موسوعة الإمام الخوئي - ج16

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
304 /
107

[مسألة 4: المرتد يجب عليه قضاء ما فات أيّام ردّته بعد عودته إلى الإسلام]

[1780] مسألة 4: المرتد يجب عليه قضاء ما فات أيّام ردّته بعد عودته إلى الإسلام، سواء كان عن ملّة أو فطرة (1).

____________

في أنّ دليل المخصّص بإطلاقه يعمّ الحالتين، أي حالة كون الحيض و النفاس بالاختيار و عدم كونهما كذلك.

فلا فرق في سقوط القضاء في موارد الحيض و النفاس و الجنون بين الحالتين حتّى و لو قلنا باختصاص الحكم في المغمى عليه بما إذا كان ذلك بقهر اللّٰه و غلبته إذ لا ملازمة بين المقامين، فانّ التعليل بغلبة اللّٰه إنّما ورد في الإغماء، فهو إذن حكم في مورد خاص، فلا مجال للتعدّي.

حكم المرتدّ إذا عاد:

(1) لا ينبغي الإشكال في تكليف المرتد بكلا قسميه بالفروع كالأُصول و ما ذكرناه في الكافر الأصلي غير جار هنا، بل قد ورد أنّ المرأة تضرب أوقات الصلوات (1). فلا دليل على سقوط التكليف بعد شمول الإطلاقات له و إذا كان المرتدّ مأموراً بالصلاة في الوقت كسائر الواجبات فمع تركه لها يصدق الفوت، فيتحقّق موضوع القضاء لا محالة.

و لا دليل على سقوطه في المقام، فانّ دليل السقوط عن الكافر إن كان هي السيرة القطعية فمعلوم أنّ السيرة غير متحقّقة هنا، فانّ المرتدّ الملّي و هو المسبوق بالكفر كان يقتل في زمن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بعد الاستتابة، و أمّا الفطري فلم يعهد في عصره (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، فكيف يمكن دعوى قيام السيرة على نفي القضاء عنه؟

و إن كان حديثَ الجبّ (2) فكذلك، إذ ظاهر الحديث أنّ الإسلام يجبّ ما‌

____________

(1) الوسائل 28: 330/ كتاب الحدود و التعزيرات ب 4 ح 1.

(2) المتقدّم في ص 97.

108

و تصحّ منه و إن كان عن فطرة على الأصح (1).

____________

قبله إذا كان السابق على الإسلام بتمامه كفراً، لا أنّ بعضه كان كفراً و بعضه كان إسلاماً.

و إن كان هو قصورَ المقتضي لأجل عدم تكليفه بالفروع و هو الذي اعتمدنا عليه، و استظهرناه ممّا دلّ على أنّ الناس يؤمرون بالإسلام ثمّ بالولاية (1) فمن الواضح عدم جريانه في المقام.

أمّا أوّلًا: فلأنّ مقتضى إطلاق الدليل المذكور هو أنّه بعد تحقّق الإسلام و لو آناً ما يؤمر بالولاية، و كذا سائر الفروع مطلقاً، سواء أحصل الارتداد بعد ذلك أم لا. فهو على ثبوت القضاء عليه أدلّ.

و ثانياً: مع الغضّ عن ذلك فالمرتدّ غير مشمول للدليل المذكور بعد أن كان محكوماً عليه بأنّه يقتل و تبين منه زوجته و تقسّم أمواله، فإنّ الرواية تنظر إلى الكافر الأصلي فقط، و منصرفة عن مثل المقام ممّن هو محكوم بالقتل.

و على الجملة: فالدليل على السقوط في المقام مفقود، و الإطلاقات و العمومات فيه محكّمة لكونها شاملة للمرتدّ كالمسلم. فلا فرق بينهما في وجوب الأداء و القضاء.

(1) على ما تقدّم البحث حول ذلك مستوفى في كتاب الطهارة (2) حيث قلنا: إنّه لا إشكال في قبول توبة المرتد إذا كان امرأة، و أمّا إذا كان رجلًا فقبول توبته واقعاً أي بينه و بين ربّه ممّا لا يعنينا البحث عنه، و أمّا ظاهراً فبالنسبة إلىٰ الأحكام الخاصّة كالقتل و بينونة الزوجة و تقسيم أمواله فهي لا تقبل جزماً، بنصّ الروايات الدالة على ذلك.

و أمّا بالنسبة إلى ما عداها من الأحكام عند فرض عدم قتله و بقائه حياً كما في أمثال زماننا هذا فهل تقبل توبته و يعامل معه معاملة المسلمين أو لا؟

____________

(1) المتقدّم في ص 95.

(2) شرح العروة 4: 199.

109

[مسألة 5: يجب على المخالف قضاء ما فات منه]

[1781] مسألة 5: يجب على المخالف قضاء ما فات منه (1).

____________

الظاهر هو ذلك، بل لا ينبغي الشكّ فيه، لعدم الشكّ في تكليفه بالصلاة أداءً، حيث لا يحتمل في حقّه استثناؤه من حكم سائر المكلفين حتّى يمتاز عنهم بسقوط الصلاة عنه. فاذا كان مكلّفاً بالصلاة و كان مسلماً ترتّب عليه سائر الأحكام من طهارة البدن و نحوها، و منها وجوب القضاء.

و بكلمة اخرى: يدور الأمر في المقام بين أن تقبل توبته ظاهراً فيصلّي و يصوم و يحكم بطهارة بدنه، و هكذا تجري عليه كافّة أحكام الإسلام، و بين أن يقال بعدم قبول توبته و سقوط التكليف عنه و بقائه على حكم الكفر، لا يقبل شي‌ء من عباداته. و حيث لا يمكن الالتزام بالثاني، بل لعلّه خلاف المقطوع به فلا جرم يتعيّن الأوّل.

حكم المخالف المستبصر:

(1) كما تقتضيه القاعدة، إذ لا ريب في كونه مكلفاً بالأحكام، و ليس هو مثل الكافر يجري فيه البحث عن تكليفه بالفروع كالأُصول و عدمه، فمع ثبوت التكليف في حقّه و تحقّق الفوت منه يشمله دليل القضاء بطبيعة الحال.

إلّا أنّه وردت روايات خاصة دلّت على نفي القضاء عنه إذا استبصر فيما إذا كان قد أتى به على وفق مذهبه، فيستكشف منها التخصيص في أدلّة الأجزاء و الشرائط و الموانع، و أنّ تلكم الأحكام الواقعية لا تعمّ المخالف الذي استبصر فيما بعد بنحو الشرط المتأخّر.

ففي صحيحة العجلي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثم مَنّ اللّٰه عليه و عرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلّا الزكاة، لأنّه يضعها في غير مواضعها، لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحج و الصيام فليس عليه قضاء» (1).

____________

(1) الوسائل 9: 216/ أبواب المستحقّين للزكاة ب 3 ح 1.

110

..........

____________

و صحيحة ابن أُذينة قال: «كتب إليّ أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ كلّ عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه، ثم مَنّ اللّٰه عليه و عرّفه هذا الأمر فإنّه يؤجر عليه و يكتب له إلّا الزكاة فإنّه يعيدها، لأنّه وضعها في غير موضعها، و إنّما موضعها أهل الولاية، فأمّا الصلاة و الصوم فليس عليه قضاؤهما» (1).

و صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) «أنّهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية و المرجئة و العثمانية و القدرية ثمّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه، أ يعيد كلّ صلاة صلّاها أو صوم أو زكاة أو حجّ، أو ليس عليه إعادة شي‌ء من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شي‌ء من ذلك غير الزكاة، و لا بدّ من أن يؤدّيها، لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها، و إنّما موضعها أهل الولاية» (2).

ثمّ إنّه لا ريب في عدم شمول هذه النصوص المخالف الذي فاتته الصلاة بأن تركها رأساً، إذ الموضوع فيها هو كلّ عمل عمله و كلّ صلاة صلّاها، فلا بدّ إذن من فرض صلاة صدرت منه خارجاً، بل في صحيحتي العجلي و ابن أُذينة «فإنّه يؤجر عليه» و كيف يؤجر من لم يعمل شيئاً على ما لم يفعله.

و عليه فيكون من فاتته الصلاة مشمولًا لما تقتضيه القاعدة من وجوب القضاء، عملًا بإطلاقات أدلّة الفوت المفروض سلامتها لأجل قصور النصوص المتقدّمة عن المقيّد، و هذا ممّا لا خلاف فيه.

نعم، قد يظهر من بعض النصوص سقوط القضاء في المقام أيضاً، و هو ما رواه الشهيد (قدس سره) في الذكرى نقلًا عن كتاب الرحمة لسعد بن عبد اللّٰه و كذلك الكشي (رحمه اللّٰه) في كتابه بسنديهما عن عمّار الساباطي قال «قال سليمان بن خالد لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا جالس: إنّي منذ عرفت هذا‌

____________

(1) الوسائل 9: 217/ أبواب المستحقّين للزكاة ب 3 ح 3.

(2) الوسائل 9: 216/ أبواب المستحقّين للزكاة ب 3 ح 2.

111

..........

____________

الأمر أُصلّي في كلّ يوم صلاتين أقضي ما فاتني قبل معرفتي، قال: لا تفعل فانّ الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة» (1).

لكن الرواية ضعيفة السند، فلا يعتمد عليها في الخروج عمّا تقتضيه القاعدة مع عدم الجابر لها أيضاً لو سلّم الانجبار كبروياً.

و قال الشهيد (قدس سره) في تفسير الرواية: يعني ما تركت من شرائطها و أفعالها، و ليس المراد تركها بالكلّية. و هو استظهار حسن لا بأس به فراراً من طرح الرواية.

و يلحق بذلك: ما لو كان قد أتى بالصلاة فاسدة على مذهبه و مذهبنا معاً فإنّها أيضاً لا تكون مشمولة لهذه النصوص، فانّ منصرفها هي الصلوات التي كان يعتقد صحتها، بحيث كان يرى عدم لزوم قضائها بعد الاستبصار لولا الولاية.

و أمّا الناقصة بنظره من غير جهة الولاية أيضاً لفقد جزء أو شرط أو الاقتران بمانع ممّا هو محكوم عليه بالبطلان لدى الفريقين بحيث لم يكن المخالف يرى في حين العمل تفريغ الذمّة بمثله فالنصوص غير ناظرة إليه و منصرفة عنه، فيبقى هذا الفرض كالفرض السابق عليه مشمولًا للقاعدة، و مقتضاها وجوب القضاء.

و أمّا إذا كان قد صلّى على وفق مذهبه فهذا هو المتيقّن دخوله تحت النصوص التي هي بحسب النتيجة مخصّصة للأدلّة الأوّلية على سبيل الشرط المتأخّر كما مرّ، و حينئذ فيحكم بصحة جميع الأعمال السابقة، بل يؤجر عليها عدا الزكاة حيث كان قد صرفها في غير مصارفها و وضعها في غير موضعها كما نطقت به النصوص، فانّ موضعها هم المؤمنون و من يكون من أهل الولاية فالدفع إلى غيرهم لا يستوجب تفريغ الذمّة، فإنّه نظير ما لو أدّى دينه إلى‌

____________

(1) الوسائل 1: 127/ أبواب مقدّمة العبادات ب 31 ح 4، الذكرى 2: 432، رجال الكشي: 361/ 667.

112

أو أتى به على وجه يخالف مذهبه (1)، بل و إن كان على وفق مذهبنا أيضاً على الأحوط (2).

____________

عمرو في حين أنّه كان مديناً لزيد، و لأجل هذا استثنيت الزكاة من بين سائر الأعمال.

(1) كما تقدّم آنفاً.

(2) مع فرض تمشّي قصد القربة منه، و قد حكم المحقّق الهمداني (قدس سره) في مثل ذلك بالصحّة و عدم الحاجة إلى القضاء، بدعوى أنّ النصوص شاملة لهذه الصورة بالفحوى و الأولوية القطعية، إذ البناء على الصحّة فيما وافق مذهبه مع كونه فاقد الجزء أو الشرط أو مقترناً بالمانع بحسب الواقع و فاقداً لشرط الولاية أيضاً، يستلزم البناء على الصحّة فيما لا يكون فاقداً إلّا لشرط الولاية بالأولوية (1).

أقول: قد يفرض المخالف معتقداً لصحّة العمل الموافق لمذهبنا كما إذا جاز عنده الأخذ بفتاوى علمائنا و قد اتّفق ذلك في عصرنا حيث أفتى شيخ جامع الأزهر بمصر الشيخ محمود شلتوت بجواز الرجوع إلى فتوى كلّ واحد من علماء المذاهب الإسلامية فاستناداً إلى ذلك قلّد المخالف أحد علماء الشيعة و أتى بالعمل موافقاً لرأي العالم المذكور، فلا ينبغي الشكّ في كونه مشمولًا للنصوص المذكورة.

فإنّ العمل الذي يأتي به المخالف حينئذ و إن كان على خلاف مذهبه و موافقاً لمذهبنا إلّا أنّه في نهاية الأمر يرجع إلى ما يوافق مذهبه أيضاً، و لو كان ذلك باعتبار موافقته لفتوى من جوّز له الأخذ بقول العلماء من سائر المذاهب و على هذا فالمخالف استناداً إلى ما ذكر يرى صحّة ما يأتي به من العمل و كونه مبرئاً. فلا قصور فيه على هذا إلّا من جهة الولاية.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 601 السطر 36.

113

و أمّا إذا أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (1)، نعم إذا كان الوقت باقياً فإنّه يجب عليه الأداء حينئذٍ (2) [1]، و لو تركه وجب عليه القضاء.

