موسوعة الإمام الخوئي - ج12

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
438 /
405

..........

____________

و منها: تأييد الدعوى أيضاً بما سيأتي في صلاة العراة جماعة (1) من إيماء الإمام و ركوع المأمومين و سجودهم كما تضمّنه النص (2) فيظهر أنّ الإيماء لا يكون إلا مع عدم الأمن كما في الإمام، و أمّا المأمومون فحيث إنّهم مأمومون وجب عليهم الركوع و السجود. فالمناط هو الأمن و عدمه، و لا خصوصية للجماعة في ذلك، فيشترك معها الفرادى بعد اتحاد الملاك.

و فيه: أنّه على تقدير تسليم الحكم هناك و نسلّم كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى فهو مقصور على مورده للنصّ فيتقيد به الإطلاق، و لا مجال للتعدّي عن الجماعة إلى غيرها.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ هذه الشبهات كلّها واهية لا يعبأ بها. و الأقوى وفاقاً للمشهور وجوب الإيماء، و إن احتاط فيه في المتن من أجل هذه الشبهات.

ثم إنّ الأقوى تبعاً للمشهور و عملًا بظاهر النص وجوب الإيماء للركوع و السجود في حال القيام مع فرض الأمن، لكن عن بعض و هو السيد عميد الدين أنّه يجلس و يومئ للسجود، و إن كان إيماؤه للركوع في حال القيام (3) و لم نعرف وجهاً لهذا التفصيل عدا قاعدة الميسور، فكأنّ الإيماء جالساً أقرب إلى هيئة الساجد، أو أنّ الهوي إلى السجود يتضمّن نوعاً من الجلوس، فمع تعذّر المجموع يقتصر على الميسور.

و فيه أوّلًا: أنّ القاعدة غير تامة في نفسها، فالكبرى ممنوعة كما تكرّر غير مرّة.

و ثانياً: مع التسليم فالصغرى ممنوعة و لا مصداق لها في المقام، إذ الجلوس ليس من مراتب السجود كي يكون ميسوراً له، لتقوّمه بوضع الجبهة على‌

____________

(1) في ص 331 فما بعدها.

(2) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 51 ح 2.

(3) حكاه عنه في الذكرى 3: 23.

406

..........

____________

الأرض، فيكون الجلوس مبايناً له عرفاً، و ليس الجلوس الذي يتضمّنه السجود واجباً في نفسه كي يقتصر عليه لدى العجز عن المجموع، بل هو مقدّمة له يسقط بسقوطه لا محالة كما لا يخفى.

و ثالثاً: مع الغضّ عما ذكر فالقاعدة إنّما يتمسّك بها مع عدم سقوط الواجب حال التعذّر كي يكون الميسور من مراتب امتثاله، و في المقام قد سقط الواجب و هو السجود رأساً، و جعل بدله واجب آخر و هو الإيماء. فلا وجه لمراعاة الميسور في مثل ذلك أصلًا.

و هذا نظير ما لو تعذّر الوضوء لفقد الماء الكافي له، فإنّه ينتقل إلى التيمم و إن كان لديه من الماء ما يكفي لغسل وجهه و إحدى يديه مثلًا، فلا يعتبر الإتيان بهذا الوضوء الناقص بدعوى كونه ميسوراً عن الكامل، لسقوط الوضوء في هذه الحال من أصله، و جعل بدل آخر مكانه و هو التيمم كما هو ظاهر. و بالجملة: فهذا التفصيل ساقط.

نعم لو ذكر هذا القائل و لم يذكر أنّه يجب الجلوس للركوع و السجود معاً لأمكن توجيهه باستفادته من صحيحة زرارة المتقدّمة الآمرة بالجلوس و الإيماء للركوع و السجود في قوله (عليه السلام): «ثم يجلسان فيومئان إيماءً و لا يسجدان و لا يركعان ...» إلخ (1).

لكنّه لم يقل به أحد، و لا وجه له أيضاً، لمنع الاستفادة، فانّ الاستظهار المزبور مبني على أن يكون قوله (عليه السلام): «ثم يجلسان ...» إلخ بياناً لكيفيّة الإيماء بعد فرض الشروع في الصلاة قائماً. و ليس كذلك، بل ظاهره أنّه بيان لأصل كيفية الشروع في الصلاة، فإنّه بعد فرض الخروج عن السفينة و هم عراة أو أنّهم قد سلبت ثيابهم حكم (عليه السلام) إجمالًا بلزوم الصلاة إيماءً و بما أنّهم بطبيعة الحال لا يقومون إلى الصلاة بمجرّد‌

____________

(1) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6.

407

و ينحني للركوع و السجود [1] بمقدار لا تبدو عورته، و إن لم يمكن فيومئ برأسه (1).

____________

الخروج عن السفينة أو سلب الثياب، بل يمشون أو ينتظرون حلول الوقت أو حصول الفرصة تعرّض (عليه السلام) حينئذ لحكم الستر الواجب في نفسه و تحفّظ كل عورته عن صاحبه، فذكر (عليه السلام) أنّه إن كان امرأة جعلت يدها على فرجها، و إن كان رجلًا وضع يده على سوأته، ثم بعد حلول الوقت و إرادة الاشتغال بالصلاة ذكر (عليه السلام) «أنّهما يجلسان فيومئان ...» إلخ.

فالجلوس هو مبدأ الشروع في الصلاة، لأنّ المفروض عدم أمنهم عن الناظر المحترم. و قد مرّ أنّ الوظيفة بمقتضى صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان (1) هي الصلاة جالساً مع عدم الأمن، فبيّن (عليه السلام) أنّهم يصلّون جالسين و يومئون في صلاتهم، لا أنّهم يصلّون قائمين ثم يجلسون و يومئون كما هو مبنى الاستظهار المتقدّم.

(1) أفاد (قدس سره) أنّه في فرض عدم الأمن و الصلاة جالساً فوظيفته من حيث الركوع و السجود هي الانحناء إليهما بمقدار لا تبدو عورته، و إلا فالإيماء بالرأس، و إلا فبالعين.

و فيه أوّلًا: أنّ تخصيص هذه المراتب بالصلاة جالساً لا نعرف له وجهاً، بل لو تمّت لجرى فيما لو صلّى قائماً مع الأمن لاتحاد الملاك. فالتفصيل غير ظاهر الوجه.

و ثانياً: أنّ الثابت بمقتضى الأدلّة إنّما هو بدلية الإيماء كما تضمنته النصوص‌

____________

[1] الأقوى عدم وجوب الانحناء لهما، و الأحوط الجمع بينه و بين الإيماء و قصد ما هو الواجب منهما في نفس الأمر.

____________

(1) المتقدمة في ص 397.

408

و إلّا فبعينيه (1)

____________

و أما الانحناء العاري عنه فلا دليل على الاجتزاء به عن الركوع و السجود عدا قاعدة الميسور التي عرفت آنفاً تقريرها مع ما أوردنا عليها من الوجوه الثلاثة فلاحظ (1).

و عليه فلو اقتصر على الانحناء فالأظهر بطلان الصلاة، لعدم الإتيان بالوظيفة المزبورة من الشارع، نعم لو جمع بينه و بين الإيماء كان أحوط كما لا يخفى.

(1) الإيماء بالعين لدى العجز عن الإيماء بالرأس غير مذكور في نصوص المقام. و يمكن أن يستدلّ له بأنّ الأمر حينئذ دائر بينه و بين عدم الإيماء أصلًا و بين سقوط الصلاة رأساً و لا رابع.

أمّا الأخير فيدفعه القطع بعدم سقوط الصلاة بحال، الثابت بالإجماع و النص، و هذا حال من الأحوال.

و أمّا الثاني فيردّه أنّ الصلاة متقوّمة بالركوع و السجود بما لهما من المراتب كما يفصح عنه قوله (عليه السلام): «الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (2) فالصلاة الفاقدة لهما و لبدلهما ليست من حقيقة الصلاة في شي‌ء، فلا بدّ من الإتيان بهما أو ببدلهما، و حيث إن بدليّة الإيماء بالعين ثابتة في الجملة كما في المريض الذي ورد فيه النصّ بذلك، فلا بدّ من تعيّن الاحتمال الأوّل، لما عرفت من حصر المحتملات فيما ذكر.

و منه تعرف الفرق بين الإيماء بالعين و بين غيره كالإيماء باليد مثلًا، لعدم ثبوت البدلية لغير الأوّل و لو في الجملة. فلا مناص من تعيّنه، فيكون غمض العين بدلًا عن الركوع و السجود، و فتحها بدلًا عن رفع الرأس عنهما.

____________

(1) ص 405 406.

(2) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

409

و يجعل الانحناء أو الإيماء [1] للسجود أزيد من الركوع (1) و يرفع ما يسجد عليه و يضع [2] جبهته عليه (2). و في صورة القيام يجعل يده على قبله على الأحوط (3).

____________

(1) نسبه في الذكرى إلى الأصحاب (1) و ربما يعلّل تارة بخبر أبي البختري وهب بن وهب: «يجعل سجوده أخفض من ركوعه» (2) و ضعفه ظاهر، بل قيل: إنّه أكذب البرية.

