موسوعة الإمام الخوئي - ج16

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
304 /
157

..........

____________

علمنا بنجاسة أحد الإناءين ثم علمنا تفصيلًا بنجاسة أحدهما بالخصوص كان اللازم قبل حصول العلم الثاني الاجتناب عن كلا الإناءين لأجل العلم الإجمالي المنجّز، و أمّا بعد حصوله و انحلال العلم الإجمالي بانقلابه إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، فلا محالة يرجع في نفي المشكوك فيه إلى أصالة البراءة لفقد المنجّز بالنسبة إليه بقاءً و إن كان ذلك موجوداً بالنسبة إليه في وقت ما.

و هذا هو الحال في محلّ الكلام، فانّ العلم إنّما كان منجّزاً في ظرف تحقّقه و أمّا في هذه الحال و بعد انحلاله بعلم تفصيلي و شكّ بدوي فلا بقاء له كي يكون منجّزاً، و لا أثر للتنجيز السابق بعد زوال موجبه، فيكون الشكّ في المقدار الزائد شكّاً في التكليف غير المنجّز بالفعل، و يرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.

و أمّا القول الرابع و هو الاكتفاء بالظنّ بالفراغ فقد نسبه في الحدائق (1) نقلًا عن المدارك (2) إلى المقطوع به من كلام الأصحاب (قدس سرهم) معترفاً بعدم ورود نصّ في ذلك.

و لكنّه غير واضح، فانّ العلم الإجمالي الدائر بين الأقلّ و الأكثر إن لم ينحلّ وجب الاحتياط بمقدار يحصل معه العلم بالفراغ، عملًا بقاعدة الاشتغال كما اختار ذلك صاحب الحدائق (قدس سره)، و لا يكفي حينئذ الظنّ بالفراغ، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي اليقين بالفراغ، و مع الظنّ به يبقى باب الاحتمال مفتوحاً و إن كان الاحتمال موهوماً.

و إن انحلّ العلم الإجمالي كما هو الأظهر على ما مرّ فلا حاجة إلى تحصيل الظن، بل يكفي حينئذ الاقتصار على المقدار المتيقّن به، و ينفى الزائد و إن كان مظنوناً بالأصل. فهذا القول أردأ الأقوال في المسألة، فإنّه إمّا لا يكفي الظنّ أو أنّه لا حاجة إليه بعد عدم الدليل على حجّيته و كونه ملحقاً شرعاً بالشك.

____________

(1) الحدائق 11: 20.

(2) المدارك 4: 306.

158

..........

____________

نعم، هناك روايتان قد يستدلّ بهما على الاكتفاء بالظنّ في قضاء النوافل مع الجهل بعددها:

إحداهما: صحيحة مرازم قال: «سأل إسماعيل بن جابر أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: أصلحك اللّٰه، إنّ عليّ نوافل كثيرة فكيف أصنع؟ فقال: أقضها فقال له: إنّها أكثر من ذلك، قال: اقضها، قلت (قال): لا أُحصيها، قال: توخّ ...» الحديث (1).

ثانيتهما: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل نسي ما عليه من النافلة و هو يريد أن يقضي، كيف يقضي؟ قال: يقضي حتّى يرى أنّه قد زاد على ما يرى عليه و أتم» (2) بناءً على إرادة الظنّ من قوله: «حتّى يرى».

إلّا أنّه لا وجه للتعدّي عن موردهما بعد الغضّ عن سند الثانية و دلالتها للفرق الظاهر بين الفريضة و النافلة، فانّ العلم قد تعلّق بالحكم الإلزامي في الأوّل فصار الحكم منجّزاً بذلك، و هذا بخلاف النافلة حيث إنّه لا إلزام فيها فيمكن الحكم باستحباب القضاء في النوافل إلى أنّ يحصل الظنّ بقضاء كلّ ما فاته، فانّ ذلك نحو من الاحتياط الذي هو حسن على كلّ حال.

و أمّا الفرائض فحيث كان الحكم الثابت فيها إلزامياً كان اللازم بناءً على عدم الانحلال هو الخروج عن عهدته بدليل قاطع، و ليس الاكتفاء بالظنّ هنا أولى منه هناك.

نعم، بناء على الانحلال تتمّ الأولوية، فإنّه بعد اشتراك الموردين في عدم الإلزام بالنسبة إلى المشكوك فيه إذا ثبت استحباب الامتثال الظنّي في النوافل ثبت ذلك في الفرائض بالأولوية كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 4: 78/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 19 ح 1.

(2) الوسائل 4: 79/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 19 ح 3.

159

..........

____________

ثم إنّه في المقام رواية ثالثة بإطلاقها تشمل الفرائض أيضاً، و المظنون قوياً أنّها هي المستند لفتوى المشهور بالاكتفاء [بالظنّ] بالفراغ، و هي رواية إسماعيل ابن جابر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الصلاة تجتمع عليّ قال: تحرّ و اقضها» (1).

و لكنّها ضعيفة السند بمحمّد بن يحيى المعاذي الذي يروي عنه محمّد بن أحمد بن يحيى، فقد ضعّفه الشيخ (رحمه اللّٰه) صريحاً (2) و استثناه ابن الوليد و تبعه الصدوق و ابن نوح من روايات محمّد بن أحمد بن يحيى (3).

و دلالة، فانّ قوله: «تجتمع عليّ» بصيغة المضارع ظاهر في الدوام و الاستمرار بمعنى جريان العادة من إسماعيل بن جابر على ذلك، و هو بعيد جدّاً، بحيث لا يحتمل في حقّه و هو الثقة الممدوح من أصحاب الصادقين (عليه السلام) أن تفوته الفرائض مكرّراً و على سبيل الاستمرار بمثابة يصبح ذلك عادة له.

فانّ من الظاهر الفرق بين قول القائل: اجتمعت ... بصيغة الماضي، و بين قوله: تجتمع ... بصيغة المضارع، حيث يكون الثاني ظاهراً في الدوام و الاستمرار.

فلا مناص إذن من أن يكون المراد بالصلاة فيها النوافل خاصّة، و لا مانع من تكرّر فوتها منه عدة مرّات في الأُسبوع أو الشهر، كما يتّفق ذلك كثيراً لغالب الأشخاص، و عليه فلا تدلّ الرواية على كفاية التحرّي و هو الأخذ بالأحرى، أي الظنّ بالنسبة إلى الفرائض أيضاً، بل الصحيح أن الظنّ حينئذ إمّا غير كافٍ أو غير لازم حسبما عرفت.

____________

(1) الوسائل 4: 78/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 19 ح 2.

(2) رجال الطوسي: 438/ 6263، و قد صرّح بضعفه في ترجمة رقم 6267.

(3) كما ذكره النجاشي في رجاله: 348/ 939.

160

[مسألة 27: لا يجب الفور في القضاء، بل هو موسّع ما دام العمر]

[1803] مسألة 27: لا يجب الفور في القضاء، بل هو موسّع ما دام العمر إذا لم ينجر إلى المسامحة في أداء التكليف و التهاون به (1).

____________

فورية القضاء:

(1) الكلام في فورية القضاء و عدمها و أنّ القضاء هل يجب على سبيل المواسعة أو المضايقة يقع من ناحيتين:

فتارة يبحث من ناحية الوجوب الشرطي بالنسبة إلى فريضة الوقت، و أنّه هل يعتبر في صحّة الحاضرة تفريغ الذمّة عن القضاء ما لم يتضيّق وقتها أو لا.

و أُخرى يكون البحث فيها من ناحية الوجوب النفسي و أنّه هل تجب المبادرة إلى القضاء في حدّ نفسه و إن لم يدخل وقت الصلاة الحاضرة بعد، أو أنّه موسّع.

و الكلام فعلًا متمحّض في الناحية الثانية، و هو المناسب لباب القضاء بما هو كذلك، و هو المعروف ببحث المواسعة و المضايقة. و أمّا الناحية الأُولى فسيجي‌ء البحث عنها إن شاء اللّٰه تعالى عند تعرّض الماتن (قدس سره) لها في المسألة التالية.

و خلاصة القول: أنّ في المسألة جهتين من البحث، لا بدّ من إفراد كلّ منهما بالذكر، و عدم خلط إحداهما بالأُخرى كما وقع ذلك في كثير من الكلمات.

فنقول: إنّه حكي عن غير واحد من الأصحاب (قدس سرهم) وجوب المبادرة إلى القضاء و القول بالمضايقة، بل نسبه في الحدائق إلى المشهور بين القدماء (1)، و بالغ بعضهم في ذلك حتّى أنّه منع من الاشتغال بالأكل و الشرب و الكسب إلّا بمقدار الضرورة.

و نسب إلى جماعة آخرين بل هو المشهور بين المتأخّرين القول‌

____________

(1) الحدائق 6: 336.

161

..........

____________

بالمواسعة و عدم التضييق إلّا إذا أدّى إلى المسامحة الموجبة للتضييع.

و يستدلّ للقول بالمضايقة بأُمور: أحدها: قاعدة الاشتغال و أصالة الاحتياط.

و يتوجّه عليه: أنّ وجوب المبادرة إلى القضاء أمر مشكوك فيه فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. و قد أطبق العلماء كافةً الأُصوليون و الأخباريون على الرجوع إليها في الشبهة الحكمية الوجوبية، و لم ينقل الخلاف فيه إلّا عن المحدّث الأسترآبادي على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1). و الخلاف الواقع بين الفريقين إنّما هو في الشبهات الحكمية التحريمية، دون الوجوبية التي منها المقام.

ثانيها: أنّ مقتضى الأمر بالقضاء هو وجوب المبادرة إليه، فإنّ الأمر بالشي‌ء ظاهر في الفور.

و يتوجّه عليه: ما تقرّر في محلّه من عدم دلالة الأمر لا على الفور و لا على التراخي، لا لغة و لا عرفاً و لا شرعاً، و إنّما مقتضاه إيجاد الطبيعة المأمور بها مهملة من كلتا الناحيتين (2).

ثالثها: قوله تعالى وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (3) بدعوى ظهوره و لو بمعونة الروايات الواردة في تفسيره (4) في إرادة القضاء، و أنّ مفاد الآية الكريمة وجوب إقامة القضاء لدى التذكّر كما عن غير واحد من المفسّرين.

قلت: الاستدلال بالآية الكريمة للمضايقة بدعوى ظهورها في نفسها أو بضميمة الروايات في ذلك عجيب و إن صدر عن غير واحد، و يظهر ذلك بالنظر‌

____________

(1) فرائد الأُصول 1: 378.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 2: 213.

(3) طه 20: 14.

(4) و سيذكر بعضها في ص 163.

162

..........

____________

إلى الآيات التي سبقت الآية الكريمة، قال تعالى وَ هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ. إِذْ رَأىٰ نٰاراً فَقٰالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نٰاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهٰا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّٰارِ هُدىً. فَلَمّٰا أَتٰاهٰا نُودِيَ يٰا مُوسىٰ. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً. وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمٰا يُوحىٰ. إِنَّنِي أَنَا اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (1).

و هذه الآيات كما ترى نازلة في شأن موسى (عليه السلام) في بدء رسالته و أوّل زمان نزول الوحي عليه، و لم يكن قد شرعت الصلاة و لا أيّ شي‌ء آخر في ذلك الحين، فكيف يؤمر و الخطاب متوجّه إليه بقضاء الصلوات المفروض تفرّعه على الأمر بالأداء في فرض ترك الإتيان به، و لم يؤمر هو بعدُ بشي‌ء، لما عرفت من كون الخطاب المذكور إنّما هو ضمن الآيات النازلة عليه في مبدأ النبوة؟ فهل ترى أنّ للقضاء أهمية عظمى دعت الباري سبحانه إلى الأمر به في هذه الحال مقدّماً على جميع التكاليف حتّى الأمر بالصلاة أداء.

على أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) من أنبياء اللّٰه العظام، و هو أحد الخمسة أولي العزم، فلا يكاد يغفل عن ربّه طرفة عين، فكيف يحتمل في حقّه ترك الصلاة الواجبة في وقتها و لو كان ذلك لنوم أو نسيان و نحوهما حتّى يؤمر بالقضاء عند تذكّر الفوت، كلّ ذلك غير واقع.

بل الآية الكريمة ناظرة إلى تشريع طبيعي الصلاة، و لا مساس لها بباب القضاء، إمّا لأجل أنّ الغاية إنّما هو ذكر اللّٰه تعالى الذي هو المقصد الاسمي من العبادة، أو لاشتمالها على الذكر لتضمّنها التحميد و التقديس و الركوع و السجود و كلّ ذلك خشوع و خضوع و ذكر للّٰه سبحانه و تعالى.

فالإضافة في قوله تعالى لِذِكْرِي من إضافة المصدر إلى المفعول، و المعنى لذكرك إياي و لأن تكون ذاكراً لي في كلّ حال، لا من إضافته إلى‌

____________

(1) طه 20: 9 14.

163

..........

____________

الفاعل ليكون المعنى: لذكري إياك أنّك تركت الصلاة، كي تدلّ على وجوب القضاء.

