موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
355

..........

____________

و ممّا ذكرنا يظهر الفرق بينها و بين المرسلة المتقدّمة، حيث سلّمنا دلالتها على المانعية، و ذلك لمكان الاختلاف في التعبير، حيث عبّر فيها بقوله: «و هي محرمة» و في المرسلة بقوله: «إلا في الإحرام» فإنّ المنع عن اللبس في الإحرام كالمنع عنه في الصلاة ظاهر في المانعية، و أنّه يشترط في ثوبي الإحرام كلباس المصلّي أن لا يكون من الحرير، فمعه لا يتحقق الإحرام كما لا تتحقّق الصلاة. و هذا بخلاف النهي عن اللبس في حالة الإحرام و بعد الاتّصاف بها، فإنّه غير ظاهر إلّا في الحرمة التكليفية المحضة كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّه لا يمكن الاستناد في رفع اليد عن الإطلاق إلى شي‌ء من المرسلة و الموثّقة.

و الصحيح الاستناد في ذلك بعد تسليم الإطلاق، و إلا فهو ممنوع من أصله كما عرفت إلى السيرة الثابتة من المتشرّعة القائمة على عدم تحرّز النساء عن الحرير حتى في الصلاة، بل عليه تسالم الأصحاب خلفاً عن سلف، و لم يعهد الخلاف بينهم فيما قبل زمان الصدوق، و هو أوّل من ذهب إلى المنع، و تبعه فيه نفر يسير من المتأخّرين. فلو كانت المانعية ثابتة لظهرت و بانت، و لم يقع الخلاف فيها في مثل هذه المسألة المهمّة الكثيرة الدوران، التي تبتلي بها المرأة في صلاتها في كلّ يوم خمس مرات على الأقل، بل لم يتعرض لها في شي‌ء من الأخبار، و لم يسأل عن حكمها الرواة، و إنّما خصّوا أسئلتهم بالرجال، الكاشف عن وضوح حكم النساء لديهم و ليس الواضح هو المنع قطعاً، و إلا كنّ من الرجال أضيق حالًا، مع ثبوت الجواز لهنّ في غير حال الصلاة دونهم بالضرورة. فلا بدّ و أن يكون هو الجواز.

على أنّ التنبيه على مثل هذا الحكم في الأخبار أولى من التعرّض لحكم ما لا يؤكل، الذي ورد في غير واحد من الأخبار المنع عن الصلاة فيه، فانّ الابتلاء بلبسه سيما الصلاة فيه قليل جدّاً بالإضافة إلى الحرير المتعارف لبسه غالباً كما لا يخفى.

356

بل و كذا الخنثى المشكل [1] (1).

____________

فظهر من جميع ما مرّ أنّ الأقوى جواز لبس الحرير للنساء تكليفاً و وضعاً أي في الصلاة و غيرها، لقصور المقتضي أوّلًا، و وجود المانع ثانياً كما عرفتهما مفصّلًا.

(1) يقع الكلام في الخنثى تارة مع قطع النظر عن العلم الإجمالي، و أُخرى مع ملاحظته.

أمّا على الأوّل: فقد يقال بجواز لبسها في الصلاة و غيرها، تمسكاً بأصالة البراءة عن الحرمة التكليفية و الوضعية، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الأقل و الأكثر الارتباطيين، للشك في الرجولية التي هي الموضوع فيهما.

و قد يقال كما عن صاحب المستند بالتفصيل بين الصلاة و غيرها، فيجوز في الثاني لأصالة البراءة كما مرّ، و لا يجوز في الأوّل (1).

إمّا لأنّ المرجع في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين هو الاشتغال و إن كان على خلاف التحقيق.

أو لأجل التمسك بعموم ما دلّ على مانعية الحرير في الصلاة كقوله في صحيحة محمد بن عبد الجبّار المتقدّمة (2): «لا تحلّ الصلاة في حرير محض» فانّ الخارج منه بعد تسليم الإطلاق عنوان المرأة الذي هو أمر وجودي، فيكون الباقي تحت العام بعد التخصيص كلّ مكلّف لا يكون امرأة، و يمكن إحرازه في الخنثى بضم الوجدان إلى الأصل، فإنّه مكلّف بالوجدان و يشك في اتصافه بهذا العنوان و الأصل عدمه، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فإنّه قبل أن يخلق لم يكن موصوفاً بعنوان‌

____________

[1] الأظهر أنه لا يجوز له لبس الحرير و لا الصلاة فيه.

____________

(1) المستند 4: 344.

(2) في ص 327.

357

..........

____________

الأُنوثية و الآن كما كان نظير استصحاب عدم الاتصاف بالقرشية فيثبت بذلك أنّها ليست بامرأة و إن لم يثبت كونها رجلًا، فانّ موضوع الحكم هو الأوّل دون الثاني كما عرفت.

و الصحيح في المقام بعد تسليم الإطلاق في صحيح ابن عبد الجبار هو التفصيل، لما عرفت.

و منه تعرف أنّه لا يتوقّف على التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية كما أفاده المحقق الهمداني (قدس سره) (1) إذ بعد البناء على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي يتنقّح حال الموضوع، و لا تكون شبهة في المصداق كما هو ظاهر. هذا كلّه مع قطع النظر عن العلم الإجمالي.

و أمّا مع ملاحظته فحيث إنّ الخنثى ليست طبيعة ثالثة، بل هي إمّا رجل أو امرأة، فهي تعلم إجمالًا بوجوب الإتيان بإحدى الوظيفتين المقررتين للرجال أو النساء، و معه لا مجال للرجوع إلى الأصل، لسقوطه في أطراف العلم الإجمالي بالمعارضة.

و اعترض عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) (2) بعدم صلاحية مثل هذا العلم للتنجيز، لاشتراطه بدخول الأطراف في محلّ الابتلاء، و ليس كذلك، فلا أثر لعلم الخنثى إجمالًا بوجوب الاجتناب عن الحرير في الصلاة أو بوجوب الاجتناب عن لبس العمامة التي هي من زي الرجال، لعدم ابتلائها حين الصلاة بلبسها غالباً، نعم لو اتفق الابتلاء بلبسها في مورد بالفعل نجّز العلم و وجب الاجتناب عنهما، فلا ينجّز العلم إلا أحياناً لا دائماً. و عليه فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في بعض الأطراف، لسلامته عن المعارض.

و يرد عليه أوّلًا: أنّه لا يشترط في تنجّز العلم الإجمالي دخول تمام الأطراف في محلّ الابتلاء بالفعل، بل الابتلاء فيما بعد أيضاً كافٍ في التنجيز. و من هنا لا‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 139 السطر 29.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 139 السطر 31.

358

و كذا لا بأس بالممتزج بغيره من قطن أو غيره (1) ممّا يخرجه عن صدق الخلوص و المحوضة.

____________

يفرّق في تنجيزه بين الدفعيات و التدريجيات، فالخنثى و إن لم تبتل بلبس العمامة حين القيام إلى الصلاة، لكنّها تعلم في هذه الحال إجمالًا إمّا بحرمة لبس الحرير فعلًا أو بحرمة لبس العمامة و لو فيما بعد، نعم لو علمت بعدم الابتلاء بها إلى الأبد تمّ ما ذكر.

و ثانياً: مع التسليم فغايته خروج هذا المثال أعني لبس العمامة عن محلّ الابتلاء. و من الواضح عدم انحصار الأحكام المختصّة بالنساء بذلك، فلنا أن نقول: إنّ الخنثى تعلم إجمالًا حين القيام إلى الصلاة إمّا بوجوب الاجتناب عن الحرير لو كانت رجلًا أو بوجوب ستر جميع بدنها في صلاتها ما عدا الوجه و الكفين لو كانت امرأة، و لا ريب في ابتلائها بالفعل بكلا الحكمين، فينجّز العلم الإجمالي، و معه لا مجال للرجوع إلى الأصل.

و عليه فالأقوى بلحاظ العلم الإجمالي- [أن] تجتنب الخنثى عن الحرير مطلقاً في الصلاة و غيرها، لعلمها بإحدى الوظيفتين، فلا بدّ من الجمع بينهما.

(1) فلا يجب الاجتناب عن الممتزج لا في الصلاة و لا في غيرها، و يشهد له مضافاً إلى قصور المقتضي، للتقييد في أخبار المنع بالمحوضة كما في صحيحة محمد بن عبد الجبار (1) و غيرها جملة من النصوص و فيها المعتبرة كصحيح البزنطي قال: «سأل الحسين بن قياما أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب الملحم بالقز و القطن، و القز أكثر من النصف أ يصلّى فيه؟ قال: لا بأس، قد كان لأبي الحسن (عليه السلام) منه جبّات» (2).

و موثّقة إسماعيل بن الفضل (الهاشمي) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في‌

____________

(1) المتقدمة في ص 327.

(2) الوسائل 4: 373/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 1.

359

..........

____________

الثوب يكون فيه الحرير، فقال: إن كان فيه خلط فلا بأس» (1) و التعبير عن الأخير بالخبر في بعض الكلمات المشعر بالضعف في غير محلّه كما لا يخفى.

ثم إنّه لا ينبغي الريب في عدم اعتبار خصوصية في المزيج، بل مطلق الخلط بشي‌ء يخرج الحرير عن صدق الخلوص و المحوضة كافٍ في الجواز كما يقتضيه الإطلاق في موثّقة إسماعيل المتقدّمة. فلا فرق إذن بين كونه قطناً أو كتّاناً، أو خزّاً أو صوفاً، أو وبراً ممّا يؤكل لحمه، أو غير ذلك ممّا تجوز فيه الصلاة، بل ينبغي القطع بذلك و عدم الخلاف فيه. و ما يتراءى في كلمات بعض الأصحاب من الاقتصار على بعض ما ذكر فهو من باب المثال، لا إرادة الحصر و الاختصاص كما لا يخفى.

و عليه يحمل بقرينة الموثّقة المتقدّمة ما في بعض الأخبار مما يوهم ذلك. فقد اقتصر على الأوّلين في خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا بأس بلباس القزّ إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتّان» (2) مضافاً إلى ضعف سنده بقاسم بن عروة. و كذا في التوقيع المروي في الاحتجاج عنه (عجل اللّٰه تعالى فرجه): «لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتّان» (3) مع أنّ روايات الاحتجاج لا يعتمد عليها من جهة الإرسال.

و على الثلاثة الأُوَل في خبر زرارة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخزّ لحمته أو سداه خزّ أو كتّان أو قطن، و إنّما يكره الحرير المحض للرجال و النساء» (4) و هذه الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بموسى بن بكر تكاد تكون صريحة فيما ذكرناه من إرادة التمثيل، و أنّ المقصود مما ذكر من الثلاثة ما يقابل الحرير المحض المذكور في ذيلها.

نعم، لا بدّ من حمل الكراهة على مطلق المرجوحية الجامع بين الحرمة‌

____________

(1) الوسائل 4: 374/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 4، 2، 5.

(2) الوسائل 4: 374/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 4، 2، 5.

(3) الوسائل 4: 375/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 8، الاحتجاج 2: 589.

(4) الوسائل 4: 374/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 4، 2، 5.

360

و كذا لا بأس بالكفّ به (1).

____________

و الكراهة المصطلحة، جمعاً بين هذه الرواية و ما دلّ على جواز لبس الحرير المحض للنساء، فتحمل على إرادة الكراهة لهنّ و الحرمة للرجال.

و على الجملة: فلا ينهض بشي‌ء من هذه الروايات لرفع اليد عن الإطلاق في موثقة إسماعيل المقتضي لكفاية الخلط كيف ما اتفق.

كما أن مقتضى هذا الإطلاق عدم اعتبار كمية خاصة في مقدار الخليط، بل كلّ ما يخرج معه الحرير عن الخلوص و لا يطلق عليه المحض، بل يصدق عليه عنوان الخلط و المزج، و إن كان المزيج واحداً في عشرين كفى في الجواز ما لم يستهلك فيه، لما عرفت من إطلاق الدليل.

(1) تكليفاً و وضعاً كما عليه المشهور، بل نسب إلى فتوى الأصحاب، و إن زاد على أربع أصابع ما لم يخرج عن عنوان الكفّ، خلافاً للقاضي (1) و السيد في بعض رسائله (2) فذهبا إلى المنع، و مال إليه الأردبيلي (3) و كاشف اللثام (4). و عن المدارك (5) و الكفاية (6) و المفاتيح (7) التردّد فيه. و مال صاحب الحدائق (قدس سره) إلى التفصيل بالمنع في الصلاة و الجواز في غيرها، و أخيراً توقّف فيه و احتاط (8).

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّ الروايات الناهية عن لبس الحرير أو عن‌

____________

(1) المهذب في الفقه 1: 75.

(2) نقل حكايته عنه في مستند الشيعة 4: 352.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 2: 85.

(4) كشف اللثام 3: 221.

(5) المدارك 3: 180 181.

(6) كفاية الأحكام: 16 السطر 15.

(7) مفاتيح الشرائع 1: 110.

(8) الحدائق 7: 97 99.

361

..........

____________

ثوب الحرير لا يكاد يشمل شي‌ء منها للمكفوف، إذ المتبادر منها ما كان الثوب بنفسه منسوجاً من الحرير، فلا يعم ما كانت عليه قطعة منه، فإنّه ثوب عليه الحرير، لا أنّه ثوب من الحرير.

و بعبارة اخرى: لو لاحظنا نفس الكفّ لا يصدق عليه اللبس، و لو لاحظنا مجموع اللباس لا يصدق عليه الحرير، بل هو لابس لما عليه الحرير. فعنوان لبس الحرير الذي هو الموضوع للحكم غير صادق على التقديرين.

