما لا تتم فيه الصلاة، و إن صدق عنوان اللبس، لكنّه غير مأخوذ في شي‌ء منها، فينتهي الأمر حينئذ إلى الرجوع إلى الأصل العملي، و مقتضاه أصالة البراءة عن تقيّد الصلاة بعدم وقوعها في مثل هذا الحرير، بناءً على ما هو الصحيح من جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

فتحصّل: أنّ النتيجة هي الجواز على كلّ تقدير، سواء قلنا بالجمع الدلالي و التوفيق العرفي بين موثّقة الحلبي و الصحيحتين كما هو الحق على ما عرفت، أم بنينا على استقرار المعارضة بينهما لتساقطهما حينئذ، و مقتضى الأصل هو الجواز. فالأقوى جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه وحده من الحرير و اختصاص المانعية بما تتم.

(1) بعد الفراغ عن الحرمة الوضعية تعرّض (قدس سره) للحرمة النفسية و استقصاء البحث يستدعي التكلّم في جهات:

الجهة الاولى: لا إشكال كما لا خلاف في حرمة لبس الحرير على الرجال حال الصلاة و غيرها، بل عليه الإجماع في كثير من الكلمات، و تدلّ عليه جملة‌

____________

[1] دوران صحة الصلاة مدار جواز اللبس لا يخلو من إشكال بل منع، نعم إذا كان الاضطرار في حال الصلاة أيضاً جازت الصلاة فيه.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 423.

(2) في ص 327.

340

..........

____________

من الروايات، و فيها المعتبرة كموثقة سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن لباس الحرير و الديباج، فقال: أمّا في الحرب فلا بأس به، و إن كان فيه تماثيل» (1) دلّت بالمفهوم على ثبوت البأس في غير حال الحرب، و لعلّ الجواز حالها لأجل إظهار شوكة الإسلام كي لا يزعم الكفّار أنّ الحرب معهم لكسب الثروة و التخلّص من الفقر، أو لما قيل من أنّ الحرير يوجب قوّة القلب أو لوجه آخر لا نعرفه.

و كيف ما كان، فهي صريحة في عدم الجواز في غير هذه الحال، كما أنّها صريحة في الجواز حال الحرب و إن كان فيه تماثيل.

نعم، يعارضها في هذا الإطلاق ما رواه عبد اللّٰه بن جعفر في قرب الإسناد بسنده عن الصادق عن أبيه: «أنّ علياً (عليه السلام) كان لا يرى بلبس (بلباس) الحرير و الديباج في الحرب إذا لم يكن فيه التماثيل بأساً» (2).

لكن الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بعبد اللّٰه بن جعفر (3) يمكن حملها على الكراهة جمعاً، للتصريح في الموثّق بالجواز حتى مع التماثيل.

الجهة الثانية: هل تعمّ الحرمة مطلق اللباس أو تختصّ بما تتم فيه الصلاة فما لا تتم كالقلنسوة لا يكون لبسه حراماً؟ لم أرَ من تعرّض لهذه الجهة، و إنّما تعرّضوا لذلك في المانعية و الحرمة الوضعيّة كما تقدّم.

و الظاهر ابتناء الحكم هنا على ما تقدّم في تلك المسألة، فإن بنينا هناك على المانعية من جهة المناقشة في خبر الحلبي كان إطلاق الأخبار الناهية عن اللبس الشاملة لما تتم و ما لا تتم محكّماً فنحكم بالإطلاق في الحرمة النفسيّة و الوضعيّة، لعدم المقيّد لشي‌ء منهما.

____________

(1) الوسائل 4: 372/ أبواب لباس المصلى ب 12 ح 3.

(2) الوسائل 4: 372/ أبواب لباس المصلّي ب 12 ح 5، قرب الاسناد: 103/ 347.

(3) [بل وثّقه الشيخ، راجع معجم رجال الحديث 11: 148/ 6766].

341

..........

____________

و إن بنينا هناك على الجواز وضعاً، أخذاً بموثقة الحلبي كما عرفت فالظاهر جواز اللبس نفساً أيضاً، إذ نفي البأس عن الصلاة فيما لا تتم كما تضمّنه الموثّق يدلّ بالدلالة الالتزامية العرفية على الترخيص في اللبس في حدّ نفسه إذ حمله على مجرد الجواز الوضعي مع المنع النفسي خلاف المتفاهم العرفي من موثّق الحلبي كما لا يخفى، فكما يقيّد به إطلاق دليل المانعية يقيّد إطلاق دليل الحرمة بملاك واحد.

