موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
51

بل و صبيّاً مميّزاً على الأقوى (1).

____________

بامامتها للنساء، دون التنصيص على الفرض المذكور.

(1) إذا كان الصبيّ إماماً فلا ريب في عدم الجواز حتّى على القول بمشروعيّة عباداته، لفقد النصّ و قصور الإطلاقات عن شمول المقام، و الأصل عدم المشروعية. فلا يصح للرجل أو المرأة الاقتداء به و ترتيب أحكام الجماعة على ذلك.

و أمّا إذا كان مأموماً فقد قوّى الماتن (قدس سره) الجواز، بناء على مشروعيّة عباداته.

بل قيل بالجواز حتّى على كونها تمرينية، استناداً إلى رواية أبي البختري عن الصادق (عليه السلام): «قال إنّ علياً (عليه السلام) قال: الصبيّ عن يمين الرجل في الصلاة إذا ضبط الصفّ جماعة ...» (1).

و رواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في الرجل يؤمّ النساء ليس معهنّ رجل في الفريضة؟ قال: نعم، و إن كان معه صبيّ فليقم إلى جانبه» (2).

و لكنهما لضعف سنديهما غير صالحتين للاستدلال بهما فلا دليل على الصحّة بحيث يترتّب على ذلك أحكام الجماعة من رجوع كلّ من الإمام أو المأموم إلى الآخر عند الشكّ و غيره، بناءً على التمرينية.

نعم، بناء على الشرعية كما هو الصحيح فالأقوى هو الجواز، تمسكاً بإطلاق قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه. حيث لا قصور في شموله للصبيّ المميّز، فإنّه إذا وثق الصبيّ بدين الإمام شمله الإطلاق و انعقدت الجماعة، سواء كان معه غيره أم لم يكن، عملًا بالإطلاق، فتدبّر جيداً.

____________

(1) الوسائل 8: 298/ أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 8.

(2) الوسائل 8: 342/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 5.

52

و أمّا في الجمعة و العيدين فلا تنعقد إلّا بخمسة أحدهم الإمام (1).

____________

و ملخّص القول: أنّ اقتداء الصبيّ بالرجل لا يحقّق الجماعة بناء على التمرينية، لأصالة عدم المشروعيّة بعد عدم الدليل عليها. و أمّا على الشرعية فيشمله إطلاق قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه. و بذلك يحكم عليه بالصحّة كما مرّ، هذا إذا كان الصبيّ مأموماً.

و أمّا إذا كان إماماً فمقتضى الأصل هو عدم المشروعية أيضاً كما هو المعروف و المشهور، بل ادّعي قيام الإجماع على اعتبار البلوغ في الإمام، كما قد يساعده بعض الروايات أيضاً (1).

نعم، نسب إلى الشيخ (قدس سره) و بعض من تبعه جواز إمامة المراهق البالغ عشر سنين (2) استناداً إلى موثّقة سماعة (3)، و سيجي‌ء البحث عن ذلك مستقصى إن شاء اللّٰه في فصل (شرائط إمام الجماعة) (4).

و المقصود بالكلام هنا هو بيان أنّ مقتضى الأصل و هو أصالة عدم المشروعية مع الغضّ عن الأدلّة الاجتهادية إنّما هو البطلان مطلقاً.

و لا يقاس المقام بالصورة السابقة حيث حكمنا فيها بالصحّة بناءً على شرعية عبادات الصبيّ عملًا بإطلاق قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه. فإنّ الصبيّ ما لم يوضع عليه قلم التكليف كما هو المفروض لا دين له حتّى يوثق به أو لا يوثق، فلا يشمله الإطلاق المذكور فتدبّر.

(1) و الكلام في ذلك موكول إلى محلّه.

____________

(1) [كموثّقة إسحاق بن عمار الواردة في الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 7].

(2) [لاحظ المبسوط 1: 154، الخلاف 1: 553 المسألة 295، حيث لم يقيد ببلوغه عشراً].

(3) [المذكور في الأصل عمّار، و الصحيح ما أثبتناه. الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 5].

(4) في ص 337.

53

[مسألة 9: لا يشترط في انعقاد الجماعة في غير الجمعة و العيدين]

[1876] مسألة 9: لا يشترط في انعقاد الجماعة في غير الجمعة و العيدين [1] نيّة الإمام الجماعة و الإمامة (1)، فلو لم ينوها مع اقتداء غيره به تحقّقت الجماعة، سواء كان الإمام ملتفتاً لاقتداء الغير به أم لا، نعم حصول الثواب في حقّه موقوف على نيّة الإمامة (2). و أمّا المأموم فلا بدّ له من نيّة الائتمام (3)، فلو لم ينوه لم تتحقّق الجماعة في حقّه و إن تابعه في الأقوال و الأفعال، و حينئذ فان أتى بجميع ما يجب على المنفرد صحّت صلاته و إلّا فلا.

____________

ما لا يشترط في الجماعة:

(1) لعدم الدليل عليه في غير الجماعة الواجبة ممّا تتقوّم الصلاة بها كالجمعة و العيدين، فيكون المحكّم هو إطلاق قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه (1). مضافاً إلى الإجماع و التسالم على ذلك، فمع اقتداء الغير به و إن لم ينو الإمامة تتحقّق الجماعة، بل حتّى و إن لم يكن ملتفتاً إلى الاقتداء.

(2) بناءً على ما هو المحقّق في محلّه من كون الثواب من لوازم الإطاعة المتقوّمة بالقصد (2).

(3) أيّ نيّة الملازمة للإمام في أفعاله بجعله قدوة يقتدي به، فانّ مفهوم الاقتداء و الائتمام متقوّم بذلك.

و من هنا ورد أنّه «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به» (3)، فانّ سند الرواية و إن كان ضعيفاً إلّا أنّ مضمونها مطابق للارتكاز، بل لعلّ ذلك من القطعيات الواضحة.

____________

[1] و في غير المعادة جماعة.

____________

(1) و قد تقدّم في ص 50 عدم العثور على رواية بهذا اللفظ.

(2) ذكره في موارد منها ما في مصباح الأُصول 2: 82، محاضرات في أُصول الفقه 2: 139، 396.

(3) المستدرك 6: 492/ أبواب صلاة الجماعة ب 39 ذيل ح 2، 1.

54

..........

____________

فلا يكفي مجرّد المقارنة و المتابعة خارجاً ما لم ينضمّ إليها القصد المذكور، بل كانت بداع آخر كحفظ عدد الركعات فراراً من الوسوسة و نحو ذلك من الدواعي، حيث لا يصدق حينئذ عنوان الاقتداء و الائتمام عرفاً، و هذا ظاهر لا سترة عليه، هذا في غير الجماعة الواجبة.

و أمّا الواجبة فالمعروف هو اعتبار نيّة الإمامة في الإمام، كاعتبار نيّة الائتمام في المأموم، بلا كلام على ما سبق.

و ناقش فيه بعضهم، بل أحاله مطلقاً، نظراً إلى أنّ عنوان الإمامة و الجماعة ممّا لا يمكن قصده من الإمام لا في المقام و لا في غيره، لخروجه عن قدرته و اختياره، فانّ العنوان المذكور إنّما ينتزع من ائتمام الغير به، و واضح أنّ فعل الغير لا يكون تحت قدرته و اختياره.

نعم، فيما كانت الجماعة معتبرة في صحّة العمل كالجمعة لا بدّ من وثوق الإمام بتحقّق الجماعة خارجاً رعاية للشرط، و أمّا لزوم قصد تحقّق ذلك فلا.

و على الجملة: إنّ الإمام لا يمكنه أن يجعل نفسه إماماً، لعدم كونه فعله، و إنّما تتحقّق الإمامة بواسطة اقتداء الغير، و هو فعل غيره و خارج عن تحت قدرته و لا يعقل تعلّق القصد بفعل غير مقدور.

أقول: إذا فرضنا توجّه الأمر نحو جماعة بصفة الاجتماع، بحيث كان لهذا الوصف دخل في تعلّق الحكم كالأمر بإقامة مجلس العزاء أو الصلاة جماعة كان الوجوب المتعلّق بكلّ فرد مشروطاً لا محالة بحضور الآخرين و تهيئهم للارتباطية الملحوظة في هذا الفرض، كما يفصح عنه ما ورد في بعض روايات صلاة الجمعة من الأمر بإقامتها إذا وجدوا من يخطبهم (1)، و قوله (عليه السلام): «إذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (2).

فالوجوب المتوجّه إلى كلّ فرد بما فيهم الإمام مشروط حدوثاً بتحقّق الاجتماع و حضور الباقين و تهيئهم، كما أنّه مشروط بقاءً بالائتمام خارجاً‌

____________

(1) الوسائل 7: 304/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 6، 4.

(2) الوسائل 7: 304/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 6، 4.

55

و كذا يجب وحدة الإمام (1)، فلو نوى الاقتداء باثنين و لو كانا متقارنين في الأقوال و الأفعال لم تصحّ جماعة، و تصحّ فرادى إن أتى بما يجب على المنفرد و لم يقصد التشريع.

____________

و انعقاد الجماعة.

و لا ريب في أنّ هذا القيد كما كان شرطاً للوجوب يكون شرطاً للواجب أيضاً، نظير الزوال بالإضافة إلى الظهرين، فانّ الواجب هي الحصّة الخاصّة من الطبيعة، و هي الواقعة بين الزوال و الغروب، و لذلك ليس لأحد إيقاعهما اختياراً بعد الغروب بدعوى كون الزوال قيداً للوجوب فقط.

و في المقام يكون الواجب على الإمام كالمأموم الحصّة الخاصّة من الصلاة و هي الواقعة مقارنة لصلاة الآخرين، الموصوفة بالجماعة. و من الواضح لزوم قصد هذه الحصّة الخاصّة المفروض كونها لا غيرها مصداقاً للمأمور به في تحقّق عنوان الامتثال و الإطاعة بالإضافة إلى الأمر الوجوبي كالجمعة و العيدين، أو الاستحبابي كما في غيرهما.

و ممّا ذكرنا يظهر لزوم إلحاق المعادة جماعة بصلاتي الجمعة و العيدين، فانّ مشروعيتها إماماً و مأموماً مقيّدة بوقوعها على صفة الاجتماع، فلا بدّ من تعلّق قصد كلّ من الإمام و المأموم بها بالوصف المذكور، إذ لا تشرع الإعادة منفرداً و إن ائتم به غيره خارجاً بحيث كان لا يدري بذلك فتحقّقت الجماعة من حيث لم يقصد و لا يدري.

(1) بلا خلاف فيه، و لعلّه من القطعيات المتسالم عليها فيما بينهم كما يظهر ذلك من تتبّع كلماتهم في موارد متفرّقة كقولهم في صلاة الجمعة: إنّه إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام، و ما ذكروه في تشاحّ الإمامين من المرجّحات، و ما إذا حدث للإمام حادث من تقدّم أحد المأمومين و قيامه مقام الإمام، و غير ذلك من الأبواب المناسبة ممّا يظهر من ذلك كلّه مفروغية الحكم عندهم.

56

و يجب عليه تعيين الإمام (1) بالاسم أو بالوصف أو الإشارة الذهنية أو الخارجية، فيكفي التعيين الإجمالي كنية الاقتداء بهذا الحاضر،

____________

و يقتضيه مضافاً إلى ما عرفت، و إلى أصالة عدم المشروعية أنّه في فرض التعدّد لا يخلو الحال من اقتداء المأموم بكلّ واحد منهما مستقلا و بنحو العام الاستغراقي، أو بكليهما معاً على سبيل العام المجموعي، و لا ثالث. و شي‌ء منهما لا يتم:

أمّا الأوّل: فلأنّه من الجائز اختلاف الإمامين في الأفعال، بأن يركع أحدهما و الآخر قائم، حيث يكون هذا التفكيك في نفسه ممكناً جدّاً و إن فرضنا عدم تحقّقه خارجاً، ضرورة أنّ صدق الشرطية لا يتوقّف على صدق طرفيها.

و حينئذ فلنا أن نتساءل أنّ المأموم حينما يقتدي و هو يرى إمكان التفكيك المزبور هل هو بانٍ على الاستمرار في نيّته حتّى مع فرض تحقّق الانفكاك بينهما خارجاً، فلازمه البناء على الجمع بين الضدّين، أو أنّه ينوي الاقتداء بعد ذلك بأحدهما، و لازمه عدم استمراره على نيّة الاقتداء بإمام معيّن في تمام الصلاة، و هو كما ترى.

و أمّا الثاني: فلأنّه مع فرض الاختلاف و إن لم يتحقّق خارجاً كما سمعت يبطل الائتمام لا محالة، لعدم الموضوع للمجموع، حيث لا يصدق في فرض قيام أحد الإمامين و ركوع الآخر مثلًا أنّ المجموع في حال القيام أو الركوع ليمكن الاقتداء.

و حينئذ فان كان قد استمرّ في نيّته فقد ائتمّ بإمام لا وجود له، و إن نوى الاقتداء آن ذاك بواحد معيّن منهما استلزم الائتمام في الأثناء، و لا دليل على مشروعيّته في المقام.

(1) لتقوّم مفهوم التبعيّة و الاقتداء و الائتمام بتعيين الإمام، فلا يتصوّر التبعية و ما يرادفها بدون تعيّن المتبوع.

57

أو بمن يجهر في صلاته مثلًا من الأئمة الموجودين، أو نحو ذلك (1) و لو نوى الاقتداء بأحد هذين أو أحد هذه الجماعة لم تصحّ جماعة (2) و إن كان من قصده تعيين أحدهما بعد ذلك في الأثناء أو بعد الفراغ.

[مسألة 10: لا يجوز الاقتداء بالمأموم]

[1877] مسألة 10: لا يجوز الاقتداء بالمأموم، فيشترط أن لا يكون إمامه مأموماً لغيره (3).

