موسوعة الإمام الخوئي - ج16

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
304 /
207

[مسألة 2: يعتبر في صحّة عمل الأجير و المتبرّع قصد القربة]

[1814] مسألة 2: يعتبر في صحّة عمل الأجير و المتبرّع قصد القربة، و تحقّقه في المتبرّع لا إشكال فيه، و أمّا بالنسبة إلى الأجير الذي من نيّته أخذ العوض فربما يستشكل فيه، بل ربما يقال من هذه الجهة: إنّه لا يعتبر فيه قصد القربة بل يكفي الإتيان بصورة العمل عنه.

لكنّ التحقيق: أنّ أخذ الأُجرة داعٍ [1] لداعي القربة، كما في صلاة الحاجة و صلاة الاستسقاء، حيث إنّ الحاجة و نزول المطر داعيان إلى الصلاة مع القربة. و يمكن أن يقال: إنّما يقصد القربة من جهة الوجوب عليه من باب الإجارة. و دعوى أنّ الأمر الإجاري ليس عباديا بل هو توصّلي، مدفوعة بأنّه تابع للعمل المستأجر عليه، فهو مشترك بين التوصّلية و التعبّدية (1).

____________

عمّا تقتضيه القاعدة.

و الدليل على ذلك في باب الدين إنّما هي السيرة العقلائية، فقد جرت السيرة على الحكم بالوفاء و تفريغ ذمّة المدين بدفع المتبرّع المال بدلًا عنه. مضافاً إلى النصوص الخاصّة الدالّة عليه المذكورة في محلّها (1).

و أمّا في باب الأعمال من العبادات و غيرها فيدلّ على ذلك الروايات الخاصّة المتقدّم ذكرها (2) الدالّة على صحّة النيابة عن الأموات مطلقاً، و عن الأحياء في موارد خاصّة على التفصيل المتقدّم، و لأجل ذلك ينبغي الحكم بتفريغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب، سواء أ كان قد أتى به تبرعاً لأجل حبّه للمنوب عنه أم أتى به وفاءً لعقد الإجارة أو الجعالة أم لغير ذلك من الدواعي.

(1) لا إشكال في صحّة النيابة في باب التوصّليات، و أمّا العبادات و لا سيما في فرض الإجارة أو الجعالة فربما يستشكل ذلك من وجهين:

____________

[1] بل التحقيق أنّ حال العبادة المستأجر عليها كحال العبادة المنذورة، و أنّ الداعي الناشئ من قبل الإيجار و هو تفريغ الذمّة مؤكّد للعبادية، لا أنّه ينافيها.

____________

(1) الوسائل 20: 46/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 12 ح 6 و غيره.

(2) في ص 198 و ما بعدها.

208

..........

____________

أحدهما: الإشكال في تمشّي قصد القربة من النائب، فإنّ العمل العبادي موقوف عليه لا محالة، و هو موقوف على ثبوت الأمر بالعبادة، و المفروض أنّه لا أمر بها بالنسبة إلى النائب، إذ قد لا تكون ذمّته مشغولة بفائتة أصلًا، أو يكون ما اشتغلت به ذمّته مخالفاً لما ثبت في ذمّة المنوب عنه كما إذا استنيب في الصلاة قصراً مع فرض اشتغال ذمّة النائب بالفائتة تماماً.

و أمّا الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه فهو لا يكاد يدعو إلّا من خوطب به و توجّه إليه و هو المنوب عنه نفسه، فكيف يقصده النائب الأجنبي عنه ليتقرّب به، فلا يكاد يتمشّى من النائب قصد القربة المعتبر في باب العبادة، و لا سيما في موارد الإجارة أو الجعالة حيث كان الداعي و الباعث الحقيقي للنائب على العمل إنّما هو أخذ العوض غالباً، و إن أمكن فرض غيره من الدواعي الفرعيّة كالإحسان إلى الميت أو حبّه له و نحو ذلك أحياناً، إلّا أنّها اتفاقيّة لا دائمية، و إنّما الغالب هو أن يكون الداعي أخذ الجعل أو الأُجرة المنافي ذلك لقصد التقرّب بالعمل.

ثانيهما: أنّه كيف يتقرّب المنوب عنه كالميّت بهذا العمل و يثاب على شي‌ء لم يفعله و لا سيما إذا لم يتسبّب هو إليه بوصيّة و نحوها، مع أنّ التقرّب و الثواب من آثار الطاعة المفروض انقطاعها بالموت؟ و أنّه كيف تفرغ ذمّة الميت عمّا اشتغلت به بعمل صادر من غيره، و أن ليس للإنسان إلّا ما سعى؟

و الجواب عن الوجه الأوّل قد ظهر ممّا مرّ، و ملخصه: أنّ النيابة في حدّ نفسها إنّما وقعت متعلّقاً للأمر الاستحبابي النفسي كما هو مقتضى النصوص المتقدّم ذكرها (1). و لا ينبغي الشك في كون الأمر المذكور عباديّاً فيما إذا كان مورد النيابة من العبادات كالصلاة و الصيام و نحوهما، كما أنّه لا بدّ من قصد التقرّب بالأمر المذكور في سقوطه، و إلّا لم تتحقّق العبادة و بالتالي لم تتحقّق النيابة المأمور بها حسب الفرض.

____________

(1) في ص 198 و ما بعدها.

209

..........

____________

فعباديّة العمل النيابي تستدعي تعبّدية الأمر المتعلّق به بعنوان النيابة لا محالة، فلا مناص للنائب من قصد التقرّب بهذا الأمر لكي يتّصف متعلّقه بصفة العبادة التي هي مورد النيابة، فإنّه بدونه لم تصدر منه العبادة التي تصدّى للنيابة فيها كما هو أوضح من أن يخفى.

فما في بعض الكلمات من أنّ الأمر النيابي توصّلي لا تعبدي فلا يلزم على النائب قصد التقرّب به كلام لا أساس له، و كيف لا يكون عباديا بعد فرض تعلّقه بما هو عبادة، ضرورة أنّ مورد النيابة ليس هو ذات الصلاة كيف ما اتفقت، و إنّما هي على النحو الذي اشتغلت به ذمّة المنوب عنه.

و لا شكّ في اتّصاف ذمّة المنوب عنه بالصلاة المتّصفة بكونها عبادة المتقوّمة بقصد القربة، فلو لم يقصدها النائب كذلك لم يكن آتياً بما اشتغلت الذمّة به، و لا كان ممتثلًا للأمر النيابي، فالصادر عن النائب بما هو نائب إنّما هي الصلاة المقترنة بقصد القربة قطعاً.

ثمّ إنّ الداعي إلى هذا المجموع المركّب من الصلاة و قصد القربة تارة يكون هو استحبابها الذاتي، نظراً إلى كونه إحساناً إلى الميت و صلة له، أو لأجل حبّه له و شفقته عليه كالأب بالنسبة إلى الولد أو العكس، فيتبرّع بالنيابة عنه.

و أُخرى يكون الداعي إليه هو الوفاء بعقد الإجارة كما في الأجير، حتّى لا يكون أخذ الأُجرة أكلًا للمال بالباطل، فإنّه و إن كان قد ملكها أي الأُجرة بنفس العقد إلّا أنّ استحقاقه للمطالبة بها على الوجه الشرعي يتوقّف على تسليم العمل المستأجر عليه، فينتهي ذلك بالأخرة إلى الخوف من اللّٰه تعالى.

و لذا لو لم يكن مبالياً بأمر الدين لأمكنه المطالبة بالأُجرة و لو باخباره كذباً بإتيانه بالعمل، حيث لا سبيل للمؤجر إلى الامتناع، لعدم إمكان الاطّلاع على الحال من غير طريق إخباره حتّى و لو كان قد شاهده يصلّي، لجواز أن لا يكون قاصداً للقربة أصلًا أو كان قد قصدها عن نفسه لا عن الميت، فانّ قوام العبادة بالقصد النفسي الذي لا كاشف عنه خارجاً.

فليس الداعي للأجير هو التسلّط على العوض كي ينافي ذلك قصد التقرّب‌

210

..........

____________

و إنّما الداعي له التسلّط عليه بوجه شرعي، إذ ما لم يسلّم المعوّض لا يكون له حقّ المطالبة بالعوض، و كان تصرّفه فيه حراماً. فالداعي بالتالي منتهٍ إلى الخوف من اللّٰه تعالى، فيكون الأمر الإجاري مؤكّداً للعبادية لا منافياً لها و معاضداً لا معارضاً، كما هو الحال في النذر و الشرط ضمن العقد و نحوهما.

و منه تعرف الحال في الجعالة، فإنّ العامل و إن كان لا يستحقّ الجعل، كما أنّه لم يملكه أيضاً إلّا بعد تسليم العمل، إلّا أنّ الذي يدعوه إلى الإتيان بالعبادة على وجهها مقدّمة لاستلام العوض على الوجه الشرعي إنّما هو الخوف من اللّٰه تعالى، حتّى لا يكون تصرّفه فيه من أكل المال بالباطل.

بل قد ذكرنا في بحث المكاسب (1) عند التكلّم في المسألة أنّ هذا مطّرد في كافّة العبادات، إذ قلّ من يعبده تعالى لكونه أهلًا لها من دون ملاحظة أيّة غاية أُخرى، إلّا الأوحدي من البشر كمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).

أمّا عامّة الناس فيعبدونه تعالى لدواعٍ أُخرويّة كالخوف من النار أو الطمع في الجنة، أو دنيويّة كطلب التوسعة في الرزق المترتّبة على صلاة الليل مثلًا، أو قضاء الحاجة أو الاستسقاء كما في صلاتي الحاجة و الاستسقاء، فانّ الطمع في الأُمور المذكورة يدعو إلى الإتيان بالصلاة بداعٍ قربي، للعلم بعدم ترتّب الأُمور المذكورة عليها بدون ذلك.

فكما لا يكون مثل ذلك منافياً لعباديّة العمل كذلك الطمع في أخذ العوض في الإجارة أو الجعالة في مفروض الكلام، لانتهاء ذلك بالأخرة إلى الداعي الإلهي، و هو الخوف منه تعالى كما عرفت.

و أمّا الإشكال من الجهة الثانية فهو في محلّه، و لا مدفع عنه بناءً على كون الثواب من باب الاستحقاق، إذ كيف يعقل أن يعمل شخص و يستحقّ غيره الأجر عليه و يحصل له التقرّب أيضاً بذلك، لا سيما إذا لم يكن هناك أيّ ارتباط‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 1: 463.

211

..........

____________

بين المثاب و بين العامل حتّى و لو كان ذلك مثل التسبيب بالوصية أو الاستنابة و نحوهما.

لكنّ المبنى باطل جزماً، فانّ الثواب المترتّب على الأعمال في باب الطاعات و العبادات ليس هو من قبيل العوض و الأجر الثابتين في باب المعاملات من العقود و الإيقاعات كي يكون المطيع مستحقاً على اللّٰه ثواب عمله كما يستحقه العامل، و إنّما هو تفضّل محض و لطف بحت، فإنّه له الملك و له الأمر لٰا يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (1) فإن شاء تفضّل على عبده المسكين و جعله مشمولًا لعنايته، و إلّا فلا.

و عليه فلا مانع من تفضّله تعالى على المنوب عنه كالنائب و حصول التقرّب لكليهما. أمّا النائب فلصدور الفعل العبادي منه قاصداً للتقرّب، و أمّا المنوب عنه فلإضافة النائب العمل إليه و إتيانه من قبله بقصد تفريغ ذمّته، فانّ هذا المقدار من الإضافة يكفي لكونه أي المنوب عنه مشمولًا للتفضّل و حصول التقرّب من اللّٰه تعالى كما لا يخفى.

بل ورد في بعض الأخبار: أنّ الكفّار أيضاً ينتفعون بعمل الحي لهم، و ذلك بتخفيف العذاب عنهم (2). و لا محذور في ذلك على مبنى الالتزام بمسلك التفضّل في باب الثواب.

و أمّا الحكم بتفريغ ذمّة الميّت عمّا اشتغلت به ذمّته فهو ممّا يكشف لا محالة عن أنّ اشتغال ذمّته كان من الأوّل مشروطاً بعدم إتيان النائب بالعمل بعد موت المنوب عنه، فهو في حال الحياة مكلّف بالعمل و تكون ذمّته مشغولة به و لا تبرأ ما لم يأت هو بالعمل، إلّا أن يأتي به النائب بعد موته.

فتحصّل: أنّ الإشكال في الحكم بالتفريغ مدفوع بالاشتراط، و أنّ إشكال الثواب مدفوع بالبناء على التفضّل، و إشكال تنافي القربة مع أخذ العوض‌

____________

(1) الأنبياء 21: 23.

(2) الوسائل 8: 278/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 8، 11: 197/ أبواب النيابة في الحج ب 25 ح 5.

212

[مسألة 3: يجب على من عليه واجب من الصلاة أو الصيام أو غيرهما من الواجبات]

[1815] مسألة 3: يجب على من عليه واجب من الصلاة أو الصيام أو غيرهما من الواجبات أن يوصي به خصوصاً مثل الزكاة و الخمس و المظالم و الكفّارات [1] من الواجبات الماليّة (1)، و يجب على الوصي إخراجها من أصل التركة في الواجبات الماليّة (2)

____________

مدفوع بانتهاء الداعي المذكور بالأخرة إلى الخوف منه تعالى المؤكّد للعبادية كما عرفت كلّ ذلك بما لا مزيد عليه. فاندفع الإشكال في المسألة بحذافيره.

وجوب الوصية:

(1) بعد الفراغ عن صحّة النيابة و جواز الاستئجار عليها و تفريغ ذمّة المنوب عنه بعمل النائب كما مرّ كلّ ذلك، لا ينبغي الإشكال في وجوب التسبيب إليها بالوصية لدى اشتغال الذمّة و عدم التصدّي للتفريغ مباشرة عجزاً أو عصياناً لحكومة العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف و تفريغ الذمّة عنها بامتثالها مباشرة في زمان الحياة أو بالتسبيب إلى الإتيان بها بعد الوفاة، بعد وضوح عدم سقوط ما ثبت في الذمّة بالموت و إن انقطع به التكليف.

إذ لا مانع من اعتبار شي‌ء على الذمّة و بقائه إلى ما بعد الموت، كما هو الحال في اعتبار الملكيّة للميّت. فوجوب الوصية مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود نصّ يدلّ عليه.

و لا فرق في ذلك بين الواجبات الماليّة كالديون و الزكوات و الأخماس و المظالم و الكفّارات و نحوها، و بين الواجبات البدنيّة كالصوم و الصلاة و نحوهما. فتجب الوصيّة في الكلّ بمناط واحد.

(2) من الديون و ما يلحق بها، بلا إشكال فيه كتاباً و سنة، قال اللّٰه تعالى‌

____________

[1] في خروج الكفارات عن أصل التركة إشكال بل منع، و كذلك الحج الواجب بالنذر و نحوه.

