موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
101

..........

____________

(عليه السلام) قال: إنّ أوّل صلاة أحدكم الركوع» (1).

و بإزاء هذه الروايات طائفة أُخرى من الروايات و ينتهي سند كلّها إلى محمّد بن مسلم دلّت بظاهرها على عدم الكفاية ما لم يدرك تكبيرة الركوع و هي:

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» (2)، حيث دلّت بمفهومها على عدم إدراك الصلاة ما لم يدرك التكبيرة.

و صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال لي: إذا لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة» (3).

و صحيحته الثالثة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام» (4).

و صحيحته الرابعة قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» (5).

و هذه الطائفة كما تراها لا تقاوم الطائفة المتقدّمة دلالة، فإنّ تلك صريحة في الجواز، و هذه أقصاها الظهور، لتضمّنها النهي الظاهر في التحريم القابل للحمل على الكراهة.

و عليه فمقتضى الجمع العرفي رفع اليد عن ظاهر الثانية بصريح الاولى، بحمل النهي في الثانية على الكراهة و الحكم بأولوية التأخير إلى الركعة اللاحقة. و إذا فرض أنّها الركعة الأخيرة فالأولى الالتحاق به في التشهّد من دون احتسابها ركعة، و بذلك يدرك فضيلة الجماعة.

و مع الغضّ عن ذلك فالطائفة الثانية لا تقاوم الاولى سنداً أيضاً، و ذلك لانتهائها كما عرفت إلى محمّد بن مسلم، فهي بحكم رواية واحدة مرويّة‌

____________

(1) الوسائل 8: 384/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 6.

(2) الوسائل 8: 381/ أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1، 2، 3، 4.

(3) الوسائل 8: 381/ أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1، 2، 3، 4.

(4) الوسائل 8: 381/ أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1، 2، 3، 4.

(5) الوسائل 8: 381/ أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1، 2، 3، 4.

102

..........

____________

بطرق متعدّدة، فلا تقاوم تلكم الروايات الكثيرة المستفيضة البالغة حدّ التواتر و لو إجمالًا، فتندرج الثانية في الرواية الشاذّة في مقابل الرواية المشهورة و هي الطائفة الأُولى، و قد أُمرنا بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب المجمع عليه بينهم و طرح الشاذّ النادر.

فعلى تقدير المعارضة و الغضّ عن الجمع العرفي المتقدّم يكون الترجيح للأخبار المجوّزة، و تطرح المانعة بردّ علمها إلى أهله.

نعم، إنّ هناك رواية أُخرى ربما يظهر منها المنع و عدم الاكتفاء بإدراك الإمام في الركوع، و هي صحيحة الحلبي، و قد رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، و إن أدركته بعد ما ركع فهي أربع بمنزلة الظهر» (1).

قال في الوسائل: يمكن أن يكون المراد: إذا أدركته بعد فراغه من الركوع و رفع رأسه ...، و وافقه المحقّق الهمداني (قدس سره)، و على ذلك فقد حمل الركوع في الصدر على الفراغ أيضاً (2). فيكون حاصل المعنى: أنّه إذا أدركت الإمام قبل أن يفرغ من ركوع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، و إن أدركته بعد فراغه و رفع رأسه عنه فقد فاتت الصلاة، و عليه أن تصلّي الظهر أربع ركعات.

و لكنّه كما ترى خلاف الظاهر جدّاً، فإنّ صيغة الفعل الماضي ظاهرة في التحقّق، فقوله: «بعد ما ركع» ظاهر في تحقّق الركوع منه خارجاً، الحاصل بالدخول، فحمله على الفراغ منه و انقضائه برفع الرأس منه خلاف الظاهر.

كما أنّ صيغة المضارع ظاهرة في الشروع و التلبس، فقوله: «قبل أن يركع» بمعنى: قبل أن يشرع في الركوع و يتلبّس به. فحمله على ما قبل الفراغ منه بعد‌

____________

(1) الوسائل 7: 345/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 1، 3، الكافي 3: 427/ 1، الفقيه 1: 270/ 1233، التهذيب 3: 243/ 656.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 627 السطر 8.

103

..........

____________

الشروع و التلبس به خلاف الظاهر أيضاً.

و التحقيق: أنّ الصحيحة أجنبية عن محلّ البحث كلّية، فإنّها ناظرة إلى تحديد ما به تدرك الجمعة، لا إلى تحديد ما به تدرك الجماعة كما هو محلّ البحث، فانّ مفادها أنّ منتهى ما به تدرك صلاة الجمعة هو إدراك الإمام قائماً قبل الدخول في ركوع الركعة الثانية، فإذا دخل فيه فقد فاتته الجمعة، و أمّا إدراك الجماعة فمحلّه باق.

و حيث إنّ الوظيفة حينئذ تنقلب من الجمعة إلى الظهر فيأتمّ به ظهراً و يدخل في الركوع و يحتسبها أوّل ركعة من الظهر، ثمّ بعد تسليم الإمام يقوم فيضيف إليها ثلاث ركعات و يتمّها ظهراً. و لا شكّ في جواز الاقتداء ظهراً بصلاة الجمعة.

و هذا المعنى لو لم يكن على خلاف الإجماع هو الظاهر من الصحيحة فلا ربط لها بمحلّ الكلام لتنافي ما عليه المشهور من جواز إدراك الإمام راكعاً كما عرفت.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ منتهى حدّ إدراك الجماعة هو إدراك الإمام راكعاً.

و هل يجوز التأخير عمداً و اختياراً إلى أن يدخل الإمام في الركوع كما هو ظاهر المتن أو أنّ ذلك خاصّ بما إذا لم يدركه قبل ذلك، فلو أدركه حال تكبيرة الإحرام أو القراءة و تسامح و ماطل إلى أن ركع الإمام لم يكن له الدخول في الجماعة حينئذ؟

مقتضى الجمود على ظواهر النصوص هو الثاني، لتضمّنها بأسرها التعبير بإدراك الإمام و هو راكع، و هو لا يصدق مع التأخير العمدي إلى أن يركع الإمام، و إنّما ينطبق على ما إذا انتهى إلى الجماعة فرأى الإمام في الركوع فلا يعمّ التأخير العمدي، لمنافاته لمفهوم الإدراك كما لا يخفى. و مع قصور النصوص يكون المحكّم هو إطلاق أدلّة القراءة و غيرها من أدلّة أحكام المنفرد‌

104

بشرط أن يصل إلى حدّ الركوع قبل رفع الإمام رأسه، و إن كان بعد فراغه من الذكر على الأقوى (1)، فلا يدركها إذا أدركه بعد رفع رأسه، بل و كذا لو وصل المأموم إلى الركوع بعد شروع الإمام في رفع الرأس و إن لم يخرج بعد عن حدّه على الأحوط (2).

____________

بعد فقد الدليل على احتساب هذه الركعة.

و لكنّه يمكن القول بصدق الإدراك مع التأخير العمدي مع تعدّد المكان كما إذا كان خارج المسجد و علم بأنّ الجماعة أُقيمت فيه، فتسامح و أخّر لشغل أو لغيره حتّى دخل الإمام في الركوع فدخل المسجد، فإنّه يصدق عليه بالضرورة في هذه الحالة أنّه أدركه راكعاً، و لا قصور للنصوص عن الشمول لمثله.

فاذا ثبت الحكم مع اختلاف المكان و تعدّده ثبت مع وحدته أيضاً بعدم القول بالفصل، حيث لا يحتمل التفكيك بين الصورتين، و بذلك يحكم بالجواز مطلقاً حتّى مع التأخير اختياراً.

(1) كما هو المشهور، لإطلاق النصوص، حيث جعل المدار فيها على إدراك الإمام راكعاً.

و عن العلّامة (قدس سره) اعتبار إدراكه ذاكراً (1). و لعلّه للتوقيع المروي في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عجل اللّٰه فرجه): «أنّه كتب إليه إلى أن قال: فأجاب: إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة و إن لم يسمع تكبيرة الركوع» (2) و لكنّه ضعيف السند بالإرسال، فلا ينهض لتقييد المطلقات.

(2) قد يفرض رفع الرأس بقصد الانتقال في الركوع من مرتبة إلى مرتبة‌

____________

(1) التذكرة 4: 45، 325.

(2) الوسائل 8: 383 أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 5، الاحتجاج 2: 579/ 357.

105

و بالجملة: إدراك الركعة في ابتداء الجماعة يتوقّف على إدراك ركوع الإمام قبل الشروع في رفع رأسه.

____________

أُخرى مع عدم خروجه عن حدّ الركوع، و مع فرض مكثه ذاكراً في المرتبة الثانية، إذ من المعلوم كون الركوع شرعاً ذا مراتب، فانّ أدناها وصول أطراف الأصابع إلى الركبتين، و أقصاها الانحناء بحدّ لا يخرج معه عن صدق الركوع عرفاً.

فاذا فرضنا أنّ الإمام كان في المرتبة القصوى من الركوع، و دخل المأموم في الصلاة حال انتقال الإمام من تلك المرتبة إلى المرتبة النازلة، مع فرض بقائه بحال الذكر في المرتبة الثانية، فحينئذ لا ينبغي الإشكال في الصحّة، لصدق أنّه أدرك الإمام راكعاً، إذ لا يحتمل إرادة شخص المرتبة من الركوع. فالإطلاق غير قاصر عن الشمول لمثل ذلك كما هو واضح.

و قد يفرض كون رفع الرأس بقصد الانتهاء من الركوع و الشروع في الانتصاب، فأدركه المأموم في هذا الفرض و لكن قبل خروجه عن حدّ الركوع شرعاً. و الظاهر حينئذ هو البطلان و عدم احتساب ذلك ركعة، و ذلك لصدق أنّ الإمام قد رفع رأسه قبل أن يركع المأموم، المأخوذ في صحيحة الحلبي المتقدّمة (1) موضوعاً لفوات الركعة.

كما أنّ الإدراك في هذه الصحيحة و في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة أيضاً (2) و غيرهما من أخبار الباب منوط بركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه، و من الواضح عدم صدق هذا العنوان في المقام، حيث يصدق عليه أنّه ركع بعد ما رفع الإمام رأسه.

و على الجملة: مقتضى إطلاق النصوص هو البطلان فيما إذا ركع بعد ما رفع الإمام رأسه، سواء أ كان قد تجاوز حدّ الركوع شرعاً أم لم يكن.

____________

(1) الوسائل 8: 382/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 2، 1، و قد تقدّمتا في ص 100.

(2) الوسائل 8: 382/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 2، 1، و قد تقدّمتا في ص 100.

106

و أمّا في الركعات الأُخر فلا يضرّ عدم إدراك الركوع مع الإمام [1] بأن ركع بعد رفع رأسه، بل بعد دخوله في السجود أيضاً (1)، هذا إذا دخل في الجماعة بعد ركوع الإمام،

____________

(1) ملخّص ما أفاده (قدس سره) في المقام أنّ إدراك الركعة في ابتداء الجماعة و في الركعة الأُولى يتوقّف على أحد أمرين: إمّا إدراك الإمام راكعاً، أو إدراكه قائماً من أوّل الركعة أو أثناءها. فما هو المشهور من لزوم إدراك ركوع الإمام في الركعة الأُولى للمأموم في ابتداء الجماعة و إلّا لم تحسب له ركعة مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام، لا ما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها.

هذا هو حكم الإدراك في الركعة الأُولى، و أمّا في بقيّة الركعات فلا يقدح فيها التخلّف عن الإمام في الركوع، فلو ركع بعد رفع رأسه منه بل و بعد دخوله في السجود لم يقدح ذلك في صحّة الجماعة.