____________

(1) فانّ المعتبر إنّما هو نوع تعيين يخرجه عن الإبهام و الترديد، من دون اعتبار أن يكون ذلك بنحو التعيين التفصيلي، لعدم المقتضي لذلك.

(2) لما عرفت من أنّ الإبهام و الترديد ينافيان التبعية و الائتمام و الاقتداء فلا يكاد تتحقّق المفاهيم المذكورة مع فرض الإبهام من الأوّل، و إن كان من قصده التعيين في الأثناء أو بعد الفراغ.

و هل يكفي التعيين الاستقبالي، بمعنى أنّه ينوي الائتمام بالمتعيّن واقعاً و سيعرفه فيما بعد كما إذا نوى الاقتداء بمن يركع من هذين أوّلًا، حيث إنّه متعيّن واقعاً و في علم اللّٰه، غير أنّه لا يتعيّن لديه إلّا فيما بعد؟

الظاهر هو التفصيل بين ما إذا لم يناف ذلك مفهوم الائتمام و المتابعة كما في المثال، فإنّ القراءة ساقطة على كلّ حال، و المفروض هو تعيّن الإمام عند أوّل جزء يأتمّ به و هو الركوع، فإنّه معيّن في علم اللّٰه تعالى من أوّل الأمر، و كان قد قصده أيضاً على ما هو عليه من التعيّن، فلا مانع من الصحة.

و بين ما إذا كان منافياً له كما إذا نوى الائتمام بمن يسلّم منهما أوّلًا، فإنّ الظاهر حينئذ هو البطلان، لإخلاله بالتبعية في الأفعال.

و كيف ما كان، فالمتّبع في المقام إنّما هي القاعدة بعد عدم ورود نصّ فيه بالخصوص. فكلّ ما كان عدم التعيين فيه قادحاً في صدق الائتمام و الاقتداء بطل، و إلّا فلا.

(3) إجماعاً كما عن غير واحد، و تقتضيه أصالة عدم المشروعية.

58

[مسألة 11: لو شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا بنى على العدم و أتمّ منفرداً]

[1878] مسألة 11: لو شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا بنى على العدم (1) و أتمّ منفرداً و إن علم أنّه قام بنيّة الدخول في الجماعة، نعم لو ظهر عليه أحوال الائتمام كالإنصات [1] و نحوه فالأقوى عدم الالتفات (2) و لحوق أحكام الجماعة و إن كان الأحوط الإتمام منفرداً. و أمّا إذا كان ناوياً للجماعة و رأى نفسه مقتدياً و شكّ في أنّه من أوّل الصلاة نوى الانفراد أو الجماعة فالأمر أسهل (3).

____________

(1) لأصالة عدم الائتمام، فتشمله أحكام من لم يأتم بصلاته و إن كان لا يثبت بذلك عنوان الانفراد، لعدم كونه موضوع الحكم، فانّ مقتضى الإطلاق في دليل القراءة و أدلّة الشكوك الصحيحة و الفاسدة هو وجوب الفاتحة و الاعتناء بالشك في كلّ صلاة، خرج منها عنوان الجماعة، و يبقى ما عداها تحت العموم.

و النتيجة وجوب القراءة و الاعتناء بالشكّ في كلّ صلاة لم تكن جماعة، لا ما كانت متّصفة بكونها فرادى، لعدم تعنون العام بعد التخصيص إلّا بعدم العنوان الخاص كما هو المقرّر في الأُصول (1)، و لذا لا تجب على المصلّي نيّة الانفراد في الصلاة فرادى بلا إشكال.

و عليه فعند الشكّ في الائتمام و إحراز عدمه بالأصل ينقّح موضوع العام لا محالة، و يثبت أن هذه صلاة في غير جماعة فيشملها حكمها، بلا توقّف على ثبوت عنوان الانفراد ليستشكل ثبوته بالأصل.

(2) تعويلًا على ظاهر الحال. و يندفع بأنّ أقصى ما يترتّب عليه هو الظنّ و هو لا يغني عن الحقّ إلّا إذا ثبتت حجّيته، و المفروض عدم ورود ما يقتضي ذلك في المقام، و عليه فلا يمكن الاستناد إليه في تحقّق الجماعة.

(3) ينبغي التفصيل في المسألة، فإنّه قد يحتمل من نفسه فسخ العزيمة‌

____________

[1] لا أثر لظهور الحال في الحكم بتحقّق الجماعة، نعم لو كان من نيّته الجماعة بحيث كان احتمال عدمها مستنداً إلى الغفلة لم يبعد جريان قاعدة التجاوز.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 227.

59

[مسألة 12: إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو]

[1879] مسألة 12: إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو فان لم يكن عمرو عادلًا بطلت جماعته (1) و صلاته أيضاً [1] (2) إذا ترك القراءة أو أتى بما يخالف صلاة المنفرد، و إلّا صحّت على الأقوى، و إن التفت في الأثناء و لم يقع منه ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفرداً. و إن كان عمرو أيضاً عادلًا ففي المسألة صورتان:

____________

و العدول عمّا بنى عليه سابقاً، و حينئذ فلا يكاد يكفي ظاهر الحال الفعلي المفيد للظنّ لا أكثر، لعدم الدليل على اعتبار مثله.

و قد لا يحتمل العدول العمدي، و إنّما كان الترديد مستنداً إلى الغفلة في رفع اليد عمّا قد نواه سابقاً، فحينئذ لا يبعد الحكم بالصحّة، عملًا بقاعدة التجاوز كما يقتضيه التعليل الوارد في بعض أخبارها: إنّه حين العمل أذكر (1) أو أقرب إلى الحق (2). فلأجل عموم العلّة يحكم بعدم الاعتناء باحتمال الغفلة في المقام.

(1) بلا إشكال و لا خلاف، لفقد شرط الصحّة و هو عدالة الإمام.

(2) المشهور و المعروف بل قيل إنّه ممّا لا خلاف فيه البطلان مطلقاً و هناك قولان بالتفصيل، أحدهما ما اختاره الماتن (قدس سره) و الآخر ما سنشير إليه إن شاء اللّٰه تعالى.

و يستدلّ للمشهور بوجوه:

أحدها: أنّ الصلاة جماعة تغاير الفرادى في طبيعتها، و المفروض بطلانها جماعة لفقد شرطها، و الصلاة فرادى لم تكن مقصودة حسب الفرض. فما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و يتوجّه عليه: أنّ هذا يتمّ على تقدير تغاير ما وقع و ما قصد في الطبيعة و الماهية، بحيث كانا طبيعتين متباينتين كما في الظهرين و الأداء و القضاء‌

____________

[1] بل صحّت صلاته و إن ترك القراءة، إلّا إذا أتى بما يوجب البطلان مطلقاً و لو سهواً.

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

(2) الوسائل 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

60

..........

____________

و نحوهما. فلو نوى الظهر و لم تكن ذمّته مشغولة إلّا بالعصر، أو نوى الأداء و لم يدخل الوقت بعد و كان عليه القضاء، أو نوى القضاء و لم تكن عليه بل كان عليه الأداء لم يحتسب المأتي به عمّا اشتغلت به الذمّة في جميع ذلك، لما ذكر من أنّ ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و أمّا الجماعة و الفرادى فليستا من هذا القبيل، فإنّهما من الخصوصيات الفردية و الحالات الطارئة على الطبيعة مع اتّحاد الصلاتين في الطبيعة النوعيّة كيف و لم يفرض على المكلّف في كلّ يوم إلّا خمس طبائع من الصلاة.

فصلاة الظهر مثلًا طبيعة واحدة يكون لها فردان، أحدهما الظهر جماعة و الآخر فرادى، غايته أنّ أحدهما أفضل من الآخر، لما في الخصوصية اللاحقة من الرجحان و المزيّة، من دون تأثير لذلك في تعدّد الطبيعة و تغايرها، كما هو الحال في سائر الخصوصيات الزمانية و المكانية التي لا يستوجب تخلّفها البطلان بلا إشكال.

فإذا صلّى باعتقاد أنّ المكان مسجد أو باعتقاد كونه في أوّل الوقت، فكان قاصداً الصلاة في المسجد أو في أوّل الوقت فانكشف الخلاف بعد ذلك لم يضرّ بصحّة الصلاة بزعم أنّ ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، و كذلك الحال فيما نحن فيه حرفاً بحرف.

و السرّ في الجميع ما عرفت من أنّ هذه الخصوصيات بأجمعها من عوارض الفرد، و خارجة عن حريم الماهية، و أنّه لا تخلّف إلّا في الفرد و لا ضير فيه دون الطبيعة، لكونها مقصودة و لو في ضمن الفرد. فالواقع مقصود و المقصود واقع.

ثانيها: أنّ الجماعة الفاقدة للشرط غير مشروعة، فقصدها تشريع محرّم موجب لفساد العمل.

و فيه ما لا يخفى، فانّ التشريع عبارة عن إسناد شي‌ء لا يعلم به إلى الشارع، و هذا لا ينطبق على المقام، حيث إنّه يعتقد الصحّة و وجود الأمر‌

61

..........

____________

لاعتقاده عدالة الإمام حسب الفرض، فلا موضوع للتشريع المحرّم في مفروض الكلام. و من الواضح: أنّ مجرّد الائتمام الواقع في غير محلّه العاري عن عنوان التشريع المحرّم غير موجب للبطلان، و على تقدير الشكّ فيه تكفي أصالة البراءة.

ثالثها: و هو العمدة الإخلال بالقراءة عامداً، و لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، فإنّه بعد بطلان الجماعة و تبيّن عدم التحمّل قد حصل الإخلال بها.

و لا سبيل إلى التصحيح بقاعدة لا تعاد ...، لاختصاصها بصورة الغفلة و عدم الالتفات إلى الترك حين العمل، دون المقام الذي كان ملتفتاً إلى ترك القراءة، لفرض تركه لها عامداً و إن كان معذوراً فيه لاعتقاده عدالة الإمام و تحقّق الجماعة، فمثله غير مشمول للقاعدة.

و يردّه: أنّ الحديث لا تقييد فيه، و إن أصرّ المحقّق النائيني (قدس سره) على اختصاصه بالناسي (1)، لكن الظاهر عمومه لمطلق التارك ما عدا العامد عن غير عذر، لا لمجرّد الإجماع على خروج هذا الفرد، بل لقصور الحديث عن الشمول لمثله في حدّ نفسه.

فانّ المتبادر إلى الذهن من التعبير الوارد في الحديث هو الاختصاص بما لو أخلّ بالجزء أو الشرط ثم انكشف الخلاف، فكانت الإعادة نفياً أو إثباتاً مسبّبة عن انكشاف الخلاف، بحيث لو لم يكن ذلك و استمرّ الجهل لم يكن هناك مقتض للإعادة، فإنّ التعبير بالإعادة بنفسه يقتضي ذلك كما لا يخفى.

و أمّا المتعمّد العاصي فلا يتصوّر انكشاف الخلاف في حقّه، لكونه يدري من الأوّل بالإفساد و الإخلال، فلا معنى للحكم عليه بالإعادة أو بعدمها.

و أمّا ما عدا ذلك سواء أ كان الإخلال غفلة أم جهلًا أم عمداً مع العذر كما في المقام فلا قصور في شمول إطلاق الحديث له بعد عدم وجود ما يقتضي التقييد بغير الملتفت.

____________

(1) كتاب الصلاة 3: 5.

62

..........

____________

و الذي يكشف عمّا ذكرناه من شمول الحديث للعامد المعذور في الترك ما تسالموا عليه ظاهراً من الحكم بالصحّة فيما لو صلّى خلف زيد مثلًا بخصوصه باعتقاد عدالته ثمّ بان فسقه، فإنّه قد ترك القراءة حينئذ عمداً و عن التفات لكن معذوراً فيه من جهة اعتقاده صحّة الجماعة. فلولا شمول الحديث له لما أمكن تصحيحه.

و كذا لو صلّى خلفه باعتقاد إسلامه فبان كفره، كما ورد النصّ به أيضاً (1). و كذا لو صلّى منفرداً و تخيّل أنّ الركعة التي بيده هي الثالثة فسبّح فيها ثمّ تذكّر في الركوع أنّها الثانية، فقد ترك القراءة عن علم و التفات باختياره التسبيحات غايته أنّه كان معذوراً في ذلك للتخيّل المذكور، فإنّه لا إشكال في الحكم بصحّة الصلاة عملًا بالحديث المزبور.

و على الجملة: ترك القراءة في المقام غير قادح بعد تكفّل الحديث بتصحيح الصلاة الفاقدة لها. فلا موجب للبطلان من هذه الجهة.

و ممّا ذكرناه يظهر ضعف ما اختاره الماتن من الحكم بالبطلان إذا ترك القراءة.

نعم، يتّجه ذلك فيما إذا أتى بما يخالف صلاة المنفرد، أي كان ممّا يوجب البطلان مطلقاً كما لو زاد ركناً كركوع أو سجدتين لأجل متابعة الإمام، أو عرضه أحد الشكوك الباطلة كالشكّ بين الواحدة و الثنتين أو الثنتين و الثلاث قبل إكمال السجدتين، أو الصحيحة و لكنّه لم يعمل بمقتضاها كما لو شكّ بين الثلاث و الأربع و رجع إلى الإمام و لم يأت بصلاة الاحتياط بعد الفراغ، فإنّ الصلاة في هذه الفروض بحسب الحقيقة صلاة فرادى و إن لم يعلم المصلّي بها فيلحقها حكمها.

فظهر أنّ الأقوى هو التفصيل بين ما إذا أتى بما يوجب بطلان الصلاة فرادى مطلقاً و لو سهواً بأن أخلّ بما هو وظيفة المنفرد كزيادة الركن أو عروض‌

____________

(1) الوسائل 8: 374/ أبواب صلاة الجماعة ب 37.

63

إحداهما: أن يكون قصده الاقتداء بزيد و تخيّل أنّ الحاضر هو زيد (1) و في هذه الصورة تبطل جماعته (2) و صلاته [1] أيضاً إن خالفت صلاة المنفرد.