213

و منها الحجّ الواجب (1) و لو بنذر و نحوه.

____________

مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (1)، حيث قدّم فيها الدين كالوصيّة على الميراث. و قد دلّت النصوص المتظافرة على أنّه يبدأ أوّلًا بتجهيز الميّت فإنّه أولى بماله، ثمّ الدين، ثمّ الوصيّة، ثمّ الميراث (2).

(1) بلا إشكال فيه أيضاً نصاً و فتوى، سواء أوصى به أم لم يوص، أُطلق عليه لفظ الدين أم لم يطلق، كما سيجي‌ء البحث عنه في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (3).

و أمّا الحجّ الواجب بالنذر و نحوه فهو ملحق بسائر الواجبات في عدم الخروج من الأصل، نعم قد يظهر من بعض النصوص خروجه منه، و هي صحيحة مسمع قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): كانت لي جارية حبلى فنذرت للّٰه عزّ و جل إن ولدت غلاماً أن أُحِجَّه أو أحجّ عنه، فقال: إنّ رجلًا نذر للّٰه عزّ و جل في ابن له إن هو أدرك أن يحجّ عنه أو يُحِجَّه، فمات الأب و أدرك الغلام بعد، فأتى رسولَ اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) الغلامُ فسأله عن ذلك، فأمر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أن يُحَجَّ عنه ممّا ترك أبوه» (4).

و يتوجّه عليه أولًا: أنّ مورد الصحيحة هو نذر الإحجاج، بأن يحجّ بالغلام أو يبعث من يحجّ عنه إذا كان قوله: «أو أُحجّ عنه» بصيغة باب الإفعال، أو الجامع بين الإحجاج و بين حجّه بنفسه عنه لو كان من الثلاثي المجرّد، و على‌

____________

(1) النساء 4: 11.

(2) الوسائل 19: 329/ كتاب الوصايا ب 28 ح 1 [و المذكور في النصوص نصاً هو الكفن، و أمّا غيره فلم يصرح به، راجع شرح العروة 9: 138].

(3) شرح المناسك 28: 91.

(4) الوسائل 23: 316/ أبواب النذر و العهد ب 16 ح 1.

214

..........

____________

التقديرين تكون الرواية أجنبية عن الحجّ الواجب على نفسه بسبب النذر الذي هو محلّ الكلام.

و ثانياً: أنّ الرواية معارضة في موردها بصحيحتين دلّتا على الإخراج من الثلث دون الأصل، و هما:

صحيحة ضريس الكناسي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجّة الإسلام فنذر نذراً في شكر ليحجّنّ به رجلًا، فمات الذي نذر قبل أن يحجّ حجّة الإسلام و من قبل أن يفي بنذره الذي نذر، قال: إن ترك مالًا يحجّ عنه حجّة الإسلام من جميع المال، و أُخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلًا لنذره، و قد وفى بالنذر ...» (1).

و صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل نذر للّٰه إن عافى اللّٰه ابنه من وجعه ليحجّنّه إلى بيت اللّٰه الحرام، فعافى اللّٰه الابن و مات الأب، فقال: الحجّة على الأب يؤدّيها عنه بعض ولده، قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الأب من ثلثه أو يتطوّع ابنه فيحجّ عن أبيه» (2).

و ثالثاً: أنّ صحيحة مسمع غير صريحة في الخروج عن الأصل، بل غايته الإطلاق في قوله (عليه السلام): «ممّا ترك أبوه»، فيمكن تقييده بالثلث جمعاً بينها و بين الصحيحتين الصريحتين في ذلك، فانّ الثلث أيضاً مصداق لما ترك.

و رابعاً: أنّ التصديق بمضمون الصحيحة مشكل جدّاً، لمخالفته للقواعد المقرّرة، إذ المفروض هو موت الناذر قبل حصول الشرط المعلّق عليه النذر و هو إدراك الغلام، المستلزم ذلك انحلال النذر، فلم يفت منه حال الحياة شي‌ء كي يقضى عنه بعد موته و يقع الكلام في خروجه من الثلث أو الأصل. فعلى تقدير العمل بها لا بدّ و أن يقتصر على موردها، جموداً في الحكم المخالف‌

____________

(1) الوسائل 11: 74/ أبواب وجوب الحجّ و شرائطه ب 29 ح 1.

(2) الوسائل 11: 75/ أبواب وجوب الحج و شرائطه ب 29 ح 3.

215

بل وجوب إخراج الصوم و الصلاة من الواجبات البدنيّة أيضاً من الأصل لا يخلو عن قوة [1]، لأنّها دين اللّٰه، و دين اللّٰه أحقّ أن يقضى (1).

____________

للقاعدة على مورد النصّ.

(1) وقع الخلاف بينهم في وجوب إخراج المذكورات من الأصل كما اختاره الماتن (قدس سره) و عدمه.

و قد استدلّ للوجوب بأنّها دين، و كلّ دين لا بدّ و أن يخرج من الأصل. مضافاً إلى رواية الخثعمية الآتية الدالّة على أنّ دين اللّٰه أحقّ أن يقضى كما أُشير إليه في المتن.

أمّا الصغرى و هو إطلاق الدين على ذلك ففي جملة من النصوص.

منها: ما رواه السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتابه غياث سلطان الورى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه، فخاف أن يدركه الصبح و لم يصلّ صلاة ليلته تلك، قال: يؤخّر القضاء و يصلّي صلاة ليلته تلك» (1).

و يتوجّه عليه: مضافاً إلى قصور السند، لعدم الاعتداد بروايات هذا الكتاب، لكونها في حكم المراسيل كما مرّ (2) قصور الدلالة أيضاً، فإنّ الإطلاق غير وارد في كلام الإمام (عليه السلام) كي يصحّ الاحتجاج به، و إنّما وقع ذلك في كلام زرارة زعماً منه أنّه بمنزلة الدين أو كونه منه توسّعاً و تجوزاً و لا عبرة بمثله.

و منها: ما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في جملة وصايا لقمان لابنه: «يا بنيّ إذا جاء وقت الصلاة‌

____________

[1] فيه منع، و به يظهر الحال في المسألة الآتية.

____________

(1) الوسائل 4: 286/ أبواب المواقيت ب 61 ح 9.

(2) في ص 200.

216

..........

____________

فلا تؤخّرها لشي‌ء، صلّها و استرح منها، فإنّها دين ...» (1).

و يتوجّه عليه أوّلًا: أنّها ضعيفة السند، فانّ طريق الصدوق (2) و كذا طريق الكليني (3) و البرقي (4) إلى سليمان بن داود المنقري الواقع في السند ضعيف بالقاسم بن محمّد الأصفهاني، فإنّه مجهول و لم يوثق، نعم صحّحه العلامة (قدس سره) (5). لكن الظاهر هو ابتناؤه على مسلكه من أصالة العدالة في كلّ إماميّ لم يرد فيه قدح.

و ثانياً: أنّ إطلاق الدين عليه في كلام لقمان لا يثبت المدّعى، و ليس ذلك بحجّة عندنا. و مجرّد حكاية الإمام (عليه السلام) لذلك لا يكشف عن الإمضاء حتّى من هذه الجهة، نظراً إلى أنّ المقصود هو الاستشهاد بكلامه لإثبات أهميّة الصلاة و حسن المبادرة إليها، و لا نظر له (عليه السلام) إلى التنزيل المسامحي الوارد في كلامه.

ثم إنّ السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتابه المذكور روى الحديث الثاني بعين المتن المزبور (6). فان كان السند هو السند المتقدّم فقد عرفت حاله، و إن كان غيره فقد سبق أنّ روايات هذا الكتاب بحكم المراسيل و غير صالحة للاعتماد عليها، و إن كان الأقرب بل المطمأنّ به هو الأوّل. و رواها أيضاً في أمان الأخطار عن محاسن البرقي (7). و قد عرفت ضعفه.

و منها: ما رواه الصدوق (قدس سره) في معاني الأخبار بإسناده عن محمّد‌

____________

(1) الوسائل 11: 440/ أبواب آداب السفر إلى الحج و غيره ب 52 ح 1، 2 الفقيه 2: 194/ 884.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 65.

(3) الكافي 8: 348/ 547.

(4) كما سيأتي مصدره بعد قليل.

(5) الخلاصة: 440، الفائدة الثامنة.

(6) الوسائل 8: 282/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 26.

(7) الوسائل 11: 440/ أبواب آداب السفر إلى الحج و غيره ب 52 ح 1، 2، أمان الأخطار: 99، المحاسن 2: 125/ 1348.

217

..........

____________

ابن الحنفيّة في حديث الأذان لمّا اسري بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إلى السماء: «ثم قال: حيّ على الصلاة، قال اللّٰه جلّ جلاله: فرضتها على عبادي و جعلتها لي ديناً ...» (1) بناءً على رواية «ديناً» بفتح الدال، و إن كان الأولى حينئذ إبدال كلمة «لي» ب‍ «عليهم» كما لا يخفى.

و يتوجّه عليه: ضعف السند بالإرسال، فإنّ ابن الحنفيّة لم يكن موجوداً في زمان النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فلا بدّ و أن تكون الرواية مرسلة، و لم يعلم طريق ابن الحنفية إلى ذلك.

فالمتحصّل: أنّه لم يثبت إطلاق الدين على مثل الصلاة و نحوها من الواجبات البدنية في شي‌ء من الروايات المعتبرة.

و على فرض التسليم و ثبوت الإطلاق فالكبرى و هي أنّ كلّ ما يطلق عليه الدين يخرج من الأصل ممنوعة، فإنّ ما يستدلّ به لذلك أحد أمرين:

الأوّل: ما يظهر من المتن من أنّ دَين اللّٰه أحقّ بالقضاء. و هذه الفقرة مقتطعة من رواية الخثعميّة لما سألت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالت: «إنّ أبي أدرك فريضة الحج شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحجّ، إن حججت عنه أ ينفعه ذلك؟ فقال لها: أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أ كان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين اللّٰه أحقّ بالقضاء» (2).

لكنّ الرواية ضعيفة السند، فإنّها غير مرويّة من طرقنا. على أنّها قاصرة الدلالة، إذ ليس مفادها سوى كون دين اللّٰه أحقّ بالقضاء من سائر الديون اهتماماً بشأن هذا الدين، و هذا لا يستوجب الخروج من الأصل، إذ لا دلالة للرواية عليه بوجه.

الثاني: الأدلّة العامّة من الكتاب و السنة الدالّة على أنّ الدين يخرج من‌

____________

(1) المستدرك 4: 70 أبواب الأذان و الإقامة ب 37 ح 2، معاني الأخبار: 42/ 4.

(2) [لم نعثر على النص المذكور في رواية الخثعمية، راجع السنن الكبرى 4: 328، نعم في سنن النسائي 5: 118: ... قال: أ رأيت لو كان على أبيك دين أ كنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين اللّٰه أحق].

218

[مسألة 4: إذا علم أنّ عليه شيئاً من الواجبات المذكورة وجب إخراجها من التركة]

[1816] مسألة 4: إذا علم أنّ عليه شيئاً من الواجبات المذكورة وجب إخراجها من التركة و إن لم يوص به (1).

____________

الأصل كما مرّ.

و يتوجّه عليه: أنّ تلك الأدلّة خاصّة بالديون المالية بمقتضى مناسبة الحكم و الموضوع، و باعتبار السنخية بين الخارج و المخرج عنه، فانّ المناسب للإخراج عن تركة الميت قبل التقسيم و ما يصحّ استثناؤه من أمواله إنّما هي الديون المالية دون الواجبات البدنية و إن كان قد أُطلق الدين عليها، إذ لا دليل على أنّ كلّ ما أُطلق عليه لفظ الدين يخرج من الأصل.

فتلخّص من جميع ما مرّ: أنّ الخارج من الأصل إنّما هي الديون فحسب أوصى بها أم لم يوص، دون سائر الواجبات مثل الصلاة و نحوها، لمنع صدق الدين عليها أوّلًا، و مع تسليم الصغرى فالكبرى في حيّز المنع.

بل إنّ الحكم المذكور لا يعمّ مثل النذور و الكفّارات، لعدم كونها من الواجبات المالية و إن احتاجت إلى صرف المال، فانّ الواجب المالي عبارة عن كون الواجب هو المال، بحيث تكون الذمّة مشغولة بنفس المال، كما في مورد الديون.

و أمّا في مورد النذور و الكفّارات فالثابت في الذمّة إنّما هو الفعل أعني الإنفاق على الفقراء أو الإعطاء للمنذور له، غايته أنّ امتثال هذا التكليف يحتاج إلى صرف المال، كما هو الحال في غالب الواجبات مثل الحج و الصوم و الوضوء و نحوها. فليس في مواردها سوى التكليف المحض، دون الحكم الوضعي.

و لو سلّم صدق عنوان الواجب المالي عليها لم يستلزم ذلك وجوب الإخراج من الأصل، إذ لم يثبت وجوب إخراج كل واجب مالي من الأصل حيث لا دليل على ذلك في غير الدين كما عرفت.

(1) لا شبهة في أنّ كلّ واجب محكوم عليه بالإخراج من أصل التركة‌

219

و الظاهر أنّ إخباره بكونها عليه يكفي في وجوب الإخراج من التركة (2).

____________

لا يفرق فيه بين صورتي الإيصاء به و عدمه، فإنّه دين في ذمّته و خروج الدين من الأصل غير موقوف على الوصية.

إلّا أنّ مصداق هذه الكبرى منحصر عندنا في الديون المالية و حجّة الإسلام كما مر آنفاً، خلافا للماتن حيث عمّم ذلك لجميع الواجبات حتى البدنية كالصلاة و الصوم، و قد عرفت ضعفه.

(2) الحكم في فرض ثبوت اشتغال الذمّة بالعلم أو بطريق علمي ظاهر و أمّا إذا أخبر الميّت بذلك و شكّ في ثبوته لأجل الشك في صدقه فهل يكون إخباره هذا حجّة في حقّ الوارث بحيث يكون ملزماً بالإخراج من الأصل أو لا؟

أمّا في الإخبار عن الدين المالي فلا ينبغي الشك في حجّيته و نفوذه، فإنّه إقرار بالدين، و هو بمجرّده كافٍ لإثبات اشتغال الذمّة به. و لذا لو أقرّ بذلك عند المقرّ له و هو الدائن لكان له أن يطالبه بذلك، و وجب عليه الوفاء به عملًا بإقراره.

و هكذا الحال في الإخبار عن حجّة الإسلام، حيث إنّه كان مأموراً بأن يبعث أحداً ليحجّ عنه فيما لو كان عاجزاً عن المباشرة بنفسه، فيكون هذا الإخبار الراجع إلى الإقرار محقّقاً لموضوع الدين أو الحجّ، المحكوم بالخروج من الأصل.