و أُخرى بتحصيل الافتراق. و فيه: أنّ المائز هو القصد، و كفى به في حصول الفرق، و إلّا فلو أُريد الفرق الظاهري فهو لا ينحصر بذلك، بل يمكن العكس بأن يكون الإيماء للركوع أخفض منه للسجود، كما يمكن رفع اليدين على هيئة الساجد في الإيماء للسجود مع تساوي الإيماءين في الخفض و عدمه، فالظاهر عدم الدليل على لزوم رعاية الأخفضية بعد ما عرفت من حصول المميّز بالنية و القصد.

(2) لا دليل عليه في المقام. و وروده في المريض لا يقتضي التعدّي بعد خلوّ نصوص المقام عنه، فالأظهر عدم وجوبه عملًا بإطلاق الأدلّة.

(3) كأنّه لاحتمال دلالة صحيح زرارة (3) عليه، لتضمّنه الأمر بوضع الرجل يده على سوأته و المرأة على فرجها، الكائن ذلك حال القيام بقرينة قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «ثم يجلسان فيومئان ...» إلخ، فيكون ذلك من الستر المعتبر حال الصلاة.

____________

[1] على الأحوط الأولى.

[2] على الأحوط، و الأظهر عدم وجوبه.

____________

(1) الذكرى 3: 23.

(2) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 52 ح 1.

(3) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6.

410

[مسألة 44: إذا وجد ساتراً لإحدى عورتيه]

[1312] مسألة 44: إذا وجد ساتراً لإحدى عورتيه ففي وجوب تقديم القبل أو الدبر أو التخيير بينهما وجوه (1) أوجهها الوسط [1].

____________

لكن عرفت ضعفه فيما مرّ، و أنّ ذلك ناظر إلى الستر غير الصلاتي المعتبر في نفسه عن الناظر المحترم، و أنّ مبدأ الشروع في الصلاة هو قوله (عليه السلام): «ثم يجلسان فيومئان ...» إلخ، فليس ذلك من الستر المعتبر في الصلاة. فإطلاق ما دلّ على وجوب القيام حال الأمن كصحيح علي بن جعفر الدافع لاحتمال وجوب ستر القبل بوضع اليد عليه حينئذ هو المحكّم كما لا يخفى.

(1) من عدم الترجيح بعد كون كلّ منهما عورة. و من أنّ الدبر مستور بالأليتين فيترجّح القبل، و لا سيما مع بروزه و كونه إلى القبلة، و في المرأة للأفظعية. و من ترجيح الدبر نظراً إلى عدم استتمام الركوع و السجود و هما ركنان في الصلاة إلا بستره، و مع التمكّن منهما لا ينتقل إلى البدل و هو الإيماء.

و هذا هو الأظهر، و قد أُشير إليه في صحيحة زرارة المتقدمة (1) الناطقة بأنّ العلّة في سقوطهما هو بدوّ ما خلفه.

و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة، لاتحاد المناط، فلا يصغي إلى ما قيل فيها بالتخيير لاشتراكهما في المستورية بالفخذين و الأليتين و إن قلنا بتقديم القبل في الرجل، إذ فيه ما عرفت من تساويهما في البدوّ المزبور.

ثم إنّه ينبغي التنبيه على أمر و هو أنّك قد عرفت فيما تقدّم حكم الرجل العاري، و أنّ وظيفته لدى الأمن عن الناظر المحترم الصلاة قائماً مومئاً للركوع و السجود.

و أمّا المرأة العارية فلم يرد فيها نصّ متعرّض لهذه الصورة، فإنّ صحيحة‌

____________

[1] فيصلي حينئذ مع الركوع و السجود، و قد دلت صحيحة زرارة على أن الموجب لسقوط الركوع و السجود هو بدوّ ما خلفه.

____________

(1) في ص 397.

411

..........

____________

زرارة (1) موردها عدم الأمن، و من ثم أمر فيها بوضع اليد على الفرج قبل الصلاة و الإتيان بها إيماءً عن جلوس في الرجل و المرأة. و ما ورد في صورة الأمن مورده الرجل دون المرأة، فهل هي ملحقة بالرجل أو أنّها تصلّي عن جلوس مطلقاً، سواء أمنت من الناظر أم لا؟

ظاهر إطلاق كلمات الأصحاب من غير تعرّض للتفصيل الاتفاق منهم على الأوّل، و أنّها تصلّي مومية قائمة مع الأمن، و جالسة مع عدم الأمن كالرجل.

و ربما يستدلّ له بقاعدة الاشتراك. و فيه: أنّ موردها الاتحاد في الصنف، و لا اتحاد في المقام. و التعدّي إلى المرأة و إن ثبت في غير واحد من الأحكام إلا أنّه بمعونة القطع بعدم الفرق، و لا قطع في محلّ الكلام بعد أن افترقا في أنّ بدنها بتمامه عورة دون الرجل. فمن الجائز اختصاصها لهذه العلّة بالصلاة جالسة أمنت من الناظر أم لا. فليس الوجه في التعدّي القاعدة المزبورة.

بل الظاهر أنّ الوجه فيه إطلاقات أدلّة اعتبار القيام الشاملة للرجل و المرأة، عاريين كانا أم لابسين، خرجنا عنها بالنصّ الخاص في العاري لدى عدم الأمن من الناظر، فانّ المتعيّن حينئذ الصلاة عن جلوس كما تقدّم (2) فيبقى غيره تحت الإطلاق، غاية الأمر أنّ النصوص قد دلّت في الرجل على لزوم القيام زيادة على ما تقتضيه الإطلاقات، و في المرأة لم يرد نصّ خاصّ، إلّا أن تلك الإطلاقات كافية و وافية.

و بعبارة واضحة: لمّا كان الجلوس على خلاف القاعدة فهو الذي يحتاج إلى دليل مخرج عنها، دون القيام المطابق لها، و حيث لم يرد دليل إلّا مع عدم الأمن فلا جرم تبقى صورة الأمن تحت القاعدة، من غير فرق بين الرجل و المرأة.

و حيث قد عرفت إلحاقها بالرجل في القيام فهي ملحقة به في الإيماء أيضاً إلى الركوع و السجود بالأولوية القطعية، فإنّها أولى من الرجل بالمحافظة عن‌

____________

(1) المتقدمة في ص 397.

(2) في ص 397.

412

[مسألة 45: يجوز للعراة الصلاة متفرقين]

[1313] مسألة 45: يجوز للعراة الصلاة متفرقين (1). و يجوز بل يستحب لهم الجماعة (2) و إن استلزمت للصلاة جلوساً و أمكنهم الصلاة مع الانفراد قياماً، فيجلسون و يجلس الإمام وسط الصف و يتقدمهم بركبتيه و يومئون للركوع و السجود [1] إلّا إذا كانوا في ظلمة آمنين من نظر بعضهم إلى بعض فيصلّون قائمين صلاة المختار [2] تارة و مع الإيماء أُخرى على الأحوط.

____________

بدوّ العورة.

على أنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «.. ثم يجلسان فيومئان إيماءً و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفها» ظاهر في أنّ العلّة في سقوطهما و الانتقال إلى الإيماء حتى في حال القيام هو المحافظة على عدم بدوّ الخلف و هذه العلّة موجودة في المرأة العارية أيضاً، سواء صلّت عن قيام أو عن جلوس كما هو ظاهر.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال، لإطلاقات مشروعية الصلاة فرادى، بل قد يظهر من ذيل رواية أبي البختري المتقدمة «... فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس، ثم صلّوا كذلك فرادى» (1) وجوبها عليهم، بحيث تكون بمثابة التخصيص في دليل مشروعية الجماعة.

و لكنّها مضافاً إلى ضعف سندها كما تقدّم (2) محمولة على لزوم التباعد لو أرادوا الصلاة فرادى، ليأمنوا من الناظر.

(2) إذ تدلّ عليه مضافاً إلى إطلاقات المشروعية نصوص خاصة كصحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن قوم صلّوا جماعة‌

____________

[1] الأظهر أن المأمومين يركعون و يسجدون، و إن كان الأولى ترك الجماعة في هذا الحال.

[2] الأولى ترك الجماعة في هذا الحال، و إن أتى بها فالأقوى وجوب القيام مع الإيماء للإمام و المأموم، و الأحوط للمأمومين إعادة الصلاة من جلوس جماعة مع الركوع و السجود.

____________

(1) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 52 ح 1.

(2) في ص 409.

413

..........

____________

و هم عراة، قال: يتقدّمهم الإمام بركبتيه، و يصلّي بهم جلوساً و هو جالس» (1).

و موثّقة إسحاق بن عمار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قوم قطع عليهم الطريق و أُخذت ثيابهم فبقوا عراة، و حضرت الصلاة كيف يصنعون؟ فقال: يتقدّمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه، فيومئ إيماءً بالركوع و السجود، و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم» (2) فالحكم في الجملة مما لا شبهة فيه.