الجهة الثالثة: أنّه يستثني من حرمة اللبس مضافاً إلى حال الحرب كما مرّ حال الضرورة من برد أو مرض أو خوف و نحوها.

و استدلّ له في الوسائل تارة بحديث الرفع بالنسبة إلى الاضطرار، و هو وجيه. و أُخرى بقولهم (عليهم السلام): «ليس شي‌ء ممّا حرّم اللّٰه إلا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» المذكور في باب اليمين، و هو ايضاً متين. و ثالثة بقولهم (عليهم السلام): «كلّ ما غلب اللّٰه عليه فاللّٰه أولى بالعذر» (1)، و قد تبعه في هذا الاستدلال غيره.

لكنّه في غير محلّه، لخروجه عن محلّ الكلام، إذ المراد بالاضطرار المبحوث عنه في المقام ما لم يبلغ حدّا يسلب معه الاختيار و يخرج الفعل عن القدرة، و إلا فلا حاجة إلى الاستدلال حتّى بمثل حديث الرفع، لاستقلال العقل حينئذ بقبح خطاب العاجز، و امتناع التكليف بما لا يطاق.

فمحلّ الكلام ما إذا كان لبس الحرير مع كونه مقدوراً و متعلّقاً للاختيار فعلًا و تركاً مضطراً إليه لضرورة دعته إليه، من برد أو مرض و نحوهما في قبال الإكراه. و لا ريب أنّ الرواية ناظرة إلى الفرض السابق، أعني الخروج عن القدرة و الاختيار، و أنّ الشي‌ء مغلوب لإرادة اللّٰه تعالى، و قدرة العبد مقهورة لقدرته، كما في صاحب السلس الخارج منه البول بلا إرادة منه، الذي هو مورد‌

____________

(1) الوسائل 4: 373/ أبواب لباس المصلي ب 12 ح 6، 7، 8.

342

..........

____________

الرواية. فالرواية أجنبية عن محلّ البحث، و العمدة في الاستدلال هما الوجهان الأوّلان.

الجهة الرابعة: قد عرفت الاستثناء في حالتي الحرب و الضرورة، فهل هذا استثناء عن خصوص الحرمة النفسية فتبطل الصلاة في الحرير حالتهما أو عنها و عن الوضعية فتصح؟

أمّا في حال الضرورة فربما يستدلّ للجواز بما يستفاد من الأخبار من أنّ الصلاة لا تسقط بحال.

و هذا ينبغي أن يعدّ من الغرائب، إذ ليس الكلام في العذر المستوعب لتمام الوقت، و إلا فمع الاستيعاب لا ريب في الصحة قطعاً، و أنّ المانعية ساقطة حينئذ بالضرورة كما هو الحال في سائر الموانع، بل الأجزاء و الشرائط المتعذّرة في مجموع الوقت، الذي لا يشك في وجوب الاقتصار على الباقي و عدم سقوط الصلاة رأساً.

و إنّما الذي وقع فيه الكلام في المقام بين الأعلام نفياً و إثباتاً هو العذر غير المستوعب و غير المؤدّي لسقوط الصلاة، للتمكّن من الإتيان بها في غير الحرير في الجزء الآخر من الوقت. فالاستدلال المزبور في غير محلّه جزماً.

و كيف كان، فقد ذهب جمع منهم المحقق الهمداني (قدس سره) إلى الجواز مستدلًا عليه بقصور المقتضي، لانصراف دليل المانعية إلى ما كان اللبس حراماً في نفسه. فحال الترخيص و جواز اللبس غير مشمول لدليل المنع (1).

و الجواب: أنّ كلا من المانعية و الحرمة قد ثبتت بدليل يختصّ بها، و لم يثبتا بدليل واحد كي يدّعى الانصراف المزبور، و لا ريب في عدم الملازمة بين المانعية و الحرمة كما في لبس ما لا يؤكل و النجس و الميتة، حيث إنّها تمنع عن صحة الصلاة مع جواز لبسها تكليفاً بلا إشكال، إلا في الميتة على القول بحرمة الانتفاع بها مطلقاً، الذي هو خلاف التحقيق.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 137 السطر 31، 22.

343

..........

____________

فالإنصاف: أنّه لا مقيّد للإطلاق بالنسبة إلى دليل المانعية، و غاية ما ثبت بدليل الاضطرار جواز اللبس في هذه الحال تكليفاً، فيقيّد به الإطلاق في دليل الحرمة. و أمّا الإطلاق في دليل المنع فهو سليم عن التقييد، فيتمسك به و مقتضاه بطلان الصلاة الواقعة في الحرير عند الضرورة و إن جاز اللبس حينئذ.

