موسوعة الإمام الخوئي - ج16

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
304 /
57

التاسع: أن يكون كلّ من القنوت و الركوع و السجود بقدر القراءة في التطويل تقريباً.

العاشر: الجهر بالقراءة فيها ليلًا أو نهاراً حتى في كسوف الشمس على الأصح.

الحادي عشر: كونها تحت السماء.

الثاني عشر: كونها في المساجد، بل في رحبها.

[مسألة 14: لا يبعد استحباب التطويل حتى للإمام]

[1766] مسألة 14: لا يبعد استحباب التطويل حتى للإمام، و إن كان يستحبّ له التخفيف في اليومية مراعاة لأضعف المأمومين.

[مسألة 15: يجوز الدخول في الجماعة إذا أدرك الإمام قبل الركوع الأوّل]

[1767] مسألة 15: يجوز الدخول في الجماعة إذا أدرك الإمام قبل الركوع الأوّل أو فيه من الركعة الأُولى أو الثانية، و أمّا إذا أدركه بعد الركوع الأول من الأُولى أو بعد الركوع من الثانية فيشكل الدخول، لاختلال النظم حينئذ بين صلاة الإمام و المأموم (1).

____________

التعدّي إلى وقت الفضيلة، و إن لم يكن عليه دليل ظاهر.

(1) لا ريب في مشروعية الجماعة في هذه الصلاة، بل و رجحانها، للأدلّة الدالّة عليه قولًا و فعلًا كما تقدّمت الإشارة إليه (1)، كما لا ريب في أنّ المتيقّن من تلك الأدلّة ما إذا أدرك الإمام قبل الدخول في الركوع الأوّل من الركعة الأُولى أو الثانية و كذا لو أدركه فيه، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّ من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة كلّها (2).

و إنّما الكلام فيما إذا أدرك الإمام بعد الركوع الأوّل من الأُولى أو الثانية فقد استشكل في صحّة الجماعة حينئذ في المتن تبعاً لجمع من الأعلام، بل لعلّ المنع هو المشهور بينهم، معللًا بما ذكره في المتن من لزوم اختلال النظم و عدم‌

____________

(1) [منها ما تقدم في ص 11، و هو صحيحة الفضلاء].

(2) الوسائل 8: 382/ أبواب صلاة الجماعة ب 45.

58

[مسألة 16: إذا حصل أحد موجبات سجود السهو في هذه الصلاة]

[1768] مسألة 16: إذا حصل أحد موجبات سجود السهو في هذه الصلاة فالظاهر وجوب الإتيان به بعدها كما في اليومية (1).

____________

حصول المتابعة بين صلاتي المأموم و الإمام، لافتراق كلّ منهما عن الآخر في الأفعال لا محالة، و لا دليل على اغتفار ذلك في المقام، هذا.

و لكنّ المنسوب إلى العلامة في التذكرة هو الجواز، قال (قدس سره) فيما حكي عنه: فاذا سجد الإمام لم يسجد هو، بل ينتظر الإمام إلى أن يقوم، فاذا ركع الإمام أوّل الثانية ركع معه عن ركوعات الأُولى، فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد ثم لحق بالإمام، و يتمّ الركعات قبل سجود الثانية (1).

و لكنّ الأظهر عدم الجواز، لتقوّم مفهوم الجماعة بالمتابعة المنفيّة في المقام فانّ الانتظار و الاستقلال في الأفعال على حدّ ما ذكره ينافي التبعية المعتبرة في صدق الجماعة.

على أنّ التخلف و الانتظار الذي ذكره (قدس سره) ليس بأولى من الاشتغال بتكميل الركوعات و الالتحاق بالإمام قبل استكماله من سجود الاولى، بل هذه الكيفية أولى، حذراً من فوات المتابعة في السجود لدى التمكّن منها.

مع أنّ كلتا الكيفيتين منافية لصدق التبعية المعتبرة في مفهوم الجماعة و ماهية الائتمام، و هل ذلك إلّا كمن أقحم ركعة أو ركعتين في ركعات الإمام ثمّ التحق به كما لو اقتدى الحاضر بالمسافر فائتمّ في الركعة الاولى ثمّ أتى بالركعتين منفرداً ثمّ التحق في رابعته بثانية الإمام، فإنّ الائتمام في أمثال ذلك يستلزم التخلف في أفعال كثيرة و الاستقلال في أُمور شتّى المضاد لمفهوم القدوة كما لا يخفى. فالأقوى عدم انعقاد الجماعة في أمثال المقام كما عليه المشهور، و هو المطابق للأصل.

(1) لإطلاق أدلّة الوجوب الشامل للمقام (2)، فلو تكلّم ساهياً أو قام في‌

____________

(1) التذكرة 4: 185.

(2) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32، 206/ ب 4 ح 1 و غيرهما.

59

[مسألة 17: يجري في هذه الصلاة قاعدة التجاوز عن المحل]

[1769] مسألة 17: يجري في هذه الصلاة قاعدة التجاوز عن المحل و عدم التجاوز عند الشك في جزء أو شرط كما في اليومية.

[مسألة 18: يثبت الكسوف و الخسوف و سائر الآيات بالعلم و شهادة العدلين]

[1770] مسألة 18: يثبت الكسوف و الخسوف و سائر الآيات بالعلم و شهادة العدلين [1] و إخبار الرصدي إذا حصل الاطمئنان بصدقه على إشكال في الأخير [2] لكن لا يترك معه الاحتياط (1)، و كذا في وقتها و مقدار مكثها.

____________

محلّ القعود أو بالعكس كذلك وجب عليه السجود، و لو بنينا على وجوبه لكلّ زيادة و نقيصة كما هو مفاد المرسلة (1) وجب هنا أيضاً، عملًا بإطلاق الدليل، إذ لا موجب للانصراف إلى اليومية كما هو ظاهر، نعم بعض موجبات السجود لا مسرح له في المقام كالشكّ بين الأربع و الخمس.

و أوضح حالًا ما ذكره في المسألة الآتية من جريان قاعدة التجاوز عن المحلّ في المقام كما لو شكّ حال السجود في عدد الركوعات، لعموم قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (2) كجريان قاعدة الشكّ في المحلّ، لإطلاق دليلها (3)، مضافاً إلى الاستصحاب.

(1) أمّا الثبوت بالعلم أو بالشياع المفيد للعلم فظاهر، و كذا بالدليل العلمي كشهادة البيّنة العادلة، لإطلاق دليل اعتبارها (4)، بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل، بل ثقة واحد على ما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح.

____________

[1] بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل، بل ثقة واحد.

[2] الظاهر أنّه لا إشكال في ثبوتها به إذا أفاد الاطمئنان.

____________

(1) الوسائل 8: 251/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.

(2) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

(3) [و هو مفهوم صحيحة زرارة].

(4) [و هو إمّا ما رواه مسعدة بن صدقة، المذكور في الوسائل 17: 89/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4، أو ما سلكه المقرّر له في شرح العروة 1: 174.]

60

[مسألة 19: يختص وجوب الصلاة بمن في بلد الآية (1) فلا يجب على غيره]

[1771] مسألة 19: يختص وجوب الصلاة بمن في بلد الآية (1) فلا يجب على غيره، نعم يقوى إلحاق المتّصل بذلك المكان [1] ممّا يعدّ معه كالمكان الواحد.

____________

و أمّا الثبوت باخبار الرصدي مع حصول الاطمئنان بصدقه فقد استشكل فيه في المتن، لكن الإشكال في غير محلّه بعد فرض حصول الاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كالقطع، نعم التعويل حينئذ إنّما هو على الاطمئنان الحاصل من قوله، لا على قوله بما هو كذلك.

اللّهم إلّا أن يكون مراده حصول الاطمئنان بصدق المخبر لا بصدق الخبر كما لو كان الرصدي مأموناً عن الكذب فجزمنا بكونه صادقاً في إخباره و مع ذلك لم نطمئن بصدق الخبر لاحتمال خطئه و عدم إصابته للواقع، فكنّا بالنسبة إلى وقوع الكسوف خارجاً في شكّ و ترديد و إن كنّا مطمئنين في صدقه عمّا يخبر بمقتضىٰ القواعد النجومية، فإنّه يشكل الاعتماد حينئذ على قوله، لعدم الدليل على حجية الأخبار الحدسي في الأمر الحسي، و الرجوع إلى أهل الخبرة يختص بالأُمور الحدسية دون الحسية كما في المقام.

و على الجملة: إذا حصل الاطمئنان من قول الرصدي بوقوع الكسوف خارجاً كما لو كان الشخص محبوساً في مكان لا يتيسّر له استعلام الكسوف و كان عنده رصدي أخبر بذلك، أو كان الشخص بنفسه رصديا فلا ريب في وجوب الصلاة حينئذ، عملًا بالاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كما عرفت و إلّا فمجرّد الاطمئنان بصدق المخبر مع الترديد في الوقوع الخارجي لا أثر له لعدم الاكتفاء في الموضوع الحسي باخبار مستند إلى الحدس.

(1) أمّا بالإضافة إلى الكسوفين فهذا البحث لا موضوع له، إذ بعد فرض كرؤية الأرض فكسوف الشمس أمر يمكن أن تقع عليه الرؤية من عامّة سكنة البلدان الواقعة في تمام القوس النهاري الشاملة لأكثر من نصف سكّان الأرض‌

____________

[1] في القوّة إشكال، بل منع.

61

..........

____________

و إن كانت الشمس حينئذ عند طلوعها بالإضافة إلى بلد و غروبها بالإضافة إلى بلد آخر و منتصف النهار بالإضافة إلى بلد ثالث، إذ هي دائماً في طلوع و غروب كما يقتضيه فرض كرؤية الأرض.

و عليه فالبلاد الواقعة في النصف من الجانب الآخر من الأرض لا تجب عليهم الصلاة، لعدم تحقّق الكسوف القابل للرؤية بالإضافة إليهم، فلا تجب علينا الصلاة للكسوف الحاصل تحت الأرض بعد عدم قبوله للرؤية بالنسبة إلينا، فإن الموضوع للوجوب إنّما هو الكسوف القابل للرؤية، الذي لا يدرى أنّه لرحمة أو لغضب كما في لسان بعض الأخبار (1). و كذا الحال في خسوف القمر.

و أمّا في غير الكسوفين من سائر الأسباب كالزلزلة و نحوها فلا ينبغي الشك في اختصاص الحكم ببلد الآية، فلا يعمّ غيره، لدوران الحكم مدار تحقّق الآية و صدقها كما استفيد من قوله (عليه السلام): «حتى يسكن» الوارد في بعض نصوص الزلزلة (2).

نعم، قوّى في المتن إلحاق البلد المتّصل بذلك المكان ممّا يعدّ معه كالمكان الواحد. و هذا ممّا لم نعرف له وجها أصلًا، إذ لا دليل على الإلحاق بعد فرض اختصاص الآية بذاك المكان و عدم تحقّقها في غيره، فلا تجب الصلاة على سكنة النجف لو وقعت زلزلة أو هبّت ريح سوداء في الكوفة.

بل الظاهر عدم الإلحاق حتى في البلد الواحد إذا كان متّسعاً جدّاً، بحيث خصّت الآية جانباً معيّناً منه و لم تسر إلى الجانب الآخر. فلو وقعت زلزلة في أقصى البلد لا دليل على وجوب الصلاة بالنسبة إلى سكنة الجانب الآخر ممّن لم تتحقّق الزلزلة لديهم. و بالجملة: فالحكم تابع لفعلية موضوعه، فلا يسري إلى غيره، و هذا ظاهر.

____________

(1) كرواية الفضل المتقدمة في ص 8.

(2) كصحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة في ص 11.

62

[مسألة 20: تجب هذه الصلاة على كلّ مكلّف إلّا الحائض و النفساء]

[1772] مسألة 20: تجب هذه الصلاة على كلّ مكلّف (1) إلّا الحائض و النفساء فيسقط عنهما أداؤها (2)، و الأحوط قضاؤها [1] بعد الطهر و الطهارة (3).

____________

(1) لعموم دليل الوجوب أو إطلاقه.

(2) لعموم ما دلّ على حرمة الصلاة عليهما المستفاد من النصوص الكثيرة و قد عقد لها في الوسائل باباً التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا كانت المرأة طامثاً فلا تحلّ لها الصلاة» (1) بعد وضوح مساواة النفساء مع الحائض في الأحكام إلّا ما خرج بالدليل.

(3) بل قد تقدّم منه (قدس سره) في مبحث الحيض (2) الفتوى بوجوب القضاء و إن احتاط فيه أوّلًا.

لكنّ الأقوى عدم الوجوب، لا لما دلّ على سقوط القضاء عنها كي يدعي انصرافه إلى اليومية بل بعض الأخبار موردها خصوص اليومية (3) بل لقصور المقتضي للوجوب، لما تقرّر في محلّه من أنّ القضاء بأمر جديد (4) و لا يكاد يتكفّله الأمر الأوّل، لكونه محدوداً بزمان خاص و هو الوقت المضروب للعمل، و حيث إنّ ظاهره وحدة المطلوب فبخروج الوقت يسقط الأمر لا محالة.

فتعلّق التكليف بالقضاء حينئذ يحتاج إلى أمر جديد، فما لم يثبت يكون المرجع أصالة البراءة. فمجرّد الشك في القضاء مع عدم قيام دليل عليه كما لم يقم في المقام كافٍ في الحكم بعدم الوجوب.

و الحاصل: أنّ القضاء لمّا كان بأمر جديد و كان موضوعه الفوت فلا بدّ من‌

____________

[1] و إن كان الأظهر عدم وجوبه.

____________

(1) الوسائل 2: 343/ أبواب الحيض ب 39 ح 1.

(2) في الأمر الحادي عشر، بعد المسألة [773].

(3) الوسائل 2: 348/ أبواب الحيض ب 41 ح 5، 12.

(4) محاضرات في أُصول الفقه 4: 67.