و إنّما الكلام في جهتين:

الاولى: لا ريب في سقوط القيام عن العراة، فيصلّون جماعة عن جلوس كما نطقت به الصحيحة و الموثّقة. و هل يختصّ السقوط بحالة عدم الأمن من الناظر المحترم، أو يعمّ حالة الأمن؟

مقتضى الإطلاق فيهما هو الثاني، لكنّه معارض بإطلاق صحيحة ابن مسكان المتقدّمة عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل عريان ليس معه ثوب، قال: إذا كان حيث لا يراه أحد فليصلّ قائماً» (3) بالعموم من وجه حيث إنّ الاولى خاصّ من حيث الجماعة عامّ من حيث الأمن، على العكس من الثانية، فتتعارضان في مادّة الاجتماع و هي الجماعة مع الأمن (4)، فيسقط القيام بمقتضى إطلاق الأُولى، و يجب بمقتضى الثانية. و المرجع بعد التساقط إطلاقات أدلّة اعتبار القيام في الصلاة، و عليه فيختصّ السقوط بحالة عدم الأمن.

هذا بناءً على انعقاد الإطلاق في الروايتين أعني الصحيحة و الموثّقة و أمّا بناءً على إنكاره، نظراً إلى أنّ موردهما تعدّد العراة و اجتماعهم،

____________

(1) الوسائل 4: 450/ أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1.

(2) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 51 ح 2.

(3) الوسائل 4: 450/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 7.

(4) [المذكور في الأصل: من دون الأمن. و الصحيح ما أثبتناه].

414

..........

____________

و الغالب فيه عدم الأمن، فالأمر أوضح كما لا يخفى.

الثانية: في وظيفتهم من حيث الركوع و السجود أو الإيماء إليهما.

أمّا الإمام فلا كلام في أنّ وظيفته الإيماء، لبدوّ عورته بعد لزوم تقدّمه، على أنّ الموثّقة صريحة في ذلك.

و أمّا المأمومون فقد ذهب الشيخ في النهاية (1) و جماعة إلى أنّهم يركعون و يسجدون، خلافاً لجماعة أُخرى حيث ذهبوا إلى وجوب الإيماء عليهم أيضاً مستدلّين له تارة بالإجماع كما عن السرائر (2) و أُخرى بإطلاقات الإيماء في العاري، و ثالثة بما عن الذكرى من استبعاد أن يكون للمأمومين خصوصية عن غيرهم من العراة (3).

و الكلّ كما ترى. فإنّ الإجماع مضافاً إلى أنّه منقول لا يعبأ به، موهون بذهاب ثلّة من الأكابر إلى خلافه، بل قيل إنّه المشهور. و أمّا الإطلاقات فهي مقيّدة بموثّقة إسحاق بن عمار. و منه تعرف ضعف الاستبعاد، فإنّه يشبه الاجتهاد في مقابل النصّ.

فالأقوى إذن ما اختاره الشيخ من التفصيل بين الإمام و المأمومين، فيومئ هو و يركعون و يسجدون، عملًا بموثقة إسحاق الصريحة في ذلك، و السليمة عمّا يصلح للمعارضة، نعم يختصّ الحكم بما إذا لم يكن خلف المأمومين ناظر محترم، و إلا ففيه إشكال، من إطلاق الموثّقة، و من وجوب ستر العورة.

لكن الأظهر هو الثاني، إذ الركوع و السجود كغيرهما من أجزاء الصلاة مشروطة بالقدرة الشرعية، و وجوب الستر مشروط بالقدرة العقلية. و لا ريب في تقديم الثاني لدى المزاحمة حسبما هو موضح في محلّه (4) فإنّ كشف العورة‌

____________

(1) النهاية: 130.

(2) السرائر 1: 355.

(3) الذكرى 3: 26.

(4) مصباح الأُصول 3: 358.

415

[مسألة 46: الأحوط بل الأقوى تأخير الصلاة عن أوّل الوقت إذا لم يكن عنده ساتر]

[1314] مسألة 46: الأحوط بل الأقوى [1] تأخير الصلاة عن أوّل الوقت إذا لم يكن عنده ساتر و احتمل وجوده في آخر الوقت (1).

____________

حرام مطلقاً من غير إناطة بشي‌ء، و مع هذا النهي الفعلي يكون المصلّي عاجزاً شرعاً عن الركوع و السجود، فلا جرم ينتقل إلى الإيماء. و بذلك يتقيّد إطلاق الموثقة.

و منه يظهر أنّ صفوف الجماعة لو كانت متعدّدة فالصفوف المتقدّمة كلّهم يومئون ما عدا الصف الأخير، لكن الشأن في مشروعية مثل هذه الجماعة، إذ كيف يسوغ لهم الإيماء مع التمكّن من الركوع و السجود بوقوفهم أجمع في صف واحد و إن استطال، بل الأظهر عدم صحّة جماعة العراة في أكثر من صف واحد، هذا.

و لمّا كانت المسألة خلافية من حيث ركوع المأمومين أو الإيماء إليه فالأولى للعراة ترك الجماعة في هذه الحالة كما أُشير إليه في التعليقة الشريفة.

(1) هل يجوز البدار للمعذور في بعض الوقت عن جزء أو شرط و هو لا يدري، بعد الفراغ عن عدم الجواز في صورة العلم بزوال العذر.

و الكلام يقع تارة في جوازه واقعاً، و أُخرى ظاهراً.

أمّا الأوّل: فالظاهر عدم الجواز، لا لرواية [أبي] البختري الواردة في المقام «من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلّي حتّى يخاف ذهاب الوقت ...» إلخ (1) لضعف السند، بل لبرهان عام يشمل كافة الموارد، و هو أنّ المستفاد من أدلّة الأبدال الاضطرارية أنّ الموضوع فيها هو المعذور في مجموع الوقت، بحيث لم يتمكّن من الإتيان بالمأمور به على وجهه في أي جزء ممّا بين الحدّين، لا مجرّد العجز الفعلي، و إلّا لثبت البدل حتى مع القطع بزوال العذر، و هو كما ترى.

____________

[1] بل منع، نعم هو أحوط.

____________

(1) الوسائل 4: 451/ أبواب لباس المصلي ب 52 ح 1.

416

[مسألة 47: إذا كان عنده ثوبان يعلم أنّ أحدهما حرير أو ذهب أو مغصوب]

[1315] مسألة 47: إذا كان عنده ثوبان يعلم أنّ أحدهما حرير أو ذهب أو مغصوب و الآخر ممّا تصحّ فيه الصلاة لا تجوز الصلاة في واحد منهما، بل يصلّي عارياً (1).

____________

و عليه فلو تجدّدت القدرة و لو في آخر الوقت كشف ذلك لا محالة عن انتفاء الموضوع من أوّل الأمر، و أنّه لم يكن مأموراً بالبدل في صقع الواقع و إن توهّمه و تخيّله.

نعم، ظاهر مرسلة ابن مسكان جواز البدار في المقام، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «في الرجل يخرج عرياناً فتدركه الصلاة، قال: يصلّي عرياناً قائماً إن لم يره أحد، فإن رآه أحد صلّى جالساً» (1). و لكنّها مضافاً إلى ضعف السند محمولة على من علم من حاله استمرار الاضطرار إلى انتهاء الوقت كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: فالظاهر جواز البدار ظاهراً، استناداً إلى استصحاب بقاء العذر إلى نهاية الوقت، بناءً على ما هو الأصحّ من جريانه في الأُمور الاستقبالية كالحالية، فإنّه بذلك يحرز موضوع الانتقال إلى البدل.

أجل لمّا كان هذا الجواز حكماً ظاهرياً يستند إلى الاستصحاب فلا جرم كان اعتباره مغيا بعدم انكشاف الخلاف، فلا يجري مع كشفه، إذ به يعلم عدم تحقّق الموضوع من الأوّل، و معه لا مناص من الإعادة.

و بالجملة: فالصحّة تدور مدار استمرار العذر، فان استمر صحّ العمل و إن احتمل وقتئذ زواله، و إن لم يستمر لم يصح، و إن علم بالاستمرار آن ذاك بعلم وجداني أو تعبّدي من استصحاب و نحوه فلاحظ.

(1) تنحلّ المسألة إلى صور ثلاث:

إحداها: ما لو كان له ثوبان يعلم إجمالًا بأنّ أحدهما لا يجوز لبسه و لا الصلاة فيه، لكونه ذهباً أو حريراً أو مغصوباً، و حكمه ما ذكره في المتن من‌

____________

(1) الوسائل 4: 449/ أبواب لباس المصلي ب 50 ح 3.

417

..........

____________

تركهما و الصلاة عارياً، لتنجيز العلم الإجمالي المانع من الاقتحام في شي‌ء من الطرفين بحكم العقل بعد معارضة الأصل المؤمّن في كلّ منهما بالآخر، فإنّه بذلك يصبح عاجزاً عن استعمال الثوب السائغ الموجود في البين، فلا مناص من الصلاة عارياً.

نعم، ربما يناقش بمعارضته بعلم إجمالي آخر، و هو وجوب لبس أحدهما في الصلاة رعاية للستر الواجب فيها، فيكون إذن من سنخ الدوران بين المحذورين المحكوم عقلًا بالتخيير، نظراً إلى أنّ للعلم الإجمالي مقتضيين: أحدهما حرمة المخالفة القطعية، و الآخر وجوب الموافقة كذلك.