نعم، ورد في بعض النصوص أنّه إذا أقرّ بالدين في حال مرضه و كان متّهماً لاحتمال أن يكون ذلك منه احتيالًا لحرمان الورثة من التركة لم ينفذ في الزائد على مقدار الثلث (1). إلّا أنّ هذا بحث آخر أجنبي عن المقام، و سوف‌

____________

(1) الوسائل 19: 291/ كتاب الوصايا ب 16 ح 2 و غيره.

220

[مسألة 5: إذا أوصى بالصلاة أو الصوم و نحوهما و لم يكن له تركة لا يجب على الوصيّ]

[1817] مسألة 5: إذا أوصى بالصلاة أو الصوم و نحوهما و لم يكن له تركة لا يجب على الوصيّ أو الوارث إخراجه من ماله و لا المباشرة إلّا ما فات منه لعذر [1] من الصلاة و الصوم حيث يجب على الوليّ (1) و إن لم يوص بها.

____________

يجي‌ء الكلام حوله في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (1). فالإقرار في حال الصحّة بالدين ممّا لا إشكال في نفوذه.

و أمّا الإخبار عن غير الديون مثل كونه مشغول الذمّة بقضاء صلوات أو صيام لفترة معينة فلا دليل على حجيّته كي يكون نافذاً على الوارث، إذ لا يترتّب عليه أثر في حال الحياة، و إنّما يظهر أثره بعد الموت لو كان صادقاً، فلم يتحقّق به عنوان الدين في حال الحياة حتّى يجب على الوارث إخراجه من الأصل.

و التمسّك لذلك بما ورد من أنّ «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فيه:

أوّلًا: أنّ هذه الرواية لم ترد من طرقنا (2) و إن صحّ مضمونها، و إنّما هي نبويّة حكاها في عوالي اللئالي (3).

و ثانياً: أنّ مضمونها غير منطبق على المقام، فإنّ إقرار العقلاء إنّما يجوز على أنفسهم لا على ورّاثهم. فلا ينفذ ذلك في حقّ الغير.

فالصحيح: أنّ الإخبار بمثل هذه الأُمور لا يكون حجّة، فلا يجب العمل به.

(1) و هو الولد الأكبر، فإنّه يجب عليه مباشرته لما فات من والده من الصلاة و الصيام، أوصى بهما أم لا، كان له مال أم لم يكن، فانّ هذا حقّ ثابت‌

____________

[1] بل مطلقاً على الأحوط، بل الأظهر.

____________

(1) [لم نعثر عليه].

(2) يمكن الاستدلال له بصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «... و لا أقبل شهادة الفاسق إلّا على نفسه» الوسائل 27: 378/ أبواب الشهادات ب 32 ح 4، بعد وضوح التعدّي إلى العادل بالفحوى.

(3) المستدرك 16: 31/ أبواب الإقرار ب 2 ح 1، عوالي اللئالي 1: 223/ 104.

221

نعم، الأحوط مباشرة الولد ذكراً كان أو أُنثى [1] مع عدم التركة إذا أوصى بمباشرته لهما و إن لم يكن ممّا يجب على الولي أو أوصى إلى غير الولي، بشرط أن لا يكون مستلزماً للحرج من جهة كثرته. و أمّا غير الولد ممّن لا يجب عليه إطاعته فلا يجب عليه، كما لا يجب على الولد أيضاً استئجاره إذا لم يتمكّن من المباشرة أو كان أوصى بالاستئجار عنه لا بمباشرته.

____________

عليه، و هو من أحكام الوليّ الذي سيجي‌ء البحث عنه إن شاء اللّٰه تعالى في فصل (قضاء الولي) (1) بخصوصياته، و منها البحث عن اختصاص ذلك بما فات عن الوالد لعذر، أو تعميمه لمطلق الفائت و إن لم يكن لعذر، و هو أجنبيّ عن فروع الوصيّة المبحوث عنها في المقام.

فالكلام في المسألة إنّما يقع فيما إذا أوصى إلى غير الولد الأكبر كالأجنبي أو إلى الولد الأصغر، أو إلى الأكبر في غير ما يجب عليه.

أمّا الوصيّة إلى الأجنبي فلا إشكال في عدم نفوذها. و ما دلّ من الكتاب و السنة على لزوم العمل بالوصيّة منصرف عن مثلها جزماً، فإنّ الوصية الملحوظة في موضوع الأدلّة المذكورة كقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ (2) و قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (3) إنّما هي بالإضافة إلى ما يتركه الميّت و يخلّفه من الأموال و أنّه إذا أوصى بذلك إلى أحد بأن جعل له ولاية التصرّف في ماله وجب عليه العمل على طبق الوصيّة.

و المال الموصى به في الوصية التمليكية ينتقل إلى الموصى له بمجرّد موت الموصي، لكنّه في الوصية العهدية يكون باقياً على ملك الميّت، و لا ينتقل عنه‌

____________

[1] لا بأس بتركه.

____________

(1) في ص 263 و ما بعدها.

(2) البقرة 2: 180.

(3) النساء 4: 11.

222

..........

____________

إلى ملك الوارث أو غيره، و لا مانع من قيام الملكيّة بالميّت بعد كونها من الأُمور الاعتبارية، فليس لأحد التصرّف في ذلك إلّا بإذنه و على النحو الذي جعل له ولاية التصرّف فيه، فيكون عدم جواز تغييره عمّا هو عليه على طبق القاعدة، لكنّه فيما يرجع إلى أمواله فقط كما عرفت.

و أمّا في غير ذلك كما لو أوصى بأن يقضي عنه زيد جميع صلواته أو يصلّي عليه صلاة الميت أو يطعم أي زيد من ماله الخاص الفقراء كلّ ليلة جمعة و نحو ذلك من الأعمال القائمة بالموصى له فلا دليل على نفوذ مثل هذه الوصيّة بل لا ينبغي الشكّ في عدم وجوب القبول، فإنّه تصرّف في سلطان الغير بدون حقّ، فليس له أن يلزم أحداً بعمل لا يرتبط بأمواله، و هذا من الواضحات. فاذا لم يكن للميّت مال لم تنفذ وصيته بالصلاة و الصوم بلا إشكال.

و أمّا الوصية إلى الولد الأكبر في غير ما يجب عليه أو إلى غير الأكبر من سائر أولاده، و المفروض أنّه لا مال للميّت أصلًا، فلا ينبغي الإشكال أيضاً في عدم النفوذ فيما إذا كان مورد الوصية من الأُمور المالية كما إذا أوصى ولده بأن يستأجر من ينوب عنه لزيارة الحسين (عليه السلام) كلّ ليلة جمعة، أو يستأجر من يصلّي عنه أو يصوم أو يحجّ و نحو ذلك، ضرورة عدم وجوب إطاعة الوالد فيما يرجع إلى المال. فلو أمره بأن يهب أو يتصدّق بماله على أحد لم تجب على الولد إطاعته، كما لا تجب إطاعته فيما هو أعظم كطلاق زوجته.

إنّما الكلام في نفوذ وصيته في غير الأُمور المالية كما لو أوصى ولده بأن يزور بنفسه الحسين (عليه السلام)، أو يباشر قضاء ما فات منه من الصلاة و الصيام ممّا لم يجب عليه القضاء، أو يقوم بقضاء ما فات عن جدّه مثلًا، فهل يجب عليه القبول أو لا؟ احتاط الماتن (قدس سره) في ذلك بالقبول، نظراً إلى وجوب إطاعة الوالد فيما يرجع إلى الفعل المباشري.

و لكن الظاهر عدم الوجوب، لعدم الدليل على وجوب الإطاعة بهذا العنوان بل الواجب إنّما هو البرّ في مقابل العقوق بأن يعاشره معاشرة حسنة و يصاحبه‌

223

[مسألة 6: لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط وجب إخراجه]

[1818] مسألة 6: لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط وجب إخراجه [1] من الأصل أيضاً (1)

____________

بالمعروف، قال اللّٰه تعالى وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً ... (1) في مقابل المصاحبة بالمنكر، لا أنّه تجب عليه إطاعتهما على حدّ وجوب إطاعة العبيد لأسيادهم، لتجب عليه صلاة الليل مثلًا فيما لو أمر بها، فإنّه لا دليل عليه بوجه.

نعم، لا ريب في كونه أحوط، و أحوط منه العمل بكلّ ما أمر حتّى ما يرجع منه إلى الأموال، بل في استحبابه، فإنّه إحسان في حقّه و إرضاء له. و قد ورد أنّه إذا أمراك أن تخرج من مالك و أهلك فافعل (2).

و كيف ما كان، فالظاهر أنّ الوصية غير نافذة مطلقاً، و أنّه لا يجب العمل بها، سواء تعلّقت بالأُمور المالية أم بغيرها.

نعم، ورد أنّه يجب على الولد قبول وصية الوالد (3)، بخلاف الآخرين حيث يمكنهم الردّ. لكنّ ذلك أجنبي عمّا نحن بصدده، فانّ مورد الحكم المذكور إنّما هو الوصية فيما يرجع إلى أموال الميّت نفسه، حيث يكون مثل هذه الوصية جائزة في حقّ الآخرين و واجبة في حقّ الولد، بحيث لا يكون له الامتناع عن قبولها. و أين هذا من الوصية بمال الولد أو فعله المباشري التي هي محلّ الكلام.

فتحصّل: أنّ الأظهر هو عدم نفوذ الوصية بمال الوصي أو بفعله المباشري من دون فرق في ذلك بين الولد و غيره.

(1) فلا فرق في الخروج من الأصل بين الواجبات الثابتة في ذمّة الميّت قطعاً‌

____________

[1] المدار إنّما هو على وجوب الاحتياط في نظر الوارث، فان لم يكن واجباً بنظره وجب إخراجه من الثلث.

____________

(1) لقمان 31: 15.

(2) الوسائل 21: 489/ أبواب أحكام الأولاد ب 92 ح 4.

(3) الوسائل 19: 322/ كتاب الوصايا ب 24 ح 1، 372/ ب 48 ح 2 و غيرهما.

224

و أمّا لو أوصى بما يستحبّ عليه من باب الاحتياط وجب العمل به، لكن يخرج من الثلث (1)، و كذا لو أوصى بالاستئجار عنه أزيد من عمره فإنّه يجب العمل به و الإخراج من الثلث، لأنه يحتمل أن يكون ذلك من جهة احتماله الخلل في عمل الأجير (2).

____________

و بين ما كان ثبوتها عليه من باب الاحتياط اللزومي.

و لكن الظاهر هو الفرق، فانّا لو سلّمنا خروج الواجبات من الأصل لكونها ديناً فإنّما يتمّ ذلك فيما ثبت اشتغال ذمّة الميت، لكي يتحقّق معه عنوان الدين لا في صورة الجهل بالاشتغال، و إن وجب عليه الاحتياط بحكم العقل من أجل وجود الاحتمال المنجّز، ضرورة أنّ الاحتياط لا يحقّق عنوان الدين و لا يثبته فلا علم لنا بالوجوب حتّى يثبت بذلك موضوع الدين. فالاحتياط الوجوبي في نظر الميت لا أثر له.

نعم، لو فرضنا أنّ هذا الاحتياط الوجوبي كان ثابتاً عند الوارث و إن لم يفرض ثبوته عند الميت لاختلافهما في الحكم اجتهاداً أو تقليداً وجب عليه الإخراج من الأصل، لكفاية احتمال كونه ديناً في ذمّة الميت احتمالًا منجّزاً، إذ لو لم يخرج و صادف الواقع لعوقب على مخالفته.

و أمّا إذا لم يكن الاحتياط وجوبياً في نظره و إن كان كذلك في نظر الميت فلا يحكم بالخروج من الأصل، لعدم كون الاحتمال منجّزاً في نظر الوارث على الفرض. و تنجّزه في نظر الميت لا يكاد يحقّق عنوان الدين كما عرفت.

و منه يظهر الحال في الواجب المالي و الحج. و على الجملة: الاحتياط اللزومي إنّما يوجب الخروج من الأصل حتّى في الدين المالي و في الحج فيما إذا كان كذلك بالإضافة إلى الوارث، دون الميّت بالخصوص.

(1) كما هو ظاهر.

(2) فانّ عمله و إن كان محكوماً بأصالة الصحّة ظاهراً إلّا أنّ وجود الخلل‌

225

و أمّا لو علم فراغ ذمّته علماً قطعياً (1) فلا يجب و إن أوصى به، بل جوازه أيضاً محلّ إشكال [1] (2).

____________

فيه واقعاً أمر محتمل وجداناً، و الاحتياط حسن، فيكون العمل سائغاً، فتشمله عمومات الوصية، كما كان هذا الاحتياط مشروعاً و العمل على طبقه سائغاً في حقّ الميت نفسه حال حياته بأن يقضي جميع صلواته مدى عمرة أو أزيد منه بكثير من باب الاحتياط، لمجرّد احتمال اشتغال الذمّة الناشئ من احتمال الخلل في عمله.

(1) فهل يجب العمل حينئذ بالوصية؟ و نحوه ما لو أراد أحد قضاء الصلاة عن أحد المعصومين (عليهم السلام) تبرّعاً.

استشكل الماتن (قدس سره) في الجواز فضلًا عن الوجوب، نظراً إلى أنّ العبادة توقيفية فتحتاج إلى الإذن، و إنّما قام الدليل على النيابة عن الميّت فيما كانت الذمّة مشغولة قطعاً أو احتمالًا، و أمّا مع القطع بالعدم كما إذا فرضنا الموت في آخر رمضان السنة الاولى من بلوغه مع فرض استمرار المرض في تمام الشهر كلّه، فإنّه غير مشغول الذمّة بقضاء الصوم قطعاً، لاختصاصه بالمتمكّن من القضاء بعد رمضان.

و لذا أجاب الإمام (عليه السلام) عن سؤال القضاء في عين المسألة بقوله: «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّٰه عليها» (1). فالمشروعية مشكلة، بل لم يثبت الجواز فضلًا عن وجوب العمل بالوصية.

(2) قد يستشكل في عبارة المصنف (قدس سره) بأنّ الوجوب و عدمه تابعان للجواز و عدمه، فاذا جاز وجب و إلّا لم يجب، فكيف جزم (قدس سره) بعدم الوجوب و استشكل في الجواز، فإنّه إن كان في المسألة إشكال ففي كليهما‌

____________

[1] بل منع.

____________

(1) الوسائل 10: 332/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.

226

[مسألة 7: إذا آجر نفسه لصلاة أو صوم أو حجّ فمات قبل الإتيان به]

[1819] مسألة 7: إذا آجر نفسه لصلاة أو صوم أو حجّ فمات قبل الإتيان به فان اشترط المباشرة بطلت الإجارة [1] بالنسبة إلى ما بقي عليه (1)، و تشتغل ذمّته بمال الإجارة إن قبضه، فيخرج من تركته.