فالإنصاف: أنّ الآية الكريمة في نفسها غير ظاهرة في وجوب القضاء، فضلًا عن المبادرة إليه، بل هي أجنبية عن ذلك. و دع عنك المفسّرين يقولون ما قالوا و يفسّرون الآية بما شاؤوا، إذ لا عبرة بآرائهم و استظهاراتهم ما دمنا نستمدّ الأحكام الشرعية من ظواهر القرآن الكريم أو بضميمة التفسير الوارد عن المعصومين (عليهم السلام)، و قد عرفت أنّ ظاهر الآية أجنبي عمّا ذكروه.

و أمّا الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في تفسير الآية الشريفة فما يوهم منها المعنى المذكور روايتان:

إحداهما: ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك، فانّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (1).

و هي ضعيفة السند بالقاسم بن عروة، و مع الغضّ عن السند فالجواب عنها هو الجواب الآتي عن الرواية الثانية، فليتأمّل.

ثانيتهما: صحيحة زرارة على ما عبّر به الشهيد في الذكرى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): إذا دخل وقت مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة إلى أن قال بعد نقل قصة تعريس رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في بعض أسفاره، و رقوده هو و أصحابه عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس، و قضائهم لها بعد التحول من المكان الذي أصابتهم الغفلة فيه: من نسي شيئاً من الصلوات فليصلّها إذا ذكرها، فانّ اللّٰه عزّ و جل يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (2).

____________

(1) الوسائل 4: 287/ أبواب المواقيت ب 62 ح 2، التهذيب 2: 172/ 686.

(2) الوسائل 4: 285/ أبواب المواقيت ب 61 ح 6، الذكرى 2: 422.

164

..........

____________

و أنت خبير بأنّ الصحيحة ليست بصدد تفسير الآية الكريمة و بيان ما هو المراد منها، بل غاية ما هناك تطبيق الآية على موردها، باعتبار أنّ القضاء من جملة مصاديق الصلاة المأمور بها لأجل ذكر اللّٰه تعالى، فقد حثّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) الناس على قضاء ما فاتهم من الصلوات مستشهداً له بالآية الكريمة الآمرة بإقامة الصلاة، لكي يكون العبد ذاكراً للّٰه تعالى و غير غافل عنه بالإتيان بما فرضه اللّٰه عليه من الصلوات أداءً و قضاءً. و كم فرق بين التفسير و التطبيق؟

فالإنصاف: أنّ الاستدلال بالآية المباركة بنفسها أو بضميمة الروايات للقول بالمضايقة في القضاء ساقط جدّاً.

رابعها: الروايات، و هي على طوائف:

منها: ما وردت في من نام عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس، و أنّه يقضيها حين يستيقظ.

كصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس أ يصلّي حين يستيقظ، أو ينتظر حتّى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلّي حين يستيقظ، قلت: يوتر أو يصلّي الركعتين؟ قال: بل يبدأ بالفريضة» (1).

و موثّقة سماعة بن مهران قال: «سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس، قال: يصلّيها حين يذكرها، فانّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلّاها حين استيقظ، و لكنّه تنحى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى» (2).

و فيه: أنّ الباعث على السؤال في الروايتين إنّما هو تخيّل الراوي المنع عن إقامة الصلاة حين طلوع الشمس، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من النهي عن‌

____________

(1) الوسائل 4: 284/ أبواب المواقيت ب 61 ح 4.

(2) الوسائل 8: 254/ أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 5.

165

..........

____________

التنفّل في الوقت المذكور (1) المحمول على الكراهة كما تقدّم بيانه في محلّه (2)، فقد توهّم شمول النهي المذكور الذي اشتهر عندهم و كان مغروساً في أذهانهم لمثل قضاء الفريضة.

و لأجل ذلك تصدّوا للسؤال عن جواز القضاء عند بزوغ الشمس، و قد أجاب (عليه السلام) بجوازه من غير انتظار انبساطها مستشهداً له بفعل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، فعلم بذلك أنّ النهي عن التنفّل في الوقت المذكور غير شامل للفرائض.

و خلاصة القول: أنّ الاستدلال بالروايتين مبني على أن يكون السؤال عن وجوب القضاء. و ليس الأمر كذلك، و إنّما هو عن جوازه لما عرفت. فقوله (عليه السلام): «يصلّي حين يستيقظ» أمر واقع موقع توهّم الحظر، و مثله لا يدلّ إلّا على الجواز دون الوجوب.

و منها: جملة من الروايات و فيها الصحاح قد دلّت على الإتيان بالقضاء متى ما ذكر الفائتة من ليل أو نهار، أو إذا ذكرها، بحمل «إذا» على التوقيت و أوضحها هي:

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلّها، أو نام عنها، فقال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فاذا دخل وقت الصلاة و لم يتمّ ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت، و هذه أحقّ بوقتها فليصلّها، فاذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى، و لا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها» (3).

و فيه: أنّ التضيّق في هذه الروايات ناظر إلى بيان الوجوب الشرطي، و أنّ‌

____________

(1) الوسائل 4: 236/ أبواب المواقيت ب 38 ح 6، 9 و غيرهما.

(2) شرح العروة 11: 361.

(3) الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

166

..........

____________

الشرط في صحّة الحاضرة أو التطوّع إنّما هو فراغ الذمّة عن القضاء ما دام لم يفت به وقت الحاضرة، و هذه مسألة أُخرى أجنبية عمّا نحن بصدده الآن، فقد أشرنا في صدر البحث إلى أنّ الكلام في المواسعة و المضايقة يقع تارة في الوجوب النفسي و أُخرى في الوجوب الشرطي، و الكلام فعلًا معقود للجهة الاولى، و هذه الروايات غير دالّة على الوجوب المذكور كما لا يخفى.

و أمّا كلمة «إذا» في قوله (عليه السلام): «إذا ذكرها» فليست للتوقيت لتدلّ على ظرف العمل و أنّه حال الذكر، بل هي شرطية تدلّ على اختصاص فعلية التكليف بالحال المذكور، فيكون التقييد بالذكر من باب كونه شرطاً للتكليف لا من باب كونه ظرفاً للعمل المكلّف به. فهو قيد للوجوب لا للواجب.

و قد ذكرنا في غير مورد اختصاص الأحكام الواقعية بحال الذكر و الالتفات و عدم ثبوتها في حقّ الناسي، و من هنا كان الرفع في حديث الرفع بالنسبة إلى «ما لا يعلمون» ظاهرياً، و لذلك يحسن الاحتياط عند الجهل. و أمّا بالنسبة إلى غيره من المذكورات في سياقه كالخطإ و النسيان و الإكراه و الاضطرار و غير ذلك فهو واقعي.

فالتقييد بقوله (عليه السلام): «إذا ذكرها ...» لبيان هذه النكتة و أنّه لا تكليف بالقضاء حتى واقعاً ما دام لم يتذكّر، و إنّما يبلغ التكليف المذكور حدّ الفعلية و يتوجّه نحو المكلّف في حال التذكّر، من دون دلالة لهذه النصوص على أنّ ظرف العمل أعني به القضاء هو هذه الحال كي تجب المبادرة إليه أو أنّه موسّع كي لا تجب.

و على الجملة: أنّ كلمة «إذا» في هذه الروايات شرطية لا توقيتية، فلا تدلّ على وجوب المبادرة إلّا على القول باقتضاء الأمر للفور، و لا نقول به. و قد عرفت أنّ الصحيحة ناظرة إلى بيان الوجوب الشرطي دون النفسي الذي هو محلّ الكلام، و سيأتي الكلام فيه.

و أمّا عدم جواز التطوّع لمن عليه الفائتة الذي تضمّنه ذيل الصحيحة-

167

..........

____________

فقد مرّ الكلام عليه في بحث المواقيت (1) و لا نعيد، هذا كلّه.

مع أنّ الضيق الذي يدّعيه القائلون بالمضايقة إمّا أن يراد به الضيق الحقيقي بمعنى وجوب المبادرة في آن الالتفات و أوّل زمان التذكّر كما قد يظهر من بعض القائلين به، حيث إنّهم بالغوا في ذلك فالتزموا بالاقتصار على الضروري من المأكل و المشرب و الكسب و نحو ذلك، و يساعده ظواهر النصوص المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «متى ذكرها» أو «إذا ذكرها»، أو يراد به الضيق العرفي الذي لا ينافيه التأخير اليسير كساعة و نحوها.

فعلى الأوّل: فالنصوص الواردة في نوم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) عن صلاة الفجر و قد تقدّم ذكر بعضها (2) تكون حجّة عليهم بناء على الأخذ بها و الالتزام بمضمونها.

فانّا تارة نبني على عدم العمل بالنصوص المذكورة و إن صحّت أسانيدها لمنافاتها لمقام النبوّة، سيما مع ملاحظة ما ورد في الأخبار في شأنه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من أنّه كانت تنام عينه و لا ينام قلبه (3)، فكيف يمكن أن ينام عن فريضة الفجر! فلا محالة ينبغي حملها على التقية أو على محمل آخر.

و أُخرى نبني على العمل بها بدعوى أنّ النوم من غلبة اللّٰه، و ليس هو كالسهو و النسيان المنافيين لمقام العصمة و النبوّة، و لا سيما بعد ملاحظة التعليل الوارد في بعض هذه النصوص من أنّ ذلك إنّما كان بفعل اللّٰه سبحانه رحمة على العباد، كي لا يشقّ على المؤمن لو نام اتفاقاً عن صلاة الفجر (4).

و عليه فتكون هذه النصوص منافية للتضييق الحقيقي، لدلالتها على أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بعد انتباهه من النوم و اعتراضه على بلال و اعتذار‌

____________

(1) شرح العروة 11: 337.

(2) في ص 163.

(3) البحار 73: 202/ 20.

(4) الوسائل 8: 254/ أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 6.

168

..........

____________

هذا منه أمر بالارتحال من المكان المذكور، ثمّ بعد ذلك أذن بلال فصلّى النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ركعتي الفجر، ثمّ قام فصلّى بهم الصبح.

و معلوم أنّ هذه الأُمور السابقة على صلاة الصبح تستغرق برهة من الوقت فلم يقع إذن قضاء الصبح أوّل آن التذكّر، بل تأخّر عنه بمقدار ينافي الضيق الحقيقي.

و على الثاني: و هو أنّ يراد به الضيق العرفي غير المنافي للتأخير بمقدار يسير فلا دليل على اعتبار مثله، فانّ ظواهر النصوص المستدلّ بها للتضيق إنّما هو الضيق الحقيقي دون العرفي كما عرفت.

نعم، إنّ صحيحة أبي ولّاد الواردة في حكم المسافر القاصد للمسافة و قد عدل عن قصده ذلك قبل الوصول إلى غايته و صلّى قصراً ظاهرة في الضيق العرفي، لقوله (عليه السلام) فيها: «و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك ذلك ...» (1).

حيث إنّه (عليه السلام) حكم بقضاء ما صلّاهُ قصراً إذا لم يبلغ المسافة، كما تقتضيه القاعدة أيضاً، فإنّ سفره حينئذ كان خيالياً لا واقعياً، و حكم أيضاً بلزوم إيقاع القضاء في المكان نفسه قبل أن يخرج منه. فتكون الرواية دالّة على التضيق العرفي في القضاء، نظراً إلى تحديده بما قبل خروجه عن المكان، دون التضيق الحقيقي في أوّل آن التذكّر، هذا.

و لكنّ الصحيحة و إن كانت قوية الدلالة على المضايقة، إلّا أنّها محمولة على الاستحباب في أصل القضاء فضلًا عن اعتبار التضيق فيه. و الأصحاب لم يعملوا بها في موردها، لأجل معارضتها لصحيحة زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده، فدخل عليه‌

____________

(1) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.

169

..........

____________

الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا، و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلّاها ركعتين؟ قال: تمّت صلاته و لا يعيد» (1).

فالمتحصّل إلى هنا: أنّ ما استدلّ به للمضايقة من الروايات ساقط كلّه، و لا يمكن التعويل على شي‌ء من ذلك، فإنّ العمدة فيها كانت صحيحتي زرارة و أبي ولّاد، و قد عرفت حالهما. إذن فتكفينا في المقام أصالة البراءة.

أدلّة القول بالمواسعة: و إذ قد عرفت ضعف أدلّة القول بالمضايقة يقع الكلام في أدلّة القول بالمواسعة، و يستدل لذلك بأُمور:

أحدها: أصالة البراءة، فإنّ التضيّق و إيجاب المبادرة إلى الواجب زائداً على أصل الوجوب كلفة زائدة، و هي مجهولة فتدفع بأصالة البراءة.

و لكن التمسّك بالأصل يتفرّع على عدم تمامية شي‌ء من أدلّة القولين، و إلّا فمع قيام الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى الأصل العملي كما هو ظاهر.

ثانيها: دليل نفي الحرج، إذ الالتزام بالمضايقة و وجوب المبادرة سيما على النحو الذي يدّعيه بعض القائلين بها من الاقتصار على الضروريات يتضمّن الحرج الشديد و المشقّة العظيمة ممّا تنفيه أدلّة نفي الحرج.