أقول: لا بدّ و أن يكون مراده (قدس سره) من عدم قدح التخلّف في بقيّة الركعات عدمه مطلقاً، حتّى و لو قارن التخلّف عن القيام أيضاً، كما لو اقتدى به من ابتداء الصلاة و بعد السجدة الأخيرة من الركعة الأُولى لم يمكنه القيام مع الإمام لمانع من زحام و نحوه إلى أن فرغ الإمام من ركوع الركعة الثانية و هوى إلى السجود فتمكّن آن ذاك من القيام، فإنّ الجماعة حينئذ بمقتضى ما أفاده (قدس سره) صحيحة. و إلّا فلو كان عدم القدح المذكور منوطاً بإدراكه القيام بأن يكون اللازم في سائر الركعات هو إدراك أحد الأمرين: القيام أو الركوع كما هو الحال في الركعة الأُولى على ما عرفت لم يبق عندئذ فرق بين الفرضين، و هو مخالف لظاهر المقابلة الواقعة في كلامه (قدس سره) بين الركعة‌

____________

[1] هذا إذا أدرك الإمام قبل ركوعه، و أمّا إذا منعه الزحام و نحوه من اللحوق إلى أن رفع الإمام رأسه من الركوع ففيه إشكال، و الأحوط أن يقصد الانفراد حينئذٍ.

107

..........

____________

الاولى في ابتداء الجماعة و بين سائر الركعات.

و كيف ما كان، ففيما عدا الركعة الاولى إن كان التخلّف في الركوع فقط فلا ينبغي الإشكال في صحّة الجماعة و احتساب ذلك ركعة، كما هو الحال في الركعة الأُولى، لإطلاق صحيحة عبد الرحمن المتقدمة (1) الدالّة على اغتفار التخلّف عن الإمام في الركوع إذا كان لعذر من زحام و سهو و نحوهما.

و أمّا إذا كان التخلّف فيه و في القيام معاً كما في الفرض المتقدّم الذي استظهرنا من عبارة الماتن حكمه بصحة الجماعة فيه.

فان أراد (قدس سره) صحّتها مع الالتزام بضمان الإمام للقراءة، بأن يقوم و يركع و يلتحق به في السجود فهذا مضافاً إلى عدم القائل به لا دليل عليه، فانّ الضمان من شؤون الائتمام، المتقوّم مفهومه بالمتابعة و الاقتداء، و قد ورد في الخبر كما مرّ: «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به» (2)، فانّ سنده و إن لم يخل عن الإشكال و لكن مضمونه موافق للارتكاز و يساعده الاعتبار، فلا ائتمام بدون المتابعة.

و من الواضح انتفاء المتابعة في مفروض الكلام بعد التخلّف عنه في كلّ من الركوع و القيام، حيث لا يقال له عرفاً إنّه تابع و مؤتمّ بعد هذا التخلف الفاحش بالضرورة، و مع انتفاء الائتمام كيف يحكم بالضمان الذي هو من آثاره و أحكامه.

و إن أراد (قدس سره) صحّتها من دون ضمان، بأن يقوم و يقرأ و يركع و يلتحق به في السجود فهو أيضاً عارٍ عن الدليل، لما عرفت من تقوّم الجماعة بالاقتداء و التبعية، و أنّه لا يكاد يتحقّق الائتمام إلّا مع المتابعة في القيام و المفروض انتفاؤها بعد مثل هذا التخلّف الفاحش، فالاقتداء مفقود وجداناً و معه كيف يمكن أن تشمله أدلّة الجماعة ليحكم بصحّتها.

____________

(1) [بل الآتية].

(2) المستدرك 6: 492/ أبواب صلاة الجماعة ب 39 ذيل ح 2، 1.

108

و أمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها و اتّفق أنّه تأخّر (1) عن الإمام في الركوع فالظاهر صحّة صلاته و جماعته (2). فما هو المشهور من أنّه لا بدّ من إدراك ركوع الإمام في الركعة الأُولى للمأموم في ابتداء الجماعة و إلّا لم تحسب له ركعة مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة، لا فيما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها، و إن صرّح بعضهم بالتعميم، و لكن الأحوط الإتمام حينئذ و الإعادة.

____________

(1) و مراده (قدس سره) ما إذا كان التأخّر لعذر من وجع في الظهر أو نسيان أو نحو ذلك، لا ما إذا كان عن عمد، و إلّا فلا يجوز ذلك كما سيجي‌ء بيانه في المسائل الآتية إن شاء اللّٰه تعالى (1).

(2) و الوجه في الصحّة: أنّ الروايات المانعة عن الاحتساب عند عدم إدراك الركوع خاصّةٌ بما إذا كان الالتحاق بالجماعة حال ركوع الإمام كما لا يخفى على من لاحظها، دون ما إذا كان الدخول فيها قبل ذلك في ابتداء الركعة أو أثناءها. فالمانع عن الاحتساب في هذه الصورة مفقود. و مقتضى إطلاقات الجماعة بضميمة ما دلّ على ضمان الإمام القراءة صحّة الجماعة و انعقادها حينئذ.

إنّما الكلام في المقتضي للاحتساب مع عدم إدراك الركوع، لا سيما و قد تقدّم في صحيحة محمد بن قيس «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إنّ أوّل صلاة أحدكم الركوع» (2).

و يمكن أن يستدلّ له بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام): «في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على أن يركع، ثمّ يقوم في الصفّ و لا يسجد‌

____________

(1) [يستفاد من عدّة موارد منها ما في ص 223، 276].

(2) تقدّم مصدرها في ص 101.

109

..........

____________

حتّى رفع القوم رؤوسهم، أ يركع ثمّ يسجد و يلحق بالصفّ و قد قام القوم، أم كيف يصنع؟ قال: يركع و يسجد و لا بأس بذلك» (1).

فقد دلّت على عدم قدح التخلّف عن الإمام في الركوع إذا كان لعذر كالزحام. و موردها و إن كان صلاة الجمعة لكنّه يقطع بعدم الفرق بينها و بين غيرها، بل لو ثبت الحكم فيها مع وجوب الجماعة ثبت في غيرها ممّا لا تجب بطريق أولى، فيتعدّى عن مورد الرواية بالأولوية القطعية.

على أنّه قد صرّح بالتعميم و عدم الفرق بين صلاة الجمعة و غيرها في رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون في المسجد إمّا في يوم الجمعة و إمّا في غير ذلك من الأيّام، فزحمه الناس إمّا إلى حائط و إمّا أسطوانة، فلا يقدر على أن يركع و لا يسجد حتّى رفع الناس رؤوسهم، فهل يجوز له أن يركع و يسجد وحده ثمّ يستوي مع الناس في الصفّ؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك» (2).

لكنّها ضعيفة السند بمحمد بن سليمان الديلمي، و من هنا كان التعويل على الصحيحة بالتقريب المتقدّم.

و يدلّ على الحكم في صورة السهو صحيحة أُخرى لعبد الرحمن عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به، فركع الإمام و سها الرجل و هو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه و انحطّ للسجود أ يركع ثمّ يلحق بالإمام و القوم في سجودهم، أم كيف يصنع؟ قال: يركع، ثم ينحطّ و يتمّ صلاته معهم، و لا شي‌ء عليه» (3).

و موردها كما ترى مطلق، لا يختص بصلاة الجمعة لنحتاج في التعدّي عنه إلى ما تقدّم و نحوه.

____________

(1) الوسائل 7: 335/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 17 ح 1.

(2) الوسائل 7: 336/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 17 ح 3.

(3) الوسائل 7: 337/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 17 ح 4.

110

..........

____________

و المتحصّل من هذه النصوص: أنّ التخلّف عن الإمام في الركوع لعذر من زحام أو سهو أو نحو ذلك غير قادح بعد إدراكه إيّاه في ابتداء الركعة قبل القراءة أو أثناءها، و لا يضرّ باحتساب الركعة.

و هل يكفي في الحكم المذكور مجرّد إدراك الإمام قائماً و لو في حال تكبيرة الركوع، أو لا بدّ من إدراك القراءة و لو جزءاً منها، و إلّا فلا ضمان و لا تحسب له ركعة إذا تخلّف عنه في الركوع؟

ظاهر المصنّف (قدس سره) الثاني، لقوله: فما هو المشهور إلى قوله: مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة ...، و قوله: و أمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها و اتّفق أنّه تأخّر عن الإمام في الركوع فالظاهر صحة صلاته ....

و لكنّ الأقوى هو الأوّل و أنّ إدراك تكبيرة الركوع ملحق بإدراك القراءة دون الركوع، و ذلك لإطلاق صحاح محمّد بن مسلم المتقدّمة (1)، لعدم قصورها عن شمول المقام.

فانّ قوله (عليه السلام): «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» و في صحيحته الأُخرى: «إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» دلّ على أنّ إدراك تكبيرة الركوع كافٍ في إدراك الصلاة جماعة، و في احتساب ذلك ركعة، و بعد الضمّ إلى صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة الدالّة على اغتفار التخلّف في الركوع لعذر ينتج ما ذكرناه من الإلحاق كما لا يخفى.

و المتحصّل من جميع ما قدمناه: أنّ إدراك الركعة و احتسابها جماعة يتوقف على أحد أمرين: إمّا إدراك الإمام راكعاً كما تضمّنته صحيحة سليمان بن خالد و الحلبي المتقدّمتان (2) و غيرهما، أو إدراكه قائماً حال القراءة أو و لو بعد‌

____________

(1) في ص 101.

(2) في ص 100.

111

[مسألة 25: لو ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً و لم يدرك بطلت صلاته]

[1892] مسألة 25: لو ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً و لم يدرك بطلت صلاته [1] (1).

____________

الفراغ عنها على الخلاف بيننا و بين المصنّف (قدس سره) و إن لم يدرك ركوعه، لصحيحة عبد الرحمن المتقدّمة.

(1) محتملات المسألة ثلاثة: بطلان الصلاة، و صحّتها فرادى فيتمّ الصلاة كذلك و إن أخلّ بالقراءة، استناداً إلى حديث «لا تعاد الصلاة ...» (1)، و صحّتها جماعة مع عدم احتساب الركعة، فيقوم منتصباً و ينتظر الإمام فيلتحق به في الركعة التالية، و تعدّ هذه أوّل ركعة في حقّ المأموم، و بعد ما يفرغ الإمام يقوم فيضيف إليها ما بقي من صلاته.

أمّا الاحتمال الثاني: فهو و إن كان على طبق القاعدة، حيث لا نقص في هذه الصلاة عدا الإخلال بالقراءة عامداً، و قد مرّ غير مرّة عدم قصور حديث «لا تعاد ...» عن شمول مثله ممّا كان الترك العمدي عن عذر، فإنّ المأموم لأجل اعتقاده الالتحاق المستلزم لضمان الإمام قد ترك القراءة، فكان معذوراً في الترك لا محالة.

إلّا أنّه تنافيه الأخبار المتقدّمة الحاكمة بفوات الركعة و عدم إدراكها لو لم يدرك الركوع، المساوق لعدم الاعتداد بها و فرضها بحكم العدم حينئذ، قال (عليه السلام) في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة: «إذا أدرك الإمام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صُلبه، ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» (2)، دلّت بمفهومها على عدم إدراك الركعة أي عدم احتسابها من الصلاة و عدم الاعتداد بها لو ركع بعد رفع الإمام رأسه.

____________

[1] و الأحوط الأولى العدول بها إلى النافلة ثمّ إتمامها و الرجوع إلى الائتمام.

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) الوسائل 8: 382/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 1.

112

بل و كذا لو شكّ في إدراكه و عدمه (1).

____________

و أصرح منها صحيحة الحلبي المتقدّمة (1): «و إن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة» فإنّها صريحة في فوات الركعة حينئذ و أنّها ملحقة بالعدم فكيف يمكن الاعتداد بها و احتسابها من الصلاة و لو فرادى كما هو مقتضى هذا الاحتمال؟

و أمّا الاحتمال الثالث: فهو أيضاً منافٍ لظواهر تلكم النصوص، لتضمّنها إسناد الفوت و عدم الإدراك إلى نفس الركعة، الظاهر كما عرفت في كونها بحكم العدم و عدم دخوله في الصلاة بعد، و لم يسند ذلك إلى الجماعة. فلم يقل (عليه السلام): فقد فاتته الجماعة في هذه الركعة، كي يمكن الالتزام بصحّة الجماعة في أصل الصلاة مع عدم احتساب هذه الركعة منها، هذا.

مضافاً إلى أنّ لازم هذا الاحتمال زيادة ركوع في الصلاة، و لا دليل على الاغتفار و العفو عنها حينئذ كما لا يخفى. فإطلاق ما دلّ على بطلان الصلاة بزيادة الركن محكّم، لعدم قصوره عن المقام.