____________

و إلّا فكذلك، فما هو الوجه في التفكيك؟

و الجواب: أنّ مراده (قدس سره) بالجواز الذي استشكل فيه هو الجواز الواقعي، أعني مشروعية العمل في حدّ نفسه و بالعنوان الأوّلي، مع قطع النظر عن عنوان التشريع الطارئ عليه الموجب لحرمته لأجل توقيفية العبادة، فإنّ العمل و إن كان حراماً بالفعل بملاحظة انطباق عنوان التشريع فلا يجب العمل بالوصية قطعاً، إلّا أنّ حرمة العمل في نفسه و بحسب الواقع مورد للإشكال، لعدم قيام دليل عليه، و لا تنافي بين الأمرين فليتأمّل.

موت الأجير قبل إتمام العمل:

(1) لتعذّر الوفاء بالشرط، فتبقى ذمّته مشغولة بمال الإجارة بالنسبة إلى الباقي لو قبضه، فيخرج عن الأصل لو كان له مال، و إلّا فلا يجب على الورثة كما مرّ (1). هذا هو مختار الماتن (قدس سره).

و ربما يورد عليه بعدم الموجب للانفساخ، بل غاية ما يترتّب على تعذّر الشرط هو التسلّط على الفسخ، فيثبت للمستأجر خيار تخلّف الشرط كما هو الحال في سائر الشروط، حيث لا يترتّب على تخلّفها إلّا الخيار دون البطلان و حينئذ فإن أمضى العقد وجب على الورثة الاستئجار بالنسبة إلى الباقي من صلب المال إن كان له مال كسائر ديونه، و إلّا فلا، و إن جاز تفريغ الذمّة من الزكاة أو بالتبرّع على النحو الذي مرّ.

____________

[1] هذا فيما إذا لم يمض زمان يتمكّن الأجير من الإتيان بالعمل فيه، و إلّا لم تبطل.

____________

(1) في ص 222.

227

..........

____________

و إن فسخ العقد طالب بمال الإجارة كاملًا، إذ بالفسخ ينحلّ العقد من أوّل الأمر، فيرجع إلى الورثة بتمام المال، و يخرج من الأصل، غايته أنّ المستأجر يلزمه أن يدفع للورثة أُجرة المثل بالمقدار الذي كان الميت قد أتى به من العمل، كما هو الشأن في كلّ معاملة مفسوخة، حيث يسترجع العوضان عيناً إن أمكن و إلّا استرجع البدل.

أقول: ليس المقام من موارد تخلّف الشرط الموجب للخيار، بل من باب تخلّف القيد الموجب لتعذّر المبيع في مورد البيع المستلزم للبطلان، فانّ الاشتراط يباين التقييد و يغايره ثبوتاً و بحسب اللّب و نفس الأمر، و لا عبرة في هذا الباب باللفظ كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة و بيّناه مستقصى في بحث المكاسب (1).

و توضيح الكلام: أنّ ما تقع عليه المعاملة كالمبيع أو الثمن قد يكون شخصياً و جزئياً خارجياً كما لو باعه الحنطة المعيّنة على أن تكون من المزرعة الفلانية، و في مثله يستحيل التقييد، أي تقييد المبيع بكونه من تلك المزرعة فإنّ التقييد فرع إمكان الإطلاق، و الموجود الخارجي جزئي حقيقي و فرد معيّن لا إطلاق له كي يصلح للتقييد، سواء وقع التعبير عنه بالتقييد بأن قال: هذه الحنطة المقيّدة بكذا ...، أو بلفظ الشرط بأن يقول: بشرط أن تكون ...، أو على أن تكون ...، أو بوصف كذا.

فالمبيع حينئذ هو الموجود الخارجي على ما هو عليه، و لا يعقل تقييده بشي‌ء، حيث إنّه ليس لهذه العين الشخصية فردان كي يمكن التقييد بأحدهما.

فالذي يتصوّر فيه التقييد إنّما هو الالتزام بالبيع، دون المبيع نفسه، لما عرفت من أنّ الإنشاء البيعي إنّما يرد على الموجود الخارجي على ما هو عليه و إنّما يكون التزامه بهذا البيع مشروطاً باتّصاف المبيع بالوصف المعيّن، و مرجع ذلك إلى اشتراط جعل الخيار على تقدير تخلّف الشرط، كما هو الحال في باب‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 5: 410 411.

228

..........

____________

اشتراط الأُمور الخارجة عن المبيع كاشتراط الخياطة، حيث لا يوجب تخلّفها أو تعذّر الوفاء بها إلّا الخيار. فالتقييد في أمثال المقام راجع إلى الاشتراط لا محالة، و نتيجته جعل الخيار، من دون فرق بين التعبير عنه بلفظ القيد أو الشرط.

و قد يكون المبيع كلّياً كما لو باعه منّاً من الحنطة مع ذكر الخصوصيات الرافعة للغرر، و اشترط عليه أن تكون من المزرعة الفلانية، فمرجع هذا الاشتراط إلى تقييد كلّي بحصّة خاصّة من الحنطة، فالبيع إنّما يرد على هذه الحصّة، فتكون هي المبيع بخصوصها دون غيرها.

فاذا تخلّف و ادّى إلى المشتري غيرها لم يكن ما أداه هو المبيع، و إنّما يكون أجنبياً عنه، فان تراضيا على ذلك كان ذلك معاملة جديدة لا وفاء بالبيع الأوّل، و نتيجة ذلك أنّه لو تعذّر عليه انفسخ العقد، لكشفه عن عدم سلطنة البائع على المبيع، فلا مال له كي يبيعه من غيره.

فلو آجر نفسه على أن يحجّ مباشرة عن زيدٍ في هذه السنة فمات في شهر شوال مثلًا انفسخ بذلك عقد الإجارة لا محالة، لكشف الموت عن عدم كونه مالكاً لحجّ نفسه في هذه السنة حتّى يملّكه لغيره بعقد الإجارة، فإنّ الإنسان لا يكون مالكاً لأعماله إلّا في حال الحياة، لا مطلقاً و لو بعد مماته.

و على الجملة: ذكر القيد في هذا القسم أي المعاملة على الكلّي لا معنى له سوى تقييد المبيع أو العمل المستأجر عليه و نحوه بحصّة خاصّة، عبّر عنه بلفظ القيد أو الشرط، و نتيجته هو الانفساخ عند التعذّر كما عرفت.

و المقام من هذا القسم، فانّ متعلّق الإجارة إنّما هو العمل في ذمّة الأجير لكن لا على إطلاقه و كلّيته، بل الحصّة الخاصّة منه و هو الصادر عنه بالمباشرة و بالموت يستكشف أنّه لم يكن مالكاً للمقدار الباقي من العمل و أنّه كان قد ملّك المستأجر ما لم يكن ليملكه، فكان التمليك بعقد الإجارة في غير محلّه، و نتيجته انفساخ العقد بالنسبة إلى الباقي بطبيعة الحال.

فهو نظير ما لو آجر داره سنة فانهدمت أثناء السنة، فكما أنّه يحكم‌

229

..........

____________

بانفساخ عقد الإجارة بالنسبة إلى المدّة الباقية من الأجل من جهة كشف الانهدام عن عدم كونه مالكاً للمنافع في تلك المدّة حيث لا موضوع لها، كذلك الحال في المقام بعين المناط، فانّ التعذّر قد تعلّق بنفس العمل المستأجر عليه فيكون ذلك من قبيل تعذّر المبيع الموجب للخيار. فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان هو الصحيح، هذا.

و لكن ينبغي تخصيص ذلك بصورة واحدة، و هي ما إذا مات الأجير قبل انتهاء المدّة التي كان يمكنه إيقاع العمل المستأجر عليه فيها كما لو استأجر لصلاة سنة واحدة، و كان بإمكانه إيقاع ذلك خلال أربعة أشهر مثلًا، و لكنّه بعد مضيّ شهرين من زمان العقد و الإتيان بنصف العمل مات، فإنّه يجري فيه ما مرّ من الحكم بالانفساخ بالنسبة إلى الأشهر الستة الباقية، لكشف الموت عن تعذّر العمل بهذا المقدار، و عدم كون الأجير مالكاً لمنافع نفسه في هذه المدّة. و كذلك لو استؤجر للحجّ في سنة معيّنة مباشرة فمات في شهر شوال من تلك السنة.

و أمّا إذا كان الوقت واسعاً و أمكنه الإتيان بتمام العمل قبل الموت غير أنّه تسامح و أخّر حتّى عرضه الموت كما لو مات بعد مضيّ أربعة أشهر على زمان الإجارة في المثال الأوّل، أو أنّه استؤجر للحجّ في خصوص هذه السنة فأخّره إلى القابل ظنا منه بالبقاء فمات بعد أيام الموسم، فلا موجب للانفساخ في مثل ذلك، لفرض ثبوت قدرته على تسليم العمل مع فرض سعة الوقت، فكان مالكاً للعمل بتمامه، و قد وقعت الإجارة على ما كان يملكه، فقد ملّك المستأجر ما يملكه و ما هو مسلّط عليه، لا ما لا يملكه كما في الصورة المتقدّمة، إلّا أنّه باختياره قد تسامح في التسليم فأخّر و لم يسلّم.

و بكلمة اخرى: أنّا إنّما حكمنا بالبطلان في الصورة المتقدّمة لأجل كشف الموت عن عدم ملكية الأجير للعمل المستأجر عليه، فكان الحكم المذكور لأجل وقوع عقد الإجارة على غير الملك. و هذا بخلاف المقام، حيث إنّه لا‌

230

و إن لم يشترط المباشرة وجب استئجاره من تركته إن كان له تركة (1)، و إلّا فلا يجب على الورثة، كما في سائر الديون إذا لم يكن له تركة.

نعم، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة (2) أو نحوها (3) أو تبرّعا (4).

____________

سبيل فيه إلى الكشف المذكور، إذ الأجير مالك لمنافعه حال الحياة، و المفروض سعة الوقت لتمام العمل المستأجر عليه، فقد ورد عقد الإجارة حينئذ على الملك، فلا مقتضي للحكم بالانفساخ.

و القاعدة تقضي برجوع المستأجر حيث إنّه لم يتسلّم المقدار الباقي من العمل إلى الورثة و مطالبتهم بقيمة العمل الباقي حتّى و لو كانت هناك زيادة في القيمة، فإنّه مالك لنفس العمل في ذمّة الميّت بعد فرض صحّة الإجارة، و حيث لا يمكن التسليم فعلًا فلا محالة ينتقل منه إلى البدل و هي القيمة حين الأداء فتخرج قيمة العمل المذكور كسائر الديون الماليّة من أصل التركة إن كانت و إلّا لم يجب ذلك على أحد كما مرّ.

فما ذكره الماتن (قدس سره) من الحكم بالبطلان صحيح، لكن لا على إطلاقه، بل على التفصيل الذي عرفت.

(1) لا ينبغي الإشكال في عدم انفساخ العقد حينئذ، لعدم الموجب له، بل العمل باق في ذمّته كسائر ديونه، غايته أنّ الدين هنا إنّما هو نفس العمل و حينئذ فان كان له مال وجب الاستئجار من أصل التركة كما في بقيّة الديون و إلّا لم يجب على الورثة شي‌ء، لما تقدّم من عدم وجوب تفريغ ذمّة الميّت فيما إذا لم يكن له مال.

(2) كما في سائر الديون، للنصوص الخاصّة الدالّة على ذلك (1).

(3) كالوقف و نحوه إذا كان مصرفه شاملًا لمثله و منطبقاً عليه.

(4) كما هو ظاهر.

____________

(1) الوسائل 9: 295/ أبواب المستحقين للزكاة ب 46.

231

[مسألة 8: إذا كان عليه الصلاة أو الصوم الاستئجاري و مع ذلك كان عليه فوائت من نفسه]

[1820] مسألة 8: إذا كان عليه الصلاة أو الصوم الاستئجاري و مع ذلك كان عليه فوائت من نفسه، فان وفت التركة [1] بها فهو، و إلّا قدّم الاستئجاري لأنّه من قبيل دين الناس (1).

____________

(1) بناء على ما سلكناه من عدم خروج الواجبات من أصل المال لاختصاص ذلك بالدين، فلا ريب في اختصاص الخارج منه حينئذ بالاستئجاري، لكونه ديناً في ذمّة الميّت و إن كان من سنخ العمل، بلا فرق في ذلك بين وفاء التركة بهما و عدمه.

و أمّا على مسلك الماتن (قدس سره) من خروجها أيضاً من الأصل لكونها مصداقاً للدين كسائر الديون فالظاهر هو التقسيط، و عدم تقديم الاستئجاري.

و تقديم حقّ الناس على حقّ اللّٰه سبحانه و تعالى عند الدوران و إن كان متيناً كبروياً لكنّه غير منطبق على المقام، لاختصاصه بباب التزاحم الذي مورده خصوص الأحكام التكليفية، دون الوضعية كما فيما نحن فيه.

و توضيح ذلك: أنّ الذمّة إذا اشتغلت بما هو من حقّ اللّٰه محضاً و بما هو من حقّ الناس كما لو استقرّ عليه الحجّ من السنة الماضية و اشتغلت ذمته بالدين أيضاً و المفروض أنّ ماله لا يفي إلّا بأحدهما، فقد توجّه إليه حينئذ تكليفان أحدهما متعلّق بالحجّ و الآخر بأداء الدين، و بما أنّه لا يتمكّن من الجمع بينهما في مقام الامتثال فلا محالة يقع التزاحم بين التكليفين، و لا بدّ فيه من الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم التي منها الترجيح بالأهمية قطعاً أو احتمالًا.

و لا ريب في أنّ الدين أهمّ، إذ أنّه بعد فرض اشتراكه مع الحجّ في أصل الإلزام الإلهي يمتاز بكونه من حقّ الناس، و هذه المزيّة تستوجب القطع بالأهميّة، و لا أقل من احتمالها، فيتقدّم الدين على الحجّ، و لأجله يحكم بأنّ كلّ ما فيه حقّ الناس يتقدّم على ما هو متمحّض في كونه حقّ اللّٰه سبحانه و تعالى.

____________

[1] مرّ أنّ فوائت نفسه لا تخرج من أصل التركة.

232

[مسألة 9: يشترط في الأجير أن يكون عارفاً بأجزاء الصلاة و شرائطها]

[1821] مسألة 9: يشترط في الأجير أن يكون عارفاً (1) بأجزاء الصلاة و شرائطها و منافياتها و أحكام الخلل [1] عن اجتهاد أو تقليد صحيح.

____________

فالكبرى المذكورة و إن كانت تامّة إلّا أنّها تختصّ بالأحكام التكليفية، و لا تجري في الأحكام الوضعية التي منها المقام، لعدم تصوّر التزاحم في باب الأحكام الوضعية، ففي محلّ الكلام لم يتعلّق بالوليّ أو الوصيّ تكليفان لا يمكنه الجمع بينهما في مقام الامتثال حتّى يتحقّق التزاحم، بل يكون أمر التركة دائراً بين الصرف في الاستئجاري و صرفه في عبادة الميّت الواجبة عليه بالأصالة.