63

[مسألة 21: إذا تعدّد السبب دفعة أو تدريجاً تعدّد وجوب الصلاة]

[1773] مسألة 21: إذا تعدّد السبب دفعة أو تدريجاً تعدّد وجوب الصلاة (1).

[مسألة 22: مع تعدّد ما عليه من سبب واحد لا يلزم التعيين]

[1774] مسألة 22: مع تعدّد ما عليه من سبب واحد لا يلزم التعيين، و مع تعدّد السبب نوعاً كالكسوف و الخسوف و الزلزلة الأحوط التعيين و لو إجمالًا [1]، نعم مع تعدّد ما عدا هذه الثلاثة من سائر المخوّفات لا يجب التعيين و إن كان أحوط أيضاً (2).

____________

صدق هذا العنوان في الحكم بالقضاء، و هو يتوقّف على تعلّق التكليف بالأداء و ثبوته إمّا فعلًا كما في العاصي و نحوه، أو اقتضاءً لوجود مانع عن التنجيز كما في الناسي و النائم، فيصح إطلاق الفوت في أمثال هذه الموارد.

و أمّا الحائض و النفساء فلم يتعلّق التكليف بالصلاة في حقّهما من أوّل الأمر و لا وجوب حتى شأناً و اقتضاء، لورود التخصيص في دليل وجوب الصلاة بالنسبة إليهما. فلا موضوع للفوت حتى يجب القضاء، و على تقدير الشك في ذلك فالمرجع أصالة البراءة.

(1) لأنّ كلّ سبب يستدعي مسبّباً يخصّه، و التداخل على خلاف الأصل. فلو وقعت زلزلة مثلًا و قبل الصلاة لها وقعت زلزلة أُخرى أو انكسفت الشمس وجبت صلاة أُخرى للسبب الحادث.

(2) فصّل (قدس سره) في صورة تعدّد السبب بين ما إذا كان المتعدّد فردين من نوع واحد كالزلزلة المتكرّرة، و بين ما إذا كانا من نوعين، و فصّل في الثاني بين الكسوف و الخسوف و الزلزلة و بين غيرها من سائر المخوّفات كالصاعقة و الريح السوداء و غيرهما من أخاويف السماء، فحكم (قدس سره) بعدم لزوم التعيين في الأوّل و الأخير دون الثاني.

أقول: أمّا عدم الحاجة إلى التعيين في الأوّل فظاهر، إذ السبب ليس هو‌

____________

[1] و إن كان الأقوى عدم وجوبه.

64

..........

____________

الفرد بشخصه، بل الطبيعي المتحقّق في ضمنه و ضمن غيره، فلا مدخلية لخصوصيات الأفراد في مقام تعلّق التكليف كي يحتاج إلى القصد و التعيين، فلا يجب إلّا قصد الأمر الناشئ من طبيعي الزلزلة مثلًا. فلو امتثل ذلك مكرّراً بعدد الأفراد المتحقّقة في الخارج أتى بتمام الوظيفة.

و منه يظهر الحال في الأخير، فإنّ الأنواع و إن كانت متعدّدة حينئذ و الطبائع مختلفة لكن الكلّ يندرج تحت عنوان واحد و هو المخوف السماوي الذي هو الموضوع للوجوب في لسان الأخبار، دون تلك الأنواع بعناوينها، بل إنّ هذا القسم ملحق بالأول لدى التحليل، فانّ تلك الأنواع في الحقيقة أفراد لذلك النوع الذي هو موضوع الحكم و مصبّ التكليف كما لا يخفى.

و أمّا القسم الثاني فغاية ما يقال في وجه الحاجة إلى التعيين الذي اختاره في المتن أنّ هناك أنواعاً عديدة كلّ واحد منها سبب للتكليف بحياله قد أثّر في مسبّب مغاير للآخر، فلا بدّ من تعلّق القصد بكلّ من المسببات ليمتاز عن الآخر.

و فيه: أنّ مجرّد التعدّد في السبب لا يستوجب اختلافاً في عنوان المسبّب و تغايراً فيه، إذ من الجائز أن تكون الطبيعة الواحدة واجبة مرّتين لسببين كما لو قال: إن جاءك زيد فتصدّق بدرهم، و إن سافرت فتصدّق بدرهم. فانّ التصدّق بالدرهم حقيقة واحدة و طبيعة فأرده لا تعدّد في عنوانها و إن تعدّد سبب وجوبها، و صلاة الآيات في المقام من هذا القبيل، فإنّها طبيعة واحدة لا اختلاف في عنوانها و إن وجبت بسبب الكسوف مرة و الخسوف اخرى و الزلزلة ثالثة.

نعم، ربما يستفاد التعدّد من دليل خارجي كما في الأغسال، فإنّها حقائق متباينة و إن كانت بصورة واحدة، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: إن كان للّٰه عليك حقوق أجزأك عنها حقّ واحد (1)، فانّ التعبير بالحقوق كاشف‌

____________

(1) الوسائل 2: 261/ أبواب الجنابة ب 43 ح 1، (نقل بالمضمون).

65

[مسألة 23: المناط في وجوب القضاء في الكسوفين في صورة الجهل احتراق القرص بتمامه]

[1775] مسألة 23: المناط في وجوب القضاء في الكسوفين في صورة الجهل احتراق القرص بتمامه، فلو لم يحترق التمام و لكن ذهب ضوء البقية باحتراق [1] البعض لم يجب القضاء مع الجهل، و إن كان أحوط خصوصاً مع الصدق العرفي (1).

____________

عن تعدّد الطبائع و تباينها في الواقع. و كما في الظهرين لقوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1). و كما في فريضة الفجر و نافلته و نحو ذلك. و أمّا في المقام فلا قرينة على التعدّد، و قد عرفت أنّ مجرد تعدّد السبب لا يقتضيه.

و من هنا ترى أنّ من أفطر يومين من شهر رمضان لسببين فأفطر في اليوم الخامس مثلًا للمرض، و اليوم الخامس عشر للسفر لم يجب عليه لدى القضاء تعيين اليوم الخاص من سبب مخصوص، بل و لا تعيين السنة لو كان اليومان من سنتين، و ليس ذلك إلّا لما عرفت من أنّ اختلاف السبب لا يستوجب تعدّداً في عنوان المسبّب. فقضاء رمضان طبيعة واحدة قد وجبت مرّتين لسببين. إذن فمجرّد القصد إلى هذه الطبيعة كافٍ في حصول الامتثال كالقصد إلى طبيعي صلاة الآيات في المقام.

فتحصّل: أنّ الأقوى عدم الحاجة إلى تعيين السبب في شي‌ء من الأقسام.

(1) حاصله: أنّ القرص إذا لم يحترق بتمامه و لكن ذهب ضوء الباقي باحتراق البعض لم يجب القضاء حينئذ مع الجهل، إذ العبرة باحتراق التمام المنفي في المقام.

و فيه أوّلًا: أنّ هذا مجرّد فرض لا واقع له، فانّ احتراق البعض إنّما يؤثّر في ذهاب الضوء من ذلك البعض دون الباقي، ضرورة أنّ احتراق القمر مسبّب عن حيلولة الأرض بينه و بين الشمس، كما أنّ احتراق الشمس مسبّب عن‌

____________

[1] الظاهر أنّه لا واقع لهذا الفرض.

____________

(1) الوسائل 4: 126/ أبواب المواقيت ب 4 ح 5.

66

[مسألة 24: إذا أخبره جماعة بحدوث الكسوف مثلًا و لم يحصل له العلم بقولهم]

[1776] مسألة 24: إذا أخبره جماعة بحدوث الكسوف مثلًا و لم يحصل له العلم بقولهم ثم بعد مضيّ الوقت تبيّن صدقهم فالظاهر إلحاقه بالجهل (1)، فلا يجب القضاء مع عدم احتراق القرص، و كذا لو أخبره شاهدان لم يعلم عدالتهما (2) ثم بعد مضيّ الوقت تبيّن عدالتهما، لكن الأحوط القضاء في الصورتين (3).

____________

حيلولة القمر بينها و بين الأرض، فبمقدار الحيلولة ينعدم الضوء، و لا موجب للانعدام في غير هذا المقدار، فالمقدار الباقي من القرص نيّر مضي‌ء لا محالة و إن كان مثل الهلال.

و ثانياً: على فرض التسليم و وقوعه خارجاً فلا ينبغي الشك في وجوب القضاء حينئذ، إذ العبرة في الاحتراق التام المأخوذ موضوعاً للحكم في المقام إنّما هو بالصدق العرفي و النظر العادي، دون الدّقي العقلي المختص بالمنجّمين و مهرة الفن. و حيث إنّ ذهاب ضوء البقية باحتراق البعض بحيث يرى الجرم دون الشعاع مصداق للاحتراق التام عند العرف فلا جرم يكون مشمولًا لإطلاق الدليل.

(1) بل هو منه حقيقة، إذ لا علم في الوقت لا وجداناً كما هو واضح، و لا تعبّداً لعدم قيام البيّنة الشرعية، و لا حصول الوثوق الشخصي من أخبارهم بعد احتمال صدورها لدواعٍ أُخر من مزاح و نحوه، و يشير إليه مفهوم قوله (عليه السلام) في موثقة عمار: «و إن أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك ...» إلخ (1).

(2) لعدم إحراز شرائط الحجية في الوقت فيكون طبعاً ملحقاً بالعدم بعد وضوح أنّ العبرة بالحجّة الواصلة، لا مجرّد وجودها الواقعي.

(3) فإنّه حسن على كلّ حال.

____________

(1) الوسائل 7: 501/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 10.

67

[فصل في صلاة القضاء]

فصل في صلاة القضاء

[الإشارة إلى بعض أسباب فوت الصلاة]

يجب قضاء اليومية الفائتة عمداً، أو سهواً، أو جهلًا (1)

____________

(1) ينبغي التكلّم أوّلًا فيما يقتضيه الأصل العملي عند الشكّ في وجوب القضاء، ثمّ التعرّض للموارد التي ثبت الوجوب فيها حسب الأدلّة الاجتهادية فهنا جهتان:

أمّا الجهة الأُولى: فالمعروف بينهم أنّ القضاء إنّما هو بأمر جديد متعلّق بعنوان الفوت، و لا يكاد يتكفّل بإثباته نفس الأمر الأوّل، فإنّه متقيّد بالوقت الخاص، فيسقط لا محالة بخروج الوقت، فاذا شكّ في ثبوت الأمر الجديد كان مقتضى الأصل البراءة عنه.

إلّا أنّه ربما يتمسّك لبقاء الأمر الأوّل بعد خروج الوقت بالاستصحاب بدعوى أنّ خصوصية الوقت تعدّ بنظر العرف من الحالات المتبادلة لا من مقوّمات الموضوع، بحيث يكون الشكّ في ثبوت الحكم بعد خروج الوقت شكّاً في بقاء الحكم الأوّل و استمراره، و لا ريب في أنّ المدار في اتّحاد القضية المتيقّن بها و المشكوك فيها هو نظر العرف.

و يرد على ذلك أوّلًا: أنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية كما حقّقنا ذلك في محلّه (1).

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 36.

68

..........

____________

و ثانياً: أنّه على فرض التسليم فهو غير جارٍ في خصوص المقام، لكونه من القسم الثالث من استصحاب الكلّي، و لا نقول به، فانّ شخص الوجوب الثابت في الوقت قد ارتفع بخروجه قطعاً، لأنّه كان محدوداً بزمان خاص على الفرض.

و الظاهر من الدليل هو كون الفعل مطلوباً في الزمان الخاص بنحو وحدة المطلوب، فينتهي الحكم لا محالة بانتهاء أمده حتّى مع تسليم كون الوقت بنظر العرف من قبيل الحالات المتبدّلة دون المقوّمات، فلا معنى لجريان الاستصحاب حينئذ إلّا إجراؤه في كلّي الوجوب المحتمل بقاؤه في ضمن فرد آخر حدث مقارناً لارتفاع الفرد الأوّل أو قارنه في الوجود، لكنّه على كلا التقديرين غير مقطوع الثبوت. و قد حقّق في محلّه عدم حجيّة هذا القسم من استصحاب الكلّي (1).

و ثالثاً: أنّه على فرض تسليم عدم ظهور الدليل في وحدة المطلوب، و تسليم كون الوقت من قبيل الحالات المتبدّلة و كلّ ذلك فرض في فرض فالاستصحاب إنّما يتّجه على القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي، نظراً إلى أنّ الوجوب في الوقت إذا كان بنحو وحدة المطلوب فقد ارتفع بخروج الوقت قطعاً، و إذا لم يكن كذلك بل كان على نحو تعدّد المطلوب فهو باق قطعاً فيدور الأمر في الوجوب المذكور بين مقطوع الارتفاع و مقطوع البقاء.

و الاستصحاب في هذا القسم و إن كان جارياً في نفسه كما ثبت في محلّه (2) بأن يستصحب الكلّي الجامع بين الفرد القصير و الفرد الطويل، إلّا أنّه لا يكاد يجري في خصوص المقام، و ذلك للأصل الحاكم عليه و هو أصالة عدم تعلّق الوجوب بالطبيعي الجامع بين المأتي به في الوقت و خارجه.

فانّ المتيقن به من الجعل إنّما هو إيجاب الصلاة المقيّدة بالوقت سواء أ كان ذلك بنحو وحدة المطلوب أم على سبيل التعدّد فيه، حيث إنّ القائل بتعدّد‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 114، 105.

(2) مصباح الأُصول 3: 114، 105.

69

..........

____________

المطلوب أيضاً يرى وجوب الصلاة المقيّدة بالوقت أحد المطلوبين، و المفروض تسالم الطرفين على ارتفاع هذا الوجوب بعد خروج الوقت، فلا يكون بقاؤه مشكوكاً فيه كي يجري استصحابه بنفسه أو استصحاب الكلّي الموجود في ضمنه.