نعم، ما تضمّن النهي عن الصلاة في الحرير كما في صحيحة ابن عبد الجبار المتقدمة (1): «لا تحلّ الصلاة في حرير محض» و إن أمكن دعوى شموله للمقام لكن من القريب جدّاً دعوى ظهوره و لو بقرينة ذكر التكّة و القلنسوة في خصوص الملبوس، و أنّ السؤال عن اختصاص الحكم بما تتمّ فيه الصلاة و تعميمه له و لما لا يتمّ ممّا يكون نظير القلنسوة و التكّة في كونه من الملبوس فلا نظر إلى ما لا يكون من هذا القبيل كالكفّ و نحوه، كما مرّ التعرّض لذلك سابقاً (2) و عليه فيمكن القول بالجواز، لقصور المقتضي.

و مع الغضّ و تسليم الإطلاق في الصحيحة لمثل الكفّ فيخرج عنه بموثّقة الحلبي المتقدمة سابقاً (3) التي في طريقها أحمد بن هلال المتضمّنة لجواز الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة فيه منفرداً، إذ الكفّ من الحرير كذلك، فيقيّد بها الإطلاق.

و يؤيّد المطلوب روايتان ليوسف بن إبراهيم (4) و دلالتهما ظاهرة، للتصريح باختصاص المنع بالحرير المبهم أو المصمت المساوق للمحض، فلا منع فيما كان‌

____________

(1) في ص 327.

(2) في ص 347.

(3) في ص 332.

(4) الوسائل 4: 375/ أبواب لباس المصلي ب 13 ح 6، 379/ ب 16 ح 1. و فيه: عن أبي داود بن يوسف بن إبراهيم، و كلمة «ابن» الاولى زائدة، و الصحيح: أبي داود يوسف ابن إبراهيم.

362

..........

____________

مشتملًا عليه و على غيره كما في المكفوف. و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين حال الصلاة و غيرها، لكن السند ضعيف من جهة يوسف و العيص بن قاسم (1) و لذا ذكرناهما بعنوان التأييد.

و ما يقال في تصحيحه من أنّ الراوي عنه صفوان بن يحيى الذي هو من أصحاب الإجماع قد تقدّم الكلام فيه و في منعه قريباً (2) فلاحظ.

كما أنّ [ما] يقال أيضاً من أنّ صفوان و ابن أبي عمير و الحسن بن محبوب قد نصّ عليهم بأنّهم لا يروون إلا عن الثقة غير ثابت. و عبارة الشيخ في العدّة (3) غير ظاهرة في هذا المعنى فلاحظها.

بقي الكلام في روايتين: إحداهما: رواية جراح المدائني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج ..» إلخ (4).

و قد استدلّ بها العلامة على الجواز حملًا للكراهة على المصطلحة (5) و صاحب الحدائق على المنع حملًا لها في لسان الأخبار على المبغوضية و الحرمة (6) كما عبّر عن الحرمة بها كثيراً، منها في باب الربا أنّ علياً (عليه السلام) كان يكره بيع المثل بالمثل مع الزيادة (7). و لعلّ الثاني أظهر لكن الرواية غير صالحة للاستدلال لشي‌ء منهما.

أوّلًا: لضعف سندها من جهة قاسم بن سليمان و جراح المدائني، فإنّ الأوّل‌

____________

(1) [لكن العيص وثقه النجاشي في رجاله صريحاً، راجع معجم رجال الحديث 14: 233/ 9265].

(2) في ص 353.

(3) العُدة 1: 58 السطر 7 [و المذكور فيها: و لأجل ذلك .... بين ما يرويه محمد بن أبي عمير و صفوان بن يحيى و أحمد بن محمد بن أبي نصر و غيرهم من الثقات ....].

(4) الوسائل 4: 370/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 9.

(5) التذكرة 2: 474.

(6) الحدائق 7: 98.

(7) الوسائل 18: 149/ أبواب الربا ب 14 ح 2، 151/ ب 15 ح 1 3.

363

و إن زاد على أربع أصابع، و إن كان الأحوط ترك ما زاد عليها (1).

____________

ضعيف و الثاني مهمل، إذ لم يذكر بهذا العنوان في كتب الرجال، و لم يعلم أنّه اسمه أو لقبه.

و ثانياً: لقصور دلالتها، فانّ الديباج و إن فسره بعض اللغويين بالحرير المحض (1) لكن عن لسان العرب أنّه الثوب المنقوش، سواء كان من الحرير أم غيره كما مرّ سابقاً (2). و هو لفظ معرّب من ديبا، و يؤيّده قوله في موثّقة سماعة المتقدمة سابقاً (3): «و إن كان فيه تماثيل» و تشهد له المقابلة بينه و بين الحرير في كثير من الأخبار. و عليه فلا يدلّ الخبر إلا على كراهة الثوب المنقوش، و لا ربط له بالحرير، فهو أجنبي عن محلّ الكلام.

و ثانيتهما: موثّقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «و عن الثوب يكون علمه ديباجاً، قال: لا يصلّى فيه» (4) و هي تشترك مع الرواية المتقدّمة في المناقشة الأخيرة، فلا يعتمد عليها.

فتحصّل: أنّ الأقوى جواز لبس المكفوف من الحرير، و كذا الصلاة فيه، نعم لو كان الكفّ كثيراً جدّاً بحيث كان مما تتم فيه الصلاة و كما لو كان النصف الأعلى أو النصف الأسفل من الثوب حريراً لم يجز، لصدق لبس الحرير كما هو ظاهر فتدبّر جيداً.

(1) نسب إلى المشهور اعتبار عدم زيادة الكف على أربع أصابع، و إن كانت كلمات أكثرهم خالية عن هذا التقييد. و كيف كان، فربما يقال: إنّه لا مستند‌

____________

(1) كما تقدم في ص 329.

(2) في ص 329.

(3) في ص 340.

(4) الوسائل 4: 369/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 8، و فيها: «عليه» بدل «علمه» و هو غلط كما لا يخفى [المصادر التي بأيدينا لا تشتمل على «عليه»].

364

..........

____________

لذلك سوى ما روي بطريق العامّة عن عمر: «أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» (1) و ضعفه منجبر بعمل الأصحاب.

و فيه: مضافاً إلى منع كبرى الانجبار كما تكرّر غير مرّة، إذ المستفاد من أدلّة الحجّية اعتبار وثاقة الراوي، لا الوثوق بالرواية إلا إذا كان شخصياً كما يتفق أحياناً، فتكون العبرة به، و هو خارج عن محلّ الكلام. و بالجملة: كما أنّ المتّبع في حجية الدلالة تحقّق الظهور الذي هو الموضوع للحجية ببناء العقلاء فلا يكون العمل جابراً لضعفها، كذلك المتّبع في حجية السند وثاقة الراوي، فلا يكون العمل جابراً له، و تمام الكلام في محلّه (2).

أنّ الصغرى في المقام ممنوعة، إذ لا يحتمل استناد الأصحاب إلى مثل هذه الرواية التي في سندها من لا يخفى، بل من الجائز أن يكون مستندهم أحد أمرين:

الأوّل: بناؤهم على الرجوع إلى قاعدة الاشتغال في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين كما كان هذا هو الشائع بين المتقدّمين. فكأنّ مقدار أربع أصابع متيقّن الجواز فيرجع في الزائد إلى قاعدة الاشتغال لا إلى هذه الرواية المانعة عن الزائد على هذا الحدّ فتدبّر.

الثاني: أنّ الزائد على أربع أصابع ممّا تتم فيه الصلاة غالباً، سيما إذا كان فاحشاً، و قد عرفت المنع عما تتم فيه الصلاة من الحرير، و لذا قيّدنا جواز الصلاة في الكفّ بما إذا لم يكن كذلك كما مرّ (3).

و بالجملة: فلأجل أحد هذين الوجهين وقع التحديد بأربع أصابع فما دون‌

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1643/ 15.

(2) مصباح الأُصول 2: 201.

(3) في آخر التعليقة السابقة.

365

و لا بأس بالمحمول منه أيضاً و إن كان ممّا تتم فيه الصلاة (1).

____________

في فتوى الأصحاب، دون تلك الرواية. و ممّا ذكرنا يظهر وجه الاحتياط الذي أفاده في المتن.

(1) أمّا في غير حال الصلاة فلا ريب في الجواز، بل هو مقطوع به، سواء كان مما تتم فيه الصلاة أم لا، لقصور المقتضي و عدم الدليل على المنع، فحاله كحال الذهب، و حمله ليس إلا كالنظر إليه المقطوع جوازه.

و أمّا الحمل حال الصلاة فإن كان مما لا تتم فلا ريب في جوازه، إذ لا إشكال في لبسه فضلًا عن حمله كما عرفت (1). و إن كان مما تتم فيه الصلاة فالجواز و عدمه مبنيان على تفسير كلمة «في» في قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدّمة (2): «لا تحلّ الصلاة في حرير محض» و أنّ المراد بها خصوص الظرفية أو مطلق المصاحبة، فيحكم بالبطلان على الثاني دون الأوّل، و قد تقدّم الكلام حول ذلك مفصّلًا (3) و قلنا: إنّ المراد بها في موثّقة ابن بكير الواردة فيما لا يؤكل لحمه مطلق المصاحبة، بقرينة ذكر الروث و البول و الألبان، لعدم اتخاذ اللباس منها. و أمّا في المقام فحيث لا تكون هذه القرينة فلا مناص من حمل الكلمة على ظاهرها و هي الظرفية، لكن بنحو من التجوّز و العناية، إذ لا معنى لظرفية شي‌ء لفعل من الأفعال إلا باعتبار كونه ظرفاً لفاعل الفعل، فقولنا: صلّى زيد في الحرير كقولنا: أكل فيه أو جلس أو مشى فيه، معناه كون الحرير ظرفاً لفاعل هذه الأُمور، فهو ظرف للمصلّي مثلًا، و لا يكون ظرفاً له إلا مع تضمّنه نوعاً من الاشتمال و لو على بعضه، و لا يكاد يتحقّق ذلك إلا عند اللبس، و إلا فمجرّد الحمل لا يتضمّن الاشتمال فلا تتحقق‌

____________

(1) في ص 331 فما بعدها.

(2) ص 327.

(3) في ص 311.

366

[مسألة 26: لا بأس بغير الملبوس من الحرير]

[1294] مسألة 26: لا بأس بغير الملبوس من الحرير كالافتراش و الركوب عليه و التدثّر به و نحو ذلك في حال الصلاة و غيرها، و لا بزرّ الثياب و أعلامها و السفائف و القياطين الموضوعة عليها و إن تعدّدت و كثرت (1).

____________

معه الظرفية.

و عليه فلا يصدق مع الحمل عنوان الصلاة في الحرير كي تبطل، نعم لو أغضينا عن ذلك و حملنا الكلمة على مطلق المصاحبة اتجه البطلان حينئذ لصدق المصاحبة مع الحمل، لكنه خلاف التحقيق كما عرفت.

(1) أمّا الافتراش و الجلوس عليه فلا إشكال فيه، لقصور المقتضي، فإنّ الممنوع هو اللبس غير الصادق عليه بالضرورة. و كذا الصلاة عليه، إذ الممنوع الصلاة في الحرير، دون الصلاة عليه كما هو ظاهر.

و يؤكّده صحيح علي بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الفراش الحرير و مثله من الديباج، و المصلّى الحرير هل يصلح للرجل النوم عليه و التكأة و الصلاة؟ قال: يفترشه و يقوم عليه، و لا يسجد عليه» (1) و نحوه خبر مسمع عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «لا بأس أن يأخذ من ديباج الكعبة فيجعله غلاف مصحف، أو يجعله مصلّى يصلّي عليه» (2).

و ما تضمّنه الصحيح من النهي عن السجود عليه فهو من جهة اعتبار كون المسجد من الأرض أو نباتها، و ليس الحرير منهما كما هو ظاهر. و ممّا ذكرنا يظهر جواز الركوب عليه.

و أمّا التدثّر فإن أُريد به الالتحاف و التغطّي حال الاضطجاع و النوم كما لعلّه مراد الماتن فلا إشكال في الجواز، لعدم صدق اللبس حينئذ قطعاً، كما تجوز الصلاة تحته في هذه الحالة مع التستّر بغيره. و إن أُريد به الالتفاف به‌

____________

(1) الوسائل 4: 378/ أبواب لباس المصلي ب 15 ح 1، 2.

(2) الوسائل 4: 378/ أبواب لباس المصلي ب 15 ح 1، 2.

367

[مسألة 27: لا يجوز جعل البطانة من الحرير للقميص و غيره]

[1295] مسألة 27: لا يجوز جعل البطانة من الحرير للقميص و غيره و إن كان إلى نصفه، و كذا لا يجوز لبس الثوب الذي أحد نصفيه حرير، و كذا إذا كان طرف العمامة منه، إذا كان زائداً على مقدار الكف [1] بل على أربعة أصابع على الأحوط (1).

[مسألة 28: لا بأس بما يرقع به الثوب من الحرير إذا لم يزد على مقدار الكف]

[1296] مسألة 28: لا بأس بما يرقع به الثوب من الحرير إذا لم يزد على مقدار الكف، و كذا الثوب المنسوج طرائق بعضها حرير و بعضها غير حرير إذا لم يزد عرض الطرائق من الحرير على مقدار الكف، و كذا لا بأس بالثوب الملفق من قطع بعضها حرير و بعضها غيره بالشرط المذكور.

____________

في سائر الأحوال كما تصنعه الهنود و الجنود فلا ريب في حرمته و بطلان الصلاة فيه، لصدق اللبس.

(1) ذكر (قدس سره) في هذه المسألة و ما بعدها عدّة من الفروع يظهر حالها مما مرّ.

و ملخّص ما قلناه: أنّ المستفاد من الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض أنّه يعتبر في حرمة الحرير تكليفاً و وضعاً صدق اللبس بمعنى اشتماله و إحاطته على المكلّف، تحقيقاً للظرفية و كونه ممّا تتم فيه الصلاة.