و فيه أوّلًا: أنّ المنفي إنّما هو الحرج الشخصي دون النوعي، إذ الحرج موضوع للسقوط، لا أنّه حكمة في الحكم به كي لا يلزم فيه الاطّراد و يكتفى بما في نوعه الحرج، و عليه فالحكم تابع لتحقّق الحرج الشخصي خارجاً، و هذا ممّا يختلف باختلاف الأشخاص و الحالات و كمّية القضاء، فلا يطّرد في جميع الموارد على سبيل الكبرى الكلّية، فقد لا يستلزم المبادرة أيّ حرج لقلّة مقدار‌

____________

(1) الوسائل 8: 521/ أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1.

170

..........

____________

الفائتة، أو كان المكلّف الخاص قادراً على المبادرة إلى قضاء الجميع بدون أيّ حرج عليه. فليس له ضابط كلّي.

و ثانياً: مع فرض كثرة الفوائت و استلزام المبادرة للحرج فلا ريب في سقوط وجوبها عن خصوص المرتبة البالغة حدّ الحرج، و لا مقتضي لسقوطه من الأوّل.

و كأنّ المستدلّ تخيّل أنّ هناك أمراً وحدانياً تعلّق بالمبادرة إلى قضاء جميع الفوائت على سبيل العام المجموعي، و حيث إنّ امتثال هذا الأمر حرجي فيسقط الأمر بدليل نفي الحرج.

و ليس الأمر كذلك بالضرورة، بل هناك أوامر متعدّدة انحلالية بعدد الفوائت كما هو الحال في الأمر بالأداء، و العسر و الحرج إنّما يلاحظان في كلّ تكليف بحياله لا منضماً إلى الآخر، فاذا كانت الفوائت ألفاً مثلًا فطبعاً تكون أوامر بالمبادرة بعددها، فاذا فرضنا أنّ المبادرة إلى قضاء الألف حرجي دون البدار إلى قضاء عشرة منها فلا محالة يسقط وجوب المبادرة إلى ما هو مورد الحرج دون العشرة التي لا حرج فيها كما هو ظاهر.

و ثالثاً: أنّ دليل نفي الحرج غير جارٍ في المقام أصلًا، فإنّه كدليل نفي الضرر إنّما يجري و يكون حاكماً على أدلّة التكاليف الواقعية فيما إذا كان التكليف بالإضافة إليهما لا بشرط، فيكون الدليلان موجبين لتخصيصها بغير موارد الحرج و الضرر كما لو اتّفق لزوم الحرج أو الضرر من الوضوء مثلًا، حيث يسقط وجوب الوضوء الحرجي أو الضرري، و يختصّ ذلك بغير الموردين.

و أمّا إذا كان التكليف ممّا قد شرّع في مورد الحرج كالجهاد أو الضرر كالخمس (1) و الزكاة فكان ملحوظاً بالإضافة إليهما بشرط شي‌ء فلا يكاد يجري في مثله دليل نفي الحرج أو الضرر.

____________

(1) تشريع الخمس لم يكن من الأحكام الضرريّة عند سيّدنا الأُستاذ (دام ظله)، و لتوضيح الحال راجع مصباح الأُصول 2: 539.

171

..........

____________

و المقام من هذا القبيل، فإنّ أدلّة القول بالمضايقة على تقدير تماميتها إنّما كان مفادها وجوب المبادرة إلى القضاء الذي هو في نفسه حكم حرجي، فكيف يمكن رفعه بدليل نفي الحرج.

ثالثها: قيام السيرة من المتشرّعة على عدم المبادرة إلى القضاء، فإنّه قلّ من لا تكون ذمّته مشغولة بها و لا سيما في أوائل البلوغ، و مع هذا نراهم يشتغلون بالكسب و يتعاطون أُمورهم العادية من دون مبادرة منهم إلى القضاء. فجريان السيرة على ذلك خلفاً عن سلف المتّصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) خير دليل على العدم.

و فيه ما لا يخفى، فإنّ السيرة الجارية عند الأكثر مستندها هي المسامحة و عدم المبالاة بأمر الدين، و لأجل ذلك تراهم لا يبادرون إلّا القليل إلى تفريغ الذمّة عن حقوق الناس التي لا إشكال في فوريتها.

و على الجملة: إن كان مورد السيرة المدّعاة هم المتشرّعة فهي ممنوعة، و إن كان الأعمّ منهم و ممّن لا يبالي بالدين فهي مرفوضة.

رابعها: و هو العمدة الأخبار الواردة، و لنذكر المهمّ منها معرضين عن الباقي الذي منه ما ورد في نوم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صلاة الفجر و أمره (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بالارتحال بعد الانتباه عن ذلك المكان و القضاء في مكان آخر، و قد مرّت الإشارة إلى بعض ذلك (1) و قلنا (2) إنّ هذه الروايات و إن تمّت دلالة و سنداً ممّا يشكل الاعتماد عليها و التصديق بمضمونها فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهله، أو حملها على بعض المحامل كالتقيّة و نحوها.

و كيف ما كان، فالمهمّ من بين الأخبار التامة سنداً و دلالة صحيحتان:

إحداهما: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إن نام رجل و لم يصلّ صلاة المغرب و العشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما‌

____________

(1) في ص 163.

(2) في ص 167.

172

..........

____________

يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و إن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و إن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ثم ليصلّها» (1).

و قد ذكرنا في بحث المواقيت (2) أنّ صدر الصحيحة يدلّ على امتداد وقت العشاءين إلى طلوع الفجر، و لذلك أمره (عليه السلام) بالإتيان بهما معاً إذا استيقظ قبل الطلوع مع سعة الوقت، و إلّا فيأتي بالعشاء خاصة لاختصاص الوقت من آخره بها.

و كيف كان، فمحلّ الاستشهاد قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة: «فإن خاف أن تطلع الشمس ...»، فقد أمر (عليه السلام) بتأخير العشاء حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها. و من الظاهر أنّ السبب في التأخير إنّما هو تجنّب الحزازة الثابتة في هذا الوقت، حيث تكره الصلاة عند طلوع الشمس و ظهور شعاعها كما ورد النهي عن ذلك في غير واحد من النصوص (3) المحمول على الكراهة قطعاً، إذ لا قائل منّا بالتحريم.

و منه تعرف أنّ الأمر بالتأخير استحبابي حذراً عن حزازة الوقت، لا أنّه لزومي، و إلّا فالقضاء مشروع في كلّ ساعة من ساعات الليل و النهار كما دلّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة (4).

و على الجملة: فلو كانت المبادرة واجبة كما يدّعيه القائل بالمضايقة لما حكم (عليه السلام) بالتأخير حذراً عن حزازة الوقت، فهل يمكن أن يكون‌

____________

(1) الوسائل 4: 288/ أبواب المواقيت ب 62 ح 3.

(2) شرح العروة 11: 129.

(3) الوسائل 4: 236/ أبواب المواقيت ب 38 ح 6، 9 و غيرهما.

(4) في ص 165.

173

..........

____________

تجنّب المكروه مسوّغاً لترك الواجب؟ فالرواية لا تلائم القول بالمضايقة بوجه و إنّما تكشف عن المواسعة في القضاء.

الثانية: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهن فأذّن لها و أقم ثم صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة ...» (1).

و هذه الرواية واردة لبيان كيفية قضاء الفرائض من حيث الأذان و الإقامة و الخطاب فيها متوجّه إلى زرارة، و معلوم أنّ ذلك ممّا لا يحسن إلّا بفرض فوائت اشتغلت بها ذمّة المخاطب و هو زرارة في الفرض و لم يبادر إلى قضائها، و حينئذ قام الإمام (عليه السلام) بتعليمه كيفية القضاء من حيث الحاجة إلى الأذان و الإقامة.

فلو كانت المبادرة واجبة و القضاء فورياً لما حسن فرض الإخلال به من مثل زرارة و هو على ما هو عليه من العظمة و الجلالة، و لما صحّ للإمام (عليه السلام) أن يدع ذلك دون أن يستنكره منه و يعترض عليه بل يقتصر على بيان الكيفية من دون أن يستقبح منه ترك الواجب، أو يلومه عليه على أقلّ التقديرين. فينكشف من ذلك عدم وجوب المبادرة إلى القضاء، و ابتناء الحال فيه على المواسعة، بحيث كان التأخير فيه و عدم المبادرة إليه أمراً متعارفاً عاديا لا يضرّ صدوره حتّى من مثل زرارة.

و يؤكّد ذلك بل يدل عليه ذيل الصحيحة الذي هو في قوّة التصريح بالمواسعة، حيث قال: «و إن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة، ثمّ صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأولهما لأنّهما جميعاً قضاء، أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس، قال قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها».

____________

(1) الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

174

[مسألة 28: لا يجب تقديم الفائتة على الحاضرة]

[1804] مسألة 28: لا يجب تقديم الفائتة على الحاضرة، فيجوز الاشتغال بالحاضرة في سعة الوقت لمن عليه القضاء، و إن كان الأحوط تقديمها عليها (1).

____________

فإنّه (عليه السلام) بعد ما حكم بتأخير الصلاتين عن شعاع الشمس المبتني على التجنّب عن حزازة الوقت كما أشرنا إليه سابقاً، و بعد استفسار زرارة عن السبب و العلّة في ذلك أجاب بقوله: «لأنّك لست تخاف فوتها»، و مرجعه إلى أنّ قضاء الصلاتين موسّع لا تضييق فيه كي تخاف الفوت، و الاعتبار في المبادرة إنّما هو بخوف الفوت، و حيث لا فوت هنا فكان الأحرى هو تجنّب الإتيان به عند شعاع الشمس حذراً من الكراهة الثابتة في هذا الوقت.

و هذا كما ترى كالتصريح بالمواسعة. فلو سلّمنا تمامية أخبار المضايقة فهي معارضة بهاتين الصحيحتين الصريحتين فيها، فلتحمل تلك الأخبار على الاستحباب لو تمّت دلالتها، كيف و هي غير تامة الدلالة في حدّ أنفسها كما عرفته مستقصى.

فتحصّل: أنّ المبادرة و إن كانت أحوط و أولى إلّا أنّ الأقوى هو المواسعة ما لم تؤدّ إلى المسامحة في امتثال التكليف و التهاون بشأنه، و إلّا وجب الفور لخوف الفوت.

تقديم الفائتة على الحاضرة:

(1) تقدّم الكلام في مسألة المواسعة و المضايقة من جهة الوجوب النفسي و أمّا من ناحية الوجوب الشرطي أعني اشتراط تقديم الفائتة و تفريغ الذّمة عنها في صحّة الحاضرة ما لم يتضيّق وقتها فقد نسب إلى المشهور تارة الاشتراط، و أُخرى عدمه. و القائلون بالعدم بين من حكم باستحباب تقديم الفائتة على الحاضرة، و بين من عكس فحكم بأنّ الأفضل تقديم صاحبة الوقت.

175

..........

____________

و كيف ما كان، فقد استدلّ للاشتراط تارة بأصالة الاشتغال، فانّا نحتمل وجداناً اشتراط صحّة الحاضرة بتقديم الفائتة، و لا يكاد يحصل اليقين بالفراغ عن التكليف اليقيني بالحاضرة بدون مراعاة الشرطية المحتملة.

و يندفع: بما هو المحقّق في محلّه من الرجوع إلى أصالة البراءة عند الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين (1).

و أُخرى بالروايات فمنها: رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك، فانّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي ...» (2)، فإنّ الأمر بتقديم الفائتة على الحاضرة يكشف عن دخل ذلك في صحة الحاضرة.

و يتوجّه عليه أوّلًا: أنّ الرواية ضعيفة السند بالقاسم بن عروة، و إن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات.

و ثانياً: أنّها قاصرة الدلالة على الوجوب الشرطي، و إنّما تدلّ على الوجوب النفسي الذي مرّ البحث عنه سابقاً، نظراً لكونها مسوقة لبيان حكم الفائتة في حدّ نفسها و أنّها ممّا يلزم الابتداء بها إمّا وجوباً أو استحباباً على الخلاف المتقدّم، و ليست هي بصدد بيان حكم الحاضرة كي تدلّ على الاشتراط بوجه.

ثم إنّك قد عرفت فيما سبق (3) أنّ الرواية في موطن دلالتها و هو حكم الفائتة في حدّ نفسها محمولة على الاستحباب، و لكن لو فرضناها دالّة على الوجوب النفسي أيضاً لم يكن يستفاد منها فساد الحاضرة إلّا بناءً على القول باقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه، و لا نقول به، بل غايته عدم الأمر بالضد. فيمكن تصحيح العبادة حينئذ بالملاك أو بالخطاب الترتّبي.

و منها: رواية أبي بصير قال: «سألته عن رجل نسي الظهر حتّى دخل وقت‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 426.

(2) الوسائل 4: 287/ أبواب المواقيت ب 62 ح 2.

(3) في ص 163.

176

..........