____________

الشكّ المبطل، و بين ما لم يكن كذلك و إن ترك القراءة، فيحكم ببطلان الصلاة في الأوّل دون الثاني.

و لا مانع من ذلك بعد مساعدة الدليل إلّا ما قد يتخيّل من مخالفته للإجماع المدّعى على البطلان مطلقاً كما سبق، و لكن من المعلوم أنّه ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) بعد وضوح مستند المجمعين حسبما عرفت.

(1) أي أنّه ائتمّ بالحاضر المقيّد بكونه معنوناً بعنوان زيد من باب التقييد ثمّ انكشف عدم تحقّق القيد خارجاً.

(2) لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده، فانّ من قصد الائتمام به و هو زيد غير واقع، و الواقع و هو عمرو لم يقصد الائتمام به، فما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و الظاهر أنّ هذا فرض غير معقول، و أنّ المعقول في المقام ينحصر فيما سيأتي منه (قدس سره) من الفرض الثاني. فلا موقع للتقسيم.

و لا يقاس ذلك بباب الإنشاءات من العقود و الإيقاعات حيث يحكم فيها بالبطلان إذا كان بنحو التقييد دون الداعي، فلو زوج ابنته من زيد على أنّه تقيّ شريف ثريّ بحيث كان اعتقاد اتّصافه بذلك من قبيل الداعي للتزويج، فتخلّف و ظهر أنّه فاسق وضيع معدَم صح العقد. بخلاف ما لو باعه الشي‌ء على أنّه ذهب فبان كونه نحاساً، فإنّه يحكم ببطلانه، لتخلّف العنوان الذي قيّد به المبيع. و ذلك لكون القياس مع الفارق.

و توضيحه: أنّ الأفعال على ضربين:

____________

[1] بل تصحّ صلاته و جماعته على الأظهر.

64

..........

____________

أحدهما: الأفعال الإنشائية المتعلّقة بالأُمور الاعتبارية كالملكية و الزوجية و نحوهما.

ثانيهما: الأفعال التكوينية المتعلّقة بالأُمور الخارجية كالأكل و الضرب و القتل و نحو ذلك.

أمّا القسم الأوّل: فتارة يتعلّق الاعتبار بعنوان خارجي محقّق، لكنّه كان بداعٍ من الدواعي انكشف فيما بعد تخلّفه، و أنّ تلك الغاية الداعية إلى الفعل لم تكن مطابقة للواقع كما في مثال التزويج المتقدّم، و كما لو اشترى العبد المعيّن على أن يكون كاتباً فبان عدمه.

ففي مثل ذلك لا موجب للبطلان بعد أن كان المقصود و ما تعلّق به الاعتبار و الإنشاء متحقّقاً في الخارج، و هو الزوج أو العبد الذي هو طرف لعلقة الزوجية أو الملكية. و لا أثر لتخلّف الوصف الداعي إلّا الخيار فيما إذا كان اعتباره بلسان الاشتراط ضمن العقد مع قابلية المحلّ له، بخلاف مثل النكاح حيث لا يثبت الخيار فيه مطلقاً.

و على الجملة: فإنشاء العقد لم يكن معلّقاً على ثبوت الوصف، و إلّا كان من التعليق في الإنشاء المجمع على بطلانه، و إنّما كان الالتزام بالعقد معلّقاً عليه و نتيجته هو الخيار عند التخلّف في المحلّ القابل.

و أُخرى: يتعلّق الاعتبار بعنوان غير واقع خارجاً، كما لو باع هذا الكتاب مشيراً إليه بعنوان أنّه كتاب المكاسب فبان أنّه كتاب المطوّل، أو باعه القطعة الخاصّة على أنّها ذهب فبانت نحاساً، ففي أمثال ذلك لا مناص من الحكم بالبطلان، فإنّ المنشأ معلّق على عنوان لا واقع له، و ما هو الواقع لم يقع متعلّقاً للاعتبار و الإنشاء. فما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و قد تقرّر في محلّه (1) أنّ التعليق في المنشأ أمر معقول و جائز، فقد ينشأ العقد مطلقاً، و قد ينشأ معلّقاً على شي‌ء كما في الوصية التمليكية، بل إنّ التعليق في‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 3: 66.

65

..........

____________

المنشأ ممّا لا مناص منه بالنسبة إلى ما يرجع إلى الذات و يعدّ من المقوّمات كعنوان الذهب و كتاب المكاسب و نحوهما ممّا يتقوّم به المبيع، و ليس هو على حدّ التعليق على الأُمور الخارجية الأجنبية عن المنشأ بالعقد، الذي ادّعي الإجماع على بطلانه.

فيرجع قوله: بعتك هذا الشي‌ء على أن يكون ذهباً، أو ... هذا الذهب. إلى قوله: إن كان هذا ذهباً فقد بعته. لوضوح أنّ الموضوع لا بدّ و أن يكون مفروض الوجود عند ورود الحكم عليه، و مرجع فرضه كذلك إلى التعليق.

و عليه فمع عدم حصول المعلّق عليه لا إنشاءَ و لا قصدَ، فلا عقد، و نتيجته طبعاً هو البطلان.

و أمّا القسم الثاني: أعني الأفعال التكوينية، فحيث إنّ متعلّقها أُمور خارجية و هي أُمور جزئية و شخصية فلا يعقل في مثلها التعليق، إذ لا إطلاق ليقبل التقييد. فمن ضرب زيداً مثلًا باعتقاد أنّه فاسق، أو قتله بتخيّل كونه كافراً، أو شرب شيئاً بزعم كونه ماء ثمّ انكشف الخلاف فقد تحقّق الفعل في جميع ذلك خارجاً، تحقّقت تلكم العناوين أم لا، إذ لا يعقل كون الضرب الشخصي أو القتل أو الشرب معلقاً على عناوين الأُمور المذكورة و متقيّداً بها كما كان هو الحال في الأُمور الاعتبارية.

و كيف يمكن القول بأنّ الضرب الصادر في المثال معلّق على تقدير الفسق و أنّه على تقدير العدالة لم يتحقّق الضرب منه أصلًا، و هو فعل تكويني و جزئي خارجي تعلّق بأمر جزئي خارجي مثله، و قد صدر منه ذلك على كلّ حال كان المضروب فاسقاً أم كان عادلًا.

و كذا الحال في الأمثلة الأُخرى، بل و حتّى في الأفعال القصدية كالتعظيم و التحقير و نحوهما، فمن قام لزيد تعظيماً بتخيّل أنّه عالم، أو إهانة بتخيّل أنّه فاسق أو جاهل فبان الخلاف فقد تحقّق منه التعظيم بقصده أو الإهانة على كلّ حال، لا أنّ القصد قد تحقّق منه على تقدير دون آخر.

66

الثانية: أن يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر و لكن تخيّل أنّه زيد فبان أنّه عمرو، و في هذه الصورة الأقوى صحّة جماعته و صلاته (1). فالمناط ما قصده لا ما تخيّله من باب الاشتباه في التطبيق.

[مسألة 13: إذا صلّى اثنان و بعد الفراغ علم أنّ نيّة كلّ منهما الإمامة للآخر صحّت صلاتهما]

[1880] مسألة 13: إذا صلّى اثنان و بعد الفراغ علم أنّ نيّة كلّ منهما الإمامة للآخر صحّت صلاتهما، أمّا لو علم أنّ نيّة كلّ منهما الائتمام بالآخر استأنف كلّ منهما الصلاة إذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد (2).

____________

ففي جميع ذلك لا أثر لانكشاف الخلاف إلّا في ظهور تخلّف الداعي الباعث على العمل، دون تخلّف نفس الفعل.

و على الجملة: الفعل التكويني الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتقسيم و التنويع حتّى يعقل فيه التقييد و التعليق.

و عليه فالائتمام في مفروض الكلام فعل خارجي، و هو عبارة عن متابعة الإمام في أفعاله، فيقوم حيث يقوم الإمام، و يركع حيث يركع و هكذا، و مثله غير قابل للتعليق و التقييد، و لا يكون التخلّف في مورده إلّا من باب التخلّف في الداعي.

فالمتعيّن في مثل المقام الحكم بصحّة الجماعة، فضلًا عن صحّة أصل الصلاة حيث إنّه نوى الاقتداء بشخص صالح لذلك، غايته أنّه تخيّله زيداً العادل بحيث لو علم أنّه عمرو العادل لم يكن ليأتمّ به لغرض من الأغراض.

(1) قد عرفت آنفاً الوجه في ذلك، كما عرفت انحصار المتصوّر المعقول في مثل المقام بهذه الصورة.

(2) التفصيل المذكور في المتن هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الإجماع.

و المستند فيه ما رواه الكليني (قدس سره) بسنده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه عن أبيه (عليهما السلام) «قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

67

..........

____________

في رجلين اختلفا فقال أحدهما: كنت إمامك، و قال الآخر: أنا كنت إمامك، فقال: صلاتهما تامّة، قلت: فان قال كلّ واحد منهما: كنت ائتمّ بك؟ قال: صلاتهما فاسدة، و ليستأنفا» (1).

و لا يخفى أنّ الحكم في الشقّ الأوّل ممّا لا إشكال فيه، لمطابقته للقاعدة، فإنّ الإمام يأتي بوظيفة المنفرد و لا يترك شيئاً ممّا يجب عليه، و قد عرفت أنّ الإمامة منتزعة من ائتمام الغير به، و ليست فعلًا من أفعاله كي يعتبر قصدها. فتخيّل كلّ منهما أنّه هو الإمام لا يضر بصحّة صلاته كما هو واضح.

و أمّا في الشقّ الثاني فقد ناقش فيه صاحب المدارك (قدس سره) (2) بكونه على خلاف القواعد، فانّ ترك القراءة لا يوجب البطلان بمقتضى حديث «لا تعاد الصلاة ...» (3)، حيث لا قصور في شموله لمثله و إن كان عمدياً بعد كونه معذوراً فيه، فمقتضى القاعدة هي الصحة. و ليس بإزاء ذلك ما يوجب الخروج عنه عدا رواية السكوني المتقدّمة، و لكنّها ضعيفة السند جدّاً، فلا يعتمد عليها.

أقول: أمّا الرواية فيمكن القول بعدم اعتبارها، و لا سيما على مسلكه (قدس سره) من عدم الاعتماد إلّا على الصحيح الأعلائي، فانّ السكوني و إن وثّقه الشيخ (قدس سره) في العدّة (4) لكنه عاميّ، و هو (قدس سره) لا يعتمد إلّا على العدل الإمامي، و أمّا النوفلي فلم يرد فيه توثيق أصلًا.

و أمّا على مسلكنا من كفاية الوثاقة و الاعتماد على ما ورد في أسناد كامل الزيارات فالرواية معتبرة، لتوثيق السكوني كما عرفت، و ورود النوفلي في أسناد كامل الزيارات (5)، و ليس في السند من يتوقّف فيه غيرهما.

____________

(1) الوسائل 8: 352/ أبواب صلاة الجماعة ب 29 ح 1، الكافي 3: 375/ 3.

(2) المدارك 4: 334.

(3) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(4) العدّة 1: 56 السطر 13.

(5) و لكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، و قد بنى (دام ظله) أخيراً على اختصاص التوثيق بهم. إذن فلا توثيق من هذه الناحية، نعم هو من رجال تفسير القمي فيحكم بوثاقته لأجل ذلك.

68

..........

____________

و كيف كان، فتوصيف الرواية بالضعف خاصّة مع تأكيده بكلمة (جدّاً) في غير محلّه، إذ غايته عدم الاعتبار لعدم توثيق بعض رواتها لا الرمي بالضعف لعدم ورود قدح أو تضعيف في أيّ واحد من رجال سندها.

على أنّها معتبرة على مسلك المشهور القائلين بانجبار الضعف بالشهرة، فإنّ من المطمأنّ بل المقطوع به استناد المشهور إليها في الفتوى المذكورة، بل الموجب لتحريرهم المسألة و تعرّضهم لها هي هذه الرواية، و إلّا فالفرض نادر الوقوع خارجاً جدّاً و لا سيما الشقّ الثاني منه، حيث إنّه من الندرة بمكان، بل كاد يلحق بالممتنع، ضرورة أنّ الائتمام يتقوّم بمتابعة الإمام في كافّة الأفعال فكيف يعقل أن يأتمّ كلّ واحد منهما بالآخر بأن يتابعه في أفعاله كلّها، فانّ لازمه أن يكون كلّ منهما تابعاً و متبوعاً، و هو على حدّ الجمع بين المتقابلين كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فلا شكّ في استناد الأصحاب (قدس سرهم) إلى هذه الرواية، الموجب لانجبار ضعفها على القول باعتبار الانجبار، هذا ما يرجع إلى السند.

و أمّا الدلالة فظاهرها و إن كان إناطة الحكم صحة و فساداً بمجرّد إخبار كلّ منهما الآخر بالإمامة أو المأمومية، إلّا أنّه غير مراد قطعاً، لعدم احتمال أن يكون لمجرّد القول و الإخبار دخل في الحكم على سبيل الموضوعية حتّى مع القطع بكذبه أو البناء على عدم حجّية قول الثقة في الموضوعات.

فلا محالة يكون اعتبار القول من باب الطريقية و الكاشفية، و تكون العبرة بالواقع، فيكون مفادها الحكم بالبطلان في فرض ائتمام كلّ منهما بالآخر المنكشف ذلك بأخبارهما بعد الفراغ أو من طريق آخر و لو لم يكن إخبار منهما، و الحكم بالصحّة في فرض إمامة كلّ منهما للآخر المنكشف كذلك أيضاً.

69

..........

____________

و حيث إنّ المأمومية تستلزم ترك القراءة غالباً لكونه من اللوازم العادية لها، كما أنّ الإمامة تلازم الإتيان بها، فالرواية محمولة بطبيعة الحال على هذا الفرد الغالب، فهي تدلّ على البطلان في خصوص ما لو كان المأموم تاركاً للقراءة كما هو المتعارف في الجماعة، بل إنّه قد لا تشرع القراءة فيها كما في الجهرية عند سماع قراءة الإمام أو همهمته.