و عليه فلا يجوز جعل بطانة الملابس من الحرير و إن كانت إلى النصف، إذ لا فرق بينها و بين الظهارة في صدق اللبس و إن كانت مستورة. و دعوى اختصاص المنع بالحرير المستقل في اللبس فلا يشمل الملبوس تبعاً، لا شاهد عليها، بل يدفعها إطلاق الدليل.

و كذا لا يجوز لبس الثوب الذي أحد نصفيه حرير من الأعلى أو الأسفل.

و عن بعض تخصيص المنع بالثاني، لحصول التستّر به، و لا وجه له بعد‌

____________

[1] العبرة في عدم الجواز إنما هي بصدق اللبس لا بالمقدار، و بذلك يظهر الحال في المسألتين بعدها.

368

[مسألة 29: لا بأس بثوب جعل الإبريسم بين ظهارته و بطانته عوض القطن و نحوه]

[1297] مسألة 29: لا بأس بثوب جعل الإبريسم بين ظهارته و بطانته عوض القطن و نحوه، و أمّا إذا جعل و صلة من الحرير بينهما فلا يجوز لبسه و لا الصلاة فيه (1).

____________

صدق اللبس الممنوع على التقديرين، بل لا يجوز و إن كان ثلث اللباس حريراً من الأعلى أو الوسط أو الأسفل، بعد أن كان بمقدار تتم فيه الصلاة في حدّ نفسه، لما ذكر.

و منه يظهر وجه المنع فيما إذا كان طرف العمامة من الحرير إذا كان زائداً على مقدار ما يكفّ به الثوب، بل الأربع أصابع على الاحتياط الذي مرّ وجهه.

و بالجملة: المتبع إطلاق الدليل الشامل لجميع هذه الموارد، بعد انطباق الضابط المزبور من كونه لبساً لما تتم فيه الصلاة.

كما أنّه لا بأس بما يرقّع به الثوب من الحرير إذا لم تكن الرقعة ممّا تتم فيها الصلاة وحدها، و كذا الثوب المنسوج طرائق بعضها حرير و بعضها من غيره على الشرط المزبور. و منه يظهر حكم الثوب الملفّق من قطع بعضها حرير.

(1) أمّا إذا كان المجعول بينهما و صلة من الحرير شبه الوزرة و نحوها ممّا تتم فيه الصلاة فلا إشكال في عدم الجواز، لصدق اللبس، بعد عدم الفرق فيه بين الظاهر و الخفي.

و أمّا إذا كان الحشو بالإبريسم نفسه أعني مادّة الحرير قبل النسج التي هي بمثابة القطن و الصوف فلم يتعرّض له القدماء ما عدا الشهيد في الذكرى حيث لم يستبعد الجواز (1). و الكلام يقع تارة في الروايات التي يستدلّ بها على الجواز، و أُخرى بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة.

أمّا الروايات فهي ثلاث:

____________

(1) الذكرى 3: 44.

369

..........

____________

الأُولى: صحيحة الريّان بن الصلت أنّه سأل الرضا (عليه السلام) عن أشياء منها المحشو بالقزّ، فقال (عليه السلام): «لا بأس بهذا كلّه إلا بالثعالب» (1).

و فيه: أنّ مفادها ليس إلا جواز اللبس في نفسه، لا عدم المانعية في الصلاة فيتوقّف الاستدلال بها على دعوى أنّ الممنوع في الصلاة هو ما كان ممنوعاً في نفسه، لكن هذه الملازمة في حيّز المنع كما سبق (2) و من ثم ذكرنا أنّ من اضطر إلى لبس الحرير لبرد أو في الحرب و إن ساغ له ذلك لكنّه يجب عليه نزعه في الصلاة إذا تمكّن منه في بعض الوقت.

الثانية: صحيحة الحسين بن سعيد قال: «قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم إلى الرضا (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز، فكتب إليه قرأته: لا بأس بالصلاة فيه» (3).

و ما عن المحقق في المعتبر من الطعن في السند باستناد الراوي و هو الحسين ابن سعيد إلى ما وجده في كتاب لم يسمعه من محدّث كما حكاه عنه في الحدائق (4) مدفوع بما ذكره غير واحد من المتأخّرين من عدم الفرق في تحمّل الرواية بين السماع من الراوي و بين الوجدان في كتاب يجزم بأنّه له، سيما بعد شهادة ابن سعيد بأنّه قرأ الكتاب و لاحظ الجواب، الظاهر في كونه بخط الإمام (عليه السلام) و معرفته له.

و ما عن بعض المؤلّفات من إسناد الطعن المزبور من المحقّق المذكور إلى الرواية الآتية مبني على الغفلة، فإنّ الصدوق رواها بسنده الصحيح عن إبراهيم بن مهزيار أنّه كاتب الإمام (عليه السلام) (5)، و لم يتعرّض المحقّق لذاك‌

____________

(1) الوسائل 4: 352/ أبواب لباس المصلي ب 5 ح 2.

(2) في ص 342.

(3) الوسائل 4: 444/ أبواب لباس المصلي ب 47 ح 1.

(4) الحدائق 7: 93.

(5) الفقيه 1: 171/ 807.

370

..........

____________

الطعن في هذه الرواية، بل في رواية ابن سعيد فحسب كما عرفت.

الثالثة: صحيحة إبراهيم بن مهزيار: «أنه كتب إلى أبي محمد (عليه السلام): الرجل يجعل في جبّته بدل القطن قزّاً هل يصلّي فيه؟ فكتب: نعم، لا بأس به» (1).

و هي كالروايتين السابقتين معتبرة السند على الأظهر، فإنّ إبراهيم بن مهزيار و إن لم يرد فيه توثيق صريح، و حاولوا التصحيح بوجوه لعلّ أحسنها أنّه كان وكيلًا للإمام (عليه السلام) و أجبنا عنه في محلّه (2) بأنّ الوكالة أعمّ من الوثاقة و صدق اللهجة، فربّ وكيل غير موثوق في الحديث و إن كان مأموناً في خصوص ما وكّل فيه، و قد كان جملة من وكلائهم (عليهم السلام) مذمومين. إلا أنّ الأولى التعويل في وثاقته بوقوعه في أسناد كامل الزيارات (3).

و على الجملة: فقد دلّت الروايتان الأخيرتان على جواز الصلاة في الثوب المحشوّ بالقز.

إنّما الكلام في تفسير المراد من القز، فقد حمله الصدوق في الفقيه على قزّ الماعز (4)، و لكنّه خلاف الظاهر و عارٍ عن الشاهد، بل الظاهر أنّ الكلمة معرّب ما يسمّى بالفارسية ب‍ (كج) و هو الخارج من دود القز قبل أن يصفّى، فهو اسم لنفس المادة قبل التصفية و يسمى بعدها بالإبريسم تارة و بالحرير اخرى باعتبار حالتي النسج و عدمه. و نصوص المنع إنّما وردت بالعنوان الثاني و الترخيص في هذه النصوص إنّما ورد بعنوان القز، فالتعدّي منها لا وجه له إلا دعوى أنّ القزّ و الإبريسم سواء، استناداً إلى ما رواه في الكافي بسنده عن‌

____________

(1) الوسائل 4: 444/ أبواب لباس المصلي ب 47 ح 4.

(2) معجم رجال الحديث 1: 71.

(3) و لكنّه أيضاً لا ينفع، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

(4) الفقيه 1: 171/ 807.

371

..........

____________

عباس بن موسى عن أبيه قال: «سألته عن الإبريسم و القز، قال: هما سواء» (1).

و لكن الرواية ضعيفة السند، فانّ عباس بن موسى الذي هو الورّاق و إن كان ثقة إلا أنّ أباه مجهول، على أنّها مضمرة، فانّ المسئول غير معلوم، و لم يكن السائل ممن لا يروي عن غير المعصوم كما هو واضح.

نعم، ذكر في الوسائل بعد قوله: عن أبيه، كلمة (عليه السلام) الكاشفة عن أنّ المراد به هو العباس بن موسى بن جعفر (عليه السلام). و لكنه مضافاً إلى خلو المصدر عن هذه الكلمة كما عرفت، لا توثيق له، بل قد ورد ذمّه في بعض الأخبار، و أنّه عارض أخاه الرضا (عليه السلام).

أجل ذكر المفيد في الإرشاد أنّ أولاد موسى بن جعفر (عليه السلام) لكل واحد منهم منقبة مشهورة (2). و لكن هذا التعبير أعم من التوثيق، و من الجائز أن يراد من المنقبة نوع كمال من شجاعة أو سخاؤه و ما شاكلها.

نعم، قد ورد في بعض نسخ رجال الشيخ توثيقه صريحاً (3) و لكنّه يشكل الاعتماد عليه، إذ لم ينقل النجاشي و لا العلامة و لا ابن داود توثيقه عنه مع وجود نسخة الرجال عندهم، و لا سيما الأخير الذي رأى نسخة رجال الشيخ بخطه الشريف حسبما أشار إليه في موارد من كتابه.

فالرواية ضعيفة السند على التقديرين، إذن فالتسوية المزبورة غير ثابتة، بل الظاهر عرفاً إطلاق القز على غير المصفّى، و الإبريسم على المصفّى كما عرفت. فتبقى نصوص المنع في موردها على حالها، هذا.

و الذي ينبغي أن يقال: إن الموضوع في النصوص الناهية و إن كان هو الحرير، إلا أنّ المراد منه بحسب الفهم العرفي و مناسبة الحكم و الموضوع هو‌

____________

(1) الوسائل 4: 368/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 4، الكافي 6: 454/ 9.

(2) الإرشاد 2: 246.

(3) رجال الطوسي: 339/ 5042.

372

..........

____________

ذات هذه المادة، الأعم من المصفّى و من غيره ممّا يسمّى بالقز. و قد نقل عن بعض أهل اللغة أنّ الفرق بين القز و الحرير كالفرق بين الحنطة و الدقيق، و لعلّ تخصيص المنع بالحرير من أجل أنّه الغالب في اللباس، فيفهم أنّ العبرة بنفس المادة على اختلاف هيئاتها من غير دخل للتصفية.

كما أنّ التعبير بالقز في نصوص جواز الحشو من أجل أنّه الغالب في الحشو كما في الصوف و القطن، فإنّ الذي ينسج ثوباً هو المصفّى، و الذي يجعل حشواً غير المصفّى. فاذا ثبت جواز الحشو بالقز، ثبت الجواز بالإبريسم أيضاً. و نتيجة ذلك ارتكاب التخصيص في نصوص المنع و الالتزام بعدم الجواز إلا حشواً، فيجوز الحشو مطلقاً، كما لا يجوز اللبس مطلقاً حتى قبل النسج كما في الملبّد. هذا كلّه بالنظر إلى الروايات.

و أمّا بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة مع الغض عن نصوص المقام فالظاهر أنّ مقتضاها هو الجواز أيضاً، لا من أجل أنّ النهي عن لبس الحرير يختص بالمنسوج كما احتمله بعضهم لمنافاته لإطلاق اللبس الشامل لغير المنسوج أيضاً كالملبّد، و لا من أجل اختصاص النهي باللباس غير الصادق قبل النسج فإنّ صحيحة محمد بن عبد الجبّار المتقدّمة (1) الناهية عن الصلاة في الحرير مطلقة من حيث اللباس و غيره، فإنّ المنهي عنه إنّما هو ظرفية الحرير للمصلّي و إحاطته به، سواء أصدق عليه اللباس أم لا.

بل من أجل اختصاص المنع بحرير تتم الصلاة فيه، و عدم شموله لما لا تتم كما سبق (2). و من الظاهر أنّ الحرير غير المنسوج مما لا تتم الصلاة فيه، للزوم كون الساتر الصلاتي ثوباً منسوجاً يخرج به عن كونه عارياً، و لا يكفي مطلق الستر كيف ما اتفق و لو بظلمة أو الالتفاف بقطن أو صوف و نحوهما مما يمنع عن الرؤية، فإنّ ذلك و إن كان كافياً في الستر التكليفي عن الناظر المحترم إلا‌

____________

(1) في ص 327.

(2) في ص 331 فما بعدها.

373

[مسألة 30: لا بأس بعصابة الجروح و القروح و خرق الجبيرة]

[1298] مسألة 30: لا بأس بعصابة الجروح و القروح و خرق الجبيرة و حفيظة المسلوس و المبطون إذا كانت من الحرير (1).

[مسألة 31: يجوز لبس الحرير ممّن كان قَمِلًا على خلاف العادة لدفعه]

[1299] مسألة 31: يجوز لبس الحرير ممّن كان قَمِلًا على خلاف العادة لدفعه (2).

____________

أنّ المعتبر في الصلاة أن لا يكون عارياً، و بما أنّ العاري في مقابل اللابس فيعتبر أن يكون لابساً للساتر المنسوج، إذ بدونه لا يخرج عن العراء كما لا يخفى.

و عليه فالحرير غير المنسوج بما أنّه مما لا تتم الصلاة فيه فلا مانع من الحشو به و الصلاة فيه.

(1) لوضوح أنّ هذه الأُمور مما لا تتم الصلاة فيه وحدها، و قد تقدّم (1) اختصاص المنع بما تتم.

(2) و يستدلّ للجواز تارة بمرسلة الصدوق قال: «لم يطلق النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لبس الحرير لأحد من الرجال إلا لعبد الرحمن بن عوف، و ذلك أنّه كان رجلًا قملًا» (2).

و اخرى بما ورد من طرق العامّة أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) رخّص لعبد الرحمن بن عوف و الزبير بن العوام في لبس الحرير لما شكوا اليه القمل (3).

و فيه: مضافاً إلى التدافع بينهما في الحصر في ابن عوف و عدمه، أنّ ضعفهما يمنع عن الاعتماد عليهما. و دعوى الانجبار بعمل المشهور ممنوعة صغرى و كبرى.

لكن الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى النص، لسقوط التحريم بدليل نفي الحرج، بعد وضوح أنّ تحمّل الأذيّة من ناحية القمل زيادة على‌

____________

(1) في ص 331 فما بعدها.

