موسوعة الإمام الخوئي - ج16

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
304 /
257

..........

____________

و أمّا لزوم تقديم حقّ الناس على حقّ اللّٰه سبحانه فيختصّ بموارد تساوي الواجبين المتزاحمين في الرتبة مع زيادة أحدهما على الآخر بكونه حقّ الناس كما لو كان مكلّفاً بالحج من السنة السابقة و كان مكلّفاً بأداء الدين أيضاً، فإنّ هذه المزيّة في مسألة الدين تستوجب أهميّة أحد المتزاحمين بالنسبة إلى الآخر قطعاً أو احتمالًا فيتقدّم.

و لا يتمّ ذلك فيما إذا اختلف المتزاحمان في المرتبة و بحسب الملاك بأن كان أحدهما أهمّ من الآخر مطلقاً حتّى و لو كان الآخر حقّا مالياً كما في المقام، فإنّ الأهم حينئذ يتقدّم على غيره قطعاً، و لا مجال فيه للترديد، فضلًا عن تقديم الحقّ المالي على الحق الإلهي.

و قد يقال بانفساخ الإجارة في مفروض الكلام، فانّ صحّتها مشروطة بالقدرة على العمل حدوثاً و بقاء. فلو طرأ العجز و تعذّر العمل بقاء و لو لأجل المانع الشرعي الذي هو في حكم المانع العقلي كشف ذلك عن بطلان العقد من أوّل الأمر، لارتفاع الموضوع، فلا تصل النوبة إلى المزاحمة حتى يتردّد في التقديم.

و فيه ما لا يخفى، لعدم الدليل على الاشتراط بالقدرة بقاءً، و إنّما المعتبر هي القدرة على الفعل حدوثاً فقط، ليكون مالكاً له حال التمليك، فلا يكون العجز الطارئ قادحاً في صحّة التمليك و لزومه لا في الإجارة و لا في البيع كما مرّت الإشارة إليه (1).

فالمدار في الصحة حدوثاً و بقاءً على مجرّد القدرة على التسليم حدوثاً، أي في ظرف التمليك، حتّى لا يملّك ما لا سلطنة له عليه، و هو متحقّق في المقام، لا أنّ الصحة بقاءً تدور مدار القدرة بقاءً، نعم العجز الطارئ يوجب الانتقال إلى البدل، فيرجع المستأجر في المقام إلى الأجير بأُجرة المثل، كما أنّ للأجير أن‌

____________

(1) في ص 254.

258

[مسألة 25: إذا انقضى الوقت المضروب للصلاة الاستيجارية و لم يأت بها أو بقي منها بقيّة]

[1837] مسألة 25: إذا انقضى الوقت المضروب للصلاة الاستيجارية و لم يأت بها أو بقي منها بقيّة، لا يجوز له أن يأتي بها بعد الوقت إلّا بإذن جديد من المستأجر (1).

[مسألة 26: يجب تعيين الميّت المنوب عنه، و يكفي الإجمالي]

[1838] مسألة 26: يجب تعيين الميّت المنوب عنه (2)، و يكفي الإجمالي، فلا يجب ذكر اسمه عند العمل، بل يكفي من قَصَده المستأجر، أو صاحب المال، أو نحو ذلك.

[مسألة 27: إذا لم يعيّن كيفية العمل من حيث الإتيان بالمستحبّات]

[1839] مسألة 27: إذا لم يعيّن كيفية العمل من حيث الإتيان بالمستحبّات يجب الإتيان على الوجه المتعارف (3).

____________

يطالبه بالمسمّى بمقتضى صحّة الإجارة.

(1) الحكم في كلّ من المستثنى و المستثنى منه ظاهر، فإنّ الصلاة كلّا أو بعضاً خارج الوقت المضروب للعمل ليست مصداقاً للمستأجر عليه، فلا يكون وفاء بالعقد إلّا برضا المستأجر، الراجع إلى إسقاط الشرط و إجراء معاوضة جديدة مع الأجير.

(2) فإنّ الكلّي الذي اشتغلت به الذمّة ممّا لا يتعيّن بدون القصد، حيث لا تعيّن له واقعاً بغير ذلك، نعم لا يعتبر التفصيلي كذكر اسمه عند العمل، بل يكفي الإجمالي و الإشارة على نحو يوجب التعيين كالأمثلة المذكورة في المتن.

انصراف الإجارة إلى المتعارف:

(3) لانصراف الإطلاق إليه، الذي هو في قوة الاشتراط، فيجب القنوت و جلسة الاستراحة بناء على عدم وجوبهما لعدم تعارف الصلاة عندنا بدونهما، و أمّا الصلاة على النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بعد ذكرى الركوع و السجود فلا تجب ما لم يصرّح بها في العقد، لعدم التعارف الموجب لانصراف الإطلاق.

259

[مسألة 28: إذا نسي بعض المستحبّات التي اشترطت عليه أو بعض الواجبات ممّا عدا الأركان]

[1840] مسألة 28: إذا نسي بعض المستحبّات التي اشترطت عليه أو بعض الواجبات ممّا عدا الأركان (1)، فالظاهر نقصان الأُجرة بالنسبة [1] إلّا إذا كان المقصود تفريغ الذمّة على الوجه الصحيح (2).

____________

(1) قد عرفت لزوم الإتيان بالمستحبّات المتعارفة، نظراً إلى انصراف الإطلاق إليها، و حيث إنّه أي الانصراف خاصّ بحال الذكر فلا جرم لا يترتّب على نسيانها شي‌ء.

و أمّا الواجبات غير الركنية فهي و إن كانت ملحوظة في عقد الإجارة لا محالة، لانصرافه إلى العمل الصحيح، لكنّها لمّا لم تكن ملحوظة على سبيل الاستقلال بل باعتبار الدخل في الصحّة و هو مختصّ بحال الذكر فلا يترتّب على نسيانها شي‌ء أيضاً.

هذا كلّه مع إطلاق العقد، و أمّا مع التصريح بهما في متنه فان كان على سبيل الجزئية للعمل المستأجر عليه بحيث قوبل كلّ منهما بجزء من الأُجرة تعيّن التقسيط لدى النسيان، فينقص من الأُجرة بالنسبة، لمكان تبعّض الصفقة.

و أمّا إذا كان على سبيل الاشتراط فلم يترتّب على نسيانهما ما عدا خيار تخلّف الشرط، فلو فسخ المستأجر رجع إلى الأجير بأُجرة المسمّى و رجع الأجير إليه بأُجرة المثل.

(2) يعني وقعت الإجارة على عنوان التفريغ بالوجه الصحيح، و إن لم تكن العبارة وافية بذلك، و حينئذ فلا موجب للتقسيط، لحصول التفريغ بعد الحكم بالصحّة في فرض نسيان الجزء غير الركني بطبيعة الحال.

____________

[1] الظاهر أنّ متعلّق الإجارة ينصرف إلى الصحيح، فلا يؤثر نسيان جزء غير ركني في استحقاق الأُجرة شيئاً، و أما الأجزاء المستحبة فالمتعارف منها و إن كان داخلًا في متعلق الإجارة بحسب الإطلاق إلا أنه منصرف عن صورة النسيان فلا يترتب على نسيانها أثر أيضاً، نعم إذا أُخذ شي‌ء من الأجزاء الواجبة أو المستحبة في متعلّق الإجارة صريحاً تعين التقسيط، كما أنه إذا أُخذ فيه شي‌ء منها بنحو الاشتراط كان تخلفه موجباً للخيار.

260

[مسألة 29: لو آجر نفسه لصلاة شهر مثلًا فشكّ في أنّ المستأجر عليه صلاة السفر]

[1841] مسألة 29: لو آجر نفسه لصلاة شهر مثلًا فشكّ في أنّ المستأجر عليه صلاة السفر أو الحضر و لم يمكن الاستعلام من المؤجر أيضاً، فالظاهر وجوب الاحتياط بالجمع (1)، و كذا لو آجر نفسه لصلاة و شكّ أنّها الصبح أو الظهر مثلًا وجب الإتيان بهما.

[مسألة 30: إذا علم أنّه كان على الميت فوائت و لم يعلم أنّه أتى بها قبل موته أو لا]

[1842] مسألة 30: إذا علم أنّه كان على الميت فوائت و لم يعلم أنّه أتى بها قبل موته أو لا، فالأحوط الاستئجار عنه [1] (2).

____________

(1) للعلم الإجمالي بوجوب إحداهما فتجب الموافقة القطعية، و لا يحصل ذلك إلّا بالاحتياط بالجمع.

(2) بل هو الأقوى، لاستصحاب عدم الإتيان بها حال الحياة و بقائها في ذمّته، فيجب على الوليّ المباشرة أو الاستئجار، أو على الوارث إخراجه من الأصل، بناءً على خروج الواجبات منه.

و قد يقال بعدم الوجوب، تارة لأجل أنّ الوليّ أو الوارث إنّما يجب عليه مراعاة التكاليف المنجزة في حقّ الميت لا مطلقاً، فانّ تكليفه بالعمل يتبع تكليف الميّت و متفرّع عليه لا محالة، و لم يعلم بتنجّز التكليف في حقّ الميّت لتفرّعه على ثبوت الشكّ له ليجري الاستصحاب، و لم يحرز ذلك في حقّه لاحتمال عدم التفاته إليه ما دامت الحياة.

و اخرى للبناء على الإتيان به قبل الموت، استناداً إلى أصالة الصحّة.

و في كلا الوجهين ما لا يخفى.

أمّا الأوّل: فلأنّ فوائت الميّت تكون موضوعاً لتوجيه الخطاب إلى الوليّ أو الوارث. و لا يناط تنجّز هذا التكليف في حقّ الوليّ أو الوارث بسبق تنجّزه في حق الميت، كيف و قد يتنجّز ذلك في حقّهما مع العلم بعدم التنجّز في حقّ الميّت كما لو دخل عليه الوقت و هو نائم فمات، أو أُغمي عليه فأفاق أثناء الوقت‌

____________

[1] بل الأقوى ذلك في موارد يجب الاستئجار فيها على تقدير الفوات.

261

..........

____________

و مات قبل الالتفات، أو ما إذا قطع الوليّ أو الوارث بالفوت مع عدم التفات الميّت إلى ذلك حتّى مات، و نحو ذلك.

فالمدار في وجوب القضاء على الوليّ أو وجوب الإخراج على الوارث على فعليّة التكليف و تنجّزه في حقّهما، سواء أ تنجّز على الميّت أم لا، فمتى ما حصل لهما العلم بالفوت و لو تعبداً ببركة الاستصحاب تنجّز الحكم في حقّهما. و عليه فالاستصحاب إنّما يجري في حقّ الوليّ أو الوارث. فإنّه هو الذي كان على يقين بالفوت و قد شكّ في الإتيان به فيستصحب بقاؤه، و لا عبرة بجريانه في حقّ الميّت ليمنع منه الشكّ في تحقّق الموضوع في حقّه.

و أمّا الثاني: فلما عرفت فيما سبق (1) من أنّ أصالة الصحّة بمعنى تنزيه المسلم عن القبيح و عدم إساءة الظنّ به و إن كانت جارية في أمثال المقام إلّا أنّها لا أثر لها، و لا يترتّب عليها أحكام الصحّة الواقعية.

و أمّا الأصل بمعنى الحكم بصحّة العمل الذي هو الموضوع للأثر فهو موقوف على إحراز أصل العمل و الشك في صحّته و فساده، و هو غير محرز في المقام لفرض الشكّ في صدور العمل من الميّت. فلا موضوع للأصل بالمعنى المذكور بل مقتضى الأصل عدم الصدور كما عرفت.

فتحصّل: أنّ الأقوى وجوب الاستئجار عنه. و توقّف المصنّف (قدس سره) في المسألة و احتياطه في غير محلّه. و اللّٰه سبحانه العالم.

____________

(1) في ص 251.

262

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

263

[فصل في قضاء الولي]

فصل في قضاء الولي يجب على وليّ الميت (1) رجلًا كان الميت أو امرأة على الأصحّ [1] (2)

____________

(1) بلا إشكال و لا خلاف فيه في الجملة، و قد قام عليه الإجماع، و تظافرت به الأخبار. و تفصيل الكلام يستدعي البحث تارة في المقضيّ عنه، و أُخرى فيما يقضى، و ثالثة في القاضي.

المقضيّ عنه:

(2) المشهور اختصاص ذلك بالرجل، و عن جماعة منهم المصنّف (قدس سره) التعميم للمرأة أيضاً. و منشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة، فإنّ مقتضى بعضها هو التعميم كرواية عبد اللّٰه بن سنان المحكية عن كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى للسيد ابن طاوس (قدس سره) عن الصادق (عليه السلام) «قال: الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به» (1)، فانّ لفظ الميّت يشمل الرجل و المرأة.

كما أنّ مقتضى بعضها الآخر و هو الأكثر الاختصاص بالرجل، لوروده‌

____________

[1] بل على الأحوط، و الأظهر اختصاص الحكم بالرجل.