و أمّا الفرد النادر و هو المأموم الذي أتى بالقراءة استحباباً كما في الصلوات الإخفاتية أو الجهرية مع عدم سماع القراءة و لو همهمة فالرواية منصرفة عنه قطعاً، و الصلاة حينئذ تكون محكومة بالصحّة.

و لا مانع من الالتزام بالبطلان في خصوص الصورة [الأُولى] بعد مساعدة الدليل عليه، و إن كان ذلك خلاف القاعدة المستفادة من حديث «لا تعاد الصلاة ...» القاضية بالصحّة، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لأمثال المقام ممّا كان الترك العمدي عذريا.

فانّ غايته التخصيص في الحديث المذكور بالرواية المعتبرة، و هذا ممّا لا غرو فيه بعد ملاحظة ورود التخصيصات الأُخر عليه، و منها ما لو كبّر من كانت وظيفته القيام جالساً سهواً أو بالعكس، المحكوم عليه بالبطلان بمقتضى الدليل الخاص، الموجب لتخصيص الحديث المذكور الذي مقتضاه الصحّة، و غيره من الموارد الكثيرة. فكم من تخصيص ورد على الحديث، فليكن المقام من جملة ذلك.

و الحاصل: أنّا نلتزم بأنّ ترك القراءة ممّن يأتمّ بمن يأتمّ هو به أيضاً كما تضمّنه النصّ المتقدّم يوجب البطلان، للنصّ المذكور، و إن كان مقتضى حديث «لا تعاد الصلاة ...» صحّته.

و منه تعرف أنّ موضوع الحكم بالبطلان الذي دلّ عليه النصّ إنّما هو ترك القراءة حال الائتمام بالغير، المقارن لائتمام الغير به أيضاً بحيث يتقارن الائتمامان فلا بطلان إلّا مع انضمام أحد الائتمامين إلى الآخر و مقارنته له. فلو ائتمّ هو‌

70

و لو شكّا فيما أضمراه فالأحوط الاستئناف، و إن كان الأقوى الصحّة إذا كان الشكّ بعد الفراغ، أو قبله مع نيّة الانفراد بعد الشك (1).

____________

بالغير لكن الغير لم يأتمّ به سواء أقصد الإمامة أم الانفراد صحّت صلاتهما. و ليكن هذا على ذكر منك لتنتفع به عند التكلّم عن صورة الشك.

(1) ظاهر المحقّق (قدس سره) في الشرائع بل صريحه هو البطلان مطلقاً (1) استناداً إلى قاعدة الاشتغال الحاكمة بلزوم تحصيل القطع بالصلاة الصحيحة.

و قد يفصّل بين ما إذا كان الشكّ في الأثناء فيحكم بالبطلان، و بين ما إذا كان بعد الفراغ فالصحّة استناداً إلى قاعدة الفراغ، و اختار الماتن الحكم بالصحّة مطلقاً [لكن] إذا كان ذلك في الأثناء [فإنّما تصحّ] مع نيّة الانفراد بعد الشكّ، أو يحكم بالصحّة في هذا الفرض بدون النيّة إلّا في بعض الصور كما ستعرفه، وجوه، بل أقوال.

و ينبغي أن يعلم أنّه لا بدّ و أن يكون محلّ الكلام هو صورة القطع بترك القراءة أو الشكّ فيه، أمّا مع العلم بالإتيان بها حتّى لو كان مأموماً كما في موارد الصلوات الإخفاتية (2) أو الجهرية مع عدم سماع همهمة الإمام حيث تشرع القراءة حينئذ للمأموم، فلا ينبغي الشكّ في الصحّة عندئذ على كلّ تقدير سواء أ كان ناوياً للإمامة أم الائتمام أم الانفراد، لعدم الموجب للبطلان بعد عدم الإخلال بشرائط الصحّة على كلّ حال.

ثمّ إنّ الموضوع للبطلان في النصّ كما أشرنا إليه آنفاً هو ائتمام كلّ منهما مقارناً لائتمام الآخر به، فهو مركّب من جزأين، منوط بانضمام أحد الائتمامين إلى الآخر، فانّ ذلك هو السبب في بطلان كلتا الصلاتين كما نطقت بذلك الرواية المتقدّمة، فلا بطلان مع ائتمام أحدهما بالآخر و انتفاء ائتمام الآخر به و لو كان بالأصل.

____________

(1) الشرائع 1: 146.

(2) [لكنّه خلاف ما انتهى إليه من منع القراءة فيها كما في ص 197 و ما بعدها].

71

..........

____________

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ منشأ الشكّ في البطلان عند العلم بترك القراءة هو أحد أمرين على سبيل منع الخلوّ، إمّا هو الشكّ فيما نواه من الائتمام و عدمه مع العلم فعلًا بأنّ صاحبه قد نوى الائتمام به، و إمّا هو العكس، أي الشكّ فيما نواه صاحبه مع العلم بأنّه قد نوى الائتمام، و لا منشأ له وراء هذين كما هو ظاهر بملاحظة ما مرّ، فهاهنا صورتان:

ففي الأُولى: يشكّ في بطلان الصلاة لأجل التردّد في استناد ترك القراءة إلى الغفلة كي يحكم بالصحّة بحديث «لا تعاد الصلاة ...» أو إلى نيّة الائتمام كي تبطل للنصّ المتقدّم.

و المتّجه حينئذ الحكم بالصحّة، استناداً إلى أصالة عدم الائتمام، السليمة عن المعارضة بأصالة عدم نيّة الإمامة، إذ لا أثر لها بعد وضوح عدم كون نيّة الإمامة شرطاً في صحّة الجماعة فضلًا عن صحّة الصلاة.

و ليس المقصود من إجراء الأصل المذكور إثبات كونه قد نوى الإمامة أو الانفراد حتّى يكون الأصل مثبتاً، إذ يكفينا مجرّد نفي سبب البطلان و هو الائتمام بالأصل، غايته ترك القراءة، و لا ضير فيه، لتصحيح ذلك بحديث «لا تعاد الصلاة ...»، و هذا من غير فرق بين ما إذا كان حدوث الشكّ في الأثناء أم بعد الفراغ.

نعم، على الأوّل يلزمه البناء على الانفراد بعد الشكّ كما ذكره المصنّف (قدس سره)، إذ لا يسعه البناء على الجماعة بعد التعبّد بعدم الدخول في الصلاة بنيّة الائتمام بمقتضى الأصل المزبور. و من الواضح عدم مشروعية الاقتداء في الأثناء، على أنّ المفروض هو علمه فعلًا بائتمام صاحبه فكيف يأتمّ هو به أيضاً؟ و هو ظاهر.

و كيف كان، فمستند الحكم بالصحّة حتّى فيما إذا كان الشكّ بعد الفراغ هو أصالة عدم الائتمام كما عرفت، لا قاعدة الفراغ، إذ لا مجال لجريانها لاختصاصها بمقتضى التعليل بالأذكرية و الأقربية إلى الحقّ الوارد في ذيل‌

72

..........

____________

بعض أخبار الباب (1) بما إذا كان احتمال البطلان مستنداً إلى الغفلة و النسيان كي يصحّ التعليل لدفعه، فيبني على الصحّة لكونه حين العمل أذكر أو أقرب إلى الحقّ منه حين يشكّ، دون صورة الاتّفاق و الصدفة التي لا يفرق الحال فيها بين حال العمل و ما بعده كما فيما نحن فيه.

ضرورة أنّه لو كان ناوياً للائتمام فإنّما كان ذلك عن قصد و عمد، لعدم كونه على خلاف ما تقتضيه وظيفته آن ذاك كي يكون الإتيان مستنداً إلى النسيان حيث كان يعتقد مشروعيته، لعدم علمه بائتمام صاحبه إلّا فيما بعد، و إلّا لم يكن ليأتمّ به قطعاً. فبطلان الصلاة على تقدير الائتمام مستند إلى مقارنة ائتمامه مع صاحبه واقعاً من باب الصدفة و الاتّفاق، دون السهو و الغفلة، و مثله غير مشمول للقاعدة.

هذا كلّه فيما إذا علم بترك القراءة، و أوضح حالًا ما لو شكّ فيها، فإنّه إذا حكم بالصحّة في فرض اليقين بالترك فمع الشكّ و احتمال القراءة يحكم بها بطريق أولى، فيجري حينئذ جميع ما مرّ بالأولوية القطعية.

و أمّا الثانية: و هو الشكّ فيما نواه صاحبه مع فرض علمه بأنّه قد نوى الائتمام به، فالمرجع فيها أيضاً هو أصالة عدم الائتمام، لكن في فعل صاحبه الذي هو مورد الشكّ، لا في فعل نفسه، لفرض علمه بالائتمام.

و هذا الأصل غير معارض بأصالة عدم الإمامة، لما سبق. و من دون حاجة إلى إثبات أنّه نوى الإمامة أو الانفراد كما مرّ أيضاً، فإنّه يكفي مجرّد نفي الائتمام الذي هو السبب في البطلان على حدّ ما عرفته في الصورة الأُولى، و من دون فرق أيضاً بين كون الشكّ في الأثناء أو بعد الفراغ، للأصل المذكور على التقديرين.

بل إنّ الوجه في عدم جريان قاعدة الفراغ هنا أوضح، و عدم انطباق التعليل الوارد في ذيل بعض الأخبار عليه أصرح، إذ كيف يكون هو أذكر في‌

____________

(1) تقدّم ذكر المصدر في ص 59.

73

..........

____________

عمل غيره و نيّته الخارجين عن تحت قدرته و اختياره.

و على الجملة: بالأصل المذكور يثبت أنّ صاحبه لم يكن مؤتمّاً به، و بضمّه إلى ائتمامه بصاحبه المعلوم له وجداناً ينتج اقتداؤه بمن لم يكن هو مقتدياً به و هو كافٍ في الحكم بصحّة الصلاة.

فحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة بعينه، إذ المبطل إنّما هو اقتران أحد الائتمامين بالآخر و اجتماعهما معاً، و بعد نفي أحدهما بالأصل يتّجه الحكم بالصحّة، غاية الفرق بين الصورتين أنّ مجرى الأصل هنا هو فعل الغير، بخلاف السابقة حيث كان مجراه هو فعل نفسه.

نعم، تمتاز هذه الصورة عن سابقتها بجواز البقاء على نيّة الائتمام، و عدم لزوم نيّة الانفراد بعد الشكّ إذا كان في الأثناء كما كان يلزم ذلك في الصورة المتقدّمة كما عرفت، إذ بعد علمه بأنّه قد نوى الائتمام كما هو المفروض و دفع احتمال ائتمام صاحبه بالأصل يحكم بصحّة اقتدائه كما يحكم بصحّة صلاته، فتكون صلاته محكوماً عليها بكونها جماعة بما لها من الآثار، فله إتمامها جماعة، و يكون حالها مثل ما لو اقتدى بزيد لكنّه احتمل في ذلك الحين أن يكون زيد قد ائتمّ به فكما أنّه يدفع هذا الاحتمال بالأصل و يمضي في صلاته جماعة، كذلك الحال في المقام.

و منه تعرف أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من الحكم بلزوم نيّة الانفراد بعد الشكّ لا يتمّ على إطلاقه، بل يتمّ ذلك في الصورة السابقة فقط حسبما عرفت.

و من جميع ما ذكرنا يظهر حكم اقتران الشكّين، كما إذا شكّ في نيّة نفسه و نيّة صاحبه من دون علم بتحقّق الاقتداء من أحد الطرفين، فإنّه يتمسّك حينئذ بأصالة عدم الائتمام من كلا الجانبين، و يحكم بصحّة كلتا الصلاتين، مع لزوم البناء على الانفراد بعد الشكّ المزبور إذا كان قد حدث في الأثناء، كما يفهم ذلك ممّا مرّ فلاحظ.

74

[مسألة 14: الأقوى و الأحوط عدم نقل نيّته من إمام إلى إمام آخر اختياراً]

[1881] مسألة 14: الأقوى و الأحوط عدم نقل نيّته من إمام إلى إمام آخر اختياراً (1) و إن كان الآخر أفضل و أرجح، نعم لو عرض للإمام ما يمنعه من إتمام صلاته من موت (2)

____________

العدول إلى إمام آخر:

(1) إذ لا دليل على النقل اختياراً و إن كان المنقول إليه أفضل بعد فقد الإطلاق في المسألة، و مقتضى الأصل هو عدم المشروعية، فهو نظير ما لو كان ناوياً للانفراد ثمّ بدا له الائتمام في الأثناء، فإنّهما من واد واحد. و الجامع هو عدم جواز الائتمام في الأثناء، فإنّ المتيقّن من مشروعية الجماعة هو الائتمام من أوّل الصلاة إلى آخرها بإمام معيّن، و المرجع فيما عدا ذلك الأصل المتقدّم ذكره.

و عن العلامة (قدس سره) الجواز في المقام (1)، و كأنّه استند إلى الروايات الواردة في الفرع الآتي بعد إلغاء خصوصية المورد، و إلى الاستصحاب بتقريب أنّ المأموم في أوّل الصلاة كان له الائتمام بالشخص الآخر قبل ائتمامه بغيره و الآن كما كان.

و في كلا الوجهين ما لا يخفى:

أمّا الروايات: فلأنّ موردها صورة العذر و عدم تمكّن الإمام من إتمام الصلاة، فكيف يتعدّى عنه إلى النقل الاختياري بلا عذر. و لا شاهد على إلغاء خصوصية المورد أصلًا كما لعلّه ظاهر.

و أمّا الاستصحاب فهو ساقط جدّاً، فإنّه مضافاً إلى كونه في الشبهة الحكمية و لا نقول به من الاستصحاب التعليقي الذي هو من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر كما لا يخفى.

(2) كما في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «أنّه سأل عن‌

____________

(1) التذكرة 4: 269.