(2) الوسائل 4: 372/ أبواب لباس المصلي ب 12 ح 4.

(3) صحيح مسلم 3: 1647/ 26.

374

و الظاهر جواز الصلاة فيه [1] حينئذ (1).

[مسألة 32: إذا صلى في الحرير جهلًا أو نسياناً فالأقوى عدم وجوب الإعادة]

[1300] مسألة 32: إذا صلى في الحرير جهلًا أو نسياناً فالأقوى عدم وجوب الإعادة و إن كان أحوط (2).

[مسألة 33: يشترط في الخليط أن يكون ممّا تصحّ فيه الصلاة]

[1301] مسألة 33: يشترط في الخليط أن يكون ممّا تصحّ فيه الصلاة كالقطن و الصوف ممّا يؤكل لحمه، فلو كان من صوف أو وبر ما لا يؤكل لحمه لم يكف في صحة الصلاة، و إن كان كافياً في رفع الحرمة (3) و يشترط أن يكون بمقدار

____________

المتعارف حرجي يسقط معه التكليف و إن لم يبلغ حدّ الاضطرار، فيجوز لبس الحرير حينئذ ما لم تكن له مندوحة من لبس الفنطاز أو النايلون المتداول في العصر الحاضر.

(1) هذا مشكل، بل ممنوع جدّاً، لما تقدّم سابقاً (1) من أنّ كلا من الحرمة التكليفية و الوضعية قد ثبت بدليل مستقل، فالتخصيص في أحدهما بدليل خاص كحالة الحرب أو عام كالحرج لا يستوجب التخصيص في الآخر. فلا مناص إذن من النزع حالة الصلاة، إلا إذا فرض و لو نادراً حصول الاضطرار أو الحرج حتى في هذه الحالة.

(2) لحديث لا تعاد الشامل للجاهل و الناسي، و إن خصّه المحقق النائيني (قدس سره) بالثاني (2). نعم يختص الحكم بمن كان جهله عذراً له كالجاهل بالموضوع أو بالحكم عن قصور، فلا يشمل غير المعذور كالجاهل بالحكم عن تقصير، فإنّه ملحق بالعامد. و تمام الكلام في محلّه (3).

(3) إذ المانعية كالحرمة تتبعان المحوضة، فترتفعان بارتفاعها، لكن الاولى‌

____________

[1] فيه إشكال بل منع، و قد تقدّم نظيره.

____________

(1) في ص 342.

(2) كتاب الصلاة 3: 5.

(3) شرح العروة 1: 274.

375

يخرجه عن صدق المحوضة، فاذا كان يسيراً مستهلكاً بحيث يصدق عليه الحرير المحض لم يجز لبسه، و لا الصلاة فيه، و لا يبعد كفاية العشر في الإخراج عن الصدق.

[مسألة 34: الثوب الممتزج إذا ذهب جميع ما فيه من غير الإبريسم من القطن]

[1302] مسألة 34: الثوب الممتزج إذا ذهب جميع ما فيه من غير الإبريسم من القطن أو الصوف لكثرة الاستعمال و بقي الإبريسم محضاً لا يجوز لبسه بعد ذلك (1).

[مسألة 35: إذا شك في ثوب أنّ خليطه من صوف ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل]

[1303] مسألة 35: إذا شك في ثوب أنّ خليطه من صوف ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل فالأقوى جواز الصلاة فيه (2) و إن كان الأحوط الاجتناب عنه.

[مسألة 36: إذا شك في ثوب أنّه حرير محض أو مخلوط]

[1304] مسألة 36: إذا شك في ثوب أنّه حرير محض أو مخلوط جاز لبسه و الصلاة فيه على الأقوى (3).

____________

تثبت بعنوان الخليط نفسه و إن ارتفعت بعنوان الحرير الخالص. و بقيّة ما في المسألة ظاهر، لوضوح أنّ المدار في الخلط و الاستهلاك بالصدق العرفي.

(1) لعود الخلوص الذي هو الموضوع للتحريم، فيعود حكمه.

(2) إذ لا يحتمل المنع من ناحية الحرير بعد العلم بالخلط و الخروج عن الخلوص الذي هو الموضوع للحكم، فيبقى احتمال كون الخلط من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فيندرج في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك، و قد تقدّم بنطاق واسع أنّ الأقوى هو الجواز.

(3) لما عرفت من أنّ الموضوع للمنع في الحكم التكليفي و الوضعي هو الحرير الخالص، و حينئذ فان بنينا على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما هو الصواب ثبت به عدم كون الخليط حريراً، و بذلك يحرز عدم الخلوص فينتفي الموضوع.

و إن أنكرنا ذلك كان المرجع أصالة البراءة عن حرمة لبسه و عن مانعية مثل هذا اللباس و تقيّد الصلاة بعدم الوقوع فيه، بناءً على أنّها المرجع في الأقل‌

376

[مسألة 37: الثوب من الإبريسم المفتول بالذهب لا يجوز لبسه]

[1305] مسألة 37: الثوب من الإبريسم المفتول بالذهب لا يجوز لبسه و لا الصلاة فيه (1).

[مسألة 38: إذا انحصر ثوبه في الحرير فان كان مضطراً إلى لبسه لبرد أو غيره فلا بأس بالصلاة فيه]

[1306] مسألة 38: إذا انحصر ثوبه في الحرير فان كان مضطراً إلى لبسه لبرد أو غيره فلا بأس بالصلاة فيه [1] (2) و إلّا لزم نزعه، و إن لم يكن له ساتر غيره فيصلّي حينئذ عارياً، و كذا إذا انحصر في الميتة أو المغصوب أو الذهب، و كذا إذا انحصر في غير المأكول، و أمّا إذا انحصر في النجس فالأقوى جواز الصلاة فيه و إن لم يكن مضطراً إلى لبسه، و الأحوط تكرار الصلاة، بل و كذا في صورة الانحصار في غير المأكول، فيصلّي فيه ثم يصلّي عارياً.

____________

و الأكثر الارتباطيين، و قد تقدّم البحث حول ذلك مستوفى في مبحث اللباس المشكوك (1).

و توهّم التمسك بأصالة عدم وجود غير الحرير في هذا اللباس الذي يقطع بكون بعضه حريراً كما ترى، ضرورة أنّه لا يثبت به الخلوص الذي هو الموضوع للحكم إلا على القول بالأصل المثبت، و لا نقول به.

(1) فإنّه و إن لم يكن منع من ناحية لبس الحرير بعد فرض خلطه و انتفاء الخلوص، إلا أنّه مصداق للبس الذهب المحرّم في نفسه و المانع عن صحة الصلاة، سواء كان محضاً أم كان فتيلًا، و سواء أ كان المفتول حريراً أم غيره من قطن أو صوف و نحوهما.

و منه تعرف أنّ ربط هذه المسألة بالمقام غير واضح، لما عرفت من عدم الفرق في المزيج بين الحرير و غيره. و لعلّ الأنسب ذكرها في فروع لبس الذهب كما لا يخفى.

(2) لا ريب في سقوط الحرمة التكليفية و الوضعية فيما إذا كان الاضطرار‌

____________

[1] قد مرّ حكمه [في هذا الفصل الشرط السادس].

____________

(1) في ص 279 فما بعدها.

377

..........

____________

مستوعباً لتمام الوقت، لدليل نفي الاضطرار، و لما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال.

و أمّا مع عدم الاستيعاب فالتكليفية و إن كانت ساقطة حال العذر، لما ذكر لكن الوضعية لا وجه لسقوطها بعد عدم الاضطرار إليها، إذ الواجب إيقاع الصلاة في ساتر غير حرير في مجموع الوقت المحدود بين المبدأ و المنتهى، و هو قادر عليه على الفرض، و القطعة من الوقت التي يضطر إلى لبسه فيها لا تجب الصلاة فيها بخصوصها. فما هو الواجب غير مضطر إلى تركه، و المضطر اليه ليس بمصداق للواجب.

نعم، لو قلنا بتبعية المانعية للحرمة من جهة انصراف دليلها إلى اللبس المحرم كما قيل اتجه السقوط حينئذ، لكن التبعية ممنوعة كما سبق (1).

و بالجملة: كلّ من الحرمة و المانعية قد ثبتت بدليل مستقل و لا تبعية و لا تلازم بينهما لا رفعاً و لا وضعاً. و دليل رفع الاضطرار لا يترتّب عليه إلا رفع الإثم، و هو لا يستلزم رفع المانعية. فإطلاق دليلها محكّم.

ثم إنّه قد تعرّض في المتن لعدة فروع تتضمن دوران الأمر بين الصلاة عارياً أو في ثوب مقرون بأحد الموانع، من كونه حريراً، أو مغصوباً، أو ممّا لا يؤكل أو ميتة، أو نجساً، و اختار في جميعها تقديم الصلاة عارياً ما عدا الأخير فرجّح الصلاة في النجس، و قد مرّ الكلام حوله في بحث النجاسات (2) و ذكرنا أنّ ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح، و إن كان على خلاف المشهور.

و كيف كان، فالكلام فعلًا متمحّض فيما عدا الأخير من صور الدوران فنقول: صور الدوران ثلاث:

الاولى: ما إذا دار الأمر بين رعاية الستر و بين الاجتناب عن الحرام النفسي‌

____________

(1) في ص 342.

(2) شرح العروة 3: 358.

378

..........

____________

من غير استتباعه لحرمة وضعية، و هذا كما إذا انحصر الثوب في المغصوب، بناءً على أنّ حرمة الشرط لا تسري إلى المشروط و لا توجب فساد العبادة، فإنّ مصداق الشرط و هو الساتر و إن كان حراماً حينئذ لكونه غصباً لكنّه لا يستوجب فساد المشروط. فبناءً على هذا المسلك الذي تعرّضنا له في الأُصول في بحث النهي عن العبادة (1) ليس في البين إلا الحرمة التكليفية الصرفة غير المقرونة بالوضع.

و يلحق بهذا القسم ما إذا كان التكليف مقروناً بالوضع لكن الحرمة الوضعية أعني المانعية كانت تابعة للتكليفية و دائرة مدارها، من دون أن يكون لها دليل مستقل عداها. و هذا كما لو قلنا بالسراية في الفرض المزبور.

الصورة الثانية: ما لو دار الأمر بين التحفّظ على الستر أو [عدم] ارتكاب المانع، من دون أن تكون هناك حرمة تكليفية أصلًا عكس الصورة الأُولى، كما لو انحصر الثوب فيما لا يؤكل، فانّ لبسه جائز في نفسه حتى حال الصلاة مع قطع النظر عن الحرمة التشريعية حينئذ. فلا حرمة فيه إلّا وضعاً.

و يلحق به ما لو كان الثوب من الميتة، بناءً على جواز الانتفاع بها فيما عدا البيع كما هو الصحيح.

الصورة الثالثة: ما لو دار الأمر بينه و بين [عدم] ارتكاب ما هو محرّم نفساً و وضعاً، مع ثبوت كلّ منهما بدليل مستقل من دون استتباع بينهما، كما لو انحصر الثوب في الحرير، فإنّه حرام نفساً، و مانع عن الصلاة من دون أن تكون المانعية تابعة للحرمة كما تقدّم (2).

أمّا الصورة الاولى: فلا ريب في اندراجها في كبرى التزاحم، إذ لا تنافي بين شرطية الستر و حرمة الغصب في مقام الجعل كي يلزم من وجود أحدهما عدم الآخر، و إنّما التنافي ناشئ من عجز المكلّف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 20.

(2) في ص 342.

379

..........

____________

الذي هو المناط في التزاحم، و عليه فلا بدّ من ملاحظة مرجّحات هذا الباب و مقتضاها تقديم حرمة الغصب و الإتيان بالصلاة عارياً، فانّ حرمته فعلية مطلقة غير مشروطة بشي‌ء، بخلاف الستر فإنّه مشروط بالتمكّن من الساتر و القدرة عليه، كما يكشف عنه ما دلّ على لزوم الصلاة عارياً لدى العجز عن الساتر، فإنّه كاشف عن اختصاص اشتراط الساتر بالقادر، و لا ريب في تقدّم المطلق على المشروط، لانعدام موضوع الثاني بالأوّل، إذ هو مشروط بالقدرة كما عرفت. و إطلاق النهي عن الغصب سالب لها و معجّز عنها بعد ملاحظة أن الممنوع شرعاً كالممنوع عقلًا، فلا فرق بين عدم وجود الساتر رأساً أو وجوده و المنع عن التصرف فيه شرعاً.

و بعبارة اخرى: القدرة المعتبرة في حرمة الغصب عقلية، و في وجوب الستر شرعية، و لا ريب في تقدّم الاولى على الثانية كما حرّر في مرجّحات باب التزاحم (1).

فالمقام بعينه نظير ما إذا انحصر الماء بالمغصوب، فكما ينتقل هناك إلى التيمّم، لأنّ الوضوء مشروط شرعاً بالتمكّن من الماء على ما يستفاد من نفس الآية المباركة (2) بقرينة ذكر المريض، ببيان تقدّم في محلّه (3) و النهي عن التصرّف في الماء المغصوب سالب للتمكّن و رافع للقدرة على استعماله شرعاً فلا يكون واجداً للماء، فكذا ينتقل في المقام إلى الصلاة عارياً بعين الملاك، من دون فرق بينهما أصلًا.

و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما عن مفتاح الكرامة من ترجيح الصلاة في الساتر المغصوب، بدعوى أنّ الترديد ليس بين ارتكاب الغصب و ترك الستر فحسب بل تركه و ترك الركوع و السجود، إذ العاري وظيفته الإيماء إليهما، و لا ريب أنّ‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 358.

(2) المائدة 5: 6.

(3) شرح العروة 10: 68.

380

..........

____________

الركوع و السجود أهم، فإنّهما ثلثا الصلاة كما يكشف عنه قوله (عليه السلام): «الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (1) فيتقدّم. فاللازم الصلاة مع رعاية الستر و الركوع و السجود و إن استلزم التصرّف في الغصب لأهمّيتها منه قطعاً، و لا أقل احتمالًا (2).