____________

(1) الوسائل 8: 281/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 18.

264

..........

____________

فيه كصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا، إلّا الرجل» (1).

و قد يستدلّ للمشهور بحمل «الميّت» في رواية ابن سنان على الرجل كما في سائر النصوص، إمّا لأجل دعوى انصرافه إليه، أو لأنّه مقتضى الجمع بحمل المطلق على المقيّد.

و كلاهما كما ترى، أمّا دعوى الانصراف فلا وجه لها بعد اشتراك الذكر و الأُنثى في إطلاق اللفظ و صدقه عليهما على حدّ سواء، و أمّا ارتكاب التقييد فلكونه فرع المعارضة، و لا تعارض بين المثبتين بعد عدم ثبوت مفهوم القيد، و لا سيما أنّ التقييد بالرجل مذكور في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام). فالإنصاف: أنّ الإطلاق في رواية ابن سنان محكّم، فلا قصور فيها دلالة.

نعم، هي ضعيفة السند بالإرسال، لما أشرنا إليه سابقاً (2) من أنّ روايات الكتاب المذكور بأجمعها ملحقة بالمراسيل. فالمقتضي للتعميم قاصر في نفسه لانحصاره في الرواية المذكورة و هي ضعيفة.

و حيث كان الحكم بوجوب القضاء على الوليّ على خلاف القاعدة لزم الاقتصار فيه على القدر المتيقّن و هو الرجل، فإنّه مورد النصوص، و أمّا المرأة فلم يرد فيها ذلك. و لا وجه للتعدّي إليها، لاحتمال اختصاصه بالرجل، فينفى وجوب القضاء عنها بالبراءة. فما هو المشهور من الاختصاص هو الصحيح لما عرفت، لا لما ذكر من الوجهين.

ثم إنّه ربما يستدلّ للتعميم مضافاً إلى إطلاق رواية ابن سنان و قد عرفت الحال فيه بما دلّ من النصوص على وجوب قضاء الوليّ عن المرأة في الصوم بناءً على عدم الفرق، لعدم القول بالفصل بينهما.

____________

(1) الوسائل: 10: 330/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 5.

(2) في ص 200.

265

..........

____________

و هذا لا بأس به لو تمّت دلالة النصوص في موردها على الوجوب، لكنّها غير تامة، فإنّ أقصى ما تدلّ عليه هو الجواز و المشروعية دون الوجوب و عمدتها: صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال: أمّا الطمث و المرض فلا، و أمّا السفر فنعم» (1)، و نحوها صحيح محمد بن مسلم (2).

و قد استدلّ بها شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3) على الوجوب بدعوى وضوح مشروعيّة القضاء عن الغير بحيث لا يكاد يخفى ذلك على أحد، فضلًا عن مثل أبي حمزة الذي هو من أجلّاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام). فليس السؤال إلّا عن الوجوب، و قد فصّل (عليه السلام) في ذلك بين السفر و غيره و بما أنّه لا يحتمل الوجوب في حقّ غير الوليّ فلا محالة يختصّ الحكم به و بمقتضى عدم القول بالفصل في المسألة يتعدّى من الصوم إلى الصلاة.

و هذا الاستدلال كما ترى من أغرب أنواعه، و لا سيما من مثله (قدس سره) لورود نظير ذلك في غير واحد من الروايات ممّا لا يقصد به إلّا السؤال عن أصل المشروعيّة جزماً.

و الوجه فيه: أنّ المفروض في مورد السؤال في هذه الروايات إنّما هو عروض الموت قبل خروج شهر رمضان، أي قبل زمان يتمكّن فيه الميّت من قضاء الصوم، و لا شكّ في أنّ مشروعية القضاء من الوليّ أو غيره حينئذ تكون في غاية الخفاء، لعدم ثبوته في حقّ الميّت حتّى يقضى عنه، و كيف يقضي النائب ما لم يكلّف المنوب عنه به لا أداءً لأجل العذر من المرض و السفر و الطمث و نحو ذلك، و لا قضاء لكون ظرفه بعد شهر رمضان، لقوله تعالى:

____________

(1) الوسائل 10: 330/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 4.

(2) الوسائل 10: 334/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 16.

(3) رسائل فقهية: 227.

266

حرّا كان أو عبداً (1)

____________

... فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ* (1)، و قد فرض موته قبل خروج الشهر.

بل قد ورد المنع عنه في بعض النصوص معلّلًا بأنّ اللّٰه لم يجعله، بعد الإصرار من السائل على القضاء بقوله: «فإنّي أشتهي أن أقضي عنها، و قد أوصتني بذلك»، فأجابه (عليه السلام) قائلًا: «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّٰه عليها؟ فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم» (2).

و على الجملة: مشروعية القضاء في مفروض المسألة ليست من الواضحات الغنيّة عن السؤال، و إنّما هي لأجل خفائها كما عرفت بحاجة إلى ذلك و عليه فلا مقتضي لحمل الصحيحة على السؤال عن الوجوب، بل ينبغي حملها على ظاهرها و هو السؤال عن الجواز و أصل المشروعيّة. فلا تدلّ على وجوب القضاء في موردها ليتعدّى منه إلى غيره بعدم القول بالفصل.

و المتحصّل من جميع ما تقدّم: أنّ ما يستدلّ به للتعميم أمران:

أحدهما: إطلاق رواية ابن سنان. و قد عرفت أنّها ضعيفة السند، و إن كانت الدلالة على فرض صحّة السند تامّة.

و الآخر: استفادة حكم المقام ممّا ورد في الصوم بضميمة عدم القول بالفصل. و قد عرفت أيضاً توقّف ذلك على استفادة الوجوب من النصوص في موردها، و هي غير ثابتة.

فالأقوى ما هو المشهور من اختصاص الحكم بالرجل و عدم التعميم للمرأة، عملًا بأصالة البراءة.

(1) كما هو المشهور، و يقتضيه الإطلاق في صحيحة حفص المتقدّمة (3).

____________

(1) البقرة 2: 184، 185.

(2) الوسائل 10: 332/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.

(3) في ص 264.

267

..........

____________

و عن بعضهم اختصاصه بالحرّ، نظراً إلى أنّ المستفاد من الصحيحة كون الموضوع من هو أولى بالميراث لقوله (عليه السلام): «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»، و بما أنّ الأولى بالعبد هو مولاه، و لا يجب عليه القضاء عنه بالضرورة، إذ لم يعهد ذلك من أحد الأئمة (عليهم السلام) و لا من أصحابهم بالنسبة إلى عبيدهم، فلا محالة يحكم بالاختصاص بالحر.

و يتوجّه عليه: أنّ الحكم لا يدور مدار عنوان الوارث بالفعل، فإنّه لو كانت العبارة هكذا: يقضي عنه وارثه. لكان لهذه الدعوى وجه، فيلتزم حينئذ بخروج العبد تخصيصاً، للإجماع على عدم ثبوت القضاء على وارثه و هو المولى كما ذكر، لكن العبارة هكذا: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»، فلم يؤخذ فيها عنوان الوارث، بل عنوان الأولى بالميراث، على غرار قوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ* (1).

و المراد به من هو أمسّ الأشخاص بالميّت و أقربهم إليه نسباً و رحماً، المستتبع لكونه الأولى فعلًا بالميراث من غيره، و هو الولد الأكبر كما سيأتي لانفراده بالحبوة و لزيادة نصيبه على سائر الورثة غالباً.

فالعبرة بكون الأولوية فعلية لا بكون الإرث فعلياً، إذ قد لا يكون وارثاً إمّا لانتفاء المال رأساً، أو لأنّ بإزائه ديناً مستوعباً، أو لكونه عبداً كما في المقام حيث إنّه بمنزلة من لا مال له ليورث، لكونه و ما في يده لمولاه حيّاً و ميّتاً.

و على الجملة: لا يدور الحكم مدار الإرث الفعلي، لانتقاضه طرداً و عكساً فربما يثبت الإرث و لا قضاء كما لو انحصر الوارث في الإمام (عليه السلام) و ربما يثبت القضاء و لا إرث كمن لا مال له، بل الاعتبار كما عرفت بكون الأولوية فعلية.

إذن فالقضاء يجب على من هو أولى من غيره بميراث الميّت و أكثر نصيباً إن كان للميت مال، و مصداقه في المقام كغيره هو الولد الأكبر. و عدم إرثه من أبيه‌

____________

(1) الأنفال 8: 75.

268

أن يقضي عنه ما فاته من الصلاة لعذر [1] من مرض أو سفر أو حيض فيما يجب فيه القضاء (1)

____________

الرق إنّما هو لكونه بمنزلة من لا مال له كما أُشير إليه.

فتحصّل: أنّ الصحيحة كسائر النصوص غير قاصرة الشمول للعبد فلا مناص من الالتزام بالتعميم الذي عليه المشهور، عملًا بالإطلاق.

ما يقضى عنه:

(1) خصّ المصنّف (قدس سره) الحكم بما فات لعذر، و مثّل له بالمرض و السفر و الحيض. و التمثيل بذلك لا يخلو عن مسامحة واضحة، فإنّ السفر و المرض ليسا من الأعذار المسوّغة لترك الصلاة، غايته أنّ المريض يصلّي على حسب وظيفته من الجلوس أو الاضطجاع أو بالإيماء و هكذا، كما أنّ المسافر يصلّي قصراً.

و أمّا الحيض فالمستوعب منه للوقت لا يوجب القضاء، نعم يتّجه التمثيل بالحيض غير المستوعب كما لو حاضت المرأة بعد مضيّ نصف ساعة من الوقت لكونها معذورة في تأخير الصلاة عن أوّل الوقت لترخيص الشارع إيّاها في ذلك، و لأجل هذا قيّده (قدس سره) بقوله: فيما يجب فيه القضاء. يريد بذلك اختصاص الحكم بما إذا فاجأها الحيض بعد دخول الوقت كما عرفت.

ثمّ إنّ المحكي عن جماعة منهم المحقّق (قدس سره) في بعض رسائله (1) الاختصاص بالفائتة لعذر، فلا يجب القضاء في الترك العمدي، و تبعهم المصنّف (قدس سره).

لكنّ الأقوى التعميم لمطلق الفوائت كما هو المشهور، لإطلاق النصوص.

____________

[1] بل مطلقاً على الأحوط، ثم إنّ في عدّ المرض و السفر من العذر مسامحة واضحة.

____________

(1) الرسائل التسع: 258 المسألة 32 من المسائل البغدادية.

269

..........

____________

و دعوى الانصراف إلى الفائتة لعذر، كما ترى، فإنّ الفائتة لغير عذر ليست بأقلّ ممّا فات لعذر في زمن صدور الروايات، و لا سيما مع ملاحظة الفوت لأجل الخلل في بعض الأجزاء أو الشرائط. فلا موجب للانصراف أصلًا.

و ما يقال من أنّ العامد يستحقّ العقاب فلا يجديه القضاء من الوليّ، لكونه بمثابة الكفّارة، و هي بمناسبة الحكم و الموضوع تختصّ بالمعذور. فهو وجه استحساني لا يركن إليه لإثبات حكم شرعي، و لا يقاوم الإطلاق.

كما أنّه لا وجه للاستناد في القول بالاختصاص إلى قوله تعالى وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ* (1) لكونه ناظراً إلى العقاب في الآخرة، فهو أجنبي عن محلّ الكلام، فإنّه لا مانع من كون فعل الغير الصادر منه بالاختيار و لو عصياناً موضوعاً لتكليف غيره كما في تنجيس المسجد، حيث يجب التطهير و إن كان التنجيس بفعل الغير عصياناً.

و مقامنا من هذا القبيل، فانّ فوات الفريضة من الميّت موضوع لتكليف الوليّ بالقضاء عنه، و هذا لا يفرق فيه بين أن يكون الفوت منه لعذر أو عصياناً لإطلاق النصوص السليمة عمّا يصلح للتقييد.

و عن الحلّي (2) و ابن سعيد (3) (قدس سرهما) الاختصاص بما فات في مرض الموت. و ليس له وجه ظاهر عدا دعوى انصراف النصوص إلى ذلك. و فيه: ما لا يخفى، فإنّ صحيحة حفص المتقدّمة (4) و هي العمدة في المقام مطلقة بالإضافة إلى مرض الموت و غيره.

فالأقوى تعميم الحكم لمطلق الفوائت، من دون فرق بين ما فات لعذر و غيره، و بين مرض الموت و غيره، لإطلاق النصوص.

____________

(1) الأنعام 6: 164.

(2) السرائر 1: 277.

(3) الجامع للشرائع: 89.

(4) في ص 264.

270

و لم يتمكّن من قضائه [1] (1)، و إن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه.

____________

(1) لدعوى انصراف النصوص إلى ذلك، كدعوى انصرافها إلى المعذور كما تقدّم.