____________

و قد يفرض أنّه لا يعتقد صحّته، بل يراه باطلًا لكونه على خلاف مذهبه فمثله غير مشمول لتلك النصوص، و الأولوية المدّعاة لا وجه لها، للفرق الواضح بين الموردين، إذ المخالف في المقيس عليه يعتقد الصحّة، و ليس الأمر كذلك في المقيس.

و المستفاد من تلك الأخبار أنّ الاعتبار في الحكم بالاجتزاء و عدم الحاجة إلى القضاء بالعمل الصادر حال الخلاف على وجه يرى المخالف صحّته و تفريغ الذمّة به، و عدم قصور فيه في نفسه، فإنّه المناسب لقوله (عليه السلام): «فإنّه يؤجر عليه» (1)، و أمّا العمل الذي يعتقد بطلانه في ظرفه حتى من غير جهة الولاية و إن فرضناه مطابقاً لمذهبنا فهو خارج عن منصرف تلك الأخبار.

(1) لما تقدّم من أنّه المتيقّن من نصوص الباب.

(2) لاختصاص نصوص الإجزاء بالقضاء، فيبقى عموم دليل التكليف بالصلاة الصحيحة أداء على حاله.

و فيه أوّلًا: أنّ التعبير بالقضاء و إن ورد في جملة من نصوص الباب إلّا أنّ المراد به في لسان الأخبار هو المعنى اللغوي، و هو الإتيان بالفعل مرّة أُخرى، لا خصوص المأتي به خارج الوقت في مقابل الإعادة، فإنّ ذلك اصطلاح حديث قد تداول في كلمات الفقهاء، فلا يكاد يحمل النصّ عليه سيما بعد التعبير في صحيحتي العجلي و ابن أُذينة بصيغة العموم: «كلّ عمل ...» الشامل ذلك للأداء أيضاً.

____________

[1] الظاهر عدم وجوبه عليه، و منه يظهر حال القضاء.

____________

(1) الوارد في صحيحتي العجلي و ابن أُذينة المتقدمتين في ص 109، 110.

114

و لو استبصر ثمّ خالف ثمّ استبصر (1) فالأحوط القضاء [1] و إن أتى به بعد العود إلى الخلاف على وفق مذهبه.

____________

و ثانياً: أنّ صحيحة الفضلاء (1) قد تضمّنت التصريح بعدم الإعادة، فلو سلّم انصراف القضاء في بقية النصوص إلى المعنى المصطلح لكانت هذه الصحيحة بمفردها وافية بالمطلوب. فالأقوى الحكم بالاجتزاء مطلقاً، سواء أ كان استبصاره في الوقت أم في خارجه.

تنبيه:

لا ريب في عموم الحكم لكلّ منتحل للإسلام من الفرق المخالفة حتى المحكوم عليهم بالكفر كالناصب و نحوه الذي ورد في شأنه: «إنّ اللّٰه لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، و إنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه» (2). فالنواصب و الخوارج و نحوهم من الفرق المحكوم عليهم بالكفر تشملهم النصوص المذكورة، فلا يجب عليهم القضاء بعد الاستبصار.

بل إنّه وقع التصريح بالناصب في صحيحتي العجلي و ابن أُذينة، كما أنّ جملة من المذكورين في صحيحة الفضلاء من قبيل الناصب. فلا يختص الحكم بمن حكم عليه بالإسلام و طهارة البدن من فرق المخالفين.

(1) نظير المرتدّ الملّي إذا أسلم ثمّ ارتدّ بعد إسلامه ثمّ أسلم ثانياً.

ثم إنّ البحث عن وجوب القضاء في الفرض المذكور إنّما هو بعد الفراغ عن عدم وجوب القضاء بالنسبة إلى الصلوات الواقعة قبل الإستبصار الأوّل فيبحث عن أنّ الحكم هل يختصّ بها اقتصاراً في الحكم المخالف للقواعد على المقدار المتيقّن به، أو أنّه يشمل صورة العود إلى الخلاف. فمحلّ الكلام إنّما هي‌

____________

[1] لا يبعد جواز تركه.

____________

(1) المتقدمة في ص 110.

(2) الوسائل 1: 220/ أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.

115

[مسألة 6: يجب القضاء على شارب المسكر]

[1782] مسألة 6: يجب القضاء على شارب المسكر، سواء كان مع العلم أو الجهل، و مع الاختيار على وجه العصيان أو للضرورة أو الإكراه (1).

____________

الصلوات المتخلّلة ما بين الاستبصارين.

قد يقال بالثاني، استناداً إلى إطلاق النصوص النافية للقضاء عمّا صدر منه حال المخالفة.

و يدفعه: أنّ النصّ لو كان هكذا: المخالف لا يقضي بعد الاستبصار. لاتّجه عندئذ التمسّك بإطلاقه، فإنّ عنوان المخالف المأخوذ في الموضوع يصدق على مثل هذا الشخص في حال خلافه المتجدّد. إلّا أنّ النصوص الواردة ليست كذلك، بل الموجود فيها كما يلي: «كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثم منّ اللّٰه عليه و عرّفه الولاية ...».

و المستفاد من كلمة «ثم» أنّ الموضوع هو الناصب الذي لم يمنّ اللّٰه عليه و لم يعرّفه الولاية، فينحصر بالخلاف الأول غير المسبوق بتعريف الولاية، و لا يشمل الخلاف المتجدّد بعد منّ اللّٰه عليه و تعريفه لها، فإنّه حال الخلاف الثاني لا يصدق عليه أنّه ممّن لم يمنّ اللّٰه عليه و لم يعرّفه الولاية، بل هو ممّن منّ اللّٰه عليه و عرّفه، غير أنّه بسوء اختياره أعرض عن الحقّ بعد المعرفة به. فمثله خارج عن مورد هذه النصوص، لعدم ثبوت إطلاق لها يشمله.

كما أنّها لا تشمل من كان على الحق ثم خالف ثم استبصر و عاد إلى الحق نظير المرتدّ الفطري إذا أسلم و عاد، لعين ما ذكر آنفاً من أنّ الخلاف المسبوق بالمعرفة خارج عن موضوع نصوص الباب، فالأقوى فيه وجوب القضاء عملًا بإطلاق ما دلّ على ذلك بعد فرض سلامته عن المقيّد.

حكم السكران:

(1) لإطلاق ما دلّ على اعتبار الفوت موضوعاً لوجوب القضاء كصحيح‌

116

[مسألة 7: فاقد الطهورين يجب عليه القضاء]

[1783] مسألة 7: فاقد الطهورين يجب عليه القضاء، و يسقط عنه الأداء (1).

____________

زرارة و غيره ممّا تقدمت الإشارة إليه (1)، فانّ التكليف بالأداء في الوقت و إن كان ساقطاً عنه إلّا أنّ ذلك لأجل العجز، لا لأجل التخصيص في دليل الوجوب. فالتكليف به و لو شأناً كان متوجّهاً نحوه، و هو كافٍ في صدق الفوت الموجب للقضاء، كما في النائم على ما مرّ تفصيله (2).

نعم، قد يقال في المقام بعدم الوجوب، استناداً إلى التعليل الوارد في نصوص الإغماء (3) من أنّ «ما غلب اللّٰه عليه فهو أولى بالعذر»، فانّ السكر إذا كان خارجاً عن الاختيار مشمول لعموم العلّة المذكورة.

لكنّك عرفت فيما سبق عدم دلالة النصوص المذكورة على التعليل في موردها فضلًا عن التعدّي إلى غيره، فانّ ما اشتمل منها على التعليل المذكور كان ضعيف السند أو الدلالة على سبيل منع الخلو فلاحظ.

حكم فاقد الطهورين:

(1) أمّا سقوط الأداء فلما تكرر في مطاوي هذا الشرح و أشرنا إليه في الأُصول في مبحث الصحيح و الأعم (4) من أنّ المستفاد من حديث التثليث الوارد في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (5) هو اعتبار الطهارة كالركوع و السجود في حقيقة الصلاة، و أنّ ماهيتها إنّما تتألّف من هذه الأُمور‌

____________

(1) في ص 70، 71.

(2) في ص 69 و ما بعد.

(3) المتقدمة في ص 73 و ما بعدها.

(4) محاضرات في أُصول الفقه 1: 164.

(5) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

117

..........

____________

الثلاثة، فهي دخيلة في مقام الذات و تعدّ من المقوّمات، و عليه فالفاقد لأحد هذه الأُمور ليس بصلاة في نظر الشرع.

و هذا بخلاف سائر الأجزاء و الشرائط، فإنّها أُمور معتبرة في المأمور به و من جملة مقوّماته، لا من مقوّمات الماهيّة بحيث يدور مدارها اسم الصلاة و عنوانها، حتّى فيما كان لسان دليل اعتباره مشابهاً للطهارة كما في الفاتحة و القبلة حيث ورد: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1) أو «إلى القبلة» (2) كما ورد: «لا صلاة إلّا بطهور» (3) ممّا هو ظاهر في نفي الحقيقة بانتفاء الجزء المذكور.

و ذلك لأنّا قد استفدنا من الخارج صحّة الصلاة الفاقدة لفاتحة الكتاب أو القبلة و لو في الجملة كما في صورة العجز، فقد ورد في من لم يحسن القراءة أنّه يقرأ ما تيسّر من القرآن (4)، و أنّها لا تعاد بنسيانها (5).

كما أنّه ورد في بعض الفروض: أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة (6). حيث يستكشف من هذا كلّه: أنّ دليل اعتبارهما و إن كان ظاهراً في حدّ نفسه في نفي الحقيقة إلّا أنّه بملاحظة ما ذكرنا يحمل على ضرب من المبالغة، اهتماماً بالأمرين المذكورين من بين سائر الأجزاء و الشرائط.

إلّا أنّه بالنسبة إلى الطهور و الركوع و السجود لم يرد ما يقتضي صرف أدلّة اعتبارها عن ظاهرها، فتبقى هي بضميمة حديث التثليث على ظاهرها من‌

____________

(1) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 [و لا يخفىٰ أنّ هذه الرواية مرسلة، و لعلّ المقصود مضمونها، و هو صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الوسائل 6: 37/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 1].

(2) الوسائل 4: 300/ أبواب القبلة ب 2 ح 9.

(3) الوسائل 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

(4) [و هو ما يستفاد من صحيح ابن سنان في الوسائل 6: 42/ أبواب القراءة في الصلاة ب 3 ح 1 كما ذكره في شرح العروة 14: 420].

(5) الوسائل 6: 88/ أبواب القراءة في الصلاة ب 28، 29.

(6) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

118

..........

____________

اقتضائه انتفاء الحقيقة بانتفاء أحدها، فيستفاد من ذلك كونها من المقوّمات و أنّها دخيلة في مقام الذات.

ثمّ إنّه لا يكاد يتصوّر غالباً العجز عن السجود و الركوع، و ذلك لوجود المراتب الطولية لهما، نظراً إلى أنّ العاجز عن الركوع الاختياري وظيفته الركوع جالساً، ثم الإيماء، ثم غمض العين و فتحها. و هكذا الحال في السجود.

و هذا بخلاف الطهور فإنّه يتحقق العجز بالنسبة إليه كما في فاقد الطهورين و حينئذ فيكون العجز عن المقوم للشي‌ء و هو الطهارة عجزاً عن الشي‌ء نفسه، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، فيستحيل تعلّق التكليف بالصلاة المشروطة بالطهارة، لامتناع تعلّق الخطاب بأمر غير مقدور.

و لا يقاس ذلك بباقي الأجزاء و الشرائط، لوجود الفارق و هو كونها من مقوّمات المأمور به دون الماهية، و عليه فالنتيجة هي سقوط التكليف بالصلاة أداء.

فإن قلت: كيف ذلك و قد ورد في الحديث: أنّ الصلاة لا تسقط بحال؟.

قلت: الموضوع لعدم السقوط بحال إنّما هي الصلاة، و هي اسم لما يتركّب من الأُمور الثلاثة التي منها الطهارة بمقتضى حديث التثليث، فالفاقد لها ليس بمصداق للصلاة، و لا ينطبق عليه عنوانها بنظر الشارع الذي هو المبيّن لماهيتها و الشارح لحقيقتها، فليس العمل الفاقد للطهارة من حقيقة الصلاة في شي‌ء و إن كان مشاكلًا لها في الصورة، و مع هذا كيف يصحّ التمسّك بالحديث المذكور بعد ما لم يكن له موضوع أصلًا.

و أمّا المناقشة في سند الحديث فيدفعها أنّه و إن لم يرد بهذا اللفظ في لسان الأخبار، و إنّما هو من الكلمات الدائرة على ألسنة الفقهاء، لكن مضمونه وارد في صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة، و هو قوله (عليه السلام): «و لا تدع الصلاة على حال» (1)، إذ لا شك في عدم اختصاص المستحاضة بالحكم‌

____________

(1) الوسائل 2: 373/ أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

119

و إن كان الأحوط الجمع بينهما (1).

____________

المذكور، لعدم احتمال الفرق بينها و بين سائر المكلّفين من هذه الجهة، فبعد إلغاء الخصوصية عن المورد يكون مفادها عاما يشمل جميع المكلّفين. و الظاهر أنّ العبارة الدائرة على ألسنة الفقهاء متصيّدة من هذه الصحيحة.

و كيف ما كان، فلا مجال للتمسّك بالحديث في المقام، لما عرفت من أنّه و إن كان حاكماً على أدلّة الأجزاء و الشرائط و مبيّناً لاختصاصها بحال التمكّن إلّا أنّ الحكومة فرع صدق اسم الصلاة كي يتأتّى المجال للدليل الحاكم، و المفروض هو انتفاء الصدق بانتفاء ما يقوّمه بنظر الشارع، فلا صلاة في البين كي يحكم عليها بعدم السقوط، و إنّما هناك صورة الصلاة، و لا دليل على وجوب الإتيان بهذه الصورة، هذا.