____________

العصر، قال: يبدأ بالظهر، و كذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلّا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها، ثمّ تقضي التي نسيت» (1) حيث دلّت على لزوم البدأة بالصلاة المنسيّة و تقديمها على الحاضرة.

و يرد عليه أوّلًا: أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد و محمّد بن سنان.

و ثانياً: أنّها على خلاف المطلوب أدلّ، فإنّ المراد بالوقت في قوله (عليه السلام): «يخرج وقت الصلاة» هو وقت الفضيلة دون الإجزاء، و لو بقرينة الوقت المذكور في الصدر أعني قوله (عليه السلام): «حتّى دخل وقت العصر» (2).

فإنّ المراد بنسيان الظهر حتّى دخل وقت العصر نسيانها في وقتها الفضيلي أو الوقت الأوّل الاختياري في مقابل الوقت الثاني الاضطراري على الخلاف المتقدّم في بحث الأوقات (3) لا وقت الإجزاء الممتد إلى مقدار أربع ركعات من آخر الوقت الذي هو الوقت الاختصاصي للعصر، للزوم البدأة حينئذ بالعصر بعد خروج وقت الظهر، فكيف يحكم (عليه السلام) بالبدأة بالظهر؟

فالمراد بالوقت هو وقت الفضيلة أو الوقت الأوّل، و حينئذ فيبدأ بالظهر مراعاة للترتيب مع فرض امتداد وقتهما إلى الغروب. فيكون المراد بالوقت في قوله (عليه السلام): «إلّا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة ...» بمقتضى السياق و اتّحاد الذيل مع الصدر هو وقت الفضيلة كما عرفت.

و عليه فيكون مفاد الرواية: أنّ من تذكّر في وقت فضيلة المغرب فوات العصر مثلًا فإنّه يبدأ بالعصر إلّا إذا خاف من تقديمها خروج وقت الفضيلة فإنّه يقدّم المغرب حينئذ. فتكون قد دلّت على تقدم الحاضرة على الفائتة، دون العكس الذي هو المطلوب.

و ثالثاً: أنّها ناظرة إلى بيان حكم الفائتة في نفسها كما مرّ ذلك في الرواية‌

____________

(1) الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 62 ح 8.

(2) [لا يخفى أنّه من كلام السائل].

(3) شرح العروة: 11: 90.

177

..........

____________

الأُولى و مفادها محبوبية البدأة بالفائتة لزوماً أو استحباباً، و لا تعرّض فيها لبيان حكم الحاضرة كي تدلّ على الشرطية.

و منها: رواية معمر بن يحيى قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة ثمّ تبينت القبلة و قد دخل وقت صلاة أُخرى، قال: يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها ...» (1).

فإنّها محمولة على من صلّى إلى غير القبلة بدون عذر أو كانت صلاته إلى نقطتي المشرق أو المغرب أو مستدبر القبلة، فإنّ من صلّى إلى ما بين المشرقين و كان معذوراً في ذلك كانت صلاته صحيحة لا تحتاج إلى الإعادة، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة (2).

و كيف ما كان، فقد حكم (عليه السلام) بلزوم البدأة بتلك الصلاة الواقعة على غير جهة القبلة، ثم الإتيان بالصلاة الأُخرى التي قد دخل وقتها.

و فيه أوّلًا: أنّها ضعيفة السند، لضعف طريق الشيخ إلى الطاطري بعلي بن محمد بن الزبير القرشي (3).

و ثانياً: أنّها غير ناظرة إلى الفوائت، فإنّ الظاهر منها هو دخول وقت الفضيلة للصلاة الأُخرى حسبما كان المتعارف في تلك العصور من تفريق الصلوات على حسب أوقات الفضيلة، كما قد يشعر بذلك تعبيره (عليه السلام): «يعيدها»، حيث يكشف ذلك عن بقاء وقت الإجزاء للصلاة التي وقعت على غير جهة القبلة، و إلّا عبّر عنه بقوله: يقضيها. الدال على خروج الوقت و فوت الفريضة.

و قد تكرّر في الروايات مثل هذا التعبير أعني خروج الوقت و دخول وقت صلاة أُخرى و يراد به خروج وقت الفضيلة لصلاة و دخول وقتها لأُخرى.

____________

(1) الوسائل 4: 313/ أبواب القبلة ب 9 ح 5.

(2) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 2.

(3) الفهرست: 92/ 380.

178

..........

____________

فالحكم بتقديم تلك الصلاة على الأُخرى في الرواية من أجل بقاء وقتيهما و لزوم مراعاة الترتيب، لا لخروج وقت الاولى و تقديم الفائتة على الحاضرة. فهي أجنبية عن محلّ الكلام. فهذه الروايات الثلاث ضعيفة السند، بالإضافة إلى قصور الدلالة.

و منها: صحيحة صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلّى العصر، فقال: كان أبو جعفر أو كان أبي- (عليه السلام) يقول: إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، و إلّا صلّى المغرب ثم صلّاها» (1).

و هي صحيحة السند، فانّ محمد بن إسماعيل و إن كان مردّداً بين الثقة و غيره، لكن الذي يروي عن الفضل بن شاذان و يروي عنه الكليني (قدس سره) كثيراً هو الثقة، لبعد إكثاره الرواية عن غير الثقة، مع أنّ كتاب الكافي مشحون بمثل هذا السند.

مضافاً إلى وجود السند بعينه ضمن أسانيد كامل الزيارات، فلا مجال للتوقّف في سندها. و قد دلّت على لزوم تقديم فائتة الظهر على المغرب عند التمكّن منه.

و يتوجّه عليه: أنّ الرواية على خلاف المطلوب أدلّ، إذ المفروض فيها هو كون نسيان الظهر مغيّا بغروب الشمس كما يقتضيه قوله: «حتى غربت الشمس»، فينتفي النسيان لا محالة بعد الغروب حيث يكون متذكّراً لها آن ذاك.

فكيف يجتمع هذا مع قوله (عليه السلام): «إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب ...» مع امتداد وقت المغرب إلى منتصف الليل، بل إلى الفجر على الأظهر و إن كان آثماً في التأخير، فإنّه متمكّن من البدأة بالظهر الفائتة حين تذكّره لها قبل الشروع في المغرب، لامتداد وقتها كما عرفت، فمع سعة وقت‌

____________

(1) الوسائل 4: 289/ أبواب المواقيت ب 62 ح 7.

179

..........

____________

المغرب لا مجال للترديد الذي تضمّنته الصحيحة.

فيظهر من ذلك: أنّ المراد من فوت المغرب فوت وقت فضيلته، نظراً إلى أنّ الوقت المذكور قصير ينتهي بذهاب الشفق و انعدام الحمرة المشرقية، بحيث لا يزيد مجموعة على خمس و أربعين دقيقة تقريباً.

و من الجائز أن لا يتيسّر للمكلّف الجمع بين قضاء الظهر و إدراكه فضيلة المغرب، لاشتغاله بمقدّمات الصلاة من الوضوء أو الغسل و تطهير البدن أو اللباس و نحو ذلك، و يجوز أيضاً إمكان الجمع بين الأمرين لأجل تحقّق هذه المقدمات قبل الغروب، و لأجل ذلك حسن الترديد و التشقيق. فالمراد خوف فوات وقت فضيلة المغرب قطعاً لا وقت إجزائها.

و عليه فيكون مفاد الصحيحة أنّه لدى خوف الفوت تتقدّم المغرب على الظهر الفائتة، دون العكس الذي هو المطلوب. فهي على خلاف ما ذهب إليه القائل أدلّ كما ذكرنا.

و على الجملة: أنّ الصحيحة تنظر إلى بيان حكم الفائتة، و أنّ البدأة بها محبوبة ما لم يزاحمها المحبوبية من جهة أُخرى و هي إدراك وقت الفضيلة للحاضرة، و إلّا قدّمت الثانية، و ليست مسوقة لبيان حكم الحاضرة كي تدلّ على اشتراط سبقها بالفائتة.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أُخرى، فقال: إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فاذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي و إن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة، ثمّ صلّى المغرب، ثمّ صلّى العتمة بعدها» (1).

فإنّها بإطلاقها تشمل ما إذا كانت المنسية و الحاضرة في وقت واحد‌

____________

(1) الوسائل 4: 291/ أبواب المواقيت ب 63 ح 2.

180

..........

____________

كالظهرين و العشاءين، أو في وقتين كالعصر و المغرب، و قد دلّت على لزوم البدأة بالأُولى، و تقديم الفائتة على الحاضرة، حتّى أنّه لو كان مشغولًا بالحاضرة لعدل منها إلى الفائتة.

و يتوجّه عليه: أنّها أيضاً قاصرة الدلالة، فإنّ لزوم البدأة بالمنسيّة فيما إذا اتحد وقتها مع الحاضرة كلزوم العدول فيما لو تذكّر و هو في الأثناء إنّما يكونان بحسب الظاهر، لمراعاة الترتيب المعتبر بين الصلاتين، و هذا خارج عن محلّ الكلام.

و أمّا بالنسبة إلى مختلفتي الوقت كالعصر و المغرب فظاهر قوله (عليه السلام): «فاذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي» و إن كان في بادئ النظر هو لزوم تقديم الفائتة على الحاضرة و كونه شرطاً في صحّتها، و إلّا لم يكن موجب للعدول. إلّا أنّ التأمل في صدر الصحيحة يقضي بخلافه.

فإنّه (عليه السلام) ذكر أوّلًا أنّه «إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها ...»، فقد بيّن (عليه السلام) بهذا الكلام حكم الفائتة في حدّ ذاتها، و أنّ المبادرة إليها حينما يذكرها محبوبة لزوماً أو استحباباً على الخلاف المتقدّم (1) في مسألة المواسعة و المضايقة.

ثمّ إنّه (عليه السلام) فرّع على ذلك قوله: «فاذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي ...» إيعازاً إلى أنّ محبوبية المبادرة إلى الفائتة التي دلّ عليها صدر الرواية باقية حتّى و لو كان التذكّر في الأثناء مع إمكان التدارك بالعدول إلى الفائتة، بل و لو كان في صلاة المغرب مع الإمام، و ذلك بأن يضيف ركعة إلى ما أتى به و يجعلها الفائتة، ثمّ يأتي بالمغرب منفرداً، دفعاً لما قد يتوهّم من عدم إمكان التدارك بعد الدخول في الحاضرة، فيكون الأمر بالعدول وارداً مورد توهّم الحظر، و هو لا يدلّ إلّا على الجواز دون الوجوب.

____________

(1) في ص 160 و ما بعدها.

181

..........

____________

و على الجملة: أنّ الصحيحة مسوقة لبيان حكم الفائتة في حدّ ذاتها، و أنّ البدار إليها حينما يذكرها محبوب مطلقاً في أيّ مورد ذكرها و لو كان ذلك بعد دخول وقت الحاضرة و بعد الاشتغال بها مع إمكان العدول.

و التفريع الوارد فيها مترتّب على هذا الحكم، و ليست بناظرة إلى حكم الحاضرة و اعتبار الترتيب بينها و بين الفائتة تعبّداً مع الغضّ عن محبوبية البدأة بالفائتة في حدّ ذاتها كي يستفاد منها اشتراط الحاضرة بسبق الفائتة.

و منها: صحيحة زرارة الطويلة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا نسيت صلاة، أو صلّيتها بغير وضوء، و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثم صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة. و قال قال أبو جعفر (عليه السلام): و إن كنت قد صلّيت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها. و قال: إذا نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثمّ صلّ العصر، فإنّما هي أربع مكان أربع. و إن ذكرت أنّك لم تصلّ الاولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين فانوها الاولى، ثمّ صل الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر. و إن كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصلّ العصر ثمّ صلّ المغرب، فان كنت قد صلّيت المغرب فقم فصلّ العصر. و إن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين، ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر ثمّ قم فأتمّها ركعتين ثمّ تسلّم، ثمّ تصلّي المغرب. فان كنت قد صلّيت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم فصلّ المغرب، و إن كنت ذكرتها و قد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمّ سلّم، ثمّ قم فصلّ العشاء الآخرة. فإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر فصلّ العشاء الآخرة، و إن كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأُولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء، ثمّ قم‌

182

..........

____________

فصلّ الغداة و أذّن و أقم. و إن كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء، فان خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثمّ صلّ الغداة ثمّ صلّ العشاء، و إن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما لأنّهما جميعاً قضاء، أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس. قال قلت: و لم ذاك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها» (1).

و محلّ الاستشهاد بالرواية ثلاث فقرأت منها:

الاولى: قوله (عليه السلام): «و إن كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتّى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصلّ العصر، ثمّ صلّ المغرب ...»، حيث دلّ على لزوم تقديم العصر الفائتة على المغرب ما لم يخف فوتها.