75

أو جنون أو إغماء (1)

____________

رجل أمّ قوماً فصلّى بهم ركعة ثم مات، قال: يقدّمون رجلًا آخر و يعتدّون بالركعة، و يطرحون الميّت خلفهم، و يغتسل من مسّه» (1).

و يؤيّد ذلك التوقيع المروي في الاحتجاج بهذا المضمون (2).

(1) لا دليل على ذلك في النصوص، و إنّما تعدّى الأصحاب (قدس سرهم) من الموارد المنصوصة ممّا مرّ و ما سيمرّ عليك بيانه إلى مورد الجنون أو الإغماء، و إلى ما لو عرض للإمام ما يمنعه من إتمام الصلاة مختاراً كما سيأتي.

و يمكن الاستدلال له بصحيح معاوية بن عمّار الآتية (3) في اعتلال الإمام بناء على أنّ المراد من اعتلال الإمام ليس خصوص المرض ليكون ذلك على حدّ الاستثناء في سائر الموارد المنصوصة بالخصوص، بل المراد به عروض العذر و مطلق الحادث المانع من إتمام الصلاة كما هو غير بعيد، و عليه فلا حاجة في التعدّي إلى دليل آخر.

بل يمكن التعدي حتّى و لو كان المراد بالاعتلال هو المرض، و ذلك لأنّ الموارد المنصوصة كلّها إنّما نصّ عليها في كلام السائلين دون الإمام (عليه السلام)، و من الواضح أنّ التنصيص على موارد خاصّة في الأسئلة ليس لأجل انقداح خصوصية المورد في ذهن السائل، بل لأجل أمر جامع و هو عدم تمكّن الإمام من الإتمام، فكان المسوق له السؤال هي الجهة العامّة غير الخاصّة بالمفروض في السؤال، و كان ذكر المورد الخاصّ فيه من باب المثال و كونه أحد المصاديق.

و على الجملة: سياق النصوص التي تقدّم بعضها و تأتي البقية يشهد‌

____________

(1) الوسائل 8: 380/ أبواب صلاة الجماعة ب 43 ح 1.

(2) الوسائل 3: 296/ أبواب غسل مسّ الميت ب 3 ح 4، الاحتجاج 2: 563/ 354.

(3) في ص 82.

76

أو صدور حدث (1)

____________

بإلغاء خصوصية المورد، و كونها ناظرة سؤالًا و جواباً إلى طروء مطلق العذر المانع من إتمام الصلاة جماعة. فالبناء على التعدّي كما عليه الأصحاب هو الصحيح.

(1) و تدلّ عليه روايات كثيرة، جملة منها صحيحة السند كصحيحة زرارة أنّه قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل دخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة، و أحدث إمامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم أ تجزئهم صلاتهم بصلاته و هو لا ينويها صلاة؟ فقال: لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها (صلاة) و إن كان قد صلّى، فانّ له صلاة أُخرى، و إلّا فلا يدخل معهم، و قد تجزي عن القوم صلاتهم و إن لم ينوها» (1).

فإنّه (عليه السلام) بعد ما حذّر عن الدخول في الجماعة بدون النيّة، و أنّه ينبغي له أن ينوي و إن كان قد صلّى، و تحتسب له صلاة أُخرى لكونها معادة حكم بصحة صلاة القوم و جماعتهم عند تقديمهم الرجل، و إن لم يكن ناوياً للصلاة، لجهلهم بحاله.

و صحيحة سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يؤمّ القوم فيحدث، و يقدّم رجلًا قد سبق بركعة، كيف يصنع؟ قال: لا يقدّم رجلًا قد سبق بركعة، و لكن يأخذ بيد غيره فيقدّمه» (2).

و صحيحة علي بن جعفر «أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الإمام أحدث فانصرف و لم يقدّم أحداً، ما حال القوم؟ قال: لا صلاة لهم إلّا بإمام، فليقدّم بعضهم فليتمّ بهم ما بقي منها، و قد تمّت صلاتهم» (3).

____________

(1) الوسائل 8: 376/ أبواب صلاة الجماعة ب 39 ح 1.

(2) الوسائل 8: 378/ أبواب صلاة الجماعة ب 41 ح 1.

(3) الوسائل 8: 426/ أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 1.

77

بل و لو لتذكّر حدث سابق (1) جاز للمأمومين تقديم (2)

____________

(1) كما تدلّ عليه صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام): «في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف، و قدّم رجلًا و لم يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله، قال: يذكّره من خلفه» (1) المؤيّدة برواية زرارة (2) و مرسلة الفقيه (3).

(2) الكلام يقع تارة في وجوب الاستنابة و عدم وجوبها، و أُخرى في كون الاستنابة من وظيفة المأمومين أو الإمام، فهنا جهتان:

أمّا الجهة الأُولى: فالظاهر عدم الوجوب، بل لا ينبغي الإشكال فيه، بناء على ما سيجي‌ء (4) من عدم وجوب البقاء على الجماعة و جواز العدول في الأثناء اختياراً إلى الانفراد حتّى مع تمكّن الإمام من الإتمام، فضلًا عمّا إذا مات أو عجز عن الإتمام كما في المقام.

نعم، قد يتوهّم الوجوب من قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة آنفاً: «لا صلاة لهم إلّا بإمام»، و لكنّها محمولة على الفضل قطعاً لما عرفت.

مضافاً إلى أنّ ظاهرها بمقتضى نفي طبيعة الصلاة بدون الإمام هو وجوب الجماعة في أصل الصلاة، لقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بإمام» دون: لا إتمام للصلاة إلّا بإمام. و هذا غير مراد البتة، لأنّ إقامة الصلاة جماعة مستحبة في الفرائض كلّها بلا إشكال، فيكون المراد به نفي الكمال بطبيعة الحال.

على أنّ صحيحة زرارة صريحة في جواز الانفراد، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم أنّه ليس على‌

____________

(1) الوسائل 8: 377/ أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 2.

(2) الوسائل 8: 378/ أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 4.

(3) الوسائل 8: 426/ أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 2، الفقيه 1: 261/ 1192.

(4) في ص 85.

78

إمام آخر [1] و إتمام الصلاة معه (1).

____________

وضوء، قال: يتمّ القوم صلاتهم، فإنّه ليس على الإمام ضمان» (1).

مع أنّ الحكم إجماعي ظاهراً، حيث لم ينسب القول بالوجوب في المقام إلى أحد من الأعلام، و إن تردّد فيه صاحب المدارك (قدس سره) (2).

و أمّا الجهة الثانية: فظاهر صحيحة البقباق الآتية (3) في مورد اختلاف الإمام و المأمومين سفراً و حضراً أنّ الاستنابة من وظائف الإمام. لكن المستفاد من بعض النصوص كصحيحة الحلبي المتقدّمة (4) في مورد موت الإمام و غيرها أنّها وظيفة المأمومين، بل ظاهر صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة هو تقديم بعضهم من دون تعيين أن يكون التقديم من قبل الإمام أو المأمومين.

و المتحصّل من ملاحظة مجموع النصوص نيابة شخص صالح للإمامة يقوم مقام الإمام الأوّل، بلا فرق في أن تكون الاستنابة من قبل الإمام أو المأمومين، أو تقدّم من يرتضيه المأمومون من تلقاء نفسه بلا استنابة، و أنّ ذكر الإمام أو المأمومين في بعض النصوص إنّما هو مقدّمة لحصول هذه الغاية، أي ليتمكّن القوم من إتمام الصلاة جماعة. فلا خصوصية للتعيين.

(1) هل يشترط أن يكون النائب هو أحد المأمومين أو يجوز استنابة الأجنبي أيضاً؟

ذهب جمع من الأصحاب منهم صاحب الحدائق (قدس سره) (5) إلى الثاني مستندين في ذلك إلى إطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة في موت الإمام، حيث‌

____________

[1] بشرط أن يكون هو من المأمومين.

____________

(1) الوسائل 8: 371/ أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 2.

(2) المدارك 4: 363 364.

(3) في ص 82.

(4) في ص 74.

(5) الحدائق 11: 218.

79

..........

____________

قال (عليه السلام): «يقدّمون رجلًا آخر ...» فإنّه بإطلاقه يعمّ المأموم و الأجنبي.

و إلى ظاهر صحيحة جميل المتقدّمة (1). و تؤيّدهما رواية زرارة المتقدّمة (2) الضعيفة بعلي بن حديد، فانّ قوله في الصحيحة: «و لم يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله ...» (3) و في الرواية: «و لم يعلم الذي قدّم ما صلّى القوم ...» (4) ظاهران في الأجنبي، و إلّا فلو كان أحد المأمومين لعلم بذلك. ففرض الجهل به لا يكون إلّا في الأجنبي.

أقول: يمكن فرض الجهل بالنسبة إلى المأموم أيضاً، إمّا لغفلته عن عدد الركعات و عدم اهتمامه بضبطها، تعويلًا على حفظ الإمام لضبطه، و المأموم تابع فلا يبالي بغير المتابعة كما يتّفق كثيراً. أو لكونه مسبوقاً كما لو أدرك الإمام في الركوع و حدث له الحادث في السجود، فلم يدر بعدد الركعة التي هو فيها. فدعوى ظهور الروايتين في الأجنبي في غير محلّها، بل غاية ما في الباب هو الإطلاق، كما في صحيحة الحلبي.

و عليه فالروايات الثلاث كلّها مشتركة في الدلالة بإطلاقها على ذلك و حينئذ فمقتضى الجمع بينها و بين صحيحة البقباق الآتية في اختلاف الإمام و المأمومين سفراً و حضراً و صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة (5) الصريحتين و لا سيما الثانية منهما في لزوم استنابة أحد المأمومين، حمل المطلقات على المقيّدة، عملًا بقانون الإطلاق و التقييد.

و حمل الأمر في الصحيحتين على الفضل كما قيل لا شاهد عليه بعد‌

____________

(1) في ص 77.

(2) [تقدّمت الإشارة إليها فقط في ص 77].

(3) الوسائل 8: 377/ من أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 2.

(4) الوسائل 8: 378/ أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 4.

(5) في ص 76.

80

..........

____________

ظهورهما في تعيّن كون المقدّم من المأمومين، من دون قرينة على الصرف عن هذا الظاهر، فلا مناص من ارتكاب التقييد. كما أنّ حمل القيد على أنّه أسهل لكونه من الفرد الغالب معارض بحمل الإطلاق على إرادة هذا الفرد الغالب فلا يعمّ غيره.

فالأقوى اشتراط أن يكون النائب من المأمومين.

ثمّ إنّه على تقدير جواز استنابة الأجنبي فهل يبني على الصلاة من حيث قطع الإمام فيأتي بالمقدار الباقي من صلاة الإمام، أو أنّه يبدأ بالصلاة من أوّلها و يتمّ صلاته منفرداً بعد ما يتمّ المأمومون ما تبقى من صلاتهم معه؟

نسب الأوّل في الحدائق إلى العلامة (قدس سره) مستدلًا له بالأولوية، إذ لو جازت إمامة المأموم في المقدار الباقي جاز للأجنبي بطريق أولى (1). ثمّ إنّه (قدس سره) ناقش في الاستدلال بها و بأمثالها بأنّها وجوه ضعيفة مبتنية على الاستحسانات العقلية.

و قد استدلّ هو بصحيحة جميل و رواية زرارة المتقدّمتين، حيث ذكر في أُولاهما: «و لم يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله ...» و في الثانية: «و لم يعلم الذي قدّم ما صلّى القوم ...»، فانّ التصريح بهذا القيد إنّما يتلائم مع اعتبار صلاة النائب من حيث قطع الإمام، فإنّ العلم بما صلاة الإمام يوجب تمكّن النائب من مراعاة المقدار الباقي، و إلّا فلو جاز له الشروع في الصلاة من الأوّل لم يترتّب على علمه بما صلاة الإمام أيّ أثر، فإنّه يأتي بصلاته و المأمومون يتمّون ما بقي من صلاتهم معه كائناً ما كان.

فالمستفاد من الروايتين هو قيام شخص آخر مقام الإمام في إتمام الباقي من الصلاة، كي لا يبقى المأمومون بدون إمام، و إن استلزم ذلك نقصان صلاة النائب.

و قد استغرب صاحب الحدائق (قدس سره) الحكم المذكور، و قال ما لفظه:

____________

(1) الحدائق 11: 218.

81

..........

____________

و هو حكم غريب، لم يوجد له في الأحكام نظير، فانّ هذه الصلاة بالنسبة إلى هذا الداخل إنّما هي عبارة عن مجرّد الأذكار و إن اشتملت على ركوع و سجود و إلّا فإنّها ليست بصلاة حقيقية، إذ المفهوم من الخبرين المذكورين أنّه يدخل معهم من حيث اعتلّ الإمام و يخرج معهم من غير أن يزيد شيئاً على صلاتهم و إنّما يؤمّهم فيما بقي عليهم كائناً ما كان و لو كان ركعة واحدة، و من هذا حصل الاستغراب إلخ (1).

أقول: لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من السهو و الاشتباه في كلّ من النسبة و الاستظهار، فإنّ الأولوية الواقعة في كلام العلامة (قدس سره) (2) غير ناظرة إلى هذه الجهة الواضحة الفساد، و كيف تكون صلاة الأجنبي الناقصة أولى من صلاة أحد المأمومين التامّة؟ بل الأولوية ناظرة إلى الجهة السابقة أعني بها أصل الاستنابة، و أنّ المأموم التابع إذا جازت استنابته جازت استنابة الأجنبي الذي لم يكن تابعاً بطريق أولى.

و إنّنا و إن لم نعتمد على هذه الأولوية بعد ما استظهرناه من اشتراط أن يكون النائب هو أحد المأمومين كما سبق، إلّا أنّ الغرض هو بيان الجهة التي ينظر إليها العلامة (قدس سره) في الأولوية و أنّها هي هذه الجهة، دون الجهة التي فرضها صاحب الحدائق (قدس سره) و هي الاستنابة من محلّ القطع. فنسبته لهذا الحكم إلى العلامة في غير محلّها، فتأمّل.