و الأوّل و إن تيسّر في المقام بأن يلبس أحد الثوبين دون الآخر، إذ لا قطع حينئذ بالمخالفة لشي‌ء من العلمين الإجماليين، لكن الثاني متعذّر، لامتناع الجمع بين لبس الثوبين و تركهما، فلا جرم تسقط الموافقة القطعية، و يكتفى بالموافقة الاحتمالية، بأن يلبس أحدهما و يترك الآخر، مخيّراً بينهما بعد عدم مرجّح للتقديم حتى احتمال الأهمّية، ضرورة أنّه إنّما ينفع فيما إذا وقعت المزاحمة بين نفس التكليفين فيتقدّم حينئذ محتمل الأهمّية، للقطع بسقوط الإطلاق في غير المحتمل إمّا للتساوي أو لكون غيره أهم، فيبقى الإطلاق في المحتمل على حاله.

و أمّا في المقام فمورد المزاحمة إحراز الامتثالين لا نفس التكليفين، و معه لا موقع للتقديم بالمرجّح المزبور إلّا إذا أُحرز اهتمام الشارع بامتثال ما هو أهم و لو احتمالًا كما في الدماء و الفروج و الأموال الخطيرة، لأنّ مرجع ذلك إلى إيجاب الاحتياط. و من البيّن أنّ ما يجب فيه الاحتياط يتقدّم على ما لا يجب.

فلو نذر أن يقتل كافراً مهدور الدم في وقت معيّن فرأى شخصاً مردّداً بينه و بين مؤمن محقون الدم، أو نذر أن يجامع زوجته في ليلة معيّنة، أو وجب الوطء لمضيّ أربعة أشهر و تردّدت المرأة بين الزوجة و الأجنبية، فإنّه لا يجوز القتل و لا الوطء لمكان اهتمام الشارع بحفظ النفوس و الفروج الموجب لتقديم إحراز أحد الامتثالين على الآخر كما هو واضح.

و تندفع المناقشة بأنّ الكبرى المزبورة و إن كانت وجيهة و لكنّها غير منطبقة‌

418

و إن علم أنّ أحدهما من غير المأكول و الآخر من المأكول (1)،

____________

على المقام، لاختصاصها بما إذا كانت القدرة المأخوذة في كلّ من المعلومين بالإجمال عقلية، فإنّه يلتزم حينئذ بالتخيير كما أُفيد. و أمّا في محلّ الكلام فهي و إن كانت في جانب الحرمة عقلية و لكنّها في جانب الستر الواجب شرعية كما هو الشأن في كافة أجزاء الصلاة و شرائطها، و لا ريب في تقدّم المشروط بالقدرة العقلية على الشرعية لدى المزاحمة.

إذن فتتقدّم الحرمة على الوجوب، بل تكون حاكمة عليه، إذ بعد ثبوتها بالعلم الإجمالي لم يتمكّن المصلي من اللبس شرعاً، فيكون طبعاً غير واجد للساتر. و من البيّن أنّ الموضوع للصلاة عارياً هو من لم يجد ساتراً، أي لم يتمكّن من استعماله و إن كان موجوداً عنده، نظير عدم وجدان الماء المأخوذ في موضوع التيمم الذي هو أعم من الفقد التكويني و التشريعي.

و عليه فتتعيّن الصلاة عارياً في هذه الصورة كما أفاد في المتن.

(1) الصورة الثانية: ما إذا كان أحد الثوبين مما لا تصحّ الصلاة فيه و إن ساغ لبسه في نفسه لكونه من غير المأكول.

و قد فصّل الماتن حينئذ بين سعة الوقت فيصلّي صلاتين في كلّ من الثوبين تحصيلًا لإحراز وقوع الصلاة في ساتر سائغ، و بين ضيقه بحيث لم يسع الوقت إلّا لصلاة واحدة، فإنّه يصلّي حينئذ عارياً، لتنجّز المانعية المعلومة بالإجمال بعد تعارض الأصلين من الطرفين الرادع عن الاقتحام في شي‌ء منهما.

و لكنّه غير واضح، بل الأظهر التخيير في صورة الضيق، نظراً إلى معارضة العلم الإجمالي بمانعية أحد الثوبين بالعلم الإجمالي بشرطية أحدهما، فيكون من الدوران بين الشرطية و المانعية الذي مقتضاه التخيير حسبما عرفته من الكبرى المتقدّمة آنفاً، من إمكان الاجتناب عن المخالفة القطعية لكلّ من المعلومين بالإجمال بلبس أحدهما دون الآخر، و امتناع الموافقة القطعية لهما‌

419

أو أن أحدهما نجس و الآخر طاهر صلّى صلاتين، و إذا ضاق الوقت و لم يكن إلا مقدار صلاة واحدة (1) يصلّي عارياً في الصورة الاولى [1] و يتخيّر بينهما في الثانية (2).

[مسألة 48: المصلّي مستلقياً أو مضطجعاً لا بأس بكون فراشه أو لحافه نجساً أو حريراً]

[1316] مسألة 48: المصلّي مستلقياً أو مضطجعاً لا بأس بكون فراشه أو لحافه نجساً أو حريراً أو من غير المأكول [2] إن كان له ساتر غيرهما، و إن كان يتستّر بهما أو باللحاف فقط فالأحوط كونهما ممّا تصحّ فيه الصلاة (3).

____________

و أنّه لا مناص من الاكتفاء بالاحتمالية، و حيث لا ترجيح هنا في البين إذ لم تكن الحرمة نفسية ليتقدّم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالشرعية كما كان كذلك في الصورة السابقة فلا جرم يتخيّر بينهما.

(1) الصورة الثالثة: ما لو علم إجمالًا بنجاسة أحد الثوبين و طهارة الآخر و حكمه تكرار الصلاة مع السعة، و التخيير مع الضيق كما في الصورة السابقة و قد علم وجهه ممّا مرّ، بل إنّ التخيير هنا أولى ممّا سبق، لجواز الصلاة في النجس عند الاضطرار، و عدم جوازها في غير المأكول حتى للمضطر فيصلّي عارياً، فاذا ثبت التخيير فيه كما عرفت ثبت في النجس بطريق أولى.

و منه يظهر أنّ تفكيك الماتن بينهما بالصلاة عارياً في الأوّل و التخيير في الثاني في غير محلّه، بل الأقوى هو التخيير في كلتا الصورتين حسبما عرفت.

(2) بل عرفت أنّ الأظهر ثبوت التخيير في الصورتين معاً.

(3) ينبغي التفصيل بين النجس و الحرير، و بين غير المأكول. ففي الأوّلين بما أنّ الممنوع هو اللبس غير الصادق على فراش المصلّي مستلقياً أو مضطجعاً و لا لحافه فلا ضير فيه، ضرورة أنّه لا يصدق عليه أنّه لابس للحرير و لا للنجس‌

____________

[1] بل يتخير كما في الصورة الثانية.

[2] الأقوى بطلان الصلاة في اللحاف إذا كان من غير المأكول.

420

..........

____________

نعم لو فرضنا التفافه باللحاف على وجه يصدق عليه عرفاً لبسه اتجه المنع فالعبرة في الجواز و المنع بصدق اللبس و عدمه.

و أمّا في الأخير فموضوع المنع أوسع، فإنّه على ما يستفاد من موثقة ابن بكير (1) هو مطلق المصاحبة من غير اختصاص باللباس، و من ثم يشمل المحمول أيضاً. فلا قصور إذن في شموله للحاف الذي يتغطّى به المضطجع أو المستلقي، بل و فراشه أيضاً على تأمّل فيه، هذا.

و لا فرق في ذلك كلّه بين الساتر و غيره، أمّا في الأخير فواضح، لما عرفت من أنّ الموضوع هو مطلق المصاحبة الشامل لهما بمناط واحد.

و أمّا في الأوّلين فإن صدق على التغطّي بهما عنوان اللبس كان مانعاً عن الصلاة، سواء أ كان ساتراً أم لا، لعموم المنع فيهما للساتر و غيره كما هو ظاهر. و إن لم يصدق كما هو الغالب فلا مانع من التغطّي به و إن كان هو الساتر، لما عرفت في محلّه (2) من الفرق بين الستر الصلاتي و بين الستر الواجب في نفسه فإن الثاني و إن تحقّق بكلّ مانع عن النظر و لو بالدخول في الماء أو في مكان مظلم، لكن الأوّل يختص بما يصدق معه عنوان اللبس في مقابل العاري.

و عليه فان كان للمصلّي المزبور ساتر غير اللحاف فقد تستّر بما هو المأمور به، و لا يقدح تغطّيه حينئذ باللحاف النجس أو المتخذ من الحرير، لاختصاص المانعية باللباس المفروض عدم صدقه عليه. و إن لم يكن له ساتر غيره فكذلك، إذ المفروض عدم كونه مصداقاً للستر الصلاتي، فهو فاقد للّباس و وظيفته الصلاة عارياً، و لا دليل على قادحيّة النجاسة أو الحرير في غير اللباس كما عرفت.

و المتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الالتحاف بما لا يؤكل مبطل، و بالنجس أو الحرير سائغ ما لم يصدق عنوان اللبس، و إلّا بطلت الصلاة، من غير فرق في جميع‌

____________

(1) المتقدمة في ص 168.

(2) في ص 127.

421

[مسألة 49: إذا لبس ثوباً طويلًا جدّاً و كان طرفه الواقع على الأرض غير المتحرّك بحركات الصلاة نجساً]

[1317] مسألة 49: إذا لبس ثوباً طويلًا جدّاً و كان طرفه الواقع على الأرض غير المتحرّك بحركات الصلاة نجساً أو حريراً أو مغصوباً أو ممّا لا يؤكل فالظاهر عدم صحّة الصلاة [1] ما دام يصدق أنّه لابس ثوباً كذائياً، نعم لو كان بحيث لا يصدق لبسه، بل يقال لبس هذا الطرف منه كما إذا كان طوله عشرين ذراعاً و لبس بمقدار ذراعين منه أو ثلاثة و كان الطرف الآخر ممّا لا تجوز الصلاة فيه فلا بأس به (1).

____________

ذلك بين الساتر و غيره. و منه يظهر النظر فيما أُفيد في المتن فلاحظ.

(1) أمّا ما ذكره (قدس سره) أخيراً من عدم البأس في الطول المفرط كعشرين ذراعاً فهو متين جدّاً، بل لا ينبغي الإشكال فيه، إذ لا يعدّ مثله ثوباً واحداً عرفاً، فإنّه نظير ما لو خيط لحاف نجس مثلًا بثوبه، الذي لا شك في عدم قدحه، بل و خروجه عن محلّ الكلام.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) من عدم الصحة فيما عدا هذه الصورة فغير تام على إطلاقه، و إنّما يتّجه في الثوب المتنجس فقط، لدلالة الأدلّة على عدم جواز الصلاة في الثوب النجس، و لا في ثوب يكون بعضه نجساً، فقد دلّت على أن نجاسة جزء من الثوب كافية في بطلان الصلاة فيه، و هي صادقة على الثوب في مفروض المسألة بالضرورة، و لم يرد مثل ذلك في لسان الأدلّة في سائر الأمثلة.

أمّا في الغصب فواضح إذ لم ينهض دليل خاص على مانعيته في الصلاة، و إنّما استفيدت على القول بها ممّا دلّ على النهي عن التصرف في مال الغير، فلا‌

____________

[1] هذا إنما يتم في الثوب المتنجّس لأن نجاسة جزء منه كافية في بطلان الصلاة فيه، و أما الجزء المغصوب الذي لا يتحرك بحركات الصلاة فلا ينبغي الشك في صحة الصلاة في الثوب المشتمل عليه، بل الأمر كذلك في الحرير و غير المأكول، لأن الممنوع إنما هي الصلاة في الحرير المحض أو في أجزاء غير المأكول، و من الظاهر أنها لا تصدق في مفروض الكلام و إنما الصادق هي الصلاة في ثوب بعض أجزائه حرير محض أو من غير المأكول، و هو لا يوجب البطلان.

422

[مسألة 50: الأقوى جواز الصلاة فيما يستر ظهر القدم]

[1318] مسألة 50: الأقوى جواز الصلاة فيما يستر ظهر القدم و لا يغطّي الساق كالجورب و نحوه (1).

____________

جرم يختص بما إذا اتحدت الحركات الصلاتية مع التصرّف فيه حتى يقال بامتناع التقرّب بالمبغوض، و هو منفي في المقام، إذ المفروض أنّ المغصوب إنّما هو الطرف الواقع على الأرض غير المتحرّك بحركات المصلّي، فلا يعد تصرفاً فيه بوجه ليحرم و يفسد.

نعم، هو معاقب على استيلائه على مال الغير، لكن المانعية منوطة بالتصرّف المنفي في محلّ الكلام، و إن صدق أنّه لابس له، أو أنّه صلّى فيه، لعدم دوران الحكم مداره كما عرفت.

و أمّا الحرير و الذهب و إن لم يذكر الأخير في المتن فموضوع الحرمة النفسية الثابتة لهما هو عنوان اللبس، و لا لبس في المقام، فإنّه متقوّم باشتمال الملبوس على لابسه. و من البيّن أنّه لا اشتمال في محلّ البحث، بل المشتمل على الشخص ثوب من قطن مثلًا غير أنّ بعض أجزائه حرير أو ذهب، من غير اشتمال أي جزء منه على لابسه.

و كذلك الحال في الحرمة الغيرية، أعني المانعية الثابتة لهما و لغير المأكول، فإنّ الموضوع فيها هو الصلاة في الحرير أو في الذهب أو في غير المأكول، و أداة الظرف تدل على نوع من الاشتمال كاللباس، و قد عرفت أنّه لا اشتمال في محلّ الكلام، فلا يكاد يصدق أنّه صلّى في الحرير أو في الذهب أو في غير المأكول لعدم الاتصاف (1) بالمصلّي و لا حمله فضلًا عن أن يكون ظرفاً له.

نعم، يصدق أنّه صلّى في ثوب بعض أجزائه حرير أو ذهب أو غير المأكول، و هو لا يستوجب البطلان فيها كما كان يوجبه في النجس بمقتضى لسان دليله حسبما عرفت. فلم تكن أدلّة هذه الموارد على سياق واحد كما يظهر من المتن.

(1) كما عن غير واحد من المتأخرين و بعض القدماء كابن حمزة في‌

____________

(1) [لعل المناسب: لعدم الارتباط].

423

..........

____________

الوسيلة (1) و الشيخ في المبسوط (2). كما أنّ القول بعدم الجواز منسوب إلى جماعة كثيرين منهم، و لا يبعد أن يكون الأشهر بين المتأخّرين هو الجواز، و الأشهر بين القدماء عدمه. و قد اختلف القائلون بالجواز، فبعضهم قال به عن كراهة و بعضهم بدونها، و ثالث خصّها بالنعل السنديّة و الشمشك.

و كيف ما كان، فقد استدلّ لعدم الجواز بوجوه:

أحدها: عدم فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الصحابة و التابعين، فكانت سيرتهم جارية على العدم.

و فيه: مع أنّه لم يثبت، إذ لا شاهد عليه، و قلّما تحرز السيرة على العدم و لعلّهم كانوا يلبسونها بعض الأحيان، أنّ عدم اللبس لا يكشف عن المانعية و إلّا لوجب الالتزام بها في كلّ ما لم يلبسوه كالساعة و المنظرة و نحوهما، و هو كما ترى. نعم يكشف عدمه عن عدم الوجوب و إلّا للبسوه.

ثانيها: ما حكي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) من قوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (3) و لم يصلّ فيما يستر ظهر القدم و لا يغطي الساق.

و فيه: مع أنّه لم تثبت هذه الحكاية من طرقنا، كما لم يثبت أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يصلّ فيه أنّه على تقدير الثبوت لا دلالة فيه على المانعية، فإنّ الحديث إنّما يدلّ عليها، و كذا على الجزئية أو الشرطية فيما إذا أُحرز أنّه أتى بشي‌ء أو تركه من جهة الصلاة و رعاية لما يعتبر فيها، و لا سبيل إلى إحراز ذلك في المقام بوجه، و لعلّه كان يتركه بحسب طبعه و عدم ميله و رغبته في لبسه.

ثالثها: خبر سيف بن عميرة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا يصلّى على جنازة بحذاء، و لا بأس بالخف» (4) فإنّ الأمر في صلاة الجنازة أوسع من‌

____________

(1) الوسيلة: 88.

(2) المبسوط 1: 83.

(3) كنز العمال 7: 281/ 18879.

(4) الوسائل 3: 118/ أبواب صلاة الجنازة ب 26 ح 1.

424

..........

____________

صلاة الفريضة، فإذا لم يجز الحذاء في الأُولى لم يجز في الثانية بطريق أولى.

و فيه: مضافاً إلى ضعف السند حتى على مسلك الانجبار، إذ لم يعلم استناد المشهور إليها بعد تعدّد ملاك المسألة ممّا عرفت و تعرف، أنّ كيفية الحذاء المسئول عنه بنحو ينطبق على المقام من ستر ظهر القدم دون الساق غير ثابتة. و على تقدير الثبوت لم يعلم أنّ المنع كان لهذه العلّة، و لعلّه لجهة أُخرى لم نعرفها.

على أنّه لم يعمل بهذا الرواية حتى في موردها، لما ورد في بعض النصوص من جواز الصلاة على الجنازة مع الحذاء، بل في بعضها استحبابها (1)، فكيف يعمل بها في غير موردها.

رابعها: ما رواه ابن حمزة في الوسيلة مرسلًا قال: «و روى أن الصلاة محظورة في النعل السندي و الشمشك» (2) على ما نسب إليه.

و فيه: مضافاً إلى ضعفها بالإرسال لو صحت النسبة، إذ لا أثر لها في الأخبار، و عدم الانجبار بفتوى المشهور حسبما عرفت، كيف و أكثرهم أفتوا بالمنع مطلقاً لا في خصوص النعل و الشمشك، أنّه لم تعلم الكيفية في هذين الموردين، و لعلّها كانت بحيث تمنع عن وصول الإبهامين إلى الأرض لدى السجود، فتخرج عن محلّ الكلام.