و يتوجّه عليه أوّلًا: أنّ المراد من خوف فوت المغرب فوتها في وقت الفضيلة، دون الإجزاء كما تقدّم (2)، فانّ الغالب بل الشائع في تلكم العصور هو تفريق الصلوات الخمس اليوميّة بالإتيان بكلّ واحدة منها في وقت فضيلتها و عليه فيكون مفاد الفقرة: أنّه لدى خوف فوت وقت فضيلة المغرب يقدّم المغرب على الفائتة. فتكون إذن على خلاف المطلوب أدلّ.

و ثانياً: أنّ المنظور إليه في الصحيحة كما يشهد به قوله (عليه السلام) في صدر الرواية: «و قد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها» بيان حكم الفائتة في حدّ نفسها، و أنّ البدأة بها متى ما ذكرها محبوبة وجوباً أو استحباباً، و أنّ المبادرة إليها في أيّ ساعة ذكرها أمر مرغوب فيه بنحو اللزوم أو الندب، على الخلاف المتقدّم في مسألة المواسعة و المضايقة.

____________

(1) الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

(2) في ص 176.

183

..........

____________

فهذه الفقرة و ما يضاهيها من فقرأت الرواية متفرّعة على هذا الحكم، و مبتنية على هذا الأساس، و ليست الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم الحاضرة من حيث هي كي تدلّ على اشتراط الترتيب بين الفائتة و الحاضرة تعبّداً مع قطع النظر عن تلك المسألة، فإنّ سياقها يشهد بعدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية أصلًا كما ذكرنا ذلك في صحيحة عبد الرحمن، لتوافقهما مضموناً من هذه الناحية. و الجواب هنا بعينه هو الجواب هناك.

الثانية: قوله (عليه السلام): «و إن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر»، حيث حكم (عليه السلام) بالعدول من الحاضرة إلى الفائتة فيما إذا كان التذكّر في الأثناء، فإنّه لولا اعتبار الترتيب بين الأمرين لم يكن وجه للحكم بالعدول.

و يتوجّه عليه: أنّ الوجه في الحكم بالعدول إنّما هو التنبيه على محبوبية البدار و الإتيان بالفائتة فوراً متى ما تذكّر الفائتة و في أيّة ساعة ذكرها، حتّى و لو كان ذلك أثناء الحاضرة مع إمكان العدول كما نبّه على ذلك في صدر الرواية.

و الأمر بالعدول إنّما وقع دفعاً لما قد يتوهّم من عدم إمكان التدارك بعد الشروع في الحاضرة، فيكون وارداً مورد توهّم الحظر، فلا يدلّ على الوجوب ليثبت الاشتراط، بل أقصاه الجواز أو الاستحباب، رعاية لما في المبادرة إلى الفائتة من المحبوبية النفسية. فهذا الحكم أيضاً من فروع الحكم في تلك المسألة و لا يرتبط بحكم الحاضرة.

الثالثة: قوله (عليه السلام): «و إن كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة»، حيث دلّ على لزوم تقديم الفائتتين على الغداة الحاضرة.

و جوابه أيضاً يعلم ممّا سبق، فانّ التقديم المزبور إنّما يكون من متفرّعات‌

184

..........

____________

الحكم بمحبوبية البدار إلى الفائتة، و ليس ذلك بحكم تعبّدي مستقل متعلّق بالحاضرة من حيث هي.

و على الجملة: أنّ الجواب عن الصحيحة بكلمة واحدة، و هي أنّها مسوقة لبيان حكم الفائتة في نفسها، و تدلّ على محبوبية المبادرة إليها متى ما ذكرها وجوباً أو استحباباً، و غير ناظرة إلى بيان حكم الحاضرة ليثبت بها الاشتراط. و عليه فيسقط الاستدلال بها بفقراتها الثلاث.

و المتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ النصوص التي استدل بها للمضايقة و اشتراط الترتيب بين الحاضرة و الفائتة كلّها ساقطة و غير صالحة للاستدلال فانّ مجموعها ست روايات كما عرفت، و الثلاث الأخيرة قاصرة الدلالة و إن صحّت أسنادها، و أمّا الثلاث الأُول فهي ضعيفة السند و الدلالة، هذا.

و على تقدير التنزّل و تسليم دلالتها على اعتبار تقديم الفائتة على الحاضرة فهي معارضة بطائفة أُخرى من النصوص و جملة منها صحاح السند دلّت على العكس و أنّه يجوز تقديم الحاضرة على الفائتة، و هي:

صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إن نام رجل و لم يصلّ صلاة المغرب و العشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و إن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة و إن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة ...» (1).

حيث دلّت صريحاً على لزوم تقديم الحاضرة على صلاتي العشاءين الفائتتين. و لا يقدح فيها اشتمال صدرها على ما لا يقول المشهور به و هو امتداد وقت العشاءين إلى الفجر، إذ لا نرى مانعاً من الالتزام بذلك بعد مساعدة الدليل عليه، كما التزمنا به في محلّه، و إن كان آثماً في التأخير إلى ذلك الوقت بدون عذر، و قد مرّ تفصيله في بحث الأوقات (2).

____________

(1) الوسائل 4: 288/ أبواب المواقيت ب 62 ح 3.

(2) شرح العروة 11: 128.

185

..........

____________

على أنّ تعيّن طرح هذه الفقرة من الرواية لمخالفتها لمذهب المشهور لا يمنعنا عن الاستدلال بالفقرة الأُخرى على المطلوب، حيث قد تقرّر في محلّه عدم التلازم بين فقرأت الرواية الواحدة في الحجّية (1).

و صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، و إن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و إن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس» (2)، و مثلها صحيحة عبد اللّٰه بن سنان التي أشار إليها صاحب الوسائل في ذيل هذه الصحيحة.

هذه الصحاح الثلاث قد دلّت كما ترى على لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة، فتقع المعارضة بينها و بين النصوص المتقدّمة لا محالة.

و أحسن وجوه الجمع بين الطائفتين هو حمل الطائفة الأُولى على صورة عدم خوف فوت وقت الفضيلة للصلاة الحاضرة، حيث تقدّم الفائتة حينئذ عليها و الطائفة الثانية على خوف الفوت فتقدّم الحاضرة إذن عليها، ترجيحاً لفضيلة الوقت على فضيلة المبادرة إلى الفائتة.

و يشهد للجمع المذكور ما ورد في صحيحتي صفوان و زرارة الطويلة المتقدّمتين (3) و غيرهما من التصريح بالتفصيل المذكور بالنسبة إلى صلاة المغرب و أنّه تقدّم الظهر أو العصر الفائتة عليها ما لم يخف فوتها المراد به خوف فوت وقت فضيلة المغرب كما تقدّم، و إلّا قدّم المغرب على الفائتة.

فبهذه القرينة يحكم باختلاف موردي الطائفتين، و به ترتفع المعارضة من البين.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 428.

(2) الوسائل 4: 288/ أبواب المواقيت ب 62 ح 4.

(3) تقدّم ذكر صحيحة صفوان في ص 178 و صحيحة زرارة في ص 181.

186

خصوصاً في فائتة ذلك اليوم، بل إذا شرع في الحاضرة قبلها استحبّ له العدول منها إليها إذا لم يتجاوز محلّ العدول (1).

____________

نعم، ظاهر مرسلة جميل المروية في الوسائل تارة عن المحقّق (قدس سره) في المعتبر (1) و فيها: «بعد العشاء»، و أُخرى بإسناده عن جميل (2) بلفظة «عند العشاء» كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى في المسألة (16) (3) هو تقديم الحاضرة مطلقاً حتّى في غير صورة المزاحمة لوقت الفضيلة، معلّلًا بعدم الأمن من الموت فيكون قد ترك فريضة الوقت.

لكنّها ضعيفة السند، و لا تصلح للاعتماد عليها. و مع الغضّ عن ذلك فالتعليل الوارد فيها غير قابل للتصديق، و يجب ردّ علمه إلى أهله، فإنّه إنّما يناسب الحكم بتقديم الحاضرة على أمر مباح أو مستحب، دون تقديمها على الفائتة التي هي كالحاضرة في الوجوب و أنّ كلتيهما من فرائض اللّٰه سبحانه و تعالى.

فانّ مجرّد عدم الأمن من الموت لا يصلح لترجيح إحداهما على الأُخرى إلّا إذا ثبت من الخارج كون صاحبة الوقت أولى بالمراعاة، و إلّا فالعلم بالموت و نفرضه بعد دقيقتين من الوقت مثلًا لا يستوجب تقديم الحاضرة فضلًا عن عدم الأمن منه، و ذلك لأنّ الفائتة ممّا تشترك مع الحاضرة في العلّة المذكورة، و لا مزيّة لإحداهما على الأُخرى كما لا يخفى.

(1) بقي في المسألة قولان: أحدهما: التفصيل بين فائتة اليوم و بين فائتة سائر الأيام، فقد قيل بلزوم تقديم الفائتة على الحاضرة في الأوّل دون الثاني.

____________

(1) الوسائل 4: 289/ أبواب المواقيت ب 62 ح 6، المعتبر 2: 407.

(2) الوسائل 8: 257/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 5.

(3) في ص 137.

187

..........

____________

و الظاهر أنّ المستند للتفصيل المذكور إنّما هو صحيحتا صفوان و زرارة الطويلة المتقدّمتان (1)، حيث إنّهما قد دلّتا على تقديم الظهر أو العصر المنسيّة حتى غربت الشمس على المغرب، و كذا العشاءين على الفجر.

و يتوجّه عليه مضافاً إلى ما عرفت من قصور الدلالة و أنّهما على خلاف المطلوب أدلّ، أنّهما معارضتان بما دلّ على العكس، أي لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة من ذلك اليوم، و هي صحاح أبي بصير و ابني مسكان و سنان المتقدّم ذكرها الدالة على لزوم تقديم صلاة الفجر الحاضرة على العشاءين الفائتتين من ذلك اليوم.

ثانيهما: التفصيل بين اشتغال الذمة بفائتة واحدة سواء أ كانت من ذلك اليوم أم من غيره، و بين اشتغالها بفوائت متعدّدة، فيجب التقديم في الأول دون الثاني. و كأنّ المستند له صحيحة عبد الرحمن (2) المتقدّمة، بحمل التنوين في قوله: «نسي صلاة» على التنكير.

و يتوجّه عليه: أنّ حمل التنوين على التنكير خلاف الظاهر، و لا يصار إليه بدون قرينة، بل الأصل فيه هو التمكّن كما لا يخفى. على أنّها في نفسها قاصرة الدلالة على اعتبار الترتيب كما عرفته سابقاً. ثم إنّ هذه الرواية صحيحة السند، إذ ليس في سندها من يغمز فيه سوى معلى بن محمد، و هو وارد في أسانيد كامل الزيارات.

و لا يقدح فيه قول النجاشي (رحمه اللّٰه) في حقّه: إنّه مضطرب الحديث و المذهب (3). فانّ الاضطراب في المذهب لا ينافي الوثاقة كما هو ظاهر، و كذا الاضطراب في الحديث، إذ ليس معنى ذلك أنّه ممّن يضع الحديث و يكذب كي‌

____________

(1) الوسائل 4: 289/ أبواب المواقيت ب 62 ح 7، 290/ ب 63 ح 1، و قد تقدمتا في ص 178، 181.

(2) الوسائل 4: 291/ أبواب المواقيت ب 63 ح 2 و قد تقدّمت في ص 179.

(3) رجال النجاشي: 418/ 1117.

188

[مسألة 29: إذا كانت عليه فوائت أيّام و فاتت منه صلاة ذلك اليوم أيضاً]

[1805] مسألة 29: إذا كانت عليه فوائت أيّام و فاتت منه صلاة ذلك اليوم أيضاً، و لم يتمكّن من جميعها أو لم يكن بانياً على إتيانها فالأحوط استحباباً أن يأتي بفائتة اليوم قبل الأدائية (1)، و لكن لا يكتفي بها [1]، بل بعد الإتيان بالفوائت يعيدها أيضاً مرتّبة عليها.

____________

يكون ذلك طعناً في الرجل نفسه و كاشفاً عن تضعيفه إياه، و إنّما هو طعن في أحاديثه و أنّها ليست مستقيمة و لا تكون على نمط واحد، و إنّما يروي الحديث تارة عن الثقة و أُخرى عن الضعيف، و قد يروي المناكير و غيرها، فلا تكون أحاديثه على نسق واحد.

و على الجملة: أنّ هذه العبارة لا تقتضي القدح في وثاقه الرجل كي يعارض به التوثيق المستفاد من وروده في أسانيد كامل الزيارات.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الأقوى ما هو المشهور بين المتأخّرين من المواسعة و عدم اشتراط الحاضرة بتقديم الفائتة عليها، فيتخيّر المكلّف بين تقديم أيّ منهما شاء، و إن كان الأفضل تقديم صاحبة الوقت عند المزاحمة مع وقت الفضيلة رعاية لفضيلة الوقت، و إلّا كان الأفضل تقديم الفائتة رعاية لاستحباب المبادرة إليها. و قد علم الوجه في ذلك ممّا مرّ.