فظهر من جميع ما تقدّم أنّ الاحتمال الأوّل أعني البطلان هو المتعيّن، لعدم إمكان تصحيح هذه الصلاة لا جماعة و لا فرادى.

نعم، الأحوط الأولى العدول بها إلى النافلة و إتمامها و الرجوع إلى الائتمام كما نبّه عليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الشريفة رعاية لاحتمال صحّتها فرادى، و يجوز العدول عنها إلى النافلة لإدراك الجماعة كما دلّت عليه النصوص (2).

(1) تحتمل الصحّة في هذا الفرض جماعة، كما يحتمل البطلان. و قد يستدلّ للأوّل بالاستصحاب، بناءً على أنّ موضوع الحكم بالصحّة ركوع المأموم حال‌

____________

(1) في ص 100.

(2) الآتية في ص 290.

113

..........

____________

كون الإمام راكعاً، فإذا أحرزنا ركوع الإمام بالأصل و ضممناه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان و هو ركوع المأموم فقد أُحرز موضوع الصحّة و هذا لا مانع منه في جميع الموضوعات المركّبة.

و قد يفصّل بين صورة العلم بتاريخ ركوع المأموم فيجري ما ذكر، و بين العلم بتاريخ ركوع الإمام أو الجهل بالتاريخين فيحكم بالبطلان حينئذ، لكونه مقتضى الأصل في مجهول التاريخ، و للمعارضة كما في الجهل بالتاريخين و معها لا يحرز الموضوع.

و لا يخفى عدم تمامية شي‌ء ممّا ذكر، فانّ كلّ ذلك موقوف على أن يكون موضوع الحكم في لسان الدليل على النحو التالي: إذا ركع المأموم و الإمام راكع. أو ما يقرب من ذلك، فحينئذ قد يتّجه البحث عن استظهار تركّب الموضوع من جزأين، أو كونه عنواناً بسيطاً منتزعاً كعنوان المقارنة، ليبحث بعده عمّا يقتضيه الأصل على كلّ من التقديرين.

إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ الوارد في الدليل هكذا: «ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» كما في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة (1) و نحوها صحيحة الحلبي المتقدّمة (2). فيكون موضوع الحكم هو عنوان القبلية الذي ليس له حالة وجودية سابقة بالضرورة.

و واضح: أنّ أصالة بقاء الإمام على ركوعه و عدم رفع رأسه حال ركوع المأموم لا يكاد يثبت عنوان القبلية، لكونه من أظهر أنحاء الأصل المثبت و عليه فالمرجع هو استصحاب عدم تحقّق العنوان المأخوذ في الموضوع المشكوك حدوثه، المسبوق بالعدم. و نتيجة ذلك الحكم بالبطلان.

نعم، ربما يوهم خلاف ما ذكرناه ظاهر صحيحة زيد الشحّام «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل انتهى إلى الإمام و هو راكع، قال: إذا كبّر و أقام‌

____________

(1) في ص 100.

(2) في ص 100.

114

..........

____________

صُلبه ثمّ ركع فقد أدرك» (1). فقد يتوهّم أنّ للبحث عن تركّب الموضوع و بساطته مجالًا على ضوء ظاهر هذه الصحيحة.

و لكنّ الحقّ: أنّ الصحيحة مطلقة من حيث إدراك الإمام راكعاً و عدمه فانّ مفادها إدراك الركعة إذا ما كبّر و أقام صُلبه و ركع، سواء أدرك الإمام راكعاً أم لم يدركه، فتقيّد لا محالة بصحيحتي سليمان بن خالد و الحلبي المتقدّمتين الصريحتين في لزوم إدراك الإمام راكعاً و قبل أن يرفع رأسه، فيكون الموضوع بعد تحكيم قانون الإطلاق و التقييد هو ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه فالموضوع عنوان بسيط و هو عنوان القبلية.

و من الواضح عدم إمكان إحرازه بالأصل، لعدم الحالة السابقة. و لا يمكن إثباته باستصحاب بقاء الإمام راكعاً إلى زمان ركوع المأموم، لكونه مثبتاً، و لا نقول بحجّيته. فيجري استصحاب عدم ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه، و بذلك ينتفي الحكم بالصحّة.

و ممّا يؤكّد ما ذكرناه من عدم جريان الأصل: أنّه على تقدير جريانه يستلزم الحكم بالصحّة حتّى مع الشكّ في الإدراك حال الدخول في الصلاة أي في حال تكبيرة الإحرام كما في العمى أو الظلمة و نحو ذلك ممّا يوجب شكّه في بقاء الإمام راكعاً، بأن يدخل في الصلاة و يكبّر للإحرام مع شكّه في بقاء الإمام في حالة الركوع، استصحاباً له، مع أنّ الظاهر عدم الإشكال في عدم جواز الدخول حينئذ، للزوم إحراز ركوع الإمام، و إنّما الخلاف في الصحّة و البطلان فيما لو طرأ الشكّ بعد الدخول في الصلاة، كما لا يخفى.

و على الجملة: فهذا المورد ملحق بالمورد الأوّل و هو فرض القطع بعدم إدراك الإمام راكعاً، غايته أنّ الإحراز هناك واقعي مستند إلى القطع و هنا ظاهري مستند إلى الأصل، فيجري فيه ما تقدّم هناك من الاحتمالات الثلاثة‌

____________

(1) الوسائل 8: 383/ أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 3.

115

و الأحوط في صورة الشكّ الإتمام و الإعادة [1] (1)، أو العدول (2) إلى النافلة و الإتمام ثمّ اللحوق في الركعة الأُخرى.

____________

و قد عرفت: أنّ الأقوى هو البطلان، لعدم إمكان الحكم بالصحّة لا جماعة و لا فرادى.

و المتحصّل: أنّ الأظهر الحكم بالبطلان مطلقاً في كلتا صورتي القطع و الشكّ، فلاحظ.

(1) بلا إشكال، لكونه أخذاً بكلا طرفي الاحتمال: الإدراك و عدمه.

(2) إن كان الوجه فيه احتمال صحّة الصلاة فرادى و إن لم يدركه راكعاً و ذلك لجواز العدول حينئذ إلى النافلة لإدراك الجماعة كما سبق، فهو صحيح غير أنّه لا يختصّ بصورة الشكّ، بل يجري مع القطع بعدم الإدراك أيضاً، لعين ما ذكر، فما هو الموجب للتخصيص بالشكّ؟

و إن كان ذلك لاحتمال صحّتها جماعة لاحتمال إدراك الإمام راكعاً، بأن يكون الدوران بينها و بين البطلان من دون احتمال الصحّة فرادى، فلا وجه له أصلًا، لعدم جواز العدول على التقديرين، فانّ الموضوع لجواز العدول هي الصلاة الصحيحة فرادى، دون الباطلة أو الصحيحة جماعة كما لا يخفى.

و على الجملة: إمّا أن يعتدّ باحتمال الصحّة فرادى أو لا، و على الأوّل لا يختصّ الاحتياط بالعدول بمورد الشكّ في الإدراك، و على الثاني لا احتياط بالعدول، لعدم مشروعيته كما هو ظاهر.

و الصحيح هو الأوّل، و من هنا حكمنا بجريان الاحتياط المذكور حتّى مع القطع بعدم الإدراك كما مرّ.

____________

[1] إن كان الاحتياط لأجل احتمال صحّة الصلاة مع عدم إدراك الإمام راكعاً فلا يختصّ ذلك بصورة الشكّ، بل يعمّ صورة القطع بعدم الإدراك أيضاً، و إن كان لأجل احتمال صحّة الجماعة لاحتمال إدراك الإمام راكعاً فلا احتياط في العدول إلى النافلة كما هو ظاهر.

116

[مسألة 26: الأحوط عدم الدخول إلّا مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام]

[1893] مسألة 26: الأحوط عدم الدخول إلّا مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام (1) و إن كان الأقوى جوازه مع الاحتمال (2)، و حينئذ فإن أدرك صحّت و إلّا بطلت.

[مسألة 27: لو نوى و كبّر فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو قبل أن يصل إلى حدّ الركوع]

[1894] مسألة 27: لو نوى و كبّر فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو قبل أن يصل إلى حدّ الركوع لزمه الانفراد (3) أو انتظار الإمام [1] قائماً إلى الركعة الأُخرى (4) فيجعلها الاولى له إلّا إذا أبطأ الإمام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء.

____________

(1) لاحتمال اعتبار الجزم بالنيّة مع التمكّن منه في صحّة العبادة.

(2) لعدم الدليل عليه، و جواز الإتيان بالعمل بعنوان الرجاء كما في سائر موارد الاحتياط على ما بيّناه في مبحث الاجتهاد و التقليد (1). و عليه فالاحتياط غير واجب، بل الأقوى كما عليه المصنّف (قدس سره) هو جواز الدخول في الجماعة بقصد الرجاء حتّى مع احتمال الإدراك، فإن أدرك صحّت و إلّا بطلت.

(3) لا غبار عليه، و لا سيما بعد البناء على جوازه في الأثناء اختياراً.

(4) هذا مشكل جدّاً بعد كونه على خلاف القاعدة، لعدم تحقّق الائتمام منه خارجاً، و مجرّد قصده ذلك لا يحقّق الائتمام، كيف و هو متقوّم بالتبعية؟ و لا متابعة حسب الفرض، و لا دليل على اغتفار الفصل بهذا المقدار، هذا. و لم يرد في خصوص المقام نصّ معتبر أو غير معتبر كي يعتمد عليه في الحكم بجواز الانتظار و تحقّق الائتمام.

نعم، هناك روايات وردت في من أدرك الإمام بعد رفع رأسه من الركوع أو‌

____________

[1] الأحوط الاقتصار على قصد الانفراد أو متابعة الإمام في السجود و إعادة التكبير بعد القيام بقصد القربة المطلقة.

____________

(1) شرح العروة 1: 49 و ما بعدها.

117

..........

____________

في حال السجود دلّت على جواز الدخول معه في السجدة من دون أن يعتدّ بها، فقد قيل بالتعدّي عن موردها إلى المقام، فإنّه إذا جاز الدخول مع زيادة السجدتين و هما ركن فالجواز هنا بالانتظار العاري عن مثل هذه الزيادة بطريق أولى، فيستفاد منها عدم تعيّن الانفراد في المقام بالأولوية القطعية، هذا.

و لكن الحكم المذكور غير ثابت في مورده فيما عدا السجدة في الركعة الأخيرة و التشهّد الأخير ممّا سيأتي الكلام فيه (1)، لضعف النصوص سنداً و بعضها دلالة أيضاً، مع عدم الدليل على اغتفار مثل هذه الزيادة في الركن و مقتضى الأدلّة هو البطلان. كما أنّ ما دلّ على العفو عنها إذا كانت لمتابعة الإمام غير شامل للمقام كما لا يخفى، و إليك النصوص:

1 رواية المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته و قد رفع رأسه فاسجد معه، و لا تعتدّ بها» (2). و هي ضعيفة السند بمعلّى بن خنيس، و أمّا الدلالة فظاهرة.

2 رواية عبد الرحمن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «إذا وجدت الإمام ساجداً فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه، و إن كان قاعداً قعدت و إن كان قائماً قمت» (3).

و في سندها عبد اللّٰه بن محمد، و الظاهر أنّه عبد اللّٰه بن محمد بن عيسى أخو أحمد (4) بن محمّد، الملقّب ب‍ (بنان)، و هو و إن لم يوثّق في كتب الرجال لا باسمه و لا بلقبه لكنّه وارد في أسانيد كامل الزيارات (5). فلا مجال للمناقشة فيها سنداً.

____________

(1) في المسألتين الآتيتين.

(2) الوسائل 8: 392/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 2.

(3) الوسائل 8: 393/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 5.

(4) [المذكور في الأصل: محمد، بدل: أحمد. و الصحيح ما أثبتناه].

(5) و لكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، و قد بنى (دام ظله) أخيراً على اختصاص التوثيق بهم.

118

..........

____________

إلا أنّ دلالتها قاصرة، فانّ قوله (عليه السلام): «فاثبت مكانك» أعمّ من الدخول في الصلاة. و لعلّ المراد به الثبوت و الاستقرار و انتظار الإمام للالتحاق به في الركعة التالية، بأن يقف في مكانه إذا كان الإمام ساجداً، و يقعد إذا كان قاعداً، و يقوم إذا كان قائماً، ثمّ يأتمّ به و يدخل معه في الصلاة. فلا تدلّ على الائتمام به من أوّل الأمر.