و أمّا الزائد على هذا المقدار و هو ممّا ينفرد به القائل بتعدّد المطلوب، أي تعلّق الوجوب بالطبيعي المطلق الشامل لما بعد خروج الوقت فهو مشكوك الحدوث من الأوّل، و حينئذ فيتمسّك في نفيه بالاستصحاب أو أصالة البراءة عنه، و مع وجود هذا الأصل الحاكم المنقّح للموضوع و المبيّن لحال الفرد لا تصل النوبة إلى استصحاب الكلّي كما لا يخفي.

و بكلمة واضحة: أنّ الفارق بين المقام و بين سائر موارد القسم الثاني من استصحاب الكلّي كموارد دوران الأمر بين البق و الفيل في المثال المعروف، أو دوران الأمر بين الحدث الأصغر و الأكبر، و غيرهما من موارد الدوران بين الفرد القصير و الطويل يتلخّص في أنّ الفردين المردّدين في تلك الموارد يعدّان بنظر العرف متباينين، و حينئذ فلا يوجد هناك أصل يتكفّل بتعيين أحدهما فإنّ استصحاب عدم كلّ منهما يعارضه استصحاب عدم الآخر.

و هذا بخلاف المقام، حيث يدور الأمر فيه بين الأقل و الأكثر، فإنّ الأصل المنقّح لأحد الفردين و هو أصالة عدم وجود الزائد على القدر المتيقّن به موجود، و لا يعارض هذا أصالة عدم تعلّق التكليف بالمتقيّد بالوقت، لما عرفت من كونه المتيقّن به بحسب الجعل على كلّ تقدير، و أنّه من المتّفق عليه بين الطرفين.

فتحصّل من ذلك: سقوط الاستصحاب في المقام، فيكون المرجع عندئذ أصالة البراءة عن القضاء.

و أمّا الجهة الثانية: فقد ثبت وجوب القضاء بمقتضى الأدلّة الخاصة في الصلوات اليومية الفائتة عمداً، أو سهواً، أو جهلًا، أو لأجل النوم المستوعب للوقت، أو لعدم الإتيان بها على وجهها لفقدها جزءاً أو شرطاً يوجب فقده‌

70

..........

____________

البطلان كما أفاده المصنف (قدس سره) بلا خلاف في ذلك، و تدلّ عليه جملة من النصوص:

منها: صحيحة زرارة: «أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يصلّها، أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار» (1).

و قد يناقش فيها بعدم دلالتها على العموم، فهي أخصّ من المدعى. و إلغاء الخصوصية عنها غير واضح، لعدم القرينة على ذلك، و عليه فلعلّ الحكم خاصّ بالموارد المذكورة فيها.

و تندفع: بأنّ تلك الموارد لو كانت مذكورة في كلام الإمام (عليه السلام) لكان لما ذكر من دعوى الاختصاص وجه، لكنّها واردة في كلام السائل، و معه لا مجال لتوهّم الاختصاص، بل ينبغي الحمل على المثال. و هل يظنّ في حقّ السائل احتمال الفرق بين الصلاة الفاقدة للطهور و الفاقدة للوقت أو الركوع و غير ذلك من موارد الخلل في الأجزاء أو الشرائط، أم هل يحتمل في حقّه أنّه قد خطر بباله وجوب القضاء في الصلاة الفاقدة للطهور دون ما لو ترك الصلاة رأساً.

و لا يبعد أن يكون الوجه في تخصيص السؤال بالموارد المذكورة هو الجري على ما تقتضيه طبيعة الحال خارجاً، فإنّ المؤمن بما هو مؤمن لا يترك الصلاة عامداً، فاذا فاتته الصلاة فلا يخلو الحال في ذلك من أن يكون الفوت لأجل الإتيان بها فاسدة و قد مثّل لها في الرواية بالصلاة الفاقدة للطهور أو لأجل النسيان، أو لغلبة النوم، و لا منشأ على الأغلب لفوت الصلاة غير هذه الوجوه الثلاثة.

و كيف ما كان، فلا ينبغي الشك في ظهور الصحيحة في كون المنظور إليه بالسؤال فيها هو ترك الفريضة في الوقت و عدم الإتيان بها فيه على وجهها‌

____________

(1) الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

71

..........

____________

سواء أ كان ذلك لأجل تركها رأساً أم لأجل فسادها الناشئ من الإخلال بجزء أو شرط يستوجب الإخلال به البطلان.

و الذي يكشف لك عمّا ذكرناه قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة: «فليصلّ ما فاته ممّا مضى»، فإنّه كالصريح في كون المناط في الصلاة هو صدق عنوان الفوت كيف ما اتفق و بأي سبب تحقّق، و أنّه لا خصوصية للموارد المصرّح بها فيها. فالإنصاف هو ظهور الصحيحة فيما ذكرناه، بل هي باعتبار الذيل تكاد تكون صريحة فيه.

و منها: صحيحة أُخرى لزرارة قال «قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: يقضى ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، و إن كانت صلاة الحضر فيلقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» (1).

فانّ هذه الصحيحة و إن كانت ناظرة إلى اعتبار المماثلة بين الأداء و القضاء من حيث القصر و التمام إلّا أنّ الظاهر منها أنّ وجوب القضاء عند تحقّق عنوان الفوت كان مفروغاً عنه بنظر السائل، و قد أقرّه المعصوم (عليه السلام) على ذلك.

و منها: صحيحة زرارة و الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها أو في وقت فوتها أنك لم تصلّها صلّيتها، و إن شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت» (2).

و هذه الصحيحة و إن كانت واردة لبيان قاعدة الحيلولة و عدم الاعتناء‌

____________

(1) الوسائل 8: 268/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1.

(2) الوسائل 4: 282/ أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

72

أو لأجل النوم المستوعب للوقت (1)

____________

بالشك بعد خروج الوقت لكنّ الذي يظهر منها هي المفروغية عن أصل وجوب القضاء عند الفوت. و العمدة في المقام إنّما هي الصحيحة الاولى.

ثم إنّه لا فرق في وجوب القضاء في مورد ترك الفريضة عمداً بين صورتي العلم و الجهل، قصوراً و تقصيراً، طالت مدة الجهل أو قصرت كمن أسلم و هو لا يعلم بوجوب الصلاة في شريعة الإسلام برهة من الزمن، فإنّه يجب القضاء في جميع ذلك، لإطلاق الفوت المجعول موضوعاً للحكم المذكور في النصوص.

[النوم المستوعب]

النوم المستوعب:

(1) من غير فرق بين النوم المتعارف و غير المتعارف كالنوم أياماً استمراراً لإطلاق الدليل، نعم عن الشهيد (رحمه اللّٰه) في الذكرى (1) و الشيخ (قدس سره) في المبسوط (2) التفصيل باختصاص القضاء بالنوم المتعارف.

و يستدل لهذا التفصيل بأنّ مدرك الحكم إن كان هو الإجماع فلا إجماع في محلّ الخلاف، و المتيقّن من مورده إنّما هو النوم المتعارف فيقتصر عليه. و إن كان هو النصّ كصحيحة زرارة المتقدّمة (3) فلا ريب في انصراف إطلاقه إلى الفرد المتعارف.

و في هذا الاستدلال ما لا يخفى، فانّ النوم غير المتعارف و إن كان نادر الوجود خارجاً إلّا أنّه من أظهر مصاديق طبيعي النوم و أوضح أفراده، و لذلك يكون صدق الطبيعي عليه بالأولوية، و حينئذٍ فكيف يقال بانصراف الإطلاق عنه.

____________

(1) الذكرى 2: 429.

(2) المبسوط 1: 126.

(3) في ص 70.

73

..........

____________

و أمّا ندرة وجود الفرد خارجاً فقد تقرّر في محلّه أنّه لا يوجب انصراف الطبيعي عنه، و لا يمنع عن تحقّق الإطلاق بالنسبة إليه (1)، نعم إطلاق المطلق و إرادة خصوص الفرد النادر منه قبيح، و هذا أجنبي عن الحكم بشمول المطلق له في ضمن شموله للأفراد غير النادرة بعد فرض صدق الطبيعة على الجميع بملاك واحد، فإنّه لا إشكال في عدم قبحه.

مع أنّه يكفينا في المقام ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة (2)، حيث جعل العبرة في وجوب القضاء بعنوان الفوت كما مرّ، الذي لا ينبغي الريب في تحقّقه في النوم غير المتعارف على نحو تحقّقه في المتعارف منه، هذا.

و قد يفصّل في المسألة بتفصيل آخر فيقال بالفرق بين النوم الغالب الخارج عن حدود الاختيار و بين غير الغالب، فيحكم باختصاص وجوب القضاء بالثاني، و ذلك للتعليل المذكور في بعض روايات المغمى عليه من أنّ ما غلب اللّٰه عليه فهو أولى بالعذر، فانّ المستفاد منه هي الملازمة بين نفي القضاء و بين ترك الأداء المستند إلى غلبة اللّٰه، الشامل لكلّ من الإغماء و النوم الغالب بمناط واحد، هذا.

و الظاهر هو عدم وجود نصّ معتبر يدلّ على الملازمة المذكورة، فإنّ ما يمكن الاستدلال به لذلك مخدوش فيه سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو و إليك ذلك:

1 صحيحة علي بن مهزيار: «... عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فقال: لا يقضي الصوم و لا يقضي الصلاة، و كلّ ما غلب اللّٰه عليه فاللّٰه أولى بالعذر» (3).

و المناقشة في دلالتها ظاهرة، إذ لا يمكن الأخذ بظاهر الرواية، فإنّ القضاء‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 373.

(2) في ص 70.

(3) الوسائل 8: 259/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 3.

74

..........

____________

بعد الإفاقة من الإغماء ليس ممّا غلب اللّٰه عليه (1). فليس هو من مصاديق هذه الكلّية.

و ارتكاب التأويل بالالتزام بالحذف و التقدير فيقال: إنّ كلّ ما غلب اللّٰه عليه أداءً فاللّٰه أولى بالعذر قضاءً، ممّا لا شاهد عليه و لا قرينة تقتضيه، و إن كانت الدلالة على الملازمة حينئذ تامّة.

و الظاهر أنّ الصحيحة ناظرة إلى بيان حكمين لموضوعين، أحدهما: سقوط القضاء بعد ارتفاع العذر، و الآخر: سقوط الأداء حال العذر لكونه ممّا غلب اللّٰه عليه. فالكلّية المذكورة في ذيل الصحيحة و هي قوله (عليه السلام): «كلّ ما غلب اللّٰه عليه فاللّٰه أولى بالعذر» بمنزلة العلّة لحكم آخر و هو سقوط الأداء حال العذر دون الحكم المذكور في صدر الرواية، إذ لا يرتبط التعليل بذلك كما عرفت (2).

و عليه فلا شك في سقوط الأداء في النوم المستوعب لأجل الكلّية المذكورة في ذيل الصحيحة، و أمّا القضاء الذي هو المبحوث عنه في المقام فلا تدلّ الصحيحة على نفيه إلّا بالتأويل الذي لا يصار إليه مع عدم وجود الشاهد عليه.

2 ما رواه الصدوق (رحمه اللّٰه) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث «قال: و كذلك كلّ ما غلب اللّٰه عليه، مثل الذي يغمى عليه في يوم و ليلة، فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال الصادق (عليه السلام): كلّ ما غلب اللّٰه على العبد فهو أعذر له» (3).

____________

(1) نعم، و لكنّ الفوت الذي هو الموضوع للقضاء مصداق له فلا يستتبع الحكم، و منه تعرف عدم الحاجة إلى التأويل الآتي، و سيجي‌ء نظيره عند التعرّض لصحيح مرازم في المسألة الرابعة عشرة.

(2) و قد عرفت ما فيه.

(3) الوسائل 8: 260/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 7، علل الشرائع: 271.

75

..........

____________

و دلالتها على الملازمة ظاهرة، بل تكاد تكون صريحة في المطلوب، غير أنّها ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق (رحمه اللّٰه) إلى الفضل بن شاذان، فانّ له إليه طريقين كما نبّه عليه صاحب الوسائل (رحمه اللّٰه) في الخاتمة، و في أحدهما ابن عبدوس و ابن قتيبة، و في الآخر جعفر بن نعيم بن شاذان و محمد ابن أحمد بن شاذان (1)، و لم يرد في أيّ واحد منهم التوثيق.

3 ما رواه أيضاً في العلل و الخصال عن محمد بن الحسن عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن عبد اللّٰه بن مسكان، عن موسى بن بكر قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال: أ لا أُخبرك بما يجمع هذه الأشياء، كلّ ما غلب اللّٰه عليه من أمر فاللّٰه أعذر لعبده. قال: و زاد فيه غيره أي قال عبد اللّٰه بن مسكان: و زاد فيه غير موسى بن بكر أنّ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: هذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب» (2).

و دلالتها على الملازمة كسابقتها ظاهرة، بل لعلّها تكون أظهر، سيما بملاحظة الذيل، و لكنّها قاصرة السند بابن سنان، فإنّه محمّد بن سنان بقرينة روايته عن عبد اللّٰه بن مسكان، إذ هو الراوي عنه، و أمّا عبد اللّٰه بن سنان فابن مسكان يروي عنه دون العكس. كما يقتضيه أيضاً رواية أحمد بن محمد عنه فإنّه كالحسين بن سعيد إنّما يروي عن محمّد بن سنان و لا يمكنه لاختلاف الطبقة الرواية عن عبد اللّٰه بن سنان. و أمّا موسى بن بكر نفسه فهو و إن كان محلّاً للخلاف و لكنّ الأظهر وثاقته (3) فلا نقاش في السند من ناحيته.

____________

(1) لاحظ الوسائل 30: 121.

(2) الوسائل 8: 260/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 8، 9، الخصال: 644/ 24 [لم نعثر عليه في العلل، نعم روى في ص 271 من العلل قوله (عليه السلام): «كلّ ما غلب اللّٰه على العبد فهو أعذر له» مستدلًا به على عدم وجوب قضاء الصلاة].