(1) لاحتمال الترتيب بين الحاضرة و فائتة اليوم خاصة كما هو أحد الأقوال في المسألة على ما مرّ (1)، و أمّا الإعادة فللزوم مراعاة الترتيب في قضاء الفوائت بتقديم السابق في الفوت فالسابق، فتعاد تحفظاً على الترتيب المذكور. فالاحتياط مبني على مراعاة الجمع بين القولين.

و حيث إنّه (قدس سره) كان قد بنى على عدم اعتبار الترتيب بين الحاضرة و بين الفائتة مطلقاً حتّى فائتة اليوم نفسه فلذلك كان الاحتياط بالتقديم استحبابياً.

____________

[1] على الأحوط الأولى.

____________

(1) في ص 186.

189

[مسألة 30: إذا احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت]

[1806] مسألة 30: إذا احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت يستحبّ له تحصيل التفريغ بإتيانها احتياطاً (1)، و كذا لو احتمل خللًا فيها و إن علم بإتيانها.

____________

كما أنّه من أجل بنائه (قدس سره) على لزوم مراعاة الترتيب بين الفوائت أنفسها حكم بعدم الاكتفاء و لزوم إعادة الفائتة.

و لكنك عرفت فيما تقدّم (1) عدم تمامية كلا المبنيين، و أنّ الترتيب غير معتبر مطلقاً لا بين الفوائت أنفسها و لا بينها و بين الحاضرة. فكما أنّه لا يلزم تقديم فائتة اليوم لا تلزم الإعادة أيضاً، بل يجوز الاكتفاء بها، و إن كانت الإعادة أولى و أحوط.

استحباب القضاء:

(1) القضاء في الفرض المذكور و إن لم يكن لازماً لقاعدة الحيلولة أو أصالة البراءة على التفصيل المتقدّم (2) بحسب اختلاف الموارد إلّا أنّه لا ريب في كونه احتياطاً، و هو حسن على كل حال عقلًا و شرعاً بعد احتمال الفوت، فيحسن تفريغ الذمّة عن التكليف المحتمل، و إن كان ذلك مدفوعاً بالأصل.

و قد وردت طائفة كثيرة من الروايات و لا يبعد بلوغها حدّ التواتر قد أكدت على الاحتياط في أمر الدين، و مضمونها: أخوك دينك، فاحتط لدينك (3) المحمولة على الاستحباب، و إن كانت في بعض الموارد محمولة على الوجوب كما قرّر ذلك في محلّه (4).

____________

(1) في ص 187، 136 و ما بعدها.

(2) في ص 154 155.

(3) الوسائل 27: 167/ أبواب صفات القاضي ب 12 ح 46، 61، 1 و غيرها من أخبار هذا الباب و غيره.

(4) مصباح الأُصول 2: 301.

190

[مسألة 31: يجوز لمن عليه القضاء الإتيان بالنوافل على الأقوى]

[1807] مسألة 31: يجوز لمن عليه القضاء الإتيان بالنوافل على الأقوى، كما يجوز الإتيان بها بعد دخول الوقت قبل إتيان الفريضة كما مرّ سابقا (1).

[مسألة 32: لا يجوز الاستنابة في قضاء الفوائت ما دام حياً]

[1808] مسألة 32: لا يجوز الاستنابة في قضاء الفوائت ما دام حياً (2) و إن كان عاجزاً عن إتيانها أصلًا.

____________

و منه تعرف الحال في حسن الاحتياط في قضاء ما يحتمل الخلل في أدائه و إن علم بأصل الإتيان به، فانّ الاحتمال المذكور و إن كان مدفوعاً بقاعدة الفراغ إلّا أنّ احتمال الخلل واقعاً المساوق لاحتمال الفوت ثابت وجداناً، فيستحب الاحتياط و تحصيل التفريغ عن التكليف الاحتمالي لما ذكر.

النافلة مع وجوب القضاء:

(1) مرّ الكلام في ذلك مستقصى في باب المواقيت (1) فلا نعيد، فانّ هذه المسألة من جملة أحكام النافلة في نفسها، حيث ينبغي البحث هناك عن جواز الإتيان بالنافلة مع اشتغال الذمة بالفريضة أدائية كانت أم قضائية، و ليست من أحكام القضاء.

ثم إنّ محلّ البحث في جواز الإتيان بالنافلة لمن عليه الفريضة إنّما هي النوافل غير المرتّبة، و أمّا المرتّبة كنوافل الظهرين فلا إشكال في الجواز كما هو ظاهر.

استنابة الحي:

(2) فإنّ مقتضى إطلاق أدلّة التكاليف أداءً و قضاءً اعتبار المباشرة و عدم السقوط بفعل الغير، تطوعاً أم استنابة، فيحتاج السقوط في موردها إلى الدليل الخاص المخرج عن الإطلاق. و حيث لا دليل على ذلك في المقام و إن‌

____________

(1) شرح العروة 11: 337.

191

[مسألة 33: يجوز إتيان القضاء جماعة، سواء كان الإمام قاضياً أيضاً أو مؤدّياً]

[1809] مسألة 33: يجوز إتيان القضاء جماعة، سواء كان الإمام قاضياً أيضاً أو مؤدّياً (1)، بل يستحبّ ذلك. و لا يجب اتحاد صلاة الإمام و المأموم، بل يجوز الاقتداء من كلّ من الخمس بكلّ منها.

____________

ثبت ذلك في بعض الموارد كما في الحجّ، و في الطواف مع العجز عنه و عن الإطافة أيضاً، فالمحكّم هنا هو الإطلاق.

القضاء جماعة:

(1) للإطلاق في أدلّة الجماعة، بناءً على ثبوته كما هو الصواب على ما سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (1)، مضافاً إلى النصوص الخاصّة الواردة في المقام.

أمّا إذا كان الإمام و المأموم كلاهما قاضياً فتدلّ عليه الأخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أصحابه عن صلاة الفجر و قضائها بهم جماعة بعد التحويل من ذلك المكان، كما تقدّم الكلام على ذلك (2). فانّا و إن كنّا في تردّد في الأخذ بالأخبار المذكورة من حيث الحكاية لنومه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) عن صلاة الغداة، بل إنّه يشكل التصديق بها من هذه الجهة كما سبق، إلّا أنّ ذلك لا يمنع عن العمل بها في الفقرة الأخيرة منها الدالّة على محلّ الكلام.

و أمّا إذا كان المأموم قاضياً فلموثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): تقام الصلاة و قد صلّيت، فقال: صلّ و اجعلها لما فات» (3).

و قد رواها الشيخ (قدس سره) بإسناده و فيه: سلمة صاحب السابري (4).

____________

(1) لاحظ شرح العروة 17: 7 8.

(2) في ص 163، 167، شرح العروة 11: 340 341.

(3) الوسائل 8: 404/ أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1.

(4) التهذيب 3: 51/ 178.

192

[مسألة 34: الأحوط لذوي الأعذار تأخير القضاء إلى زمان رفع العذر]

[1810] مسألة 34: الأحوط لذوي الأعذار تأخير القضاء إلى زمان رفع العذر [1] إلّا إذا علم بعدم ارتفاعه إلى آخر العمر، أو خاف مفاجاة الموت (1).

____________

و رواها الصدوق (رحمه اللّٰه) (1)، و في سنده علي بن إسماعيل بن عيسى (2). و كلاهما من رجال كامل الزيارات.

و أمّا العكس و هو ما إذا كان الإمام قاضياً فلصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): إنّي أحضر المساجد مع جيرتي و غيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم و قد صلّيت قبل أن آتيهم، و ربما صلّى خلفي من يقتدي بصلاتي و المستضعف و الجاهل إلى أن قال فكتب (عليه السلام): صلّ بهم» (3).

فانّ الظاهر كون الصلاة الثانية محسوبة قضاء (4)، لأجل إتيانه بفريضة الوقت قبل ذلك و سقوط الأمر به لا محالة.

قضاء ذوي الأعذار:

(1) قد تكرّر منه (قدس سره) نظير ذلك في المسائل المتقدّمة، و قد سبق منّا أيضاً في غير واحد من مطاوي هذا الشرح أنّ الأقوى هو جواز البدار حتّى مع احتمال الاستمرار و رجاء الزوال، استناداً إلى استصحاب بقاء العذر إلى نهاية الوقت بناءً على جريانه في الأُمور الاستقبالية كما هو الصحيح.

____________

[1] و الأظهر جواز البدار فيما لم يعلم زوال العذر، و في وجوب الإعادة بعد الزوال و عدمه تفصيل، فان كان الخلل في الأركان وجبت الإعادة، و إلّا فلا.

____________

(1) الفقيه 1: 265/ 1213.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 5.

(3) الوسائل 8: 401/ أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 5.

(4) بل ظاهرها أنّها معادة استحباباً كما سيجي‌ء التصريح به في المسألة الثالثة من فصل صلاة الجماعة.

193

[مسألة 35: يستحبّ تمرين المميّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة]

[1811] مسألة 35: يستحبّ تمرين المميّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة، كما يستحبّ تمرينه على أدائها، سواء الفرائض و النوافل، بل يستحبّ تمرينه على كلّ عبادة. و الأقوى مشروعيّة عباداته (1).

____________

و حينئذ فان لم ينكشف الخلاف اجتزأ بما أتى به، و إلّا فحيث كان الأمر الاستصحابي من الحكم الظاهري و هو ممّا لا يجزي عن الأمر الواقعي فإن كان الخلل المنكشف في أحد الأركان أعاد، و إلّا بنى على الصحّة، لصحيح «لا تعاد ...» (1).

تمرين الأطفال على القضاء:

(1) تقدّم الكلام حول المسألة أيضاً في الأبحاث السابقة من هذا الشرح (2) فلا موجب للإعادة إلّا على سبيل الإشارة فنقول:

إنّ الأقوى مشروعية عبادات الصبيّ، لا لإطلاق أدلّة التكاليف بدعوى شمولها للبالغين و غيرهم و أنّ حديث رفع القلم عن الصبي (3) إنّما يرفع الإلزام فقط فتبقى المشروعية و الرجحان، إذ فيه ما لا يخفى.

بل لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّه مروا صبيانكم بالصلاة و الصيام (4) الشامل بإطلاقه لكلّ من الأداء و القضاء، و الأمر بالأمر بالشي‌ء أمر بذلك الشي‌ء كما حقّق في محلّه (5).

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) شرح العروة 3: 142، 8: 239.

(3) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11، 29: 90/ أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2 و غيرهما.

(4) الوسائل 4: 19/ أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5، 7، 10: 234/ أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.

(5) محاضرات في أُصول الفقه 4: 74.

194

[مسألة 36: يجب على الوليّ (1) منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم]

[1812] مسألة 36: يجب على الوليّ (1) منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم [1] أو على غيرهم من الناس، و عن كلّ ما علم من الشرع إرادة عدم وجوده في الخارج لما فيه من الفساد كالزنا و اللواط و الغيبة، بل و الغناء على الظاهر [2]، و كذا عن أكل الأعيان النجسة و شربها ممّا فيه ضرر عليهم، و أمّا المتنجّسة فلا يجب منعهم عنها، بل حرمة مناولتها لهم غير معلومة [3]. و أمّا لبس الحرير و الذهب و نحوهما ممّا يحرم على البالغين فالأقوى عدم وجوب منع المميّزين منها فضلًا عن غيرهم، بل لا بأس بإلباسهم إيّاها، و إن كان الأولى تركه، بل منعهم عن لبسها.

____________

وظيفة الولي اتّجاه الطفل:

(1) قد مرّ الكلام حول المسألة مفصلًا في كتاب الطهارة (1) و ملخّص ما قلناه هناك: أن المحرّمات الشرعية تنقسم إلى قسمين: فمنها ما يستفاد من دليله أنّ الشارع أراد سدّ باب وجوده رأساً، بحيث لا يرضى بتحقّقه في الخارج بأيّ نحو كان، من دون دخل لمباشرة خصوص المكلّف في ذلك، فهو إنّما يريد خلوّ صفحة الوجود عن العمل المذكور.

و هذا كالقتل و الزنا و اللواط و شرب الخمر و نحوها، فانّ قتل النفس المحرّمة مثلًا ممّا لا يكاد يرضى الشارع بتحقّقه و لو من غير البالغ، بل غير العاقل أيضاً كالحيوان، فاذا شاهدنا حيواناً يحاول افتراس مؤمن أو قتله وجب علينا الصدّ عن ذلك، فضلًا عن الصبيّ. و عليه فيجب على الوليّ في مثل ذلك منع الطفل‌

____________

[1] في إطلاقه إشكال، بل منع.

[2] بل على الأحوط فيه و فيما بعده.

[3] بل الظاهر جوازها.

____________

(1) شرح العروة 3: 311 و ما بعدها.

195

..........

____________

عنه و منه أكل ما فيه الضرر كالسمّ و نحوه ممّا منع الشارع عنه.

و منها: ما يستفاد من دليله المنع من صدوره من المكلّفين بالمباشرة كأكل الأعيان النجسة و المتنجّسة و شربها، فلا مانع في مثل ذلك من مناولتها لغير البالغ، و كذلك الحال في لبس الحرير و الذهب و نحوهما، حيث إنّه لا يوجب منع الأطفال مطلقاً أو خصوص المميّزين عن مثل ذلك، بل يجوز للولي إلباسهم أيضاً.