3 ما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا جاء الرجل ... إلى أن قال: و من أدرك الإمام و هو ساجد كبّر و سجد معه، و لم يعتدّ بها ...» (1).

و دلالتها و إن كانت ظاهرة لكنّ السند ضعيف، لعدم توثيق معاوية بن شريح، و إن كان طريق الصدوق (قدس سره) إليه صحيحاً (2).

4 ما رواه في المجالس عن أبي هريرة قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): إذا جئتم إلى الصلاة و نحن في السجود فاسجدوا و لا تعدّوها شيئاً ...» (3) و في السند عدّة من المجاهيل و الضعاف فلا يعتدّ بها.

و على الجملة: الاستدلال بالأخبار المذكورة لجواز الدخول في الصلاة و متابعة الإمام في السجود ساقط، فلا مجال للاستدلال بها على جواز الانتظار في المقام.

بل قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة عدم الجواز، فانّ السجود زيادة عمدية و لا دليل على العفو عنها في المقام، كما لا دليل على العفو عن الفصل المخلّ بصدق الائتمام.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ الأحوط بل الأظهر الاقتصار على قصد الانفراد في محلّ الكلام، نعم لا بأس بمتابعة الإمام في السجود و إعادة التكبير بعد القيام‌

____________

(1) الوسائل 8: 393/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 6، الفقيه 1: 265/ 1214.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 65.

(3) الوسائل 8: 394/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 7، أمالي الطوسي: 388/ 852.

119

و لو علم قبل أن يكبّر للإحرام عدم إدراك ركوع الإمام لا يبعد جواز دخوله و انتظاره [1] إلى قيام الإمام للركعة الثانية مع عدم فصل يوجب فوات صدق القدوة (1) و إن كان الأحوط عدمه.

____________

بقصد القربة المطلقة الأعمّ من تكبيرة الإحرام و من الذكر، بعد احتمال صدور تلكم الأخبار واقعاً مع شمولها للمقام. فلا بأس بالعمل بها مع رعاية الاحتياط في التكبيرة، لعدم قدح المتابعة على كلّ تقدير.

(1) عدم الجواز هنا أولى منه في الصورة السابقة كما لا يخفى، نعم لا بأس بالدخول مع المتابعة و مراعاة الاحتياط على النحو المتقدّم آنفاً.

فرع: إذا شكّ المأموم في الإدراك بعد رفع رأسه من الركوع بدون أن يشكّ فيه حال الركوع لغفلته أو اعتقاده الإدراك حينذاك، فقد حكم المحقّق الهمداني (قدس سره) بالصحّة استناداً إلى قاعدة التجاوز، لكونه شكّاً في الصحّة بعد تجاوز المحلّ (1)، بل قد حكم بعضهم بالصحّة حتّى لو كان الشكّ حال الركوع بعد الفراغ من الذكر، استناداً إلى القاعدة بدعوى عدم اعتبار الدخول في الغير في جريانها إذا كان الشكّ في صحّة الشي‌ء كما في المقام لا في أصل وجوده.

أقول: أمّا القول الأخير فساقط جدّاً، فإنّه مضافاً إلى ما سنذكره من عدم جريان قاعدة التجاوز في أمثال المقام إنّما يتمّ لو كان الشكّ في صحّة الذكر لا في صحة الركوع كما هو المفروض، و إلّا فالشكّ في صحّة الركوع شكّ في المحلّ، حيث لم يفرغ منه بعد، فمقتضى مفهوم قاعدة التجاوز هو الاعتناء بالشكّ.

____________

[1] بل هو بعيد، نعم يجوز له الائتمام و متابعة الإمام على النحو المتقدّم.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 627 السطر 23، 435 السطر 27.

120

..........

____________

و أمّا ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) فلا يمكن الموافقة عليه، لابتنائه على حجّية القاعدة تعبّداً، و ليس كذلك، فانّ الظاهر بمقتضى التعليل بالأذكرية و الأقربية إلى الحقّ في نصوص القاعدة (1) أنّ حجّيتها من باب تتميم ما لَها من الكاشفية النوعية، فإنّ المكلّف الذي هو بصدد الامتثال لا يقصّر في وظيفته عامداً بطبيعة الحال، فلم يبق إلّا احتمال الغفلة أو النسيان و بما أنّه حين العمل أذكر فلا يعتني بالاحتمال المذكور.

و مقتضى ذلك اختصاص القاعدة بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة، كي يتمّ التعليل بالأذكرية، فكلّ خلل احتمل المكلّف صدوره منه من ترك جزء أو شرط، أو الإتيان بالمانع لشكّه في كيفية ما فعله لا يعتني بهذا الاحتمال لكونه حين العمل أذكر.

و أمّا مع انحفاظ صورة العمل و عدم احتمال الخلل اختياراً، و تمحّض احتمال الصحّة في الصدفة الخارجة عن الاختيار كما لو صلّى إلى جهة معيّنة و شكّ بعد الفراغ في أنّها هي القبلة أو لا، أو توضّأ بمائع معيّن ثمّ شكّ في إطلاقه فلا تجري القاعدة حينئذ، لمساواة ما بعد الفراغ مع حال العمل من حيث الذكر و عدمه، لعدم كون الشكّ في فعل اختياري، بل في أمر واقعي لا يعود إليه بوجه، و هو اتّصاف الجهة بكونها القبلة صدفة و اتّفاقاً، كاتّصاف الماء بالإطلاق، و لا تتكفّل القاعدة بإثبات الصحّة المشكوك فيها اعتماداً على المصادفات الاتّفاقية.

و المقام من هذا القبيل، إذ لا شكّ فيما يرجع إلى الركوع من ناحيته، لانحفاظ صورة العمل، و إنّما الشكّ في أمر خارج عن اختياره، و هو رفع (2) الإمام رأسه‌

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7، 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

(2) [لعلّ الأنسب للمقام هو: عدم رفع الإمام ...، لأنّ غرض المستدلّ هو تصحيح الجماعة و هو يتوقّف على عدم رفع ...].

121

[مسألة 28: إذا أدرك الإمام و هو في التشهّد الأخير يجوز له الدخول معه]

[1895] مسألة 28: إذا أدرك الإمام و هو في التشهّد الأخير يجوز له الدخول معه (1) بأن ينوي و يكبّر ثمّ يجلس معه و يتشهّد، فاذا سلّم الإمام يقوم فيصلّي من غير استئناف للنيّة و التكبير، و يحصل له بذلك فضل الجماعة و إن لم يحصل له ركعة.

____________

قبل أن يستكمل المأموم ركوعه من باب الصدفة و الاتّفاق، و مثله غير مشمول للقاعدة، من دون فرق بين ما إذا كان الشكّ في أصل الوجود كما في قاعدة التجاوز المتقوّمة بتجاوز المحلّ و الدخول في الغير، أو في وصف الصحّة كما في قاعدة الفراغ غير المتقوّمة بذلك، لرجوع القاعدتين إلى قاعدة واحدة كبروياً كما حقّقناه في الأُصول (1).

و كيف ما كان، فلا مجال لجريان القاعدة في المقام، سواء أ كان غافلًا حال الركوع أم معتقداً للإدراك و لكنّه شكّ فيه بعد رفع الرأس.

نعم، في صورة اعتقاد الإدراك و تيقّنه يمكن التمسّك بقاعدة اليقين بناءً على حجّيتها و عدم الاعتناء بالشكّ الساري كغيره الطارئ. لكن المبنى فاسد، إذ لا أساس للقاعدة كما حرّر في محلّه (2).

إذن فالمتّجه عدم انعقاد الجماعة و إن صحّت فرادى، إذ لا خلل إلّا من ناحية القراءة المتروكة، و هي مشمولة لحديث لا تعاد.

(1) على المعروف المشهور بل حكي عليه الإجماع لموثّقة عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يدرك الإمام و هو قاعد يتشهد و ليس خلفه إلّا رجل واحد عن يمينه، قال: لا يتقدّم الإمام و لا يتأخّر الرجل و لكن يقعد الذي يدخل معه خلف الإمام، فإذا سلّم الإمام قام الرجل فأتمّ صلاته» (3).

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 269 278.

(2) مصباح الأُصول 3: 242.

(3) الوسائل 8: 392/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 3.

122

..........

____________

و هي ظاهرة الدلالة على الدخول معه في الصلاة و القعود للتشهّد متابعة من دون استئناف للتكبير بعد القيام و تسليم الإمام، لقوله (عليه السلام): «فأتمّ صلاته»، فإنّ الإتمام يلازم صحّة التكبيرة الاولى، و كونها محقّقة للدخول في الصلاة فيتمّها حينئذ، و إلّا فلو كان الاستئناف واجباً لعبّر عن ذلك بالشروع دون الإتمام كما لا يخفى. و بذلك تحصل له فضيلة الجماعة و إن لم تحصل له ركعة، لتقوّمها بالركوع المفروض عدم إدراكه له، هذا.

و قد تعارض بموثّقته الأُخرى قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أدرك الإمام و هو جالس بعد الركعتين، قال: يفتتح الصلاة، و لا يقعد مع الإمام حتّى يقوم» (1)، فإنّها تضمّنت النهي عن القعود مع الإمام، في حين أنّ الاولى اشتملت على الأمر به.

و قد جمع بينهما في الوسائل تارة بحمل الأمر على الاستحباب و النهي على الجواز. و هو كما ترى في غاية البعد، و كيف يحمل النهي الظاهر في المنع على الجواز كي يحمل الأمر في قباله على الاستحباب؟ فإنّه لم يكن من الجمع العرفي في شي‌ء، بل هما من المتعارضين عرفاً.

نعم، إذا ورد الأمر بشي‌ء في قبال نفي البأس عن تركه، أو النهي عن شي‌ء في مقابل نفي البأس عن فعله أمكن الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب أو الكراهة، و أين ذلك من المقام؟

و اخرى و هو الصحيح باختلاف مورد الموثّقتين، لورود الاولى في التشهّد الأخير بقرينة قوله (عليه السلام): «فاذا سلّم الإمام»، و لا مناص له حينئذ من القعود ليدرك الإمام و يتابعه فيما تيسّر من الأجزاء حتّى يتحقّق الائتمام المتقوّم بالمتابعة، و يحصل بذلك على فضل الجماعة.

و أمّا الثانية فموردها التشهّد الأوّل بقرينة قوله (عليه السلام): «حتّى يقوم» إذ من الواضح أنّه لا مقتضي حينئذ للقعود بعد إمكان الإدراك و المتابعة في‌

____________

(1) الوسائل 8: 393/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 4.

123

..........

____________

الركعات الآتية، فالموثّقتان متضمّنتان لحكمين مختلفين في موردين، من دون تعارض في البين.

و أمّا التشهّد فالموثّقة المتقدّمة كغيرها من النصوص و الكثير من كلمات الأصحاب و إن كانت خالية عن التعرّض له، لتضمّنها الأمر بالقعود فقط لكنّه لا بأس بالإتيان به كما ذكره الماتن (قدس سره) و غيره رجاءً أو بقصد مطلق الذكر.

و كيف ما كان، فالموثّقتان صريحتان في الاعتداد بالتكبيرة السابقة و عدم الحاجة إلى استئنافها.

و عن صاحب الحدائق (قدس سره) معارضتهما بما رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه عن عبد اللّٰه بن المغيرة قال: «كان منصور بن حازم يقول: إذا أتيت الإمام و هو جالس قد صلّى ركعتين فكبّر ثمّ اجلس، فإذا قمت فكبّر» (1) لتضمّنه الأمر باستئناف التكبير.

و قد تصدّى (قدس سره) لتصحيح السند بأنّ الرواية و إن لم تكن مسندة إلى الإمام، و لعلّ منصور بن حازم أفتى بذلك حسب نظره ورائه، إلّا أنّ جلالته و هو من أجلّ ثقات الأصحاب تأبى عن أن يقول ذلك إلّا عن تثبّت و سماع من المعصوم (عليه السلام)، ثمّ قال (قدس سره): و حينئذ فتبقى المسألة في قالب الإشكال (2).