و أمّا في حال الحرب فقد يستدلّ لصحة الصلاة حينئذ بالانصراف الذي عرفت تقريره مع جوابه.

و استدلّ لها في الجواهر (1) بما حاصله: أنّ الجواز حال الحرب قد ثبت بالنصّ الخاص، دون الأدلّة العامّة كما في الضرورة من حديث الرفع و نحوه كما عرفت. و مقتضى إطلاق النصّ شمول الجواز لحالتي الصلاة و غيرها، فيعمّ الجواز التكليفي و الوضعي.

و النسبة بينه و بين دليل المانعية كقوله في صحيح ابن عبد الجبار المتقدّم (2): «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» و إن كانت هي العموم من وجه، لافتراق الأوّل في المحارب غير المصلّي، و افتراق الثاني في المصلّي غير المحارب، و يتعارضان في مادّة الاجتماع و هي الصلاة في الحرير حال الحرب، لكن الترجيح مع الأوّل، لفهم الأصحاب و مناسبة التخفيف الذي هو الحكمة في الرخصة.

و فيه: أنّ نصّ الجواز حال الحرب خاص بالحكم التكليفي، و لا نظر فيه إلى الجواز الوضعي بوجه، فهو و إن كان بإطلاقه شاملًا لحالتي الصلاة و غيرها لكن النظر فيه مقصور على الحلّية التكليفية قبال الحرمة النفسية، و أنّ لبس الحرير لا يكون حراماً على المحارب في الحالتين. و أمّا الجواز الوضعي و أنّه لا يكون مانعاً عن صحة الصلاة فلا نظر في النصّ إليه بوجه حتى يعارض به‌

____________

(1) الجواهر 8: 119.

(2) في ص 327.

344

و إن كان الأحوط أن يجعل ساتره من غير الحرير (1).

____________

إطلاق دليل المانعية. فالمتبع هو هذا الإطلاق السليم عن المعارض، و لأجله يحكم بالبطلان.

نعم، لو وصلت النوبة إلى المعارضة، بأن كان النصّ في المقام شاملًا لكلا الجوازين اتجه الحكم بالصحة حينئذ، من دون حاجة إلى ترجيح دليل الجواز على المنع بما أفاده (قدس سره) من الوجهين، بل مجرّد عدم الترجيح في دليل المنع كافٍ في الحكم بالجواز، لتساقط الدليلين حينئذ بعد التعارض، فيرجع إلى أصالة البراءة عن تقيد الصلاة في هذه الحالة أعني حال الحرب بعدم وقوعها في الحرير، إذ لا دليل على المانعية حينئذ بعد سقوطه بالمعارضة كما هو ظاهر.

(1) لم نعرف وجهاً لتخصيص الاحتياط بالساتر، إذ لو بنينا على جواز الصلاة في الحرير حال الحرب، لاستفادة الجواز التكليفي و الوضعي من النصّ الوارد في المحارب كان مقتضاه عدم الفرق بين الساتر و غيره، لإطلاق النص.

و إن بنينا على عدم الجواز، لاختصاص النصّ المزبور بالحكم التكليفي فكان المرجع إطلاق دليل المنع كما هو الصحيح على ما عرفت كان مقتضاه أيضاً عدم الفرق بين الساتر و غيره.

نعم، لو ذكر الاحتياط على سبيل الإطلاق كان له وجه وجيه كما لا يخفى، و أمّا تخصيصه بالساتر فوجهه غير ظاهر.

و لا يبعد أن يكون نظره (قدس سره) إلى ما في الجواهر (1) من أنّ غاية ما ثبت بدليل الجواز رفع الحكم التكليفي و الوضعي، فيرتكب التقييد في إطلاق دليلي الحرمة و المانعية، و لا يقتضي ذلك ارتكاب التقييد فيما دلّ على اشتراط الساتر بعدم كونه من الحرير، فيتمسّك بإطلاقه الشامل للمقام.

____________

(1) الجواهر 8: 117.

345

و لا بأس به للنساء، بل تجوز صلاتهنّ فيه أيضاً على الأقوى (1).

____________

و الحاصل: أنّ الحرير كما أنّه مانع عن صحة الصلاة كذلك عدمه شرط في الساتر المشروط به الصلاة، إذ يعتبر فيه أن لا يكون منه. و أقصى ما يقتضيه دليل الترخيص رفع المانعية و الحرمة الوضعية لتقييده دليلها، و أمّا التقييد في دليل الشرط كي يحصل معه الستر فكلا، فاذا كان الساتر حريراً كان وجوده كعدمه، لعدم حصول شرطه، و معه تبطل الصلاة لا لوجود المانع، بل لفقد الشرط و هو الساتر الخاص. و عليه فاللازم ضمّ ساتر آخر معه فوق الحرير أو تحته.