(3) معجم رجال الحديث 20: 31/ 12767.

76

..........

____________

4 رواية مرازم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المريض لا يقدر على الصلاة؟ قال فقال: كلّ ما غلب اللّٰه عليه فاللّٰه أولى بالعذر» (1).

و هي ضعيفة السند بعلي بن حديد، و الدلالة لعدم التعرّض فيها للقضاء و إنّما هي تنظر إلى الأداء فقط، كما أنّه لا اختصاص لها بالمغمى عليه و إنّما تعمّ مطلق المريض.

5 صحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «كلّ ما غلب اللّٰه عليه فليس على صاحبه شي‌ء» (2). و هي ضعيفة الدلالة لعين ما تقدّم في الرواية السابقة (3).

فتحصّل من ذلك: أنّ الأخبار المذكورة بين ضعيف السند و ضعيف الدلالة على سبيل منع الخلو، و لأجل ذلك لا يمكن الاستدلال بها.

ثمّ إنّه لو سلّم وجود نصّ معتبر في المسألة فلا بدّ من تخصيصه بغير النوم و ذلك لأنّ النوم حدوثاً و إن كان ينقسم إلى ما يكون باختيار الإنسان و إرادته و ما يكون بغلبة اللّٰه و قهره، و لأجل ذلك يصحّ جعله متعلّقاً للتكليف كأن يحكم بحرمة النوم في وقت معيّن، إلّا أنّه بقاءً لا يكون إلّا بغلبة اللّٰه و قهره، قال تعالى اللّٰهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنٰامِهٰا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرىٰ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (4) فالاستيقاظ يكون بيده تعالى، فان شاء أعاد النفس و أيقظ العبد، و إن شاء بقيت منفصلة عن البدن و تحقّق الموت. فالنوم بقاءً خارج عن اختيار العبد بالكليّة.

و لا شكّ في أنّ النوم المستوعب للوقت و لا سيما بالإضافة إلى صلاة الفجر كثير التحقّق خارجاً، بل هو من الأفراد الشائعة، لكثرة ابتلاء المكلّفين به في‌

____________

(1) الوسائل 8: 261/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 16.

(2) الوسائل 8: 263/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 24.

(3) بل تفترق عنها بانّ عموم النكرة في سياق النفي يشمل القضاء.

(4) الزمر 39: 42.

77

..........

____________

هذه الفترة القصيرة، و المفروض كون النوم و لو بقاءً بغلبة اللّٰه، فاذا كان مثل هذا مشمولًا للنصوص المتقدّمة لكونه ممّا غلب اللّٰه عليه أداءً و فرضنا الملازمة بينه و بين سقوط القضاء كان اللازم حينئذ إخراج هذا الفرد عن الإطلاقات المتقدّمة كصحيحة زرارة (1) و غيرها، الدالّة على وجوب القضاء عند الفوت المستند إلى النوم.

و هو كما ترى، فإنّه كيف يمكن الالتزام بإخراج الفرد الشائع عن تحت الإطلاق و حمله على الفرد النادر. فلا مناص إذن من الالتزام بالتخصيص بالنسبة إلى تلكم النصوص الدالّة على الملازمة بين سقوط القضاء و سقوط الأداء الناشئ من غلبة اللّٰه بأن يقال باختصاص ذلك بغير النوم، حيث لا ملازمة بين الأمرين في مورد النوم.

و مع الغضّ عن ذلك فيكفي لإثبات التخصيص ما ورد في نوم النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) عن صلاة الغداة كما في موثّق سماعة بن مهران قال: «سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس، قال: يصلّيها حين يذكرها، فانّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلّاها حين استيقظ، و لكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى» (2)، فانّ رقوده كان بغلبة اللّٰه بعد القطع بعدم نومه عن الفريضة اختياراً. و قد ورد في بعض النصوص ما يدلّ على أنّ ذلك كان رحمة من اللّٰه تعالى كي لا يعاب أحد بعد ذلك على مثله (3).

و الحاصل: أنّ الرواية قد دلّت على قضاء النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) حينما استيقظ، فلو كانت الملازمة المتقدّمة ثابتة لما كان هناك موجب للقضاء.

____________

(1) المتقدمة في ص 70.

(2) الوسائل 8: 267/ أبواب قضاء الصلوات ب 5 ح 1.

(3) الفقيه 1: 233/ 1031، و أُورد صدره في الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 2.

78

أو للمرض و نحوه (1) و كذا إذا أتى بها باطلة لفقد شرط أو جزء يوجب تركه البطلان بأن كان على وجه العمد أو كان من الأركان (2).

____________

فالالتزام بالتخصيص ممّا لا محيص عنه لو سلّم دلالة النصوص على الملازمة كيف و قد عرفت منعها. فالأقوى وجوب القضاء في النوم الغالب كغيره.

(1) لم يظهر وجهه، ضرورة أنّ المرض بعنوانه لا يكون موجباً لترك الفريضة في قبال العمد و الجهل و السهو و النوم، فإنّه ليس من الأعذار التي يسوغ معها ترك الصلاة، غايته أنّ المريض إنّما يصلّي على حسب طاقته و ما تقتضيه وظيفته من الصلاة جالساً أو مضطجعاً أو إيماءً حسب اختلاف مراتب المرض. فعدّه سبباً مستقلا في قبال الأُمور التي ذكرها أوّلًا غير وجيه، لا سيما مع العطف عليه بقوله: و نحوه. و لعلّ ذلك سهو من قلمه الشريف أو من النساخ.

[الإتيان بالعمل باطلًا]

الإتيان بالعمل باطلًا:

(2) أمّا في الأركان فلصحيحة زرارة المتقدمة (1) الدالّة على وجوب القضاء على من صلّى بغير طهور، بناء على ما عرفت من أنّ ذلك مثال للصلاة الفاسدة لعدم احتمال انقداح الفرق في ذهن السائل بين الصلاة الفاقدة للطهارة و الفاقدة لغيرها ممّا يوجب البطلان كالقبلة و الوقت و الركوع و نحوها. على أنّه يكفي في وجوب القضاء صدق عنوان الفوت المجعول موضوعاً لهذا الحكم في ذيل الصحيحة المذكورة كما تقدّم (2).

و أمّا غير الأركان فإن كان تركه على وجه العمد فلا إشكال في وجوب القضاء بالبيان المتقدّم، و إن كان ذلك سهواً فلا تجب الإعادة فيه فضلًا عن القضاء، لعدم فوت شي‌ء بعد فرض اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر‌

____________

(1) في ص 70.

(2) في ص 70.

79

..........

____________

المستفاد من صحيحة «لا تعاد الصلاة ...» (1) الحاكمة على أدلّة الأجزاء و الشرائط.

و إن كان جهلًا فكذلك، بناء على ما هو الصحيح من شمول الحديث للجاهل و عدم اختصاصه بالناسي، و إن أصرّ عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (2). هذا إذا كان الجاهل قاصراً بأن كان معذوراً في جهله كما لو أدّى اجتهاده أو اجتهاد مقلّده إلى عدم وجوب السورة في الصلاة ثمّ تبدّل رأيه بعد ذلك.

و أمّا المقصّر فالظاهر وجوب القضاء عليه كوجوب الإعادة، لا لقصور في حديث «لا تعاد الصلاة ...»، بل لمحذور آخر في شمول الحديث له، و هو لزوم حمل الروايات الكثيرة الدالّة على الحكم بالإعادة في مورد ترك جزء أو شرط أو الإتيان بمانع على الفرد النادر و هو العالم العامد، إذ لا شك في أنّ السؤال في هذه الروايات غالباً عن الجاهل المقصّر. فإخراجه عنها و إدراجه في حديث «لا تعاد ...» المستلزم لتخصيص الروايات المذكورة بالعامد يستوجب حمل المطلقات على الفرد النادر، و هو قبيح. فلأجل الفرار عن المحذور المذكور يحكم باختصاص الحديث بالجاهل القاصر و لا يعمّ المقصّر.

و أمّا الجاهل المتردّد في الحكم فهو غير مشمول للحديث، لاختصاصه بمن يرى صحة العمل و فراغ الذمة و الإتيان بما هو وظيفته تماماً ثم يبدو له بعد ذلك بطلان العمل و عدم وقوعه على وجهه بحيث يحتاج إلى الإعادة، كما يفصح عن ذلك التعبير في الحديث بالإعادة، و المتردّد شاكّ في صحّة العمل من أوّل الأمر فنفس الأمر الأوّل باقٍ على حاله، لعدم الامتثال المسقط له، بلا حاجة إلىٰ الأمر بالإعادة، لعدم الموضوع للإعادة حينئذ.

هذا كلّه فيما إذا ثبتت الجزئية أو الشرطية بدليل لفظي أو بأصل محرز كالاستصحاب، و أمّا إذا كان ثبوتها بدليل عقلي كالعلم الإجمالي أو قاعدة‌

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) كتاب الصلاة 3: 5.

80

..........

____________

الاشتغال فربما يستشكل في وجوب القضاء حينئذ بأنّه بأمر جديد كما مرّ (1) و موضوعه هو الفوت، و هو غير محرز، لاحتمال أن يكون ما أتى به في الوقت مطابقاً للواقع، فلم يكن قد فاته شي‌ء. و واضح أنّ استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت لا يجدي لإثبات الفوت كي يترتّب عليه وجوب القضاء و عليه فأصالة البراءة عنه محكّمة.

و قد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره) (2) عن الإشكال أوّلًا: باتحاد الفوت مع الترك، و عدم الفرق بينهما إلّا في مجرّد التعبير، فاستصحاب عدم الإتيان يكفي لإثبات وجوب القضاء.

و في هذا الكلام ما لا يخفى، فانّ الفوت عنوان وجودي يساوق التعبير بالذهاب من الكيس، و ليس هو بحسب المفهوم متّحداً مع الترك الذي هو أمر عدمي، و إن كان ممّا يتحصّل منه و يتسبّب بالترك إليه.

و لذلك لا يصدق الفوت بقول مطلق بالترك في مقدار من الوقت، و إنّما يصدق ذلك باعتبار فوت وقت الفضيلة، و أمّا الصدق بقول مطلق فهو يتوقّف على ذهاب الوقت كلّه، و هذا بخلاف عنوان الترك و عدم الإتيان فإنّه يصدق حتى في أثناء الوقت فيقال: تركت الصلاة، أو لم آت بها، و لا يقال: فاتتني الصلاة. فاستصحاب العدم لا يجدي لإثبات عنوان الفوت.

و أجاب عنه (قدس سره) ثانياً: بأنّ الأمر بالقضاء عند الفوت كاشف عن تعدّد المطلوب و كون الواجب في الوقت أمرين، أحدهما: طبيعي الصلاة و الآخر: إيقاعها في الوقت، و إلّا فمع وحدة المطلوب لا وجه للأمر بالقضاء.

و بعد سقوط الأمر بالمطلوب الآخر بخروج الوقت نشك في ارتفاع الأمر المتعلّق بالطبيعي، للشك في مطابقة المأتي به للمأمور به فيستصحب بقاؤه فيجب الاحتياط في القضاء لعين الملاك الموجب له في الأداء، و هو تعلّق الأمر‌

____________

(1) في ص 67.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 602 السطر 33.

81

..........

____________

بطبيعي الصلاة المفروض فيه الشك في سقوطه بدون الإتيان بجزء أو شرط.

و أنت خبير بأنّ صدور هذا الكلام من مثله عجيب، فإنّ الأمر بالقضاء لازم أعم لتعدّد المطلوب، فكما يمكن فيه أن يكون لأجل ذلك يمكن أن يكون لأجل مصلحة أُخرى دعت المولى إلى الأمر به عند الفوت مع فرض وحدة المطلوب في الوقت. فلا ملازمة إذن بين وجوب القضاء و بين تعدّد المطلوب كي يكون ثبوت الوجوب كاشفاً عن ذلك.

و الذي ينبغي أن يقال هو التفصيل بين تنجّز التكليف الموجب للاحتياط في الوقت، و بين حدوث المنجّز خارج الوقت.

فعلى الثاني كما إذا بنى في الوقت على وجوب القصر مثلًا في بعض الفروض الخلافية ثمّ بعد خروجه انقدح في نفسه التشكيك في الدليل و تردّد فيما هو وظيفته من القصر و التمام، فكانت وظيفته حينئذ الجمع بين الأمرين احتياطاً، لأجل العلم الإجمالي المنجّز الحادث بعد الوقت يجب عليه الاحتياط بالنسبة إلى الصلوات الآتية ما لم يستقرّ رأيه في المسألة على أحد الأمرين.

و أمّا بالنسبة إلى الصلاة التي مضى وقتها فلا يجب الاحتياط عليه بقضاء الصلاة تماماً، لأنّه تابع لصدق الفوت و هو غير محرز، لاحتمال أن تكون الوظيفة هي التي أتى بها في الوقت و هي الصلاة قصراً فلم يفت منه شي‌ء. فما كانت وظيفته في الوقت قد أتى بها على وجهها على الفرض، و ما هو موضوع القضاء أعني فوت الفريضة غير محرز وجداناً، و مقتضى الأصل البراءة عنه. و لعلّ نفي القضاء في هذه الصورة متسالم عليه و خارج عن محلّ الكلام.

و أمّا على الأوّل أعني ثبوت المنجّز في الوقت و وجوب الاحتياط بقاعدة الاشتغال و العلم الإجمالي.

فبناء على وجوب الاحتياط شرعاً المستفاد ذلك من الأخبار كما التزم به بعضهم فلا ينبغي الشكّ في وجوب القضاء حينئذ، لأنّ الوظيفة الشرعية‌

82

..........