أقول: لا ينبغي الإشكال في المسألة، فإنّ أصحاب الأئمة (عليهم السلام) لم يكونوا مقتصرين على نقل الرواية عنهم (عليهم السلام) فقط، بل إنّهم كثيراً ما كانوا يبدون آراءهم و يفتون حسب اجتهادهم و استنباطهم من كلماتهم (عليهم السلام) أيضاً. و جلالة قدرهم لا تنافي ذلك، بل تؤكّده كما لا يخفى.

و عليه فمن الجائز أن يكون ما قاله منصور بن حازم في هذه الرواية هو‌

____________

(1) الفقيه 1: 260/ 1184.

(2) الحدائق 11: 255.

124

[مسألة 29: إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة]

[1896] مسألة 29: إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة و أراد إدراك فضل الجماعة نوى و كبّر و سجد معه السجدة أو السجدتين و تشهّد، ثمّ يقوم بعد تسليم الإمام و يستأنف الصلاة (1)

____________

فتواه كما هو الظاهر، و لا أقلّ من الشكّ. فلم يعلم منها أنّه رواية أم دراية و نتيجة ذلك عدم ثبوت الرواية عن المعصوم (عليه السلام) كي تنهض لمعارضة الموثّقتين، و تكون النتيجة التوقّف في المسألة.

(1) لم يتعرّض (قدس سره) لحكم إدراكه في السجود من سائر الركعات. و الظاهر كونه ملحقاً بإدراكه في السجدة الاولى من الركعة الأخيرة فيقع الكلام تارة: في إدراكه فيما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، سواء أ كانت هي السجدة الأُولى منها أم الأُولى أو الثانية من سائر الركعات، و أُخرى: في إدراكه في خصوص السجدة الثانية من الركعة الأخيرة.

المقام الأوّل: في إدراكه فيما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، و لم يرد فيه نصّ معتبر يدلّ على جوازه و صحّة الائتمام حينئذ.

و عمدة ما يستدلّ به لذلك هما روايتا معلّى بن خنيس و معاوية بن شريح المتقدّمتان (1).

أمّا الثانية: فضعيفة السند بمعاوية بن شريح، و إن صحّ إسناد الصدوق (قدس سره) إليه كما مرّ.

و أمّا الأُولى: فإنّ المعلّى بن خنيس نفسه فيه كلام، فقد ضعّفه النجاشي صريحاً (2)، و مع الإغماض عنه فهي ضعيفة بأبي عثمان الأحول، فقد عنونه النجاشي (رحمه اللّٰه) في موضعين:

أحدهما: في باب الأسماء بعنوان: معلّى بن عثمان الأحول و قيل: ابن زيد.

____________

(1) في ص 117، 118.

(2) رجال النجاشي: 417/ 1114.

125

..........

____________

و قد وثّقه، و قال: له كتاب، يروى عنه محمد بن زياد (1) أي ابن أبي عمير.

و الآخر: في باب الكنى، بدون أن يذكر اسمه، فقال: أبو عثمان الأحول، له كتاب، يروي عنه صفوان (2). و لم يتعرّض لتوثيقه، ممّا يشعر باختلافه مع الذي ترجم له في باب الأسماء.

و قد عنونه الشيخ (قدس سره) أيضاً في الفهرست في باب الكنى (3) بمثل ما ذكره النجاشي (قدس سره) مع تصريحه في أوّل الكتاب (4) بأنّه إنّما يذكر في الكنى من لم يعثر على اسمه. فيظهر من ذلك اشتراك أبي عثمان الأحول بين شخصين، أحدهما معلوم الاسم، ثقة، يروي كتابه عنه ابن أبي عمير. و الآخر مجهوله، و لم يوثّق، و راوي كتابه صفوان.

و حيث إنّ الراوي عن أبي عثمان في هذه الرواية هو صفوان يستظهر من ذلك أنّ المراد هو الثاني الذي لم يوثّق.

و قد يقال: إنّ الراوي لكتاب معلّى بن خنيس هو معلّى بن عثمان الثقة و لأجل أنّ الأحول في هذه الرواية يروي عن معلّى بن خنيس فلذلك يظنّ منه كونه معلّى بن عثمان الثقة.

و لكنّه كما ترى ظنّ لا يكاد يغني عن الحقّ شيئاً، سيما و أنّ الأحول لم ينقل الرواية عن كتاب معلّى بن خنيس، بل عنه نفسه، فمن الجائز أن يكون هناك طريقان أحدهما إلى كتابه و فيه: ابن أبي عمير عن معلّى بن عثمان الأحول الثقة، عنه. و الآخر إليه نفسه و فيه: صفوان عن أبي عثمان الأحول الذي لم يوثّق عنه.

و كيف كان، فلم يعلم أنّ المراد به في المقام هو الثقة، و لا أقلّ من الترديد‌

____________

(1) رجال النجاشي: 417/ 1115.

(2) رجال النجاشي: 458/ 1248.

(3) الفهرست: 188/ 841.

(4) [بل في ص 183 من الفهرست].

126

و لا يكتفي بتلك النيّة و التكبير (1)

____________

بين الشخصين، و ذلك يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار. و النتيجة ضعف الروايتين معاً.

و على هذا فلا مجال للتعويل عليهما في الخروج عمّا تقتضيه القاعدة من البطلان للزيادة العمدية في السجدة، و لا سيما السجدتين معاً اللتين هما من الركن. و دليل اغتفار الزيادة العمدية الحاصلة من جهة المتابعة قاصر عن شمول المقام، لاختصاصه بما إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام فعاد إلى ذلك للمتابعة، و أين ذلك ممّا نحن فيه؟

و أمّا رواية عبد الرحمن المتقدّمة (1) فهي و إن كانت نقيّة السند كما سبق (2) لكنّها قاصرة الدلالة، بل هي أجنبية عمّا نحن فيه، لعدم تضمّنها الأمر بالسجود، بل قد عرفت فيما سبق أنّ قوله (عليه السلام): «فاثبت مكانك ...» لا يدلّ على الدخول في الصلاة، بل لعل المراد كما هو الظاهر المكث و الانتظار حتّى ينكشف الحال، فان قعد الإمام بعد رفع رأسه من السجدة قعد معه، و إن قام قام هو، فيكون الائتمام بعد ذلك أي حال التشهّد أو القيام.

و أمّا رواية أبي هريرة المتقدّمة (3) فقد تقدّم ضعف سندها من جهات.

و على الجملة: فالحكم غير ثابت لضعف نصوص الباب.

(1) لو سلّمنا اعتبار سند النصوص المتقدّمة و بنينا على جواز الائتمام في مفروض الكلام، فهل يلزمه استئناف التكبير بعد القيام كما اختاره في المتن بل عن المدارك نسبته إلى الأكثر (4) أم لا كما نسب إلى جماعة، بل قد أصرّ‌

____________

(1) في ص 117.

(2) و سبق ما فيه.

(3) في ص 118.

(4) المدارك 4: 385.

127

..........

____________

عليه في الجواهر (1)؟ فيه خلاف بين الأعلام (قدس سرهم).

و منشأ الخلاف هو اختلافهم في كيفية الاستظهار من الأخبار و تعيين مرجع الضمير في قوله (عليه السلام): «و لم يعتد بها» الوارد في روايتي معلّى بن خنيس و معاوية بن شريح المتقدّمتين (2) و أنّ ضمير التأنيث هل يعود إلى الصلاة كي يدلّ على إلغائها و عدم الاعتناء بها الملازم لاستئناف التكبير، أو أنّه يعود إلى السجدة ليكون الملغى هي وحدها دون أصل الصلاة، فلا حاجة إلى الاستئناف.

و قد يقال: بتعيّن الاحتمال الأوّل و أنّه لا مجال للاحتمال الثاني، لعدم سبق لفظ السجدة في الكلام، بل المذكور هو: سجد، و مصدره السجود دون السجدة التي بمعنى المرّة. فلا يصح رجوع الضمير المؤنّث إليه، بل اللازم إرجاع الضمير المذكّر إليه.

أقول: بل المتعيّن هو الاحتمال الثاني:

أمّا أوّلًا: فلأنّ عود الضمير إلى الصلاة بعيد غايته، حيث إنّه لم تصدر منه صلاة خارجاً كي يحكم عليها بالاعتداد أو عدمه، فإنّ السجدة الواحدة بل السجدتين ليست من حقيقة الصلاة في شي‌ء حتّى على القول بوضع ألفاظ العبادات للأعمّ، فإنّ الأعميّ أيضاً لا يرتضي ذلك، و لا يرى صحّة الإطلاق على الجزء أو الجزأين كما لا يخفى.

على أنّ لفظة الصلاة غير مسبوقة بالذكر في رواية المعلّى، و إنّما المذكور الركعة، و عود الضمير إليها كما ترى خلاف الظاهر جدّاً، لتقوّمها بالركوع، و لم يصدر منه حسب الفرض.

و على الجملة: لم يسبق ذكر الركعة و لا الصلاة في رواية معاوية، و لا صدر‌

____________

(1) الجواهر 14: 59 و ما بعدها.

(2) في ص 117، 118.

128

..........

____________

منه شي‌ء منهما كي يحكم بعدم الاعتداد بها. و الركعة و إن ذكرت في رواية المعلّى لكنّها لم تصدر منه كي يحكم عليها بعدم الاعتداد. و هكذا الحال في رواية أبي هريرة المتقدّمة (1)، فانّ عود الضمير فيها إلى الصلاة بعيد في الغاية، لما ذكر.

و ثانياً: فلأنّ الأقرب يمنع الأبعد، و مقتضاه عود الضمير إلى السجدة لكونها أقرب، فيتعيّن الاحتمال الثاني.

و أمّا حديث تأنيث الضمير فغير قادح، حيث لا يتعيّن عوده إلى المصدر المستفاد من الكلام دائماً، بل يختلف ذلك باختلاف المقامات و المناسبات، فربما يعود الضمير إليه، و ربما يعود إلى اسم المصدر و هو السجدة في المقام بكسر السين.

و قد تعرّضنا في بحث المشتق من أُصول الفقه (2) للفرق بين المصدر و اسمه، و قلنا: إنّهما متّحدان ذاتاً متغايران اعتباراً، كالإيجاد و الوجود، فانّ العرض إذا لوحظ فيه المعنى الحدثي أعني قيامه بالمحلّ و انتسابه إليه فهو المصدر، و يعبر عنه في المقام بالسجود، و إن لوحظ بحياله و استقلاله و بما هو موجود مستقلّ في مقابل سائر الموجودات مع صرف النظر عن الانتساب فهو اسم المصدر، المعبر عنه في المقام بالسجدة بكسر السين كما عرفت.

و الشائع في اللغة الفارسية هو الانفكاك بينهما في الصيغة، فالمصدر لحدث الضرب يعبر عنه ب‍ (زدن) و اسم المصدر (كتك)، و هو قليل في اللغة العربية.

و غير خفي أنّ المناسب في المقام هو عود الضمير إلى اسم المصدر دون المصدر نفسه، فانّ المحكوم عليه بعدم الاعتداد هو ذات السجود لا بوصف الانتساب إلى الفاعل، إذ لا معنى لرعاية المعنى الحدثي في هذا الحكم كما لا يخفى.

فظهر أنّ المتعيّن بمقتضى القواعد الأدبية هو عود الضمير إلى السجدة، و أنّ تأنيث الضمير حينئذ في محلّه، و لا مجال لإرجاعه إلى الصلاة و لا إلى الركعة.

____________

(1) في ص 118.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 1: 277.

129

و لكن الأحوط (1) إتمام الأُولى بالتكبير الأوّل ثمّ الاستئناف بالإعادة.

____________

و عليه فالأقوى الاجتزاء بالتكبيرة الاولى، و عدم الحاجة إلى الاستئناف.

(1) رعاية للخلاف الموجود في المسألة. و لكن الاحتياط يتأدّى بالإتيان بتكبيرة أُخرى بعد القيام بقصد الجامع بين تكبيرة الإحرام على تقدير لزوم الاستئناف و بين مطلق الذكر على تقدير لزوم الإتمام، فإنّه بذلك يتحفّظ على الواقع على كلّ تقدير بلا حاجة إلى إعادة الصلاة.