فتحصّل: أن الأقوى هو الجواز.

و أمّا الكراهة ففي الموردين المزبورين و إن أمكن القول بها، استناداً إلى الرواية المذكورة، بناءً على قاعدة التسامح و عمومها للمكروهات، أمّا في غيرهما فلم ترد حتى رواية ضعيفة ليصحّ التعويل عليها بناءً على تلك القاعدة إلّا بناءً على شمولها لفتوى الفقيه، و هو في حيّز المنع.

____________

(1) [لم نعثر على ذلك، بل عدّ النراقي في المستند 6: 323 نزع النعلين من المستحبات حاكياً عدم الخلاف فيه].

(2) الوسائل 4: 428/ أبواب لباس المصلي ب 38 ح 7، الوسيلة: 88.

425

..........

____________

و العمدة أنّ القاعدة ممنوعة من أصلها، إذ مضافاً إلى اختصاصها ببلوغ الثواب دون العقاب فلا تشمل المكروهات، أنّها إنّما تدلّ على الاستحباب الشرعي فيما إذا كان ترتّب الثواب بحكم الشرع، كما لو ورد في رواية ضعيفة أنّ من أكل الرّمان يوم الجمعة يثاب عليه.

و أمّا إذا كان ذلك بحكومة من العقل من أجل الانقياد كما هو مفاد أخبار الباب الناطقة بأنّ من بلغه ثواب على عمل فعمله برجاء ذلك، فمثل هذا اللسان لا يكشف عن الاستحباب الشرعي بوجه، و تمام الكلام في محلّه (1).

فتحصّل: أنّه لا دليل على الكراهة فضلًا عن الحرمة، و مقتضى القاعدة هو القول بالجواز حسبما عرفت.

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 319.

426

[فصل فيما يكره من اللباس حال الصلاة]

فصل فيما يكره من اللباس حال الصلاة و هي أمور (1): أحدها: الثوب الأسود حتى للنساء عدا الخف و العمامة و الكساء و منه العباء، و المشبع منه أشد كراهة، و كذا المصبوغ بالزعفران أو العصفر، بل الأولى اجتناب مطلق المصبوغ. الثاني: الساتر الواحد الرقيق. كما أنّه يكره للنساء الصلاة في ثوب واحد و إن لم يكن رقيقاً. الثالث: الصلاة في السروال وحده و إن لم يكن رقيقاً. الرابع: الاتزار فوق القميص. الخامس: التوشّح، و تتأكّد كراهته للإمام، و هو إدخال الثوب تحت اليد اليمنى و إلقاؤه على المنكب الأيسر بل أو الأيمن. السادس: في العمامة المجرّدة عن السدل و عن التحنّك أي التلحّي و يكفي في حصوله ميل المسدول إلى جهة الذقن و لا يعتبر إدارته تحت الذقن و غرزه في الطرف الآخر، و إن كان هذا أيضاً أحد الكيفيات له. السابع: اشتمال الصمّاء بأن يجعل الرداء على كتفه و إدارة طرفه تحت إبطه و إلقائه على الكتف. الثامن: التحزّم للرجل. التاسع: النقاب للمرأة إذا لم يمنع من القراءة و إلّا أبطل.

____________

(1) لا يهمّنا البحث عمّا تضمّنه هذا الفصل و ما بعده من المكروهات و المستحبات، فانّ كثيراً منها إمّا لم ترد فيه رواية، أو أنّها ضعيفة السند يبتني الحكم فيها على قاعدة التسامح التي لا نقول بها، نعم جملة منها مورد للنصّ المعتبر، و بما أنّه واضح الدلالة و لا إلزام فيه فالبحث عنه قليل الجدوى.

أجل لمّا ذهب جمع من الأعلام إلى حرمة بعض هذه المكروهات فلا مناص من التعرّض إليها ليستبين الحال فيها.

427

العاشر: اللثام للرجل إذا لم يمنع من القراءة (1).

____________

(1) أمّا مع المنع فلا إشكال في الحرمة، فإنّه إخلال بالقراءة الواجبة كما هو واضح.

و أمّا مع عدمه فقد نسب إلى المفيد القول بالحرمة (1) استناداً إلى ما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له: أ يصلّي الرجل و هو متلثّم؟ فقال: أمّا على الأرض فلا، و أمّا على الدابّة فلا بأس» (2).

و لكنّه معارض بنصوص اخرى صريحة في الجواز كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ فقال: لا بأس بذلك» (3).

و صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ فقال: لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة» (4) أي إذا لم يمنع عن القراءة.

و موثقة سماعة: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و يقرأ القرآن و هو متلثّم، فقال: لا بأس» (5).

و موثّقته الأُخرى قال: «سألته عن الرجل يصلّي فيتلو القرآن و هو متلثّم فقال: لا بأس به، و إن كشف عن فيه فهو أفضل. قال: و سألته عن المرأة تصلّي متنقّبة، قال: إن كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، و إن أسفرت فهو أفضل» (6).

____________

(1) المقنعة: 152.

(2) الوسائل 4: 422/ أبواب لباس المصلي ب 35 ح 1، الكافي 3: 408/ 1، الفقيه 1: 166/ 778، التهذيب 2: 229/ 900.

(3) الوسائل 4: 423/ أبواب لباس المصلي ب 35 ح 2، 3، 5.

(4) الوسائل 4: 423/ أبواب لباس المصلي ب 35 ح 2، 3، 5.

(5) الوسائل 4: 423/ أبواب لباس المصلي ب 35 ح 2، 3، 5.

(6) الوسائل 4: 424/ أبواب لباس المصلّي ب 35 ح 6.

428

الحادي عشر: الخاتم الذي عليه صورة (1). الثاني عشر: استصحاب الحديد البارز (2).

____________

و مقتضى الجمع العرفي بينها هو الحمل على الكراهة، بعد وضوح عدم إمكان حمل نصوص الجواز الكثيرة على راكب الدابّة الذي هو فرد نادر، بل إنّ مقتضى الرواية الأخيرة أفضلية ترك التلثّم و كراهته، من غير فرق بين الرجل و المرأة. و كيف ما كان، فالقول بالحرمة ضعيف غايته.

(1) سيأتي البحث عنه في الأمر الثامن عشر، أعني الثوب ذا التماثيل.

(2) على المشهور، خلافاً لما عن الشيخ في النهاية (1) و ابن البراج (2) و الكليني (3) و الصدوق (4) و جماعة آخرين من القول بالحرمة استناداً إلى روايات:

منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن أكيل النميري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الحديد، إنّه حلية أهل النار إلى أن قال: و جعل اللّٰه الحديد في الدنيا زينة الجنّ و الشياطين، فحرّم على الرجل المسلم أن يلبسه في الصلاة، إلّا أن يكون قبال عدوّ فلا بأس به. قال قلت: فالرجل يكون في السفر معه السكّين في خفّه لا يستغني عنها (عنه) أو في سراويله مشدوداً و مفتاح يخشى إن وضعه ضاع، أو يكون في وسطه المنطقة من حديد، قال: لا بأس بالسكّين و المنطقة للمسافر في وقت ضرورة، و كذلك المفتاح إذا خاف الضيعة و النسيان، و لا بأس بالسيف و كلّ آلة السلاح في الحرب، و في غير ذلك لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد، فإنّه نجس ممسوخ» (5).

____________

(1) النهاية: 98.

(2) لاحظ المهذب 1: 75.

(3) الكافي 3: 404 [حيث نقل روايتين تدلّان بظاهرهما على الحرمة و لم يناقش دلالتهما].

(4) المقنع: 83.

(5) الوسائل 4: 419/ أبواب لباس المصلّي ب 32 ح 6، التهذيب 2: 227/ 894.

429

..........

____________

و فيه: أنّها ضعيفة السند بالإرسال فلا يعوّل عليها. على أنّها مطلقة فتشمل البارز و المستور، و لا سيما بمقتضى عموم التعليل بكونه حلية أهل النار، بل هي كالصريحة في الشمول للثاني بموجب التمثيل بالسكين و المفتاح المستورين غالباً بالوضع في الجيب، و مع ذلك قد منع عنهما في غير مورد الضرورة.

فالتخصيص بالبارز كما في كلمات القوم منافٍ للإطلاق المزبور، و ليس له وجه ظاهر عدا مرسلة الكليني قال: «و روى إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس» (1). و ما في التهذيب من قوله: و قد قدّمنا رواية عمار الساباطي أنّ الحديد متى كان في غلاف فإنّه لا بأس بالصلاة فيه (2).

لكن الأُولى ضعيفة السند بالإرسال، و الثاني سهو من قلمه الشريف ظاهراً، حيث لم يتقدّم منه ذلك.

و بالجملة: فالرواية لضعفها لا تصلح لإثبات الحرمة، نعم لا بأس في الاستناد إليها للقول بالكراهة بناءً على قاعدة التسامح، لكن مقتضاها الكراهة مطلقاً، من غير اختصاص بالبارز حسبما عرفت.

و منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال: «نهى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن التختّم بخاتم صفر أو حديد» (3) و ما رواه أيضاً مرسلًا عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «لا يصلّي الرجل و في يده خاتم حديد» (4).

لكن الأُولى ضعيفة السند، لجهالة شعيب، و إهمال ابن زيد. على أنّ فيها الصفر، و لا قائل بكراهة لبسه. و كذا الثانية بالإرسال.

____________

(1) الوسائل 4: 418/ أبواب لباس المصلّي ب 32 ح 3، الكافي 3: 404/ 35.

(2) التهذيب 2: 227/ ذيل ح 894.

(3) الوسائل 4: 419/ أبواب لباس المصلي ب 32 ح 7، الفقيه 4: 5/ 1.

(4) الوسائل 4: 420/ أبواب لباس المصلي ب 32 ح 8، الفقيه 1: 163/ 771.

430

..........

____________

و منها: معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): لا يصلّي الرجل و في يده خاتم حديد» (1).

و موثّقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يصلّي و عليه خاتم حديد، قال: لا، و لا يتختّم به الرجل، فإنّه من لباس أهل النار» الحديث (2).

و هاتان المعتبرتان لا بأس بالاستدلال بهما على عدم جواز لبس الحديد في الصلاة، بل الثانية تدلّ على عدم جواز اللبس في نفسه أيضاً.

لكن العمل بإطلاقهما غير ممكن، لأنّ مقتضاه عدم الفرق بين البارز و غيره بل التعليل كالصريح في التعميم. مع أنّه لا قائل بالكراهة في غير البارز فضلًا عن الحرمة، فينبغي إذن حملهما على الكراهة. على أنّهما معارضتان بما دلّ على جواز الصلاة في السيف كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «... و إن كان معه سيف و ليس معه ثوب فليتقلّد السيف و يصلّي قائماً» (3).

و الجمع بينهما بحمل هذه على المستور و تلك على البارز، فيه أنّه تبرّعي، لا شاهد له بعد ما عرفت من ضعف الشاهد من مرسلة الكليني و غيرها.

على أنّ التعليل في الموثّقة كالصريح في عدم الفرق كما سبق. مع أنّ السيف بارز غالباً. و على تقدير جعله في الغلاف فموضع اليد منه و هو أيضاً من الحديد بارز ظاهر.

و المتحصّل ممّا تقدّم: أنّ ملاحظة النصوص تقضي بأنّ لبس الحديد في نفسه فضلًا عن حال الصلاة مرجوح، من غير فرق بين البارز و غيره، و ترتفع الكراهة في السيف فيما إذا تقلّده بدلًا عن الثوب، حيث إنّ لبسه زائداً على الإزار مستحب، فاذا لم يكن له ثوب و جعل السيف بدله ارتفعت به الكراهة‌

____________

(1) الوسائل 4: 417/ أبواب لباس المصلي ب 32 ح 1.

(2) الوسائل 4: 418/ أبواب لباس المصلي ب 32 ح 5.

(3) الوسائل 4: 452/ أبواب لباس المصلي ب 53 ح 3.

431

الثالث عشر: لبس النساء الخلخال الذي له صوت. الرابع عشر: القباء المشدود بالزرور الكثيرة أو بالحزام (1).

____________

كما دلّت عليه الصحيحة المتقدّمة.

(1) كما أشار إليه المحقّق في الشرائع حيث قال: «و تكره الصلاة في قباء مشدود إلّا حال الحرب» (1) و قد نسب ذلك إلى المشهور، بل نسب حرمته إلى الشيخ المفيد (2) و ابن حمزة في الوسيلة (3). و عن الخلاف دعوى الإجماع على كراهة أن يصلّي مشدود الوسط (4).

و كيف ما كان، فلا دليل على كراهة الصلاة في قباء مشدود، فضلًا عن الحرمة. و الإجماع المزبور لا يصلح سنداً له، إذ مورده مطلق شدّ الوسط من غير تقييد بالقباء، مع أنّه منقول لا يعبأ به، إلّا إذا قلنا بشمول قاعدة التسامح للإجماع و بشمولها للمكروهات أيضاً، و حينئذ فتثبت الكراهة في مطلق الشد و لكنّه فرض في فرض.

و أمّا الشد بالحزام فقد استدلّ له في الذكرى (5) بالنبوي «لا يصلّي أحدكم و هو محزّم» فيدّعى كراهته من باب التسامح. و لكنّه معارض بمثله من خبرين عاميين مرويين في محكي النهاية الأثيرية (6) مصرّحين بالنهي عن الصلاة بغير حزام.

و القاعدة على تقدير ثبوتها و شمولها للمكروهات غير جارية في خصوص المقام، لعدم بلوغ الثواب بعد المعارضة المزبورة. إلّا أن يدعى أنّ مقتضاها‌

____________

(1) الشرائع 1: 84.

(2) المقنعة: 152.

(3) الوسيلة: 88.

(4) الخلاف 1: 509.

(5) الذكرى 3: 65.

(6) النهاية 1: 379.

432

الخامس عشر: الصلاة محلول الأزرار (1).

____________

استحباب كلّ من التحزيم و عدمه، لثبوت كلّ منهما بخبر ضعيف، و لكنّه كما ترى، لاستبعاد شمولها للمتناقضين أشدّ البعد، بل الظاهر من بلوغ الثواب على عمل اختصاصه بالفعل فقط، و عدم شموله للترك. و العمدة أنّ القاعدة غير ثابتة من أصلها.

و المتحصّل: أنّه لا دليل على كراهة شدّ الوسط، و لا شدّ القباء بالزرور أو بالحزام فضلًا عن حرمته.

(1) على المشهور، و يستدلّ له بمعتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: «لا يصلّي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار» (1).

و لكن الظاهر أنّ العلّة في النهي بقرينة فرض عدم الإزار بدوّ العورة و عليه فالحكم إلزامي أخذاً بظاهر النهي، و لا موجب للحمل على الكراهة بعد كونها منصرفة إلى هذه الصورة.

و على تقدير الإطلاق و عدم الانصراف فهي معارضة بروايات عديدة دلّت على جواز الصلاة محلول الأزرار كمعتبرة زياد بن سوقة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يصلّي أحدكم في الثوب الواحد و أزراره محلّلة، إنّ دين محمد حنيف» (2).

و مقتضى الجمع هو الحمل على الكراهة. و تؤيّدها روايتان ضعيفتان تحملان عليها بقاعدة التسامح:

إحداهما رواية إبراهيم الأحمري قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يصلّي و أزراره محلّلة، قال: لا ينبغي ذلك» (3).

و الأُخرى رواية زياد بن منذر عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «إنّ‌

____________

(1) الوسائل 4: 394/ أبواب لباس المصلي ب 23 ح 3، 5.

(2) الوسائل 4: 393/ أبواب لباس المصلي ب 23 ح 1.

(3) الوسائل 4: 394/ أبواب لباس المصلي ب 23 ح 3، 5.

433

السادس عشر: لباس الشهرة إذا لم يصل إلى حدّ الحرمة أو قلنا بعدم حرمته. السابع عشر: ثوب من لا يتوقى من النجاسة، خصوصاً شارب الخمر، و كذا المتّهم بالغصب.

الثامن عشر: ثوب ذو تماثيل (1). التاسع عشر: الثوب الممتزج بالإبريسم. العشرون: ألبسه الكفّار و أعداء الدين. الحادي و العشرون: الثوب الوسخ. الثاني و العشرون: السنجاب. الثالث و العشرون: ما يستر ظهر القدم من غير أن يغطّي الساق. الرابع و العشرون: الثوب الذي يوجب التكبّر. الخامس و العشرون: لبس الشائب ما يلبسه الشبان. السادس و العشرون: الجلد المأخوذ ممّن يستحل الميتة بالدباغ. السابع و العشرون: الصلاة في النعل من جلد الحمار. الثامن و العشرون: الثوب الضيق اللاصق بالجلد. التاسع و العشرون: الصلاة مع الخضاب قبل أن يغسل. الثلاثون: استصحاب الدرهم الذي عليه صورة. الواحد و الثلاثون: إدخال اليد تحت الثوب إذا لاصقت البدن. الثاني و الثلاثون: الصلاة مع نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة كالخاتم و التكّة و القلنسوة و نحوها. الثالث و الثلاثون: الصلاة في ثوب لاصق وبر الأرانب أو جلده مع احتمال لصوق الوبر به.

____________

حلّ الأزرار في الصلاة من عمل قوم لوط» (1).

(1) أو خاتم عليه صورة كما تقدّم في عبارة المتن (2) على المشهور من كراهة ذلك، و نسب ذلك إلى الشيخ في النهاية (3) و المبسوط (4) عدم جواز الصلاة فيهما. كما نسب ذلك إلى ابن البراج أيضاً (5) و لكن في خصوص الخاتم،

____________

(1) الوسائل 4: 394/ أبواب لباس المصلي ب 23 ح 6.

(2) في ص 428.

(3) النهاية: 99.

(4) المبسوط 1: 84.

(5) المهذب 1: 75.

434

..........