و مع الشك في الوجوب فالمرجع هي أصالة البراءة، و هذا بخلاف سائر الأجزاء، فانّ عنوان الصلاة منطبق على فاقدها، فيشملها الدليل المذكور.

و أمّا وجوب القضاء عليه فلإطلاق الفوت المأخوذ موضوعاً للحكم المذكور، فإنّ العبرة في القضاء بفوت التكليف و لو شأناً. و إن شئت فقل: إنّ الاعتبار بفوات الملاك، و لا شك في تماميته في المقام و نظائره كالنوم و النسيان ممّا استند فيه سقوط التكليف في الوقت إلى العجز، لا إلى تخصيص دليل الوجوب كما في الحيض و نحوه.

كما يفصح عن ذلك ما دلّ على وجوب القضاء على النائم و الناسي (1)، حيث لا مجال لاحتمال اختصاص الحكم بالموردين، بل المستفاد من ذلك الضابط الكلّي و هو ما عرفت من ثبوت القضاء في جميع موارد العجز و منها المقام لأجل تمامية الملاك.

(1) عملًا بالعلم الإجمالي بوجوب أحد التكليفين.

____________

(1) المتقدم في ص 70 و ما بعدها.

120

[مسألة 8: من وجب عليه الجمعة إذا تركها حتّى مضى وقتها أتى بالظهر]

[1784] مسألة 8: من وجب عليه الجمعة إذا تركها حتّى مضى وقتها أتى بالظهر إن بقي الوقت، و إن تركها أيضاً وجب عليه قضاؤها لا قضاء الجمعة (1).

____________

(1) بلا إشكال في ذلك و لا خلاف، و استدلّ له تارة بالإجماع و أُخرى بصحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة، قال: يصلّي ركعتين، فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعاً ...» (1).

و ناقش المحقّق الهمداني (قدس سره) (2) في الصحيحة بأنّ موردها صورة انعقاد الجمعة و عدم إدراك الإمام، فهي ناظرة إلى مسألة أُخرى، و هي أنّه لا جمعة بعد الجمعة، و أجنبية عن صورة عدم انعقاد الجمعة رأساً حتى مضى وقتها.

و من ثمّ استدلّ (قدس سره) للحكم المذكور بعد الإجماع و هو العمدة بوجه آخر، و هو أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الواجب يوم الجمعة إنّما هي أربع ركعات، غير أنّه لدى استجماع الشرائط تقوم الخطبتان مقام الركعتين الأخيرتين فيؤتى بالصلاة فيه ركعتين، و هذا إنّما ثبت في الوقت، و أمّا في خارجه فيكفي في عدم مشروعية قضائها بهذه الكيفية أصالة عدم المشروعية. فاللازم هو الإتيان بأربع ركعات و هي الفريضة الواجبة على كلّ مكلف بعد فقد الدليل على الاجتزاء بغيرها.

أقول: الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّه لا ريب في كون صلاة الجمعة من الواجبات المضيّقة، و ينتهي وقتها بصيرورة ظل كلّ شي‌ء مثله أو بمضي ساعة من النهار أو بغير ذلك على اختلاف الأقوال. و على أيّ حال فانّ وقتها مضيّق‌

____________

(1) الوسائل 7: 345/ أبواب صلاة الجمعة ب 26 ح 3.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 432 السطر 16.

121

[مسألة 9: يجب قضاء غير اليوميّة سوى العيدين]

[1785] مسألة 9: يجب قضاء غير اليوميّة (1) سوى العيدين (2)،

____________

و محدود بزمان خاص، و نتيجة ذلك سقوط الوجوب بخروج الوقت حتّى على القول بوجوبها تعييناً، فتنقلب الوظيفة الواقعية عندئذ إلى صلاة الظهر، لعدم احتمال سقوط التكليف عنه بالمرّة في هذا اليوم كما هو ظاهر.

و حينئذ فان صلّى أربع ركعات في الوقت فهو، و إلّا كان قد فاتته صلاة الظهر دون الجمعة، إذ الفوت إنّما يتحقّق في آخر الوقت دون وسطه أو أوّله. فالعبرة بالتكليف الثابت عند خروج الوقت الذي به يتحقّق الفوت، لا بما ثبت في أوّل الوقت. فالمصداق للفائت ليس هو إلّا صلاة الظهر دون الجمعة.

و بعبارة اخرى: ليس الواجب على المكلّف في يوم الجمعة إلّا صلاة واحدة و هي الجمعة في أوّل الوقت و إلا فالظهر، و لا شك في أنّ ما يفوته بخروج الوقت الذي هو زمان صدق الفوت إنّما هو الظهر دون الجمعة، فلا يجب إلّا قضاء الظهر.

فلا حاجة إلى التشبّث بالإجماع أو بأصالة عدم مشروعية الجمعة في خارج الوقت كما أفاده (قدس سره)، فإنّ الأمر و إن كان كذلك إلّا أنّا في غنى عن الاستدلال بهما كما لا يخفى.

قضاء غير اليومية:

(1) لإطلاق دليل القضاء كقوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة زرارة: «فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى» (1)، فإنّه يشمل اليومية و غيرها.

(2) حتى مع وجوب الأداء كما في زمن الحضور، لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: من لم يصلّ مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له، و لا قضاء عليه» (2)، و به يقيّد إطلاق الصحيحة المتقدّمة.

____________

(1) الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

(2) الوسائل 7: 421/ أبواب صلاة العيد ب 2 ح 3.

122

حتّى النافلة المنذورة في وقت معيّن (1).

____________

هذا فيما [إذا] ثبت العيد و أُقيمت الجماعة لكن المكلّف لم يدركها، و أمّا إذا خرج الوقت و لم تنعقد الجماعة لعدم ثبوت الهلال إلّا بعد الزوال فإنّه تؤخّر الصلاة حينئذ إلى الغد كما نطق بذلك صحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار في ذلك اليوم إذا كانا قد شهدا قبل زوال الشمس فان شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم» (1). و لا تعارض بين الروايتين، لاختلاف الموردين.

(1) كما يقتضيه الإطلاق المتقدّم. و لكن قد يناقش في ذلك بأنّ الفريضة المأخوذة موضوعاً لوجوب القضاء منصرفة إلى ما تكون فريضة في حدّ ذاتها و بالعنوان الأوّلي، لا ما صارت فريضة بالعنوان الثانوي العارض كالنذر و الإجارة و نحوهما، فإنّ الإطلاق قاصر عن شمول ذلك، و حيث إنّ القضاء بأمر جديد فالمرجع عند الشكّ فيه أصالة البراءة عنه.

و يندفع: بعدم كون الفريضة بعنوانها موضوعاً للقضاء في شي‌ء من النصوص المعتبرة، فإنّ حديث «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» لم يرد من طرقنا، و إنّما الموضوع هو عنوان فوت الصلاة كما ورد في صحيحة زرارة المتقدّمة عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلّها أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها إلى أن قال: فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى» إلخ، الواردة بطريقي الشيخ و الكليني (2).

____________

(1) الوسائل 7: 432/ أبواب صلاة العيد ب 9 ح 1.

(2) الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3، التهذيب 3: 159/ 341، الكافي 3: 292/ 3.

123

[مسألة 10: يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت من ليل أو نهار أو سفر أو حضر]

[1786] مسألة 10: يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت من ليل أو نهار أو سفر أو حضر (1).

____________

نعم، قد اشتمل الذيل على لفظ «الفريضة» و لكنّه ناظر إلى حكم آخر، و هو المنع عن التطوّع في وقت الفريضة، و لا يرتبط بما نحن فيه من وجوب قضاء الفوائت.

و دعوى الاحتفاف بما يصلح للقرينية المورث للإجمال، ممنوعة بعد تعدّد الحكم و الموضوع كما لا يخفىٰ. و من الواضح أنّ العنوان المزبور ينطبق على النافلة المنذورة كالفرائض اليومية بمناط واحد.

و يؤيّده ما ورد في صحيحة ابن مهزيار من لزوم قضاء الصوم المنذور في يوم معيّن لو ترك في ظرفه (1)، فإنّ موردها و إن كان خصوص الصوم إلّا أنّه قد يستأنس منها عدم خصوصية للمورد، و أنّ كلّ منذور فات في ظرفه يقضى من غير فرق بين الصلاة و الصيام.

(1) بلا إشكال فيه و لا خلاف، كما نطقت بذلك الأخبار الكثيرة، بل لا يبعد دعوى بلوغها حدّ التواتر، و من جملتها صحيحة زرارة المتقدّمة آنفاً.

نعم، بإزائها ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس و هو في سفر كيف يصنع؟ أ يجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار، ولا تجوز له ولا تثبت له، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل» (2).

لكنّها رواية شاذة لا تنهض لمقاومة ما سبق، فإنّه من أظهر مصاديق قوله (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك، و دع الشاذّ النادر» (3) هذا.

____________

(1) الوسائل 10: 378/ أبواب بقيّة الصوم الواجب ب 7 ح 1.

(2) الوسائل 8: 258/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 6، التهذيب 2: 272/ 1081.

(3) المستدرك 17: 303/ أبواب صفات القاضي ب 9 ح 2.

124

و يصلّي في السفر ما فات في الحضر تماماً، كما أنّه يصلّي في الحضر ما فات في السفر قصراً (1).

[مسألة 11: إذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير فالأحوط قضاؤها قصراً]

[1787] مسألة 11: إذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير فالأحوط قضاؤها قصراً [1] مطلقاً، سواء قضاها في السفر أو في الحضر في تلك الأماكن أو غيرها و إن كان لا يبعد جواز الإتمام أيضاً إذا قضاها في تلك الأماكن، خصوصاً إذا لم يخرج عنها بعد و أراد القضاء (2).

____________

مضافاً إلى أنّها ضعيفة في نفسها و إن كان قد عبّر عنها بالموثّق في بعض الكلمات، فإنّ في السند علي بن خالد، و لم يرد فيه توثيق.

نعم، المذكور في الوسائل في هذا الموضع: أحمد بن خالد، بدل علي بن خالد. لكنّه سهو من قلمه الشريف أو قلم النسّاخ (1). و الصحيح هو علي بن خالد كما في نسخ التهذيب الطبع القديم منه و الحديث (2).

إذن فلا تصل النوبة إلى الحمل على التقية كما قيل، و إن كان ممّا لا بأس به لو صحّ السند.

(1) إجماعاً، و تشهد به جملة من النصوص منها صحيح زرارة قال «قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر، قال: يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، و إن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» (3)، و نحوها غيرها.

الفائتة في أماكن التخيير:

(2) الأقوال المعروفة في المسألة ثلاثة: التخيير مطلقاً، و تعيّن القصر مطلقاً‌

____________

[1] بل هو الظاهر.

____________

(1) الوسائل 4: 278/ أبواب المواقيت ب 57 ح 14 [لكن المذكور فيه: علي بن خالد].

(2) التهذيب 2: 272/ 1081.

(3) الوسائل 8: 268/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1.

125

..........

____________

و التفصيل بين ما إذا كان القضاء في تلك الأماكن نفسها فالتخيير سيما إذا كان لم يخرج عنها بعد، و بين القضاء في بلد آخر فالقصر كما مال إليه الماتن (قدس سره).

و قد استدلّ للقول الأوّل بوجوه: الأوّل: عموم «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»، فانّ اللفظ المذكور و إن لم يرد في شي‌ء من النصوص (1) لكن ذلك هو مضمون نصوص الباب كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدّمة آنفاً: «يقضي ما فاته كما فاته» و حيث إنّ الفائت في المقام هي الفريضة المخيّر فيها بين القصر و التمام فكذلك الحال في قضائها، عملًا بالمماثلة بين الأداء و القضاء المأمور بها في هذه النصوص.

و فيه: أنّ النظر في المماثلة مقصور على ذات الفائت بحسب ما يقتضيه طبعه من قصر أو تمام، لا بلحاظ ما يطرأ عليه من الخصوصيات و الملابسات المستتبعة للحكم الشرعي بالعنوان الثانوي من زمان أو مكان و نحو ذلك، و لا شك في أنّ الفريضة المقرّرة بالذات في حقّ المسافر إنّما هي القصر، و أمّا جواز الإتمام فهو حكم شرعي آخر نشأ من خصوصية في المكان، و قد أثبته الدليل للصلاة أداء، و لم ينهض مثله في القضاء فلا موجب للتعدّي.

و على الجملة: المماثلة غير ناظرة إلى الخصوصيات اللاحقة و الأوصاف الطارئة على الفعل الزائدة على مقام الذات، فلا تكاد تعمّ مثل المقام، هذا.

مضافاً إلىٰ أنّ مقتضى إطلاق موثّق عمار قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المسافر يمرض و لا يقدر أن يصلّي المكتوبة، قال: يقضي إذا أقام مثل صلاة المسافر بالتقصير» (2) وجوب التقصير في قضاء الفائت حال السفر، سواء أ كان الفوت في مواطن التخيير أم لا.

____________

(1) كما تقدم في ص 122.

(2) الوسائل 8: 269/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 5.

126

..........

____________

الثاني: ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من تبعية القضاء للأداء، فإنّ القضاء و إن كان بأمر جديد لكنّه يكشف لا محالة عن تعدّد المطلوب في الوقت و أنّ مطلوبية العمل غير منتفية بفواته، و عليه فالصلاة المقضيّة هي بعينها الماهية المطلوبة في الوقت، فيجب مراعاة جميع الأحكام عدا الناشئ منها من خصوصية الوقت، و حيث إنّ من تلك الأحكام ثبوت التخيير في المقام كان الحال هو ذلك في القضاء، رعاية لقانون التبعية (1).