و بكلمة اخرى: أنّ المال لم يعلم حاله و أنّه ما هو مصرفه حسب تعيين الشارع، و مثل هذا خارج عن باب التزاحم كما لا يخفى. فلا مجال في المقام للترجيح بالأهميّة كي يقتضي ذلك تقديم الاستئجاري، و إنّما يكون مقتضى القاعدة فيه هو التقسيط جمعاً بين الحقّين. فما ذكره (قدس سره) من تقديم الاستئجاري إنّما يستقيم على مسلكنا لا مطلقاً فلاحظ.

شرائط الأجير:

(1) من الواضح عدم دخل المعرفة في صحّة العمل، لإمكان صدوره تامّ الأجزاء و الشرائط من الجاهل أيضاً كما لو احتاط في الإتيان بالسورة رجاءً مع عدم العلم بجزئيتها. أو أنّه لقوّة حفظه اطمأن من نفسه بعدم ابتلائه بمسائل الشكوك، أو أنّه تمكّن من قصد القربة مع الشكّ في جزئية شي‌ء مثلًا فصادف الواقع، فانّ العمل في جميع ذلك محكوم عليه بالصحّة، لكون وجوب التعلّم طريقياً لا نفسياً كما نبّهنا عليه في مباحث الاجتهاد و التقليد (1).

فالوجه في اعتبار المعرفة إنّما هو عدم إحراز المستأجر فراغ ذمّة المنوب‌

____________

[1] هذا فيما إذا كان ممّا يبتلى به عادة.

____________

(1) شرح العروة 1: 248.

233

..........

____________

عنه إذا كان الأجير جاهلًا، لاحتمال فساد عمله المقتضي لوجوب الاستئجار ثانياً تحصيلًا لليقين بالفراغ.

و لا مجال لجريان أصالة الصحّة في المقام، و ذلك لأنّه لم تثبت حجّية الأصل المذكور بدليل لفظي حتّى يستند إلى إطلاقه في موارد الشكّ، حيث لم يدلّ عليه شي‌ء من النصوص، بل المستند في حجيّته هي السيرة و الإجماع، بل الضرورة.

فإنّ من الأُمور الواضحة التي اتفق عليها علماء الإسلام و قامت عليه السيرة القطعية حمل الفعل الصادر من المسلم العارف بالمسائل على الصحّة، بإلغاء احتمال الفساد الناشئ من احتمال الغفلة أو النسيان أو التعمّد في الإخلال ببعض الأجزاء أو الشرائط، بلا فرق بين العبادات و المعاملات.

فترى أنّه يقتدى بإمام الجماعة، و يكتفى بصلاة الغير على الميت، و يبني الموكّل على صحّة ما صدر من وكيله من بيع أو نكاح أو طلاق إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى المعاد أو المعاش، مع طروء احتمال الفساد في جميع ذلك من جهة الغفلة مثلًا عن النية و هي أمر باطني لا سبيل للعلم بها و غيرها من الأجزاء و الشرائط و لكنّهم لا يعبؤون بذلك، حملًا لفعل المسلم على الصحيح.

بل السيرة قائمة على ذلك حتّى مع الشكّ في معرفة العامل، حيث إنّه لا يُتصدّى في الحكم بالصحّة لمعرفة حال العامل من حيث علمه بالمسائل و جهله بها. فاذا شاهدوا من يصلّي على الميت و هم لا يعرفونه عالماً بمسائل الصلاة أو جاهلًا بها بنوا على صحّة صلاته، و لم يبالوا باحتمال الفساد الموجب لعدم سقوط الواجب الكفائي بالعمل المذكور.

و أمّا مع العلم بجهله بها فالسيرة غير جارية حينئذ في الحمل على الصحة بمجرّد احتمال المصادفة الواقعية، فلا تجري في مثله أصالة الصحّة بالضرورة.

و على الجملة: بعد فرض انحصار مستند الأصل المذكور بالدليل اللّبي الذي لا إطلاق له لا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن به، و هو صورة العلم بمعرفته للمسائل و صورة الشكّ في ذلك، لا مع العلم بجهله بها أيضاً.

234

[مسألة 10: الأحوط اشتراط عدالة الأجير]

[1822] مسألة 10: الأحوط اشتراط عدالة الأجير (1) و إن كان الأقوى كفاية الاطمئنان بإتيانه على الوجه الصحيح [1] و إن لم يكن عادلا (2).

____________

فما أفاده الماتن (قدس سره) من اشتراط المعرفة في الأجير صحيح، لكن ينبغي على ضوء ما ذكرناه تبديل العبارة على النحو التالي: يشترط في الأجير أن يكون عارفاً و لو احتمالًا ...، لما عرفت من أنّ المعتبر عدم العلم بجهله، لا العلم بمعرفته.

(1) لا دخل للعدالة في صحة العمل، فانّ التكاليف و الأحكام الشرعية تعمّ العادل و الفاسق، و لا اختصاص لها بالأوّل. فالعمل الصادر من كلّ منهما يكون محكوماً بالصحّة إذا كان واجداً للأجزاء و الشرائط و لو بمعونة أصالة الصحة كما مرّ.

فاشتراط العدالة في الأجير إنّما هو لعدم حجّية قول الفاسق في إخباره عن الإتيان بالعمل. فلم يحرز فراغ ذمّة المنوب عنه، فيجب الاستئجار له ثانياً تحصيلًا لليقين بالفراغ، و لأجل ذلك يكتفى بالعدالة حين الإخبار و إن كان فاسقاً حال العمل أو حين الاستئجار، دون العكس.

(2) في المقام أمران اختلط أحدهما بالآخر في بعض الكلمات:

أحدهما: أنّه مع حصول الاطمئنان بصدور العمل من الأجير صحيحاً يكتفى به بلا إشكال، فإنّ الاطمئنان علم عادي و حجّة عقلائية سواء أخبر به الأجير أيضاً أم لا، فاسقاً كان أم عادلًا، حيث لا يدور الاعتماد على الاطمئنان مدار الإخبار، كما لا يختصّ ذلك بالفاسق. فلو استؤجر العادل فمات و لم يخبر و لكن حصل الاطمئنان بإتيانه بالعمل صحيحاً كفى ذلك قطعاً.

ثانيهما: أنّه إذا أخبر الأجير بتحقّق العمل مع عدم حصول الاطمئنان بذلك‌

____________

[1] بل الأقوى كفاية الاطمئنان بأصل الإتيان بالعمل، و أما صحته فيحكم بها بمقتضى الأصل.

235

..........

____________

فهل تعتبر العدالة في قبول قوله أو لا بل يكتفى بكونه ثقة و إن لم يكن عدلًا؟ الظاهر هو الثاني، لعدم اختصاص ما دلّ على حجيّة قول الثقة بباب الأحكام بل يعمّ الإخبار عن الموضوعات أيضاً، و لا سيما في موارد إخبار الشخص عن عمل نفسه كما حقّق ذلك في محلّه (1).

و على الجملة: فالاطمئنان بصدور العمل شي‌ء، و الاعتماد على إخبار الثقة شي‌ء آخر.

و منه تعرف أنّه كان الأولى بالماتن التعبير التالي: و إن كان الأقوى كفاية كونه ثقة. لما قد عرفت من أنّ اعتبار العدالة لأجل التعويل على إخبار الأجير، لا من جهة دخلها في صحّة العمل. فكان الأنسب بسياق الكلام هو تعميم الأجير المخبر عن العمل للعدل و الثقة و إلّا فالاطمئنان بصدور العمل منه صحيحاً غير دائر مدار الإخبار و عدمه، كما لا يختصّ ذلك بالفاسق كما عرفت.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) (2) أفاد بأنّ الاستقراء و تتبّع الأخبار يشهدان بأنّ كلّ ذي عمل مؤتمن على عمله، و أنّ قوله فيه حجّة كما يظهر ذلك بملاحظة ما ورد في الجارية المأمورة بتطهير ثوب سيدها، و كذا إخبار الحجّام بطهارة موضع الحجامة، و ما ورد في القصّابين و الجزّارين و القصّارين و نحو ذلك فانّ التدبّر في ذلك بعين الإنصاف ربما يورث القطع بحجّية إخبار كل عامل عن عمله و أنّه مصدّق فيه، و من مصاديق هذا الموضوع هو إخبار النائب عن تحقّق الفعل الذي هو مورد الكلام.

و يتوجّه عليه: عدم ثبوت هذه الكليّة بحيث يكون إخبار صاحب العمل بمثابة أخبار ذي اليد عن طهارة ما تحت يده أو نجاسته. و ما ذكره من الاستقراء فهو ناقص يختصّ بموارد جزئية معيّنة، و ليس بالاستقراء التام حتّى‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 196، 200.

(2) الجواهر 6: 181.

236

[مسألة 11: في كفاية استئجار غير البالغ]

[1823] مسألة 11: في كفاية استئجار غير البالغ و لو بإذن وليّه إشكال، و إن قلنا بكون عباداته شرعيّة و العلم بإتيانه على الوجه الصحيح، و إن كان لا يبعد [1]. و كذا لو تبرّع عنه مع العلم المذكور (1).

____________

تثبت به الكلّية المدّعاة كما لا يخفى. فلا يمكن الخروج بذلك عن مقتضى القواعد.

و عليه فان كان المخبر و هو الأجير في مفروض الكلام عادلًا أو ثقة كان إخباره عن عمله حجّة، و إلّا فلا.

(1) استشكل (قدس سره) في كفاية استئجار غير البالغ مع العلم بإتيانه العمل على الوجه الصحيح، و كذا في تبرّعه، ثمّ بنى أخيراً على الكفاية بناءً على شرعيّة عباداته، فإنّه بعد ثبوت الأمر بها في حقّه لا يفرق بين عبادات نفسه و بين ما يأتي به عن غيره.

و قد يقال بالكفاية مطلقاً حتى بناءً على تمرينيّة عباداته و عدم الأمر بها فإنّ النائب إنّما يقصد الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه لا إليه نفسه. فعدم مشروعيّة العبادة في حقّ النائب لا يمنع من صحّة نيابته عن غيره، بل قد لا يمكن توجّه الأمر نحو النائب كما في حجّ غير المستطيع عن المستطيع حجّة الإسلام.

و لكنّ الظاهر هو عدم الكفاية مطلقاً.

أمّا بناءً على التمرينيّة فظاهر، إذ بعد عدم المشروعية في حقّ الصبيّ و عدم توجّه الأمر نحوه كيف يتّصف العمل المأتي به بالعباديّة الموقوفة على ثبوت الأمر، فلا يوجب تفريغ ذمّة المنوب عنه.

و قياسه بالحجّ عجيب، فانّ غير المستطيع و إن لم يتوجّه إليه الأمر لكنّه خصوص الأمر بالحجّ، لا مطلقاً حتّى مثل الأمر بالنيابة عن الغير في الحجّ. و كم فرق بين الأمرين.

____________

[1] فيه إشكال، بل الأظهر عدم الصحة، لعدم ثبوت الشرعية في عباداته النيابية، و منه يظهر حال تبرّعه.

237

..........

____________

و قد عرفت أنّ المدار في صحّة النيابة تعلّق الأمر بنفس النيابة دون نفس العمل، و أنّ النائب إنّما يقصد امتثال هذا الأمر المتعلّق به، و هو المصحّح للنيابية و اتّصاف العمل بالعبادية، دون الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه، حيث تختصّ داعويته بالمنوب عنه المفروض سقوطه بموته، فلا ربط له بالنائب.

و أمّا بناءً على الشرعيّة كما هو الصحيح فلأنّ مستند هذا القول ليس هو إطلاق الأدلّة الأوّلية، كيف و هي مختصّة بغير الصبيّ بمقتضى حديث رفع القلم (1). و دعوى أنّ المرفوع خصوص الإلزام فيبقى أصل الخطاب بحاله واضحة الفساد كما لا يخفى. فأدلّة الأحكام برمّتها حتّى مثل الأمر بالنيابة منصرفة عن الصبيّ و خاصّة بالبالغين.

بل المستند هو ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أمر الأولياء بأمر الصبيان بالصلاة و الصيام (2) بناءً على ما تقرّر في محلّه من أنّ الأمر بالأمر بالشي‌ء أمر بالشي‌ء نفسه (3)، و هذا منصرف إلى ما يأتي به الصبيّ من الصلاة و الصيام عن نفسه، و لا إطلاق له بالإضافة إلى ما ينوب فيهما عن غيره. فلا دليل على ثبوت الأمر بالنسبة إلى عباداته النيابية، و هو ممّا لا بدّ منه في صحّة النيابة كما عرفت ذلك آنفاً.

و على الجملة: أنّ العبادات توقيفية، يحتاج الحكم بمشروعيتها إلى الأمر، و لم يثبت ذلك في حقّ الصبيّ إلّا في خصوص عباداته الأصلية دون النيابية. فلا يصح استئجاره كما لا يكتفى بما يأتي به تبرّعاً و إن كان صحيحاً في نفسه، للشكّ في فراغ ذمّة الميّت بذلك، و مقتضى إطلاق دليل وجوب التفريغ المتوجّه إلى الوليّ أو الوصيّ عدم الاكتفاء به كما لا يخفى.

و مع الغضّ عن الإطلاق فمقتضى الأصل العملي هو الاشتغال دون البراءة‌

____________

(1) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11 و غيره.

(2) الوسائل 4: 19/ أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5، 7، 8، 10: 234/ أبواب من يصحّ منه الصوم ب 29 ح 3.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 4: 74.

238

[مسألة 12: لا يجوز استئجار ذوي الأعذار خصوصاً من كان صلاته بالإيماء]

[1824] مسألة 12: لا يجوز استئجار ذوي الأعذار (1) خصوصاً من كان صلاته بالإيماء، أو كان عاجزاً عن القيام و يأتي بالصلاة جالساً و نحوه، و إن كان ما فات من الميت أيضاً كان كذلك.

____________

للشكّ في تحقّق الفراغ و الامتثال بعد العلم بالتكليف.

و قد ذكرنا نظيره في بحث الصلاة على الميّت (1) و قلنا إنّه لا يكتفى بصلاة غير البالغ على الميّت و إن التزمنا بمشروعية عباداته. و لا منافاة بين الأمرين، فإنّ المشروعية إنّما ثبتت بدليل الأمر بالأمر بالصلاة المنصرف عن مثل هذه الصلاة. فيتمسّك حينئذ بإطلاق الأمر بالصلاة على الميّت المتوجّه إلى البالغين أو بأصالة الاشتغال للشك في سقوط التكليف عنهم بصلاة الصبيّ.

و المتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ النائب إنّما يقصد الأمر الاستحبابي العبادي المتوجّه إليه بعنوان النيابة، و ربما يتّصف ذلك بالوجوب بعنوان آخر مثل الإجارة و نحوها، دون الأمر المتعلّق بالمنوب عنه كما هو ظاهر، و دون الأمر المتعلّق بذات الفعل بما هو هو، إذ قد لا يكون الفعل مأموراً به في حقّه أصلًا كما في مثال الحجّ المتقدّم، و كما لو بلغ الوليّ و هو الولد الأكبر بعد شهر رمضان و مات والده و عليه قضاء شهر رمضان، فإنّه يجب على الولد حينئذ الصوم عن أبيه مع أنّه لم يكلّف بعدُ بصوم شهر رمضان.