وجه الفساد: أنّ الأهمّية و إن كانت من مرجّحات باب التزاحم، لكن موردها ما إذا كان المتزاحمان مما اعتبرت القدرة في كلّ منهما عقلًا، و أمّا إذا اعتبرت في أحدهما عقلًا و في الآخر شرعاً فلا ريب في تقدّم القدرة العقلية على الشرعية، و إن كانت الثانية في أعلى مراتب الأهمّية، لما عرفت من فناء الموضوع و سلب القدرة الشرعية مع وجود العقلية، و المقام من هذا القبيل، فإنّ القدرة المعتبرة في الركوع و السجود شرعيّة كنفس الستر، حيث إنّ وجوبهما مشروط بالتمكّن من الساتر كما يكشف عنه ما دلّ على أنّ من لم يتمكن من الساتر وظيفته الإيماء إليهما، و أنّ من لم يتمكّن من رعاية الستر وظيفته الصلاة عارياً، فمن دليل جعل البدل لدى العجز يستكشف تقيّد المبدل عنه بالقدرة شرعاً.

و بالجملة: لا مجال للترجيح بالأهمّية في مثل المقام، بل اللازم تقديم القدرة العقليّة على الشرعية، و مقتضاه تعيّن الصلاة عارياً كما عرفت.

و أمّا الصورة الثانية: أعني الدوران بين فوات الشرط بأن يصلّي عارياً مومئاً، و بين الاقتران بالمانع فقط من دون حرمة نفسيّة كانحصار الثوب فيما لا يؤكل أو في الميتة على القول بجواز الانتفاع بها. فالمشهور إدراج ذلك في باب التزاحم، و تبعهم شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3) فراعوا مرجّحات هذا الباب من إعمال الأهمّية و غيرها.

____________

(1) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

(2) [و لعله فهم ذلك مما ذكره في مفتاح الكرامة 2: 175 السطر 27].

(3) أجود التقريرات 1: 282.

381

..........

____________

لكنّا ذكرنا غير مرّة خروج هذه الموارد و نحوها من صور تعذّر المركّبات عن باب التزاحم و اندراجها في باب التعارض، لعدم تعقّل المزاحمة بين أجزاء المركّب و شرائطه و موانعه، إذ التزاحم لا يكون إلا بين تكليفين نفسيين مستقلّين يشتمل كلّ منهما على ملاك في نفسه، و أمّا في باب المركّبات فليس في موردها إلا تكليف وحداني متعلّق بالمركّب، و أمّا الأوامر الغيريّة فكلّها إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية بمقتضى الارتباطية الملحوظة بينها، فليس هناك إلّا ملاك واحد قائم بالمجموع.

و عليه فمقتضى القاعدة الأوّلية عند تعذّر جزء أو شرط أو مانع سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب رأساً من جهة العجز، فانّ المقيّد متعذّر بتعذّر قيده، إلّا أنّه في خصوص باب الصلاة علمنا من الخارج بدليل الإجماع و الضرورة أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فبعد سقوط الأمر الأوّل نستكشف من هذا الدليل تعلّق أمر جديد بالباقي من الأجزاء و الشرائط و الموانع الممكن إتيانها، لكن متعلّق هذا الأمر مردّد بين ما تركّب من هذا القيد أو من ذاك.

ففي المقام يتردد الواجب بين أن يكون هي الصلاة عارياً مومئاً، أو ساتراً مع الركوع و السجود و إن وقعت فيما لا يؤكل، فالشك إنّما هو في المجعول الشرعي و الوظيفة المقرّرة في هذا الظرف، و أنّ الشارع هل ألغى شرطية الستر حينئذ أو ألغى المانعية لما لا يؤكل، فالترديد في مقام الجعل و ما اعتبره الشارع من رعاية الشرطية أو المانعية لا في مرحلة الامتثال من جهة العجز. و واضح أنّ مثله داخل في باب التعارض، فتقع المعارضة حينئذ بين إطلاق دليل الشرطية و إطلاق دليل المانعية، فلا بدّ من إعمال قواعد باب التعارض و رعاية مرجّحاته، دون الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم من ملاحظة الأهمّية و نحوها.

و قد ذكرنا في محلّه أنّ الإطلاقين المتعارضين إن كانا على نحو يقدّم أحدهما على الآخر عرفاً، بحيث صلح أن يكون بياناً، كما لو ثبت أحدهما بدليل لفظي‌

382

..........

____________

و الآخر بدليل لبّي قدّم ما حقّه التقديم (1)، و من هنا ذكرنا أنّه لو دار الأمر بين ترك القيام أو ترك الطمأنينة تعيّن الصلاة قائماً، لأنّ الأوّل ثبت بدليل لفظي و هو قوله (عليه السلام): «إذا قوي فليقم» (2) و الثاني بدليل الإجماع، و المتيقّن منه غير صورة الدوران.

و إذا تكافأ الإطلاقان من غير ترجيح في البين سقطا بالمعارضة لا محالة. و حينئذ فان علمنا إجمالًا بلزوم رعاية إحدى الخصوصيتين المفروض تعذّر الجمع بينهما كالستر و عدم الوقوع فيما لا يؤكل مثلًا لزم التكرار، عملًا بقاعدة الاشتغال، فيصلّي عارياً مومئاً تارة، و فيما لا يؤكل اخرى. و أمّا إذا لم يعلم بذلك كما هو الغالب، فانّ فرض العلم الإجمالي نادر جدّاً كما لا يخفى فتنتهي النوبة إلى الأصل العملي، و مقتضاه الرجوع إلى البراءة عن كلّ من الخصوصيتين، فانّ تعيّن اعتبار خصوص الستر كاعتبار خصوص المانعية في هذه الحالة مشكوك يدفع بأصالة البراءة، و نتيجته التخيير بين الأمرين، فلا يجب الجمع بينهما لفرض التعذّر، و لا يجوز تركهما لعدم الاضطرار، و الضرورات تقدّر بقدرها، فيتخيّر في الأخذ بأحدهما و ترك الآخر، هذا حكم كبرى المسألة.

و أمّا التطبيق على المقام، أعني الدوران بين الصلاة عارياً مومئاً و بين إيقاعها فيما لا يؤكل، فلا ريب في تعيّن الأوّل، لتقدّم دليل المانعية على دليل شرطية الستر و دليل جزئية الركوع و السجود.

أمّا الأوّل: فلأنّ دليل المانعية ناظر إلى دليل الساتر و مقيّد لإطلاقه و محدّد لموضوعه، فهو شارح للمراد منه، و أنّه يعتبر فيه أن لا يكون مما لا يؤكل فغير المأكول وجوده كعدمه في عدم تحقّق الستر الصلاتي به.

و منه يظهر وجه تقدّمه على الثاني، إذ الركوع و السجود وظيفة من يتمكّن‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 364.

(2) الوسائل 5: 495/ أبواب القيام ب 6 ح 3.

383

[مسألة 39: إذا اضطر إلى لبس أحد الممنوعات من النجس و غير المأكول]

[1307] مسألة 39: إذا اضطر إلى لبس أحد الممنوعات من النجس و غير المأكول، و الحرير، و الذهب، و الميتة، و المغصوب، قدم النجس على الجميع، ثمّ غير المأكول، ثم الذهب و الحرير و يتخيّر بينهما، ثم الميتة [1] فيتأخّر المغصوب عن الجميع (1).

____________

من الساتر، و إلا فالعاري وظيفته الإيماء إليهما. و عليه فدليل المانعية رافع لموضوع وجوب الركوع و السجود، إذ يتحقّق به عدم التمكّن من الستر المعتبر في الصلاة، فلا موضوع لهما.

و إن شئنا عبّرنا بحكومة دليل مانعية الصلاة فيما لا يؤكل على دليل وجوب الركوع و السجود، لارتفاع موضوعهما به، بل و على دليل وجوب الستر، لنظره و كونه شارحاً للمراد منه كما مرّ.

فتحصّل: أنّ المتعيّن في هذه الصورة تقديم دليل المانعية، فيصلّي عارياً مومئاً.

و مما ذكرنا يظهر الحال في الصورة الثالثة، أعني ما لو دار الأمر بين الصلاة عارياً و بين إيقاعها في مانع مع حرمته نفساً أيضاً من دون استتباع بينهما، كما لو انحصر ثوبه في الحرير، فانّ هذه الصورة هي مجمع للصورتين المتقدّمتين، و لا تزيد عليهما بشي‌ء، فإنّها من حيث الحرمة النفسية ملحقة بالصورة الأُولى و من حيث الوضعية ملحقة بالثانية، فهي ملحقة بباب التزاحم من جهة و بباب التعارض من جهة أُخرى، و حيث حكمنا في الصورتين بتعيّن الصلاة عارياً مومئاً و إن كان ذلك بملاكين كما عرفت مفصّلًا، ففي المقام أيضاً كذلك، بل بطريق أولى كما لا يخفى.

(1) تقدّم الكلام فيما إذا انحصر اللباس في ثوب يحرم لبسه في الصلاة‌

____________

[1] الظاهر تقديم الميتة و غير المأكول على الذهب و الحرير و يتخير بينهما إذا كانت الميتة ميتة مأكول اللحم، و إلا قدم غير المأكول.

384

..........

____________

تكليفاً، أو وضعاً، أو هما معاً من دون اضطرار إلى أصل اللبس، بأن تمكّن من الصلاة عارياً.

و أمّا إذا لم يتمكّن فاضطرّ إلى لبس أحد الممنوعات في الصلاة فقد ذكر في المتن أنّه يقدّم النجس أولًا، ثم غير المأكول، ثم الحرير و الذهب مخيّراً بينهما، ثم الميتة ثم المغصوب.

أقول: أمّا تقدّم النجس على الجميع فظاهر بناءً على ما عرفت من جواز الصلاة فيه حتى مع عدم الاضطرار إلى اللبس و التمكّن من الصلاة عارياً، فمع الاضطرار بطريق أولى. و أمّا على المبنى الآخر فحكمه حكم الميتة و غير المأكول الذي ستعرفه.

و أمّا بقية المذكورات فصور الدوران بينها ثلاثة.

الاولى: أن يدور الأمر بين ارتكاب أحد مانعين من دون حرمة نفسيّة في شي‌ء منهما، كما لو دار الأمر بين الصلاة في غير المأكول أو في الميتة بناءً على جواز الانتفاع بها في غير البيع كما هو الصحيح.

الثانية: أن يدور الأمر بين ارتكاب مانع و بين حرام نفسي من دون تضمّنه للمانعية، أو لو كانت فهي تابعة للحرمة النفسية كما لو دار الأمر بين غير المأكول أو الميتة و بين المغصوب.

الثالثة: أن يدور بين محرّم نفساً و وضعاً و بين الحرام النفسي مع حرمته وضعاً أيضاً مستقلا، كما في الدوران بين الذهب و الحرير، أو تبعاً كما لو دار بين أحدهما و بين المغصوب، أو مع عدم الحرمة الوضعية أصلًا كما في المثال لو قلنا بعدم السراية.

أمّا الصورة الأُولى: فقد عرفت اندراجها في باب التعارض، و أنّه بعد سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب لمكان التعذّر و استكشاف أمر جديد متعلّق بالباقي بدليل عدم سقوط الصلاة بحال يتردّد المجعول في هذه الحالة بين أن‌

385

..........

____________

يكون هو اعتبار المانعية لخصوص الميتة أو لخصوص غير المأكول، و حيث لا علم إجمالي غالباً بإحدى الخصوصيتين كي يستلزم التكرار فالمرجع أصالة البراءة عن كلّ منهما، فيتخيّر في الصلاة في أيّ منهما شاء.

و بالجملة: فالمقام كغيره من سائر المركّبات التي يتعذّر الجمع بين جميع خصوصياتها، خارج عن باب المزاحمة رأساً كما مرّ توضيحه في المسألة السابقة. فلا وجه لملاحظة الأهمّية، بل هي من صغريات باب التعارض فلا بدّ من إعمال قواعد هذا الباب، و مقتضاها التخيير في المقام كما عرفت.

و منه يظهر أنّه لا وجه لتأخير الميتة عن غير المأكول فضلًا عن الذهب و الحرير كما صنعه في المتن بل هي و غير المأكول في عرض واحد.

و من الغريب أنّه (قدس سره) مع اعترافه بجواز الانتفاع بالميتة، و عدم حرمتها إلا وضعاً لا تكليفاً كغير المأكول كيف أخّرها عنه مع تساويهما من جميع الجهات، و حديث الأهمّية قد عرفت أنّه لا موضوع لها في أمثال المقام.

و أمّا الصورة الثانية: أعني الدوران بين غير المأكول أو الميتة و بين المغصوب، فلا ريب في اندراجها في باب التزاحم، لعدم التنافي في مقام الجعل بين النهي عن الغصب و بين اعتبار المانعية لأحدهما في الصلاة، غايته أنّ المكلّف غير قادر على الجمع بينهما في مقام الامتثال، لفرض الاضطرار إلى أحد اللبسين، فلا بدّ من رعاية مرجّحات هذا الباب.

و حيث أنّ القدرة المعتبرة في الغصب عقلية، و في المانعية المعتبرة لأحدهما في الصلاة شرعية كما أُشير إليه سابقاً (1)، بل إن كافة القيود المعتبرة في الصلاة من الوجودية و العدمية الراجعة إلى الأجزاء و الشرائط و الموانع كلّها مما اعتبرت فيها القدرة شرعاً، كما يقتضيه دليل جعل البدل لها بأسرها بمراتبه النازلة، الكاشف عن تقيّد المبدل عنه شرعاً بفرض التمكّن، و قد تقرّر في‌

____________

(1) في ص 379.

386

..........