و فيه: مضافاً إلى منع الانصراف كما مرّ، أنّه لو تمّ فإنّما يسلّم في من أخّر القضاء تقصيراً، لإمكان دعوى انصراف النصوص عن مثله، دون القاصر غير المسامح في ذلك كما لو نام عن صلاة الفجر و كان بانياً على قضائها في نفس اليوم لكن فاجأه الموت عند الزوال مثلًا، فانّ دعوى الانصراف عن مثله ممنوعة جدّاً كما لا يخفى.

و على الجملة: تخصيص الحكم بما إذا لم يتمكّن الميّت من القضاء غير واضح بعد إطلاق النصوص.

بل يمكن القول باختصاص الحكم بصورة تمكّن الميّت من القضاء، عكس ما أفاده المصنّف (قدس سره)، فلا يجب القضاء على الوليّ إلّا في فرض تمكّن الميّت من القضاء و تركه له عذراً أو لغير عذر، و الوجه فيه أحد أمرين:

أحدهما: قصور المقتضي للحكم، فإنّ عمدة الدليل في المسألة كما عرفت إنّما هي صحيحة حفص المتقدّمة (1)، و ظاهرها الاختصاص بذلك، لقوله: «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام ...»، فان كلمة «عليه» ظاهرة في اختصاص مورد السؤال بما إذا كان قد ثبت تكليف المنوب عنه بالقضاء و لم يمتثل، الكاشف عن تمكّنه منه، لاشتراط التكليف بالقدرة.

فلو فرضنا أنّه نام عن صلاة الفجر ثم فاجأه الموت بعد أن استيقظ فإنّه لا ينطبق عليه حينئذ قوله: «عليه صلاة»، لعدم توجّه التكليف إليه بحال، لا حال النوم و لا في حال اليقظة كما هو ظاهر. و هكذا الحال في سائر موارد‌

____________

[1] لا يبعد اختصاص وجوب القضاء على الولي بما إذا تمكّن الميّت منه قبل موته.

____________

(1) في ص 264.

271

و كذا في الصوم لمرض (1) تمكّن من قضائه و أهمل

____________

العجز، حيث يكون جميع ذلك خارجاً عن موضوع النصّ، و معه لا مقتضي لثبوت القضاء كما لا يخفى.

ثانيهما: التعليل الوارد في صحيحة أبي بصير الآتية، و هو قوله (عليه السلام): «فانّ اللّٰه لم يجعله عليها ...» و قوله: «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّٰه عليها» فإنّها و إن وردت في باب الصوم إلّا أن عموم العلّة يستوجب التعدّي عن موردها إلى الصلاة، و يكون المستفاد منها ضابطة كلّية على طبق القاعدة، و هي أنّه ما لم يثبت القضاء على الميّت و لم يجعل التكليف به في حقّه فليس على أحد أن يقضيه عنه.

فلو افترضنا الإطلاق في صحيحة حفص لقيّد بهذه الصحيحة لا محالة، و كانت النتيجة عدم وجوب القضاء على الوليّ إلّا فيما كان الميّت متمكّناً منه فلاحظ.

(1) لا ينبغي الإشكال في اختصاص الوجوب حينئذ بصورة تمكّن الميّت من القضاء و إهماله، فلا يجب ذلك على الوليّ إذا لم يتمكّن منه إمّا لعدم برء مرضه، أو لموته قبل خروج شهر رمضان، و يدلّ عليه صريحاً:

صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها، قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها، فانّ اللّٰه لم يجعله عليها ...» (1).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوفّي قبل أن يبرأ، قال: ليس عليه شي‌ء و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي» (2)، و نحوهما غيرهما من‌

____________

(1) الوسائل 10: 332/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.

(2) الوسائل 10: 329/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 2.

272

بل و كذا لو فاته من غير المرض من سفر و نحوه [1] و إن لم يتمكّن من قضائه (1)

____________

النصوص المتظافرة الدالّة على الاختصاص بفرض التمكّن.

(1) أمّا السفر فلا إشكال كما لا خلاف في وجوب القضاء على الوليّ، سواء أتمكّن الميت من القضاء و أهمل أم لا كما لو مات في شهر رمضان.

و يستدل له بجملة من النصوص كصحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: أمّا الطمث و المرض فلا و أمّا السفر فنعم» (1)، و نحوها صحيحة محمّد بن مسلم (2). لكن تقدّم النظر في دلالتهما على الوجوب في أوّل الفصل فلاحظ (3).

و موثّقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه، قال: يقضيه أفضل أهل بيته» (4).

إنّما الكلام في سائر الأعذار، فهل هي تلحق بالسفر فيقضي مطلقاً كما اختاره المصنّف (قدس سره) في المسألة حيث قال: من سفر و نحوه، أو أنّها تلحق بالمرض فلا يقضي إلّا مع تمكّن الميّت منه و إهماله؟ وجهان، بل قولان نسب إلى المشهور الإلحاق بالسفر، و أنّ الخارج من حكم الأعذار مطلقاً إنّما هو عنوان المرض فقط.

و لكنّه غير وجيه حتّى و لو ثبت ذهاب المشهور إليه، و ذلك فإنّ الأخبار واضحة الدلالة على أنّ المسافر فقط هو العنوان الوحيد الخارج، و أمّا غيره‌

____________

[1] في وجوب القضاء في الفائت في غير السفر مع عدم تمكّن الميّت من قضائه إشكال و لا يبعد عدم وجوبه.

____________

(1) الوسائل 10: 330/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 4.

(2) الوسائل 10: 334/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 16.

(3) ص 265 266.

(4) الوسائل 10: 332/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 11.

273

..........

____________

فلا يجب على الوليّ القضاء إلّا مع ثبوت التكليف به في حقّ الميّت كما يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدّمة (1).

فانّ التعليل فيها بقوله (عليه السلام): «فانّ اللّٰه لم يجعله عليها» يعطينا الضابطة الكلّية في المسألة، و هي أنّه ما لم يجب القضاء على الميّت لا يجب على وليّه، فيستفاد من ذلك اختصاص وجوب القضاء بما إذا ثبت ذلك في حقّ الميّت، و قد خرج عن هذه الكلّية خصوص المسافر كما دلّت عليه النصوص المتقدّمة.

و يدلّ على هذا صراحة صحيحة أبي حمزة الثمالي (رحمه اللّٰه) المتقدّمة (2) فقد صرّح فيها بإلحاق الطمث بالمرض، و أوجبت القضاء بقول مطلق في مورد السفر خاصة. فيستفاد منها أنّ التقييد بفرض التمكّن ممّا لا يخصّ المرض، بل يعمّ غيره أيضاً.

على أنّا لا نحتاج إلى الاستدلال بالروايات المذكورة، إذ يكفينا في الحكم بعدم وجوب القضاء على الوليّ مع عدم تمكّن الميّت منه قصور المقتضي، فإنّ العمدة في ذلك إنّما هي صحيحة حفص المتقدّمة (3)، و هي في نفسها قاصرة عن شمول هذا الفرض، لاختصاصها بفرض وجوب القضاء على الميّت لتمكّنه منه كما يقتضيه قوله: «عليه ...».

فلا تشمل الصحيحة ما إذا لم يجب القضاء عليه لمرض أو سفر أو حيض أو لغير ذلك من الأعذار المانعة عن صحّة الصوم، و كما إذا التفت إلى الجنابة بعد مضيّ أيّام من شهر رمضان، فانّ وجوب القضاء عليه يكون مشروطاً ببقائه حياً، فلو مات في جميع هذه الصور قبل انقضاء شهر رمضان لم يجب القضاء عليه، حيث لا يصدق في حقّه أنّه عليه، و إن صدق الفوت، و الموضوع للحكم‌

____________

(1) في ص 271.

(2) في ص 272.

(3) في ص 264.

274

و المراد به الولد الأكبر (1) فلا يجب على البنت و إن لم يكن هناك ولد ذكر، و لا على غير الأكبر من الذكور، و لا على غير الولد من الأب و الأخ و العمّ و الخال و نحوهم من الأقارب.

____________

في الرواية هو الأوّل دون الثاني. نعم خرجنا عن هذا الحكم في خصوص السفر بصحيحة أبي حمزة المتقدّمة (1) و غيرها.

القاضي

(1) كما هو المعروف. و العمدة في المقام هي صحيحة حفص المتقدّمة (2) المشتملة على قوله (عليه السلام): «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»، و حينئذ فينبغي البحث عن مفادها.

فقد يقال: إنّها تدلّ على اختصاص القاضي بمن يكون الأولى بالإرث فعلًا من بين الموجودين، و هذا ممّا يختلف حسب اختلاف طبقات الإرث، فإنّه إن كان للميت أب أو ولد قضى عنه، و إلّا قضى عنه الأخ و العمّ و هكذا حتّى تصل النوبة إلى المعتِق بالكسر و ضامن الجريرة، بل الإمام (عليه السلام).

فتكون العبرة بالأولوية الفعلية بالإرث بالنسبة إلى الموجودين حال الموت و يختلف مصاديق ذلك، بل قد يتعدّد الوليّ على هذا كما إذا كان له أولاد أو إخوة أو أعمام أو أولاد الأعمام، فيجب على جميعهم القضاء.

إلّا أنّ هذا المعنى كما ترى خلاف ظاهر الصحيحة في نفسها، فانّ المنسبق من كلمة «أولى» في الصحيحة أنّ الوليّ دائماً شخص واحد لا يتعدّد، كما أنّ ظاهر العموم في «الناس» هو إرادة جميع الناس ممّن خلقهم اللّٰه عزّ و جل، الأعمّ من الموجودين منهم و غيرهم، الأحياء منهم و الأموات.

____________

(1) في ص 272.

(2) في ص 264.

275

..........

____________

و عليه فينحصر الوليّ في الولد الأكبر، فإنّه الأولى بالميراث بقول مطلق حتّى الأب المتّحد معه في الطبقة، لكون نصيبه من التركة أكثر منه غالباً، حيث إنّ للأب السدس و الباقي للولد.

و إنّما قيّدنا ذلك بالغالب لما قد يتّفق من زيادة نصيب الأب على نصيب الولد كما لو بلغ أولاد الميّت عشرة، فإنّ السدس حينئذ و هو سهم الأب يزيد على ما يستحقّ كلّ ولد من باقي التركة، إلّا أنّ هذا فرض اتفاقيّ نادر، و الغالب بحسب الطبع هو زيادة نصيب الولد على نصيب الأب، و أمّا النقصان عنه كما في المثال فهو لجهة عارضة نادرة، هذا.

مضافاً إلى اختصاصه بالحبوة، فهو يشارك الأبوين و سائر الأولاد في الميراث، و يزيد عليهم بذلك، فكان هو الأولى. و بهذا البيان يظهر الوجه في تقدمه على سائر الأولاد، فيكون تقدّمه على الجميع لأجل الحبوة.

فاتّضح من جميع ما مرّ: أنّ قوله (عليه السلام): «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» ظاهر في إرادة الولد الأكبر فقط.

فان قلت: ورد مثل هذا أيضاً في باب الصلاة على الميّت، حيث دلّ على أنّ أحق الناس بالصلاة على الميت أولاهم بالميراث. و قد فهم المشهور منه الأب فلما ذا لم يلتزموا بمثله في المقام؟ و كيف صارت الأولوية هناك للأب و هنا للابن؟ و ما هو الفارق بين المقامين مع اتّحاد التعبيرين؟

قلت: هذه العبارة غير واردة في شي‌ء من نصوص باب الصلاة على الميّت و إنّما هي مذكورة في كلمات الفقهاء و شائعة على ألسنتهم. و لعلّ المستشكل لاحظ عبائر الفقهاء من دون تفطّن لخلوّ النصوص عنها، و الوارد في النصوص هو: «يصلّي على الجنازة أولى الناس بها» (1).

و من الواضح الفرق بين التعبيرين، أي التعبير ب‍ (أولى الناس بالميراث)

____________

(1) الوسائل 3: 114/ أبواب صلاة الجنازة ب 23 ح 1، 2.

276

..........

____________

و التعبير ب‍ (أولى الناس بالجنازة)، فإنّ الأولى بالميراث حسبما هو المتعارف عند العقلاء هو ولد الميّت، بناءً منهم على أنّ كلّ ما يملكه الإنسان فهو لولده و ذرّيته من بعده، و إن كان اللّٰه سبحانه و تعالى قد جعل للأب أيضاً نصيباً مفروضاً في ذلك. و هذا بخلاف الأولى بالجنازة، فإنّه بملاك احترام الميّت و تعظيمه يراد به أكبر أقرباء الميت و هو الأب، فيكون أمر التجهيز راجعاً إليه و منوطاً به، فإنّ الأب هو الأصل و الميّت فرع منه، فلذلك كان هو الأولى به دون غيره.

فهناك فرق بين جنازة الميّت و بين ماله، و بتبعه يختلف مصداق الأولوية المتعلّقة بكلّ منهما حسب اختلاف مناسبة الحكم و موضوعه، ففي الأوّل يكون مصداق الأولى بالجنازة هو أب الميّت، و في الثاني يراد من الأولى بميراثه هو الولد الأكبر، لمكان الحبوة كما عرفت. و هذا هو السر في تفرقة المشهور بين المقامين، حيث بنوا على إرادة الأب من الأولى في باب الصلاة و الولد في المقام.