و يتوجّه عليه: ما عرفت سابقاً (2) من منع التبعية، و أنّ الأمر بالقضاء لازم أعم لتعدّد المطلوب، فلا يكاد ينكشف به ذلك لملاءمته مع وحدته أيضاً، بل هي الظاهر من الأمر بالصلاة مقيّدة بالوقت كما لا يخفى، فاذا سقط هذا الأمر بخروج الوقت و تعلّق أمر جديد بالقضاء فلا دليل على ثبوت التخيير في الأمر الجديد أيضاً، و إنّما التخيير كان ثابتاً في خصوص الأمر الساقط فقط.

الثالث: الاستصحاب، بدعوى أنّ الأمر التخييري كان ثابتاً في الأداء و يحكم بثبوته في القضاء أيضاً عملًا بالاستصحاب.

و يرد عليه أوّلًا: المنع عن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فانّا و إن بنينا على جريانه في الأحكام غير الإلزامية كالإباحة و الطهارة على ما بيّناه في الأُصول (3) إلّا أنّا لا نلتزم بجريانه في خصوص المقام، لأجل المعارضة التي لأجلها منعنا جريانه في الأحكام الإلزامية.

و ذلك لأنّ الوظيفة الأوّلية المقرّرة في حقّ المسافر إنّما هي القصر، و إنّما جعل التخيير لمن كان في إحدى الأماكن المعيّنة، تخصيصاً لما تقتضيه القاعدة الأوّلية. إذن فالتخيير في المقام مجعول للشارع، و ليس كالإباحة التي لا تحتاج إلى الجعل، و على هذا فاستصحاب بقاء التخيير إلى ما بعد خروج الوقت‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 617 السطر 34.

(2) في ص 81.

(3) مصباح الأُصول 3: 47.

127

..........

____________

معارض باستصحاب عدم جعل التخيير في خارج الوقت.

و ثانياً: أنّ الاستصحاب في نفسه غير جار في المقام، لأجل تعدّد الموضوع فإنّ الأمر الأوّل الذي كان على وجه التخيير قد سقط بخروج الوقت جزماً و المفروض هو وحدة المطلوب كما استظهرناه من الدليل حسبما عرفت (1)، و الأمر الثاني الحادث بعد خروج الوقت مشكوك الكيفية من حين حدوثه، حيث لا ندري به أنّه على وجه التخيير أو التعيين، فما الذي نستصحبه؟

ثم إنّ جميع ما ذكرناه إلى هنا إنّما كان مجاراة منّا، و إلّا فالظاهر أنّ من تفوته الصلاة في أماكن التخيير ينحصر الفائت في حقّة بالفريضة المقصورة فقط، فإنّ العبرة في القضاء بما يفوت المكلّف في آخر الوقت، و هو زمان صدق الفوت.

و لا شك في أنّه عند ضيق الوقت إلّا بمقدار أربع ركعات كما في الظهرين تنقلب الوظيفة الواقعية من التخيير إلى التقصير، فلا يكون الفائت إلّا الصلاة قصراً. و هذا الفرض متحقّق دائماً، فانّ الفوت مسبوق لا محالة بالتضيّق المذكور، و معه لا مجال للاستصحاب و لا لدعوى التبعية، و لا عموم أدلّة الفوت.

و يستدلّ للقول الثالث و هو التخيير فيما إذا أراد القضاء في تلك الأماكن بالاستصحاب و التبعية. و قد عرفت حالهما.

و عمدة ما يستدلّ له مكاتبة علي بن مهزيار قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام و التقصير للصلاة في الحرمين إلى أن قال فكتب إليّ (عليه السلام) بخطّه: قد علمت يرحمك اللّٰه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر، و تكثر فيهما من الصلاة» (2).

فانّ مقتضى إطلاقها استحباب الإكثار من الصلاة و اختيار التمام لشرف‌

____________

(1) في ص 126، 68.

(2) الوسائل 8: 525/ أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 4.

128

[مسألة 12: إذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام]

[1788] مسألة 12: إذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الاحتياط بالجمع بين القصر و التمام فالقضاء كذلك (1).

[مسألة 13: إذا فاتت الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضراً و في آخر الوقت مسافراً]

[1789] مسألة 13: إذا فاتت الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضراً و في آخر الوقت مسافراً أو بالعكس لا يبعد التخيير في القضاء بين القصر و التمام و الأحوط اختيار ما كان واجباً [1] في آخر الوقت، و أحوط منه الجمع بين القصر و التمام (2).

____________

المكان، من دون فرق بين الأداء و القضاء، لعموم العلّة.

و فيه ما لا يخفى، فإنّها ناظرة إلى الصلاة الأدائية خاصة و هي التي وقع الخلاف في حكمها بين الفقهاء كما أُشير إلى ذلك في صدر الرواية و لا إطلاق لها بالإضافة إلى القضاء، و إلّا لزم القول بالتخيير فيما إذا قضى في الحرمين ما فاته قصراً في غيرهما، فإنّ الإطلاق على تقدير ثبوته يشمل ذلك أيضاً و لا يظنّ بأحد الالتزام به. فالنظر في الصحيحة يكون مقصوراً على حال الأداء فقط، و لا يكاد يتناول القضاء بوجه.

فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ الأقوى هو القول الثاني، أعني به تعيّن القصر مطلقاً.

(1) لعين المناط الموجب للاحتياط في الأداء، و هو العم الإجمالي بأحد التكليفين.

(2) لا يخفى أنّه بناءً على كون الاعتبار في كيفية الأداء بحال تعلّق الوجوب و أنّ الواجب على من سافر بعد دخول الوقت ليس هو إلّا التمام فهذا البحث ساقط من أصله، و يكون المتعيّن حينئذ هو قضاء الصلاة تماماً، فإنّها هي التي تعلّق بها التكليف في الوقت حتّى في حال السفر، فلم يكن مصداق الفائت إلّا الصلاة التامّة، فيتعيّن القضاء تماماً.

____________

[1] في كونه أحوط إشكال، نعم هو أظهر.

129

..........

____________

كما أنّه بناءً على كون الوظيفة المقرّرة في الوقت في الفرض المذكور هي التخيير يندرج المقام في المسألة المتقدّمة، و هي الفائتة في مواطن التخيير، و قد مرّ حكمها.

فالكلام في المسألة مبني على كون الاعتبار في الوقت بحال الأداء و زمان الامتثال و أنّ المتعيّن في الفرض المزبور هي الصلاة قصراً، فهل يتعيّن القضاء حينئذ قصراً أيضاً كما عليه المشهور، أو تماماً كما اختاره جمع من الأعلام كوالد الصدوق (1) و الإسكافي (2) و الشيخ في المبسوط (3) و السيد المرتضى (4) و الحلّي في السرائر (5) و غيرهم (قدس سرهم)، أو يتخيّر بينهما كما مال إليه المصنف (قدس سره) في المتن؟ وجوه، بل أقوال.

ثمّ إنّ المصنف (قدس سره) بعد نفي البعد عن القول بالتخيير ذكر أنّ الأحوط هو اختيار ما كان واجباً في آخر الوقت و هو القصر في المثال و أحوط منه الجمع بين القصر و التمام.

قلت: أمّا أنّ مقتضى الاحتياط هو الجمع فحقّ لا سترة عليه، لدوران الفائت بين القصر و التمام، فيكون مقتضى الاحتياط الناشئ من العلم الإجمالي بوجوب أحدهما هو الجمع، و به يتحقّق اليقين بالفراغ.

و أمّا كون القصر فقط موافقاً للاحتياط فلم نعرف له وجهاً بعد ذهاب الجمّ الغفير من الأعلام كما أشرنا إليهم آنفاً إلى التمام، فانّ الاعتبار عند هؤلاء بحال الوجوب دون الأداء.

و على الجملة: القصر هو أحد طرفي العلم الإجمالي كالتمام، فان تمّ مستنده‌

____________

(1) حكاه عنه في السرائر 1: 335.

(2) حكاه عنه في المختلف 2: 547 المسألة 397.

(3) المبسوط 1: 140.

(4) حكاه عنه في السرائر 1: 334.

(5) السرائر 1: 332، 334.

130

..........

____________

كان القول به أظهر لا أحوط، و إلّا كان كلا الأمرين بالنظر إلى الاحتياط على حدّ سواء.

و كيف ما كان، فيستدلّ لوجوب التمام في المقام تارة بأنّ الفائت هو ما خوطب المكلّف به في الحال الأوّل و هو الصلاة تماماً، فإنّه لو كان قد صلّى في تلك الحال لكانت صلاته تامّة، فيجب عليه أن يقضيها حينئذ كما هي فاتته.

و فيه ما لا يخفى، فانّ الخطاب في الحال الأوّل قد سقط و تبدّل بالخطاب بالقصر بسبب ترخيص الشارع في التأخير. و مجرّد الفرض و التقدير و هو أنّه لو كان صلّاها في تلك الحال لكانت تماماً لا يستوجب انطباق عنوان الفوت عليه. فالقصر إذن هو الفائت المتمحّض في الفوت دون غيره.

و أُخرى بما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة و هو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم فهو يريد أن يصلّيها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها، قال: يصلّيها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل و هو مسافر، كان ينبغي أن يصلّي عند ذلك» (1).

فانّ مقتضى تعليل القضاء قصراً بوجوبه عليه عند دخول الوقت أنّ الاعتبار في القضاء بحال الوجوب لا حال الأداء، فيدلّ التعليل على وجوب القضاء تماماً في عكس الفرض، و هو ما لو كان حاضراً في أوّل الوقت ثمّ سافر.

و يندفع بأنّ السند و إن كان معتبراً، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا موسى ابن بكر، و هو ثقة على الأظهر كما نبّه عليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في المعجم (2). لكنّ الدلالة قاصرة، لقرب احتمال كونها ناظرة إلى وقت الفضيلة دون الإجزاء، فتكون من أدلّة القائلين بأنّ الاعتبار في الأداء في من كان أوّل‌

____________

(1) الوسائل 8: 268/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 3، التهذيب 3: 162/ 351.

(2) معجم رجال الحديث 20: 31/ 12767.

131

..........

____________

الوقت حاضراً ثم سافر أو بالعكس بحال تعلّق الوجوب لا حال الامتثال و عليه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه.

على أنّها معارضة بالنصوص الناطقة بأنّ الاعتبار في القضاء بحال الفوت الذي لا يكاد يتحقّق إلّا بلحاظ آخر الوقت دون أوّله، فإنّه من تبديل الوظيفة لا فواتها كما ستعرف (1).

و الصحيح ما عليه المشهور من تعيّن القضاء قصراً، و كون الاعتبار بحال الأداء لا الوجوب، و ذلك لوجهين:

الأول: أنّ الفوت المأخوذ موضوعاً لوجوب القضاء إنّما ينطبق على الفريضة المقرّرة حال خروج الوقت الذي هو زمان صدق الفوت، و أمّا ما ثبت أوّلًا و قد جاز تركه آن ذاك بترخيص من الشارع في التأخير، و المفروض هو سقوط الخطاب به عنه بتبدّل الموضوع و انقلاب الوظيفة الواقعية من التمام إلى القصر فلا فوت بالنسبة إليه كي يشمله دليل القضاء.

و بكلمة واضحة: ليس الواجب على الحاضر أوّل الوقت هو التمام بما هو و إلّا لما جاز له تركه، مع بداهة الجواز بمقتضى التوسعة المفروضة في الوقت، بل الواجب هو طبيعي الصلاة، و التمام إنّما يكون شرطاً لصحّة العمل الواقع في خصوص الظرف المعيّن، حيث لا تصحّ منه الصلاة في أوّل الوقت مع فرض كونه حاضراً حينئذ إلّا إذا أتى بها تامة، لا أنّ الصلاة التامة بخصوصها تعلّق بها الوجوب في تلك الحال، كيف و قد ساغ له الترك فيه بإذن من الشارع، فلو لم يصلّها حينئذ لم يكن قد فاته شي‌ء.

و هذا بخلاف الصلاة في آخر الوقت، فانّ الواجب عندئذ هو خصوص القصر، و لا يسوغ له تركه، لأجل ضيق الوقت و انحصار الطبيعة المأمور بها في هذا الفرد، فلو ترك ذلك حتى خرج الوقت كان الفائت منه هو هذا الفرد لا محالة، فيختص الفوت به دون غيره، فلا يجب إلّا القضاء قصراً.

____________

(1) و لمزيد التوضيح لاحظ ما سيأتي في الجزء 20: 391 394.

132

[مسألة 14: يستحبّ قضاء النوافل الرواتب استحباباً مؤكّداً]

[1790] مسألة 14: يستحبّ قضاء النوافل الرواتب استحباباً مؤكّداً (1)،

____________

الثاني: إطلاق موثّقة عمّار قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المسافر يمرض و لا يقدر أن يصلّي المكتوبة، قال: يقضي إذا أقام مثل صلاة المسافر بالتقصير» (1)، فإنّ إطلاقها يشمل المسافر الذي كان حاضراً أوّل الوقت، فيجب عليه أيضاً القضاء قصراً.

و لا ينتقض ذلك بشمول الإطلاق المسافر الذي بلغ أهله في آخر الوقت و ذلك لخروجه عن عنوان المسافر حينئذ، و ظاهر الموثّقة اعتبار فوت المكتوبة حال كونه مسافراً، فلا تشمل مثل هذا الفرض كما لا يخفى.

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه: هو لزوم القضاء قصراً.