و أمّا الإتيان بالتكبيرة الثانية بقصد الافتتاح خاصّة فهو على خلاف الاحتياط، بل غير جائز على ما ذكرناه، لاستلزامه قطع الفريضة بناء على حرمته.

المقام الثاني: في إدراكه في خصوص السجدة الثانية من الركعة الأخيرة و الأقوى حينئذ جواز الائتمام، لدلالة النصّ الصحيح عليه، و هو صحيح محمّد ابن مسلم قال «قلت له: متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام؟ قال: إذا أدرك الإمام و هو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام» (1).

و احتمال كون المراد به مجرّد الانتهاء إلى الإمام و هو في السجدة الأخيرة بأن يشاهده كذلك من دون الائتمام به، فيكون ذلك كافياً في إدراك فضل الجماعة كما ترى بعيد في الغاية، لمنافاته مع الإدراك في قوله (عليه السلام): «إذا أدرك الإمام ...»، فإنّ إدراك الإمام بما هو إمام لا يطلق إلّا عند الائتمام به و اتّصافه بالمأمومية، و لا يكون مجرّد مشاهدته إماماً بدون الاقتداء به من الإدراك في شي‌ء.

كما أنّ احتمال الافتقار إلى استئناف التكبير و عدم دلالة الرواية على الاجتزاء بالأُولى في غاية البعد، و مخالف جدّاً لظهورها العرفي كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 8: 392/ أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 1.

130

[مسألة 30: إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً، و خاف أن يرفع الإمام رأسه]

[1897] مسألة 30: إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً، و خاف أن يرفع الإمام رأسه إن التحق بالصفّ نوى و كبّر في موضعه (1)

____________

نعم، مقتضى الاحتياط هو الإتيان بتكبيرة مردّدة بين تكبيرة الافتتاح و الذكر المطلق كما سبق.

(1) بلا خلاف فيه، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، و تقتضيه جملة من النصوص:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «أنّه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة، فقال: يركع قبل أن يبلغ القوم و يمشي و هو راكع حتّى يبلغهم» (1).

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المسجد و الإمام راكع فظننت أنّك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر و اركع، فاذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فاذا قام فالحق بالصف، فاذا جلس فاجلس مكانك، فاذا قام فالحق بالصف» (2).

و هي كالأُولى في الدلالة، و إن افترقت عنها في موضع المشي.

و منها: موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أدخل المسجد و قد ركع الإمام فأركع بركوعه و أنا وحدي و أسجد، فاذا رفعت رأسي أيّ شي‌ء أصنع؟ فقال: قم فاذهب إليهم، و إن كانوا قياماً فقم معهم، و إن كانوا جلوساً فاجلس معهم» (3).

و ربما يستدلّ له أيضاً بصحيحة معاوية بن وهب قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يوماً و قد دخل المسجد لصلاة العصر فلمّا كان دون الصفوف‌

____________

(1) الوسائل 8: 384/ أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 1.

(2) الوسائل 8: 385/ أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 3.

(3) الوسائل 8: 386/ أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 6.

131

و ركع ثمّ مشى في ركوعه (1) أو بعده أو في سجوده أو بعده أو بين السجدتين أو بعدهما أو حال القيام للثانية إلى الصفّ، سواء كان لطلب المكان الأفضل أو للفرار عن كراهة الوقوف في صف وحده، أو لغير ذلك.

____________

ركعوا فركع وحده، ثمّ سجد السجدتين، ثمّ قام فمضى حتّى لحق الصفوف» (1).

و أورد صاحب الحدائق (قدس سره) (2) على عدّها من أخبار الباب و الاستدلال بها كما عن الأصحاب (قدس سرهم) بإيراد متين حاصله: أنّ ائتمامه (عليه السلام) إنّما كان بالمخالف كما تقتضيه طبيعة الحال، فتكون الصلاة للتقيّة، و هي بصورة الجماعة، و واقعها انفرادية، و لذا تجب القراءة فيها و لو بمثل حديث النفس.

فهو (عليه السلام) كان مؤتمّاً صورة و منفرداً حقيقة، و عليه فكما أنّ أصل الصلاة معهم كان للتقية جاز أن يكون ما فعله من المشي حال الصلاة و الالتحاق بالصفّ أيضاً للتقيّة، لموافقته لمذهب العامّة (3). فلا يمكن الاستدلال بها.

و كيف ما كان، ففيما تقدّم ذكره من الصحيحتين و الموثّقة غنى و كفاية مضافاً إلى تسالم الأصحاب (قدس سرهم) على الحكم كما عرفت.

(1) كما تقتضيه صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة (4)، لقوله (عليه السلام) «يمشي و هو راكع»، و ظاهره تعيّن ذلك، و أنّ اغتفار البعد خاصّ بمرحلة الحدوث و يجب الالتحاق في حال الركوع بقاءً. فلو كنّا نحن و الصحيحة لحكمنا بلزوم العمل بمقتضاها.

____________

(1) الوسائل 8: 384/ أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 2.

(2) الحدائق 11: 235.

(3) المغني 2: 64، الشرح الكبير 2: 72.

(4) في ص 130.

132

و سواء كان المشي إلى الأمام أو الخلف (1) أو أحد الجانبين

____________

غير أنّ صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة (1) تضمّنت توقيت ذلك بحال رفع الإمام رأسه عن سجوده أو قيامه للركعة التالية. و قريب منها الموثّقة المتقدّمة أيضاً (2).

و مقتضى الجمع بينهما هو التخيير و جواز الالتحاق في كلّ من الموضعين. و بمقتضى الفهم العرفي يستفاد منها جواز الالتحاق بالصفّ فيما بين الحدّين أيضاً، فإنّ الترخيص في التأخير إلى حال القيام ظاهر عرفاً في جواز الالتحاق في أيّ جزء يتخلّل فيما بين حال الركوع و حال القيام للثانية.

و بكلمة اخرى: من المحتمل قادحية عدم الالتحاق فيما بين الحدّين، و أمّا قادحية الالتحاق فيه فهي غير محتملة أصلًا كما لا يخفى.

و عليه فيجوز له الالتحاق في جميع المواضع المذكورة في المتن، فإنّها و إن لم تكن منصوصاً عليها غير أنّ حكمها مستفاد من النصوص المتقدّمة بالتقريب المذكور.

(1) عملًا بإطلاق النصوص. و قد يتخيّل المنع عن المشي إلى الخلف لصحيحة محمّد بن مسلم قال «قلت له: الرجل يتأخّر و هو في الصلاة؟ قال: لا، قلت: فيتقدّم؟ قال: نعم، ماشياً إلى القبلة» (3). و في بعض النسخ: «ما شاء» بدل «ماشياً».

و يتوجّه عليه: أنّ مفاد الصحيحة المنع عن التأخّر في مطلق الصلوات من دون فرق بين الجماعة و الفرادى، فلم ترد لخصوص حكم المقام و إن أدرجها صاحب الوسائل (قدس سره) في روايات الباب. و لا شكّ في جواز التأخّر للمنفرد، لعدم كونه من قواطع الصلاة بالضرورة.

و عليه فلا بدّ من حملها و لو بقرينة الذيل الدالّ على جواز المشي إلى القبلة‌

____________

(1) في ص 130.

(2) في ص 130.

(3) الوسائل 8: 385/ أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 5.

133

بشرط أن لا يستلزم الانحراف عن القبلة (1)، و أن لا يكون هناك مانع آخر من حائل أو علو أو نحو ذلك (2).

____________

على ما إذا كان التأخّر مستلزماً للاستدبار أو الانحراف عن القبلة كما هو المتعارف، و أمّا المشي بنحو القهقرى المبحوث عنه في المقام فهو غير مشمول للصحيحة، و مقتضى الإطلاق السالم عن المعارض هو جوازه كما لا يخفى.

(1) لما دلّ على اعتبار الاستقبال، و عدم ما يدلّ على اغتفاره هنا، فلا بدّ و أن يكون المشي بنحو لا يستلزم الاستدبار أو الانحراف عن القبلة، و لو بنحو القهقرى، تحاشياً من ذلك.

(2) قد يقال بشمول الحكم لما إذا كان هناك مانع آخر أيضاً ممّا ذكر في المتن، لإطلاق النصوص. و قد يدّعى اختصاصه بما إذا لم يكن مانع آخر حتّى البعد المانع من الالتحاق اختياراً، فانّ هذا الحكم بمثابة الاستثناء من كراهة الانفراد بالصفّ في الجماعة إذا كانت فرجة فيها، و ليس استثناءً من التباعد. و ربما ينسب هذا القول إلى المشهور، بل استظهر في الجواهر عن بعض مشايخه دعوى الاتفاق عليه و المبالغة في تشييده و الإنكار على من زعم الاستثناء من التباعد (1).

و فصّل شيخنا الأنصاري (قدس سره) بين البعد و بين غيره من الموانع فخصّ الاغتفار بالأوّل (2). و هو جيد جدّاً، فانّ النصوص مسوقة لبيان العفو من جهة البعد فقط، و لا نظر لها إلى صورة الاقتران ببقيّة الموانع كي ينعقد لها إطلاق بالإضافة إليها، فيكون إطلاق أدلّة الموانع من الحائل و نحوه هو المحكّم بعد فرض سلامته عن التقييد.

و أمّا البعد المفروض قدحه اختياراً فلا ينبغي الإشكال في كونه مشمولًا للنصوص لو لم يكن هو موردها، فانّ قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن‌

____________

(1) الجواهر 14: 14.

(2) كتاب الصلاة: 376 السطر 18.

134

نعم لا يضرّ البعد الذي لا يغتفر حال الاختيار على الأقوى إذا صدق معه القدوة (1) و إن كان الأحوط اعتبار عدمه [1] أيضاً.

____________

مسلم المتقدّمة: «قبل أن يبلغ القوم» و في صحيحة عبد الرحمن: «إن مشيت إليه» و في الموثّقة: «فاذهب إليهم» يعطينا الظهور القويّ في ورود النصوص في من يريد الاقتداء و هو بعيد من القوم، بحيث يصدق في حقّه أنّه لم يبلغهم لوجود الفاصل بينه و بينهم بمسافة تعدّ بالأمتار، بحيث يحتاج الوصول إليهم إلى المشي و الذهاب دون مجرّد التخطّي و الانسحاب من صفّ إلى صفّ، فانّ المنفرد بالصفّ بالغُهم لا أنّه لم يبلغهم بعد، خصوصاً على القول باعتبار أن لا يكون الفصل في الجماعة بأكثر ممّا يتخطّى، فانّ هذه النصوص كالصريحة في إرادة البعد بأكثر من هذا المقدار كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فلا ينبغي الترديد في قصر النظر في هذه النصوص على الاستثناء من أدلّة مانعية التباعد، فيكون حملها على الاستثناء من كراهة الانفراد بالصفّ بعيداً عن مساقها جدّاً، و إن نسب القول به إلى المشهور.

و يزيدك وضوحاً قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: «و يمشي و هو راكع»، فإنّ الأمر بالمشي الظاهر في الوجوب إنّما يستقيم على ما استظهرناه، لوضوح عدم وجوب المشي على المنفرد بالصفّ، لاتصاله بالقوم فلا يجب ذلك إلّا على البعيد تحقيقاً للاتصال بهم. و حمله على الاستحباب خلاف الظاهر من دون قرينة عليه.

و على الجملة: تخصيص الحكم بالبعد المغتفر (1) اختياراً كتعميمه لسائر الموانع من الحائل و نحوه ممّا لا وجه له، و المتعيّن هو التفصيل الذي ذكره الشيخ (قدس سره) كما عرفت.

(1) بأن يكون العرف حاكماً بوحدة الجماعة غير أنّ بعض أفرادها متأخّر‌

____________

[1] هذا الاحتياط ضعيف جدّاً.

____________

(1) [الموجود في الأصل: «غير المغتفر» و الصحيح ما أثبتناه].

135

و الأقوى عدم وجوب جرّ الرجلين حال المشي (1)، بل له المشي متخطياً على وجه لا تنمحي صورة الصلاة. و الأحوط ترك الاشتغال بالقراءة و الذكر الواجب أو غيره مما يعتبر فيه الطمأنينة حاله (2).