و قد يستدلّ لتعيين الولد الأكبر بصحيحة الصفّار قال: «كتبت إلى الأخير (عليه السلام): رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، و له وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً، خمسة أيّام أحد الوليّين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع (عليه السلام): يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّٰه» (1).

إلّا أنّها لمخالفتها للإجماع بل الضرورة ممّا ينبغي ردّ علمها إلى أهله، و ذلك من جهتين:

إحداهما: نفي مشروعيّة القضاء في حقّ غير الأكبر، فإنّ السؤال فيها كان عن الجواز دون الوجوب، و هذا ممّا لم يقل به أحد، إذ لا إشكال في مشروعيّة القضاء للأجنبي فضلًا عن غير الأكبر من الوليّين.

____________

(1) الوسائل 10: 330/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3.

277

..........

____________

ثانيتهما: دلالتها على اعتبار الموالاة في القضاء، و هذا ممّا لا قائل به أيضاً فإنّها غير معتبرة في حقّ الميّت لو فرضنا مباشرته القضاء، فضلًا عن الولي.

و لأجل ذلك تكون الرواية غير صالحة للعمل بها، بل هي مطروحة أو مؤوّلة، و يردّ علمها إلى أهله، نعم لا بأس بالأخذ بها من حيث دلالتها على ولاية الولد الأكبر. فالعمدة في المقام هو الاستدلال بصحيحة حفص بالتقريب المتقدّم.

ثم إنّه لا يخفى عليك أنّ ما استظهرناه سابقاً من دلالة صحيحة حفص على أنّ الأولى بالميراث هو الولد الأكبر بالبيان المتقدّم و إن كان صحيحاً في نفسه، لكن حفصاً نفسه لم يستظهر هذا المعنى كما يشهد به سؤاله الثاني: «فإن كان أولى الناس به امرأة»، إلا أنّ عدم فهمه لا يضرّ بالاستدلال، فانّنا إنّما نتعبّد بنقله لا بفهمه، و نصدّقه في روايته لا في درايته، و ما رواه ظاهر فيما ذكرناه كما عرفت.

ثم إنّا لو تنزلّنا عن ذلك و أنكرنا ظهور الصحيحة فيه فلا ريب في عدم ظهورها في المعنى الآخر أيضاً، أعني به الأولوية باعتبار طبقات الإرث، غايته أن تصبح الرواية مجملة، حيث لم يظهر منها أنّ المراد بالأولى هو شخص واحد معيّن و هو الولد الأكبر كما استظهرناه أو المراد به الطبقة المتعيّنة للإرث بالفعل حسب نظام الطبقات.

و لكنّ الولد الأكبر هو القدر المتيقّن لدخوله على كلّ تقدير، و أمّا غيره فلم يعلم إرادته، لفرض إجمال النصّ و تردّده بين المعنيين، فيرجع في من عداه إلى أصالة البراءة، للشكّ في التكليف بالنسبة إليهم، فتكون النتيجة هي اختصاص الحكم بالولد الأكبر.

و بهذا البيان يظهر الحال في موثّقة أبي بصير المتقدّمة (1) حيث قال (عليه‌

____________

(1) في ص 272.

278

و إن كان الأحوط مع فقد الولد الأكبر قضاء المذكورين على ترتيب الطبقات (1)، و أحوط منه قضاء الأكبر فالأكبر (2) من الذكور ثمّ الإناث في كلّ طبقة حتّى الزوجين و المعتِق و ضامن الجريرة.

[مسألة 1: إنّما يجب على الوليّ قضاء ما فات عن الأبوين]

[1843] مسألة 1: إنّما يجب على الوليّ قضاء ما فات عن الأبوين [1] من صلاة نفسهما (3)، فلا يجب عليه ما وجب عليهما بالاستئجار، أو على الأب من صلاة أبويه من جهة كونه وليّا.

____________

السلام): «يقضيه أفضل أهل بيته»، فانّ كلمة «أفضل» مجمل و لم يعلم المراد منه، فهل يراد به الأعلم لينطبق على كلّ الطبقات بما فيهم الولد الأصغر أيضاً لإمكان أن يكون أعلم من الأكبر، أو أنّ المراد به الأقرب من أهل بيت الميّت إليه، المنطبق على الولد الأكبر فقط كما لعلّه الأقرب؟

(1) رعاية للتفسير الآخر كما سبق، و الاحتياط حسن على كلّ حال.

(2) لصحيحة الصفّار المتقدّمة (1)، بل الأحوط أن تقضي البنت مع عدم وجود الرجل في الطبقة الأُولى كما أفتى به المفيد (قدس سره) (2)، و إن كان ذلك على خلاف صحيحة [حفص بن] البختري (3) من الاختصاص بالرجال.

الاختصاص بما فات من نفسه:

(3) لانصراف الأدلّة إلى ما فات عن الميّت من صلاة نفسه دون مطلق الفائت، بل الظاهر أنّه ليس في شي‌ء من روايات الباب ما يصلح للإطلاق كي يدّعى انصرافه إلى ما ذكر، و إنّما هي بأجمعها خاصّة بهذا المورد، فإنّ العمدة‌

____________

[1] بل ما فات عن خصوص الأب كما تقدّم.

____________

(1) في ص 276.

(2) المقنعة: 353.

(3) المتقدّمة في ص 264.

279

[مسألة 2: لا يجب على ولد الولد القضاء عن الميّت (1) إذا كان هو الأكبر حال الموت]

[1844] مسألة 2: لا يجب على ولد الولد القضاء عن الميّت (1) إذا كان هو الأكبر حال الموت، و إن كان هو الأحوط خصوصاً إذا لم يكن للميّت ولد.

____________

فيها إنّما هي صحيحة حفص و الموثّقة المتقدّمتان.

و المذكور في الصحيحة (1): «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه»، و هو كما ترى ظاهر فيما فات عن الميّت من صلاة نفسه أو صيامه، لقوله (عليه السلام): «يقضي عنه ...». و لو كان المقضيّ هو ما وجب على الميّت و لو استئجاراً لزم أن يقضي الوليّ عمّن استؤجر الأب له، لا عن الأب نفسه، فتختصّ الصحيحة لا محالة بما وجب على الأب أصالة لا مطلقاً.

و كذلك الحال في موثّقة أبي بصير المتقدّمة (2) فإنّها خاصّة بما فات المكلّف من نفسه، لفرض السؤال فيها عن «رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه ...».

و حاصل الكلام: أنّ عدم وجوب قضاء مطلق ما وجب على الميت و لو للاستئجار و نحوه إنّما هو لأجل قصور المقتضي، لا لوجود المانع و هو الانصراف، فلاحظ.

(1) و ذلك لأنّه مع وجود الولد كما هو المفروض يكون هو الأولى بالميراث كما اقتضاه صحيح حفص المتقدّم، فلا يجب على غيره.

و مع هذا فقد احتاط الماتن (قدس سره) في وجوب القضاء على ولد الولد الأكبر خصوصاً مع عدم وجود الولد للميّت.

أمّا الاحتياط مع وجود الولد للميّت ففيه ما لا يخفى، فإنّه حينئذ لا موجب للقضاء على ولد الولد بعد اختصاصه بمقتضى الأخبار المتقدّمة (3) بالولد، فإنّ‌

____________

(1) المتقدّمة في ص 264.

(2) في ص 272.

(3) في ص 272، 274، 276.

280

[مسألة 3: إذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه لا يجب على غيره من إخوته الأكبر فالأكبر]

[1845] مسألة 3: إذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه لا يجب على غيره من إخوته الأكبر فالأكبر (1).

[مسألة 4: لا يعتبر في الوليّ أن يكون بالغاً عاقلًا عند الموت]

[1846] مسألة 4: لا يعتبر في الوليّ أن يكون بالغاً عاقلًا عند الموت (2)

____________

ولد الولد لا يرث الميّت مع وجود الولد فضلًا عن كونه الأولى بالميراث. و مطلق الكبر لا خصوصية فيه.

نعم، الاحتياط الثاني في محلّه، فإنّ الأولى بالميراث حينئذ هو ولد الولد فيجب عليه القضاء احتياطاً.

(1) فانّ الظاهر من الأولى بالميراث المفسّر بالولد الأكبر من كان كذلك حال الموت، فلا دليل على وجوب القضاء على غيره ممّن لا ينطبق عليه العنوان المذكور حاله، و إن كان قيام الأكبر فالأكبر بذلك هو الأحوط.

عدم اعتبار الكمال في الوليّ حال الموت:

(2) فانّ المصرح به في دليل الوجوب أنّه «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» و بعد بلوغ الطفل أو بعد الإفاقة يصدق عليه العنوان المذكور، فيجب عليه القضاء.

و بكلمة اخرى: أنّ وجوب القضاء على من هو أولى الناس بالميراث كسائر التكاليف إنّما يتنجّز عند تحقّق شرائطه التي منها البلوغ و العقل، فاذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون و عقل تنجّز التكليف المذكور في حقّه لا محالة.

و أولى منهما بالحكم من لم يكلّف بذلك لغفلة و نوم و نحوهما، فإنّه لو استيقظ أو التفت بعد ذلك وجب عليه القضاء بلا ريب.

و الحاصل: أنّه لا يعتبر في من يجب القضاء عليه أن يكون مكلّفاً من أوّل زمان الوجوب، بل يجب ذلك على من صحّ تكليفه به بعد ذلك إذا كان أولى الناس بالميراث.

281

فيجب على الطفل إذا بلغ، و على المجنون إذا عقل. و إذا مات غير البالغ قبل البلوغ أو المجنون قبل الإفاقة لا يجب على الأكبر بعدهما (1).

[مسألة 5: إذا كان أحد الأولاد أكبر بالسنّ و الآخر بالبلوغ فالوليّ هو الأوّل]

[1847] مسألة 5: إذا كان أحد الأولاد أكبر بالسنّ و الآخر بالبلوغ فالوليّ هو الأوّل (2).

[مسألة 6: لا يعتبر في الوليّ كونه وارثاً]

[1848] مسألة 6: لا يعتبر في الوليّ كونه وارثاً، فيجب على الممنوع من الإرث [1] بالقتل أو الرقّ أو الكفر (3).

____________

(1) لقصور الدليل عن الشمول لمثله كما لا يخفى.

الضابط في الأكبرية:

(2) إذ المصرّح به في أخبار الباب هو وجوب القضاء على أولى الناس بالميّت، و هو إنّما ينطبق على الأكبر من حيث السنّ لأجل الحبوة، فيكون المدار على الأكبريّة بحسب السنّ دون البلوغ.

(3) و كأنّه (قدس سره) اعتمد في ذلك على تعابير الفقهاء في كلماتهم، فقد عبّروا عنه بأنّ القاضي هو الولد الأكبر، بلا نظر إلى كونه وارثاً.

و لكن هذا لا يتمّ بالنظر إلى الأخبار المتقدّم ذكرها، فإنّها دلّت على كون القاضي هو الأولى بالميراث، و هذا كما قلنا (1) إنّما ينطبق على الولد الأكبر من جهة الحبوة و غيرها، و من البديهي أنّ القاتل و نحوه ليس بالأولى بالميراث بالفعل، فلا يجب عليه القضاء بمقتضى تلكم النصوص.

و دعوى أنّ المراد بالأولى هي الأولوية بالاقتضاء و بالطبع الأوّلي مع قطع النظر عن الموانع و العوارض الخارجية، خلاف الظاهر، فانّ الظاهر منه هو من كان ينطبق عليه العنوان المذكور بالفعل، كما هو الحال في نظائره من قولنا:

____________

[1] لا يبعد اختصاص الوجوب بغيره.

____________

(1) في ص 274 و ما بعدها.

282

[مسألة 7: إذا كان الأكبر خنثى مشكلًا فالوليّ غيره من الذكور]

[1849] مسألة 7: إذا كان الأكبر خنثى مشكلًا فالوليّ غيره من الذكور [1] (1) و إن كان أصغر، و لو انحصر في الخنثى لم يجب عليه.

____________

الخمر حرام، [حيث] يراد به ما كان خمراً بالفعل، و هنا يراد به الأولى بالميراث فعلًا، لا ما هو كذلك شأناً و اقتضاء. و عليه فيختصّ وجوب القضاء بغير القاتل و نحوه.

الخنثى المشكل:

(1) فانّ الموضوع في لسان الدليل هو أولى الناس بالميراث، المنحصر في الولد الأكبر كما مرّ، و مع الشكّ في ذكوريّة الخنثى تجري في حقّه أصالة العدم فلا يعطى الحبوة، بل تدفع إلى الذكر الأكبر عدا الخنثى، و يكون هو الأولى بالميراث. فلا يجب القضاء على الخنثى، هذا.