____________

ظاهراً هو الاحتياط من دون فرق في ذلك بين الشبهة الحكمية كالقصر و التمام و الظهر و الجمعة، و الموضوعية كما في صورة تردّد الساتر بين الطاهر و النجس و قد أخلّ بما هو وظيفته في أمثال ذلك على الفرض فلم يعمل بالاحتياط و لم يأت في الوقت إلّا ببعض الأطراف، فلم يكن قد امتثل الفريضة الواجبة عليه في مرحلة الظاهر أعني الجمع بين الصلاتين الذي هو مصداق الاحتياط الواجب عليه ظاهراً فقد فاتته الفريضة الظاهرية وجداناً، فيشمله لا محالة عموم أدلّة القضاء المأخوذ في موضوعها عنوان فوت الفريضة و هو أعم من فوت الفريضة الواقعية و الظاهرية بلا إشكال.

و من هنا لم يستشكل أحد في وجوب القضاء فيما لو صلّى في ثوب مستصحب النجاسة، مع أنّ فوت الفريضة الواقعية غير محرز هنا، لاحتمال طهارة الثوب واقعاً و عدم إصابة الاستصحاب للواقع، و ليس ذلك إلا لأجل أنّ وظيفته الظاهرية بمقتضى الاستصحاب كان هو الاجتناب عن الثوب المذكور و إيقاع الصلاة في ثوب طاهر و لكنّه أخلّ بذلك ففاتته الفريضة الظاهرية، فيندرج لذلك تحت عموم أدلّة القضاء.

و لا فرق بين الاستصحاب و بين قاعدة الاحتياط بعد البناء على وجوبه شرعاً كما هو المفروض، لكون كلّ منهما حكماً ظاهرياً مقرّراً في ظرف الشكّ.

و أمّا بناءً على وجوب الاحتياط بحكم العقل بمناط قاعدة الاشتغال و العلم الإجمالي لا بحكم الشارع كما هو الصحيح، و قد بيناه في محلّه (1) فاللازم حينئذ هو القضاء أيضاً، و ذلك لأنّ المفروض تنجّز الواقع في الوقت، و بعد الإتيان بأحد طرفي العلم الإجمالي كالقصر يشكّ في سقوط التكليف المتعلّق بطبيعي الصلاة و مقتضى الاستصحاب بقاؤه، بناءً على ما هو الصواب من جريانه في القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

فإنّ المقام من هذا القبيل، إذ لو كان المأمور به هو القصر فقد سقط‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 344 و ما بعدها.

83

..........

____________

بالامتثال قطعاً، و إن كان هو التمام فهو باقٍ يقيناً، فيستصحب شخص الوجوب المضاف إلى طبيعي الصلاة، فإنّ الحصّة من الطبيعي المتحقّقة في ضمن الفرد تكون ذات إضافتين حقيقيتين، إحداهما إلى الفرد و الأُخرى إلى الطبيعي. فالحصّة من طبيعي الإنسان الموجودة في ضمن زيد تضاف مرّة إلى الفرد فيقال: هذا زيد، و أُخرى إلى الطبيعة فيقال: هذا إنسان، و كلتا الإضافتين على سبيل الحقيقة، و لا يعتبر في استصحاب الكلّي في القسم الثاني أكثر من إضافة الحصّة إلى الطبيعة كما تقرّر في محلّه (1).

و على هذا فالحصّة المتشخّصة من الوجوب الحادثة في الوقت و إن كانت باعتبار إضافتها إلى الفرد مشكوكة الحدوث، لتردّد الحادث بين القصر و التمام حسب الفرض لكنّها بالقياس إلى طبيعي الصلاة متيقّنة الحدوث مشكوكة الارتفاع، فيستصحب بقاؤها بعد تمامية أركان الاستصحاب.

و بهذا البيان يندفع ما قد تكرّر في بعض الكلمات في هذا المقام و أمثاله من المنع عن جريان الاستصحاب لكونه من استصحاب [الفرد] المردّد و لا نقول به إذ لا نعقل معنى صحيحاً لاستصحاب الفرد المردّد، حيث إنّه لا وجود للمردّد خارجاً كي يجري استصحابه أو لا يجري، فانّ الوجود يساوق التشخّص. فكلّ ما وجد في الخارج فهو فرد معيّن مشخّص لا تردّد فيه، غاية الأمر أنّ ذلك الفرد المعيّن قد يكون ممّا نعلمه و قد لا نعلمه، فالتردّد إنّما يكون في أُفق النفس، لا في وجود الفرد خارجاً الذي هو الموضوع للأحكام.

وجه الاندفاع: أنّ المستصحب كما عرفت إنّما هو شخص الوجوب الحادث الذي هو فرد مشخّص معيّن، لكن لا باعتبار إضافته إلى الفرد لعدم العلم به بعد تردّده بين القصر و التمام، بل باعتبار إضافته إلى الطبيعة، و هو بهذا الاعتبار متيقّن الحدوث مشكوك البقاء.

و كيف كان فهذا الاستصحاب و هو من القسم الثاني من استصحاب الكلّي‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 105 و ما بعدها.

84

و لا يجب على الصبيّ إذا لم يبلغ في أثناء الوقت، و لا على المجنون في تمامه مطبقاً كان أو أدوارياً (1).

____________

جارٍ في المقام، و بمقتضاه يحكم ببقاء الوجوب المتعلّق بطبيعي الصلاة، و لا يكاد يحرز فراغ الذمّة عن هذا الواجب إلّا بالإتيان بالطرف الآخر للعلم الإجمالي، فما لم يؤت به كانت الفريضة الشرعيّة الظاهرية الثابتة ببركة الاستصحاب باقية بحالها، فاذا كان الحال كذلك حتّى خرج الوقت فقد فاتته الفريضة الظاهرية وجداناً، من دون حاجة إلى إثبات ذلك بالأصل.

و قد عرفت آنفا أنّ الفوت المأخوذ في موضوع وجوب القضاء أعم من فوت الفريضة الواقعية و الظاهرية. فالمقام نظير ما لو شك في الوقت في الإتيان بالفريضة فوجب عليه ذلك استصحاباً إلّا أنّه لم يصلّ نسياناً أو عصياناً، فإنّه لا إشكال في وجوب القضاء عليه حينئذ مع أنّ فوت الفريضة الواقعية غير محرز، و إنّما المحرز فوت الفريضة الظاهرية الثابتة بمقتضى الاستصحاب، فاذا كان هذا المقدار ممّا يكفي للحكم بوجوب القضاء هناك كفى في المقام أيضاً لوحدة المناط.

و قد تحصّل من ذلك: أنّه لا فرق في وجوب القضاء بين ما إذا كانت الجزئية أو الشرطية ثابتة بدليل شرعي أو بحكومة العقل من باب الاحتياط مع فرض ثبوت المنجّز في الوقت، و أمّا مع حدوثه في خارجه فلا يجب القضاء. و لعلّ هذا كما سبق هو المتسالم عليه بين الأصحاب و خارج عن محلّ الكلام.

[الصبي إذا بلغ و المجنون إذا أفاق]

الصبي إذا بلغ و المجنون إذا أفاق:

(1) للإجماع على عدم وجوب القضاء على الصبي و المجنون، بل قد عدّ ذلك من ضروريات الدين، و عليه فيستدلّ لسقوط القضاء بالإجماع و الضرورة.

و لا يخفى أنّ الأمر و إن كان كذلك، إذ لم يعهد من أحد من الأئمة (عليهم‌

85

..........

____________

السلام) أو غيرهم أمرُ أولادهم بقضاء ما فاتتهم من الصلوات أيّام الصبا، و لا سيما الفائتة منهم في دور الرضاعة. إلّا أنّ ذلك ليس من باب الاستثناء و تخصيص أدلّة وجوب القضاء كي نحتاج في المسألة إلى الاستدلال بالإجماع و الضرورة.

بل الوجه في ذلك خروجها عن موضوع دليل القضاء تخصّصاً و عدم شموله لهما من الأوّل، فإنّ موضوعه كما أُشير إليه في ذيل صحيح زرارة المتقدّم (1) فوت الفريضة و لو أنّها كانت كذلك بالقوة و الشأن لأجل الاقتران بمانع خارجي كالنوم أو النسيان أو الحيض و نحو ذلك يحول دون بلوغ مرحلة الفعلية.

و هذا المعنى غير متحقّق في الصبي و المجنون، لعدم أهليتهما للتكليف، و أنّه لم يوضع عليهما قلم التشريع من الأوّل، فلم يفتهما شي‌ء أبداً. فلا مقتضي و لا موضوع لوجوب القضاء بالإضافة إليهما.

بل الحال كذلك حتّى بناءً على تبعية القضاء للأداء و عدم كونه بأمر جديد إذ لا أمر بالأداء في حقّهما كي يستتبع ذلك الأمر بالقضاء كما هو ظاهر.

و بهذا البيان تظهر صحة الاستدلال للحكم المذكور بحديث «رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى يفيق» (2)، و لا يتوجّه عليه ما أورده المحقّق الهمداني (قدس سره) عليه من أنّ الحديث ناظر إلى سقوط التكليف بالأداء حال الصغر و الجنون، و لا يدلّ على نفي القضاء بعد البلوغ و الإفاقة الذي هو محلّ الكلام، و لا ملازمة بين الأمرين كما في النائم و هو ممّن رفع عنه القلم حتى يستيقظ، حيث يجب عليه القضاء (3).

و ذلك لأنّ الاستدلال إنّما يكون بالمدلول الالتزامي للحديث، فانّ لازم‌

____________

(1) في ص 70.

(2) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 598 السطر 31 مع الهامش.

86

و لا على المغمى عليه في تمامه (1).

____________

ارتفاع قلم الأداء عن الصبي و المجنون هو عدم فوت شي‌ء منهما، فلم يبق موضوع لوجوب القضاء. فهذا الحديث بمثابة المخصّص لأدلّة التكاليف الأولية و يكشف عن اختصاصها بغيرهما، فحيث لا تكليف لهما فلا فوت أيضاً. فالاستدلال بالحديث في محلّه.

[الإغماء المستوعب للوقت]

الإغماء المستوعب للوقت:

(1) على المشهور من عدم وجوب قضاء الصلوات الفائتة حال الإغماء إلّا الصلاة التي أفاق في وقتها و لكن لم يأت بها لنوم أو نسيان أو عصيان، فيجب قضاؤها خاصة، لعدم استناد الفوت حينئذ إلى الإغماء. فالمناط في السقوط هو الإغماء المستوعب لتمام الوقت.

و عن الصدوق (قدس سره) في المقنع وجوب القضاء (1)، و ظاهر كلامه و إن كان هو الوجوب خلافاً للمشهور إلّا أنّه لا يأبىٰ عن الحمل على الاستحباب كما اختاره في الفقيه (2).

و كيف ما كان، فالكلام يقع تارة في ثبوت المقتضي للقضاء، و أُخرى في وجود المانع منه.

أمّا المقتضي: فلا ينبغي الشك في ثبوته، ضرورة عدم كون المغمى عليه بمثابة الصغير و المجنون في الخروج عن أدلّة التكاليف تخصّصاً ذاتياً لأجل فقد الاستعداد و عدم القابلية لتعلّق الخطاب، بل حال الإغماء هو حال النوم، بل لعلّه هو النوم بمرتبته الشديدة، فيكونان مندرجين تحت جامع واحد.

و عليه فكما أنّ النائم تكون له شأنية الخطاب و يصلح لأنّ يتعلّق التكليف‌

____________

(1) المقنع: 122.

(2) الفقيه 1: 237/ ذيل ح 1042.

87

..........

____________

به ذاتاً و يكون واجداً للملاك غير أنّ اقترانه بالمانع و هو النوم يمنع الخطاب عن الفعلية و التنجّز، كما في موارد النسيان و العجز، كذلك المغمى عليه يكون بحسب ذاته صالحاً للخطاب و أهلًا له.

و بهذا الاعتبار صحّ إطلاق الفوت في حقّه، كما في الحائض و النائم و نحوهما فيشمله عموم أدلّة القضاء، لانطباق موضوعها و هو الفوت عليه، فانّ العبرة بفوت الفريضة و لو شأناً و ملاكاً كما في النائم، لا خصوص ما هو فريضة فعلية. فلا قصور إذن من ناحية المقتضي، و إنّما لم يحكم فيه بالقضاء لأجل المانع، و هي الروايات الخاصّة الواردة في المقام كما ستعرفها إن شاء اللّٰه.

و يكشف عمّا ذكرناه التعبير بالفوت في لسان كلتا الطائفتين من الأخبار الواردة في المقام، أعني بهما المثبتة للقضاء و النافية له، إذ لولا ثبوت المقتضي للقضاء و هو صلوحه لأن يتوجّه إليه التكليف بالأداء و لو شأناً لما صحّ إطلاق الفوت في حقّه، لعدم فوت شي‌ء منه أصلًا، كما هو الحال في الصبيّ و المجنون الفاقدين لاستعداد توجّه التكليف إليهما حسبما مرّ. فنفس هذا التعبير خير شاهد على تمامية المقتضي.

و أمّا المانع عن ذلك فهي الروايات المعتبرة المتضمّنة لنفي القضاء، و هي بين مطلق و بين مصرّح باليوم أو أكثر. و لكن بإزائها روايات أُخر معتبرة أيضاً دلّت على وجوب القضاء مطلقاً أو قضاء يوم واحد، أو ثلاثة أيام مطلقاً، أو الثلاثة من شهر فيما إذا استمر الإغماء شهراً واحداً، فهي متعارضة المضمون بين ناف للقضاء و مثبت له على وجه الإطلاق أو التقييد.

أمّا النافية للقضاء فمنها: صحيح الحلبي «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المريض هل يقضي الصلوات إذا أُغمي عليه؟ فقال: لا، إلّا الصلاة التي أفاق فيها» (1).

____________

(1) الوسائل 8: 258/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 1.

88

..........

____________

و خبر معمر بن عمر قال: «سألت أبا جعفر (أبا عبد اللّٰه) (عليه السلام) عن المريض يقضي الصلاة إذا أُغمي عليه؟ قال: لا» (1).