و من هذا القبيل الغناء، حيث إنّه لم يظهر من دليل حرمته المنع عن وجوده مطلقاً، فلا يجب منع المميّز أو المجنون من سماعه. و كذلك أكل ما لم يذكّ من اللحوم مع القطع بعدم الضرر فيه، حيث إنّه ليس من المحتمل أن يكون للتذكية بالذبح إلى القبلة أو التسمية حاله و نحو ذلك تأثير و دخل في الضرر وجوداً و عدماً.

و المتحصّل: أنّ المتّبع في كلّ مورد إنّما هو ملاحظة دليل الحكم في ذلك المورد، ليظهر بذلك كونه من أيّ القسمين، فيتّبع فيه ما يقتضيه الحال في كلّ منهما. و اللّٰه سبحانه هو العالم بحقائق الأُمور.

196

[فصل في صلاة الاستئجار]

فصل في صلاة الاستئجار يجوز الاستئجار للصلاة بل و لسائر العبادات عن الأموات إذا فاتت عنهم، و تفرغ ذمّتهم بفعل الأجير (1)، و كذا يجوز التبرّع عنهم.

____________

(1) كما هو المشهور و لا سيما بين المتأخّرين، و عن جماعة المنع. و لا يخفى ابتناء هذا البحث على البحث عن جواز النيابة عن الغير في العبادة و صحّة فعل النائب بحيث يترتّب عليه تفريغ ذمّة المنوب عنه، إذ بعد البناء على الجواز و صحّة النيابة تطوّعاً أو استنابة لا ينبغي الإشكال في صحة الإجارة، أخذاً بعموم أدلّة الوفاء بالعقود، من دون حاجة إلى ورود النص فيه بالخصوص.

فانّ عمل النائب حينئذ شأنه شأن سائر الأعمال المباحة الصالحة للوقوع مورد عقد الإجارة بعد فرض احترام عمل المسلم و جواز تمليك الغير إيّاه بإجارة و نحوها، لعدم الفرق بينهما من هذه الجهة أصلًا. فكما يصحّ الاستئجار لسائر الأعمال بلا إشكال يصحّ الاستئجار للنيابة في العبادة أيضاً بمناط واحد و هو الاندراج تحت عموم دليل الوفاء بالعقد.

نعم، يمتاز المقام بشبهة تعرّض لها شيخنا الأنصاري (قدس سره) و هي دعوى المنافاة بين العباديّة و الاستئجار لها، فإنّ العباديّة تقتضي الإتيان بالعمل بداعي التقرّب منه تعالى، و هو ينافي الإتيان به بداعي أخذ الأُجرة الذي‌

197

..........

____________

اقتضاه عقد الإجارة (1).

و تندفع بأنّ الأمر الإجاري و إن كان توصّلياً في حدّ ذاته إلّا أنّ مورد العقد حيث لم يكن هو ذات العمل، بل المركّب منه و من قصد القربة، فلا يكاد يحصل الوفاء بالعقد إلّا إذا أتى بالعمل بداع قربي، لأنّ متعلّق الأمر التوصّلي في خصوص المقام إنّما هو العمل المعنون بكونه عبادة حسب الفرض. فالأمر الإجاري يكون مؤكّداً للعباديّة لا منافياً لها كما لا يخفى.

و على الجملة: العمل النيابي بعد فرض صحّة النيابة مورد للأمر الاستحبابي النفسي، و بعد وقوعه حيّز العقد يتأكّد الأمر المذكور و يتبدّل بالوجوب، كما هو الحال عند وقوعه مورداً للنذر أو اليمين أو الشرط ضمن العقد. فكما أنّ الأمر الناشئ من قبل هذه العناوين بمناط وجوب الوفاء بالعقد أو النذر أو نحوهما لا ينافي عبادية العمل النيابي بل يؤكّدها فكذلك الأمر الجائي من قبل عقد الإجارة.

و أمّا الداعي على العمل فليس هو أخذ الأُجرة، كيف و قد استحقّها النائب بمجرّد العقد، فيمكنه مطالبة المؤجر بذلك و لو لم يتحقّق منه العمل خارجاً بأن يخبره كذباً بوقوع الفعل و تحقّقه منه، حيث لا يتيسر للمؤجر استعلام حاله صدقاً و كذباً حتّى و لو رآه يقوم بالعمل خارجاً، فإنّه بعد فرض تقوّم العبادة بالقصد الذي هو أمر نفسي لا سبيل للعلم به لغير علّام الغيوب من الممكن أن لا يكون قاصداً للقربة أو يكون قاصداً وقوع العمل عن نفسه أو عن والده دون الميت.

فليس الداعي على العمل إذن هو الاستيلاء على الأُجرة، لإمكانه بدون ذلك كما عرفت، بل الداعي إنّما هو قصد الأمر النفسي المتعلّق بالعبادة بعنوان النيابة متقرّباً منه تعالى.

و لا أقلّ من أن يكون قاصداً للأمر الإجاري الذي لا يسقط في خصوص‌

____________

(1) المكاسب 2: 128.

198

..........

____________

المقام إلّا بقصد التقرّب بالفعل، لفرض كون متعلّقه عباديّاً. فلا تنافي بين الأمرين بوجه.

جواز النيابة: ينبغي البحث في المسألة كما أشرنا إليه آنفاً عن جواز النيابة و مشروعيّتها في حدّ نفسها بحيث يترتّب عليها تفريغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب، لتبتني على ذلك صحّة الإجارة، فنقول:

لا شك في أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز ذلك، فإنّ إطلاق الخطاب يقتضي المباشرة في مقام الامتثال و عدم سقوطه بفعل الغير، لأنّه إنّما يدعو من خوطب به إلى العمل دون غيره الأجنبي عن الخطاب، فلا يكون عمل زيد مثلًا موجباً لتفريغ ذمّة عمرو عن التكليف المتعلّق به، كيف و هو أشبه شي‌ء بشرب زيد للدواء ليشفي عمرو من مرضه.

إلّا أنّه قد وردت في المقام روايات خاصة دلّت على الجواز، و إن كان على خلاف القاعدة. و لا مانع من الالتزام بمثله في الأُمور الاعتبارية ممّا يكون أمرها سعة و ضيقاً بيد معتبرها، فله الاجتزاء بفعل أحد مع تعلّق التكليف بغيره، و حكمه بتفريغ ذمّة الغير عنه.

و عليه ففي كلّ مورد قام الدليل عليه يؤخذ به، و إلّا فالمتّبع هو أصالة الإطلاق المقتضي لعدم السقوط بفعل الغير كما عرفت.

و قد قام الدليل على ذلك في النيابة عن الأموات في باب الصلاة و الصوم و الحج و غيرها من سائر العبادات، و هي عدّة نصوص كما يلي:

1 صحيحة معاوية بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أيّ شي‌ء يلحق الرجل بعد موته؟ قال: يلحقه الحج عنه، و الصدقة عنه، و الصوم عنه» (1).

____________

(1) الوسائل 2: 445/ أبواب الاحتضار ب 28 ح 8.

199

..........

____________

2 صحيحته الأُخرى قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: سنّة سنّها إلى أن قال: و الولد الطيّب يدعو لوالديه بعد موتهما، و يحجّ و يتصدّق و يعتق عنهما، و يصلّي و يصوم عنهما، فقلت: أُشركهما في حجّتي؟ قال: نعم» (1).

و في السند محمد بن إسماعيل المردّد بين الثقة و غيره. إلّا أنّ الذي يروي عنه الكليني (رحمه اللّٰه) و يروي هو عن الفضل بن شاذان لا يراد به إلّا الثقة.

3 صحيحة عمر بن يزيد قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): نصلّي عن الميت؟ فقال: نعم، حتّى أنّه ليكون في ضيق فيوسع اللّٰه عليه ذلك الضيق ثمّ يؤتى فيقال له: خفّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك ...» (2).

4 صحيحة علي بن جعفر و قد رواها صاحب الوسائل (رحمه اللّٰه) بطريق معتبر عن كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) «قال: سألت أبي جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال: نعم، فليصل على ما أحبّ، و يجعل تلك للميت هو للميت إذا جعل ذلك له» (3).

و قوله (عليه السلام): «فليصل ...» يمكن أن يكون بتشديد اللّام و يراد به فعل الصلاة، و يمكن ذلك بالتخفيف من الصلة فيكون أمراً بصلته على ما أحبّ من أنحاء الصلة (4)، سواء أ كان ذلك بالصلاة أم بغيرها من العبادات و الخيرات.

و كيف ما كان، فهذه الروايات المعتبرة سنداً يمكن الاستدلال بها للمقام.

و قد روى السيد السند علي بن موسى بن طاوس (قدس سره) في كتابه (غياث سلطان الورى لسكّان الثرى) في هذا الباب روايات كثيرة تشتمل على‌

____________

(1) الوسائل 2: 444/ أبواب الاحتضار ب 28 ح 6.

(2) الوسائل 2: 443/ أبواب الاحتضار ب 28 ح 1.

(3) الوسائل 8: 277/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 2، مسائل علي بن جعفر: 199/ 429.

(4) [المذكور في مصادر الرواية ما عدا الوسائل هو: «فيصلّي» بدل: «فليصل»].

200

..........

____________

ما ذكرناه و غيرها، و هو كثير، مستقصياً بذلك جميع الأخبار المتعلّقة بالباب.

و قال (قدس سره) في إجازاته: أنّه كتاب لم يكتب مثله، و قال أيضاً: إنّه اقتصر في الفقه على هذا الكتاب فقط، تحرّزاً منه عن الفتيا لعظم مسؤوليتها (1). و قد نقلها عنه جماعة من أصحابنا (قدس سرهم) منهم الشهيد في الذكرى (2) و المجلسي في البحار (3) و صاحبا الوسائل و الحدائق (4) هذا.

و لكن تلكم الأخبار على كثرتها و جلالة جامعها غير معتبرة، لضعف أسناد بعضها في حدّ نفسها كالذي يرويه عن علي بن أبي حمزة، المراد به البطائني لعدم توثيقه. و لتطرّق الخدشة في أسناد جميعها، نظراً إلى أنّ طريق السيد ابن طاوس (قدس سره) إلى أرباب الكتب و المجامع الحديثية التي يروي عنها غير معلوم لدينا، حيث إنّه (قدس سره) لم يذكر ذلك ضمن إجازاته، فلم تعرف الوسائط بينه و بينهم كي ينظر في حالهم من حيث الضعف أو الوثاقة. و مجرّد الاعتبار عنده أو عند من يروي عنه غير كافٍ في الاعتبار عندنا كما لا يخفى.

و لا يبعد أن يكون قد روى ذلك عن كتاب (مدينة العلم)، فقد ذكر في إجازاته (5) أنّ الكتاب المذكور كان موجوداً عنده حين تصنيفه لكتابة. غير أنّ طريقه إلى ذلك الكتاب أيضاً غير معلوم، و عليه فتكون الروايات المذكورة بأجمعها ملحقة بالمراسيل حيث لا يمكن الاعتماد عليها.

و كيف ما كان، ففيما ذكرناه من الأخبار الصحاح غنى و كفاية، و قد دلّت على جواز النيابة عن الأموات في مطلق العبادات و تفريغ ذممهم عنها، من دون فرق في ذلك بين الواجبات و المستحبات، و يترتّب على ذلك صحّة الاستئجار حسبما عرفت.

____________

(1) حكاه عنه في البحار 104: 40، 42.

(2) الذكرى 2: 67.

(3) البحار 85: 309.

(4) الحدائق 11: 32.

(5) حكاه عنه في البحار 104: 44.

201

و لا يجوز الاستئجار و لا التبرّع عن الأحياء في الواجبات (1) و إن كانوا عاجزين عن المباشرة.

____________

(1) لعدم نهوض دليل معتبر على جواز النيابة استئجاراً أو تبرّعاً عن الأحياء في مثل الصلاة و نحوها بعد كونها في نفسها على خلاف القاعدة، نعم ورد ذلك في بعض الروايات:

فمنها: خبر محمّد بن مروان قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين و ميّتين يصلّي عنهما، و يتصدّق عنهما، و يحجّ عنهما، و يصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك، فيزيده اللّٰه عزّ و جل ببرّه وصلته خيراً كثيراً» (1).

و هو ضعيف السند من جهة محمّد بن علي، فانّ الظاهر كونه الصيرفي الكوفي الملقّب بأبي سمينة، المشهور بالكذب و الوضع. و كذا محمّد بن مروان فإنّه مردّد بين الثقة و الضعيف، و لأجل ذلك لا يجدي وقوعه في أسناد كامل الزيارات للترديد المذكور (2).

و منها: مرسلة أحمد بن فهد في عدة الداعي (3) المتّحدة متناً مع الرواية السابقة إلّا في يسير، ممّا يوجب الاطمئنان باتّحادهما، و عليه فيتوجّه على الاستدلال بها مضافاً إلى إرسالها ما عرفت من ضعف السند في الخبر السابق.