و لكنّ الظاهر هو التفصيل بين بلوغ الخنثى بعد موت الأب فيجب عليه القضاء، و بلوغه قبل ذلك فلا يجب عليه، و الوجه فيه: أنّ الخنثى المشكل بعد تردّده بين الذكر و الأُنثى يعلم إجمالًا بكونه مكلّفاً إمّا بتكاليف الرجال أو النساء، و حيث كانت الأُصول متعارضة فلا محالة كان العلم الإجمالي منجّزاً في حقّه، فيجب عليه الجمع بين أحكام الرجال و النساء.

و عليه فان كان بلوغه قبل الموت فحيث كان العلم الإجمالي المذكور قد تنجّز في حقّه في أوّل البلوغ، و قد أثّر أثره كان الموت اللاحق موجباً للشكّ في حدوث تكليف جديد زائداً على ما تنجّز سابقاً بالعلم الإجمالي، فيتمسّك في نفيه بالبراءة، فلا يجب عليه القضاء.

و أمّا إذا كان البلوغ بعد موت الأب، و المفروض عدم اختصاص وجوب‌

____________

[1] و مع ذلك يجب على الخنثى قضاء ما فات عن أبيه إذا كان بلوغه بعد موت أبيه، نعم إذا قضاه غيره سقط عنه بلا إشكال.

283

[مسألة 8: لو اشتبه الأكبر بين الاثنين أو الأزيد لم يجب على واحد منهم]

[1850] مسألة 8: لو اشتبه الأكبر بين الاثنين أو الأزيد لم يجب على واحد منهم (1)، و إن كان الأحوط التوزيع أو القرعة.

____________

القضاء بالبالغين حين الموت، و إنّما يعمّ الصبي إذا بلغ بعد ذلك كما سبق، فلا محالة يعلم إجمالًا حين بلوغه بكونه مكلّفاً بتكاليف الرجال و من جملتها وجوب القضاء، أو بتكاليف النساء. و لتعارض الأُصول يتنجّز العلم المذكور فيجب عليه القضاء حينئذ بمقتضى العلم المذكور.

و الحاصل: أنّ الفرق بين الصورتين واضح و ظاهر، ففي الأُولى كان العلم الإجمالي منجّزاً قبل الموت و بعده كان الشك في توجّه تكليف جديد، و البراءة تنفيه. و أمّا في الثانية فكان حين البلوغ يعلم إجمالًا بتوجّه تكاليف و منها وجوب القضاء، و كان مقتضاه هو وجوب القضاء عليه لا محالة.

نعم، لو فرضنا أنّ الأكبر بعد الخنثى أو غيره قضى ما فات عن الأب سقط التكليف به حينئذ عن الخنثى، لخروج التكليف به عن أطراف العلم الإجمالي لأجل انتفاء الموضوع، لفراغ ذمّة الميّت حينئذ.

فالصحيح: هو التفصيل بهذا النحو كما أشار إليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الأنيقة.

اشتباه الأكبر بغيره:

(1) فانّ موضوع الحكم و هو الأولى بالميراث المنحصر في الولد الأكبر كما مر (1) ممّا يشكّ في انطباقه على كلّ منهما، فتجري البراءة في حقّ كلّ واحد منهما. و العلم الإجمالي بوجود الأكبر في البين لا أثر له بعد تردّد التكليف بين شخصين، و عدم توجّه الخطاب المعلوم بالإجمال إلى شخص واحد، فلا يصلح للتنجيز، هذا.

____________

(1) في ص 274 و ما بعدها.

284

..........

____________

و قد يقال بالوجوب على كلّ منهما، لأنّ كلّ واحد منهما يشكّ في أكبرية غيره، و الأصل عدمه.

و يتوجّه عليه أوّلًا: أنّ عنوان الولد الأكبر و إن كان مذكوراً في كلمات الفقهاء، لكنّه ليس موضوعاً للحكم في لسان الروايات، و إنّما الموضوع فيها هو الأولى بالميراث، أو أفضل أهل بيته كما عرفت. و لا أصل ينقّح به هذا الموضوع.

و ثانياً: لو سلّمنا أنّ الموضوع هو الولد الأكبر فإنّما يتّجه تقرير الأصل لو كان مفهوم الأكبر مركّباً من جزأين: الولادة من الأب و عدم تولّد شخص آخر منه قبله، فإنّه بعد ضمّ الجزء الثاني الثابت بالاستصحاب إلى الأوّل الثابت بالوجدان يلتئم الموضوع لا محالة و يثبت أنّه الأكبر، فيجب عليه القضاء. لكنّه ليس كذلك جزماً، فإنّ الأكبريّة عنوان بسيط منتزع من عدم تولّد غيره قبله. و لا يثبت مثل هذا العنوان البسيط بالأصل.

و ثالثاً: لو سلّمنا تركّبه من جزأين و أنّه قد تمّ أركان الاستصحاب لكان ذلك معارضاً بمثله لا محالة، إذ يجري في حقّ كلّ من الأخوين أو الإخوة استصحابان يختلفان في الأثر:

أحدهما: أصالة عدم تولّد شخص آخر قبله، و بعد ضمّه إلى تولّده وجداناً من أبيه يحرز أنّه الأكبر، و أثره وجوب القضاء عليه.

ثانيهما: أصالة عدم تولّد شخص آخر قبل أخيه، و بعد ضمّه إلى تولّده هو من أبيه وجداناً يحرز به أنّ الأخ هو الأكبر، و أثره هو وجوب القضاء على الأخ لا عليه. فيتعارض الاستصحابان لا محالة.

فتحصّل: أنّ الأقوى هو عدم الوجوب على واحد منهم كما أفاده في المتن و إن كان الأحوط هو التوزيع أو القرعة كما أفاده (قدس سره).

285

[مسألة 9: لو تساوى الولدان في السنّ قسّط القضاء عليهما]

[1851] مسألة 9: لو تساوى الولدان في السنّ قسّط القضاء عليهما [1] (1) و يكلّف بالكسر أي ما لا يكون قابلًا للقسمة و التقسيط، كصلاة واحدة و صوم يوم واحد كلّ منهما على الكفاية، فلهما أن يوقعاه دفعة واحدة و يحكم بصحّة كلّ منهما و إن كان متّحداً في ذمّة الميت

____________

التساوي في السن:

(1) إذا تساوى الولدان في السنّ كما في التوأمين أو المتولّدين من أُمّين في ساعة واحدة، فهل يقسّط القضاء عليهما حينئذ، أو يجب عليهما كفاية، أو لا يجب على واحد منهما شي‌ء أصلًا؟ وجوه، بل أقوال:

نسب الأخير إلى الحلّي (رحمه اللّٰه) (1) استناداً إلى أنّ موضوع الحكم هو الولد الأكبر، و المفروض هو انتفاؤه بعد تساويهما في السنّ.

و هو ساقط جدّاً، فانّ الموضوع ليس هو عنوان الأكبر و إن ذكره الفقهاء في كلماتهم كما مرّ مراراً، بل الموضوع هو الأولى بالميراث الصادق عليهما معاً.

مع أنّ الأكبريّة على تقدير اعتبارها إنّما تلحظ بالإضافة إلى من هو أصغر منه على تقدير وجوده، لا بالإضافة إلى من يساويه في السنّ، و لذا لو انحصر الوارث بولد واحد كان هو الوليّ بلا إشكال، و إن لم يصدق عليه عنوان الأكبر. فليست الأكبرية معتبرة على الإطلاق.

إذن فالمسألة تدور بين القولين الأوّلين. ذهب كثيرون إلى التقسيط، منهم المصنّف (قدس سره).

____________

[1] الظاهر أنّ الوجوب كفائي مع إمكان التقسيط و عدمه، فانّ الظاهر وجوب طبيعي المقضي على طبيعي الولي، و لازم ذلك كون الوجوب عينياً إذا لم يتعدد الولي و كفائياً إذا تعدد.

____________

(1) السرائر 1: 399.

286

..........

____________

و قد استدلّ له شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسالته (1) بعد اختياره ذلك: بأنّ دليل وجوب القضاء لمّا كان مجملًا و لم يكن صالحاً لإثبات أحد الأمرين في المقام من التقسيط و الوجوب الكفائي كان المرجع حينئذ هو الأصل، و مقتضاه التقسيط، فانّ نصف ما في ذمّة الميّت واجب على كلّ من الأخوين على كلّ تقدير، أي سواء أ كان الوجوب كفائياً أم على سبيل التقسيط، فيكون هذا هو المتيقّن، و ينفى الزائد المشكوك بأصالة البراءة.

و قد فصّل المصنّف (قدس سره) بين ما إذا كان المورد قابلًا للتقسيط فالتزم فيه بذلك، و بين ما إذا لم يقبله كما إذا اشتغلت ذمّة الميّت بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد، أو استلزم التقسيط الكسر كما فيما إذا اشتغلت ذمّته بصلوات ثلاث أو صوم خمسة أيّام، فالتزم في مثل ذلك بالوجوب على كلّ منهما كفاية.

و لا يخفى أنّ الجمع بين الأمرين أعني القول بالتقسيط فيما يقبله، و الالتزام بالوجوب الكفائي فيما لا يقبله ممّا يشكل إثباته بالدليل، بل إثباته بدليل واحد مستحيل كما هو ظاهر، حيث لا يتكفّل الدليل الواحد بإثبات الوجوب العيني و الكفائي معاً.

و كأنّ الوجه فيما ذهب إليه (قدس سره) من الوجوب الكفائي فيما لا يقبل التقسيط هو العلم الخارجي بوجوب تفريغ ذمّة الميّت مطلقاً، بحيث لا يحتمل اختصاصه بما يقبل التقسيط، و حينئذ فلا يحتمل انتفاء الوجوب في هذا الفرض كما أنّه لا يحتمل الوجوب العيني على كلّ منهما، فإنّ الفائتة الواحدة لا تستدعي قضاءين بالضرورة، فلا محالة ينحصر الوجه المعقول بالوجوب الكفائي.

و الأقوى هو القول بالوجوب الكفائي مطلقاً، بلا فرق بين ما يقبل التقسيط و ما لا يقبله، و الوجه فيه: أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في صحيحة‌

____________

(1) رسائل فقهية: 220.

287

..........

____________

حفص المتقدّمة (1): «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» أنّ وجوب القضاء ثابت في حقّ طبيعيّ الوليّ، الصادق تارة على الواحد كالولد الأكبر و هو الغالب و على المتعدّد اخرى كما في المقام.

فموضوع الوجوب هو الطبيعيّ الصادق على الواحد و المتعدّد، كما أنّ الواجب هو الطبيعيّ الفائت عن الميّت، أي كلّ فردٍ منه اشتغلت ذمّته به. فيجب قضاء طبيعيّ ما فات على طبيعي الوليّ.

و نتيجة ذلك: الالتزام بالوجوب العيني في فرض وحدة الوليّ و الوجوب الكفائي عند تعدّده، إذ لا تحتمل العينيّة في هذا الفرض، كيف و أنّ الفائتة الواحدة لا توجب إلّا قضاء واحداً لا قضاءين.

كما لا يحتمل التقسيط أيضاً، لما عرفت آنفاً من وجوب قضاء الطبيعيّ بمعنى كلّ فردٍ من الفائتة على الوليّ، فكلّ من الوليّين يجب عليه الإتيان بجميع ما فات الميّت، فاذا كان قد فاتته صلاتان أو ثلاث صلوات كان الواجب على طبيعيّ الوليّ قضاء كلّ صلاة فاتته، لا حصّة من ذلك.

كما لا يحتمل السقوط رأساً كما مرّ، و عليه فلا مناص من الالتزام بالوجوب الكفائي. فيجب عليهما معاً كفاية الإتيان بجميع ما فات الميّت.

فاذا بادر أحدهما إلى ذلك سقط عن الآخر، من غير فرق بين ما يقبل التقسيط و ما لا يقبله، أو ما يستلزم الكسر و ما لا يستلزمه، لوحدة المناط في الكلّ.

و إذا فرضنا أنّهما أوقعاه دفعة واحدة بأن صاما عنه في يوم واحد أو صلّيا عنه بحيث كان فراغهما منها في زمان واحد كما لو صلّياها جماعة يحكم بصحّة كلتا الصلاتين، و إن كان ما اشتغلت به ذمّة الميّت واحداً، كما أشار إليه المصنّف (قدس سره)، فانّ الوجوب كان ثابتاً في حقّ طبيعيّ الوليّ كما عرفت‌

____________

(1) في ص 264.

288

و لو كان صوماً من قضاء شهر رمضان لا يجوز لهما الإفطار [1] بعد الزوال (1) و الأحوط الكفّارة على كلّ منهما [2] مع الإفطار بعده بناء على وجوبها في القضاء عن الغير أيضاً كما في قضاء نفسه.

____________

و هو كما يصدق على الواحد يصدق على المتعدّد المتحقّق دفعة واحدة.