و أمّا ما أفاده الماتن (قدس سره) من القول بالتخيير فغير واضح، إذ لم يثبت ذلك في الأداء كي يتبعه القضاء، فإنّ العبرة إن كانت بحال الوجوب فالفائت هو التمام، أو بحال الأداء فالقصر، فلم يكن مصداق الفائت هو الواجب التخييري كي يقضيه كذلك.

و من جميع ما قدّمنا يظهر حكم عكس المسألة أعني ما لو كان مسافراً في أوّل الوقت فحضر قبل خروج الوقت، و أنّ الواجب حينئذ هو القضاء تماماً لعين ما ذكر فلا نعيد.

قضاء النوافل:

(1) لجملة من النصوص و أكثرها معتبر سنداً دلّت على تأكّد الاستحباب (2) منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟ قال: فليصلّ حتى لا يدري كم صلّى من كثرتها، فيكون‌

____________

(1) الوسائل 8: 269/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 5.

(2) الوسائل 4: 75/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 18، 19.

133

بل لا يبعد استحباب قضاء غير الرواتب من النوافل الموقّتة (1)، دون غيرها (2)، و الأولى قضاء غير الرواتب من الموقّتات بعنوان احتمال المطلوبية (3).

____________

قد قضى بقدر علمه (ما علمه) إلى أن قال قلت: فإنّه لا يقدر على القضاء فهل يجزي أن يتصدّق؟ فسكت ملياً، ثمّ قال: فليتصدّق بصدقة، قلت: فما يتصدّق؟ قال: بقدر طَوله، و أدنى ذلك مدّ لكلّ مسكين مكان كلّ صلاة قلت: و كم الصلاة التي يجب فيها مدّ لكلّ مسكين؟ قال: لكلّ ركعتين من صلاة الليل مدّ، و لكلّ ركعتين من صلاة النهار مدّ، فقلت: لا يقدره، قال: مدّ لكلّ أربع ركعات من صلاة النهار و أربع ركعات من صلاة الليل، قلت: لا يقدر، قال: فمدّ إذن لصلاة الليل و مدّ لصلاة النهار، و الصلاة أفضل، و الصلاة أفضل، و الصلاة أفضل» (1).

(1) لإطلاق بعض نصوص الباب الشامل لغير الرواتب من النوافل الموقتة كصلاة أوّل الشهر، و الصلوات الواردة في ليالي شهر رمضان و نحوهما.

كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إنّ العبد يقوم فيقضي النافلة فيعجب الربّ ملائكته منه، فيقول: ملائكتي عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه» (2).

و صحيحة عاصم بن حميد قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ الربّ ليعجب ملائكته من العبد من عباده يراه يقضي النوافل (النافلة) فيقول: انظروا إلى عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه» (3).

(2) كصلاة جعفر و نحوها، حيث إنّها لأجل عدم التوقيت تكون أداءً في كلّ حال، فلا قضاء لها أصلًا.

(3) الوجه في ذلك هو المناقشة في الإطلاق المتقدّم، نظراً إلى احتمال‌

____________

(1) الوسائل 4: 75/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 18 ح 2، 1.

(2) الوسائل 4: 75/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 18 ح 2، 1.

(3) الوسائل 4: 77/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 18 ح 5.

134

و لا يتأكّد قضاء ما فات حال المرض (1).

و من عجز عن قضاء الرواتب استحبّ له الصدقة عن كلّ ركعتين بمدّ، و إن لم يتمكّن فعن كلّ أربع ركعات بمدّ، و إن لم يتمكّن فمدّ لصلاة الليل و مدّ لصلاة النهار (2)، و إن لم يتمكّن فلا يبعد مدّ لكلّ يوم و ليلة (3). و لا فرق في قضاء النوافل أيضاً بين الأوقات.

____________

انصرافه إلى الرواتب، كما هو الغالب في موارد نصوص الباب. فان تمّ هذا الانصراف فلا دليل على الاستحباب في غيرها، و إلّا كان الإطلاق محكّماً و لأجل هذا الترديد كان الأولى هو الإتيان رجاءً و باحتمال المطلوبية.

(1) فقد دلّ على استحباب القضاء فيه بالخصوص بعض النصوص كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له: رجل مرض فترك النافلة، فقال: يا محمّد ليست بفريضة، إن قضاها فهو خير يفعله و إن لم يفعل فلا شي‌ء عليه» (1).

إلّا أنّ مقتضى بعض النصوص هو نفي القضاء في الفرض المذكور كصحيح مرازم بن الحكيم الأزدي أنّه قال: «مرضت أربعة أشهر لم أتنفّل فيها، فقلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: ليس عليك قضاء، إنّ المريض ليس كالصحيح، كلّ ما غلب اللّٰه عليه فاللّٰه أولى بالعذر» (2).

و مقتضى الجمع بينها الحمل على نفي التأكّد، بأن يكون قضاء ما فات حال المرض دون قضاء ما فات حال السلامة في الأهمية.

(2) هذه المراتب الثلاث منصوص عليها في صحيحة ابن سنان المتقدّمة (3).

(3) حكى ذلك في الحدائق عن الأصحاب (قدس سرهم) جاعلًا إيّاها‌

____________

(1) الوسائل 4: 79/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 20 ح 1.

(2) الوسائل 4: 80/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 20 ح 2.

(3) في ص 132.

135

[مسألة 15: لا يعتبر الترتيب في قضاء الفوائت من غير اليومية لا بالنسبة إليها]

[1791] مسألة 15: لا يعتبر الترتيب في قضاء الفوائت من غير اليومية لا بالنسبة إليها و لا بعضها مع البعض الآخر (1)، فلو كان عليه قضاء الآيات و قضاء اليومية يجوز تقديم أيّهما شاء، تقدّم في الفوات أو تأخر، و كذا لو كان عليه كسوف و خسوف يجوز تقديم كلّ منهما و إن تأخّر في الفوات.

[مسألة 16: يجب الترتيب في الفوائت اليومية]

[1792] مسألة 16: يجب الترتيب في الفوائت اليومية [1] بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللاحق و هكذا (2).

____________

المرتبة الثانية، مقتصراً عليها و على الاولى من المراتب المذكورة في المتن (1). و لم نجد مستنداً لذلك، و هم أي الأصحاب أعرف بما قالوا. و كأنّ الجمع بين ذلك و بين ما سبق حمل الماتن (قدس سره) على نفي البعد عن جعلها مرتبة رابعة.

و كيف ما كان، فلم يثبت استحباب العمل المذكور في نفسه فضلًا عن كونه في المرتبة الثانية أو الرابعة، نعم الصدقة في حدّ نفسها إحسان و إنفاق، فهي حسن على كلّ حال، فلا بأس بالتصدّق بمدّ عن كلّ يوم أو يومين أو ثلاثة أو أُسبوع أو شهر و هكذا، لكن استحبابها شرعاً عن كلّ يوم أي مجموع النهار و الليل غير ثابت بالخصوص، لعدم قيام دليل على ذلك كما عرفت.

(1) لإطلاق أدلّة القضاء، مضافاً إلى أصالة البراءة عن الترتيب بعد عدم نهوض دليل عليه.

الترتيب في القضاء:

(2) أمّا لزوم الترتيب فيما إذا كانت الفائتة مترتّبة في نفسها كالظهرين‌

____________

[1] على الأحوط، و الأظهر عدم وجوبه إلّا فيما إذا كان الترتيب معتبراً في أدائه كالظهرين و العشاءين من يوم واحد، و بذلك يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية.

____________

(1) الحدائق 11: 28.

136

..........

____________

و العشاءين فممّا لا إشكال فيه و لا خلاف، فإنّه على طبق القاعدة بعد أن كان اللازم هو قضاء ما فات كما فات. فتجب مراعاة جميع الخصوصيات الموجودة في الفائتة عدا خصوصية الوقت.

و لا شكّ في أنّه يعتبر في صحّة صلاة العصر بمقتضى الترتيب الملحوظ بينها و بين صلاة الظهر المستفاد من قوله (عليه السلام): «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1) تأخّرها عن صلاة الظهر، و كذا الحال في صلاة العشاء بالنسبة إلى المغرب و حينئذ فلا بدّ من المحافظة على الشرط المذكور في القضاء حتّى تتحقّق المماثلة المطلقة المعتبرة بينها و بين الأداء.

مضافاً إلى أنّه يدلّ عليه في خصوص العشاءين بعض النصوص كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و إن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و إن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس» (2).

و أمّا في الظهرين فلم يرد فيهما نصّ عدا رواية جميل الآتية، إلّا أنّهما بلا شك كالعشاءين، لعدم احتمال الفرق بينهما.

إنّما الكلام في اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت غير المترتّبة كالغداة و الظهر أو العصر و المغرب. و المشهور وجوب الترتيب بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللاحق.

و اختار جماعة عدم الوجوب، و ذكروا أنّه لا دليل عليه، لعدم اعتبار الترتيب بين الصلاتين شرعاً حتّى في مقام الأداء. و الترتيب المتحقّق بينهما خارجاً اتفاقي يقتضيه طبع الزمان، لسبق وقت الغداة مثلًا على الظهر، لا‌

____________

(1) الوسائل 4: 126/ أبواب المواقيت ب 4 ح 5.

(2) الوسائل 4: 288/ أبواب المواقيت ب 62 ح 4.

137

..........

____________

أنّ الشارع اعتبر السبق و اللحوق بينهما، فحالهما حال ما إذا اتفق الكسوف قبل الزوال، فكما أنّه لا ترتيب حينئذ بين صلاتي الكسوف و الظهر شرعاً و إنّما يكون الترتيب اتفاقياً خارجاً، كذلك الحال في المقام. و حيث لا دليل على اعتبار الترتيب شرعاً في خصوص القضاء، فيكون مقتضى الإطلاقات المؤيّدة بأصالة البراءة عدم الوجوب.

لكنّ القائلين بوجوب الترتيب استدلّوا له بعدّة روايات:

منها: ما رواه المحقّق (قدس سره) في المعتبر عن جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت: تفوت الرجل الاولى و العصر و المغرب، و يذكر بعد العشاء، قال: يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه، فإنّه لا يأمن الموت فيكون قد ترك الفريضة في وقت قد دخل، ثمّ يقضي ما فاته الأوّل فالأوّل» (1) كذا في رواية الوسائل. و في المعتبر: «عند العشاء» بدل: «بعد العشاء».

و كيف كان، فقد دلّت الرواية على لزوم الإتيان بعد الفراغ عن أداء فريضة الوقت بالقضاء مراعياً فيه الأوّل فالأوّل بتقديم السابق في الفوات على اللاحق.

و لكن الاستدلال بذلك غير تامّ على التقديرين، أمّا على رواية الوسائل من كون التذكّر بعد الفراغ من العشاء فالمراد بفريضة الوقت إنّما هي صلاة المغرب لا محالة، فينحصر على هذا مصداق الفائت بالظهرين، و لا شك في اعتبار الترتيب في قضائهما لكونهما مترتّبتين أداء، و هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام كما عرفت.

على أنّا نقطع بغلط النسخة على هذا التقدير، فإنّه بعد استلزامها انحصار الفائت بالظهرين كما عرفت يلغو قوله: «الأوّل فالأوّل»، فإنّ الأوّلية تستدعي وجود ما يكون ثانياً و إلّا لما صحّ اتصاف الشي‌ء بالأوّلية، فقوله‌

____________

(1) الوسائل 4: 289/ أبواب المواقيت ب 62 ح 6، المعتبر 2: 407.

138

..........

____________

(عليه السلام): «فالأوّل» يستلزم فرضَ ثانٍ له لا محالة، و هو الثالث من المجموع، و عليه فلا يحسن مثل هذا التعبير إلّا عند فرض أُمور ثلاثة على أقلّ تقدير، و المفروض في المقام انحصار الفائت باثنين، الظهر و العصر، فكان من حقّ العبارة أن يقال: يقضي الأوّل و بعده العصر، لا «الأوّل فالأوّل».

فالصحيح إذن إنّما هي نسخة المعتبر المشتملة على قوله: «عند العشاء» حيث يكون المراد بفريضة الوقت على هذا التقدير صلاة العشاء، و حينئذ فيكون الفائت ثلاث صلوات، الظهرين و صلاة المغرب، و بذلك يصحّ التعبير الوارد في الرواية، و لا تكون أجنبية عن محلّ الكلام.

و ممّا يؤيّد ما ذكرناه أنّ صاحب الوسائل (قدس سره) ذكر الرواية بعينها مع اختلاف يسير في ألفاظها لا يوجب تغييراً في المعنى في باب القضاء موافقاً لما في المعتبر، و إليك نصّها: بإسناده أي الشيخ (قدس سره) عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء عن رجل عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: تفوت الرجل الاولى و العصر و المغرب و ذكرها عند العشاء الآخرة، قال: يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فإنّه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت، ثمّ يقضي ما فاته الأُولى فالأُولى» (1).

و المظنون قوياً أنّ صاحب المعتبر (قدس سره) روى أيضاً هذه الرواية عن جميل بالإسناد المذكور، إذ من البعيد جدّاً أن يكون قد رواها من كتاب جميل أو بإسناد آخر، و حينئذ فلا بدّ و أن يكون قوله: «بعد العشاء» كما في رواية الوسائل في باب المواقيت نقلًا عن المحقّق في المعتبر من غلط النسخة و أنّ الصحيح هو قوله: «عند العشاء» كما في المعتبر و في باب القضاء من الوسائل.

____________

(1) الوسائل 8: 257/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 5، التهذيب 2: 352/ 1462.

139

..........

____________

و لكنّه مع ذلك كلّه فالاستدلال بالرواية غير تامّ.