____________

(1) الوسائل 8: 276/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 1.

(2) قد بنى (دام ظله) في المعجم 18: 53/ 11412 على أنّ المراد بمحمّد بن علي هو غير الصيرفي الملقّب بأبي سمينة، و هو من رجال الكامل [راجع معجم رجال الحديث 17: 319/ 11286] كما بنى (دام ظله) أيضاً في 18: 229/ 11767 على أنّ المراد بمحمّد ابن مروان هو الذهلي الثقة. إذن فتصبح الرواية معتبرة، إلّا أن يناقش في دلالتها بانصرافها إلى خصوص باب المستحبّات.

(3) الوسائل 2: 444/ أبواب الاحتضار ب 28 ح 5، عدّة الداعي: 76.

202

..........

____________

و منها: رواية علي بن أبي حمزة قال «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أحجّ و أُصلّي و أتصدّق عن الأحياء و الأموات من قرابتي و أصحابي؟ قال: نعم، تصدّق عنه و صلّ عنه، و لك أجر بصلتك إيّاه» (1).

لكنّها ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني، مضافاً إلى روايتها عن كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى، و قد عرفت آنفاً حال الكتاب المذكور و أنّ رواياته محكومة بالإرسال.

و على الجملة: فليس في البين رواية معتبرة يعتمد عليها تدلّ على جواز النيابة عن الأحياء على سبيل العموم بالنسبة إلى الواجبات و المستحبّات، بعد فرض أنّ الحكم على خلاف القاعدة كما عرفت.

نعم، قد ثبت ذلك في باب الأُمور الاعتبارية كالوكيل في البيع و الإجارة و التزويج و الطلاق و غيرها من أبواب العقود و الإيقاعات، و كذا فيما يلحق بالأُمور الاعتبارية كالقبض، فانّ فعل الوكيل مسند إلى الموكّل إسناداً حقيقياً بمقتضى السيرة العقلائية، لعدم اعتبار المباشرة في صدق هذه الأُمور و تحقّق عناوينها بوجه الحقيقة بفعل الوكيل كنفس الموكّل.

و أمّا الأُمور التكوينية فلا يكاد يصح الإسناد الحقيقي بمثل ذلك، فلا يكون أكل زيد أو نومه أكلًا لعمرو أو نوماً له و إن أمر بهما و نواهما عنه. و إذا صحّ الإسناد أحياناً كما في قولهم غلب الأمير أو فتح الأمير البلد أو أنّه انهزم باعتبار غلبة جيشه أو فتحهم أو هزيمتهم، فهو من باب التوسعة و المجاز.

و عليه ففي مثل الصلاة و الصيام و نحوهما من سائر العبادات الواجبة أو المستحبّة التي هي من الأُمور التكوينية لا يكاد يستند الفعل حقيقة إلّا إلى المباشر، دون غيره من الأحياء و إن نوى المباشر ذلك عنهم. فلا تقبل النيابة بحيث يكون فعل النائب هو فعل المنوب عنه المستتبع ذلك تفريغ ذمّته إلّا فيما قام الدليل عليه بالخصوص، و لم يقم ذلك في الأحياء إلّا في الحجّ و توابعه كما‌

____________

(1) الوسائل 8: 278/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 9.

203

إلّا الحجّ إذا كان مستطيعاً و كان عاجزاً عن المباشرة (1)، نعم يجوز إتيان المستحبّات و إهداء ثوابها للأحياء كما يجوز ذلك للأموات (2). و يجوز النيابة عن الأحياء في بعض المستحبّات (3).

____________

سنشير إليه.

(1) فقد دلّت النصوص الخاصة على جواز النيابة عن الحيّ في الحجّ الواجب، و في بعض أجزائه كالطواف و نحوه لدى عجز الحيّ المنوب عنه عن المباشرة، و سيجي‌ء الكلام في ذلك في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (1).

(2) لا ينبغي الإشكال في جواز ذلك في الأحياء فضلًا عن الأموات من دون حاجة إلى النصّ الدالّ عليه بالخصوص، لعدم كون ذلك من مصاديق الهبة التمليكيّة المصطلحة حتّى تتوقّف صحّة التمليك في مثل المقام على قيام دليل يدلّ عليها بالخصوص، لوضوح كون الثواب المترتّب على الأعمال من باب التفضّل دون الاستحقاق، فلا يملك العبد على مولاه شيئاً كي يملّك الغير ذلك.

فمرجع الإهداء إلى الدعاء و الطلب من الربّ عزّ و جل إعطاء الثواب المتفضّل به لو شاء ذلك لشخص معيّن حياً كان أو ميتاً بدلًا منه، و هو تعالى إن شاء استجاب له دعاءه و إلّا فلا، كما هو الحال في سائر الدعوات. و معلوم أنّ الدعاء أمر سائغ و مشروع في المقام و غيره. فلا يحتاج الإهداء الذي هو من مصاديق الدعاء حقيقة إلى قيام دليل خاصّ يدلّ عليه.

(3) لعلّ مراده (قدس سره) من بعض المستحبّات الزيارة، كما دلّ على ذلك ما رواه في كامل الزيارات عن هشام بن سالم في حديث طويل يتضمّن فضل زيارة الحسين (عليه السلام) و تجهيز من ينوب عنه في ذلك (2).

و مورد الرواية و إن كان هو الاستنابة لزيارة الحسين (عليه السلام) إلّا أنّه بالقطع بعدم الفرق بينه و بين سائر المعصومين (عليهم السلام) يحكم بالتعميم في‌

____________

(1) شرح المناسك 28: 74، 144.

(2) الوسائل 14: 442/ أبواب المزار ب 42 ح 1، كامل الزيارات: 123/ ب 44 ح 2.

204

[مسألة 1: لا يكفي في تفريغ ذمّة الميّت إتيان العمل و إهداء ثوابه]

[1813] مسألة 1: لا يكفي في تفريغ ذمّة الميّت إتيان العمل و إهداء ثوابه (1) بل لا بدّ إما من النيابة عنه بجعل نفسه نازلًا منزلته، أو بقصد إتيان [1] ما عليه له و لو لم ينزّل نفسه منزلته (2)، نظير أداء دين الغير. فالمتبرع بتفريغ ذمّة الميّت له أن ينزّل نفسه منزلته، و له أن يتبرع بأداء دينه من غير تنزيل، بل الأجير أيضاً يتصوّر فيه الوجهان، فلا يلزم أن يجعل نفسه نائباً، بل يكفي أن يقصد إتيان ما على الميت و أداء دينه الذي للّٰه.

____________

الجميع.

و يؤكّد ذلك ما ورد في زيارة النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من التسليم عليه نيابة عن جميع الأقرباء ثمّ إخبارهم بتبليغه السلام عليه عنهم (1) مع صدقه في ذلك. و هي و إن كانت ضعيفة السند إلّا أنّها تصلح للتأييد بها.

بل يمكن القول بأنّ الحكم في خصوص باب الزيارة على طبق القاعدة من دون حاجة إلى ورود النصّ عليه، لقيام السيرة العقلائية على ذلك فضلًا عن سيرة المتشرّعة، فقد جرت العادة على إيفاد من يمثّلهم في المجاملات و المناسبات عند العجز عن المباشرة، أو لغير ذلك من الموجبات، و هو شائع و متعارف عند أهل العرف.

(1) لوضوح عدم كفاية الإتيان بالعمل عن نفسه في تفريغ ذمّة الميّت و إن أهدي إليه ثوابه، ما لم يستند العمل إليه و يضاف إلى الميّت نفسه. و مجرّد الإهداء المزبور لا يصحّح الإضافة و الاستناد بوجه.

حقيقة النيابة:

(2) ذكر (قدس سره) في بيان حقيقة النيابة وجهين:

____________

[1] هذا هو المتعيّن، و التنزيل يرجع إليه، و إلّا فلا أثر له.

____________

(1) الوسائل 14: 357/ أبواب المزار ب 14 ح 1.

205

..........

____________

أحدهما: تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه، فكأنّه هو هو، و كأنّ فعله هو فعله.

ثانيهما: إضافة العمل إليه و الإتيان به بقصد ما ثبت في ذمّته، نظير التبرّع بأداء الدين.

أمّا الوجه الأوّل: و هو التنزيل، فإنّما ينفع و يترتّب عليه الأثر إذا صدر ممّن بيده الجعل و الاعتبار، فإنّه مجرّد ادعاء و فرض أمر على خلاف الواقع، فلا يملكه إلّا من بيده زمام الأُمور، و هو الشارع الأقدس، و لا يكاد يصح ذلك من آحاد المكلّفين الذين هم بمعزل عن مقام التشريع، و المفروض عدم قيام دليل على التنزيل في خصوص المقام.

ثمّ إنّه على تقدير التسليم بتصدّي الشارع للتنزيل في المقام فلازمه أن يكون الفعل الصادر من النائب بذاته بمثابة الفعل الصادر عن المنوب عنه، من دون حاجة إلى اعتبار قصد النائب ذلك، بل حتّى و إن كان المباشر للعمل قد قصد الإتيان بالفعل عن نفسه، فانّ المفروض هو تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه فيكون هو هو و فعله فعله. و هو كما ترى، لا يظنّ الالتزام به من أحد، بل هو باطل جزماً.

نعم، ورد نظيره في من سنّ سنّة حسنة أو سيّئة، و أنّ له أجرها و أجر من عمل بها أو وزرها و وزر من عمل بها، فيؤجر الإنسان أو يحمل الوزر بمجرّد صدور الفعل المذكور عن غيره ممّن تبعه و إن لم يقصد التابع عنه. لكن ذلك إنّما يرتبط بمقام الجزاء على العمل و الثواب و العقاب، و لا يرتبط بمرحلة استناد العمل نفسه و حصول تفريغ ذمّة الغير به كما هو محلّ الكلام.

و على الجملة: إن أُريد تحقّق التنزيل المذكور من قبل الشارع فلا دليل عليه و إن أُريد تحقّقه من قبل المكلّف نفسه فلا يكاد يترتّب عليه الأثر. فالتنزيل بالمعنى المتقدّم لا محصّل له، اللّهم إلّا أن يرجع ذلك إلى الوجه الثاني.

و أمّا الوجه الثاني: و هو إضافة الفعل و إسناده إلى المنوب عنه و الإتيان به بقصد أدائه عنه و بداعي تفريغ ذمّته، نظير التبرّع بأداء دين الغير، فهذا في حدّ‌

206

..........

____________

نفسه و إن كان على خلاف القاعدة، بلا فرق في ذلك بين باب الدين و غيره من العبادات و التوصّليات، فانّ الإسناد إلى الغير بمجرّده لا يصيّر العمل عملًا للغير، بحيث يترتّب عليه تفريغ ذمّته عنه، إلّا أنّه لا مانع من الالتزام به إذا ساعد عليه الدليل.

و دعوى كون الحكم في باب الدين على طبق القاعدة، فإنّ المال الذي يدفعه المتبرّع كدينار مثلًا مصداق حقيقي لما اشتغلت به ذمّة المدين، فيقع هذا العمل مصداقاً للوفاء بالدين قهراً من دون توقّف في ذلك على قيام دليل شرعي عليه. مدفوعة بأنّ الدينار في مفروض المثال إنّما يكون مصداقاً حقيقة لكلّي الدينار، لا الكلّي المضاف إلى ذمّة المدين الذي هو متعلّق الدين.

و قد ذكرنا في بحث المكاسب (1) أنّ الكلّي بما هو كلّي لا مالية له، و لا يكاد يملكه أحد، و إنّما المالية الاعتبارية من العقلاء ثابتة للكلّي عند إضافته إلى ذمّة من تعتبر ذمّته عندهم، و بهذا الاعتبار صحّ بيعه و شراؤه، و صحّ بذل الأموال بإزائه، و وقع متعلّقا لحقّ الدائن و غير ذلك من آثار الملك. و أما مع الغض عن هذه الإضافة فهو كسراب بقيعة، لا يكاد يبذل بإزائه شي‌ء من المال بتاتاً.

و على الجملة: فالدينار في المثال و إن كان مصداقاً للكلّي بما هو كلّي و يكون انطباقه على المدفوع قهريّاً، لكن هذا الكلّي ليس ممّا تعلّق به الحقّ كي يتّصف الفعل بكونه وفاء للدين، و إنّما الذي يستحقّه الدائن هو الكلّي المضاف إلى ذمّة المدين، و هو الذي اشتغلت ذمّته به بواسطة الدين.

و من الواضح أنّ الدينار المدفوع لا يكون مصداقاً لهذا الكلّي و لو كان قصد الدافع هو الوفاء بما اشتغلت به ذمّة المدين، لعدم تأثير القصد المذكور في صيرورة المال المدفوع مصداقاً للكلّي بالعنوان المزبور كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فلا ينبغي الإشكال في كون الحكم بتفريغ الذمّة بذلك على خلاف القاعدة كما ذكرناه، إلّا أنّه بعد قيام الدليل عليه شرعاً ينبغي رفع اليد‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 2: 16.