(1) المعروف بينهم عدم جواز الإفطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان الموسّع، و أنّه إذا أفطر وجبت عليه الكفّارة، و المتيقّن منه القضاء عن نفسه و أمّا عن غيره ففيه خلاف تأتي الإشارة إليه في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (1). و على أيّ حال فهل الحكمان يثبتان في المقام أو لا؟

أمّا بالنسبة إلى جواز الإفطار فلا يبعد التفصيل بين صورة الاطمئنان بإتمام الآخر و عدمه، فيجوز له الإفطار في الأُولى دون الثانية، فإنّه بعد فرض كون الوجوب كفائياً و حصول الاطمئنان بوجود من به الكفاية و قيامه بالواجب على الوجه الصحيح لا موجب للمنع عن إفطار هذا الشخص، و هذا بخلاف ما إذا لم يطمئنّ بذلك، سواء أ كان شاكاً في إتمام الآخر أم مطمئناً بعدمه، فإنّه يشكل الإفطار حينئذ، بل لا يجوز، لكونه بمثابة الإخلال بالواجب الكفائي و عصيانه.

و أمّا الكفّارة فلا يبعد القول بوجوبها كفاية، نظراً إلى أنّها تتبع كيفية وجوب الصوم، فاذا كان وجوبه بنحو الكفاية كانت الكفارة أيضاً كذلك.

هذا إذا أفطرا دفعة واحدة، و أمّا إذا كان بينهما سبق و لحوق بأن أفطر أحدهما أوّلًا عصياناً أو لاطمئنانه بإتمام الآخر، فيمكن القول باختصاص الكفّارة حينئذ بالمتأخّر، إذ بعد إفطار الأوّل ينقلب الوجوب الكفائي إلى العيني‌

____________

[1] لا يبعد جوازه لأحدهما إذا اطمأنّ بإتمام الآخر.

[2] لا يبعد كون وجوبها أيضاً كفائياً، نعم إذا لم يتقارن الإفطاران فوجوبها على المتأخّر لا يخلو من وجه.

____________

(1) في المسألة [2548].

289

[مسألة 10: إذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه سقط عن الولّي بشرط الإتيان من الأجير صحيحاً]

[1852] مسألة 10: إذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه سقط عن الولّي بشرط الإتيان من الأجير صحيحاً (1).

____________

بالنسبة إليه، الموجب لاختصاص الكفّارة به.

السقوط عن الوليّ بالوصية:

(1) أمّا جواز مثل هذه الوصيّة و مشروعيّتها فممّا لا إشكال فيه و لا خلاف و قد ادّعي عليه الإجماع. و لا حاجة إلى الاستدلال به، لكون الحكم طبق القاعدة، فلا يحتاج إلى إقامة دليل عليه بالخصوص.

و ذلك لأنّه بعد الفراغ عن مشروعيّة التبرّع في النيابة عن الأموات كما أسلفنا القول فيه مستقصى في فصل صلاة الاستئجار (1) يكون جواز الاستئجار لمثل هذا العمل السائغ ثابتاً بمقتضى عموم دليل الوفاء بالعقود، كما أنّ صحّة الوصيّة المتعلّقة بالاستئجار المذكور تكون مشمولة لعمومات نفوذ الوصيّة، فلا ينبغي التأمّل في المقام في نفوذها.

إنّما الكلام في وجوب القضاء حينئذ على الوليّ، فقد منعه جماعة منهم شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسالته (2) و استدلّ له:

أوّلًا: بانصراف دليل الوجوب عن صورة الوصيّة. و فيه: ما لا يخفى، فانّ الموجب للانصراف إن كان هو التنافي بين الأمرين فهو يرجع إلى الوجه الآتي و ستعرف ما فيه. و إن كان شيئاً آخر فعليه البيان بعد أن لم يكن مبيّناً بنفسه.

و ثانياً: بثبوت المنافاة بين الوجوب على الوليّ و بين نفوذ الوصيّة، و إذ لا يمكن الجمع بينهما يقدّم الثاني لا محالة.

بيان ذلك: أنّه بعد فرض وجوب العمل بالوصيّة لا يمكن الجمع بينه و بين الوجوب على الوليّ عيناً، فإنّ الفائتة الواحدة لا تقضى مرّتين، و لا يجب‌

____________

(1) في ص 198 و ما بعدها.

(2) رسائل فقهية: 239.

290

..........

____________

قضاؤها على شخصين. و الحمل على الوجوب الكفائي مخالف لظاهري الدليلين.

و حيث تصل النوبة إلى الأخذ بظاهر أحدهما فلا محالة يتعيّن تقديم الوصيّة لأنّ وجوبها ثابت بالعنوان الثانوي الحاكم على العناوين الأوليّة كما في غير المقام، فإنّها أحكام طبعيّة اقتضائية لا تنافي بينها و بين الحكم الثابت بالعنوان الثانوي الطارئ، بل هي محكومة به. و عليه فوجوب القضاء على الوليّ حكم أوّلي اقتضائيّ، و وجوب العمل بالوصية حكم ثانويّ فعليّ حاكم عليه. و لعله لأجل ذلك حكم (قدس سره) بانصراف الدليل عن مثل المقام.

قلت: الظاهر عدم التنافي بين الأمرين، و توضيحه يتوقّف على بيان ما في الوصيّة بالاستئجار من الجهات لنرى بعد ذلك أنّ أيّاً منها تنافي وجوب القضاء على الوليّ، فنقول: إنّ الثابت في الفرض المذكور عند التحليل أُمور ثلاثة:

أحدها: وجوب الاستئجار على الوصيّ، و لا ينبغي التأمّل في عدم التنافي بينه و بين وجوب القضاء عيناً على الوليّ، فإنّهما حكمان لموضوعين و لشخصين أحدهما أجنبي عن الآخر، و لا معنى حينئذ للحمل على الوجوب الكفائي لا لمجرّد مخالفته لظاهري الدليلين كما ذكره (قدس سره)، بل لامتناعه في نفسه.

فانّ مورد الوجوب الكفائي ما إذا كان هناك حكم واحد قد تعلّق بطبيعيّ المكلّف، و المفروض هنا ثبوت حكمين متغايرين موضوعاً و متعلّقاً، أحدهما: وجوب الاستئجار الثابت للوصيّ. و الآخر: وجوب القضاء للوليّ. و لا ارتباط لأحدهما بالآخر، فلا منافاة بين الحكمين في هذه المرحلة.

ثانيها: ملكيّة الموصي أو الوصيّ للعمل في ذمّة الأجير. و لا شك أيضاً في عدم منافاتها لوجوب القضاء على الوليّ، لعدم التنافي بين الحكم التكليفي و الوضعي.

ثالثها: وجوب الصلاة على الأجير من باب وجوب تسليم العمل المستأجر‌

291

..........

____________

عليه الثابت بمقتضى عقد الإجارة، و إذا كان هناك تنافٍ بين الحكمين فإنّما يكون ذلك في هذه المرحلة، إذ قد يتوهّم التنافي بين هذا و بين وجوب القضاء على الوليّ، فإنّ فائتة الميّت لا تقتضي إلّا قضاءها مرّة واحدة، إذ لا معنى لتفريغ ذمّته مرّتين، فكيف يمكن الالتزام مع هذا بوجوب القضاء على كلّ من الأجير و الوليّ عيناً.

و لا مجال للالتزام حينئذ بالوجوب الكفائي أيضاً، فإنّ مقتضى عقد الإجارة هو وجوب التسليم على الأجير عيناً، فإنّه طرف عقد الإيجار، لا الطبيعي الأعمّ منه و من الوليّ، فكيف يمكن أن يكون عمل الوليّ وفاءً بعقد الإجارة مع كونه أجنبياً عنه بالكلّية.

و التحقيق: عدم المنافاة بينهما حتّى في هذه المرحلة، لاختلاف الحكمين سنخاً، فانّ الوجوب الثابت على الأجير مطلق غير مشروط بما عدا الشرائط العامّة، و منها القدرة على التسليم التي ستعرف حالها.

و هذا بخلاف الوجوب المتعلّق بالوليّ، فهو مشروط حدوثاً و بقاءً باشتغال ذمّة الميّت بالقضاء، لكونه مأموراً بتفريغ ذمّته، الموقوف ذلك على اشتغال الذمّة، فكما أنّ انتفاء اشتغال الذمّة حدوثاً يوجب انتفاء وجوب القضاء على الوليّ رأساً كذلك فراغ ذمته بقاءً كما لو تبرّع به متبرّع، أو بادر الأجير إلى ذلك يوجب سقوط الوجوب عن الوليّ بقاءً، لانعدام الموضوع.

و على الجملة: تكليف الوليّ بالقضاء دائر مدار اشتغال ذمّة الميّت به حدوثاً و بقاءً، ففي كلّ آن زال الاشتغال المذكور سقط الوجوب عن الوليّ أيضاً. و هذا بخلاف الوجوب الثابت في حقّ الأجير بعقد الإجارة، فإنّه مطلق من هذه الجهة، كما لا يخفى (1).

و عليه فلا تنافي بين الوجوبين، لعدم المنافاة بين الواجب المطلق و المشروط‌

____________

(1) هذا وجيه لو كان متعلّق الإجارة ذات العمل لا تفريغ الذمّة، فينبغي التفصيل، إلّا أن يكون منصرف كلامه هو الأوّل كما لا يبعد.

292

..........

____________

فيكون المقام أشبه شي‌ء بباب الترتّب، حيث إنّ وجوب الأهم هناك مطلق و وجوب المهم مشروط بعصيان الأهم، بلا تعاند بين الوجوبين، و كذلك الحال فيما نحن فيه، غايته: أنّ الشرط في المقام ليس هو العصيان بخصوصه، بل مجرّد عدم إتيان الأجير بالقضاء صحيحاً، سواء أ كان عاصياً بذلك أم كان معذوراً فيه. و هذا هو مراد المصنّف (قدس سره) من اشتراط السقوط عن الوليّ بإتيان الأجير صحيحاً.

ثمّ إنّه لو بادر الوليّ إلى القضاء قبل الأجير فهل يحكم بانفساخ الإجارة؟ فيه تفصيل، مرّت الإشارة إليه في المسألة الثانية و العشرين من الفصل السابق و محصّله: أنّ الإجارة قد تقع على ذات العمل، و أُخرى على عنوان التفريغ.

فعلى الأوّل لا موجب للانفساخ أبداً، لتمكّن الأجير من الإتيان بالعمل بعد ذلك و لو رجاءً، لاحتمال الفساد واقعاً في عمل الوليّ لاشتماله على خلل لم يعلم به، كأن يكون جنباً و هو لا يدري، حيث يكون العمل من الأجير حينئذ صحيحاً و مشروعاً، فهو قادر على التسليم عقلًا و شرعاً. و لا يعتبر في الإجارة أكثر من هذا، فلا موجب للانفساخ، فيجب عليه القضاء حينئذ رجاءً وفاءً بعقد الإجارة.

و أمّا على الثاني فتارة: لا يتمكّن الأجير من التفريغ أصلًا لا حدوثاً و لا بقاءً، كما في المرأة حال طمثها إذا بادر الوليّ إلى القضاء خلال هذه الفترة، لعدم تمكّنها من العمل خلال هذه الفترة للطمث، و لا بعدها لانتفاء الموضوع فتكون القدرة على التسليم منتفية في حقّها في جميع الآنات المتصوّرة، و في مثل ذلك لا ينبغي الشكّ في انفساخ الإجارة بالعجز عن التسليم، الكاشف عن عدم كون الأجير مالكاً لشي‌ء حتّى يملّكه الغير، و لا إجارة إلّا في ملك.

و أُخرى: يطرأ العجز عليه بعد فرض تمكّنه من ذلك، كما لو استؤجر للصلاة خلال شهر مثلًا فتسامح في الإتيان به إلى أن بادر الولي إليه، فحصل به التفريغ و انتفى به الموضوع بقاءً بعد فرض قدرته عليه حدوثاً، و حينئذ لا موجب للانفساخ كما في جميع موارد العجز الطارئ، غايته ثبوت الخيار للمستأجر‌

293

[مسألة 11: يجوز للوليّ أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميّت]

[1853] مسألة 11: يجوز للوليّ أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميّت (1).

____________

فان اختار الفسخ رجع على الأجير بأُجرة المسمّى، و إن أمضى العقد طالبه بقيمة العمل أي أجرة المثل، للانتقال إلى البدل بعد تعذّر العين.

جواز استئجار الوليّ غيره:

(1) مقتضى ظواهر جملة من النصوص الواردة في المقام كصحيح حفص (1) و غيره (2) اعتبار المباشرة في القضاء في حقّ الوليّ، كما هو الحال في ظاهر كلّ خطاب متوجّه إلى المكلّف، فانّ مقتضى إطلاقه هو المباشرة و عدم سقوط التكليف بفعل الغير كما حقّق ذلك في محلّه (3).