و الجواب عنه أوّلًا: ما أسلفناك في بحث اللباس المشكوك من استحالة جعل المانعية لأحد الضدين، و الشرطية للضد الآخر. فلا يعقل أن يكون الحرير مانعاً عن الصلاة، و عدمه شرطاً في الساتر المشروط به الصلاة، و قد مرّ توضيحه هناك مفصلًا فراجع (1) و لاحظ.

و ثانياً: على تقدير الإمكان فلا دليل عليه في المقام، إذ الثابت بحسب الأدلّة إنّما هو مانعية الحرير كما يقتضيه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة: «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» و أمّا شرطية عدمه في الساتر فلم يدلّ عليه دليل عدا التوقيع المروي في الاحتجاج عنه (عجل اللّٰه تعالى فرجه): «لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتّان» (2) لكنّه لضعفه لا يمكن الاستدلال به كما تعرّضنا له في بحث الساتر (3).

(1) أمّا جواز اللبس لهنّ فلا خلاف فيه و لا إشكال، لإجماع الأصحاب عليه و تسالمهم، بل هو مورد لاتفاق المسلمين عامّة من الخاصة و العامّة من‌

____________

(1) ص 212 فما بعدها.

(2) الوسائل 4: 375/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 8، الاحتجاج 2: 589.

(3) في ص 187.

346

..........

____________

غير نكير، و قد قامت سيرة المتشرعة على ذلك خلفاً عن سلف، المتّصلة بزمن المعصومين المستكشف رضاهم و إمضاؤهم لها. و هذا هو العمدة، و إلا فالأخبار الخاصة الواردة في المقام كلّها ضعيفة السند لا تصلح إلا للتأييد فلاحظ.

و أمّا جواز الصلاة فيه فهو المعروف المشهور بين الأصحاب، بل نسب إلى فتوى الأصحاب تارة و إلى عمل الناس في الأعصار و الأمصار اخرى.

خلافاً للصدوق في الفقيه فذهب إلى المنع (1) و مال إليه البهائي في الحبل المتين (2) و غيره، و توقّف فيه جماعة، و ممّن تبع الصدوق صريحاً صاحب الحدائق (3) و إن لم يوافقه في دليله.

و كيف كان، فقد استدل في الفقيه على المنع بما نصّه على ما حكاه عنه في الحدائق-: قد وردت الأخبار بالنهي عن لبس الديباج و الحرير و الإبريسم المحض و الصلاة فيه للرجال، و وردت الرخصة في لبس ذلك للنساء. و لم ترد بجواز صلاتهنّ فيه، فالنهي عن الصلاة في الإبريسم المحض على العموم للرجال و النساء حتى يخصّهن خبر بالإطلاق لهنّ في الصلاة فيه كما خصّهن بلبسه. انتهى.

و حاصله: أنّ إطلاق الأخبار المانعة كقوله (عليه السلام): «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» الوارد في صحيحتي محمد بن عبد الجبّار المتقدمتين (4) اللتين لم يبعد اتحادهما كما مرّ (5) شامل للرجل و المرأة، غاية الأمر قد ثبت من الخارج جواز اللبس لهنّ، و أمّا المانعية فلم يثبت نفيها عنهنّ ليتمسّك بالإطلاق.

____________

(1) الفقيه 1: 171/ ذيل ح 807.

(2) حبل المتين: 185 السطر 22.

(3) الحدائق 7: 95 96.

(4) في ص 327.

(5) في ص 338.

347

..........

____________

و اعترض عليه في الحدائق بمنع الإطلاق في الأخبار، فإنّ أكثرها إنّما اشتملت على السؤال عن الرجل، فموردها الرجال خاصة. و ليس في البين ما يتوهّم منه الإطلاق عدا الصحيحتين، لكن يوهنه ابتناؤهما على سبب خاص و هي القلنسوة التي هي من الألبسة المختصة بالرجال، فالإطلاق نزّل عليهم بتلك القرينة.