____________

محلّه (1) أنّ ما اعتبرت فيه القدرة عقلًا مقدّم على ما اعتبرت فيه شرعاً في المتزاحمين، لارتفاع موضوع الثاني بالأوّل، و كونه بمثابة الدليل الحاكم كما أشرنا إليه قريباً كان اللازم في المقام تعيّن الصلاة في الميتة أو في غير المأكول و عدم جوازها في المغصوب.

و أمّا الصورة الثالثة: فيظهر الحال فيها ممّا مرّ، فإنّها مجمع للصورتين المتقدّمتين، فاذا دار الأمر بين الذهب و الحرير فمن حيث المانعية ملحقة بالصورة الأُولى، فهي مندرجة في باب التعارض و حكمه التخيير، دفعاً لاحتمال المانعية لخصوص كلّ منهما بأصل البراءة كما عرفت. و من حيث الحرمة النفسية ملحقة بباب التزاحم، و حيث لا ترجيح فالحكم أيضاً هو التخيير. كما أنّ نسبة الحرمة النفسية من كلّ منهما إلى الوضعية في الأُخرى على حدٍ سواء، فلا ترجيح بوجه من الوجوه.

و إذا دار بين أحدهما و بين المغصوب فمن حيث المانعية في الغصب على القول بها، و إن كانت تابعة تقع المعارضة بينها و بين المانعية في أحدهما، فمن هذه الجهة الحكم هو التخيير، و أمّا من حيث الحرمة النفسية فهما من باب المتزاحمين، و القدرة المعتبرة فيهما عقلية كما لا يخفى، فتصل النوبة إلى الترجيح بالأهمّية، و حيث إن حرمة الغصب أهم من حرمة لبس الذهب أو الحرير، إذ ليس في موردهما إلّا حقّ اللّٰه تعالى فقط، و أمّا الغصب فارتكابه يتضمّن تضييع حقّ الناس زائداً على حقّه تعالى، فالمتعيّن تركه و الصلاة في أحدهما.

و بعبارة اخرى: حرمة الغصب نفساً تتزاحم مع كلّ من التحريمين الثابتين للذهب و الحرير النفسي و الوضعي، و تقدّم عليهما بملاكين، فإنّها تتقدّم على حرمتهما النفسية بملاك الأهمية، و على حرمتهما الوضعية بملاك تقدّم القدرة العقلية على الشرعية كما ظهر وجهه ممّا بيّناه.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 358.

387

[مسألة 40: لا بأس بلبس الصبي الحرير]

[1308] مسألة 40: لا بأس بلبس الصبي الحرير (1) فلا يحرم على الولي إلباسه إيّاه، و تصحّ صلاته فيه [1] بناء على المختار من كون عباداته شرعية.

____________

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ النجس مقدّم على الجميع، من جهة النصّ المسوّغ للصلاة فيه عند الانحصار حتى مع عدم الاضطرار كما تعرّضنا له في محلّه (1) و بعده غير المأكول و الميتة مخيّراً بينهما، ثم الذهب و الحرير مخيّراً بينهما أيضاً، ثم المغصوب.

(1) لقصور المقتضي للمنع، فإنّ الأخبار الناهية عن اللبس خاصّة بالرجال، مضافاً إلى حديث رفع القلم عن الصبي (2). و عليه فلا يحرم إلباسه إياه على الولي كما هو ظاهر.

و أمّا صلاته فيه بناءً على شرعيّة عباداته فقد حكم في المتن بالصحة. لكنّه مشكل جدّاً بعد إطلاق قوله (عليه السلام): «لا تحلّ الصلاة في حرير محض» (3) الشامل للبالغ و غيره. و من الظاهر أنّ الحلّية في الرواية يراد بها الوضعية، دون التكليفية كي تختصّ بالأوّل.

و واضح أيضاً أن لا تلازم بين المانعية و الحرمة في الحرير و كذا الذهب بعد ثبوت كلّ منهما بدليل مستقل، و عدم تبعية أحدهما للآخر كما في الغصب فارتفاع الإثم بدليل خاص كما في المقام لا يقتضي ارتفاع المانعية بعد إطلاق دليلها كما عرفت.

و دعوى انصراف المانعية إلى خصوص اللبس المحرّم في نفسه المفقود في‌

____________

[1] فيه منع، و قد مرّ أن الجواز التكليفي لا يلازم الصحة.

____________

(1) شرح العروة 3: 361.

(2) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11، 12، 29: 90/ أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2.

(3) المتقدم في ص 327.

388

[مسألة 41: يجب تحصيل الساتر للصلاة و لو بإجارة أو شراء]

[1309] مسألة 41: يجب تحصيل الساتر للصلاة و لو بإجارة أو شراء (1). و لو كان بأزيد من عوض المثل ما لم يجحف بماله و لم يضر بحاله، و يجب قبول الهبة أو العارية ما لم يكن فيه حرج، بل يجب الاستعارة و الاستيهاب كذلك.

[مسألة 42: يحرم لبس لباس الشهرة]

[1310] مسألة 42: يحرم لبس لباس الشهرة [1] بأن يلبس خلاف زيّه من حيث جنس اللباس، أو من حيث لونه، أو من حيث وضعه و تفصيله و خياطته كأن يلبس العالم لباس الجندي، أو بالعكس مثلًا (2).

____________

المقام كما في النساء و كما في الحرب أو الضرورة غير مسموعة كما مرّ سابقاً (1) فلاحظ.

(1) لوجوب تحصيل مقدّمات الواجب المطلق عقلًا و لو استلزم صرف المال ما لم يبلغ حدّ الإجحاف و الإضرار بالحال، كما لو أُريد بأضعاف قيمته، فيرتفع حينئذ بدليل نفي الحرج و الضرر. فلو اهدي الساتر وجب القبول ما لم يتضمّن المنّة، بل وجبت الاستعارة و الاستيهاب ما لم تكن فيه ذلّة، و إلا فمع المهانة أو الامتنان اللذين يشقّ تحملهما عادة يرتفع الوجوب بدليل نفي الحرج كما هو ظاهر.

(2) فسّر (قدس سره) لباس الشهرة بلبس الإنسان ما هو خلاف زيّه من حيث الجنس أو اللون أو سائر الخصوصيات، و مثّل له بلبس العالم لباس الجندي أو العكس. و كأنّه استند في تحريمه إلى النهي الوارد في جملة من النصوص المذكورة في الوسائل. كمصحّح أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّٰه تعالى يبغض شهرة اللباس» (2).

و مرسل ابن مسكان عنه (عليه السلام) قال: «كفى بالمرء خزياً أن يلبس‌

____________

[1] على الأحوط في غير ما إذا انطبق عليه عنوان الهتك و نحوه.

____________

(1) في ص 342.

(2) الوسائل 5: 24/ أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 1.

389

..........

____________

ثوباً يشهره، أو يركب دابّة تشهره» (1).

و مرسل عثمان بن عيسى عنه (عليه السلام) قال: «الشهرة خيرها و شرّها في النار» (2).

و خبر أبي سعيد عن الحسين (عليه السلام) قال: «من لبس ثوباً يشهره كساه اللّٰه يوم القيامة ثوباً من النار» (3).

و خبر ابن القداح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): نهاني رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن لبس ثياب الشهرة ...» إلخ. و هذا الأخير مذكور في باب 17 من أحكام الملابس الحديث 5 الوسائل (4).

لكن هذه الأخبار مضافاً إلى ضعف أسانيد ما عدا الأوّل منها إمّا من جهة الإرسال، أو وجود سهل بن زياد في الطريق كما في الأخير، أو محمد بن سنان كما فيما قبله. تتطرّق المناقشة في دلالتها على النهي عن لباس الشهرة بالمعنى الذي فسّره الماتن، فانّ الظاهر من هذه الأخبار كون الممنوع لبس ما يوجب اشتهار لابسه بين الناس، بحيث يعرف به و يكون مميّزا له عمّا عداه، كأن يلبس الإنسان عمامة حمراء أو ذات حنكين أو الفروة مقلوبة و نحو ذلك ممّا يكون معرّفاً للشخص و يشار إليه بالبنان، فيوجب اشتهاره بين الناس لامتيازه عنهم.

و من الواضح أنّ مجرّد لبس ما هو خلاف الزي لا يقتضي ذلك، فلو لبس العالم لباس الجندي أو بالعكس و دخل في بلدة غريبة لا يشتهر بذلك، لمساواته في اللبس مع أهل ذاك اللباس، بخلاف لبس مثل العمامة الحمراء الموجب للاشتهار حيثما كان، لاختصاصه به و عدم اشتراك غيره معه.

و بالجملة: الخروج عن الزي شي‌ء و الاشتهار باللباس شي‌ء آخر، و النسبة‌

____________

(1) الوسائل 5: 24/ أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 2، 3، 4.

(2) الوسائل 5: 24/ أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 2، 3، 4.

(3) الوسائل 5: 24/ أبواب أحكام الملابس ب 12 ح 2، 3، 4.

(4) الوسائل 5: 30/ أبواب أحكام الملابس ب 17 ح 5.

390

..........

____________

بينهما عموم من وجه، و الأخبار إنّما تشير إلى المعنى الثاني دون الأوّل و الموضوع فيها مطلق ما يوجب الاشتهار من اللباس أو الدابة و غيرهما كما يقتضيه الإطلاق في بعض تلك الأخبار، و لا يختص بالثياب، و لذا عنون الباب في الكافي بباب كراهة الاشتهار بين الناس.

و يؤيّد ما ذكرناه في تفسير هذه الأخبار صحيح حماد بن عثمان قال: «كنت حاضراً لأبي (1) عبد اللّٰه (عليه السلام) إذ قال له رجل: أصلحك اللّٰه ذكرت أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، و نرى عليك اللباس الجيّد، قال فقال له: إنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، و لو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به، فخير لباس كلّ زمان لباس أهله ..» (2).

حيث يظهر منه أنّ المذموم ليس مجرّد الخروج عن الزي، بأن يلبس العالم لباس الجندي أو بالعكس و لو في داره مدّة قليلة دون أن يطّلع عليه أحد، بحيث يكون حكمه حكم لبس الرجل الذهب أو الحرير، بل العبرة أن يشهر به بين الناس و يكون من أوصافه و نعوته التي يعرف بها كالأمثلة المتقدّمة، فيقال مثلًا: الرجل الذي عمامته حمراء و هكذا.

ثم إنّ لباس الشهرة بالمعنى الأوّل الذي فسّره في المتن لا دليل على حرمته بل و لا قائل به فيما نعلم، و أمّا المعنى الثاني الذي تضمّنته هذه الأخبار فلا يمكن الالتزام بحرمته أيضاً، فإنّ الصحيحة الأخيرة المتقدّمة آنفاً لا يظهر منها أكثر من الكراهة كما لا يخفى، و ما عداها من الروايات السابقة كلّها ضعيفة السند ما عدا الاولى منها كما عرفت. و الرواية الاولى و إن كانت صحيحة و بحسب الدلالة ظاهرة، لظهور كلمة يبغض في الحرمة، إلا أنّه لأجل عدم ذهاب الأصحاب إلى التحريم، بل لم يعهد القول به صريحاً من أحد، لا يمكن الالتزام‌

____________

(1) [في الكافي 6: 444/ 15 عند أبي عبد اللّٰه بدل لأبي عبد اللّٰه].

(2) الوسائل 5: 17/ أبواب أحكام الملابس ب 7 ح 7.

391

و كذا يحرم على الأحوط لبس الرجال ما يختصّ بالنساء (1) أو بالعكس [1].

____________

به، فإنّ الحرمة لو كانت ثابتة لكانت ظاهرة، بل لم يقع الخلاف فيها في مثل هذه المسألة.

و عليه فالأقوى هي الكراهة، استناداً إلى هذه الرواية أو غيرها من الأخبار على وجه.

(1) على الأشهر كما قيل و يستدلّ له بعدة من الأخبار المذكورة في الوسائل في باب 13 من أحكام الملابس.

منها: ما رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و أبي الحسن (عليه السلام): في الرجل يجرّ ثيابه، قال: «إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء» (1).

لكن الرواية ضعيفة السند، إذ الطبرسي لا يروي عن سماعة بلا واسطة كما هو ظاهر، فقد سقط ما بينهما فتكون مرسلة.

نعم، رواها في الكافي بعين هذا المتن بسند صحيح (2) لكن الدلالة قاصرة فانّ الكراهة في لسان الأخبار و إن لم تكن بالمعنى المصطلح لكنّها غير ظاهرة في التحريم أيضاً، فغايتها الدلالة على مطلق المرجوحية الصالح لكلّ منهما، فلا تدلّ على الحرمة من دون القرينة المفقودة في المقام كما لا يخفى.

و منها: ما رواه عنه أيضاً عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء، و ينهى‌

____________

[1] على الأحوط فيما إذا تزيى أحدهما بزي الآخر، و أما إذا كان اللبس لغاية أُخرى فلا حرمة، و لا سيما إذا كانت المدة قصيرة.

____________

(1) الوسائل 5: 25/ أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 1، مكارم الأخلاق 1: 256/ 767.

(2) الكافي 6: 458/ 12 [و لعله يريد كون السند معتبراً لا صحيحاً بالاصطلاح، لأن في السند عثمان بن عيسى، و هو واقفي، لم يثبت رجوعه عن الوقف كما ذكره في معجم رجال الحديث 12: 132].

392

..........

____________

المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها» (1) و هي أيضاً ضعيفة بما عرفت.

و منها: ما رواه عنه أيضاً عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «خير شبابكم من تشبّه بكهولكم، و شرّ كهولكم من تشبّه بشبابكم» (2). و هي مضافاً إلى ضعف السند بما مرّ أجنبية عن المقام رأساً كما لا يخفى.

و ربما يستدلّ للحرمة بما رواه في الكافي عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في حديث: لعن اللّٰه المحلّل و المحلّل له، و من تولّى غير مواليه، و من ادعى نسباً لا يعرف و المتشبّهين من الرجال بالنساء، و المتشبّهات من النساء بالرجال ...» إلخ (3).