إلّا أنّه ورد في بعضها إطلاق مشروعيّة العبادة عن الأموات، الكاشف عن صحّة التبرّع من غير الوليّ، بل في بعضها التصريح بصحّتها من قبل أخ الميّت فإنّه بعد قيام الدليل على مشروعية التبرّع لكلّ أحد و فراغ ذمّة الميّت به يستكشف منه كون الوجوب المتعلّق بالوليّ مشروطاً حدوثاً و بقاءً باشتغال ذمّة الميّت بالقضاء، فلا تكليف بعد التفريغ بأداء المتبرّع كما مرّت الإشارة إلى ذلك في المسألة السابقة، و لأجله ترفع اليد عن ظواهر النصوص الدالّة على المباشرة، و يحكم بسقوط التكليف بفعل الغير أيضاً.

و عليه فلا مانع من تسبيب الوليّ إلى تصدّي الغير للتفريغ، إمّا باستدعائه للتبرّع و التماس منه أو باستئجاره لذلك، لصحّة الفعل الصادر عن الأجير و قدرته عقلًا و شرعاً على التسليم بعد فرض جواز التبرّع منه كما عرفت. و لا يعتبر في صحّة الإجارة أكثر من ذلك، فتشمله عمومات الإجارة من دون حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص.

____________

(1) المتقدّم في ص 264.

(2) كصحيحة الصفّار المتقدمة في ص 276.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 2: 142 فما بعدها.

294

[مسألة 12: إذا تبرّع بالقضاء عن الميت متبرع سقط القضاء عن الوليّ]

[1854] مسألة 12: إذا تبرّع بالقضاء عن الميت متبرع سقط القضاء عن الوليّ (1).

____________

فما يظهر من الحلّي (1) و جماعة من عدم السقوط عن الوليّ بذلك لأجل الشكّ فيه و مقتضى الأصل العدم، كما ترى، إذ لا ينتهي الأمر إلى الأصل مع فرض قيام الدليل. و من الواضح أنّه لا معنى لوجوب التفريغ على الوليّ بعد حصوله بفعل الغير المتبرّع بذلك أو الأجير.

نعم، قد يظهر من مكاتبة الصفّار المتقدّمة لزوم مباشرة الوليّ و عدم السقوط بفعل الغير، قال: «كتبت إلى الأخير (عليه السلام): رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، و له وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً، خمسة أيّام أحد الوليّين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع (عليه السلام): يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّٰه تعالى» (2).

لكنّ الصحيحة بظاهرها مطروحة مهجورة، و لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله لدلالتها على عدم مشروعية القضاء من غير الوليّ، و على اعتبار التوالي فيه أيضاً، و شي‌ء منهما ممّا لا يلتزم به أحد من الأصحاب، فإنّ محلّ الكلام إنّما هو الوجوب على الوليّ، و أمّا الجواز و أصل المشروعية فثبوت ذلك في حقّ كل أحد ممّا لا إشكال و لا كلام فيه.

و أمّا التوالي في القضاء فلم يكن معتبراً في قضاء الميّت نفسه لو كان هو المتصدّي لقضاء ما بذمّته في حال حياته، فكيف يعتبر ذلك في وليّه. فلا مناص من التأويل بحمله على الأفضلية كما ليس ببعيد، أو ردّ علمها إلى أهله.

(1) و قد ظهر وجهه ممّا مرّ في المسألة السابقة و ما مرّ في مطاوي الأبحاث المتقدّمة أيضاً.

____________

(1) السرائر 1: 399، 398.

(2) الوسائل 10: 330/ أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3.

295

[مسألة 13: يجب على الولي مراعاة الترتيب]

[1855] مسألة 13: يجب على الولي مراعاة الترتيب [1] (1) في قضاء الصلاة و إن جهله وجب عليه الاحتياط بالتكرار.

[مسألة 14: المناط في الجهر و الإخفات على حال الولّي المباشر لا الميّت]

[1856] مسألة 14: المناط في الجهر و الإخفات على حال الولّي المباشر (2) لا الميّت، فيجهر في الجهريّة و إن كان القضاء عن الام.

[مسألة 15: في أحكام الشك و السهو يراعي الوليّ تكليف نفسه]

[1857] مسألة 15: في أحكام الشك و السهو يراعي الوليّ تكليف نفسه (3) اجتهاداً أو تقليداً لا تكليف الميّت، بخلاف أجزاء الصلاة و شرائطها فإنّه يراعي تكليف الميّت [1] (4).

____________

الترتيب و غيره:

(1) عرفت سابقاً (1) عدم وجوبه في غير المترتّبتين بالذات كالظهرين و العشاءين من يوم واحد، فلا حاجة إلى التكرار في صورة الجهل، و إن كان أحوط.

(2) فإنّهما كاعتبار الساتر و عدم لبس الحرير أو الذهب للرجال من شرائط المصلّي دون الصلاة، فتكون العبرة بحال النائب المباشر دون المنوب عنه، فاذا كان رجلًا وجب عليه الجهر في الجهريّة، و حرم عليه لبس الذهب و الحرير، و لم يجب عليه ستر ما عدا العورتين و إن كان المنوب عنه امرأة. و العكس بالعكس. و هكذا الحال في سائر الأحكام المتعلّقة بالمصلّي.

(3) فإنّ المصلّي و هو الوليّ هو الشاكّ أو الساهي، فلا بدّ له من مراعاة ما تقتضيه وظيفته في الفرض المذكور اجتهاداً أو تقليداً، و لا دخل لنظر الميّت في ذلك، لكون ذلك من أحكام المصلّي دون الصلاة كما مرّ في المسألة السابقة.

(4) قد مرّ الكلام حول الفرع في المسألة الخامسة عشرة من الفصل‌

____________

[1] مرّ عدم وجوبها.

[1] مرّ حكمه [في المسألة 1827].

____________

(1) في ص 136 و ما بعدها.

296

و كذا في أصل وجوب القضاء [1] فلو كان مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده وجوب القضاء عليه يجب على الوليّ الإتيان به و إن كان مقتضى مذهبه عدم الوجوب، و إن كان مقتضى مذهب الميّت عدم الوجوب لا يجب عليه و إن كان واجباً بمقتضى مذهبه، إلّا إذا علم علماً وجدانياً قطعياً ببطلان مذهب الميّت فيراعي حينئذ تكليف نفسه.

____________

السابق (1)، و قد قلنا هناك: إنّ فوائت الميّت تكون موضوعاً لتوجيه الخطاب بالقضاء إلى الوليّ، فهو المكلّف بالتفريغ، و لا بدّ له من الإتيان بعمل يراه هو مصداقاً للتفريغ و يعدّ بنظره امتثالًا للخطاب المفروض، فلا دخل لنظر الميّت في سقوط الخطاب المتوجّه إلى الوليّ.

فلو اختلفا في أجزاء الصلاة أو شرائطها اجتهاداً أو تقليداً كان المتّبع هو نظر الوليّ نفسه، و عليه أن يعمل حسب وظيفته، و لا أثر لنظر غيره. فحكمه (قدس سره) بمراعاة تكليف الميّت لعلّه عجيب.

و أعجب منه ما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من كون الاعتبار في أصل وجوب القضاء أيضاً بنظر الميّت، فلو اختلفا فيه اجتهاداً أو تقليداً كان المتّبع في وجوب القضاء على الوليّ هو رأي الميّت.

و هو كما ترى ممّا لا يمكننا المساعدة عليه بوجه، فانّ موضوع الخطاب بالقضاء المتوجّه إلى الوليّ إنّما هو فوائت الميّت، بحيث يصدق أنّ «عليه صلاة» (2) كما مرّ، و السبيل إلى تشخيص هذا الموضوع إنّما هو نظر من خوطب بالقضاء عنه و هو الوليّ، دون غيره الأجنبي عن التكليف المذكور.

فمتى ما أحرز الوليّ و بأيّ مقدار أحرز تحقّق الموضوع و ثبوت الفوت عن الميّت كان الخطاب المذكور فعلياً في حقّه و إن لم يكن كذلك أصلًا أو بذلك‌

____________

[1] المتبع فيه اجتهاد الولي أو تقليده على الأظهر.

____________

(1) في ص 241 و ما بعدها.

(2) الوارد في صحيحة حفص المتقدّمة في ص 264.

297

[مسألة 16: إذا علم الوليّ أنّ على الميّت فوائت و لكن لا يدري أنّها فاتت لعذر من مرض]

[1858] مسألة 16: إذا علم الوليّ أنّ على الميّت فوائت و لكن لا يدري أنّها فاتت لعذر من مرض أو نحوه أو لا لعذر، لا يجب عليه القضاء [1] (1)، و كذا إذا شكّ في أصل الفوت و عدمه (2).

[مسألة 17: المدار في الأكبريّة على التولّد لا على انعقاد النطفة]

[1859] مسألة 17: المدار في الأكبريّة على التولّد (3) لا على انعقاد النطفة فلو كان أحد الولدين أسبق انعقاداً و الآخر أسبق تولداً فالوليّ هو الثاني، ففي التوأمين الأكبر أوّلهما تولّدا.

____________

المقدار في حقّ الميت. و العكس بالعكس، و لا أثر لنظر الميّت حينئذ أبداً.

(1) لا أثر لهذا الشكّ بناء على ما عرفت من أنّ الأقوىٰ وجوب القضاء على الوليّ بالنسبة لمطلق فوائت الميّت، سواء الفائتة لعذر أم لغيره، نعم على مسلكه (قدس سره) من الاختصاص بما فاته لعذر يكون المرجع في مورد الشكّ أصالة البراءة، للشكّ في تحقّق موضوع الحكم.

(2) لأصالة البراءة، فإنّ الموضوع للقضاء إنّما هو صدق عنوان: «يموت و عليه صلاة أو صيام» كما في صحيح حفص، و هو مساوق (1) لعنوان الفوت، و المفروض الشكّ في تحقّق العنوان المذكور. و أصالة عدم الإتيان بالعمل في وقته لا تكاد تجدي لإثبات العنوان، فيدفع بالأصل. مضافاً إلى قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت الجارية في حقّ الميّت، فليتأمّل.

(3) إذ لا أثر لسبق انعقاد النطفة مع التأخّر بحسب التولّد، فانّ العبرة إنّما هي بسبقه إلى هذا العالم الخارجي، لكون المناط في الأكبريّة عرفاً هو هذا الاعتبار. و عليه ففي التوأمين تكون الأكبريّة بسبق أحدهما ولادةً و لو بدقائق و إن فرضنا تأخّره انعقاداً.

____________

[1] بل يجب عليه على ما مرّ.

____________

(1) بل يفارقه، فانّ الفوت عنوان وجودي، فلا يمكن إثباته بأصالة عدم الإتيان. بخلاف ما في النصّ، فإنّه مؤلّف من جزأين: الموت، و اشتغال الذمّة بالعبادة، و لا مانع من إحرازهما بضمّ الوجدان إلى الأصل فتدبّر.

298

[مسألة 18: الظاهر عدم اختصاص ما يجب على الوليّ بالفوائت اليومية]

[1860] مسألة 18: الظاهر عدم اختصاص ما يجب على الوليّ بالفوائت اليومية، فلو وجب عليه صلاة بالنذر الموقّت و فاتت منه لعذر وجب على الوليّ قضاؤها (1).

____________

نعم، يظهر من مرسلة علي بن أحمد بن أشيم عن الصادق (عليه السلام) خلافه، فقد قال (عليه السلام): «الذي خرج أخيراً هو أكبر، أما علمت أنّها حملت بذلك أوّلًا، و أنّ هذا دخل على ذلك» (1).

و لكنّها أوّلًا: ضعيفة بالإرسال، نعم إنّ ابن أشيم و إن لم يوثّق صريحاً لكنّه موجود في أسناد كامل الزيارات. فلا مناقشة في سندها من جهته.

و ثانياً: أنّ مفادها غير قابل للتصديق، لانعقاد نطفتي التوأمين في آن واحد لدخول الحيوانين المنويّين في الرحم دفعة واحدة كما هو المحقّق في محلّه. فلا دخول لأحدهما على الآخر.

و ثالثاً: مع التسليم أيضاً فالأسبقيّة في انعقاد النطفة بمجرّدها لا تكفي للاتصاف بالأكبرية ما لم يكن هناك سبق في الولادة، فلو افترضنا أنّه واقع إحدى زوجتيه ثمّ بعد شهر على ذلك واقع الأُخرى فحملتا منه، ثمّ وضعت الثانية حملها قبل الأُولى بأن وضعته لستة أشهر، فهل يمكن الالتزام بأكبريّة ولد الزوجة الاولى مع تأخّره عن ولد الثانية بالولادة بشهرين استناداً إلى أسبقيّة انعقاد نطفته؟

و على الجملة: الرواية مخدوش فيها من جهات، و لذلك لا يصحّ التعويل عليها، بل الصحيح هو ما ذكرناه.

عدم الاختصاص باليوميّة:

(1) لإطلاق النصّ، فانّ الموضوع للحكم في صحيحة حفص (2) «الرجل‌

____________

(1) الوسائل 21: 497/ أبواب أحكام الأولاد ب 99 ح 1.

(2) المتقدمة في ص 264.

299

[مسألة 19: الظاهر أنّه يكفي في الوجوب على الوليّ إخبار الميّت]

[1861] مسألة 19: الظاهر أنّه يكفي في الوجوب على الوليّ إخبار الميّت [1] بأنّ عليه قضاء ما فات لعذر (1).