و صحيح أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن المريض يغمى عليه ثم يفيق كيف يقضي صلاته؟ قال: يقضي الصلاة التي أدرك وقتها» (2).

و صحيح علي بن مهزيار قال: «سألته عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب (عليه السلام): لا يقضي الصوم، و لا يقضي الصلاة» (3).

و صحيح أيّوب بن نوح «أنّه كتب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فكتب: لا يقضي الصوم، و لا يقضي الصلاة» (4).

و في الخبرين الأخيرين التصريح باليوم أو أكثر.

و أمّا المثبتة مطلقاً فكصحيح رفاعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن المغمى عليه شهراً ما يقضي من الصلاة؟ قال: يقضيها كلّها، إنّ أمر الصلاة شديد» (5).

و أمّا المفصّلة فمنها: ما دلّ على قضاء اليوم الواحد كصحيح حفص عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن المغمى عليه، قال فقال: يقضي صلاة يوم» (6).

و منها: ما دلّ على القضاء ثلاثة أيام كموثّق سماعة قال: «سألته عن‌

____________

(1) الوسائل 8: 261/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 15.

(2) الوسائل 8: 262/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 17، 18.

(3) الوسائل 8: 262/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 17، 18.

(4) الوسائل 8: 259/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 2.

(5) الوسائل 8: 265/ أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 4.

(6) الوسائل 8: 267/ أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 14.

89

..........

____________

المريض يغمى عليه، قال: إذا جاز عليه ثلاثة أيّام فليس عليه قضاء. و إذا أُغمي عليه ثلاثة أيّام فعليه قضاء الصلاة فيهنّ» (1). فقد دلّت الموثّقة على التفصيل بين ما إذا تجاوز الإغماء عن ثلاثة أيام فلا قضاء عليه أصلًا، و بين عدم التجاوز عن الثلاثة فيجب القضاء.

و منها: ما دلّ على قضاء ثلاثة من الشهر كصحيح أبي بصير قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل أُغمي عليه شهراً أ يقضي شيئاً من صلاته؟ قال: يقضي منها ثلاثة أيّام» (2).

و هذه التفاصيل منافية لما تضمّنته الروايتان المتقدّمتان و هما روايتا ابن مهزيار و أيّوب بن نوح، المصرّحتان بنفي قضاء اليوم الواحد و الأكثر، فتقع المعارضة بينهما في ذلك لا محالة.

هذه هي روايات الباب، و هي كما ترى بين نافية و مثبتة للقضاء مطلقاً أو على وجه التقييد، و قد اختلفت كلمات القوم في وجه الجمع بينها.

فالمشهور هو الجمع بينها بالحمل على الاستحباب، تقديماً للنصّ على الظاهر لصراحة الطائفة الاولى في نفي الوجوب، و ظهور الثانية في الوجوب فيتصرف في الثاني بالحمل على الاستحباب، كما هو الحال في أمثال ذلك من الموارد.

و يؤيّد الجمع المذكور رواية أبي كهمس قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و سئل عن المغمى عليه، أ يقضي ما تركه من الصلاة؟ فقال: أمّا أنا و ولدي و أهلي فنفعل ذلك» (3)، فإنّها ظاهرة في الاستحباب، إذ لو كان الحكم المذكور ثابتاً بنحو الوجوب لم يكن وجه لتخصيصه بنفسه و ولده.

و عن بعضهم الجمع بالحمل على التقيّة، لموافقة الروايات النافية لمذهب العامة.

____________

(1) الوسائل 8: 265/ أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 5.

(2) الوسائل 8: 266/ أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 11، 12.

(3) الوسائل 8: 266/ أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 11، 12.

90

..........

____________

و لكنه كما ترى، فانّ التصرّف في جهة الصدور يتفرّع على استقرار التعارض الموقوف ذلك على امتناع الجمع الدلالي، و إلّا فمع إمكانه بتقديم النصّ على الظاهر كما في المقام، حيث إنّ الحمل على الاستحباب من أنحاء التوفيق العرفي بين الدليلين لا تصل النوبة إلى الحمل على التقية. فالصحيح هو الجمع المشهور.

و أمّا الاختلاف بين الطائفة المثبتة للقضاء من الحكم في بعضها بقضاء يوم و في بعضها الآخر بقضاء ثلاثة أيام، و في ثالث بالقضاء مطلقاً فهو محمول على الاختلاف في مراتب الفضل، فالأفضل هو قضاء جميع الصلوات، و دونه في الفضل قضاء ثلاثة أيام من الشهر فيما لو استمر الإغماء شهراً كاملًا كما هو مورد النصّ و قد تقدّم و دونهما في الفضل قضاء اليوم الذي أُغمي فيه، و بهذا يندفع التنافي المتراءى بين الأخبار.

و أمّا قضاء الصلاة التي أفاق في وقتها ثم تركها لعذر آخر من نوم و نحوه فقد عرفت في صدر البحث وجوبه، و أنّه خارج عن محلّ الكلام، فانّ موضوع الحكم في المقام نصاً و فتوى هو الإغماء المستوعب للوقت، بحيث يستند ترك الأداء إليه دون الترك المستند إلى غير الإغماء.

الإغماء الاختياري:

هل يختص الحكم و هو نفي القضاء بما إذا كان الإغماء قهرياً، أو يعمّ الحاصل بالاختيار و بفعل المكلّف نفسه كما لو شرب شيئاً يستوجب الإغماء عن علم و عمد فأُغمي عليه حتى انقضى الوقت، فهل يسقط القضاء حينئذ إمّا مطلقاً أو في خصوص ما إذا لم يكن على وجه المعصية كما إذا كان مكرهاً أو مضطرّاً في فعله؟ وجوه، بل أقوال، و قد تعرّض الماتن (قدس سره) لذلك في ضمن المسائل الآتية، و لكنّا نقدم البحث عنه هنا لمناسبة المقام فنقول:

لا بدّ من فرض الكلام فيما إذا لم يحصل السبب الاختياري بعد دخول الوقت و تنجّز التكليف، أمّا لو دخل و بعده و لو بمقدار نصف دقيقة، بحيث لم يسعه‌

91

..........

____________

الإتيان بالصلاة فيه فعل باختياره ما يوجب الإغماء، سواء أ كان ذلك على وجه المعصية أم لا، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوب القضاء، فانّ المستفاد من قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... (1) و كذلك الروايات توجّه الخطاب الفعلي و تنجّز التكليف بمجرّد دخول الوقت، فيكون التسبيب منه إلى الإغماء تفويتاً للفريضة المنجّزة، و بذلك يتحقّق الفوت الذي يكون موضوعاً لوجوب القضاء. و لا ينبغي الشك في انصراف نصوص السقوط عن مثل الفرض.

و أوضح منه حالًا ما إذا حصل الإغماء بعد مضي مقدار من الوقت يسعه إيقاع الصلاة فيه، فإنّه لا إشكال حينئذ في وجوب القضاء، كما لا إشكال في خروجه عن محلّ الكلام. فمحطّ البحث ما إذا حصل السبب الاختياري قبل دخول الوقت.

المعروف و المشهور بينهم هو سقوط القضاء، كما في السبب القهري، عملًا بإطلاق النصوص. و لكن قد يدّعى اختصاص الحكم بالثاني و عدم ثبوته في السبب الاختياري، و يستدلّ له بأحد وجهين:

الأوّل: ما يظهر من بعض الكلمات و بنى عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) أخيراً من دعوى انصراف نصوص السقوط إلى الفرد المتعارف من الإغماء و هو الحاصل بالطبع، فلا يعمّ الحاصل بفعله الذي هو فرد نادر (2).

و هذا كما ترى، فانّ الموضوع في نصوص الإغماء صادق على الكلّ، و مجرّد التعارف الخارجي و غلبة الوجود لا يصلح لتوجيه الانصراف كي يمنع عن الإطلاق. و بالجملة: فالانصراف المزبور بدويّ لا يعبأ به، نعم لا يمكن حمل المطلق على الفرد النادر و حصره فيه، و أمّا شموله للأفراد النادرة و المتعارفة معاً فلا قبح فيه و لا استهجان.

____________

(1) الإسراء 17: 78.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 600 السطر 24 601 السطر 2.

92

..........

____________

الثاني: أنّ جملة من نصوص الإغماء قد اشتملت على قوله: كلّ ما غلب اللّٰه عليه فهو أولى بالعذر (1) الذي هو بمنزلة التعليل للحكم. و واضح أنّ العلّة يدور مدارها المعلول وجوداً و عدماً، فيختصّ الحكم بسقوط القضاء بموارد ثبوت العلّة، و هي استناد الإغماء المستوجب لفوت الصلاة في الوقت إلى غلبة اللّٰه و قهره، دون المكلّف نفسه. و بذلك يقيّد الإطلاق في سائر النصوص العارية عن التعليل، عملًا بقانون الإطلاق و التقييد.

بل إنّ صاحب الحدائق (قدس سره) تعدّى عن ذلك فجعل العلّة المذكورة مقيّدة للمطلقات الواردة في باب الحيض و النفاس، فالتزم بثبوت القضاء على الحائض و النفساء إذا حصل العذر بفعلهما، أخذاً بعموم العلة (2).

و عليه فنصوص المقام قاصرة عن شمول السبب الاختياري، فيشمله عموم أدلّة القضاء السالم عن المخصّص.

و اعترض المحقّق الهمداني (رحمه اللّٰه) (3) على هذا الوجه بمنع ظهور التعليل في العلّية المنحصرة المستتبعة للمفهوم حتّى يقيّد به الإطلاق في سائر الأخبار بل القضية الكلّية إنّما سيقت لبيان علّة نفي القضاء عند ترك الواجب في وقته لعذر الإغماء و نحوه من الأعذار الخارجة عن الاختيار، و أنّ العلّة للحكم المذكور هي غلبة اللّٰه.

و أمّا حصر العلّة في ذلك كي يقتضي ثبوت القضاء في غير موردها أعني الإغماء المسبّب عن الاختيار فلا دلالة لها عليه فضلًا عن التعدّي عن المورد إلى سائر المقامات كالحائض و النفساء ممّا لا مساس له بمورد الحكم، إذ لا مفهوم للتعليل المستفاد من تطبيق الكبريات على مصاديقها، فمن الجائز أن يحكم بنفي القضاء في غير مورد العلّة أيضاً بملاك آخر و لعلّه اخرى.

____________

(1) الوسائل 8: 259/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 3، 7 و غيرهما.

(2) الحدائق 11: 12.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 600 السطر 16.

93

..........

____________

فاذن هذه الأخبار المذيّلة بالتعليل و إن لم تشمل السبب الاختياري لكنّها لا تنهض لتقييد المطلقات العارية عن الذيل، فينبغي على هذا الحكم بالعموم في الجميع، عملًا بتلكم المطلقات السليمة عن التقييد لولا دعوى الانصراف التي اعتمد عليها (قدس سره) كما مرّ.

أقول: ما أفاده (قدس سره) من عدم دلالة التعليل على السببية المنحصرة و إن كان صحيحاً، فلا ينعقد للقضية مفهوم بالمعنى المصطلح كما في الشرط و نحوه، فلا ينافي ثبوت الحكم في غير مورد العلّة بمناط آخر كاحترام شهر رمضان مثلًا (1) لكن لا ينبغي الشك في دلالته على أنّ طبيعي الإغماء لا يكون بنفسه موضوعاً لنفي القضاء، و إلّا لكان التعليل بغلبة اللّٰه من اللغو الظاهر، فاذا ورد دليل آخر تضمّن التصريح بأنّ موضوع الحكم هو الطبيعي على إطلاقه و سريانه كان معارضاً لهذا الدليل لا محالة.

و بعبارة اخرى: أنّ حيثية الإغماء ذاتية بالإضافة إلى الإغماء نفسه، و حيثية استناده إلى غلبة اللّٰه سبحانه حيثية عرضية، فلو كان المقتضي لنفي القضاء هو طبيعي الإغماء أعني الحيثية الذاتية لم يحسن العدول عنه في مقام التعليل إلى الجهة العرضية. فإذا فرضنا أنّ العالم يجب إكرامه لذاته لم يحسن حينئذ تعليل الوجوب المذكور بأنّه شيخ أو هاشمي أو من أهل البلد الفلاني و نحو ذلك.

فاذا بنينا على دلالة النصوص المذكورة على أنّ العلّة في نفي القضاء عن المغمى عليه هي غلبة اللّٰه في الوقت كما هو المفروض فطبعاً نستكشف من ذلك أنّ طبيعي الإغماء بذاته لا يستوجب نفي القضاء، فإنّه و إن احتمل وجود علّة أُخرى للنفي أيضاً لما عرفت من عدم ظهور التعليل في الانحصار لكن ظهوره في عدم ترتّب الحكم على الطبيعي غير قابل للإنكار، فلا محيص من رفع اليد عن المطلقات لأجل هذه النصوص الدالّة على أنّ الموجب لنفي القضاء‌

____________

(1) [لعلّ المذكور لا يتناسب مع المورد، لأنّ المورد هو عدم القضاء لا القضاء].

94

و لا على الكافر الأصلي إذا أسلم بعد خروج الوقت بالنسبة إلى ما فات منه حال كفره (1).

____________

إنّما هي غلبة اللّٰه تعالى.

و الصحيح في الجواب عن الوجه المذكور هو ما أشرنا إليه سابقاً (1) من عدم وجود نصّ صحيح يدلّ على التعليل و يتضمّن الملازمة بين غلبة اللّٰه في الوقت و نفي القضاء، لضعف الروايات التي استدلّ بها لذلك سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو، فانّ عمدتها رواية الصدوق (رحمه اللّٰه) عن الفضل بن شاذان (2)، و هي ضعيفة السند و إن عبّر عنها المحقّق الهمداني (3) و صاحب الحدائق (4) (قدس سرهما) بالصحيحة، و ذلك لضعف سند الصدوق (رحمه اللّٰه) إلى الفضل بكلا طريقيه كما مرّت الإشارة إليه.