____________

عن الصفوف. و أمّا البعد الفاحش كمقدار مائة متر أو أكثر مثلًا المانع عن الصدق المزبور فغير مشمول للنصوص، لانصرافها إلى البعد المتعارف كما لا يخفى.

(1) كما هو المشهور، و هو الصحيح، عملًا بإطلاق النصوص. و ذهب جماعة إلى وجوب جرّ الرجلين، لما رواه الصدوق (قدس سره) مرسلًا: «و رُوي أنّه يمشي في الصلاة، يجرّ رجليه و لا يتخطّى» (1).

و لكنّها مضافاً إلى عدم ورودها في خصوص المقام لتصلح لتقييد المطلقات بها ضعيفة السند للإرسال، مع أنّ الصدوق (قدس سره) لم يسندها إلى المعصوم (عليه السلام) ليكشف ذلك عن اعتبارها سنداً بحيث كان في غنى عن التصريح برجال السند، كما كنّا نعتمد عليه سابقاً في حجّية مراسيله (قدس سره)، و إنّما اكتفى بالقول: و روى. فهي مرسلة ضعيفة السند، غير صالحة للاستدلال بها بوجه.

(2) اختار صاحب الحدائق (قدس سره) الجواز مدّعياً أنّ مقتضى إطلاق النصوص سقوط اعتبار الطمأنينة في المقام، فلو اختار المشي راكعاً أو ساجداً جاز له الإتيان بذكري الركوع و السجود، أو قائماً جازت له القراءة ماشياً كما لو كان المأموم مسبوقاً (2).

و الظاهر عدم الجواز، لما عرفت من اختصاص النصوص بالعفو عن جهة البعد فقط، بلا نظر فيها إلى بقيّة الموانع و الشرائط، فلا ينعقد لها إطلاق‌

____________

(1) الوسائل 8: 385/ أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 4، الفقيه 1: 254 ذيل ح 1148.

(2) الحدائق 11: 236.

136

و لا فرق في ذلك بين المسجد و غيره (1).

____________

بالإضافة إلى ذلك لتدلّ على إلغائها في المقام، فيكون إطلاق دليل اعتبار الطمأنينة كصحيحة بكر بن محمّد الأزدي (1) و غيرها المتقدّمة في محلّه (2) المقتضي للكفّ عن القراءة و الذكر حال المشي محكّماً بعد فرض سلامته عن التقييد.

(1) فانّ النصوص و إن اشتملت على ذكر المسجد إلّا أنّه وقع في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ليتوهّم اختصاص الحكم به. و واضح أنّ نظر السائل متوجّه إلى استعلام حكم الجماعة عند الخوف من عدم إدراك ركوع الإمام، بلا خصوصية للمكان. و ذكر المسجد من باب أنّ المتعارف هو انعقادها فيه كما هو الغالب. فلا مجال للترديد في الإطلاق.

____________

(1) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

(2) شرح العروة 15: 23.

137

[فصل في شروط الجماعة]

فصل [في شروط الجماعة]

[يشترط في الجماعة مضافاً إلى ما مرّ في المسائل المتقدّمة أُمور]

يشترط في الجماعة مضافاً إلى ما مرّ في المسائل المتقدّمة أُمور:

[أحدها: أن لا يكون بين الإمام و المأموم حائل]

أحدها: أن لا يكون بين الإمام و المأموم حائل [1] يمنع عن مشاهدته، و كذا بين بعض المأمومين مع الآخر ممّن يكون واسطة في اتّصاله بالإمام (1) كمن في صفّه من طرف الإمام أو قدّامه إذا لم يكن في صفّه من يتّصل بالإمام، فلو كان حائل و لو في بعض أحوال الصلاة من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود بطلت الجماعة، من غير فرق في الحائل بين كونه جداراً أو غيره و لو شخص إنسان لم يكن مأموما.

____________

(1) على المشهور و المعروف، بل ادّعي عليه الإجماع صريحاً في كلمات غير واحد.

و المستند في ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة بطرقهم الصحيحة عن زرارة، فقد روى الفقيه بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّه قال: ينبغي‌

____________

[1] اعتبار عدم الحائل بين الإمام و المأموم المانع عن مشاهدته و كذا اعتبار عدمه بين بعض المأمومين و البعض الآخر الواسطة في الاتصال مبنيّ على الاحتياط، و إنّما المعتبر في الجماعة أن لا يكون بين المأموم و الإمام و كذلك بين بعض المأمومين و البعض الآخر منهم الواسطة في الاتصال فصل بما لا يتخطّى من سترة أو جدار و نحوهما، و كذا الحال بين كلّ صفّ و سابقه.

138

..........

____________

أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض، لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد. قال و قال أبو جعفر (عليه السلام): إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام و بينهم و بين الصف الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة، و إن كان ستراً أو جداراً فليس تلك لهم بصلاة إلّا من كان حيال الباب. قال و قال: هذه المقاصير إنما أحدثها الجبّارون، و ليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها صلاة ...» إلخ (1).

و المذكور في الوسائل بدل قوله: «و إن كان ستراً أو جداراً» هكذا: «و إن كان شبراً أو جداراً». لكن الموجود في الفقيه ما أثبتناه.

كما أنّ المذكور في الوسائل (2) قبل قوله: «قال و قال: هذه المقاصير» هكذا: «قال: إن صلّى قوم بينهم و بين الإمام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة، إلّا من كان حيال الباب»، و أسندها إلى المشايخ الثلاثة. و لكن هذه الفقرة بهذه الكيفية الظاهرة في اختصاص الحكم بما بين الإمام و المأمومين غير موجودة لا في الفقيه و لا الكافي و لا التهذيب، و الصحيح ما ذكرناه. هذا ما يرجع إلى رواية الفقيه.

و رواها في الكافي (3) و كذا الشيخ (4) عنه عن زرارة بمثل ما تقدّم، غير أنّها تختلف عن رواية الفقيه في موارد:

منها: أنّ الكافي (5) صدّر الحديث بقوله: «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام‌

____________

(1) الوسائل 8: 410/ أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 1، 2، 407/ ب 59 ح 1 الفقيه 1: 253/ 1143، 1144 جامع الأحاديث 7: 359/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 11179.

(2) في ص 407/ ب 59 ح 1.

(3) الكافي 3: 385/ 4.

(4) التهذيب 3: 52/ 182.

(5) [و كذا التهذيب].

139

..........

____________

إلى قوله: بصلاة من فيها صلاة» و عقّبه بجملة «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة إلى قوله: إذا سجد» المذكورة في صدر رواية الفقيه، مع الاختلاف بينهما أيضاً في الاشتمال على كلمة «إذا سجد» فإنّ الكافي خال عنها.

و منها: زيادة كلمة «قدر» في رواية الكافي و التهذيب، فذكر هكذا: «و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى»، و عبارة الفقيه خالية عن هذه الكلمة كما سبق.

و منها: أنّ الموجود في الكافي و التهذيب بدل قوله: «و إن كان ستراً أو جداراً» هكذا: «فان كان بينهم سترة أو جدار» بتبديل العطف بالواو إلى العطف بالفاء.

و كيف ما كان، فقد تضمّن صدر الحديث أعني قوله (عليه السلام): «ينبغي أن تكون الصفوف ...» اعتبار عدم البعد بين الصفّين بما لا يتخطّى الذي قدّره بعد ذلك بمسقط جسد الإنسان إذا سجد. و سيأتي التعرّض لهذا الحكم فيما بعد عند تعرّض الماتن له إن شاء اللّٰه تعالى (1).

إنّما الكلام في قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى ...» و أنّه ما المراد بالموصول؟

فقيل: إنّه الجسم أو الشي‌ء المانع عن التخطّي، فتدلّ على قادحية الحائل الموجود بين المأموم و الإمام الذي لا يمكن التخطّي معه و إن أمكن لولاه، لقلّة المسافة بينهما بما لا تزيد على الخطوة.

و قيل: إنّ المراد به البعد، و لا نظر هنا إلى الحائل بوجه، و إنّما المقصود اعتبار أن لا تكون الفاصلة و المسافة بين المأموم و الإمام بمقدار لا يتخطّى.

و قيل: إنّ المراد هو الجامع بين الأمرين، أي لا تكون الحالة بينهما بمثابة لا تتخطّى، سواء أ كان عدم التخطّي ناشئاً من البعد أو من وجود الحائل.

و الأظهر هو الثاني، بقرينة الصدر و الذيل، فانّ هذه الكلمة ما لا يتخطّى-

____________

(1) في ص 157.

140

..........

____________

قد ذكرت سابقاً و لاحقاً، و لا شكّ أنّ المراد بها فيهما هو البعد و كميّة الفاصلة فكذا هنا لاتّحاد السياق.

أمّا الصدر فقوله (عليه السلام): «لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان»، فإنّ المراد بالموصول هنا البعد و المقدار بلا إشكال، بقرينة تقديره بعد ذلك بمسقط جسد الإنسان، الذي هو بمنزلة التفسير لما لا يتخطّى.

و أمّا الذيل فهو قوله (عليه السلام): «و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى» بناءً على رواية الكافي و هي أضبط و التهذيب المشتملة على كلمة «قدر» كما مرّ، فانّ كلمة «قدر ما لا يتخطّى» كالصريح في إرادة البعد و التقدير دون الحائل.

و على الجملة: فلا ينبغي التأمّل في أنّ هذه الفقرة ناظرة إلى التحديد من حيث البعد فقط، هذا.

مضافاً إلى ذكر هذه الكلمة في آخر الصحيحة أيضاً، و لا يراد بها هناك إلّا البعد قطعاً، قال (عليه السلام): «أيّما امرأة صلّت خلف إمام و بينها و بينه ما لا يتخطّى فليس تلك بصلاة»، إذ لا يحتمل أن يراد بها الحائل، لجوازه بين النساء و الرجال في الجماعة بلا إشكال. و هذه قرينة أُخرى على ما استظهرناه.

و أمّا قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و إن كان ستراً أو جداراً ...» فظاهر بمقتضى العطف بالواو في بيان حكم جديد غير مرتبط بسابقه، و هو اعتبار عدم الحائل بين الصفّ المتقدّم و المتأخّر من ستر أو جدار و نحوهما. فتدلّ الصحيحة بفقرتيها على شرطين مستقلّين أحدهما: عدم البعد بما لا يتخطّى و الآخر: عدم وجود الحائل بين الصفّين.

نعم، بناءً على رواية الكافي و التهذيب المشتملة على العطف بالفاء كما مرّ فقد يقال بعدم اشتمال هذه الفقرة على حكم جديد، و أنّها من شؤون الفقرة السابقة و توابعها بمقتضى التفريع، و بذلك يستظهر أنّ المراد بالموصول في‌

141

..........

____________

«ما لا يتخطّى» هو الحائل، ليستقيم التفريع المزبور، إذ لو أُريد به البعد فلا ارتباط بينه و بين مانعية الستر و الجدار ليتفرّع أحدهما على الآخر، فلا يحسن العطف بالفاء حينئذ.

و فيه أولًا: أنّه لا موقع للتفريع حتّى لو أُريد بما لا يتخطّى الحائل لاستلزامه التكرار الذي هو لغو ظاهر، إذ بعد بيان اعتبار أن لا يكون حائل لا يتخطّى معه فيستفاد منه اعتبار عدم وجود الساتر و الجدار بالأولوية القطعية، فالتعرّض له لاحقاً تكرار (1) عارٍ عن الفائدة و مستلزم للغوية كما عرفت.

و ثانياً: أنّه قد حكي عن بعض نسخ الوافي (2) نقل الرواية عن الكافي مع الواو كما في الفقيه.

و ثالثاً: لو سلّم اشتمال النسخة على الفاء فالتفريع ناظر إلى صدر الحديث لا إلى الفقرة السابقة كي لا يكون ملائماً مع ما استظهرناه.

و توضيحه: أنّه (عليه السلام) ذكر في الصدر (3) أنّه «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض»، و هذا هو الذي يساعده الاعتبار في صدق عنوان الجماعة عرفاً، إذ لو كان المأمومون متفرّقين بعضهم في شرق المسجد و الآخر في غربه و ثالث في شماله و الآخر في ناحية أُخرى لا يصدق معهم عنوان الجماعة المتّخذة من الاجتماع، المتقوّم بالهيئة الاتّصالية بحيث كان المجموع صلاة واحدة.