و نوقش فيه بعدم إرادة الإطلاق من التشبّه، بل في خصوص التذكّر و التأنّث، كأن يكون الشخص مخنّثاً كما يشهد له ما رواه في العلل بسنده عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام): «أنّه رأى رجلًا به تأنيث في مسجد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال له: اخرج عن مسجد رسول اللّٰه يا من لعنه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال علي (عليه السلام): سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول: لعن اللّٰه المتشبّهين من الرجال بالنساء و المتشبّهات من النساء بالرجال» (4).

و فيه: أنّه لا موجب لرفع اليد عن الإطلاق بمثل هذه الرواية الضعيفة بحسب السند من جهة حسين بن علوان و غيره الواقع في الطريق، البعيدة بحسب المضمون، فانّ من به تأنيث يجب إجراء الحدّ عليه و هو القتل، لا مجرّد الإخراج عن مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) فإطلاق رواية جابر الشامل لمثل اللبس محكّم.

____________

(1) الوسائل 5: 25/ أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 2، مكارم الأخلاق 1: 256/ 768.

(2) الوسائل 5: 25/ أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 3، مكارم الأخلاق 1: 257/ 769.

(3) الوسائل 17: 284/ أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 1، الكافي 8: 69/ 27.

(4) الوسائل 17: 284/ أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 2، علل الشرائع: 602/ 63.

393

و الأحوط ترك الصلاة فيهما و إن كان الأقوى عدم البطلان [1] (1).

____________

نعم، الظاهر منها أن يكون ذلك بقصد التشبّه، فلو لبس أحدهما ما يختصّ بالآخر من دون القصد المزبور، بل لغرض آخر عقلائي، سيما إذا كانت المدة يسيرة كما لو لبس الرجل حذاء زوجته في البيت لغرض التطهير أو بالعكس أو لبس أحدهما ثوب الآخر لدفع البرد و نحوه من سائر الدواعي فالرواية منصرفة عن مثل ذلك كما لا يخفى.

على أنّ الرواية في نفسها ضعيفة السند أيضاً بعمرو بن شمر، فلا يمكن الاستدلال بها للتحريم حتى مع قصد التشبه. فالأقوى أنّ الحكم مبني على الكراهة استناداً إلى موثّقة سماعة المتقدّمة.

(1) بناءً على حرمة اللبس في الفرعين المتقدّمين أعني لباس الشهرة و التشبّه فهل تثبت المانعية له أيضاً فتبطل الصلاة فيه؟

ذهب كاشف الغطاء (قدس سره) إلى ذلك، بدعوى الملازمة بين الحرمة النفسية و المانعية (1). و هي كما ترى، لعدم الملازمة بين الأمرين، إذ مجرّد النهي عن أمر خارج عن حقيقة الصلاة كما في المقام لا يقتضي الفساد كما هو ظاهر.

و الصحيح في المقام أن يقال: إنّه إذا كان معه ساتر بالفعل غير ذاك اللباس المحرّم، بحيث تحقّق ستر عورته فعلًا بستر مباح فلا ينبغي الارتياب في الصحة، لتحقّق الشرط و هو الستر بحده. و مجرّد لبس ما هو محرّم الذي هو كالنظر إلى الأجنبية في الخروج عن حقيقة الصلاة لا يوجب البطلان، لعدم الاتحاد بينه و بين شي‌ء من أجزاء العبادة كما هو واضح.

و أمّا إذا كان الساتر الفعلي هو اللباس المحرّم، بحيث كان هو بنفسه مصداقاً‌

____________

[1] لا يبعد البطلان في الساتر بالفعل المحرم لبسه.

____________

(1) كشف الغطاء: 201 السطر 21.

394

[مسألة 43: إذا لم يجد المصلّي ساتراً حتى ورق الأشجار و الحشيش فان وجد الطين]

[1311] مسألة 43: إذا لم يجد المصلّي ساتراً حتى ورق الأشجار و الحشيش فان وجد الطين [1] أو الوحل، أو الماء الكدر، أو حفرة يلج فيها و يتسترّ بها أو نحو ذلك ممّا يحصل به ستر العورة صلّى صلاة المختار [2] قائماً مع الركوع و السجود، و إن لم يجد ما يستر به العورة أصلًا، فإن أمن من الناظر بأن لم يكن هناك ناظر أصلًا، أو كان و كان أعمى، أو في ظلمة، أو علم بعدم نظره أصلًا، أو كان ممّن لا يحرم نظره اليه كزوجته أو أمته، فالأحوط تكرار الصلاة [1] بأن يصلّي صلاة المختار تارة و مومئاً للركوع و السجود أُخرى قائماً، و إن لم يأمن من الناظر المحترم صلّى جالساً (1).

____________

للشرط و هو الستر، فبناءً على ما اخترناه سابقاً من سراية حرمة الشرط إلى المشروط اتّجه البطلان، إذ عليه يتعلّق النهي بنفس العبادة فيوجب فسادها.

و أمّا بناءً على ما اخترناه أخيراً من عدم السراية، إذ لا مقتضي لها، فإنّ قضية الاشتراط ليست إلا كون المأمور به الحصّة الخاصّة من الطبيعي و هي الصلاة المقارنة للستر مثلًا فكون مصداق الستر حراماً لا يستوجب عدم تحقّق تلك الحصّة الخاصّة، فالأقوى حينئذ الصحّة و إن كان آثماً، إلا فيما إذا كان الشرط عباديا كالطهارات الثلاث، فانّ فسادها يقتضي فساد العبادة، فلا يتحقّق الشرط فتبطل الصلاة للإخلال بالشرط. و لا يقاس المقام بالساتر المغصوب، لوضوح الفرق فتدبّر جيداً.

(1) قد ذكرنا في بحث الستر و الساتر أنّ الستر الصلاتي يفرق عن الستر الواجب في نفسه عن الناظر المحترم، فإنّ الثاني يتحقّق بكلّ ما يحصل معه ستر‌

____________

[1] مرّ أنه في عرض الحشيش و نحوه.

[2] الأظهر أن المتستّر بدخول الوحل أو الماء الكدر أو الحفرة يصلي مع الإيماء، و الأحوط الجمع بينها و بين صلاة المختار.

[1] لا بأس بالاكتفاء بالصلاة مع الإيماء قائماً.

395

..........

____________

البشرة، و يمنع عن بدوّ العورة و إن كان بالارتماس في الماء، أو الدخول في الحفيرة، أو يطلي بالطين و نحوه مما تتحفّظ معه سوأته عن وقوع النظر إليها. و هذا بخلاف الأوّل، فإنّه يعتبر فيه ساتر خاص لدى الاختيار، و هو ما يصدق عليه عنوان الثوب، فلا يجزئ غيره اختياراً حتى القطن قبل صنعه ثوباً فضلًا عن ورق الأشجار و الحشيش و نحوهما، و قد استفيد ذلك من الأدلّة كما تقدّم في محلّه (1).

نعم، مع العجز عن الثوب ينتقل إلى بدله و هو ورق الأشجار و الحشيش فإنها المرتبة النازلة من الساتر كما تدلّ عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فيبقى عرياناً و حضرت الصلاة كيف يصلّي؟ قال: إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود، و إن لم يصب شيئاً يستر عورته أومأ و هو قائم» (2).

و أمّا الدخول في الحفرة، أو الماء الكدر، أو الطلي بالطين و نحوه ممّا ذكر في المتن فلا عبرة بشي‌ء منها، لعدم الدليل على حصول الستر الصلاتي بها، فمع العجز عن الثوب و عن الحشيش وظيفته الصلاة عارياً التي ستعرف كيفيتها و إن تمكّن من هذه الأُمور، فإنّها كالعدم.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ ورق الأشجار و الحشيش في طول الثوب و بدل عنه فلا تجوز الصلاة فيها اختياراً مع التمكّن من الثوب، فما يظهر من المتن من كونهما في عرض واحد في غير محلّه.

و كيف كان، فيقع الكلام في كيفيّة صلاة العاري. و قد اختلفت فيها كلماتهم بعد الاتّفاق على عدم سقوط الصلاة عنه.

فالمشهور أنّه مع الأمن من الناظر المحترم يصلّي قائماً مومئاً للركوع‌

____________

(1) في ص 125 فما بعدها.

(2) الوسائل 4: 448/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 1.

396

..........

____________

و السجود، و مع عدم الأمن يصلّي جالساً مومئاً. و قد اختاره في المتن مع احتياطه في الشق الأوّل من التفصيل بتكرار الصلاة مع الركوع و السجود تارة و بالإيماء إليهما اخرى.

و بإزاء هذا التفصيل أقوال:

منها: التخيير بين الأمرين من غير فرق بين الأمن من المطّلع و عدمه اختاره المحقق (قدس سره) في المعتبر (1).

و منها: وجوب القيام مطلقاً، اختاره ابن إدريس (2).

و منها: وجوب الجلوس مطلقاً، نسب إلى السيد المرتضى (قدس سره) (3) و غيره، فمجموع الأقوال أربعة:

و الأقوى ما عليه المشهور، و منشأ الاختلاف اختلاف الأخبار كما ستعرف.

و توضيح الحال يستدعي التكلّم في مقامين:

أحدهما: في وظيفة العاري من حيث القيام و الجلوس.

ثانيهما: في وظيفته من حيث الركوع و السجود أو الإيماء إليهما، هذا لو صلّى قائماً، و أمّا مع الجلوس فهما ساقطان عنه بلا إشكال كما ستعرف.

أمّا المقام الأوّل: فالروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث:

إحداها: ما دلّت على وجوب القيام مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر المتقدّمة، و نحوها موثّقة سماعة قال: «سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب و ليس عليه إلا ثوب واحد فأجنب فيه و ليس يجد الماء، قال: يتيمّم و يصلّي عرياناً قائماً، يومئ إيماء» (4) على رواية التهذيب (5).

____________

(1) المعتبر 2: 105.

(2) السرائر 1: 260.

(3) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 49.

(4) الوسائل 3: 486/ أبواب النجاسات ب 46 ح 1، 3.

(5) التهذيب 1: 405/ 1271.

397

..........

____________

لكن الكافي رواها بعين السند و المتن، غير أنّ المذكور فيه قاعداً (1) بدل قائماً. فهي مضطربة المتن، للعلم الإجمالي بصدور إحدى النسختين و الاشتباه في الأُخرى. و أضبطيّة الكافي لدى الدوران لا تجري في المقام، لأن الشيخ رواها في الاستبصار عن الكافي بلفظ قاعداً (2) فهو ملتفت إلى اختلاف النسخ و في مثله لا تجري الأضبطيّة كما لا يخفى. فلا عبرة بالموثّقة. و هناك أخبار أُخر ضعيفة، و العمدة هي صحيحة علي بن جعفر كما عرفت.

ثانيها: ما دلّت على تعيّن الجلوس مطلقاً كصحيحة زرارة قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه و لم يجد شيئاً يصلّي فيه، قال: يصلّي إيماءً و إن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، و إن كان رجلًا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان إيماءً و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما إيماءً برؤوسهما ...» إلخ (3) و نحوها غيرها. لكنّها ضعيفة السند، و العمدة هي هذه الصحيحة.

و كأنّ المحقّق (قدس سره) لأجل تعارض الطائفتين و عدم ترجيح في البين حكم بالتخيير، كما أنّ من حكم بوجوب القيام مطلقاً قدّم الطائفة الأُولى و من أوجب الجلوس مطلقاً قدّم الثانية.

ثالثها: ما تضمّن التفصيل بين وجود الناظر المحترم فجالساً و إلا فقائماً كمرسلة ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يخرج عرياناً فتدركه الصلاة، قال: يصلّي عرياناً قائماً إن لم يره أحد، فإن رآه أحد صلّى جالساً» (4) و مرسلة الصدوق التي هي بعين هذا المتن (5)، و صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل عريان ليس عليه ثوب، قال:

____________

(1) الكافي 3: 396/ 15.

(2) الاستبصار 1: 169/ ذيل ح 583.

(3) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6، 3.

(4) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6، 3.

(5) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 5، الفقيه 1: 168/ 793.

398

..........

____________

إذا كان حيث لا يراه أحد فليصلّ قائماً» (1). و بذلك يجمع بين الطائفتين المتقدّمتين بحمل الاولى على صورة الأمن من المطّلع، و الثانية على عدم الأمن و تكون هذه الأخبار شاهدة للجمع، لأنّ النسبة بينها و بين كلّ منهما نسبة الخاص إلى العام، فتتجّه فتوى المشهور المنصور.

لكن العمدة من هذه الأخبار إنّما هي الصحيحة الأخيرة، فإنّ مرسلة ابن مسكان لا عبرة بها و إن كان المرسل من أصحاب الإجماع، لما تكرّر غير مرّة من أنّ الإجماع المدّعى على تصحيح ما يصحّ عن جماعة في عبارة الكشي (2) لا يراد منه أكثر من دعوى الاتفاق على توثيقهم، لا على قبول رواياتهم على الإطلاق، بحيث لا ينظر إلى من بعدهم من الرواة كي تقبل و إن رووها مرسلًا أو عن ضعيف أو مجهول، نعم لو قلنا بالمعنى الثاني أو بنينا على انجبار ضعف الخبر بالعمل كانت المرسلة معتبرة، و شي‌ء منهما لا نقول به.

و أمّا مرسلة الصدوق فمضافاً إلى ضعفها في نفسها من جهة الإرسال يطمأنّ عادة بأنّها هي المرسلة الاولى بعينها، لاتحادهما متناً كما عرفت.