و أمّا استظهاره الحكم المذكور من الروايتين بالتقريب المتقدّم فغريب، كغرابة أصل الحكم كما اعترف بها (قدس سره)، فانّ التصريح بالقيد المذكور إنّما هو للزوم مراعاة النائب حال المأمومين، بأن يجلس للتشهّد ثم يومئ بيده إلى اليمين و الشمال بمثابة التسليم كي يسلّم القوم و ينصرفوا كما تضمّنته صحيحة معاوية بن عمّار الآتية في اعتلال الإمام، و كذا غيرها من الأخبار، و لأجل ذلك‌

____________

(1) الحدائق 11: 218.

(2) المنتهي 1: 381 السطر 28.

82

..........

____________

يحتاج النائب إلى معرفة المقدار الباقي من صلاة القوم. فلا دلالة لهذا القيد على الشروع من محلّ القطع بوجه.

ثمّ إنّ من جملة الموارد المنصوصة:

ما لو كان الإمام مسافراً و المأموم حاضراً كما دلّت عليه صحيحة الفضل ابن عبد الملك البقباق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا يؤمّ الحضريّ المسافر و لا المسافر الحضريّ، فإن ابتلي بشي‌ء من ذلك فأمّ قوماً حضريّين فإذا أتمّ الركعتين سلّم، ثمّ أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم» (1).

و ما إذا اعتل الإمام كما دلّت عليه صحيحة معاوية بن عمّار: «عن الرجل يأتي المسجد و هم في الصلاة، و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر، فيعتلّ الإمام فيأخذ بيده و يكون أدنى القوم إليه فيقدّمه، فقال (عليه السلام): يتمّ صلاة القوم ...» (2).

و ما إذا ابتلي الإمام بالرعاف كما تدلّ عليه رواية ابن سنان أو ابن مسكان عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل أمّ قوماً فأصابه رعاف بعد ما صلّى ركعة أو ركعتين فقدّم رجلًا ممّن قد فاته ركعة أو ركعتان، قال: يتمّ بهم الصلاة، ثمّ يقدّم رجلًا فيسلّم بهم، و يقوم هو فيتمّ بقيّة صلاته» (3)، و كذا تدلّ عليه مرسلة الفقيه الآتية في ابتلاء الإمام بأذى في بطنه.

أقول: إنّ رواية طلحة بن زيد ضعيفة السند، فإنّ طلحة و إن كان ثقة، نظراً إلى ما أفاده الشيخ (قدس سره) في الفهرست من اعتماده كتاب طلحة بن زيد (4) الظاهر في وثاقته في نفسه، فلا يضرّ بذلك عدم تصريح الرّجاليين بوثاقته. إلا‌

____________

(1) الوسائل 8: 330/ أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6.

(2) الوسائل 8: 377/ أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 3.

(3) الوسائل 8: 378/ أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 5.

(4) الفهرست: 86/ 372.

83

..........

____________

أنّ ابن سنان الذي يروي عن طلحة بن زيد هو محمّد بن سنان [فإنّه] و القاسم ابن إسماعيل القرشيّ (1) [يرويان كتاب طلحة] و إن أمكن بحسب الطبقة أن يروي عنه عبد اللّٰه بن سنان إلّا أنّه لم يعهد روايته عنه، فلا محالة يكون المراد بابن سنان في هذه الرواية على تقدير أن يكون ابن سنان لا ابن مسكان هو محمّد بن سنان، و لأجل ذلك لا تصلح الرواية للاعتماد عليها. و أمّا المرسلة فالأمر فيها ظاهر. و عليه فلم يثبت استثناء هذا المورد بالخصوص.

و ما لو وجد الإمام في بطنه أذى، و لا بدّ أن يراد به ما لا يتمكّن معه من إتمام الصلاة كما لا يخفى.

و يستدلّ له تارة: بمرسلة الفقيه قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما كان من إمام تقدّم في الصلاة و هو جنب ناسياً، أو أحدث حدثاً، أو رعف رعافاً، أو أذى في بطنه فليجعل ثوبه على أنفه ثمّ لينصرف، و ليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه ...» (2). و لكن ضعفها ظاهر.

و أُخرى: بما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب بإسناده [عن علي بن مهزيار عن فضالة عن أبان] عن سلمة عن أبي حفص عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: لا يقطع الصلاة الرعاف و لا القي‌ء و لا الدم، فمن وجد أذى فليأخذ بيد رجل من القوم من الصفّ فليقدّمه، يعني إذا كان إماماً» (3).

و هي أيضاً ضعيفة بكلّ من سلمة و أبي حفص، فإنّهما مجهولان. نعم في الكافي: عن سلمة أبي حفص (4). و هو أيضاً لم يوثّق. فالحكم في هذا المورد‌

____________

(1) [و هو و محمد بن سنان يرويان كتاب طلحة بن زيد كما في الفهرست].

(2) الوسائل 8: 426/ أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 2، الفقيه 1: 261/ 1192.

(3) الوسائل 7: 240/ أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 8، التهذيب 2: 325/ 1331.

(4) الكافي 3: 366/ 11 [و الموجود فيه: سلمة بن أبي حفص. لكن ذهب في معجم رجال الحديث 9: 208/ 5350 إلى أن الصحيح: سلمة أبو حفص].

84

بل الأقوى ذلك لو عرض له ما يمنعه من إتمامها مختاراً كما لو صار فرضه الجلوس (1) حيث لا يجوز البقاء على الاقتداء به، لما يأتي من عدم جواز ائتمام القائم بالقاعد.

[مسألة 15: لا يجوز للمنفرد العدول إلى الائتمام في الأثناء]

[1882] مسألة 15: لا يجوز للمنفرد العدول إلى الائتمام في الأثناء (2).

____________

أيضاً غير ثابت بالدليل الخاص، و إن ثبت بالدليل العام حسبما تقدّم (1).

(1) و قد مرّ الكلام في ذلك (2) فلاحظ.

العدول إلى الجماعة في الأثناء:

(2) على المشهور، لأصالة عدم المشروعية، فإنّ المتيقّن من أدلّة الجماعة هو الاقتداء من أوّل الصلاة، و لا إطلاق لها يتمسّك به لأمثال المقام كما مرّ ذلك غير مرّة.

و ذهب بعضهم إلى الجواز، و يستدلّ له بأخبار الاستنابة المتقدّمة، و تقريبه من وجهين:

أحدهما: أنّ في فترة الانتقال الفاصلة بين قطع الإمام الأوّل و قيام الثاني مقامه تنقطع الجماعة لا محالة، لاستحالة الائتمام بدون إمام، فلا محالة ينفرد المأمومون في هذه الفترة، و قد دلّت النصوص على جواز ائتمامهم في الأثناء بالإمام الجديد. فالحكم بجواز قيام الثاني مقام الأوّل يستلزم جواز العدول من الانفراد إلى الائتمام في الأثناء، و إلّا لما صحّ الاقتداء بالثاني.

و يتوجّه عليه: أنّ الانفراد في الفرض المذكور مسبوق بالائتمام، و قد دلّت النصوص على عدم قدح الانفراد لفترة في هذا الفرض، فلا مجال لأن يقاس المقام عليه ممّا كان ناوياً الانفراد من الأوّل، لعدم الدليل على التعدّي من‌

____________

(1) في ص 75.

(2) [لعلّه إشارة إلى ما ذكره في ص 75].

85

[مسألة 16: يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد و لو اختياراً في جميع أحوال الصلاة على الأقوى]

[1883] مسألة 16: يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد و لو اختياراً في جميع أحوال الصلاة (1) على الأقوى، و إن كان ذلك من نيّته [1] في أول الصلاة.

____________

مفروض الرواية.

ثانيهما: أنّ مقتضى صحيحة جميل المتقدّمة (1) الدالّة على الاستنابة لدى تذكّر الإمام دخوله في الصلاة محدثاً هو بطلان الجماعة و اتّصاف صلاة القوم بالانفراد من الأوّل، و مع ذلك فقد دلّت الصحيحة على جواز العدول في الأثناء إلى الإمام الجديد، فكذلك الحال في المقام، لوحدة المناط.

و يتوجّه عليه: أنّه قياس مع الفارق، فإنّ المأموم هناك كان ناوياً للجماعة منذ دخوله في الصلاة، غايته أنّها لم تتحقّق خارجاً لعدم شرط الصحّة في صلاة الإمام، فلا يقاس عليه المقام ممّا كان المصلّي ناوياً للانفراد من أوّل الأمر.

و يدلّ على عدم الجواز زائداً على ما مرّ الأخبار الدالّة على أنّ من دخل في الفريضة ثم أُقيمت الجماعة أنّه يعدل إلى النافلة و يتمّها ثمّ يلتحق بالجماعة، فلو جاز له الائتمام في الأثناء لم تكن حاجة إلى العدول كما لا يخفى.

(1) مطلقاً، سواء أ كان ذلك لعذر أم لم يكن، و سواء أ كان من نيّته ذلك من ابتداء الصلاة أم بدا له العدول في الأثناء كما هو المشهور و المعروف، بل عن العلّامة (2) و غيره دعوى الإجماع عليه، و أنّ الجماعة مستحبّة بقاء كما كانت مستحبة حدوثاً، فله الانتقال في جميع الأحوال.

و لم ينسب الخلاف صريحاً إلّا إلى الشيخ في المبسوط حيث منع من‌

____________

[1] صحّة الجماعة معها لا تخلو من إشكال.

____________

(1) في ص 77.

(2) نهاية الإحكام 2: 128 [و المذكور فيها: (و يجوز للإمام نقل النية من الائتمام إلى الانفراد ...) و هو اشتباه واضح، فلاحظ].

86

..........

____________

المفارقة لغير عذر (1)، نعم استشكل الحكم جماعة كصاحب المدارك (2) و السبزواري في الذخيرة (3) و صاحب الحدائق (4) و غيرهم (قدس سرهم).

و كيف ما كان، فيقع الكلام تارة فيما إذا كان ناوياً للانفراد من ابتداء الصلاة و أُخرى فيما إذا بدا له العدول في الأثناء. فهاهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال في الجواز بالنسبة إلى الموارد المنصوصة كما في المأموم المسبوق، و في اقتداء الحاضر بالمسافر أو العكس، و في الرباعية بالثلاثية أو الثنائية و بالعكس. و الضابط: كلّ مورد علم المأموم من الأوّل بعدم مطابقة صلاته مع صلاة الإمام في عدد الركعات، لنقص في صلاته أو في صلاة الإمام بحيث يلجأ فيه إلى الانفراد، ممّا ورد النصّ على جواز العدول في جميع ذلك بالخصوص.

و أمّا في غير الموارد المنصوصة فالظاهر عدم مشروعية الجماعة و إن كان معذوراً في نيّة الانفراد، إذ لا دليل على مشروعية الائتمام في بعض الصلاة، و إنّما الثابت بأدلّة الجماعة كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و الفضيل: «و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، و لكنّها سنّة ...» (5) هو مشروعيتها و استحبابها في تمام الصلاة، و أمّا الاقتداء في البعض فغير مشمول لهذه النصوص، و مقتضى الأصل عدم المشروعية.

إذن فما دلّ على بطلان الصلاة بزيادة الركوع لو زادها في المقام متابعة منه للإمام هو المحكّم، للشكّ في خروج هذا الائتمام من إطلاق تلكم الأدلّة زائداً على المقدار المتيقّن أعني قصد الائتمام في تمام الصلاة، فإنّه من الواضح عدم وجود إطلاق يتضمّن مشروعية الجماعة في أبعاض الصلاة.

____________

(1) المبسوط 1: 157.

(2) المدارك 4: 378.

(3) الذخيرة: 402 السطر 19.

(4) الحدائق 11: 240.

(5) الوسائل 8: 285/ أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 2.

87

..........

____________

و أمّا ما ورد من ترتّب الثواب على الركعات، و أنّ الاقتداء حتّى في الركعة الواحدة له مقدار خاصّ من الثواب فهو أمر آخر لا يكاد يدلّ على مشروعية الجماعة في تلك الركعة بخصوصها، بل هو ناظر إلى المأموم المسبوق كما لا يخفى.

و قد تحصّل: أنّ الأقوى بطلان الجماعة لو كان ناوياً للانفراد منذ ابتداء الصلاة، و أنّها تكون فرادى لو أتى المصلّي بوظيفة المنفرد، و إلّا بطلت أيضاً.

و أمّا المقام الثاني: فلا إشكال كما لا خلاف في الجواز قبل التسليم لعذر أم لغيره، و كذا قبل التشهّد في صورة العذر، للنصّ على الجواز في هذه الموارد الثلاثة:

1 العدول قبل التسليم لغير عذر، و يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد، قال: يسلّم من خلفه، و يمضي لحاجته إن أحبّ» (1).

2 العدول كذلك لعذر، و يدلّ عليه صحيحة أبي المغراء قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون خلف الإمام فيسهو فيسلّم قبل أن يسلّم الإمام، قال: لا بأس» (2).

3 العدول قبل التشهّد لعذر، و يدلّ عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطوّل الإمام بالتشهّد، فيأخذ الرجل البول، أو يتخوّف على شي‌ء يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: يتشهّد هو و ينصرف، و يدع الإمام» (3).

و أمّا صحيحة أبي المغراء الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه: «في الرجل يصلّي خلف‌

____________

(1) الوسائل 8: 413/ أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 3.

(2) الوسائل 8: 414/ أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 5.

(3) الوسائل 8: 413/ أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2.

88

..........

____________

إمام فسلّم قبل الإمام، قال: ليس بذلك بأس» (1) فمقتضى إطلاقها هو جواز العدول قبل التسليم حتّى بدون عذر، فيستفاد منها الحكم في الصورتين الأُوليين، هذا.