فالجواب الحقّ هو إنكار وجود النصّ الصحيح الدالّ على ذلك، فتبقى المطلقات سليمة عن المقيّد، و إلّا فمع الاعتراف به لا مناص من التقييد كما عرفت.

فتحصّل من ذلك: أنّ الأقوى نفي القضاء عن المغمى عليه مطلقاً، سواء أ كان ذلك بفعله أم كان بغلبة اللّٰه و قهره كما عليه المشهور، عملًا بالمطلقات السالمة عن المقيّد.

الكافر إذا أسلم:

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال، و قد استدلّ له بالإجماع و الضرورة. و الأمر‌

____________

(1) في ص 73.

(2) الوسائل 8: 260/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 7، علل الشرائع: 271، و قد تقدّمت في ص 74.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 599 السطر 23.

(4) الحدائق 11: 5.

95

..........

____________

و إن كان كذلك، إذ لم يعهد من أحد ممّن أسلم زمان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و كذا في زمن المتصدّين للخلافة بعده إلى زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) و من بعده أنّه أُمر بقضاء ما فاته في زمن الكفر، و لو كان ذلك ثابتاً لظهر و بان و لنقل إلينا بطبيعة الحال.

إلّا أنّ التمسك بالإجماع و الضرورة هو فرع ثبوت المقتضي، بأن يكون مقتضى القاعدة هو وجوب القضاء كي يخرج عنها في الكافر بهذين الدليلين و لا ريب في أنّ تمامية المقتضي يبتني على الالتزام بتكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول، كما عليه المشهور، و أمّا بناءً على ما هو الصحيح من عدم تكليفهم بذلك فلا وجه للاستدلال بهما.

و يشهد لما ذكرناه ما ورد من أنّ الناس يؤمرون بالإسلام ثمّ بالولاية (1)، فإنّ ظاهر العطف ب‍ «ثمّ» هو عدم تعلّق الأمر بالولاية إلّا بعد الإسلام، فإذا كان هذا هو الحال في الولاية و هي من أعظم الواجبات و أهمّ الفروع، بل إنّه لا يقبل عمل بدونها كما ورد في غير واحد من النصوص (2) فما ظنّك بما عداها من سائر الواجبات كالصلاة و الصيام و نحوهما.

و يؤكّده أنّه لم يعهد من النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) مطالبة من أسلم بدفع زكاة المال أو الفطرة و نحوهما من الحقوق الفائتة حال الكفر.

و عليه فلا تصل النوبة في المقام إلى الاستدلال لنفي القضاء بالأمرين المتقدّمين، بل إنّما يعلّل نفي القضاء بقصور المقتضي حتى و لو لم يكن هناك إجماع و لا ضرورة، فإنّ المقتضي للقضاء إنّما هو الفوت، و لا فوت هنا أصلًا بعد عدم ثبوت التكليف في حقّه من أصله، فلم يفته شي‌ء كي يتحقّق بذلك موضوع القضاء، إذ لا تكليف له حال الكفر إلّا بالإسلام فقط.

و فوت الملاك و إن كان كافياً في ثبوت القضاء إلّا أنّه لا طريق لنا إلى‌

____________

(1) [لم نعثر عليه، نعم ذكر مضمونه في الكافي 1: 180/ 3].

(2) الوسائل 1: 118/ أبواب مقدمة العبادات ب 29.

96

..........

____________

إحرازه إلّا من ناحية الأمر أو الدليل الخاص القاضي بالقضاء، ليستكشف منه تمامية الملاك كما في النائم، و المفروض هو انتفاء كلا الأمرين في المقام، و لا غرو في قصور الملاك و عدم تعلّق الخطاب به حال الكفر، فإنّه لأجل خسّته و دناءته، و كونه في نظر الإسلام كالبهيمة، و في منطق القرآن الكريم أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ... (1)، و من هنا ورد في بعض النصوص و إن كانت الرواية غير معمول بها أنّ عورة الكافر كعورة الحمار (2).

و الحاصل: أنّه لأجل اتّصافه بالكفر لا يليق بالاعتناء، و لا يستحقّ الخطاب، فليست له أهلية التكليف، فهو كالصبيّ و المجنون و الحيوان بنظر الشرع، فلا مقتضي للتكليف بالنسبة إليه. و سيظهر لذلك أعني استناد نفي القضاء إلى قصور المقتضي دون وجود المانع ثمرة مهمّة في بعض الفروع الآتية إن شاء اللّٰه.

تكليف الكفّار بالفروع:

لا يخفي عليك أنّ محلّ الكلام في تكليف الكفّار بالفروع إنّما هي الأحكام المختصّة بالإسلام، و أمّا المستقلات العقلية التي يشترك فيها جميع أرباب الشرائع كحرمة القتل و قبح الظلم و أكل مال الناس عدواناً فلا إشكال كما لا كلام في تكليفهم بها.

فما في الحدائق (3) من الاستدلال لتكليف الكفّار بالفروع بقوله تعالى وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (4) ليس كما ينبغي، لكونه خروجاً عمّا هو محلّ الكلام.

____________

(1) الأعراف 7: 179.

(2) الوسائل 2: 35/ أبواب آداب الحمام ب 6 ح 1.

(3) [لم نعثر عليه. ثم إنّ صاحب الحدائق (قدس سره) ممن يرى عدم تكليف الكفار بالعبادات، راجع الحدائق 3: 39، 6: 281].

(4) التكوير 81: 8 9.

97

..........

____________

كما أنّ استدلاله لذلك (1) و قد تبعه على ذلك في الجواهر (2) أيضاً بقوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ ... (3) في غير محلّه، إذ المراد بالموصول في الآية هو ذنب الكفر، لا ترك الفروع كي يدلّ على تكليفهم بها كما لا يخفى. و لتحقيق الكلام محلّ آخر لا يسعه المقام.

ثمّ إنّه ربما يستدلّ لنفي القضاء عن الكافر كما عن صاحبي الحدائق (4) و الجواهر (5) (قدس سرهما) و غيرهما بحديث الجب، و هو النبويّ المشهور: «الإسلام يجبّ ما قبله و يهدم»، بل قد اشتهر الاستدلال بذلك في كلام غير واحد من المتأخّرين.

لكنّ الحديث ضعيف السند جدّاً، فانّا لم نظفر عليه من طرقنا عدا ما رواه في عوالي اللئالي مرسلًا عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «الإسلام يجبّ ما قبله» (6). و لكن ضعفه ظاهر.

إذ مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال، قد ناقش في الكتاب و في مؤلّفه من ليس من دأبه ذلك كصاحب الحدائق (قدس سره) (7).

و ما رواه ابن شهرآشوب (قدس سره) مرسلًا في المناقب في من طلّق زوجته في الشرك تطليقة و في الإسلام تطليقتين، قال علي (عليه السلام): «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة» (8).

____________

(1) لاحظ الحدائق 6: 281، 11: 3.

(2) لاحظ الجواهر 15: 62.

(3) الأنفال 8: 38.

(4) الحدائق 11: 3.

(5) الجواهر 13: 6.

(6) المستدرك 7: 448/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 15 ح 2، عوالي اللئالي 2: 54/ 145.

(7) الحدائق 1: 99.

(8) البحار 40: 230، المناقب 2: 364.

98

..........

____________

و هو مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال قاصر الدلالة، لعدم اشتماله على عموم أو إطلاق يستدلّ به للمقام، فانّ المراد بالموصول بقرينة صدر الرواية و ذيلها إنّما هو خصوص الطلاق الواقع حال الشرك، لا كلّ فعل أو ترك صدر منه، و أنّ ذلك بعد إسلامه يفرض بحكم العدم، و إن كان ممّا يعتنى به لو كان باقياً على شركه عملًا بقوله (عليه السلام): لكلّ قوم نكاح (1)، و لكنّه حينما أسلم فلا يعتدّ إلّا بالتطليقتين الواقعتين حال إسلامه، و أنّ تمام الثلاث يتوقّف على تطليقة أُخرى. و هذا هو المراد بقوله: «هي عندك على واحدة».

و دعوى انجبار ضعف السند بعمل المشهور ساقطة جدّاً، لعدم احتمال استناد المشهور إلى هذا الحديث المروي في كتاب المناقب بعد عدم تعرّض قدماء الأصحاب (قدس سرهم) لذكره، و إنّما حدث الاستدلال به على ألسنة المتأخّرين. و العبرة في الجبر بعمل القدماء كما لا يخفى، هذا بالإضافة إلى المناقشة في أصل الانجبار كبروياً، فإنّها غير ثابتة كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك مراراً.

و ما رواه علي بن إبراهيم القمّي في تفسير قوله تعالى وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا ... (2) عن أمّ سلمة في حديث: «أنّها قالت لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في فتح مكة: بأبي أنت و أُمي يا رسول اللّٰه، سعد بك جميع الناس إلّا أخي من بين قريش و العرب، و رددت إسلامه، و قبلت إسلام الناس كلّهم، فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): يا أُمّ سلمة، إنّ أخاك كذّبني تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس، هو الذي قال لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... إلى قوله كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ قالت: بأبي أنت و أُمي يا رسول اللّٰه، أ لم تقل: إنّ الإسلام يجبّ ما قبله؟ قال: نعم، فقبل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إسلامه» (3).

____________

(1) الوسائل 21: 199/ أبواب نكاح العبيد و الإماء ب 83 ح 2.

(2) الإسراء 17: 90.

(3) المستدرك 7: 448/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 15 ح 3، تفسير القمي 2: 27.

99

..........

____________

لكنّ الحديث مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال مقطوع البطلان، فإنّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أجلّ شأناً من أن لا يعمل بما قاله، أو يعرضه النسيان حتّى تؤاخذه على ذلك أُمّ سلمة فيعدل آن ذاك عمّا فعله أوّلًا و يقبل إسلام أخي أُمّ سلمة.

بل إنّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إمّا لم يصدر منه هذا الكلام، أو أنّه كان يقبل إسلام الرجل، لأنّ الوظيفة المقرّرة في الشريعة إن كانت قبول الإسلام فلا محالة كان النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لا يحيد عنها أيضاً فكان يقبل إسلام الرجل، و إلّا لم يكن ليقبل إسلام أحد، من دون أن تصل النوبة إلى شفاعة أحد كأُمّ سلمة و أضرابها.

فهذا الحديث ممّا لا نحتمل صدقه، و لم نظفر من طرقنا على ما سوى هذه الروايات البالغة غاية الضعف. و دعوى الانجبار ممنوعة صغرى و كبرى كما مرّ.

فلا ينبغي الالتفات إلى هذه الأحاديث و التكلّم في مدى دلالتها سعة و ضيقاً لعدم صلاحيتها للاستناد إليها في شي‌ء من الأحكام بعد ما عرفت حال أسنادها من الضعف. فحديث الجبّ على هذا ممّا لا أساس له، و لا يستحقّ البحث حوله.

كلام صاحب المدارك:

ثمّ إنّ صاحب المدارك (قدس سره) (1) بعد ما تعرّض لمسألة سقوط القضاء عن الكافر إذا أسلم قال: إنّ هذا يستدعي أن لا يكون الكافر مكلّفاً بالقضاء لا أنّه يكون مكلّفاً به و يسقط التكليف عنه بإسلامه، و عليه فلو بنينا على تكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول كان اللازم استثناء الفرع المذكور فانّ البناء على سقوط القضاء بالإسلام يستلزم عدم تكليف الكفّار بالقضاء حال كفرهم.

____________

(1) المدارك 4: 289.

100

..........

____________

و الوجه في ذلك: أنّ التمكّن من القضاء غير ثابت في شي‌ء من الأحوال لا في حال الكفر و لا في حال الإسلام، فإنّه بعد الإسلام لا يجب القضاء عليه على الفرض، و في حال كفره لا يتمكّن من الامتثال لبطلان عمله، فكيف يؤمر بالقضاء مع كونه تكليفاً بما لا يطاق؟

و هذا الكلام متين جدّاً، لاستحالة الأمر بالقضاء، من جهة العجز عن الامتثال في كلتا الحالتين كما ذكره (قدس سره).

و ما ذكره بعضهم من جواز تكليف الكافر بالقضاء و فائدته تسجيل العقوبة عليه فهو من عجائب الكلمات التي لا ينبغي الإصغاء إليها، لعدم تماميته على مسلك العدلية، و إلّا لصحّ التكليف بالطيران إلى السماء تسجيلًا للعقوبة على تركه، و هو كما ترى.

و قد تصدّى بعض الأكابر (قدس سره) (1) لتصحيح الأمر بالقضاء في حال الكفر بما حاصله: أنّ الأمر المذكور و إن كان ممتنعاً بعد خروج الوقت الذي هو حال القضاء إلّا أنّه ممكن في حال الأداء و قبل انقضاء الوقت، فيؤمر في الوقت أوّلًا بالإسلام و بالصلاة المشروطة بالإسلام أداءً، كما و يؤمر في نفس الحال بالقضاء على تقدير الترك، فيقال له: أسلم، و إذا أسلمت أدّ الصلاة، و إن لم تفعل فاقضها. فكما أنّه يكون مأموراً في الوقت بالأداء أمراً فعلياً كذلك يكون في ذلك الحين مأموراً بالقضاء أمراً فعلياً على تقدير الترك.

و المفروض قدرته على الامتثال، بأن يسلم فيصلّي أداءً، و على تقدير الترك قضاء، و لكنّه بسوء اختياره فوّت على نفسه كلا الأمرين، فلم يسلم و لم يصلّ لا في الوقت و لا في خارجه. فترك القضاء و عدم القدرة عليه ممّا يستند إلى اختياره، حيث إنّه لم يسلم في الوقت، فيصحّ عقابه على ترك القضاء كما صحّ عقابه على ترك الأداء، نظراً إلى استناد كلا الأمرين إلى اختياره، و ذلك لأجل‌

____________

(1) المحقّق آقا ضياء الدين العراقي (قدس سره) في شرح تبصرة المتعلمين 1: 186.