أمّا أوّلًا: فلأنّها إنّما تنطبق على مذهب العامّة (1) و بعض القدماء من أصحابنا من القول بتضييق وقت المغرب و انتهائه بغيبوبة الشفق التي هي مبدأ وقت صلاة العشاء، و إلّا لما صحّ توصيف صلاة المغرب بالفائتة عند العشاء فانّ المعروف من مذهب أصحابنا هو امتداد وقتي المغرب و العشاء إلى منتصف الليل، بل إلى الفجر كما هو الصحيح و إن كان آثماً في التأخير.

و على هذا فلا تكون المغرب حين تذكّره و هو عند العشاء فائتة، فكيف يسوغ و الحال هذه البدأة بصلاة العشاء ثمّ الإتيان بصلاة المغرب مع اعتبار الترتيب بينهما؟ و هل هذا إلّا الإخلال بالترتيب عامداً؟ فلا جرم تطرح الرواية لمخالفتها للمذهب.

و ثانياً: أنّها ضعيفة السند بالإرسال، و قد ذكرنا آنفاً أنّ المحقّق (قدس سره) بالظنّ القوي يرويها بهذا الإسناد، و على فرض أن يكون لها سند آخر عنده فهو مجهول. فالرواية مرسلة على كلّ حال، و لا تصلح للاستدلال.

و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة ...» (2).

و الاستدلال بها مبنيّ على أن يكون المراد ب‍ «أوّلهنّ» أُولاهن في الفوات بأن يبدأ بما فاته أوّلًا، فيقدّم السابق فواتاً على اللاحق، فتدلّ حينئذ على اعتبار الترتيب.

و لكنّ هذا المعنىٰ غير ظاهر، لعدم كونه بيّناً في نفسه و لا مبيّناً، و من الجائز أن يراد أُولاهن في مقام القضاء، بأن تكون الصحيحة ناظرة إلى بيان كيفية‌

____________

(1) المغني 1: 424، الشرح الكبير 1: 472، حلية العلماء 2: 17.

(2) الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 63 ح 1، 8: 254/ أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 4.

140

و لو جهل الترتيب وجب التكرار (1)

____________

الأذان و الإقامة عند تصدّي المكلّف للقضاء، و أنّه يكفيه أذان الصلاة الاولى من الصلوات التي يقضيها، و لا يجب عليه الأذان لكلّ قضاء، ثمّ يصلّي بإقامة إقامة لكل واحدة من الصلوات التي يقضيها ما دام متشاغلًا بالقضاء في مجلس واحد.

فاذا فرضنا أنّه انقطع عن القضاء فترة ثمّ أراد التشاغل به بعد ذلك كان عليه أيضاً الأذان للأُولى فيصلّيها بأذان و إقامة، و يأتي بعد ذلك بما شاء قضاءً بإقامة إقامة لكلّ واحدة منها بدون الأذان، و هكذا.

و على الجملة: أنّ هذا الذي ذكرناه غير بعيد عن سياق الرواية، بل لعلّه هو الظاهر منها، سيما بملاحظة الفاء في قوله (عليه السلام): «فأذّن» الكاشفة عن أنّ قوله (عليه السلام): «فابدأ بأوّلهنّ ...» توطئة و تمهيد لبيان حكم قضاء الصلوات من حيث الأذان و الإقامة، فيكون النظر مقصوراً على بيان الحكم المذكور، من دون نظر إلى الفوائت أنفسها من حيث السبق و اللحوق في الفوت.

كما يؤيّده عدم التعرّض في الرواية للترتيب بين الاولى و ما عداها في الصلوات الفائتة، و عليه فيكون مفاد الرواية مطابقاً لما دلّ عليه صحيح محمّد ابن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلّى الصلوات و هو جنب اليوم و اليومين و الثلاثة ثمّ ذكر بعد ذلك، فقال: يتطهّر و يؤذّن و يقيم في قضاء أُولاهن ثمّ يصلّي، و يقيم بعد ذلك في كلّ صلاة فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته» (1).

فالمتحصّل: أنّه لا دلالة لشي‌ء من النصوص على اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت غير المرتّبة في نفسها، و المرجع بعد الشك أصالة البراءة.

(1) أمّا بناءً على عدم اعتبار الترتيب كما هو الصحيح فلا ريب في جواز‌

____________

(1) الوسائل 8: 254/ أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 3.

141

إلّا أن يكون مستلزماً للمشقّة التي لا تتحمّل من جهة كثرتها (1) فلو فاتته ظهر و مغرب و لم يعرف السابق صلّى ظهراً بين مغربين أو مغرباً بين ظهرين و كذا لو فاتته صبح و ظهر، أو مغرب و عشاء من يومين، أو صبح و عشاء أو صبح و مغرب، و نحوها ممّا يكونان مختلفين في عدد الركعات. و أمّا إذا فاتته ظهر و عشاء، أو عصر و عشاء، أو ظهر و عصر من يومين ممّا يكونان متّحدين في عدد الركعات فيكفي الإتيان بصلاتين بنية الاولى في الفوات و الثانية فيه، و كذا لو كانت أكثر من صلاتين، فيأتي بعدد الفائتة بنية الأُولى فالأُولى.

____________

تقديم ما هو المتأخّر فواتاً حتى مع العلم بالسابق و اللاحق كما هو ظاهر.

و أمّا بناءً على اعتباره فهل يختصّ ذلك بحال الإحراز فلا يعتبر الترتيب مع الجهل، أو أنّه شرط واقعي يعمّ الصورتين؟ الظاهر هو الثاني لإطلاق الدليل كما هو الشأن في بقية الأجزاء و الشرائط، حيث إنّها أُمور واقعية معتبرة في المأمور به، سواء أ كان المكلّف عالماً بها أم كان جاهلًا.

و عليه فيكون اللازم في مورد الجهل الاحتياط بالتكرار إلى أن يحصل العلم بتحقّق الشرط المذكور، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي فراغاً مثله.

(1) فيسقط بدليل نفي الحرج. و هل الساقط حينئذ هو اعتبار الترتيب من أصله، أو خصوص الحدّ المستلزم للحرج فيحتاط بالتكرار إلى حدٍّ يستلزم الاستمرار فيما بعده الحرج؟

الظاهر هو الثاني، لعدم المقتضي للسقوط رأساً. و دليل نفي الحرج إنّما ينفي الاحتياط بالمقدار المستلزم للحرج، فهذه المرتبة من الاحتياط هي الساقط وجوبها بدليل نفي الحرج، و أمّا المقدار الذي لم يبلغ هذا الحدّ فلا موجب لسقوطه، فانّ فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه. و بالجملة: فلا مناص من الاحتياط ما لم يلزم منه الحرج.

فاذا كانت الفائتة أوّلًا مردّدة بين مختلفي العدد كالصبح و المغرب مثلًا صلّى‌

142

..........

____________

صبحاً بين مغربين أو مغرباً بين صبحين، فتقع إحداهما زائدة. و لا ضير في الزيادة للزوم الإتيان بها من باب المقدّمة العلمية.

كما أنّه لا ضير في التكرار احتياطاً كما في سائر موارد الاحتياط المستلزم للتكرار بعد حصول قصد القربة المعتبر في العبادة و لو على وجه الرجاء في كلّ واحد من الأطراف.

غايته فقد قصد التمييز حينئذ، و هو غير معتبر، لعدم الدليل عليه. و على فرض الاعتبار فهو خاصّ بصورة التمكّن منه، و أمّا مع العجز عنه كما في أمثال المقام فهو ساقط بلا إشكال.

و منه يظهر الحال في سائر ما أورده الماتن (قدس سره) من الأمثلة للفائتتين مختلفتي العدد.

و أمّا إذا تردّدت الفائتة أوّلًا بين صلاتين متّحدتي العدد كظهر و عشاء، أو عصر و عشاء، أو صبح و عشاء بالنسبة إلى المسافر، أو ظهر و عصر من يومين أو كانت الفائتة صلاة واحدة مردّدة بين صلاة الظهر و صلاة العصر و لو من يوم واحد، فإنّه لا حاجة إلى التكرار في شي‌ء من ذلك، بل إنّه يكفي في الأخير الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة، كما أنّه يكفي فيما عداه الإتيان بصلاتين بنية الاولى في الفوات و الثانية فيه. كما أنّ الفائتة لو كانت أكثر من اثنتين كان عليه أن يأتي بعددها بنية الأُولى فالأُولى.

و الوجه في ذلك كلّه هو كفاية قصد القربة إجمالًا في تحقّق العبادة، و لا حاجة إلى قصدها تفصيلًا، و أنّ التمييز غير معتبر في ذلك.

و هذا ظاهر فيما إذا تساوت الفائتتان من حيث الجهر و الإخفات، كما إذا تردّدتا بين الصبح و العشاء في حقّ المسافر، أو الظهر و العصر من يومين.

و كذا الحال مع الاختلاف في ذلك كما إذا دار الأمر بين العصر و العشاء و ذلك لسقوط اعتبار الجهر و الإخفات في مفروض المقام، و يدلّ عليه:

أوّلًا: صحيحة علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: من نسي من صلاة يومه واحدة، و لم يدر أيّ صلاة هي‌

143

..........

____________

صلّى ركعتين و ثلاثاً و أربعاً» (1).

فانّ الاكتفاء بأربع ركعات عن الفائتة المردّدة بين الجهرية و الإخفاتية يكشف عن سقوط اعتبار الجهر و الإخفات في قضاء المردّدة بينهما كما في المقام فإنّه يصدق على الاولى بوصف كونها كذلك أنّها مردّدة بين العصر و العشاء مثلًا من يوم واحد، و قد حكم الإمام (عليه السلام) فيه بالاجتزاء بأربع ركعات. و كذلك الحال في الفائتة الثانية بوصف كونها كذلك. فينتج جواز الإتيان بصلاتين، بلا حاجة إلى التكرار، لعدم اعتبار الجهر و الإخفات حينئذ، هذا بحسب الدلالة.

و أمّا من حيث السند فقد أشرنا في بعض المباحث السابقة و لا سيما عند التعرّض لمرسلة يونس الطويلة (2) إلى أنّ التعبير ب‍ (غير واحد من أصحابنا) أو (جماعة من أصحابنا) يكشف عن كثرة رواة الحديث، بحيث يجد الراوي نفسه في غنى عن ذكر أسمائهم، و كون صدور الخبر بنظره مسلّماً و مفروغا عنه و لذلك أجمل في مقام التعبير عنهم.

و من البعيد جدّاً أن يكونوا على كثرتهم كلّهم ضعفاء، بل تطمئنّ النفس بوجود الثقة فيهم و لا أقل من الواحد. فلا يقاس ذلك بقوله: (عن رجل) أو (عمّن أخبره) و نحوهما، للفرق الواضح بين التعبيرين كما لا يخفى.

و عليه فلا يعامل مع هذه الرواية و نظائرها كمرسلة يونس الطويلة معاملة المراسيل، فالمناقشة فيها من حيث السند ساقطة أيضاً. و أمّا علي بن أسباط نفسه فقد وثّقه النجاشي صريحاً (3).

و تؤيّدها مرفوعة الحسين بن سعيد قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي من الصلوات لا يدري أيّتها هي، قال: يصلّي ثلاثاً و أربعاً و ركعتين، فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلّى أربعاً، و إن كانت‌

____________

(1) الوسائل 8: 275/ أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 1.

(2) شرح العروة 7: 149.

(3) رجال النجاشي: 252/ 663.

144

[مسألة 17: لو فاتته الصلوات الخمس غير مترتّبة و لم يعلم السابق من اللاحق]

[1793] مسألة 17: لو فاتته الصلوات الخمس غير مترتّبة (1) و لم يعلم السابق من اللاحق يحصل العلم بالترتيب بأن يصلّي خمسة أيّام، و لو زادت فريضة أُخرى يصلّي ستة أيام، و هكذا كلّما زادت فريضة زاد يوما.

____________

المغرب أو الغداة فقد صلّى» (1). إلّا أنّها لضعفها سنداً لا تصلح إلّا للتأييد.

و ثانياً: قصور المقتضي، حيث إنّه لا إطلاق لدليل اعتبار الجهر و الإخفات يتناول المقام، فإنّ عمدة المستند لذلك إنّما هي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، و أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه و قد تمّت صلاته» (2).

و هي كما تراها صريحة في الدلالة على أنّ الناقض هو الإخلال بالجهر و الإخفات عامداً، و أمّا إذا كان المصلّي لا يدري بذلك فلا شي‌ء عليه. و من الواضح أنّ القاضي صلاته في مفروض الكلام لا يدري أنّ الفائتة الاولى جهرية أو إخفاتية، و كذا الثانية، فلا يشمله صدر الرواية، بل يندرج ذلك تحت إطلاق الذيل، هذا.

و قد ذكرنا في بحث الأُصول أنّه لا مانع من أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم نفسه لكن مع الاختلاف في المرتبة، بأن يكون العلم بالحكم الإنشائي و مرحلة الجعل مأخوذاً في موضوع الحكم الفعلي و مرحلة المجعول (3). و سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى في شرح المسألة الحادية و العشرين ما له نفع في المقام.

(1) بأن فاتته الصبح في يوم و الظهر في آخر و العصر في ثالث و هكذا، مع عدم علمه بالسابق من اللاحق، فإنّه لا يكاد يحصل العلم بالترتيب إلّا بأنّ يصلّي خمسة أيّام. و لو زادت الفريضة الفائتة بواحدة ازداد عدد الأيّام أيضاً‌

____________

(1) الوسائل 8: 276/ أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 2.

(2) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.

(3) لاحظ مصباح الأُصول 2: 46 47.