و لعلّ تفصيل الشيخ (قدس سره) بين العذر و عدمه حيث منع من العدول لغير عذر كما سبق مستند إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة آنفاً بعد إلغاء خصوصية المورد و هو التشهّد، و التعدّي عنه إلى سائر الأحوال.

و كيف ما كان، فلا إشكال في الحكم في الموارد الثلاثة المتقدّمة، لدلالة النصوص عليه كما عرفت.

و أمّا ما عدا ذلك من سائر أحوال الصلاة فالظاهر أنّ التفصيل في ذلك بين العذر و عدمه بالقول بالجواز في الأوّل دون الثاني لا وجه له، إذ لا دليل عليه و لا شاهد على التعدّي عن مورد النصّ، بل إن ثبت الجواز ثبت مطلقاً و إلّا فالمنع مطلقاً، إذ غاية ما يترتّب على وجود العذر إنّما هو الجواز التكليفي، دون الوضعي أعني به الصحّة الذي هو محلّ الكلام، هذا.

و قد استدلّ لعدم الجواز مطلقاً بوجوه:

أحدها: قاعدة الاشتغال، فإنّه بعد نيّة الانفراد يشكّ في صحّة الصلاة و العبادة توقيفية، و مقتضى الأصل عدم المشروعية، فلا دليل على الاكتفاء بهذه الصلاة.

و يتوجّه عليه: أنّ الشكّ في الصحّة إنّما ينشأ من احتمال اشتراط صحّة الصلاة بالاستمرار في الائتمام، و المرجع حينئذ هو أصالة البراءة عن الوجوب النفسي الشرطي، بناءً على أنّ المرجع في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين هي البراءة كما حقّق في محلّه (2).

و لعلّ نظر صاحب الجواهر (قدس سره) (3) في استدلاله بالأصل إلى ما‌

____________

(1) الوسائل 8: 414/ أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 4.

(2) مصباح الأُصول 2: 426.

(3) الجواهر 14: 25.

89

..........

____________

ذكرناه، أي أصالة البراءة عن الحكمين الشرطي و التكليفي، دون خصوص التكليفي كي يعترض عليه بعدم اقتضائها الصحّة كما لا يخفى.

ثانيها: أنّ المنفرد في الأثناء تارك للقراءة عامداً، و لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، و المتيقّن من سقوطها في صلاة الجماعة إنّما هو حال الائتمام في تمام الصلاة. و من الواضح عدم جريان حديث: «لا تعاد الصلاة ...» (1) في مورد الترك العمدي.

و يتوجّه عليه: أنّه لا مانع من شمول الحديث للمقام و إن كان ترك القراءة فيه عمدياً، لكونه معذوراً فيه استناداً إلى جهله و اعتقاده الائتمام في تمام الصلاة، و قد ذكرنا في محلّه شمول الحديث للجاهل المعذور (2). و قد مرّ نظير ذلك في اختلاف المصلّيين في الإمامة و المأمومية، فقد قلنا هناك: إنّ ترك القراءة و إن كان عمدياً لكنّه لأجل المعذورية فيه يكون مشمولًا للحديث.

و من نظائره كما أشرنا إليه هناك أيضاً (3) ما لو تخيّل أنّه في الركعة الثالثة فترك القراءة و التفت إلى ذلك بعد الدخول في الركوع، فإنّ الصلاة صحيحة حينئذ بلا إشكال لصحيحة «لا تعاد ...» مع فرض تركه القراءة عمداً، و ليس ذلك إلّا لشمول الحديث لموارد العذر و إن كان عمدياً، هذا.

مضافاً إلى كون الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّه يمكن فرض الانفراد بدون الإخلال بالقراءة كما إذا كانت الصلاة جهريّة و لم يسمع قراءة الإمام حتّى الهمهمة فقرأ لنفسه، أو مطلقاً و لو كانت إخفاتية و لكن المأموم كان مسبوقاً بركعتين فاقتدى بالإمام في الركعة الثالثة و أتى بالقراءة كما هو وظيفته، ثمّ عدل إلى الانفراد في ركعة الإمام الرابعة مثلًا. و الحاصل: أنّ الدليل لا يقتضي البطلان في أمثال هذه الصور.

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) شرح العروة 1: 271 275، و سيأتي في 18: 17.

(3) [بل في مسألة ما إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو ... راجع ص 61 و ما بعدها].

90

..........

____________

ثالثها: و هو أخص من المدّعى أيضاً، و خاصّ ببعض صور المسألة أنّه لو زاد ركوعاً سهواً متابعة منه للإمام فمقتضى إطلاق ما دلّ على البطلان بزيادة الركن الحكم بالفساد في المقام، فانّ القدر المتيقّن الخارج عنه هو الائتمام في تمام الصلاة، فالعدول إلى الانفراد في مثل هذا الفرض يجعل الصلاة باطلة بحكم الإطلاق المذكور.

و يتوجّه عليه: أنّه لا بأس بالتمسّك حينئذ بإطلاق دليل المخصّص، فانّ ما دلّ على العفو عن زيادة الركن حال الائتمام يشمل بإطلاقه ما إذا عدل إلى الانفراد بعد ذلك، فالمرجع حينئذ هذا الإطلاق دون إطلاق دليل البطلان كما لا يخفى.

رابعها: استصحاب البقاء على الائتمام، للشكّ في انقطاعه بمجرّد نيّة العدول إلى الانفراد، فلا يمكنه ترتيب أحكام المنفرد، فلا تجوز له القراءة مع سماعه قراءة الإمام. و لو شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا ليس له البناء على الأربع و هكذا، عملًا باستصحاب بقاء الجماعة.

و يتوجّه عليه أوّلًا: أنّ الشبهة حكمية و لا نقول بجريان الاستصحاب فيها فإطلاق أدلّة أحكام المنفرد هو المحكّم.

و ثانياً: الموضوع متعدّد، فانّ عنوان الائتمام و الجماعة من العناوين القصدية كما سبق (1)، و المصلّي إنّما كان محكوماً عليه بأحكام الجماعة لكونه ناوياً لها و بعد عدوله إلى الانفراد يكون ذلك القصد قد انعدم و زال لا محالة، فأصبح بذلك موضوعاً آخر، فكيف يجري الاستصحاب.

و قد تحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الصحيح جواز العدول إلى الانفراد في الأثناء في جميع أحوال الصلاة، من غير فرق بين صورتي العذر و عدمه و العمدة في ذلك أصالة البراءة عن اشتراط البقاء على الجماعة و إدامتها، فينتفي‌

____________

(1) في ص 53.

91

لكنّ الأحوط عدم العدول إلّا لضرورة و لو دنيوية، خصوصاً في الصورة الثانية (1).

[مسألة 17: إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام قبل الدخول في الركوع لا يجب عليه القراءة]

[1884] مسألة 17: إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام قبل الدخول في الركوع لا يجب عليه القراءة (2)،

____________

بذلك احتمال الوجوب الوضعي كالتكليفي، و نتيجة ذلك استحباب الجماعة حدوثاً و بقاء.

(1) بل قد عرفت بطلان الجماعة في غير الموارد المنصوصة، بل بطلان الصلاة أيضاً في بعض الصور فلاحظ.

(2) إذا كان الانفراد قبل شروع الإمام في القراءة فلا إشكال في وجوبها عليه كما هو واضح، و أمّا إذا كان بعد تمام القراءة و قبل ركوع الإمام فاختار (قدس سره) عدم الوجوب.

و غاية ما يمكن توجيهه: أنّ الإمام ضامن للقراءة عن المأمومين و المفروض هو ائتمامه حالها، فقد سقط الأمر بها عنه بعد العدول، و لا موجب للإعادة.

و فيه: أنّ موضوع نصوص الضمان هو عنوان الائتمام، فما دام المصلّي يصدق عليه العنوان المذكور و متّصفاً بالمأمومية يكون الإمام ضامناً لقراءته، و أمّا بعد خروجه عن العنوان المذكور بعدوله إلى الانفراد فيلحقه حكم المنفرد، و يشمله إطلاق قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1).

و بعبارة اخرى: القراءة واجبة على كلّ أحد، و ليس المأموم بخارج عن تحت العموم بالتخصيص، بل القراءة واجبة عليه أيضاً و غير ساقطة عنه غايته أنّ الإمام بقراءته يتحمّلها عنه و تكون مجزية عنه، فكأنّ الشارع قد‌

____________

(1) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، [راجع ص 18، الهامش (1)].

92

..........

____________

اعتبر صلاتي الإمام و المأموم بمثابة صلاة واحدة، و أنّ فيها قراءة واحدة يتصدّاها الإمام.

لكن الضمان و التحمّل منوطان ببقاء الائتمام، لكونه هو موضوع النصوص فيختصّ الحكم المذكور بحال كونه مأموماً، و مع زوال العنوان بالعدول يكون المحكّم هو إطلاق دليل وجوب القراءة.

و فيما يلي نشير إلى النصوص الدالّة على ضمان الإمام القراءة عن المأموم و هي:

موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام، فقال: لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة، و ليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه، إنّما يضمن القراءة» (1). و قد علّق فيها الضمان على الصلاة خلف الإمام، المساوق لعنوان الائتمام.

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة خلف الإمام أقرأ خلفه؟ فقال: أمّا الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل إليه، فلا تقرأ خلفه ...» (2).

و صحيحة سليمان بن خالد قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أ يقرأ الرجل في الأُولى و العصر خلف الإمام و هو لا يعلم أنّه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ، يكِلهُ إلى الإمام» (3).

و قد حكم (عليه السلام) فيها بايكاله القراءة إلى الإمام، و أنّه لا ينبغي له أن يقرأ، و كل ذلك منوط حدوثاً و بقاءً بفرض الائتمام كما ذكرناه، فلا ضمان له و لا إيكال إليه بعد العدول و الانفراد، لكونه حينئذ منفرداً لا مؤتمّاً، فيكون مشمولًا لإطلاق دليل وجوب القراءة.

____________

(1) الوسائل 8: 354/ أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 3.

(2) الوسائل 8: 356/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5.

(3) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 8.

93

بل لو كان في أثناء القراءة يكفيه بعد نيّة الانفراد قراءة ما بقي منها، و إن كان الأحوط استئنافها [1] خصوصاً إذا كان في الأثناء (1).

[مسألة 18: إذا أدرك الإمام راكعاً يجوز له الائتمام و الركوع معه]

[1885] مسألة 18: إذا أدرك الإمام راكعاً يجوز له الائتمام و الركوع معه ثمّ العدول إلى الانفراد اختياراً، و إن كان الأحوط ترك العدول حينئذ خصوصاً إذا كان ذلك من نيّته [2] أوّلًا (2).

____________

(1) لا ينبغي الشكّ في وجوب القراءة على المأموم بعد عدوله إلى الانفراد في الفرض و لو سلّمنا بعدم وجوبها عليه في الفرض السابق، و هو ما إذا كان عدوله إلى الانفراد بعد تمام القراءة و قبل الركوع، فيجب عليه في هذا الفرض استئناف القراءة، و لا يجتزئ بالإتيان بما تبقّى منها، و ذلك لوضوح عدم دلالة النصوص المتقدّمة على ضمان الإمام بعض القراءة. فالحكم بعدم الضمان في هذه الصورة أظهر.

و الحاصل: أنّ الأقوى هو وجوب القراءة في صورتي انفراد المأموم أثناء قراءة الإمام و بعد تمام القراءة و قبل الركوع.

(2) في العبارة مسامحة ظاهرة، فانّا إذا بنينا على المنع من نيّة العدول في ابتداء الصلاة و خصّصنا الجواز بما إذا بدا له ذلك في الأثناء كما هو الصحيح و قد عرفت وجهه (1) بطلت الجماعة فيما إذا كان ناوياً للعدول من ابتداء الصلاة، سواء انفرد خارجاً و تحقّق منه العدول أم لا، فانّ القادح حينئذ إنّما هو نيّة الائتمام في بعض الصلاة، و هو مشترك بين الصورتين.

و أمّا إذا بنينا على الجواز كما اختاره (قدس سره) صحّت الجماعة على كلا التقديرين أيضاً، أي سواء تحقّق منه العدول خارجاً أم لم يتحقّق. فلا يظهر‌

____________

[1] لا يترك ذلك، بل وجوبه في الفرض الثاني قويّ.

[2] مرّ الإشكال في هذا الفرض آنفا.

____________

(1) في ص 86 و ما بعدها.

94

[مسألة 19: إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام و أتمّ صلاته فنوى الاقتداء به في صلاة أُخرى]

[1886] مسألة 19: إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام و أتمّ صلاته فنوى الاقتداء به في صلاة أُخرى قبل أن يركع الإمام في تلك الركعة، أو حال كونه في الركوع من تلك الركعة جاز، و لكنّه خلاف الاحتياط [1] (1).

____________

الوجه في قوله (قدس سره): خصوصاً إذا كان ذلك أي العدول من نيّته أولًا.

فإنّ مقتضى الاحتياط و إن كان هو ترك العدول كما ذكره خروجاً عن مخالفة المانع عنه ممّن سبقت الإشارة إليه (1)، غير أنّه لا خصوصية لهذا الاحتياط بما إذا كان من نيّته العدول من الأوّل، لما عرفت من أنّ القادح على القول به و هو الصواب مجرّد تلك النيّة، لا مع انضمام العدول الخارجي إليها كي يكون الاحتياط بترك العدول هنا أقوى و آكد.

و على الجملة: فعبارة المتن إلى قوله: حينئذ، مستقيمة، و إنّما القصور في قوله: خصوصاً ... إلخ. و مراده (قدس سره) أنّ الأحوط ترك العدول، و آكد منه الاحتياط بترك نيّة العدول من الأوّل، فإنّ الاحتياط بترك نيّة العدول آكد و أولى من الاحتياط بترك العدول خارجاً، لقوّة احتمال البطلان هناك، بل هو الحقّ كما عرفت. لكنّ العبارة قاصرة و غير وافية بأداء ذلك. و لو أبدلها بقوله: و أحوط منه ترك نيّته أوّلًا ...، لكان أحسن و أولى.