فالعبرة في صحّة النيابة بقصد الأمر المتعلّق بها، و حيث لم يثبت ذلك في حقّ الصبيّ و إن قلنا بمشروعية عباداته لم يجز استئجاره، كما لا يكتفى بما أتى به تبرّعا.

(1) فإنّ الفائت عن الميّت هي الصلاة الاختيارية، فيجب تفريغ ذمّته عمّا اشتغلت به كما اشتغلت، فلا تجزي الصلاة العذريّة من النائب حتّى و لو كانت هي تكليف الميّت في ظرف الفوت، كما لو فاتته الصلاة و هو عاجز عن الركوع‌

____________

(1) شرح العروة 9: 194.

239

..........

____________

أو القيام فكانت وظيفته البدل و هو الإيماء للركوع أو الصلاة جالساً، فانّ الانتقال إلى البدل كان مختصاً بما إذا أتى بالعمل في ظرفه دون ما إذا لم يتحقّق منه ذلك، لقصور أدلّة البدليّة عن هذا الفرض. و من هنا كان الواجب على الميّت نفسه في مقام قضاء ما فاته الإتيان بالصلاة الاختيارية بلا إشكال.

و السرّ في ذلك هو اختلاف التكليف باعتبار حالتي الأداء و الفوت، و أنّه في مقام الأداء يكون المفروض هي الوظيفة الفعليّة من الإتيان بالأجزاء الاختيارية إن أمكن و إلّا فالاضطرارية، و أمّا مع الفوت و وجوب القضاء فالاعتبار إنّما يكون بما فات من الوظيفة الأوّلية، أعني الصلاة الاختيارية.

و لا يقدح عدم تعلّق الأمر الفعلي بها في الوقت، لكفاية التكليف الشأني الاقتضائي في صدق عنوان الفوت كما في النائم و الناسي و نحوهما على ما عرفت سابقاً (1).

و على الجملة: فحيث إنّ الفائت من الميّت على كلّ تقدير إنّما هي الصلاة الاختيارية ذات الركوع و السجود ...، كان اللازم في مقام القضاء إمّا بنفسه حال حياته، أو بالاستئجار عنه بعد موته الإتيان بتلك الصلاة. فلا يجزي استئجار المعذور الذي يومئ للركوع أو السجود.

هذا إذا كان العذر الموجب للانتقال إلى البدل في الأجزاء أو الشرائط، كما في الأمثلة المتقدمة ممّا كان مركز الاعتبار هو نفس الصلاة كاعتبار الركوع و السجود أو القيام و نحو ذلك، ففي مثل ذلك كلّه لا يجوز بلا إشكال استئجار العاجز، للزوم المطابقة مع الفائت في الكيفيّة كما عرفت.

و أمّا العذر الراجع إلى المصلّي نفسه بحيث كان مركز الاعتبار هو المصلّي دون الصلاة فلا يبعد القول في مثل ذلك بكفاية استئجار المعذور، كما في استئجار العاجز عن الطهارة المائية الآتي بالصلاة مع التيمم، فانّ المعتبر في الصلاة هي الطهارة الجامعة بين المائية و الترابية على ما هو المستفاد من قوله‌

____________

(1) في ص 86.

240

و لو استأجر القادر فصار عاجزاً وجب عليه التأخير إلى زمان رفع العذر و إن ضاق الوقت انفسخت الإجارة [1] (1).

____________

تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1).

و أمّا خصوص الوضوء أو الغسل فإنّما يعتبر في المصلّي لدى القدرة على استعمال الماء، و عند عجزه من ذلك تنتقل وظيفته إلى التيمّم. فالقدرة على الماء أو العجز عنه ممّا لوحظ في ناحية المصلّي كالسفر و الحضر، لا في الصلاة نفسها و إلّا فكلتا الصلاتين واجدتان لشرط الطهارة، و لا مزيّة لإحداهما على الأُخرى، و إن كان لا يجوز التعدّي من الماء إلى التراب في فرض التمكّن.

و عليه فالصلاة مع التيمّم الصادرة من الأجير تطابق الصلاة الاختيارية الفائتة عن الميّت في الاشتمال على الشرط و هي الطهارة، فلا مانع من استئجاره بعد تمكّنه من تفريغ ذمّة المنوب عنه عمّا اشتغلت به من الصلاة بما لها من الأجزاء و الشرائط، و إن كان مصداق الطهور في الأجير مغايراً لما كان ثابتاً في حقّ الميّت، و لا دليل على قادحيّة المغايرة بهذا المقدار بعد كون التيمّم مصداقاً للطهور حقيقة.

و لعلّ هذا هو السرّ في جواز ائتمام المتوضي أو المغتسل بالمتيمّم مع عدم جواز ذلك عند اختلافهما بحسب وظيفة الركوع أو السجود، حيث لا يجوز اقتداء المختار بمن يصلّي إيماءً بلا إشكال. و السر فيه: هو ما عرفت من اشتمال كلتا الصلاتين على شرط الطهارة و إن اختلف الإمام و المأموم في مصداقها، و في بعض الروايات إشارة إلى ذلك (2).

(1) أمّا وجوب التأخير إلى زمان رفع العذر فظاهر ممّا مرّ، على إشكال‌

____________

[1] في إطلاقه إشكال تقّدم نظيره آنفاً [في المسألة 1819] و يأتي الكلام فيه في كتاب الإجارة.

____________

(1) المائدة 5: 6.

(2) الوسائل 8: 327/ أبواب الصلاة الجماعة ب 17 ح 1.

241

[مسألة 13: لو تبرّع العاجز عن القيام مثلًا عن الميّت ففي سقوطه عنه إشكال]

[1825] مسألة 13: لو تبرّع العاجز عن القيام مثلًا عن الميّت ففي سقوطه عنه إشكال [1] (1).

[مسألة 14: لو حصل للأجير سهو أو شكّ يعمل بأحكامه على وفق تقليده أو اجتهاده]

[1826] مسألة 14: لو حصل للأجير سهو أو شكّ يعمل بأحكامه على وفق تقليده أو اجتهاده، و لا يجب عليه إعادة الصلاة (2).

[مسألة 15: يجب على الأجير أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت اجتهاداً أو تقليداً]

[1827] مسألة 15: يجب على الأجير أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت اجتهاداً أو تقليداً، و لا يكفي الإتيان بها على مقتضى تكليف نفسه [2].

____________

تقدّم في القيود المعتبرة في المباشر.

و أمّا الحكم بالانفساخ في ضيق الوقت فهو على إطلاقه غير تامّ، بل يختصّ ذلك بما إذا لم يمكن إيقاع المستأجر عليه في زمان القدرة و الاختيار لعدم سعة الوقت للعمل، فانّ العجز الطارئ حينئذ يكشف عن عدم ملك الأجير لمنافعه فتنفسخ الإجارة لا محالة، بخلاف ما إذا كان الوقت واسعاً و كان قد أخّرهُ اختياراً حتّى عجز، فإنّه لا موجب للحكم بالانفساخ في مثله، و إنما يرجع إلى الأجير بأجرة المثل، فيلزمه دفعها و إن فرض الارتفاع في الأُجرة كما عرفت ذلك سابقاً (1) فلاحظ.

(1) بل ينبغي الجزم بالعدم، كما جزم (قدس سره) بعدم صحة استئجاره في المسألة السابقة، لوحدة المناط فيهما و هو عدم فراغ ذمّة الميّت عن الفائتة و هي الصلاة الاختيارية بذلك، من دون فرق بين الأجير و المتبرّع. فالتفكيك بالجزم في أحدهما و الاستشكال في الآخر في غير محلّه.

(2) هذه من متفرّعات المسألة التالية، و هي أنّ العبرة في الصحّة و في مراعاة‌

____________

[1] و الأظهر عدم السقوط.

[2] هذا إذا أوصى الميت بالاستئجار عنه أو كان الأجير مستنداً في عدم وجوب شرط أو جزء عليه إلى أصل عملي، و أمّا إذا كان مستنداً إلى أمارة معتبرة كاشفة عن عدم اشتغال ذمّة الميّت بأزيد مما يرى وجوبه فالاجتزاء به في فرض عدم الوصية لا يخلو من قوة.

____________

(1) في ص 229.

242

فلو كان يجب عليه تكبير الركوع أو التسبيحات الأربع ثلاثاً أو جلسة الاستراحة اجتهاداً أو تقليداً، و كان في مذهب الأجير عدم وجوبها يجب عليه الإتيان بها. و أمّا لو انعكس فالأحوط الإتيان بها [1] أيضاً، لعدم الصحّة عند الأجير على فرض الترك، و يحتمل الصحّة إذا رضي المستأجر بتركها. و لا ينافي ذلك البطلان في مذهب الأجير إذا كانت المسألة اجتهادية ظنّية، لعدم العلم بالبطلان، فيمكن قصد القربة الاحتمالية، نعم لو علم علماً وجدانياً بالبطلان لم يكف، لعدم إمكان قصد القربة حينئذ، و مع ذلك لا يترك الاحتياط (1).

____________

أحكام الصلاة ممّا يرجع إلى السهو و الشك و غيرهما هل هي بنظر الأجير أو الميت أو غيرهما، و ليست بمسألة مستقلة، و سيأتي الكلام عنها مستقصى.

(1) يقع الكلام تارة في المتبرّع، و أُخرى في الأجير:

إمّا المتبرّع: فلا ريب في كون المدار في تحقّق التبرّع هو الإتيان بصلاة يراها صحيحة و إن لم تكن كذلك بنظر الميت، إلّا أنّه لا تبرأ بها ذمّة الميّت لو كانت فاسدة بنظره، فلا يكتفي الوصيّ بها لو أوصى الميّت بالاستئجار عنه، كما أنّه ليس للوليّ الاكتفاء بها أيضاً حيث لا يراها مفرّغة لذمّة الميّت و إن كانت صحيحة في نظر المتبرّع بها، إذ لا عبرة بنظر المتبرّع في التفريغ كما لا يخفى.

و لو انعكس الأمر بأن كانت صحيحة بنظر الميّت فاسدة عند المتبرّع فان كان المتبرّع جازماً بالبطلان فلا إشكال في الفساد، لعدم تمشّي القربة منه حينئذ.

____________

[1] بل هو الأقوى إذا كان الإيجار على تفريغ ذمّة الميّت، و أما إذا كان على نفس العمل فالأظهر صحّته فيما إذا احتملت صحّة العمل واقعاً، فيجب الإتيان به حينئذ رجاء، هذا بالإضافة إلى الأجير، و أمّا الولي فيجب عليه تفريغ ذمّة الميّت بما يراه صحيحاً و لو كان ذلك بالاستئجار ثانياً.

243

..........

____________

و أمّا إذا استند في الحكم بالبطلان إلى اجتهاد أو تقليد مع احتمال الصحّة واقعاً، فأتى بها مع القربة و لو رجاءً صحّت و حكم حينئذ بفراغ ذمّة الميّت و اكتفى الوصيّ بها أيضاً، بلا حاجة إلى الاستئجار لها، فانّ المكلّف بالعمل كان هو الميت، و المفروض صحّته عنده.

و أمّا اكتفاء الوليّ فمشروط بصحّتها عنده، فإنّه المخاطب بتفريغ ذمّة الميّت و كان اللازم عليه الإتيان بصلاة تكون مصداقاً للتفريغ بنظره، و لا عبرة حينئذ بنظر الميّت فضلًا عن المتبرّع، فاذا كان يراها فاسدة وجب عليه الصلاة ثانياً أو الاستئجار لها.

مثلًا إذا فرضنا أنّ رأي الميت اجتهاداً أو تقليداً كان هو الاكتفاء بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة فصلّى المتبرّع كذلك، و لكن الوليّ كان يرىٰ بأحدهما اعتبار الثلاث، ليس له الاكتفاء بمثل هذه الصلاة، لأنّه يرى عدم فراغ الذمّة بعد، و الخطاب بالتفريغ كما عرفت متوجّه إليه، فلا بدّ من تحصيله العلم بالفراغ على حسب اعتقاده، من دون أن يكون لنظر الميت فضلًا عن المتبرّع أيّ أثر أصلًا، هذا في المتبرع.

و أمّا الأجير: فقد يكون أجيراً عن المتبرّع، و أُخرى عن الوصيّ، و ثالثة عن الولي:

1 الأجير عن المتبرّع: و حكمه حكم المتبرّع، فاذا كانت صلاته صحيحة بنظره أو المستأجر المتبرّع جاء الكلام المتقدّم فيه حرفاً بحرف.

2 الأجير عن الوصيّ: و لا ينبغي الشك في أنّ العبرة حينئذ بنظر الميّت فإنّ الوصيّة بنفسها تكون قرينة على ذلك، حيث إنّ معناها هو أن يؤتى بعمل لو كان الموصي متمكّناً منه لكان قد أتى به، فيكون الموصى به هو الصحيح عند الموصي، و لهذه القرينة يجب على الوصيّ أن يستأجر من يراعي نظر الميّت.

نعم، لا بدّ من صحّة العمل عند الأجير و لو احتمالًا، إذ مع اعتقاده الفساد‌

244

..........

____________

لا يتمشّى منه قصد القربة كما مرّ. و على الجملة: فالاعتبار بالصحّة في مورد الوصيّة بنظر الموصي، دون الوصيّ و دون الأجير.

3 الأجير عن الوليّ: و يقع الكلام فيه تارة في وظيفة الأجير، و أُخرى في وظيفة الوليّ من حيث الاكتفاء بهذا العمل.

أمّا وظيفة الأجير: فقد يفرض كونه أجيراً على مجرّد الصلاة عن الميّت و أُخرى على تفريغ ذمّته.

أمّا إذا كانت الإجارة على النحو الأوّل فلا ريب في استحقاقه الأُجرة إذا أتى بالصلاة الصحيحة بنظره و إن كانت فاسدة بنظر الميّت، فإنّه إنّما استؤجر للصلاة الصحيحة، و الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية، فكلّ ما يراه الأجير مصداقاً للصحيح ينطبق عليه العمل المستأجر عليه فيستحقّ الأُجرة بذلك سواء أ كان مطابقاً لمذهب الميّت أم لم يكن.

فالعبرة في الوفاء بعقد الإجارة بمراعاة نظره بالإتيان بما يعتقده صحيحاً، لا نظر الميت. و لا إشكال حينئذ من ناحية الإجارة. و أمّا وظيفة الولي من حيث الاكتفاء بذلك و عدمه فستعرفها.