101

..........

____________

عدم اختياره الإسلام في الوقت.

و يندفع: بأنّ الأمر بالأداء قبل انقضاء الوقت و إن صحّ بناء على تكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول، فيعاقب على تركه لأجل قدرته على الامتثال باختياره الإسلام، إلّا أنّ الأمر بالقضاء قبل انقضاء الوقت ليس كذلك.

إذ لو أُريد به الأمر الإنشائي المجعول على نحو القضية الحقيقية للموضوع المفروض وجوده، الثابت ذلك في حقّ كلّ مكلف كجعل وجوب القضاء على تقدير الفوت، و وجوب الحج على تقدير الاستطاعة و نحو ذلك، فواضح أنّ مثل هذا الأمر لا أثر له.

و إن أُريد به الأمر الفعلي فهو غير ثابت في الوقت جزماً، إذ فعليته بفعلية موضوعه و هو الفوت، و لا فوت قبل انقضاء الوقت، فلا موضوع للقضاء ما دام الوقت باقياً، فلا أمر به حينئذ إلّا بنحو القضية الشرطية و على سبيل الفرض و التقدير، و قد عرفت أنّه لا أثر له ما لم يتحقّق ذلك التقدير خارجاً و المفروض أنّ هذا التقدير غير محقّق بالإضافة إلى الكافر، حيث لا قضاء عليه بعد خروج الوقت كما مرّ.

و على الجملة: فهو أثناء الوقت غير مأمور بالقضاء إلّا بالأمر المشروط و الشرط غير متحقّق في الكافر إذا أسلم على الفرض. فلا معنى للأمر بالقضاء قبل الوقت، و لا موضوع له بعده.

نعم، لو فرض قيام الإجماع على أنّ الكافر يعاقب على ترك القضاء كما يعاقب على ترك سائر الواجبات أمكن توجيهه بأنّ هناك مصلحة إلزامية في الوقت دعت المولى إلى الأمر بالأداء، و يشترك في هذا الأمر كلّ من المسلم و الكافر، لأنّ كليهما مأمور بالأداء، للقدرة على الامتثال بأن يسلم الكافر و يصلّي، و بعد خروج الوقت تحدث مصلحة إلزامية أقوى تدعو إلى الأمر بالقضاء خارج الوقت، و هذا الملاك الحادث مشترك فيه أيضاً بين المسلم‌

102

و لا على الحائض و النفساء مع استيعاب الوقت (1).

[مسائل]

[مسألة 1: إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت وجب عليهم الأداء]

[1777] مسألة 1: إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت وجب عليهم الأداء (2) و إن لم يدركوا إلّا مقدار ركعة من الوقت، و مع الترك يجب عليهم القضاء، و كذا الحائض و النفساء [1] إذا زال عذرهما قبل خروج الوقت و لو بمقدار ركعة. كما أنّه إذا طرأ الجنون أو الإغماء أو الحيض أو النفاس بعد مضي مقدار صلاة المختار بحسب حالهم من السفر و الحضر و الوضوء و التيمم و لم يأتوا بالصلاة وجب عليهم القضاء كما تقدّم في المواقيت.

____________

و الكافر، لكنّ الكافر لا يتمكّن من استيفائه من جهة كفره، فيكون قد فوّته هو على نفسه من جهة عدم اختياره الإسلام في الوقت.

و حينئذ فإن أسلم بعد الوقت فقد تدارك الملاك المذكور بالإسلام فلا قضاء عليه، و أمّا إذا لم يسلم كان قد فوّت الملاك المذكور على نفسه، و كان الفوت حينئذ مستنداً إلى اختياره فصحّ عقابه عليه.

و على الجملة: فالأمر بالقضاء و إن لم يمكن في حقّه و لكنّه حيث فوّت هذا الملاك على نفسه اختياراً صحّ عقابه، لاندراجه تحت كبرى الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

حكم الحائض و النفساء:

(1) تقدّم الكلام عن ذلك و ما يترتّب عليه من الفروع مستقصى في مبحث الحيض (1) فلا نعيد.

(2) بلا إشكال، لعموم دليل التكليف بالصلاة، فإنّ الخارج عنه خصوص‌

____________

[1] على ما مرّ [في المسألة 775].

____________

(1) شرح العروة 7: 428 و ما بعدها.

103

..........

____________

صورة استيعاب الأعذار المذكورة الوقت بتمامه، بحيث يكون الترك مستنداً إلى العذر، فاذا لم يستند إليه لفرض عدم الاستيعاب لزمه الأداء، و مع تركه وجب القضاء بطبيعة الحال.

هذا فيما إذا ارتفع العذر و قد بقي من الوقت مقدار يسع الفريضة بتمامها، و أمّا إذا لم يبق منه ما يسعها فيشكل ثبوت الأداء فضلًا عن القضاء، لامتناع تعلّق التكليف بعمل في وقت لا يسعه.

لكنّ الإشكال يختصّ بما إذا لم يبق من الوقت حتّى بمقدار ركعة، و أمّا إذا بقي منه بالمقدار المذكور فقد حكم جماعة منهم المصنّف (قدس سره) بثبوت القضاء حينئذ، فضلًا عن الأداء، تمسكاً بحديث «من أدرك ...» (1).

و قد ذكرنا في بحث المواقيت أنّ الحديث المزبور ورد بعدّة طرق كلّها ضعيفة السند ما عدا رواية واحدة وردت في صلاة الغداة (2)، و بضميمة القطع بعدم الفرق بينها و بين بقية الصلوات يثبت الحكم في جميع الفرائض اليومية (3). و عليه فلا مجال للإشكال في تمامية القاعدة و لا في انطباقها على المقام، فاذا حصل البلوغ أو الإفاقة من الجنون، أو ارتفع الإغماء، أو انقطع الدم، أو أسلم الكافر و قد بقي من الوقت بمقدار ركعة توجّه التكليف بالأداء ببركة الحديث المذكور، و مع الفوت وجب القضاء عملًا بإطلاق دليله.

نعم، ربما يشكل الأمر في تطبيقها على المقام، بدعوى اختصاص الحديث بما إذا كان الوقت في حدّ ذاته واسعاً و صالحاً لتوجّه التكليف فيه سوى أنّ المكلف لم يدرك منه إلّا بمقدار ركعة لمسامحته في الامتثال أو لغير ذلك.

و أمّا إذا كان الوقت في حدّ ذاته ضيّقاً لا يسع الفعل كما في المقام فإنّه قبل ارتفاع العذر لا تكليف على الفرض فلا عبرة بالسعة في ذلك، و بعد ارتفاعه لا‌

____________

(1) الوسائل 4: 217/ أبواب المواقيت ب 30.

(2) الوسائل 4: 217/ أبواب المواقيت ب 30 ح 1.

(3) شرح العروة 11: 232.

104

..........

____________

يسع الزمان لوقوع العمل لقصوره طبعاً، لا لأجل عدم إدراك المكلّف منه إلّا ذلك المقدار فلا مجال للاستناد إلى الحديث فيه.

و حينئذ فيشكل الأمر في الأداء فضلًا عن القضاء، لامتناع تعلّق التكليف بعمل في زمان أقصر منه و أقل، فإنّه من التكليف بما لا يطاق.

و فيه أوّلًا: أنّ الإشكال لو تمّ فإنّما يتمّ في مثل الصبيّ و نحوه، دون الكافر بناءً على المشهور من تكليفه بالفروع كالأُصول، فإنّه على هذا كان مكلّفاً بالصلاة من أوّل الزوال، و كان متمكّناً من امتثاله بالإسلام.

و معلوم أنّ المقدور بالواسطة مقدور، فالوقت بالإضافة إليه يكون واسعاً في حدّ ذاته غير أنّه بسوء اختياره فوّت التكليف على نفسه حيث أسلم في آخر الوقت، فيصدق في حقّه أنّه لم يدرك من الوقت إلّا ركعة، فليس التكليف بالإضافة إليه ممّا لا يطاق.

و ثانياً: أنّه لا يتمّ مطلقاً حتّى في مثل الصبيّ و نحوه، و ذلك لأنّا تارة نفرض القصور الذاتي في طبيعة الوقت كما لو فرضنا أنّ بعض نقاط الأرض يقصر فيه الزمان الفاصل بين زوال الشمس و غروبها بحيث لا يسع الإتيان بأربع ركعات أو أنّ ما بين الطلوعين فيه لا يسع الإتيان بركعتين، ففي مثله يتّجه الإشكال فيقال بامتناع تعلّق التكليف بالعمل في زمان لا يسعه، فلا يصدق في حقّه حينئذ أنّ المكلّف لم يدرك من الوقت إلّا ركعة، فإنّه في حدّ ذاته ليس أكثر من هذا المقدار.

و أُخرى نفرض أنّه لا قصور في الوقت بحسب الذات لامتداده بحسب طبعه، غير أنّ المكلّف لأجل بعض العوارض و الملابسات كالصغر و الجنون و الإغماء و الحيض و الكفر بناءً على عدم تكليف الكافر بالفروع حرم من إدراك الوقت المذكور إلّا بمقدار لا يسع تمام العمل، ففي أمثال هذه الموارد إذا ارتفع العذر في وقت لم يسع إلّا مقدار ركعة يصدق عليه حينئذ أنّه لم يدرك الوقت كلّه و إنّما أدرك بعضه، لأنّ المانع إنّما تحقّق من ناحية العبد لا من ناحية الوقت.

105

[مسألة 2: إذا أسلم الكافر قبل خروج الوقت و لو بمقدار ركعة و لم يصلّ]

[1778] مسألة 2: إذا أسلم الكافر قبل خروج الوقت و لو بمقدار ركعة و لم يصلّ وجب عليه قضاؤها (1).

[مسألة 3: لا فرق في سقوط القضاء عن المجنون و الحائض و النفساء بين أن يكون العذر قهرياً]

[1779] مسألة 3: لا فرق في سقوط القضاء عن المجنون و الحائض و النفساء بين أن يكون العذر قهرياً أو حاصلًا من فعلهم و اختيارهم، بل و كذا في المغمى عليه، و إن كان الأحوط القضاء عليه [1] إذا كان من فعله، خصوصاً إذا كان على وجه المعصية، بل الأحوط قضاء جميع ما فاته مطلقاً (2).

____________

و على الجملة: لا نرى أيّ مانع من شمول الحديث للمقام، لانطباق موضوعه عليه، و بعد الشمول المقتضي للتوسعة في الوقت و لو تعبّداً يخرج التكليف عن كونه تكليفاً بما لا يطاق، لفرض قدرته حينئذ علىٰ الامتثال لكن في الوقت الثانوي المضروب له بمقتضىٰ الحديث، فيتّجه الأمر بالأداء، و على تقدير الفوت يثبت عليه القضاء أيضا.

(1) كما تقدّم آنفا.

العذر الاختياري و القهري:

(2) قد تقدّم حكم المغمىٰ عليه (1). و هل الحال كذلك في الحائض و النفساء و المجنون؟ فلو شربت المرأة دواء فحاضت أو نفست بإسقاط جنينها، أو فعل المكلّف ما أوجب الجنون فهل يحكم بوجوب القضاء أو لا؟

أمّا الجنون: فيختلف الحكم فيه باختلاف المباني، فانّ المستند لسقوط القضاء عنه إن كان هو الإجماع و الضرورة و الإجماع دليل لبيّ فلا بدّ من الاقتصار على‌

____________

[1] هذا الاحتياط لا يترك.

____________

(1) في ص 86.

106

..........

____________

المقدار المتيقّن به، و هو ما إذا لم يكن حاصلًا باختياره، إذ لم يحرز الإجماع على أكثر من ذلك، فيشمله عموم أدلّة القضاء السالم عن المخصّص فيما عدا المقدار المتيقّن به.

و أمّا بناءً على المبنى الآخر و هو الصحيح من قصور المقتضي و عدم تحقّق موضوع القضاء و هو الفوت، لاختصاص التكليف في الوقت بمقتضى حديث الرفع، الذي هو بمثابة المخصّص لأدلّة التكاليف بغير المجنون، فيكون عدم وجوب القضاء حينئذ على طبق القاعدة، كما هو الحال في الصبي، بلا فرق فيه بين قسمي الجنون، لإطلاق الحديث.

و دعوى أنّ صدق الفوت لا يتوقّف على التكليف الفعلي، بل تحقّق التكليف الشأني كافٍ في ذلك كما في النائم، حيث ردف مع المجنون في حديث الرفع.

غير مسموعة لكون القياس مع الفارق، فانّ ثبوت القضاء في حقّ النائم إنّما هو لدليل خارجي خاص، و قد استكشفنا منه تمامية الملاك في حقّه و كونه قابلًا للتكليف و لو شأناً، إلّا أنّه لم يقع مورداً للتكليف الفعلي بالأداء في الوقت، لأجل عجزه الناشئ عن نومه، لا لقصور في ناحية الملاك.

و لكن من أين لنا استكشاف مثل ذلك في المجنون، و لعلّه مثل الصبي الذي لا مقتضي للتكليف في حقّه و يكون فاقداً للملاك رأساً، إذ لا طريق لنا إلى استكشافه إلّا من ناحية قيام الدليل الخارجي كما في النائم، و هو مفقود في المقام.

و أمّا الحيض و النفاس:

فالأمر فيهما أوضح حالًا منه في الجنون، فانّ عدم تكليف الحائض و النفساء بالأداء ليس هو من باب العجز كما في المجنون بل هو من باب التخصيص، و بعد ورود التخصيص الكاشف عن عدم توجّه التكليف إليهما رأساً كيف يمكننا إحراز الفوت الذي هو الموضوع لوجوب القضاء؟ و لا شكّ‌