أقول: أمّا منعه (قدس سره) عن الإطلاق فيما عدا الصحيحتين ففي محلّه للتصريح بالرجل كما أفاده المانع عن التعدّي إلى المرأة. و لا مجال لقاعدة الاشتراك في المقام، إذ مدركها الإجماع و مورده عدم احتمال دخل الخصوصية المأخوذة موضوعاً للحكم و هي الرجولية فيما نحن فيه، و لا ريب أنّ الاحتمال موجود في المقام، إذ بعد ملاحظة الفرق بينهما في الحكم التكليفي يتطرّق احتمال الفرق في الحكم الوضعي أيضاً من غير رافع. فعدم احتمال الخصوصية مفقود، و الإجماع منتفٍ بالضرورة.

و أمّا ما أفاده (قدس سره) في وجه منع الإطلاق في الصحيحتين فيتوجّه عليه:

أوّلًا: أنّ العبرة في الإطلاق و التقييد بكلام الإمام (عليه السلام) دون السائل. و جوابه (عليه السلام) مطلق، فلا يتقيّد بالرجال من أجل القلنسوة المذكورة في السؤال، فإنّ المورد لا يكون مخصصاً.

و ثانياً: أنّ الصحيحة الثانية لمحمد بن عبد الجبار مشتملة على التكّة، و هي من الألبسة المشتركة بين الرجل و المرأة. فذكر القلنسوة المختصّة بهم لا يوجب التقييد بعد اشتمال السؤال على ما هو مشترك بينهما أيضاً كما هو ظاهر.

نعم، يمكن أن يقال في منع الإطلاق: إنّ المستفاد من ذكر القلنسوة و التكّة في السؤال أنّ نظر السائل مقصور على استعلام حكم ما لا تتم فيه الصلاة من الحرير، و أنّه هل يفرق في المانعية بينه و بين ما تتم فيه الصلاة كما في النجس، أو لا، بعد الفراغ عن أصل المانعية على ما هي عليه من التخصيص بالرجال أو‌

348

..........

____________

التعميم لهم و للنساء، و إلا فلو كان السؤال عن أصل مانعية الحرير لم يكن وجه لتخصيص المثالين بالذكر، بل سئل عن مطلق الصلاة في الحرير.

و عليه فلا إطلاق في الجواب، بل هو منزّل على ما سيق السؤال لأجله من عدم الفرق في المانعية بين ما يتم و غيره، و أنّ مانعية الحرير في موطنها لا يفرّق فيها بين الصورتين، و لا نظر فيه إلى التخصيص و التعميم بالنسبة إلى الرجل و المرأة.

و بعبارة اخرى: يعتبر في انعقاد الإطلاق أن يكون المتكلّم في مقام البيان من الجهة التي يراد إثبات الإطلاق من تلك الجهة، فما لم يحرز ذلك لا يثبت الإطلاق، و في المقام ليس الإمام (عليه السلام) إلا بصدد بيان حكم ما لا تتم فيه الصلاة من الحرير الذي هو محطّ نظر السائل، و أنّه لا فرق في المانعية بينه و بين ما تتم، و ليس في مقام البيان من حيث الاختصاص بالرجل أو التعميم له و للمرأة كي ينعقد الإطلاق من هذه الجهة، بل إنّ مجرّد الشك كافٍ في ذلك، لما عرفت من لزوم إحراز البيان في إثبات الإطلاق. فهذا هو الوجه في منع الإطلاق لا ما أفاده في الحدائق.

و عليه فيتوجّه على الصدوق (قدس سره) قلب الدعوى، و أنّ مقتضى الإطلاقات جواز التستّر في الصلاة بكلّ ساتر، و قد ثبت مانعية الحرير لخصوص الرجال، و أمّا النساء فهنّ على الترخيص بمقتضى إطلاقات الفوق حتى يخصّهنّ النهي كما خصّ الرجال.

ثمّ إنّه قد استدلّ في الحدائق لما ذهب اليه من المنع تبعاً للصدوق بعد تضعيف مستنده كما عرفت بوجوه أُخر.

منها: خبر جابر الجعفي قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ليس على النساء أذان إلى أن قال: و يجوز للمرأة لبس الديباج و الحرير في غير صلاة و إحرام ...» إلخ (1).

____________

(1) الوسائل 4: 380/ أبواب لباس المصلي ب 16 ح 6.

349

..........

____________

و فيه: أنّ الدلالة و إن كانت صريحة لكن السند قاصر، لضعف كلّ من وقع فيه أي لم تثبت وثاقته عدا محمد بن زكريا البصري، حيث مدحه النجاشي (1). و أمّا أحمد بن الحسن القطان الذي يروي عنه الصدوق هذه الرواية فهو و إن كان من مشايخ الإجازة، لكن مجرّد ذلك لا يقتضي الوثاقة كما مر غير مرة، بل إنّ بعض مشايخ الصدوق كان ناصبياً بحيث كان يصلّي على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) منفرداً (2).