و إذا كانت الإجارة على النحو الثاني، بأن كان المستأجر عليه هو عنوان تفريغ الذمّة، فلا مناص له إذن من الإتيان بعمل يراه مبرئاً لذمّة الميّت، فان توافق مذهباهما في ذلك فلا كلام، و إن تخالفا كما لو اعتقد الأجير كفاية التسبيحات الأربع مرّة واحدة و كان الميت يرى اعتبار الثلاث.

فان استند الأجير في اعتقاده إلى الدليل الاجتهادي اجتهاداً أو تقليداً جاز له التعويل على رأيه في الحكم بالتفريغ، فانّ مفاد الدليل الاجتهادي إنّما هو كون مؤداه هو الحكم الواقعي الثابت في الشريعة على كلّ أحد و منهم الميت. فيكون من قام عنده مثل ذلك و هو الأجير على الفرض يرى عدم اشتغال ذمّة الميّت بأكثر من التسبيحات الأربع مرّة واحدة، و أنّها تكون مبرئة لذمّته فلا يكون ملزماً بمراعاة نظر الميّت و هو يرى خطأه في ذلك، بل يكتفي بالواحدة المحقّقة لعنوان التفريغ.

245

..........

____________

و أمّا إذا كان مستنده في ذلك هو الأصل العملي بأن كان نفي الثلاث عنده بأصالة البراءة عنه، بناءً منه على جريانها في الأقل و الأكثر الارتباطيين، لا لدليل اجتهادي على النفي، و لكن الميت كان يذهب إلىٰ الثلاث للدليل الاجتهادي أو للأصل العملي و هو أصالة الاشتغال، لبنائه على كون المرجع في الأقل و الأكثر الارتباطيين هو ذلك، فمن الواضح حينئذ أنّ الأصل المعتبر عند الأجير ممّا لا يترتب عليه فراغ ذمّة الميّت.

فإنّ غاية ما يترتّب على أصالة البراءة إنّما هو نفي التنجيز عمّن جرت في حقّه و هو الأجير، لا مطلقاً، و حيث إنّ الميّت لم يكن يرى ذلك كان التكليف الواقعي متنجّزاً في حقّه، و عليه فلا قطع بالفراغ إلّا بمراعاة ما هو الصحيح عند الميّت، فلا تكفي الصحّة بنظر الأجير، هذا كله في وظيفة الأجير.

و أمّا وظيفة الوليّ: فإن كان يرى صحّة العمل الصادر من الأجير اكتفى به و إن لم يكن صحيحاً عند الميت، بل و لا عند الأجير أيضاً كما إذا كان الأجير قد أتى به رجاء مع عدم اعتقاده بصحّته، و إلّا لزمه الإتيان بما يعتقد صحّته أو الاستئجار لذلك.

و الوجه فيه: ما عرفت من توجيه الخطاب بالتفريغ إلى الوليّ نفسه، فإنّه المأمور بالقضاء عن والده، فتكون العبرة بما يراه مصداقاً للصحيح و محقّقاً لعنوان التفريغ، و لا أثر حينئذ لنظر الميّت و لا الأجير.

نعم، لا يجب عليه قضاء الصلوات التي أتى الميّت بها حال حياته إذا كانت فاقدة لشرط الصحّة بنظر الوليّ بأن كانت فاقدة للسورة، أو مع الاقتصار على التسبيحات الأربع مرّة واحدة، و ذلك لحديث «لا تعاد الصلاة ...» (1)، و إنّما يختصّ ذلك بما فات الميّت من الصلوات، حيث يجب عليه قضاؤها على الوجه الصحيح عنده.

و على الجملة: يختلف الحال في هذه الموارد حسبما عرفت، فلا مجال لإطلاق‌

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

246

..........

____________

القول بأنّ العبرة بنظر الأجير أو الميّت، إذ قد لا تكون العبرة بهذا و لا بذاك بل بنظر الوليّ فقط كما ذكرناه أخيراً. فاللازم هو التفصيل في المسألة على النحو الذي ذكرناه.

هذا كلّه في فرض العلم باختلاف مذهب الأجير و الميّت، و أمّا مع الشكّ في ذلك كما هو الغالب فلا يجب الفحص، كما هو المتعارف خارجاً في مقام الاستئجار، من دون سؤال عن نظر الأجير في الصلاة أو مقدّماتها و كونه مطابقاً لنظر الميّت أو لا، اعتماداً على أصالة الصحّة بعد فرض كون الأجير ثقة، فإنّ الأصل مطابقة عمله لما هو الصحيح عند اللّٰه.

و بما أنّ ذمّة الميّت تكون مشغولة بمثل ذلك أيضاً فيبني لا محالة على المطابقة حملًا لفعل الأجير على الصحّة. فيختصّ محلّ الكلام في المسألة بصورة العلم باختلافهما، و أمّا مع الجهل به فضلًا عن العلم بالاتفاق فلا كلام أصلًا.

و ملخّص ما ذكرناه في المسألة هو: أنّ النائب إمّا أن يكون متبرّعاً، أو وصيّاً، أو أجيراً، أو ولياً.

أمّا المتبرع فلا يعتبر في حقّه سوى الإتيان بالصحيح عنده قطعاً أو ما يكون محتملة رجاءً، لعدم ثبوت تكليفه بشي‌ء، فيجوز له الاكتفاء بما يراه صحيحاً و لو رجاءً.

و أمّا الوصيّ فتكليفه العمل على طبق الوصيّة، و هي ظاهرة في الإتيان بما هو وظيفة الميّت، فلا عبرة بنظر الوصيّ، إذ لا شأن له عدا الوساطة في تحقّق العمل على النحو الذي كان الموصي يحقّقه لو كان حياً.

و أمّا الأجير فوظيفته الإتيان بما استؤجر عليه كيف ما كان، و يعتبر فيه أن لا يكون الأجير جازماً بفساده، لعدم تمشّي قصد القربة منه حينئذ فيبطل العمل، فلو كان صحيحاً عنده و لو رجاءً استحقّ الأُجرة، طابق نظر الوصيّ أو الميّت أم لا، فإنّ العبرة في صحّة الإجارة بكون العمل قابلًا للإيجار، فيكفي مجرّد احتمال الصحّة، إلّا إذا اعتبر في الإجارة كيفيّة خاصة كمراعاة نظر الوصيّ أو الميّت أو نحو ذلك فيجب حينئذ رعايتها عملًا بالشرط.

247

[مسألة 16: يجوز استئجار كلّ من الرجل و المرأة للآخر]

[1828] مسألة 16: يجوز استئجار كلّ من الرجل و المرأة للآخر (1). و في الجهر و الإخفات يراعى حال المباشر، فالرجل يجهر في الجهرية و إن كان نائباً عن المرأة، و المرأة مخيّرة و إن كانت نائبة عن الرجل.

____________

نعم، لو كانت الإجارة واقعة على عنوان التفريغ لزم الإتيان بما يكون مبرئاً لذمّة الميّت على التفصيل المتقدّم.

و أمّا الوليّ فحيث يكون مأموراً من قبل اللّٰه سبحانه بالعمل فلا محالة يلزمه الإتيان بما يعتقد صحته مباشرة أو تسبيباً، و لا عبرة حينئذ بنظر الميّت و لا الأجير.

(1) هذا منصوص عليه في باب الحجّ (1)، و أمّا غيره من الصلاة و الصوم و نحوهما فلم نجد نصّاً صريحاً فيه، بل مورد أكثر النصوص هو نيابة الرجل عن مثله (2)، إلّا أنّه لا ريب في التعدّي عنه إلى المرأة أيضاً، لعدم فهم الخصوصية قطعاً، كما هو الحال في سائر النصوص المتضمّنة للأحكام، حيث كان السؤال خاصّاً بالرجل كقوله: عن الرجل يحدث في صلاته (3) أو يضحك (4) و نحو ذلك، و لكن لعدم استظهار بل و لا استشعار الخصوصية يتعدّى منه إلى المرأة بلا إشكال.

على أنّ صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة مطلقة تشمل الرجل و المرأة، فقد ورد فيها: «و الولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحجّ و يتصدّق و يعتق عنهما و يصلّي و يصوم عنهما ...» (5)، فانّ الولد عامّ يشمل الذكر و الأُنثى.

____________

(1) الوسائل 11: 176/ أبواب النيابة في الحج ب 8.

(2) الوسائل 8: 276/ أبواب قضاء الصلوات ب 12.

(3) الوسائل 7: 234/ أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 5 و غيره.

(4) [لاحظ الوسائل 7: 250/ أبواب قواطع الصلاة ب 7، حيث لم يكن السؤال خاصاً بالرجل].

(5) الوسائل 2: 444/ أبواب الاحتضار ب 28 ح 6.

248

[مسألة 17: يجوز مع عدم اشتراط الانفراد الإتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة]

[1829] مسألة 17: يجوز مع عدم اشتراط الانفراد الإتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة (1) إماماً كان الأجير أو مأموماً، لكن يشكل الاقتداء بمن يصلّي الاستئجاري إلّا إذا علم اشتغال ذمّة من ينوب عنه بتلك الصلاة (2) و ذلك لغلبة [1] كون الصلوات الاستيجارية احتياطية.

____________

إذن فلا ينبغي الشكّ في جواز نيابة كلّ من الرجل و المرأة عن الآخر تطوعاً أو استئجاراً، بل الحكم ممّا تسالم الكلّ عليه.

و عليه فلا بدّ للمصلّي من رعاية حال نفسه من حيث شرائط الصلاة، دون المنوب عنه، فالمرأة تستر جميع بدنها، و تتخيّر بين الجهر و الإخفات و إن كان المنوب عنه رجلًا، كما أنّ الرجل يتعيّن عليه الجهر في الجهرية، و لا يجوز له لبس الذهب و لا الحرير و إن ناب عن المرأة. فاللازم هو مراعاة المباشر حال نفسه، فإنّ الشرائط المذكورة عائدة في الحقيقة إلى المصلّي دون الصلاة.

صلاة الأجير جماعة:

(1) سيأتي في محلّه (1) إن شاء اللّٰه تعالى صحّة القضاء جماعة إماماً و مأموماً من دون فرق بين القضاء عن نفسه و عن الغير، و عليه فمع عدم اشتراط الانفراد يجوز الإتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة.

(2) إذ يشترط في صحّة الاقتداء بالقاضي عن نفسه أو عن الغير أن يكون القضاء يقينياً ليحرز الأمر به، فلو كانت صلاة الإمام احتياطية عن نفسه أو عن الغير تبرّعاً أو استئجاراً لم تحرز صحّتها حينئذ، للشكّ في تعلّق الأمر بها فلعلّها تكون صورة الصلاة دون حقيقتها، فلا يكفي مثل ذلك لترتيب أحكام الجماعة، هذا.

____________

[1] لا يحتاج عدم الجواز في الفرض إلى ثبوت الغلبة المزبورة، فإنّ الشكّ في كون صلاة الإمام مأموراً بها في الواقع يكفي في عدم جواز الاقتداء به.

____________

(1) شرح العروة 17: 7.

249

[مسألة 18: يجب على القاضي عن الميت أيضاً مراعاة الترتيب]

[1830] مسألة 18: يجب على القاضي عن الميت أيضاً مراعاة الترتيب [1] في فوائته مع العلم به، و مع الجهل يجب اشتراط التكرار المحصّل له، خصوصاً إذا علم أنّ الميّت كان عالماً بالترتيب (1).

____________

و قد علّل الحكم في المتن بغلبة كون الصلوات الاستيجارية احتياطية.

و لكنّك خبير بأنّ الغلبة و إن كانت مسلّمة، فإنّ الغالب في باب الاستئجار هو مراعاة الاحتياط في كميّة الصلوات، إلّا أنّه لا حاجة إلى إثبات كونها احتياطية بالغلبة، بل مجرّد احتمال كونها احتياطية يكفي في الحكم بالعدم، لما عرفت من اشتراط الائتمام بإحراز الصحّة في صلاة الإمام، و مع الشكّ في ثبوت الأمر لا تكون الصحّة محرزة.

و توهّم الاستناد في صحّتها إلى أصالة الصحّة الجارية في صلاة الإمام ساقط جدّاً، لما هو المقرّر في محلّه (1) من كون مجرى الأصل المذكور هو الشكّ في انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً بعد الفراغ عن ثبوت الأمر، و أمّا مع الشك في أصل الأمر كما في المقام فلا مجال لإثباته بأصالة الصحّة، فالأصل المذكور إنّما يتكفّل بإثبات الانطباق، و لا يتكفّل بإثبات الأمر نفسه.

اعتبار الترتيب:

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة و كذا في المسألة الآتية للترتيب المعتبر في القضاء الذي لا يفرّق فيه بين القضاء عن نفسه و القضاء عن الغير. فيجب على القاضي عن الميّت رعايته أيضاً، و لأجل ذلك لو كان القاضي اثنين أو أكثر لزم كلا منهما إتمام الدور، و أن لا يشرع الآخر إلّا بعد ختم الأوّل لا في أثنائه.

____________

[1] مرّ عدم وجوب الترتيب في القضاء إلّا في المترتبتين بالأصالة، و به يظهر الحال في المسألة الآتية.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 325.

250

[مسألة 19: إذا استؤجر لفوائت الميّت جماعة يجب أن يعيّن الوقت لكلّ منهم ليحصل الترتيب الواجب]

[1831] مسألة 19: إذا استؤجر لفوائت الميّت جماعة يجب أن يعيّن الوقت لكلّ منهم ليحصل الترتيب الواجب، و أن يعيّن لكلّ منهم أن يبدأ في دوره بالصلاة الفلانية مثل الظهر، و أن يتمّ اليوم و الليلة في دوره، و أنّه إن لم يتمّ اليوم و الليلة بل مضى وقته و هو في الأثناء أن لا يحسب ما أتى به و إلّا لاختلّ الترتيب، مثلًا إذا صلّى الظهر و العصر فمضى وقته، أو ترك البقية مع بقاء الوقت ففي اليوم الآخر يبدأ بالظهر، و لا يحسب ما أتى به من الصلاتين.

[مسألة 20: لا تفرغ ذمّة الميّت بمجرّد الاستئجار]

[1832] مسألة 20: لا تفرغ ذمّة الميّت بمجرّد الاستئجار (1)، بل يتوقّف على الإتيان بالعمل صحيحاً، فلو علم عدم إتيان الأجير أو أنّه أتى به باطلًا وجب الاستئجار ثانياً، و يقبل قول الأجير بالإتيان به صحيحاً (2)

____________

إلّا أنّ هذا كلّه مبني على اعتبار الترتيب في القضاء، و قد عرفت (1) عدم الدليل عليه في غير المترتّبتين بالأصل كالظهرين و العشاءين، و عليه فلا يجب شي‌ء ممّا ذكره (قدس سره) في المقام و إن كان أحوط.

(1) فإنّ اللازم تفريغ ذمّة الميّت، و هو لا يتحقّق إلّا بإيقاع الصلاة الصحيحة في الخارج، و الاستئجار مقدّمة له، لا أنّه بدل عنها كي يكتفى به فلو ترك الأجير الصلاة عصياناً أو لعذر أو أتى بها فاسدة كانت ذمّة الميّت مشغولة بها بعد، و كذا الحال في الصوم و الحجّ و غيرهما.