____________

يموت و عليه صلاة ...» يعمّ كافة الصلوات الواجبة الفائتة من الميّت. و دعوى الانصراف إلى اليومية كما ترى.

نعم، يختص الحكم بما كان واجباً على الميّت نفسه بالأصالة، فلا يشمل ما وجب عليه بالاستئجار أو الولاية، لأنّ المذكور في الصحيحة المشار إليها: «يقضي عنه أولى الناس ...»، و الضمير المجرور عائد إلى الميّت.

فيكون مفادها وجوب القضاء عن الميّت نفسه، فلا يشمل مورد الفوائت الواجبة بالاستئجار أو الولاية، فإنّ القضاء في ذلك إنّما يكون عمّن استؤجر له أو عمّن له الولاية عليه، لا عن الميّت نفسه. فالنصّ بنفسه قاصر الشمول لمثل ذلك، بلا حاجة إلى دعوى الانصراف.

ثبوت القضاء بإخبار الميّت:

(1) لا يخفى أنّه لا دليل على اعتبار الإخبار المذكور إلّا من باب الإقرار على النفس، الذي يختصّ نفوذه بما إذا ترتّب على ذلك أثر في حال الحياة كما في الإقرار بالدين، فإنّه يوجب إلزامه بالأداء لو طالبه الدائن، و لو امتنع عنه وجب على الوارث إخراجه من الأصل.

و أمّا في المقام فلا يترتّب على إقراره أيّ أثر حال الحياة، و إنّما يظهر ذلك بعد الموت و في تعلّق الوجوب بالوليّ، فيكون مرجعه إلى الإقرار على شخص آخر لأعلى نفسه. و واضح أنّ إقرار العقلاء نافذ على أنفسهم لا على غيرهم.

نعم، لو فرضنا الميّت ثقة كان إخباره حجّة بملاك حجيّة خبر الثقة في الموضوعات كالأحكام، كما لو كان المخبر بذلك ثقة آخر غير الميّت.

____________

[1] في كفايته إشكال، بل منع.

300

[مسألة 20: إذا مات في أثناء الوقت بعد مضيّ مقدار الصلاة بحسب حاله قبل أن يصلّي]

[1862] مسألة 20: إذا مات في أثناء الوقت بعد مضيّ مقدار الصلاة بحسب حاله قبل أن يصلّي وجب على الوليّ قضاؤها (1).

____________

و على الجملة: إخبار الميّت بفوائت نفسه بهذا العنوان لا دليل على حجّيته ما لم يدخل تحت عنوان إخبار الثقة الثابت حجيّته في الموضوعات كالأحكام.

(1) لأنّ موضوع الوجوب على الوليّ ليس هو الفوت عن الميّت كي لا يشمل المقام، بل صدق «أنّه مات و عليه صلاة أو صيام ...» كما في صحيحة حفص، و هو صادق في المقام.

و التعبير بالقضاء في النصّ يراد به المعنى اللغوي أعني مطلق الإتيان، دون المصطلح الخاصّ بالمأتي به خارج الوقت حتّى يتأمّل في شموله للمقام. فدعوى الاختصاص بغير المقام ممّا يثبت فيه القضاء على الميّت اغتراراً بالتعبير المذكور في غير محلّها.

و يؤيّده: رواية ابن سنان الواردة في خصوص المقام عن الصادق (عليه السلام) «قال: الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به» (1).

لكنّها ضعيفة السند، لضعف طريق السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتاب غياث سلطان الورى ... كما مرّ (2). فلا تصلح إلّا للتأييد.

نعم، إنّ هنا فرعاً تعرّض له جماعة من الأصحاب، و هو أنّه هل يجب على الوليّ المبادرة بإيقاع هذه الصلاة في وقتها، أو أنّ له التأخير إلى خروج الوقت؟

قد يقال بالأول، فإنّ الوليّ إنّما يتلقّى التكليف المتوجّه إلى الميّت على ما هو‌

____________

(1) الوسائل 8: 281/ أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 18.

(2) في ص 199 200.

301

[مسألة 21: لو لم يكن وليّ أو كان و مات قبل أن يقضي عن الميّت]

[1863] مسألة 21: لو لم يكن وليّ أو كان و مات قبل أن يقضي عن الميّت وجب الاستئجار من تركته [1]، و كذا لو تبيّن بطلان ما أتى به (1).

[1864] مسألة 22: لا يمنع من الوجوب على الوليّ اشتغال ذمّته بفوائت نفسه (2)،

____________

عليه و بما له من الخصوصيات، فهو مخاطب بخطاب مماثل للخطاب المتوجّه إلى الميّت، بلا فرق بينهما إلّا من جهة المباشر، حيث يكون الولي قد فرض نفسه مقام الميّت، لتعذّر تصدّي الميّت لذلك بنفسه، فهذا المقدار من الاختلاف و الفرق ممّا لا مناص منه، و أمّا الإيقاع في الوقت فغير متعذّر، فيجب على الوليّ مراعاته كما كان ذلك واجباً على الميّت.

و يتوجّه عليه: أنّ تقييد الصلاة بالوقت إنّما كان ثابتاً في حقّ الميّت، و قد سقط ذلك التكليف بالموت قطعاً، و إنّما حدث في حقّ الوليّ تكليف آخر جديد، و لا دليل على التقييد في هذا التكليف الحادث، حيث لا شاهد على اعتبار المماثلة في جميع الأحكام، بل مقتضى الإطلاق في صحيحة حفص عدم لزوم مراعاته كما لا يخفى. فالأقوى جواز تأخير الولي القضاء إلى خارج الوقت.

انتفاء الولي:

(1) قد مرّ سابقاً أنّ الأقوى عدم وجوب الاستئجار إلّا في صورة الوصيّة، فلا تخرج من التركة في مفروض المسألة، لعدم كون الواجبات الإلهية من قبيل الحقوق الماليّة، فلاحظ ما سبق (1) و لا نعيد.

(2) بلا خلاف فيه، لإطلاق الأدلّة. و لا يقاس ذلك بالتطوّع ممّن عليه فريضة، الممنوع منه في الصوم بلا إشكال و في الصلاة على المشهور، لوضوح‌

____________

[1] مرّ أن الأقوى عدم وجوبه إلّا مع الإيصاء.

____________

(1) في ص 215 و ما بعدها.

302

و يتخيّر في تقديم أيّهما شاء (1).

[مسألة 23: لا يجب عليه الفور في القضاء عن الميّت و إن كان أولى و أحوط]

[1865] مسألة 23: لا يجب عليه الفور في القضاء عن الميّت و إن كان أولى و أحوط (2).

[مسألة 24: إذا مات الوليّ بعد الميّت قبل أن يتمكّن من القضاء ففي الانتقال إلى الأكبر بعده إشكال]

[1866] مسألة 24: إذا مات الوليّ بعد الميّت قبل أن يتمكّن من القضاء ففي الانتقال إلى الأكبر بعده إشكال [1] (3).

____________

الفرق بين المقامين كما لا يخفى.

(1) لإطلاق النصّ و قصور أدلّة الترتيب على الشمول للمقام، بل قد عرفت عدم اعتبار الترتيب في فوائت الوليّ نفسه إلّا في المرتّبتين بالذات، فضلًا عن اعتباره بينها و بين فوائت الميّت.

(2) لعدم الدليل عليه هنا و إن بنينا على المضايقة في القضاء، لاختصاص الدليل على القول بها بفوائت نفسه، فلا يعمّ ما نحن فيه، فيرجع هنا إلى إطلاق الأدلّة.

و مع الغضّ عنه فالمرجع أصالة البراءة، و قد عرفت فيما سبق (1) أنّ الأقوى هو المواسعة حتّى في فوائت نفسه، فضلًا عن المقام.

موت الولي قبل القضاء:

(3) لا يخفى أنّ استشكاله (قدس سره) ذلك ينافي ما سبق منه طي مسألتين:

الأُولى: ما ذكره (قدس سره) في المسألة الثالثة من أنّه إذا مات أكبر الذكور بعد أبويه لا يجب على إخوته الأكبر فالأكبر، فانّ الجزم بذلك هناك ينافي الترديد و الإشكال هنا.

____________

[1] أظهره عدم الانتقال كما صرّح بنظيره في المسألة الرابعة [من هذا الفصل].

____________

(1) في ص 169 و ما بعدها.

303

[مسألة 25: إذا استأجر الوليّ غيره لما عليه من صلاة الميّت]

[1867] مسألة 25: إذا استأجر الوليّ غيره لما عليه من صلاة الميّت فالظاهر أنّ الأجير يقصد النيابة عن الميّت لا عنه (1).

____________

و يمكن التوفيق بينهما بدعوى إطلاق الكلام في المسألة السابقة من حيث تمكّن الأكبر من القضاء و عدمه، بخلاف مفروض الكلام في مسألتنا هذه، فقد قيّد فيها الموت بما قبل تمكّنه من القضاء. و عليه فتحمل المسألة السابقة عملًا بقانون الإطلاق و التقييد على ما لو طرأ الموت بعد تمكّنه من القضاء و مسامحته فيه. فلا منافاة إذن بين الكلامين.

و قد عرفت هناك أيضاً أنّ الصحيح هو ما أفاده (قدس سره) من عدم الانتقال، لعدم انطباق الموضوع لدليل الحكم على الأكبر بعده.

الثانية: ما ذكره (قدس سره) في المسألة الرابعة من أنّ الولي إذا كان صغيراً أو مجنوناً فمات قبل البلوغ أو الإفاقة لا يجب القضاء على الأكبر بعدهما، فانّ جزمه (قدس سره) بالحكم هناك ينافي الترديد منه في المقام.

ضرورة أنّ القدرة المفروض انتفاؤها هنا و إن وقع الخلاف في كونها شرطاً لفعلية التكليف أو لتنجّزه إلّا أنّه لم يقع بينهم خلاف في اعتبار البلوغ و العقل في مقام الفعلية، و عدّهما من شرائط التكليف، و أنّ القلم مرفوع عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق.

و عليه ففي فرض كون الوليّ صغيراً أو مجنوناً إذا بنينا على عدم الانتقال كما أفاده (قدس سره) و اخترناه أيضاً استلزم ذلك القول بعدم الانتقال في فرض عجز الوليّ بالأولوية القطعية، فإنّ التكليف في الفرض الأوّل غير ثابت في حقّ الوليّ بلا خلاف، فاذا بنينا على عدم الانتقال منه إلى الأكبر بعده كان القول بعدم الانتقال في مورد الخلاف بطريق أولى كما لا يخفى.

و كيف ما كان فالاستشكال منه (قدس سره) في غير محلّه، و الأقوى عدم الانتقال كما ظهر وجهه ممّا مرّ.

(1) لا يخفى ما في العبارة من القصور و التسامح، فانّ قصد النيابة عن الميّت‌

304

..........

____________

ممّا لا إشكال في لزومه على الأجير، و ليس هذا طرفاً للترديد كما قد يعطيه ظاهر العبارة، و لذلك أشرنا فيما سبق (1) إلى عدم كفاية إهداء الثواب في تحقّق النيابة و تفريغ الذمّة، و أنّه لا بدّ للنائب من قصد النيابة في فعله عن المنوب عنه و الإتيان به من قبله. و واضح أنّ المنوب عنه هو الميّت دون الوليّ، فلا مناص من قصده النيابة عن الميّت.

و الذي يمكن أن يبحث عنه في المقام هو أنّه هل يلزم الأجير زائداً على القصد المذكور ملاحظة الواسطة و هو الوليّ في مقام العمل، بأن يقصد تفريغ ذمّته أيضاً عن الوجوب المتعلّق به فعلًا أو لا.

و الأقوى هو العدم، لعدم الدليل عليه، و لا مقتضي له أيضاً، فإنّ ذمّة الوليّ تفرغ بطبيعة الحال بمجرّد إتيان الأجير بالعمل بلا حاجة إلى قصد التفريغ، بل إنّه تفرغ ذمّته بفعل المتبرّع أيضاً و لو من دون اطّلاع الوليّ و عدم التسبيب منه، لما عرفت سابقاً (2) من أنّ الوجوب الثابت في حقّ الوليّ مشروط حدوثاً و بقاءً باشتغال ذمّة الميت، فمع فراغها بفعل الأجير أو المتبرّع لا تكليف للوليّ، لأنّ تكليفه إنّما هو بالتفريغ، و لا تفريغ بعد الفراغ، فتكون ذمّة الوليّ فارغة بطبيعة الحال من غير احتياج إلى قصده في مقام العمل.

هذا ما أردنا إيراده في القسم الأوّل من هذا الجزء، و يليه القسم الثاني منه مبتدءاً بفصل (صلاة الجماعة) إن شاء اللّٰه تعالى، و الحمد للّٰه أوّلًا و آخراً، و صلّى اللّٰه على سيدنا محمد و آله الطيّبين الطاهرين.

____________

(1) في ص 204.

(2) في ص 291.