____________

و لم يذكر الثوب مع أنّه لا بدّ من ذكره، إذ النصوص بين ما ذكرا فيها معاً و بين ما اقتصر فيه على خصوص الثوب، و هي كثيرة جدّاً. و معه كيف يمكن التخصيص بالخاتم فتدبّر.

و كيف ما كان، فالنصوص الواردة في المقام على طوائف ثلاث:

أولاها: ما تضمّن النهي عن الصلاة في ثوب فيه تمثال، و هي كثيرة نقتصر على المعتبرة منها و هي أربعة:

الأُولى: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الثوب الديباج، فقال: ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس» (1) فإنّها تدلّ بالمفهوم على ثبوت البأس مع وجود التماثيل.

الثانية: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيّرت الصورة منه» (2). فانّ مقتضى مفهوم الشرط ثبوت البأس مع عدم التغيير.

الثالثة: صحيحة علي بن جعفر عن أبيه قال: «سألته عن الرجل يصلح أن يصلّي إلى أن قال: و سألته عن الثوب يكون فيه التماثيل أو في علمه أ يصلّى فيه؟ قال: لا يصلّى فيه» (3).

الرابعة: موثّقة سماعة بن مهران قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن لباس الحرير و الديباج، فقال: أمّا في الحرب فلا بأس به، و إن كان فيه تماثيل» (4) فانّ مفهومها ثبوت البأس في لبس الحرير، و كذا في لبس ما فيه التماثيل في غير حالة الحرب، فترتفع المانعية في هذه الحالة من كلتا الناحيتين.

ثانيتها: ما تضمّن النهي عنها في الثوب و الخاتم كموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث: «عن الثوب يكون في علمه مثال‌

____________

(1) الوسائل 4: 370/ أبواب لباس المصلي ب 11 ح 10.

(2) الوسائل 4: 440/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 13، 16.

(3) الوسائل 4: 440/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 13، 16.

(4) الوسائل 4: 372/ أبواب لباس المصلي ب 12 ح 3.

435

..........

____________

طير أو غيره (ذلك) أ يصلّى فيه؟ قال: لا. و عن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك، قال: لا تجوز الصلاة فيه» (1).

فلو كنّا نحن و هذه الأخبار لم يكن بدّ من القول بعدم جواز الصلاة في الثوب أو الخاتم المشتملين على الصورة، لقوّتها سنداً و دلالة، و لا سيما الأخيرة المشتملة على التعبير ب‍ «لا يجوز» الذي هو كالصريح في الحرمة. إلّا أنّ هناك طائفة ثالثة عبّر فيها بلفظ الكراهة، و هي روايتان:

إحداهما: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه كره أن يصلّي و عليه ثوب فيه تماثيل» (2).

و الأُخرى: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «أنّه سأله عن الصلاة في الثوب المعلَّم، فكره ما فيه من التماثيل» (3).

فقد يقال بظهورها في الكراهة المصطلحة، و أنّها تكون قرينة على حمل النصوص المتقدّمة عليها. لكن الظاهر أنّ الكراهة في لسان الأخبار تستعمل على ما هي عليه من المعنى اللغوي، أعني ما يقابل المحبوبية، فيراد بها تارة خصوص المبغوضية المساوقة للحرمة، و أُخرى مطلق المرجوحية الأعم منها و من الكراهة المصطلحة.

و ما عن المحقّق الهمداني من استظهار الثاني بقرينة فهم الفقهاء و استظهارهم ذلك من هذه النصوص (4).

يدفعه أوّلًا: أنّه لا حجّية لفهمهم و آرائهم لغير مقلّديهم لينجبر به قصور الدلالة، فإنّ الجبر لو تمّ فإنّما هو جبر ضعف السند بالعمل، لا ضعف الدلالة بالفهم.

____________

(1) الوسائل 4: 440/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 15.

(2) الوسائل 4: 437/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 2، 4.

(3) الوسائل 4: 437/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 2، 4.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 168 السطر 31.

436

..........

____________

و ثانياً: أنّه لم يعلم استناد فتواهم بالكراهة إلى هاتين الصحيحتين ليتم الجبر، و لعلّهم استندوا إلى أمر آخر.

إذن فالقول بالحرمة لا يخلو عن قوّة، إذ ليس لدينا ما يمنع عن الأخذ بظواهر هذه الأخبار عدا ما قد يقال من الاستناد إلى ما رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «و سألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير يصلّى فيه؟ قال: لا بأس» (1) فإنّ موردها و إن كان هو الخاتم إلا أنّه يتعدّى إلى الثوب بعدم القول بالفصل.

و يندفع مضافاً إلى ضعف سندها بعبد اللّٰه بن الحسن، أنّها بنفسها قد نطقت بالفصل، حيث تضمّنت جملة من الأسئلة، و في بعض ما تقدّم سئل عن الثوب الذي فيه التماثيل، فأجاب بأنّه لا يصلّى فيه. و قد أشار إليه في الوسائل في نفس الباب الحديث 17 (2). و العمدة ما عرفت من ضعف السند، فلا يعوّل عليها في شي‌ء من الحكمين.

و المتحصّل: أنّ الأوفق بالصناعة ما اختاره الشيخ في المبسوط و النهاية من الحكم بالعدم في الثوب و الخاتم، إذ ليس لدينا ما يتوهّم معارضته لتلك النصوص القويّة سنداً و دلالة ما عدا الشهرة الفتوائية بالكراهة، غير الناهضة لمقاومتها كما لا يخفى. و لم تكن المسألة ممّا يكثر الابتلاء بها ليصحّ التمسك بما تمسكنا به في كثير من المقامات مما أسميناه بالدليل الخامس فلاحظ.

بقي شي‌ء و هو التعرّض لتفسير التمثال الوارد في هذه الأخبار، و الظاهر أنّه اسم للصورة الحيوانية خاصة، كما حكي عن بعض أهل اللغة. و عليه فالمنهي عنه تمثال مخلوق ذي روح.

بل يكفينا مجرّد الشك، و إن احتملنا الوضع للأعم بحيث يشمل النبات و الجماد كالشجر و الجبل، للزوم الاقتصار فيما يشك في سعة المفهوم و ضيقه على‌

____________

(1) الوسائل 4: 442/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 23، قرب الإسناد: 211/ 827.

(2) الوسائل 4: 441/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 17، قرب الإسناد: 186/ 694.

437

[فصل فيما يستحب من اللباس]

فصل فيما يستحب من اللباس و هي أيضاً أُمور: أحدها: العمامة مع التحنّك. الثاني: الرداء خصوصاً للإمام، بل يكره له تركه. الثالث: تعدّد الثياب، بل يكره في الثوب الواحد للمرأة كما مر. الرابع: لبس السراويل. الخامس: أن يكون اللباس من القطن أو الكتّان. السادس: أن يكون أبيض. السابع: لبس الخاتم من العقيق. الثامن: لبس النعل العربية. التاسع: ستر القدمين للمرأة. العاشر: ستر الرأس في الأمة و الصبيّة، و أما غيرهما من الإناث فيجب كما مرّ. الحادي عشر: لبس أنظف ثيابه. الثاني عشر: استعمال الطيب، ففي الخبر ما مضمونه: الصلاة مع الطيب تعادل سبعين صلاة. الثالث عشر: ستر ما بين السرّة و الركبة. الرابع عشر: لبس المرأة قلادتها.

____________

المقدار المتيقّن، و الرجوع فيما عداه إلى أصالة البراءة.

بل لو تنازلنا و بنينا على الوضع للأعم لم يكن بدّ من قصر الحكم حرمة أو كراهة على خصوص ذي الروح، و ذلك لروايتين.

إحداهما: صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث: «أنّه أراه خاتم أبي الحسن (عليه السلام) و فيه وردة و هلال في أعلاه» (1) فانّ‌

____________

(1) الوسائل 4: 443/ أبواب لباس المصلي ب 46 ح 1.

438

..........

____________

من الواضح أنّ الإمام (عليه السلام) لا يرتكب المكروه فضلًا عن الحرام.

الثانية: صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة: «لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيّرت الصورة منه» (1).

فانّ المراد من تغيير الصورة ليس هو إزالتها بتمامها، كيف و لا موضوع للتمثال بعد الزوال، فلا معنى لقوله (عليه السلام): «لا بأس أن تكون التماثيل ..» إلخ فإنّه سالبة بانتفاء الموضوع، بل المراد تغيير صورته الحيوانية بأن يمحو وجهها أو رأسها، بحيث لا يصدق عليه أنّه صورة إنسان أو حيوان، بل مقدار منه مع المحافظة على صدق التمثال عليه.

و قد تلخّص من جميع ما تقدّم أنّ المستفاد من الأدلّة عدم جواز الصلاة في ثوب أو خاتم فيه تمثال حيواني كامل، و أمّا غير الحيواني أو مع التغيير فلا ضير فيه.

و الحمد للّٰه ربّ العالمين أوّلًا و آخراً، و صلّى اللّٰه على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

هذا ما أردنا إيراده في هذا الجزء، و يتلوه الجزء الثاني مبتدءاً ب‍ «فصل في مكان المصلّي» إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) الوسائل 4: 440/ أبواب لباس المصلي ب 45 ح 13.