و منها: خبر زرارة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خزّ أو كتان أو قطن، و إنّما يكره الحرير المحض للرجال و النساء» (3) فانّ لبس الحرير للنساء في غير حال الصلاة مما لا ريب في جوازه، فلا بدّ من حمل النهي على إرادة اللبس حال الصلاة، فيدل على المانعية للرجال و النساء.

و فيه أوّلًا: أنّ الخبر ضعيف السند بموسى بن بكر، فالتعبير عنه بالصحيح كما في الجواهر (4) في غير محلّه.

و ثانياً: أنّ ظاهره المنع عن اللبس تكليفاً، فحمله على المانعية و إرادة الحرمة الوضعية المختصة بحال الصلاة من المؤوّل الذي ليس بحجّة عندنا، فلا وجه للعدول عن ظاهره و ارتكاب التأويل ثم الاستدلال به، فإنّه ليس بأولى من الأخذ بظاهره و حمل النهي على مطلق المرجوحية و إرادة الحرمة بالنسبة إلى الرجال و الكراهة للنساء، بقرينة ما ثبت من الخارج من جواز اللبس لهنّ، كما قد يشعر به التعبير بالكراهة في ذيل الخبر، فإنّها و إن لم تكن في لسان الأخبار بمعنى الكراهة المصطلحة لكنّها تدلّ على المرجوحية المطلقة المجامعة لها‌

____________

(1) رجال النجاشي: 346/ 936.

(2) [و هو أحمد بن الحسين الضبي كما ذكره في عيون أخبار الرضا 2: 279/ 3].

(3) الوسائل 4: 374/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 5.

(4) الجواهر 8: 121.

350

..........

____________

و للحرمة، فتصح قرينة لصرف النهي في صدر الخبر عن الظهور في التحريم خاصة.

و منها: ما دلّ من النصّ و الفتوى على أنّ كلّ ما تجوز الصلاة فيه يجوز الإحرام فيه، بضميمة ما دلّ من الأخبار على عدم جواز إحرام المرأة في الحرير. قال (قدس سره): إنّ الأخبار في ذلك و إن كانت متعارضة لكن الترجيح مع الأخبار المانعة كما يأتي في كتاب الحج إن شاء اللّٰه تعالى.

و اعترض عليه بتوقّفه على حجّية القضية في عكس النقيض، أعني كلّ ما لا يجوز الإحرام فيه لا تجوز الصلاة فيه. و هو غير ظاهر كما حرر في الأُصول.

و فيه: ما لا يخفى، فإنّه لو ثبتت الملازمة بين جواز الصلاة في الشي‌ء و جواز الإحرام فيه على سبيل الكلّية كما هو المفروض و أنّ الثاني لازم و الأوّل ملزوم، فحيث إنّ اللازم لا بدّ و أن يكون مساوياً أو أعم، إذ لو كان أخص لم تكن الملازمة كلّية، و هو خلف، فنفيه يستلزم نفي الملزوم بالضرورة. فقولنا: كلّ شي‌ء كان إنساناً كان حيواناً أو كان ضاحكاً يدلّ على أنّ كلّ ما لا يكون ضاحكاً أو لا يكون حيواناً لا يكون إنساناً قطعاً. فالقضية الكلّية حجّة في عكس النقيض جزماً، و لازمه في المقام عدم جواز الصلاة فيما لا يجوز فيه الإحرام.

نعم، يتوجّه عليه أوّلًا: توقّفه على المنع من جواز إحرامها في الحرير، و هو محلّ تأمل أو منع. و سيجي‌ء البحث حوله في كتاب الحج إن شاء اللّٰه تعالى (1). فهو أوّل الكلام.

و ثانياً: بابتنائه على كون الملازمة الكلّية المزبورة شخصية لا نوعية، أي تكون منحلّة إلى أشخاص المكلّفين، بمعنى أنّ كلّ فرد من آحاد المكلّفين جازت صلاته في شي‌ء جاز إحرامه فيه، كي تدلّ بعكس النقيض على عدم‌

____________

(1) لاحظ شرح العروة 28/ 271.

351

..........

____________

جواز الصلاة فيما لا يجوز الإحرام فيه، كما في قوله: كلّما قصّرت أفطرت. و هو في حيّز المنع.