فالعمدة هي صحيحة ابن مسكان، لكنّه نوقش فيها بأنّها في حكم المرسل لأنّه من أصحاب الكاظم (عليه السلام) فلا يمكن روايته عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) بل قد حكى الكشي عن أبي النضر محمد بن مسعود العيّاشي عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى عن يونس أن عبد اللّٰه بن مسكان لم يرو عن الصادق (عليه السلام) إلا حديث «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» (3). و قال النجاشي قيل: إنّه روى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و ليس بثبت (4). فإذا لم تكن روايته عن الصادق (عليه السلام) ثابتة، أو لم يرو إلا رواية واحدة‌

____________

(1) الوسائل 4: 450/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 7.

(2) رجال الكشي: 375/ 705.

(3) رجال الكشي: 382/ 716.

(4) رجال النجاشي: 214/ 559.

399

..........

____________

فعدم روايته عن الباقر (عليه السلام) بطريق أولى.

أقول: أمّا حكاية الكشي فغير قابلة للاعتماد، لأنّ محمد بن نصير الذي هو النميري غالٍ ملعون، ادّعى النبوة، و وردت فيه ذموم عن العسكري (عليه السلام) (1). نعم يمكن أن يراد به محمد بن نصير الكشي الذي هو شيخ الكشي لكنّه بعيد، لكثرة رواية العيّاشي عن الأوّل. و كيف كان، فلا أقل من احتماله فتسقط عن الاستدلال.

و أمّا ما ذكره النجاشي فهو غريب جدّاً، فانّ روايات ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) كثيرة لا تحصى، و كتاب الكافي مشحون به، و قد استقصى الأردبيلي في جامع الرواة (2) شطراً وافراً من رواياته عنه (عليه السلام) مستغرباً في ذيل كلامه دعوى من قال إنه لم يرو عنه (عليه السلام) إلا حديثاً واحداً.

و رواياته عنه (عليه السلام) أكثر ممّا ذكره بكثير كما لا يخفى على المتتبع و عليه فروايته عن الباقر (عليه السلام) ممكنة و لا استبعاد فيها بعد مساعدة الطبقة، فإنّه مات في زمن الكاظم (عليه السلام) قبل الحادثة، فيكون موته فيما بين سنة 148 التي توفي فيها الصادق (عليه السلام) و سنة 183 التي توفي فيها الكاظم، و قد توفي الباقر (عليه السلام) سنة 114، فمن الجائز أن يكون مدركاً له (عليه السلام) في زمن صالح لروايته عنه، لعدم إباء الطبقة عن ذلك كما لا يخفى. و قد روى هذه الرواية ثقة عن ثقة عنه، و هو موثّق، بل من أصحاب الإجماع كما عرفت، يروي عن الباقر (عليه السلام) على نحوٍ ظاهره الرواية عنه (عليه السلام) بلا واسطة، فلما ذا تطرح الرواية بمجرّد الاستبعاد و احتمال الإرسال مع ما عرفت من عدم البعد فيه.

____________

(1) كما ذكر في رجال الكشي: 520/ 999.

(2) جامع الرواة 1: 507 510.

400

..........

____________

على أنّا قد عثرنا على رواية أُخرى له عن الباقر (عليه السلام) في باب النكاح بلفظ السماع، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ...» إلخ (1) الظاهر بل الصريح في روايته عنه (عليه السلام) بلا واسطة.

و عثرنا أيضاً على رواية ثالثة عنه (عليه السلام) في باب الزكاة المذكورة في الصفحة السابعة من جلد الزكاة من كتاب من لا يحضره الفقيه الطبعة الجديدة (2) و لعلّنا نظفر في فحصنا الأخير لتأليف الرجال على أكثر من ذلك.

و بالجملة: فلا محيص عن الالتزام بحجيّة هذه الرواية، و أنّها مسندة فيؤخذ بها، و بذلك يجمع بين الطائفتين المتقدّمتين و يثبت التفصيل الذي ذكره المشهور.

تنبيه: قد روى هذه الرواية أعني رواية ابن مسكان عن الباقر (عليه السلام) في الوسائل في المقام كما عرفت، و في الكافي عن المحاسن (3)، و في نفس المحاسن (4) و في البحار (5) و في بقية الكتب الحديثية و الاستدلالية حسبما لاحظناها، و لكن رواها صاحب الوسائل في باب 46 من أبواب النجاسات الحديث 2 بعين السند و المتن عن الصادق (عليه السلام) (6) و الظاهر أنّه سهو إمّا من قلمه الشريف، أو من النسّاخ، لما عرفت. و الصحيح ما أثبته في المقام.

بقي في المقام أمران: الأوّل: الظاهر من كلمات الفقهاء (قدّس اللّٰه أسرارهم) حيث عبّروا في مقام‌

____________

(1) الوسائل 21: 5/ أبواب المتعة ب 1 ح 2، الكافي 5: 448/ 2، التهذيب 7: 250/ 1080 [لكن في الوسائل و الكافي: عن ابن مسكان عن عبد اللّٰه بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ...].

(2) الفقيه 2: 7/ 20.

(3) [لم نعثر عليه في المصدر المذكور].

(4) المحاسن 2: 122/ 1338.

(5) البحار 80: 212/ 3.

(6) الوسائل 3: 486/ أبواب النجاسات ب 46 ح 2 [و لكن المذكور في الطبعة الجديدة من الوسائل: عن أبي جعفر (عليه السلام)].

401

..........

____________

التفصيل بالأمن من الناظر و عدمه إناطة الحكم بنفس الأمن، فمعه يجب القيام و إن اتّفقت الرؤية خارجاً أثناء الصلاة، و مع عدمه يجب الجلوس و إن لم يتّفق. و هذا كما ترى لا ينطبق على ما هو المتراءى من ظاهر الأخبار من دوران الحكم مدار نفس الرؤية الخارجية، التي لازمها بطلان الصلاة قائماً معها حتى لو كان آمناً، و صحّتها مع عدمها و إن لم يأمن كما لو صلّى في الشارع العام و اتّفق عدم الرؤية.

و يمكن أن يقال: إنّ العمدة من الأخبار هي صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان كما عرفت، و المذكور فيها قوله: «إذا كان حيث لا يراه أحد» و الظاهر من كلمة «حيث» معرضية المكان للرؤية و شأنيته لها، و كونه بحيث يصلح لأن يراه أحد، دون نفس الرؤية بوجودها الواقعي، فتنطبق حينئذ على الأمن المذكور في عبارة الأصحاب، بل عبارتهم تفسير للمعنى و نقل لمضمون الصحيحة، بل و غيرها كما لا يخفى.

الثاني: مقتضى إطلاق الأخبار عدم خصوصية للناظر، فيعتبر الأمن عن رؤية كلّ أحد، لكن القرينة القطعيّة الارتكازيّة تشهد بأنّ المراد الناظر المحترم الذي يجب التستّر عنه كما عبّر به في كلمات الأصحاب، فلا عبرة بنظر الصبي الذي هو كالحيوان، إذ لا حرمة له، و لا الزوجة أو الأمة، لعدم وجوب التستّر [عنهما].

المقام الثاني: في وجوب الركوع و السجود أو الإيماء إليهما.

أمّا في حالة الجلوس فالظاهر عدم الخلاف بين الأصحاب في وجوب الإيماء لغير المأموم، كما تقتضيه النصوص التي منها صحيحة زرارة المتقدّمة (1).

و أمّا في حالة القيام فالمشهور المعروف هو وجوب الإيماء أيضاً، لكن عن‌

____________

(1) في ص 397.

402

..........

____________

ابن زهرة وجوب الركوع و السجود حينئذ، مدّعياً عليه الإجماع (1). و إجماعاته كما ترى لا يعبأ بها، سيما في مثل المقام الذي ذهب المشهور إلى خلافه. فدعواه موهونة جدّاً، هذا.

و قد وافقه فيما ذهب إليه صاحب الجواهر (قدس سره) (2) مصرّاً عليه، مستدلًا له بعد الإجماع الذي عرفت حاله بوجوه منها: الأصل.

و فيه: أنّه إن أراد به الاستصحاب فمضافاً إلى عدم الحالة السابقة، للشك فيما هو الحادث من التكليف بعد حلول الوقت، و أنّه الصلاة إيماءً أو مع الركوع و السجود، و لا عبرة بالعلم بوجوبهما في وقت فريضة سابقة مع التمكّن من الساتر، للعلم بالانتقاض فتأمّل، أنّ الاستصحاب غير جارٍ في الشبهات الحكمية.

و إن أراد به المطلقات الدالة على وجوب الركوع و السجود فهي مقيّدة بصحيح علي بن جعفر (3) الدال على سقوطهما و بدلية الإيماء عنهما في هذه الحال، و إن ناقش (قدس سره) في الصحيح بما ستعرفه مع جوابه.

و منها: أنّ الستر الصلاتي ساقط في المقام قطعاً، لفرض العجز، و إنّما اللازم رعاية الستر غير الصلاتي الواجب في حدّ نفسه، و لأجله يفصّل بين الأمن عن الناظر المحترم فقائماً و بين عدمه فجالساً. و عليه فاذا كان الستر الصلاتي ساقطاً فما الموجب إذن للإيماء، فإنّه إنما يجب تحفظاً على هذا الستر الساقط على الفرض، فهذا يوجب وهناً في صحيح علي بن جعفر و يسقطه عن درجة الاعتبار، و يكون المتبع إطلاقات أدلّة الركوع و السجود.

و هذا كما ترى غريب منه جدّاً، و لو لا مخافة التجاسر على مقامه العظيم (قدس سره) لقلنا إنّه منه اجتهاد في مقابل النصّ، فإنّا إنّما نقول بوجوب الإيماء‌

____________

(1) الغنية: 92.

(2) الجواهر 8: 208، 210 فما بعدها.

(3) المتقدم في ص 395.

403

..........

____________

لأجل النص الصحيح الواجب الاتّباع، أعني صحيح علي بن جعفر.

نعم، لولاه كان مقتضى القاعدة أعني المطلقات هو ما ذكره (قدس سره) لكن لا بدّ من الخروج عنها بموجب النص المقيّد لها، لا أنّه يوهن النص بهذا النوع من الاجتهاد الصريح في خلافه. و ستعرف الجواب عن موهناته الأُخر التي أوردها على النص.

و منها: أنّ ما يستدلّ به للإيماء أمّا موثّقة سماعة أو صحيحة علي بن جعفر (1)، لضعف غيرهما سنداً. و كلاهما ليسا بشي‌ء فإنّ الموثّق مضطرب المتن، و الصحيح موهون من وجهين:

أحدهما: تضمّنه الإطلاق من حيث الأمن و عدمه، مع تعيّن الجلوس في الفرض الثاني نصاً و فتوى.

الثاني: أنّ مقتضى إطلاقه الإتيان بالتشهّد و التسليم قائماً، و لم يقل به أحد و لأجل هذين الموهنين لم يرتض (قدس سره) ببقاء الصحيحة على ظاهرها بل تصرّف بحمل الإيماء على الانحناء المجامع لأقل مراتب الركوع.

أقول: أمّا ما أفاده (قدس سره) في الموثّق من الاضطراب فهو حقّ صواب كما مرّ، لكن الدليل غير منحصر فيه، و في الصحيح غنى و كفاية.

و أمّا ما أفاده (قدس سره) من أوّل الموهنين فغايته تقييد إطلاق الصحيح بما دلّ على لزوم الجلوس مع عدم الأمن، كصحيح عبد اللّٰه بن مسكان المتضمّن للتفصيل بين الأمن و عدمه كما مرّ، و التقييد غير عزيز في الأخبار المتفرّقة في أبواب الفقه، و لا يوجب الوهن البتة، بل ما من خبر مطلق عدا النادر إلا و قد ورد عليه التقييد.

و أمّا الموهن الثاني فيدفعه مضافاً إلى إمكان تقييد الإطلاق بما دلّ على لزوم الإتيان بالتسليم و التشهد حال الجلوس من الإجماع و نحوه، و مثله لا يوجب‌

____________

(1) المتقدمتان في ص 396، 395.

404

..........

____________

الوهن بوجه كما عرفت، أنّه لا إطلاق في الصحيح من هذه الجهة أصلًا، لعدم كونه في مقام البيان من هذه الناحية، و إنّما هو مسوق لبيان سقوط الركوع و السجود في فرض عدم الساتر، في قبال ما ذكره في الصدر من لزوم الإتيان بهما عند إصابة الحشيش. و التعرّض للقيام لأجل التنبيه على عدم سقوطه و لزوم مراعاته في الموارد التي يعتبر فيها القيام كحال القراءة و القيام المتّصل بالركوع، لا لزوم الإتيان به على الإطلاق حتى عند التشهد و التسليم كي يوهن به الصحيح كما لعلّه ظاهر.

و أمّا ما أفاده (قدس سره) من حمل الإيماء على الانحناء المجامع للركوع و السجود فهو أفحش من سابقه، و كيف يحمل الإيماء الصريح في الإشارة على ما يجامعهما، مع وقوع المقابلة بينه و بين الركوع و السجود في صدر الصحيح و ذيله الظاهر في المغايرة و المباينة كما لا يخفى.

على أنّه لو سلّمنا الحمل على أقل المراتب فإنّما يتم في الركوع، لاختلاف مراتب الانحناء فيه، و أمّا السجود فكلا، لتقوّمه بوضع الجبهة على الأرض فليست له إلا مرتبة واحدة.

و منها: ما ذكره (قدس سره) تأييداً لدعواه من مرسلة أيّوب بن نوح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها و يسجد فيها و يركع» (1) فانّ الدخول في الحفيرة لأجل الأمن من المطّلع، و معه يتعيّن الركوع كما تضمّنه الخبر، و مقتضاه أنّه إذا تحقّق الأمن خارج الحفيرة أيضاً تعيّن الركوع، لعدم احتمال خصوصية للحفيرة.

و فيه: مضافاً إلى ضعف الخبر بالإرسال أنّه على تقدير صحة السند فغايته تقييد الإطلاق به، و يقتصر على مورده، و لعلّ في الحفيرة خصوصية لا نعرفها فلا وجه للتعدّي كي يوهن به الصحيح و يرفع اليد عنه.

____________

(1) الوسائل 4: 448/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 2.