145

[مسألة 18: لو فاتته صلوات معلومة سفراً و حضراً و لم يعلم الترتيب]

[1794] مسألة 18: لو فاتته صلوات معلومة سفراً و حضراً و لم يعلم الترتيب صلّى بعددها من الأيّام، لكن يكرّر الرباعيات من كلّ يوم بالقصر و التمام (1).

____________

بواحد و هكذا، هذا.

و لكن بناءً على ما ذكرناه و سيذكره الماتن (قدس سره) أيضاً فيما يأتي (1) من كفاية الإتيان عن الفائتة المردّدة بين الظهرين و العشاء برباعية مردّدة بينهما يكتفي في المقام بثنائية و ثلاثية و رباعية مردّدة بين الصلوات الثلاث لكلّ يوم إذا كان الفوت حال الحضر، و إذا كان في السفر اكتفى عن كلّ يوم بثنائية مردّدة بين الصبح و الظهرين و العشاء، و ثلاثية.

(1) المفروض في هذه المسألة هو العلم بمقدار الفائت كما إذا علم بأنّه قد فاتته صلوات خمسة أيّام مثلًا بحيث لم يكن قد صلّى في هذه المدّة أصلًا، مع العلم بأنّه كان حاضراً في بعض الخمسة و مسافراً في البعض الآخر، و مع العلم أيضاً بعدد أيام السفر و الحضر لكنّه جاهل بالسابق من اللاحق، فلا يدري بسبق السفر على الحضر أو العكس، و هو المراد بعدم العلم بالترتيب، ففي مثله لا بدّ من قضاء صلوات خمسة أيام مع مراعاة التكرار في الرباعية من كلّ يوم بالجمع بين القصر و التمام كما أفاده الماتن (قدس سره).

و الوجه فيه: أنّ الرباعية في كلّ يوم من الأيّام الخمسة دائر أمرها بين القصر و التمام، لأجل العلم الإجمالي الناشئ من تردّده في اليوم المذكور بين السفر و الحضر، فبمقتضى العلم الإجمالي لا بدّ له من التكرار، و لا ربط له بمسألة اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت، فانّ التكرار كما ذكرناه لازم سواء أقلنا باعتبار الترتيب أم لم نقل، فإنّه من آثار تنجيز العلم الإجمالي المتعلّق بوجوب القصر أو التمام كما عرفت.

____________

(1) [في المسألة الحادية و العشرين].

146

[مسألة 19: إذا علم أنّ عليه صلاة واحدة لكن لا يعلم أنّها ظهر أو عصر]

[1795] مسألة 19: إذا علم أنّ عليه صلاة واحدة لكن لا يعلم أنّها ظهر أو عصر يكفيه إتيان أربع ركعات بقصد ما في الذمة (1).

[مسألة 20: لو تيقّن فوت إحدى الصلاتين من الظهر أو العصر لا على التعيين، و احتمل فوت كلتيهما]

[1796] مسألة 20: لو تيقّن فوت إحدى الصلاتين من الظهر أو العصر لا على التعيين، و احتمل فوت كلتيهما، بمعنى أن يكون المتيقّن إحداهما لا علىٰ التعيين و لكن يحتمل فوتهما معاً، فالأحوط الإتيان بالصلاتين، و لا يكفي الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمة، لأنّ المفروض احتمال تعدّده، إلّا أن ينوي ما اشتغلت به ذمّته أوّلًا، فإنّه على هذا التقدير يتيقّن إتيان واحدة صحيحة، و المفروض أنّه القدر المعلوم اللازم إتيانه (2).

____________

و منه تعرف أنّه لا يجري في المقام ما تقدّم في المسألة السابقة من عدم الحاجة إلى التكرار و الاكتفاء في الفائتة حضراً بثنائية و ثلاثية و رباعية مردّدة بين الظهرين و العشاء، و سفراً بثلاثية و ثنائية مردّدة بين الصبح و الظهرين و العشاء كما قيل للفرق الواضح بين المسألتين موضوعاً، فانّ المفروض في المسألة السابقة هو الترديد في الفائتة، لعدم علمه بأنّ الفائتة في اليوم الأوّل أيّة فريضة من الفرائض اليومية الخمس، و هكذا بالنسبة إلى سائر الأيّام الخمسة.

و هذا بخلاف المقام، حيث إنّه لا ترديد فيه في الفائتة نفسها، فإنّه عالم بفوت جميع الفرائض الخمس في كلّ من الأيّام الخمسة، إلّا أنّ الترديد في الفائتة بلحاظ القصر و التمام، فالفائتة معلومة من كلّ الجهات إلّا من جهة القصر و التمام، و عليه فلا مناص من الجمع بين القصر و التمام كما ذكره الماتن (قدس سره).

(1) لكفاية قصد العنوان الواقعي إجمالًا و عدم لزوم قصده تفصيلًا على ما مرّت الإشارة إليه في مطاوي الأبحاث السابقة (1).

(2) إذا تيقّن فوت إحدى الصلاتين كالظهرين لا على التعيين مع عدم‌

____________

(1) كما في ص 142.

147

..........

____________

احتماله فوتهما معاً فلا إشكال في كفاية الإتيان برباعية بقصد ما في الذمّة كما تقدّم آنفاً، و إذا انضمّ إلى ذلك احتمال فوتهما معاً فلا ينبغي الشكّ في عدم لزوم قضاء ما زاد على المتيقّن به، لأجل الشكّ في تحقّق الفوت الذي هو الموضوع لوجوب القضاء. فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة أو قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت كما سيشير إليه الماتن (قدس سره) في مطاوي المسائل الآتية، و عليه فلا يجب الإتيان بأكثر من صلاة واحدة.

إنّما الكلام في كيفية الإتيان بها، فهل يصحّ الإتيان بقصد ما في الذمّة كما هو الحال في المسألة السابقة، أو لا؟

الظاهر هو الثاني، فإنّ المفروض هنا هو احتمال التعدّد فيما اشتغلت به الذمّة واقعاً. و حينئذ فيحتاج في مقام القضاء إلى التعيين و لو إجمالًا، و المفروض عدم حصول التعيين حتّى إجمالًا بالقصد المذكور بعد صلاحية انطباقه على كلّ من الصلاتين.

و من هنا أفاد الماتن (قدس سره) أنّ اللازم حينئذ أن ينوي ما اشتغلت به ذمّته أوّلًا، فإنّه عنوان متعيّن واقعاً، لامتيازه عن غيره، فيحصل بقصده التعيين الإجمالي لا محالة.

و من المعلوم أنّه (قدس سره) لا يريد بذلك الأوّل بوصف الأولية أي الأوّل في باب الأعداد لاستدعاء الأوّلية كذلك فرض وجود ثان له لكي يكون هذا أوّلًا بالإضافة إليه، و هو غير معلوم على الفرض، بل مراده ذات الأوّل، بمعنى ناقض العدم و الذي لم يكن مسبوقاً بمثله، حتّى يجتمع ذلك مع احتمالي وحدة الفائتة و تعدّدها، كما أُطلق الأول بهذا المعنى على الباري سبحانه و تعالى.

و كيف ما كان، فالمكلّف بهذا النحو من القصد يستطيع الإتيان بصلاة واحدة صحيحة، نظراً إلى تحقّق التعيين الإجمالي بذلك.

148

[مسألة 21: لو علم أنّ عليه إحدى الصلوات الخمس]

[1797] مسألة 21: لو علم أنّ عليه إحدى الصلوات الخمس يكفيه صبح و مغرب و أربع ركعات بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء، مخيّراً فيها بين الجهر و الإخفات (1).

و إذا كان مسافراً يكفيه مغرب و ركعتان مرددة بين الأربع، و إن لم يعلم أنّه كان مسافراً أو حاضراً يأتي بركعتين مردّدتين بين الأربع، و أربع ركعات مرددة بين الثلاث، و مغرب.

____________

(1) لصحيحة علي بن أسباط المتقدّمة (1) المؤيّدة بمرفوعة الحسين بن سعيد (2) و قد مرّ الكلام حول ذلك مستقصى في شرح المسألة السادسة عشرة فلاحظ.

و حيث كان مفاد الصحيحة هو الاجتزاء بالرباعية المأتي بها عن كلّ رباعية فائتة فُهم منها على سبيل القطع عدم الخصوصية للمورد، و أنّه يجتزئ أيضاً بالثنائية المأتي بها عن كلّ ثنائية فائتة و لو كانت هي الظهرين و العشاء في حال السفر، كالجمع بين الأمرين لو لم يعلم أنّه كان حاضراً أو مسافراً.

كما عرفت أيضاً أنّ المستفاد منها إلغاء اعتبار الجهر و الإخفات عند تردّد الفائتة بين الجهرية و الإخفاتية، و لأجل ذلك ذكرنا هناك أنّ من فاتته صلاتان متساويتان من حيث العدد مختلفتان من حيث الجهر و الإخفات و لم يعلم السابق منهما من اللاحق لا يلزمه التكرار حينئذ بناء على اعتبار الترتيب في القضاء بل يجزيه الإتيان بصلاتين، قاصداً بالأُولى الفائتة أوّلًا و بالثانية الفائتة بعدها، مخيّراً فيهما بين الجهر و الإخفات، و ذلك لتردّد الاولى بوصف كونها اولى بين الجهر و الإخفات، و كذلك الحال في الثانية. فيسقط إذن بمقتضى الصحيحة المتقدّمة اعتبار الجهر و الإخفات، هذا.

____________

(1) في ص 142.

(2) تقدّم ذكرها ص 143.

149

..........

____________

مضافاً إلى قصور المقتضي، لاختصاص دليل اعتبارهما الذي عمدته صحيحة زرارة (1) بحال العلم، فينتفي اعتبارهما واقعاً في حال الجهل و التردّد. و لا مانع من أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه مع اختلاف المرتبة كما تقدّم.

و هل التخيير الثابت فيما ذكرناه مشروط بحصول الموافقة الاحتمالية للفائتة بأن يجهر في إحدى الصلاتين و يخفت في الأُخرى مخيّراً بينهما، فلا يجوز الإجهار أو الإخفات فيهما معاً لاستلزامه المخالفة القطعية، إذ الفائتة مردّدة بين جهرية و إخفاتية، فيكون الإتيان بالصلاتين معاً جهراً أو إخفاتاً مخالفة للواقع في إحداهما قطعاً، أو أنّ التخيير ثابت مطلقاً حتى و إن استلزم ذلك؟

الظاهر هو الثاني، لعدم حصول المخالفة القطعية إلّا في موارد الأحكام الواقعية الثابتة في حالتي العلم و الجهل، لا مثل المقام ممّا كان الحكم فيه منوطاً بحال العلم، و منتفياً ظاهراً و واقعاً في حال الجهل كما دلّت عليه صحيحة زرارة على ما عرفت.

و عليه فاذا أجهر مثلًا في الصلاتين معاً فقد علم بالمخالفة في إحداهما، إلّا أنّ هذا العلم الحاصل فيما بعد لا أثر له، و لا يترتّب عليه تنجيز الحكم بعد فرض جهله بالجهر أو الإخفات حال الإتيان بالعمل. ففي ظرف الامتثال لم يثبت في حقّه وجوب الجهر أو الإخفات، لأجل جهله المانع عن توجّه الحكم بالإضافة إليه بعد فرض تقوّمه بالعلم، بل إنّه بهذا الاعتبار لا يكون احتمال المخالفة فضلًا عن القطع بها كما لا يخفي.

و عليه فبعد قصور دليل الاعتبار عن الشمول لمثل ذلك يشمله الإطلاق في صحيحة علي بن أسباط بطبيعة الحال.

و هل يثبت التخيير حتى في الصلاة الواحدة بأنّ يجهر في إحدى الركعتين الأُوليين و يخفت في الأُخرى؟ مقتضى الإطلاق في صحيحة علي بن أسباط جواز ذلك. لكنّه مشكل، للزوم المخالفة القطعية في شخص الصلاة، للعلم‌

____________

(1) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1، و قد تقدمت في ص 144.

150

..........

____________

إجمالًا بأنّها إمّا جهرية بتمامها أو إخفاتية كذلك. فالتفكيك فيها بين الركعات مناف للعلم المذكور.

و بكلمة اخرى: أنّه يتولّد من العلم الإجمالي المذكور العلمُ تفصيلًا ببطلان الصلاة، حيث يشمله قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، و أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه: أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته، و عليه الإعادة ...» (1).

إذ المراد من الموصولِ الصلاةُ، فهو في هذه الصلاة يعلم بأنّه إمّا أجهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، و المفروض أنّه فعل ذلك متعمّداً، فعليه الإعادة. فلا يقاس المقام بالفرض المتقدّم، لعدم العلم فيه بالنسبة إلى كل صلاة باعتبار الجهر أو الإخفات.

و يمكن دفع الإشكال المذكور أيضاً بعدم وضوح إرادة الصلاة من الموصول بل الظاهر أنّ المراد به هي القراءة التي تتّصف بالجهر و الإخفات. فالعبرة بملاحظة القراءة في كلّ ركعة بحيالها، لا مجموع الصلاة، و لا شك في أنّه حين القراءة في كلّ من الركعتين غير عالم باعتبار الجهر أو الإخفات فيها، فيكون جاهلًا باعتبارهما في كلّ من الركعتين، كما هو الحال بالنسبة إلى كلّ من الصلاتين في الفرض السابق.

فالمقتضي إذن قاصر في كلتا الصورتين، فيرجع إلى الإطلاق في صحيحة علي ابن أسباط، و مع الشكّ و الترديد في المراد من الموصول و أنّه الصلاة أو القراءة يكون المرجع أيضاً هو إطلاق الصحيحة، لإجمال صحيحة زرارة المتقدّمة، فلا تنهض لتقييد الإطلاق.