أوّلًا: للنقض بما إذا اضطر المكلّف و لو لبرد و نحوه إلى الصلاة في النجس من فروة و نحوها، فإنّه لا يجوز له الإحرام فيه مع وجود ثوبيه، إذ لا ضرورة في عدم الإحرام فيهما، و إن كان مضطراً في لبس الفروة المتنجّسة.

و ثانياً: أنّ هذا المعنى خلاف الظاهر مما دلّ على الملازمة المزبورة و هو صحيح حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كلّ ثوب يصلى فيه فلا بأس أن تحرم فيه» (1) فانّ الظاهر منه و المتراءى من هذا الكلام أنّ كلّ ثوب يصلّى فيه في حدّ ذاته و بحسب نوع المكلّفين جاز الإحرام فيه للجميع، فيدلّ بعكس النقيض على أنّ كلّ ثوب لا يجوز الإحرام فيه فهو لا تجوز الصلاة فيه في حدّ ذاته و بالإضافة إلى عامّة المكلّفين، و لو بلحاظ نوعهم الأغلب، أعني الرجال الذين هم العمدة منهم، فلا ينافي صدق هذه الملازمة النوعية جواز الصلاة فيه كالحرير لخصوص النساء كما لا يخفى.

نعم، لو كان لفظ الرواية (تصلّي فيه) بدل (يصلّى فيه) أمكن استفادة الملازمة الشخصية، لكونه خطاباً إلى كلّ مكلّف بالخصوص، نظير قوله: كلّما قصّرت أفطرت. لكنّه ليس كذلك، فانّ الموجود في الكافي (2) و التهذيب (3) و الفقيه (4) و الوافي (5) ضبطه بصيغة المبني للمجهول.

نعم، في الوسائل ضبطه بصيغة الخطاب (تصلّي فيه) و لعلّه سهو من قلم النسّاخ، مع أنّ ذلك أيضاً لا يقدح فيما ذكرناه، لأنّ الخطاب مع حريز الذي هو‌

____________

(1) الوسائل 12: 359/ أبواب الإحرام ب 27 ح 1.

(2) الكافي 4: 339/ 3.

(3) لاحظ التهذيب 5: 66/ 212.

(4) الفقيه 2: 215/ 976 [لكن المذكور فيه: تصلي فيه].

(5) الوافي 12: 564/ 12567.

352

..........

____________

من الرجال، فلا يدلّ إلا على الملازمة الشخصية فيهم، لا في كلّ مكلّف حتى يعمّ النساء، فيكون ذلك مساوقاً مع الملازمة النوعية التي عرفتها.

فظهر من جميع ما مرّ بطلان ما استند اليه في الحدائق لشمول المانعية للنساء، و قد عرفت أيضاً الجواب عن إطلاق أدلّة المانعية الذي استند اليه الصدوق (قدس سره).

و قد يجاب عن الإطلاق بمعارضته بإطلاق ما دل على جواز لبسهنّ للحرير الشامل للصلاة بالعموم من وجه، و الترجيح مع الثاني بفهم الأصحاب، إذ لم يخالف في الجواز حال الصلاة عدا الصدوق و بعض من تبعه، مع أنّه لو سلّم التكافؤ و التساقط فالمرجع أصالة البراءة عن المانعية، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و يندفع: بما عرفت سابقاً (1) من أنّ دليل الجواز لا يستفاد منه أكثر من الجواز التكليفي دون الوضعي، فشموله لحال الصلاة لا ينافي المانعية، فلا تعارض بين الدليلين أصلًا. فحاله حال ما دلّ على جواز لبس النجس و الميتة و ما لا يؤكل الذي لا ينافي ما دلّ على مانعية هذه الأُمور في الصلاة.

و المتحصّل: من جميع ما قدّمناه: أن المقتضي للمانعية بالإضافة إلى النساء قاصر في حدّ نفسه، لعدم ثبوت الإطلاق.

ثم إنّه لو سلّم الإطلاق و تمامية المقتضي فهل هناك ما يمنع عن الأخذ به و يوجب رفع اليد عنه؟

قد يستند في ذلك إلى مرسل ابن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «النساء يلبسن الحرير و الديباج إلا في الإحرام» (2) فانّ الاقتصار في الاستثناء على الإحرام يكشف عن جواز اللبس حال الصلاة و عدم مانعيته لها، و إلا كان أحرى بالذكر، للابتلاء بها في كلّ يوم خمس مرات على الأقل، فهي أولى‌

____________

(1) في ص 343.

(2) الوسائل 4: 379/ أبواب لباس المصلي ب 16 ح 3.

353

..........