و على الجملة: يحب تفريغ الذمّة بالإتيان بما هو مصداق لما اشتغلت به و الاستئجار لا يكون مصداقاً له ليحصل به التفريغ.

(2) إذا كان ثقة و إن لم يكن عدلًا، لحجيّة خبر الثقة في الموضوعات كالأحكام كما مرّ (2).

____________

(1) في ص 136 و ما بعدها.

(2) في ص 235.

251

بل الظاهر جواز الاكتفاء ما لم يعلم عدمه [1] حملًا لفعله على الصحّة إذا انقضى وقته، و أمّا إذا مات قبل انقضاء المدّة فيشكل الحال، و الأحوط تجديد استئجار مقدار ما يحتمل بقاؤه من العمل (1).

____________

(1) إذا لم يخبر الأجير بذلك فهل يمكن البناء على الإتيان [به] صحيحاً تمسّكاً بأصالة الصحة؟

فصّل (قدس سره) في ذلك بين ما إذا انقضت المدّة المضروبة للعمل، و ما إذا لم تنقض بعدُ كما إذا استؤجر للنيابة سنة واحدة على أن يأتي بالعمل خلال ثلاثة أشهر فمات النائب أثناء المدّة و احتمل في حقّه البدار و الإتيان بتمام العمل، فاختار في الأوّل البناء على ذلك حملًا لفعل المسلم على الصحيح، دون الثاني لجواز التأخير في حقّه مع سعة الوقت.

قلت: أصالة الصحّة تأتي بمعنيين:

أحدهما: الحكم بتنزيه المسلم عن الفسق و ارتكاب ما هو قبيح و عدم إساءة الظن به، بدون الالتزام بصدور الفعل الصحيح منه حتّى يترتّب عليه أحكامه الواقعية، كما إذا تردّد الكلام الصادر منه بين السبّ و السلام، حيث يبنى حينئذ على عدم صدور الحرام، لا على تحقّق السلام كي يجب الردّ. و لا شكّ في جريان الأصل بالمعنى المذكور في المقام، فيبنى على تنزّه الأجير عن ارتكاب القبيح، و هو عدم الوفاء بعقد الإجارة.

و الآخر: الحكم بصحّة العمل و ترتيب آثار العمل الصحيح عليه، و هذا موقوف على إحراز أصل العمل خارجاً و تمحّض الشكّ في صحّته و فساده كما إذا رأينا من يصلّي على الميّت و شككنا في صحّة صلاته، حيث يبني على الصحّة و لا يعبأ باحتمال بقاء الوجوب الكفائي.

و كذا الحال في سائر تجهيزات الميّت من غسله و كفنه و دفنه، بل و كذا في‌

____________

[1] فيه إشكال بل منع، نعم لو علم وجود العمل و شك في فساده حمل على الصحة.

252

[مسألة 21: لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل إلّا مع إذن المستأجر]

[1833] مسألة 21: لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل (1) إلّا مع إذن المستأجر أو كون الإجارة واقعة على تحصيل العمل أعمّ من المباشرة و التسبيب، و حينئذ فلا يجوز أن يستأجر بأقلّ من الأُجرة المجعولة له، إلّا أن يكون آتياً ببعض العمل و لو قليلًا (2).

____________

غير هذا المورد من البيع و النكاح و الطلاق و غيرها من الأفعال الصادرة من المسلم، و من جملتها فعل الأجير، فيحمل الجميع على الصحيح، لكن بعد إحراز أصل العمل. و أمّا مع الشكّ في صدور الفعل كما في المقام فلا مجال لذلك، حيث لا موضوع للحمل على الصحّة، فأيّ شي‌ء يحمل عليها؟

و عليه فلا يمكن الحكم بفراغ ذمّة الميّت في محلّ الكلام إلّا بما علم إتيان الأجير به، من دون فرق بين انقضاء المدّة و عدمه. و التصدّي للتصحيح في الأوّل بقاعدة الحيلولة كما ترى، لاختصاص دليلها بالموقّتات بالأصالة و بعمل الشخص نفسه. فالتعدّي إلى عمل الغير سيما في الموقّت بالعرض موقوف على دليل مفقود.

استئجار الأجيرِ الغيرَ:

(1) فانّ ظاهر الإجارة اعتبار المباشرة، فلا يكون فعل الغير مصداقاً للعمل المستأجر عليه إلّا إذا رضي به المستأجر الأوّل الراجع ذلك إلى تعويض ما كان يملكه في ذمّة الأجير بفعل الغير، أو كانت الإجارة واقعة على ذات العمل الأعم من المباشري و التسبيبي.

(2) أو كانت الإجارة الثانية بجنس آخر، فانّ مقتضى القاعدة و إن كان هو الجواز مطلقاً إلّا أنّ بعض النصوص الواردة في باب الإجارة قد منعت عن مثل ذلك، فقد ورد في غير واحد من النصوص أنّ «فضل الأجير حرام» (1)، فكأنّه‌

____________

(1) الوسائل 19: 125/ كتاب الإجارة ب 20 ح 2 5.

253

[مسألة 22: إذا تبرّع متبرّع عن الميّت قبل عمل الأجير ففرغت ذمّة الميّت]

[1834] مسألة 22: إذا تبرّع متبرّع عن الميّت قبل عمل الأجير ففرغت ذمّة الميّت انفسخت الإجارة [1] (1)، فيرجع المؤجر بالأُجرة أو ببقيتها إن أتى ببعض العمل،

____________

بحكم الربا.

نعم، لو أتى الأجير ببعض العمل و لو يسيراً كما لو فصّل الخياط الثوب فاستأجر الغير للخياطة بالأقل، أو اختلفت الإجارتان في الجنس بأن استؤجر للعمل بالدرهم مثلًا و استأجر غيره بالدينار، لم يكن به بأس و إن كان الفضل كثيراً، و ذلك للنصّ كما يأتي الكلام حول ذلك مستقصى في بحث الإجارة إن شاء اللّٰه، و كأنّه بذلك يخرج عن الشبه بالربا (1).

(1) لعدم قدرة الأجير على التسليم بعد افتراض فراغ ذمّة الميّت بعمل المتبرّع، و حينئذ فيرجع المستأجر بتمام الأُجرة أو بعضها إذا كان الأجير قد أتى بالبعض.

و هذا على إطلاقه لا يتمّ، بل الصحيح هو التفصيل في المقام، فإنّ الإجارة قد تقع على ذات العمل لكن بداعي تفريغ ذمّة الميّت، و قد تقع على عنوان التفريغ.

أمّا في الأوّل: فلا وجه لانفساخ الإجارة، لتمكّن الأجير حينئذ من الإتيان بالعمل، لاحتمال اشتغال ذمّة الميّت بعد التبرّع، لجواز فساد عمل المتبرّع و لو واقعاً، فتكون النيابة عن الميّت مشروعة و محكوماً عليها بالصحّة، فيكون‌

____________

[1] هذا إذا وقع الإيجار على تفريغ ذمّة الميت و لم يمض زمان يتمكّن الأجير فيه من الإتيان بالعمل، و إلا لم تنفسخ الإجارة و كانت عليه عندئذ اجرة المثل على تقدير عدم فسخ المستأجر و أما إذ وقع على ذات العمل بداعي التفريغ و احتمل فساد عمل المتبرع واقعاً فلا وجه للانفساخ أصلًا، حيث إنّ العمل مع هذا الاحتمال مشروع فيجب على الأجير العمل على طبق الإجارة.

____________

(1) و لتوضيح المقام لاحظ ما حرّرناه في كتاب الإجارة من مستند العروة: 282.

254

نعم لو تبرّع متبرّع عن الأجير ملك الأُجرة [1] (1).

____________

الأجير قادراً على التسليم حينئذ، فما هو الموجب للانفساخ؟ و من المعلوم أنّ تخلّف الداعي لا يقدح في الصحّة. ففي هذه الصورة و هي الغالبة لا ينبغي الشكّ في عدم الانفساخ.

و أمّا الثاني: أعني به وقوع الإيجار على تفريغ ذمّة الميّت.

فقد يفرض تمكّن الأجير من الإتيان بالعمل قبل التبرّع و لكنّه أخّره باختياره لسعة الوقت فاتفق التبرّع فحصل العجز و تعذّر عليه التسليم بقاءً بعد تمكّنه منه حدوثاً، و حينئذ فلا مجال أيضاً للانفساخ، فانّ العجز الطارئ لا يوجبه، غايته ثبوت الخيار للمستأجر.

فلو أمضى طالبَ الأجيرَ بقيمة ما بقي في ذمّته، لتعذّر التسليم الموجب للانتقال إلى البدل، كما هو الحال في البيع، فلو باع الكلّي و كان قادراً على التسليم فلم يسلّم إلى أن طرأ عليه العجز عنه كان للمشتري خيار تعذّر التسليم، فيطالبه بقيمة المثل لو أمضى المبيع، و إلّا رجع بالثمن.

و قد يفرض عجزه عن ذلك حدوثاً و بقاءً كما لو كان مريضاً من الأوّل و برئ منه بعد حصول التبرّع فلم يكن قادراً على التسليم في شي‌ء من الوقت المحدّد للعمل، و حينئذ يحكم بانفساخ الإجارة لا محالة، لكشف العجز عن عدم ملكه المنفعة من الأوّل، و يرجع المستأجر بنفس الأُجرة.

فالحكم ببطلان العقد يختصّ بهذه الصورة، و لا يأتي في الصورتين المتقدّمتين. هذا كلّه في التبرّع عن الميّت، و ستعرف بعد هذا حكم التبرّع عن الأجير.

(1) شريطة وقوع الإجارة على ذات العمل الأعمّ من المباشري و التسبيبي فانّ عمل المتبرّع حينئذ مصداق لما في ذمّة الأجير، فيكون ذلك من قبيل أداء‌

____________

[1] هذا إذا لم تكن الإجارة مقيّدة بالمباشرة.

255

[مسألة 23: إذا تبيّن بطلان الإجارة بعد العمل استحقّ الأجير اجرة المثل بعمله]

[1835] مسألة 23: إذا تبيّن بطلان الإجارة بعد العمل استحقّ الأجير اجرة المثل بعمله، و كذا إذا فسخت الإجارة من جهة الغبن لأحد الطرفين (1).

____________

دين الغير، الجائز ببناء العقلاء و النصوص الخاصّة (1). فيستحقّ الأُجرة بعد انطباق ما اشتغلت به الذمّة من الطبيعي على فعل المتبرّع كما هو ظاهر.

و أمّا إذا كانت الإجارة واقعة على العمل المباشري فقط فلا ينفع فعل المتبرّع بالنسبة إلى الأجير، و إن انتفع الميّت به بفراغ ذمّته، فتعود الفائدة منه إليه فقط، و ليس للأجير الاكتفاء به.

و في انفساخ الإجارة حينئذ ما تقدّم في التبرّع عن الميّت، فيحكم بالانفساخ مع وقوع الإجارة على عنوان التفريغ و عجز الأجير من ذلك حدوثاً و بقاءً، و بثبوت الخيار مع العجز الطارئ. كما أنّه مع تعلّق الإجارة بالصلاة بداعي التفريغ يحكم بلزوم العقد، فيجب على الأجير الإتيان بالعمل ثانياً، لاحتمال الفساد الواقعي في فعل المتبرّع على التفصيل المتقدّم فلاحظ.

(1) إذا انكشف بطلان الإجارة لفقد شرط من شروطها كما إذا كانت المدّة مجهولة، أو أُكره أحدهما على العقد، أو انكشف موجب للخيار كالغبن من أحد الطرفين ففسخ صاحبه، إلى غير ذلك من موجبات الانحلال حدوثاً أو بقاءً فان لم يكن الأجير قد أتى بشي‌ء فلا كلام.

و أمّا إذا كان آتياً بالعمل كلا أو بعضاً استحق من اجرة المثل بمقدار ما عمله و ذلك لقاعدة: كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. و الإجارة من العقود الضمانيّة، ففاسدها يوجب الضمان بأُجرة المثل كما يوجب صحيحها ضمان المسمّى.

و المستند لهذه القاعدة أنّ المقدم على المعاملة الضمانيّة لم يقدِم على إتلاف ماله أو عمله مجّاناً، بل بإزاء عوض، و حيث كان عمله في المقام محترماً استحقّ الأُجرة بإزائه لا محالة.

____________

(1) الوسائل 20: 46/ أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 12 ح 6 و غيره.

256

[مسألة 24: إذا آجر نفسه لصلاة أربع ركعات من الزوال من يوم معيّن إلى الغروب]

[1836] مسألة 24: إذا آجر نفسه لصلاة أربع ركعات من الزوال من يوم معيّن إلى الغروب فأخّر حتّى بقي من الوقت مقدار أربع ركعات و لم يصلّ صلاة عصر ذلك اليوم، ففي وجوب صرف الوقت في صلاة نفسه أو الصلاة الاستيجارية إشكال [1] من أهمّية صلاة الوقت، و من كون صلاة الغير من قبيل حقّ الناس المقدّم على حقّ اللّٰه (1).

____________

(1) موضوع البحث هو ما إذا وقعت المزاحمة بين فريضة الوقت و بين واجب آخر مالي، من دون فرق بين الصلاة الاستيجارية و غيرها، كما إذا وقعت المزاحمة بين فريضة الوقت و بين الخياطة أو الكتابة و نحوهما لكونه أجيراً على الإتيان بذلك، و كما إذا كان دين مطالب مزاحم بفريضة الوقت. فلا يختصّ ذلك بما فرضه المصنف (قدس سره) في المتن، لعموم الملاك.

و كيف كان، فقد استشكل (قدس سره) في تقديم أحدهما على الآخر من جهة أهميّة فريضة الوقت، و من كون الواجب الآخر من حقّ الناس المقدّم على حقّ اللّٰه تعالى.

و لكن لا مجال لذلك، بل لا ينبغي التأمّل في تقديم فريضة الوقت، فإنّ الصلاة عمود الدين (1) و ممّا بني عليها الإسلام (2) و هي المائز بين المسلم و الكافر (3)، إلى غير ذلك ممّا ورد في أخبار الباب، الكاشف ذلك عمّا لها من أهميّة بالإضافة إلى سائر الواجبات إلّا النادر منها كحفظ النفس المحترمة و حفظ بيضة الإسلام. فهي مقدّمة على غيرها من الواجبات عند المزاحمة، و لا تحتمل أهميّة غيرها كي يتردّد في المسألة.

____________

[1] لا ينبغي الإشكال في تقدّم صلاة نفسه.

____________

(1) الوسائل 4: 27/ أبواب أعداد الفرائض ب 6 ح 12.

(2) الوسائل 1: 13/ أبواب مقدمة العبادات ب 1.

(3) الوسائل 4: 42/ أبواب أعداد الفرائض ب 11 ح 6، 7.