فتحصّل: أنّ الأظهر هو سقوط اعتبار الجهر و الإخفات في الفائتة المردّدة و الحكم بثبوت التخيير في ذلك بين الجهر و الإخفات مطلقاً.

____________

(1) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.

151

[مسألة 22: إذا علم أنّ عليه اثنتين من الخمس مردّدتين]

[1798] مسألة 22: إذا علم أنّ عليه اثنتين من الخمس مردّدتين في الخمس من يوم (1) وجب عليه الإتيان بأربع صلوات، فيأتي بصبح إن كان أوّل يومه الصبح، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر، ثمّ مغرب، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر (2) و العشاء.

____________

هذا كلّه على تقدير اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت المستلزم ذلك للترديد في كون الفائتة الاولى بوصف كونها اولى هل هي جهرية أو إخفاتية، و أمّا على تقدير عدم اعتباره كما هو الصحيح على ما تقدّم (1) فاللازم مراعاة الجهر و الإخفات، لعدم الترديد في ذلك حينئذ. فمن فاتته ظهر و عشاء صلّى الظهر إخفاتاً و العشاء جهراً و إن علم بتأخّر الاولى في الفوت عن الثانية فضلًا عمّا إذا كان جاهلًا بالسابق منهما و اللاحق، لعدم اعتبار الترتيب بين الصلاتين، فلا يحصل الترديد بين الجهر و الإخفات في القضاء.

و هذه إحدى الثمرات المهمّة المترتّبة على القولين، إذ تجب مراعاة الجهر و الإخفات على القول بعدم اعتبار الترتيب، و يسقط ذلك بناء على اعتباره.

(1) لا يخفى أنّ الفقيه ليس من شأنه إلّا بيان كبرى المسألة مثل اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت و عدمه، و الاكتفاء بأربع ركعات عمّا فاته من الرباعية عند الجهل بحال الفائتة، و عدم اعتبار الجهر و الإخفات في قضاء الفائتة المردّدة بينهما، و نحو ذلك.

و أمّا تطبيق الكبريات على صغرياتها فليس ذلك من شأنه، بل لا عبرة بنظره في هذا الباب، و ربما يشتبه الأمر في ذلك عليه كما وقع ذلك للماتن (قدس سره) في هذه المسألة و المسألة الثالثة و العشرين، و لأجل ذلك لزمنا التنبيه على مواضع الاشتباه.

(2) و ذلك لجواز كون الفائتتين هما الظهران، فتقع الأربع الأُولى حينئذ‌

____________

(1) في ص 136 و ما بعدها.

152

و إن كان أوّل يومه الظهر أتى بأربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء (1) ثمّ بالمغرب، ثمّ بأربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء (2) ثمّ بركعتين للصبح.

و إن كان مسافراً يكفيه ثلاث صلوات، ركعتان مردّدتان بين الصبح و الظهر و العصر (3) و مغرب ثمّ ركعتان مردّدتان بين الظهر و العصر و العشاء (4) إن كان أوّل يومه الصبح، و إن كان أول يومه الظهر تكون الركعتان الأُوليان مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء، و الأخيرتان مردّدتان بين العصر و العشاء و الصبح. و إن لم يعلم أنّه كان مسافراً أو حاضراً أتى بخمس صلوات، فيأتي في الفرض الأوّل بركعتين مردّدتين بين الصبح و الظهر و العصر، ثم أربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر ثم المغرب، ثم ركعتين مردّدتين بين الظهر و العصر و العشاء، ثم أربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء. و إن كان أوّل يومه الظهر فيأتي بركعتين مردّدتين بين الظهر و العصر [1] (5)

____________

ظهراً و الثانية عصراً.

(1) لا حاجة إلى ملاحظة العشاء بعد فرض الإتيان بعد المغرب برباعية مردّدة بينها و بين العصر.

(2) و إنّما لم يذكر الظهر للاستغناء عنها على تقدير فوتها بالرباعية الأُولى.

(3) لاحتمال انطباق الفائتة الأُولى على كلّ واحدة منها.

(4) و إنّما لم يذكر الصبح للاستغناء عنها على تقدير فوتها بالثنائية الاولى و منه يظهر الوجه في الفروض الآتية.

(5) لا بدّ من ضمّ العشاء أيضاً، لجواز كون الفائتتين هما العشاء قصراً‌

____________

[1] بل بالمردّدتين بين الظهر و العصر و العشاء، و لعلّ السقط من النسّاخ.

153

و أربع ركعات مردّدة بين الظهر و العصر و العشاء، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتين مردّدتين بين العصر و العشاء و الصبح، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر و العشاء.

[مسألة 23: إذا علم أنّ عليه ثلاثاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب]

[1799] مسألة 23: إذا علم أنّ عليه ثلاثاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب، و إن كان في السفر يكفيه أربع صلوات ركعتان مردّدتان بين الصبح و الظهر، و ركعتان مردّدتان بين الظهر و العصر، ثمّ المغرب، ثمّ ركعتان مردّدتان بين العصر و العشاء.

و إذا لم يعلم أنّه كان حاضراً أو مسافراً يصلّي سبع صلوات، ركعتين مردّدتين بين الصبح و الظهر و العصر [1] (1) ثمّ الظهر و العصر تامّتين، ثمّ ركعتين مردّدتين بين الظهر و العصر، ثم المغرب، ثمّ ركعتين مردّدتين بين العصر و العشاء، ثمّ العشاء بتمامه. و يعلم ممّا ذكرناه حال ما إذا كان أوّل يومه الظهر، بل و غيرها.

____________

و الصبح، و على ما في المتن لم يصحّ منه حينئذ إلّا العشاء فقط، و لعلّ السقط من النسّاخ (1).

(1) لا حاجة الى ضمّ العصر هنا، للاستغناء عنها بضمّها إلى الظهر في الثنائية الثانية كما نبّه الأُستاذ (دام ظلّه) عليه و على ما قبله في تعليقته الأنيقة.

ثم إنّه لا موجب لشرح ما أفاده الماتن (قدس سره) في مطاوي هذه المسائل، فإنّه بعد وضوح كبرى المسألة على ما تقدّم و التدبّر في الاستخراج و التطبيق لا طائل في التفصيل فلاحظ.

____________

[1] لا حاجة إلى ضمّ العصر إليهما.

____________

(1) و أمّا ما أُورد على المتن في المقام من عدم الحاجة إلى ملاحظة العشاء في الرباعية الأُولى لإغناء ملاحظتها في الرباعية الثانية، فيندفع بلزوم ملاحظتها، رعاية لاحتمال كون الفائتتين هما العشاء و الصبح، فإنّه على ما ذكره المورِد لم يصحّ منه إلّا العشاء فقط.

154

[مسألة 24: إذا علم أنّ عليه أربعاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب]

[1800] مسألة 24: إذا علم أنّ عليه أربعاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب، و إن كان مسافراً فكذلك قصراً، و إن لم يدر أنّه كان مسافراً أو حاضراً أتى بثمان صلوات، مثل ما إذا علم أنّ عليه خمساً و لم يدر أنّه كان حاضراً أو مسافرا.

[مسألة 25: إذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة و لا يعلم أنّ أولها أيّة صلاة من الخمس]

[1801] مسألة 25: إذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة و لا يعلم أنّ أولها أيّة صلاة من الخمس أتى بتسع صلوات على الترتيب، و إن علم أنّ عليه ستاً كذلك أتى بعشر، و إن علم أنّ عليه سبعاً كذلك أتى بإحدى عشرة صلاة و هكذا. و لا فرق بين أن يبدأ بأيّ من الخمس شاء، إلّا أنّه يجب عليه الترتيب على حسب الصلوات الخمس إلى آخر العدد. و الميزان أن يأتي بخمس، و لا يحسب منها إلّا واحدة، فلو كان عليه أيّام أو أشهر أو سنة و لا يدري أوّل ما فات، إذا أتى بخمس و لم يحسب أربعاً منها، يتيقّن أنّه بدأ بأوّل ما فات.

[مسألة 26: إذا علم فوت صلاة معيّنة كالصبح أو الظهر مثلًا مرّات و لم يعلم عددها]

[1802] مسألة 26: إذا علم فوت صلاة معيّنة كالصبح أو الظهر مثلًا مرّات و لم يعلم عددها يجوز الاكتفاء بالقدر المعلوم على الأقوى (1)،

____________

(1) وجوه المسألة بل الأقوال فيها أربعة:

الأوّل: الاقتصار على المقدار المعلوم كما هو المشهور، و هو الأقوى، و ذلك لانحلال العلم الإجمالي الدائر بين الأقلّ و الأكثر بالعلم التفصيلي بالأقل و الشكّ البدوي في الأكثر.

و هل المرجع في نفي الأكثر أصالة البراءة أو قاعدة الحيلولة؟ ينبغي التفصيل في ذلك بين ما إذا كان احتمال الفوت مستنداً إلى احتمال الغفلة أو النسيان أو العصيان و نحو ذلك ممّا ينافي ظاهر حال المسلم فالمرجع حينئذ قاعدة الحيلولة، التي هي بمثابة قاعدة الفراغ و أصالة الصحّة في عدم الاعتناء بكلّ احتمال ينافي ظاهر الحال.

155

و لكن الأحوط التكرار بمقدار يحصل منه العلم بالفراغ (1)

____________

فكما لا يعتني باحتمال ترك الجزء أو الشرط بعد الفراغ من العمل كذلك لا يعتني باحتمال ترك الواجب بعد خروج الوقت، لوحدة المناط، و هو منافاة الاحتمال المذكور لطبع المكلّف الذي هو بصدد الامتثال.

و بين ما إذا استند الاحتمال المذكور إلى سبب آخر كالنوم مثلًا كما إذا انتبه من النوم الممتد و شكّ في أنّ نومه استغرق يومين أو ثلاثة مثلًا، فإنّه لا مجال حينئذ للرجوع إلى قاعدة الحيلولة، فإنّها إنّما تتكفّل بنفي احتمال الفوت المستند إلى ما ينافي ظاهر الحال كما عرفت.

و ليس استمرار النوم إلى اليوم المشكوك فيه بالنسبة إلى من استمرّ نومه من هذا الباب. فليس المرجع حينئذ إلّا أصالة البراءة عن وجوب قضاء الزائد على المقدار المتيقّن به، فانّ القضاء بأمر جديد، و موضوعه الفوت، و لم يحرز ذلك في المقدار المشكوك فيه.

بل الصحيح هو جريان البراءة عن وجوب الزائد حتّى بناءً على القول بتبعية القضاء للأداء و عدم كونه بأمر جديد، بأن يلتزم بتعدّد المطلوب في الوقت، و ذلك للشكّ في أصل حدوث التكليف زائداً على المقدار المعلوم، نظراً إلى الشكّ في تحقّق يوم آخر و قد نام فيه زائداً على الأيام المعلوم تحقّق النوم فيها، فيرجع حينئذ إلى البراءة دون الاستصحاب.

(1) هذا هو القول الثاني، و قد اختاره صاحب الحدائق (رحمه اللّٰه) و استند في ذلك إلى قاعدة الاشتغال بعد تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي الدائر بين الأقلّ و الأكثر (1).

و لكن يتوجّه عليه أنّ المحقّق في محلّه هو انحلال العلم في أمثال المقام إلى علم تفصيلي بالمقدار الأقلّ الذي هو المتيقّن و شكّ بدويّ في الزائد على ذلك‌

____________

(1) الحدائق 11: 21.

156

خصوصاً مع سبق العلم بالمقدار و حصول النسيان بعده (1)، و كذا لو علم بفوت صلوات مختلفة و لم يعلم مقدارها، لكن يجب تحصيل الترتيب بالتكرار في القدر المعلوم، بل و كذا في صورة إرادة الاحتياط بتحصيل التفريغ القطعي.

____________

و حينئذ فيرجع في نفي الزائد إلى أصالة البراءة أو قاعدة الحيلولة لكون الشكّ بعد خروج الوقت.

(1) هذا هو القول الثالث، و حاصله: التفصيل بين سبق التنجّز و عروض النسيان بعده، و بين عدم السبق كما لو انتبه من النوم الممتدّ فترة من الزمان و شكّ في استمراره يومين أو ثلاثة مثلًا، حيث إنّه لم يتنجّز في حقّه التكليف قبل حال الالتفات، فيحكم بوجوب الاحتياط في الأوّل و الاقتصار على المقدار المتيقّن به في الثاني.

و قد بنى على ذلك شيخنا الأُستاذ المحقّق النائيني (قدس سره)، و الوجه فيه كما أفاده (قدس سره) في مجلس البحث: أنّه مع سبق العلم قد تنجّز التكليف في حقّ المكلّف، و عروض النسيان بعد ذلك لا يوجب رفع التنجيز، فيكون احتمال الفوت في الزائد على المتيقّن به احتمالًا للتكليف المنجّز، إذ هو على تقدير ثبوته فقد تنجّز سابقاً و إن لم يعلم به فعلًا، و المرجع في مثل ذلك أصالة الاشتغال دون البراءة (1).

و جوابه ظاهر ممّا ذكرناه، و قد ذكره (قدس سره) هو أيضاً (2) غير مرّة من دوران التنجيز مدار المنجّز بالكسر حدوثاً و بقاء، و لا يغني الحدوث عن البقاء حتّى في العلم التفصيلي فضلًا عن العلم الإجمالي. فإذا علم بحرمة شي‌ء ثمّ زال العلم المذكور بالشك الساري أ فهل يتوقّف حينئذ في الرجوع إلى أصالة البراءة.

و من المعلوم أنّ العلم الإجمالي لا يزيد في ذلك على العلم التفصيلي، فإذا‌

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 439 441.

(2) فوائد الأُصول 3: 439 441.