____________

بالتعرّض من الإحرام غير الواجب في العمر إلا مرة على المستطيع، و من الواضح أنّ استثناء مثل الإحرام المعتبر فيه ثوب مخصوص قرينة ظاهرة على إرادة الأعم من التكليف و الوضع في المستثنى منه.

و الإنصاف: أنّ دلالة الرواية ظاهرة، بل صريحة، لكن الشأن في سندها [فإنّه] ضعيف من جهة الإرسال.

و قد يتصدى لتصحيحه تارة بالانجبار بالعمل و أُخرى بأنّ المرسل و هو ابن بكير من أصحاب الإجماع، و ثالثة بأنّ في السند أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي لا يروي إلا عن الثقة.

و الكلّ كما ترى، أمّا الأوّل فظاهر من مسلكنا، و أمّا الثاني فلما أشرنا إليه غير مرّة في مطاوي هذا الشرح من أنّ الإجماع الذي ادّعاه الكشي على تصحيح ما يصحّ عن جماعة (1) لا يراد به تلقّي روايات هؤلاء بالقبول، على نحو لا ينظر في من وقع بعدهم في السند، بحيث مهما بلغ السند إليهم و صحّ عنهم يعامل معه إرسال المسلّم، و كأنهم رووه عن المعصوم (عليه السلام) بلا واسطة، فإنّ هذا لا يكاد يستفاد من عبارة الكشي بوجه.

بل الظاهر منها دعوى الاتفاق على قبول رواية هؤلاء من حيث إنّهم رواة و تصديقهم فيما يخبرون، كما عبّر بعين هذا اللفظ أعني التصديق فلا يغمز في السند من أجلهم، لما هم عليه من الجلالة و الفقاهة و الوثاقة، إذ الغمز و الطعن إمّا من جهة الاشتباه و عدم التفطّن للمراد و هو منافٍ لفقاهتهم، أو لأجل الكذب و هو منافٍ لوثاقتهم.

و بالجملة: فلا يظهر من العبارة المزبورة أكثر من دعوى الإجماع على توثيق الجماعة، لا حجية كلّ سند وقع أحدهم فيه و لو رواه مرسلًا أو عمّن لم تثبت وثاقته لدينا كما لا يخفى على من لاحظها.

____________

(1) رجال الكشي: 375/ 705.

354

..........

____________

و أمّا الثالث: فهو من غرائب الكلام، ضرورة أنّ غاية ما ثبت هو أنّ أحمد ابن محمد بن عيسى لا يروي بنفسه إلّا عن الثقة و إن كنّا عثرنا على روايته عن الضعيف أيضاً أحياناً و من هنا أخرج أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن قم، لروايته عن الضعفاء كثيراً و إن ندم على ما صنع فأرجعه بل و مشى في جنازته حافياً. و كيف كان، فغاية ما هناك أنّه بنفسه لا يروي بلا واسطة إلا عن الثقة كما في المقام لا أنّه يقتصر على الرواية المعتبرة الخالية عن كلّ خلل حتى الإرسال أو الضعف في غير من يروي عنه ممّن يقع في سلسلة السند، فانّ هذا لا شاهد عليه، بل و لا قائل به كما لا يخفى.

و قد يستند في ذلك أيضاً إلى موثّق سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للمرأة أن تلبس الحرير المحض و هي محرمة، فأمّا في الحر و البرد فلا بأس» (1).

و هذه الموثقة يستدلّ بها تارة لعدم المانعية، من جهة تخصيص المنع بحال الإحرام بالتقريب المتقدّم في المرسلة. و أُخرى للمانعية، من جهة تخصيص نفي البأس بحال الحر و البرد، الدالّ بالمفهوم على ثبوته في غير الحالتين و إن كانت في الصلاة، و لعلّ الأول أقرب.

لكن الأولى أن يقال: إنّ الموثقة أجنبية عن المانعية و الحرمة الوضعية التي هي محلّ البحث، بل هي ناظرة إلى الحرمة التكليفية، لظهور قوله (عليه السلام): «و هي محرمة» في المنع عن اللبس و هي متّصفة بكونها في حالة الإحرام. و من الواضح أنّ ارتكاب تروك الإحرام لا يقتضي البطلان فيما عدا الجماع، بل غايته العصيان، فلا يفسد الإحرام المفروض تحقّقه بذلك و إن أثم، مع أنّه لا إثم أيضاً لدى الضرورة من حر أو برد كما أُشير إليه في ذيل الموثّق، فلا وجه للاستشهاد بهذه الموثقة لشي‌ء من المانعية و عدمها.

____________

(1) الوسائل 4: 380/ أبواب لباس المصلي ب 16 ح 4.