(1) إذا بنينا على أنّ المأموم لو انفرد عن الإمام قبل الركوع تجب عليه القراءة، و لا يتحمّلها الإمام عنه كما هو الصحيح على ما مرّ (2) فلا ينبغي الإشكال في الجواز في المقام، و لا وجه للاحتياط، إذ لم يطرأ ما يستوجب الخلل في الصلاة الأُولى بعد فرض الإتيان بالقراءة و البناء على جواز العدول‌

____________

[1] هذا بناءً على عدم لزوم القراءة فيما إذا انفرد بعد قراءة الإمام، و إلّا فلا موجب للاحتياط.

____________

(1) في ص 85.

(2) في ص 91.

95

[مسألة 20: لو نوى الانفراد في الأثناء لا يجوز له العود إلى الائتمام]

[1887] مسألة 20: لو نوى الانفراد في الأثناء لا يجوز له العود إلى الائتمام (1)، نعم لو تردّد في الانفراد و عدمه ثم عزم على عدم الانفراد صحّ [1] (2)

____________

في الأثناء كما هو المفروض، فلا مانع من الاقتداء في الصلاة الثانية بنفس الركوع من هذه الركعة، كما لو لم يكن مسبوقاً بالصلاة الاولى.

و أمّا إذا بنينا على الضمان و عدم وجوب القراءة كما اختاره (قدس سره) فالاحتياط حينئذ حسن، و الوجه فيه: هو احتمال ضمان الإمام في ركعة واحدة عن قراءة ركعة واحدة، لا عن قراءة ركعتين كما يقتضيه الاقتداء في ركعتين بركعة واحدة، و أنّ مثله غير مشمول لأدلّة الضمان.

و الحاصل: أنّ احتياط الماتن (قدس سره) لا وجه له على مسلكنا، و إنّما يتّجه على مسلكه (قدس سره).

(1) قد أشرنا سابقاً (1) إلى عدم مشروعية الائتمام في بعض الصلاة لعدم الدليل عليه، سواء أ كان من نيّته ذلك من الأوّل كما إذا كان عازماً على الانفراد في أثناء الصلاة، أم بدا له الائتمام في الأثناء كما إذا صلّى منفرداً و في أثنائها بدا له الائتمام. فإنّ كلّ ذلك غير جائز، لأصالة عدم المشروعية كما مرّ.

و يترتّب عليه عدم جواز العود إلى الائتمام لو نوى الانفراد في الأثناء، لأنّ ذلك من مصاديق الائتمام في بعض الصلاة الذي قد عرفت المنع عنه.

(2) فيه: أنّ الترديد لا يجامع البقاء على نيّة الائتمام، فقد زال بمجرّد الترديد قصد الجماعة، فيكون غير مؤتمّ في هذه الحال، لتقوّمه بالقصد المنفي حسب الفرض. و عزمه الطارئ على الائتمام يدخل تحت عنوان الاقتداء في بعض الصلاة، و هو غير مشروع كما عرفت. فما أفاده (قدس سره) من الحكم بالصحّة عند التردّد ضعيف.

____________

[1] فيه إشكال، و كذا فيما لو نوى الانفراد ثم عدل بلا فصل.

____________

(1) في ص 86، 84.

96

بل لا يبعد جواز العود إذا كان بعد نيّة الانفراد بلا فصل، و إن كان الأحوط عدم العود مطلقاً (1).

[مسألة 21: لو شكّ في أنّه عدل إلى الانفراد أم لا بنى على عدمه]

[1888] مسألة 21: لو شكّ في أنّه عدل إلى الانفراد أم لا بنى على عدمه (2).

[مسألة 22: لا يعتبر في صحّة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة]

[1889] مسألة 22: لا يعتبر في صحّة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة (3) بل يكفي قصد القربة في أصل الصلاة (4)، فلو كان قصد الإمام من الجماعة الجاه أو مطلب آخر دنيوي و لكن كان قاصداً للقربة في أصل الصلاة صحّ، و كذا إذا كان قصد المأموم من الجماعة سهولة الأمر عليه، أو الفرار من الوسوسة أو الشكّ، أو من تعب تعلّم القراءة، أو نحو ذلك من الأغراض الدنيوية صحّت صلاته مع كونه قاصداً للقربة فيها،

____________

(1) الحكم بالصحّة هنا أضعف منه في مورد الترديد، إذ لا فرق في المسألة بين قصر الزمان و طوله، فمتى ما زالت نيّة الائتمام يكون العود إليه مصداقاً للائتمام في بعض الصلاة غير المشروع، و لو كان ذلك آناً ما و بلا فصل. فالأقوى الحكم بعدم الصحّة في جميع الفروض الثلاثة المذكورة في المتن.

(2) لأصالة عدم المانع من بقائه على الجماعة عند الشكّ في حصوله، مع فرض كونه حال الشكّ على حالة الاقتداء.

قصد القربة في الجماعة:

(3) الظاهر أنّ هذا الحكم هو المعروف و المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً، إذ لم يتعرّض أحد منهم للشرط المذكور في أحكام الجماعة. و هو الصحيح.

(4) أمّا في الإمام فواضح، لما عرفت (1) من عدم اعتبار قصد الإمامة في‌

____________

(1) في ص 53.

97

نعم لا يترتّب ثواب الجماعة إلّا بقصد القربة فيها.

____________

صحّة الجماعة، فضلًا عن قصد القربة فيها، بل تصحّ الجماعة حتّى مع نيّة الإمام الصلاة فرادى، نعم إنّما يعتبر ذلك فيما تكون الجماعة شرطاً في صحّة الصلاة كالجمعة و العيدين، فانّ حكم الإمام في ذلك هو حكم المأموم في مطلق الجماعة، كما عرفت و سنشير إليه أيضاً.

و أمّا في المأموم فقصد الائتمام و إن كان معتبراً في صحّة الجماعة كما سبق، إلّا أنّ عنوان الجماعة من العناوين الطارئة كسائر الخصوصيات الزمانية و المكانية فكما لا يعتبر قصد القربة في سائر الخصوصيات الطارئة كأن يصلّي في المسجد لبرودة المكان لا بقصد التقرّب لا يعتبر في خصوصية الجماعة أيضاً لعدم دخلها في ماهية الصلاة كي يعتبر القصد فيها.

فلو كان الداعي للائتمام شيئاً آخر ممّا ذكره الماتن (قدس سره) و نحوها من الدواعي غير القربية مع كون الداعي إلى أصل الصلاة هو التقرّب صحّت الجماعة، نعم ترتّب ثواب الجماعة موقوف على قصد القربة بها، لكونها من شؤون الطاعة.

و على تقدير الشكّ في ذلك فالمرجع إطلاقات أدلّة الجماعة، بناء على ما هو الصحيح من التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصلية كما ذكرناه في مبحث التعبّدي و التوصّلي من أُصول الفقه (1).

هذا كلّه إذا لم يكن القصد الدنيوي من قبيل الرياء، و إلّا فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة فضلًا عن الجماعة، لما مرّ في الكلام عن الرياء في مبحث النيّة من كونه مبطلًا للعمل كيف ما اتّفق، سواء أ كان في تمام الصلاة، أم في أجزائها أم في شرائطها أم في خصوصياتها المقارنة لها من الزمان و المكان و نحو ذلك ممّا له مساس بالصلاة (2)، فإنّه تعالى كما في بعض الروايات خير‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 155 172.

(2) شرح العروة 14: 23 و ما بعدها.

98

[مسألة 23: إذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لا يجوز الاقتداء فيها سهواً أو جهلًا]

[1890] مسألة 23: إذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لا يجوز الاقتداء فيها (1) سهواً أو جهلًا كما إذا كانت نافلة أو صلاة الآيات مثلًا، فان تذكّر قبل الإتيان بما ينافي صلاة المنفرد عدل إلى الانفراد و صحّت، و كذا تصحّ إذا تذكّر بعد الفراغ و لم تخالف صلاة المنفرد، و إلّا بطلت [1] (2).

____________

شريك فمن عمل له و لغيره كان لغيره (1). و كلام المصنّف (قدس سره) منزّل على غير هذه الصورة بالضرورة.

(1) كما لو ائتمّ به بتخيّل أنّه يصلّي فريضة الفجر فانكشف في الأثناء أو بعد الفراغ أنّها كانت نافلة، أو اعتقد أنّه يصلّي اليومية فائتمّ به ثمّ بان له أنّها صلاة الآيات مثلًا، و نحو ذلك ممّا لا يجوز فيه الاقتداء.

(2) لا ينبغي الشكّ في بطلان الجماعة و عدم انعقادها حينئذ كما هو ظاهر و أمّا الصلاة فهل هي محكومة بالبطلان أيضاً، أو لا؟

الصحيح أن يقال: إنّه إذا أخلّ بوظيفة المنفرد بارتكاب ما يوجب البطلان عمداً و سهواً كما لو زاد ركوعاً لمتابعة الإمام، أو عرضه أحد الشكوك المبطلة كالشكّ بين الواحدة و الثنتين فرجع إلى الإمام لاعتقاده الائتمام فلا إشكال في بطلان الصلاة حينئذ، أخذاً بإطلاق ما دلّ على البطلان.

و أمّا إذا أخلّ بما لا يوجب البطلان إلّا عمداً كترك القراءة فالظاهر صحّة الصلاة حينئذ، سواء أ كان التذكّر أثناء الصلاة أم بعدها، لحديث «لا تعاد الصلاة» (2)، لعدم قصوره عن شمول مثل المقام، لكونه معذوراً في ترك القراءة و إن كان عن عمد، لزعمه الائتمام، كما مرّ غير مرّة.

____________

[1] صحّة الصلاة مطلقاً إلّا فيما إذا أتى بما تبطل به الصلاة عمداً و سهواً لا تخلو من قوّة.

____________

(1) الوسائل 1: 72/ أبواب مقدمة العبادات ب 12 ح 7.

(2) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

99

[مسألة 24: إذا لم يدرك الإمام إلّا في الركوع]

[1891] مسألة 24: إذا لم يدرك الإمام إلّا في الركوع، أو أدركه في أوّل الركعة أو أثنائها أو قبل الركوع فلم يدخل في الصلاة إلى أن ركع، جاز له الدخول معه و تحسب له ركعة، و هو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة على الأقوى (1)

____________

ما يدرك به الجماعة:

(1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ من أدرك الإمام قبل الركوع أي فيما بين تكبيرة الإحرام و تكبيرة الركوع فهو مدرك للركعة، فلا يلزم في تحقّق الائتمام أن يكون ذلك عند تكبيرة الإحرام أو قبل القراءة أو قبل الفراغ عنها، بل لو أخّر ذلك فأدرك تكبيرة الركوع فقد أدركها أيضاً، و هو متّفق و مجمع عليه.

و المعروف و المشهور أنّه لو أدرك الإمام حال الركوع كفى أيضاً، و جاز له الدخول معه و تحسب له ركعة، و هو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة، فيكبّر تكبيرة الافتتاح و أُخرى للركوع، و إن خاف فوت الركوع أجزأته تكبيرة الافتتاح.

و عن المفيد (1) و الطوسي (قدس سرهما) في النهاية (2) أنّ منتهى الحدّ إدراك تكبيرة الركوع، فلا يكفي إدراك الإمام راكعاً، و إن عدل الأخير عنه في الخلاف و وافق المشهور، بل ادّعى الإجماع عليه (3). و نسب الخلاف إلى القاضي (4) أيضاً. و كيف كان، فالمتّبع هو الدليل.

____________

(1) [كما نقله جمع عن المقنعة، لكنا لم نعثر عليه فيها، قال في مفتاح الكرامة 3: 128 السطر 21: و نقله جماعة من متأخري المتأخرين عن المقنعة، و ليس في المقنعة عين و لا أثر، و كأنّهم توهّموه من عبارة التهذيب 3: 43 ذيل ح 148 ...].

(2) النهاية: 114.

(3) الخلاف 1: 547 المسألة 285، 555 المسألة 298.

(4) المهذب 1: 82.

100

..........

____________

و قد وردت جملة وافرة من النصوص بالغة حدّ الاستفاضة بل قيل بتواترها، و لا يبعد تواترها الإجمالي دلّت على كفاية إدراك الإمام راكعاً و فيها الصحاح و الموثّقات أيضاً، و هي كما يلي:

1 صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «أنّه قال: إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة و إن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة» (1).

2 صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «أنّه قال: في الرجل إذا أدرك الإمام و هو راكع، و كبّر الرجل و هو مقيم صُلبه، ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» (2).

3 صحيحة أبي أُسامة يعني زيد الشحّام: «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل انتهى إلى الإمام و هو راكع، قال: إذا كبّر و أقام صُلبه ثمّ ركع فقد أدرك» (3) إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة بل الصريحة في المطلوب، ممّا لا تخفى على المراجع.

و تؤيّدها الأخبار الواردة في أنّ من دخل المسجد و خاف من رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يبلغ الصفّ جاز له التكبير و الركوع في مكانه، ثمّ يمشي راكعاً أو بعد السجود على اختلاف النصوص ممّا عقد لها في الوسائل باباً مستقلا (4)، فانّ هذا الحكم كما ترى يلازم جواز إدراك الإمام راكعاً.

و يؤيّدها أيضاً ما ورد من استحباب إطالة الإمام ركوعه ضعفين إذا أحسّ بمن يريد الاقتداء به، و قد عقد لها في الوسائل باباً مستقلا أيضاً (5).

كما يؤيّدها أيضاً ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين‌

____________

(1) الوسائل 8: 382/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 2، 1.

(2) الوسائل 8: 382/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 2، 1.

(3) الوسائل 8: 383/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 3.

(4) الوسائل 8: 384/ أبواب صلاة الجماعة ب 46.

(5) الوسائل 8: 394/ أبواب صلاة الجماعة ب 50.