____________

(1) يمكن أن يقال: إنّ ظاهره إرادة المثال، و تفريع المثال على الممثل شائع في الاستعمالات فلا تكرار، و لو كان فلا بشاعة فيه.

(2) راجع الوافي 8: 1190/ 8023.

(3) هذا الصدر غير مذكور في رواية الكافي التي هي محلّ الكلام، و إنّما هو مذكور في رواية الفقيه كما تقدّم، هذا. و سيأتي الكلام حول مفاد الصحيحة و فقه الحديث مرّة أُخرى في ذيل الشرط الثالث [ص 159] و ربما يغاير المقام فلاحظ. [لا يخفى أنّ صدر الصحيحة ذكر في الكافي و التهذيب معاً، لكن في الذيل كما سيشار إليه في ص 159].

142

..........

____________

ثم فرّع (عليه السلام) على ذلك أمرين معتبرين في تحقّق الاتّصال، بحيث يوجب فقدهما الانفصال و تبعثر الجماعة و سلب الهيئة الاتّصالية التي أشار إلى اعتبارها في الصدر، أحدهما: عدم البعد بمقدار لا يتخطّى، فلا تكون المسافة أزيد من الخطوة. و ثانيهما: عدم وجود الحائل من ستر أو جدار، فكلا الحكمين متفرّعان على الصدر، لا أنّ أحدهما متفرّع على الآخر.

و أشار (عليه السلام) بعد ذلك تفريعاً على اعتبار عدم الستر و الحائل إلى عدم صحّة الاقتداء خلف من يصلّي في المقاصير التي أحدثها الجبّارون. و المقصورة: قبّة تصنع فوق المحراب ابتدعتها الجبابرة بعد مقتل مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) صيانة عن الاغتيال، فلأجل أنّها تستوجب الحيلولة بين الإمام و المأمومين منع (عليه السلام) عن الاقتداء بمن فيها.

و المتحصّل من جميع ما قدمناه: أنّ الصحيحة متكفّلة ببيان حكمين:

أحدهما: اشتراط عدم البعد، و سيجي‌ء البحث حول هذا الشرط عند تعرّض الماتن إن شاء اللّٰه تعالى (1).

ثانيهما: اشتراط عدم الستار و الحائل لا بين الإمام و المأموم، و لا بين الصفّ المتقدّم و المتأخّر، و لا بين المأموم و من هو واسطة الاتّصال بينه و بين الإمام كما في الصفّ الأوّل أو المتأخّر إذا كان أطول، فالستار مانع في جميع هذه الفروض، للإطلاق في قوله (عليه السلام) على رواية الكليني و هي أضبط: «فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة» فإنّ كلمة «بينهم» تكشف عن عموم الحكم للإمام و المأموم، و للمأمومين أنفسهم كما لا يخفى.

و قد أشرنا (2) إلى أنّ الصحيحة على النحو الذي رواها في الوسائل المشعر باختصاص الحكم بما بين الإمام و المأمومين لم توجد في شي‌ء من الكتب الثلاثة فتذكّر، هذا.

____________

(1) في ص 157.

(2) في ص 138.

143

..........

____________

و ربما تعارض الصحيحة بموثّقة الحسن بن الجهم قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يصلّي بالقوم في مكان ضيّق و يكون بينهم و بينه ستر أ يجوز أن يصلّي بهم؟ قال: نعم» (1) و يقال: إنّ مقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحة على الاستحباب، فيراد من قوله (عليه السلام) فيها: «فليس تلك لهم بصلاة» نفي الكمال، كما في قوله (عليه السلام): «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» (2) لا نفي الصحّة لتدلّ على المانعية.

و فيه أوّلًا: أنّ الموثّق مضطرب المتن، فحكي تارة كما أثبتناه، و أُخرى كما عن بعض نسخ الوافي بتبديل الستر بالشبر (3) بالشين المعجمة و الباء الموحّدة و لعل الثاني أقرب إلى الصحّة و أوفق بالاعتبار، لكونه الأنسب بفرض ضيق المكان، فإنّ المأموم إذا كان وحده يصلّي على أحد جانبي الإمام وجوباً أو استحباباً، و إذا كان امرأة أو أكثر من الواحد يقف خلفه وجوباً أيضاً أو استحباباً.

و المفروض في الموثّق تعدّد المأمومين، لقوله: «يصلّي بالقوم»، فيلزم على الرجل أن يقف خلف الإمام، و لكن حيث إنّ المكان ضيّق فلا يسعه الوقوف إلّا على جانب الإمام، فسئل حينئذ أنّ الفصل بينه و بين الإمام إذا كان بمقدار الشبر فهل تجوز الصلاة، فأجاب (عليه السلام) بقوله: «نعم». فالمعنى إنّما يستقيم على هذا التقدير، و إلّا فالسؤال عن وجود الساتر لا يرتبط مع فرض ضيق المكان كما لا يخفى. و عليه فالموثّق أجنبي عمّا نحن فيه.

و ثانياً: على تقدير كون النسخة هو الستر فحيث إنّ الجواز مع الحائل هو المعروف من مذهب العامّة فالموثّق محمول لا محالة على التقيّة كما ذكره في الوسائل، فلا تنهض لمعارضة الصحيحة.

____________

(1) الوسائل 8: 408/ أبواب صلاة الجماعة ب 59 ح 3.

(2) الوسائل 5: 194/ أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1.

(3) الوافي 8: 1192/ 8028.

144

..........

____________

و لكن هذا الجواب مبنيّ على التأييد، إذ مع إمكان الجمع العرفي بالحمل على الاستحباب كما مرّ لا تصل النوبة إلى المرجّح الجهتي.

و العمدة في الجواب ما ذكرناه أوّلًا من استظهار كون النسخة هو الشبر و مع التنزّل فلا أقلّ من الشكّ و الترديد. فلم يثبت كونها الستر كي تقاوم الصحيحة و تعارضها.

ثمّ إنّ هناك فروعاً تتعلّق بالمقام، تعرّض إليها الماتن في طيّ المسائل الآتية بعد انتهائه من ذكر الموانع، و كان الأنسب التعرّض لها هنا.

منها: أنّه هل يكفي في مانعية الحائل وجوده آناً ما، أم لا بدّ و أن يكون مستمراً من ابتداء الصلاة إلى انتهائها؟

الظاهر هو الأوّل، لإطلاق النصّ، فإنّ الصحيحة دلّت على أنّ السترة مانع و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين صورتي الاستمرار و عدمه، فهي بوجودها تمنع سواء ارتفعت بعد ذلك أم لا، كانت قبل ذلك أم لا، فمهما وجد الحائل بطلت الجماعة و انقلبت الصلاة فرادى بطبيعة الحال.

و منها: أنّه هل يعتبر في الحائل حيلولته في جميع حالات الصلاة من القيام و القعود و الركوع و السجود، أم يكفي كونه كذلك و لو في بعض الأحوال دون البعض لقصره؟

لا ينبغي الشكّ في أنّ السترة التي هي الموضوع للحكم في النصّ إنّما تطلق في مورد يكون قابلًا للرؤية و صالحاً للمشاهدة، بحيث يستند عدمها إلى وجود الستار، أمّا إذا كانت الحالة بمثابة لا تصلح للرؤية في حدّ نفسها و لو من غير سترة كحالة السجود أو الهويّ إليه قريباً منه فلا يصدق أنّه هناك سترة بين الإمام و المأموم.

و عليه فلو كان الحائل قصيراً بمقدار شبر أو أكثر بحيث لا يكون مانعاً عن الرؤية حالة الجلوس فمثله غير قادح في الصحّة، لعدم تحقّق الحيلولة المانعة عن المشاهدة في المورد القابل لها.

145

..........

____________

و أمّا إذا كان الحائل أطول من ذلك بحيث يمنع عن الرؤية حال الجلوس أو الركوع و إن لم يكن كذلك حال القيام فالأقوى حينئذ هو البطلان، لإطلاق النصّ، إذ يصدق عندئذ أنّ بينهم سترة أو جداراً، بعد إن لم يكن مقيّداً بحالة دون أُخرى. فإطلاقه يعمّ جميع الحالات الصالحة للرؤية.

و لكن هذا كلّه بناء على رواية الكافي التي ذكر فيها «إن صلّى قوم بينهم و بين الإمام سترة أو جدار» (1)، و أمّا بناء على رواية الفقيه التي ورد فيها: «و إن كان ستراً أو جداراً» بعد قوله: «ما لا يتخطّى» فحيث إنّ اسم كان ضمير عائد إلى الموصول فلا جرم يكون مفادها اختصاص الساتر الممنوع بالمقدار الذي لا يتخطّى، فلا مانعية للساتر الذي يتخطّى كما إذا كان بمقدار ثلاثة أشبار.

و حيث لم يثبت الترجيح فيكون المرجع بعد التعارض و التساقط أصالة عدم المانعية للساتر الذي يتخطّى و إن كان حائلًا و مانعاً عن المشاهدة في بعض الحالات.

إذن فالمتعيّن اختصاص المانعية بالساتر الذي لا يتخطّى خاصّة، و يكون الحكم في الزائد عليه و إن منع عن المشاهدة و صدق عليه عنوان الحائل بل الساتر مبنياً على الاحتياط كما أشار إليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الشريفة، فتدبّر جيّداً.

و منها: أنّه هل يشمل الحكم الحائل غير المانع عن الرؤية و إن منع عن الاستطراق كالجدار المصنوع من الزجاج، أو المشتمل على الشباك، أو على الثقوب الكثيرة غير المانعة عن المشاهدة في شي‌ء من الحالات الصالحة لها؟ قد يقال بالشمول، استناداً إلى صدق الحائل و إطلاق الجدار المذكور في النصّ.

____________

(1) [الموجود في الكافي: «فإن كان بينهم سترة أو جدار». و قد تقدّم منه في ص 138 عدم وجود ما ذكره هنا في نسخ الكافي].

146

..........

____________

أقول: لفظ الحائل لم يرد في شي‌ء من النصوص حتّى يتكلّم في سعة المفهوم و ضيقه، و إنّما الوارد لفظ السترة التي هي بمعنى الستار و الحجاب، و منه الستارة التي تطلق على ما يوضع أطراف السطوح لأجل الحجب و الستر عن الجيران. و من الواضح اعتبار المنع عن الرؤية و المشاهدة في صدق هذا المفهوم.

و أمّا الجدار المعطوف على السترة في النصّ فالصحيح ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1) من أنّ المقابلة بينهما إنّما هي باعتبار ذات الساتر بمعنى أنّ الساتر قد يكون جداراً و قد يكون غيره، لا باعتبار أصل الستر كي يكون الجدار بنفسه موضوعاً مستقلا للحكم وراء السترة حتّى يتمسّك بإطلاقه من حيث كونه ساتراً و عدمه.

و إن شئت فقل: إنّ التقابل من قبيل عطف الخاص على العام، فإفراد الجدار بالذكر من أجل أنّه أحد مصاديق الستار الغالبة، لا لخصوصية فيه في حدّ نفسه ليكون من حيث هو مناطاً للحكم. فتمام الموضوع إنّما هو عنوان الستار فحسب، و قد عرفت اختصاصه بما يمنع عن المشاهدة.

و عليه فلا بأس بحيلولة الزجاج أو الشباك بل الجدار المشتمل على الثقوب الكثيرة، و لعلّ الارتكاز العرفي أيضاً يساعد على ذلك، فإنّ حيلولة الأُمور المذكورة لا تقدح في صدق وحدة المكان عرفاً، إذ يصدق على المجلس المشتمل على مثل ذلك بحيث يرى من هذا الجانب كلّ من في ذاك الجانب أو أكثرهم أنّه مجلس واحد و محفل فأرد، و إنّما تتعدّد الجلسة عرفاً بوجود الحائل المانع عن المشاهدة، فغير المانع عنها لا يضرّ بصدق الاجتماع، فلا يقدح في صحّة الجماعة.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أفاده في المتن في المسألة 2، 3، 5 من المنع في الموارد المذكورة استناداً إلى صدق الحائل في غير محلّه، لما عرفت من عدم‌

____________

(1) كتاب الصلاة: 284 السطر 2.

147

..........

____________

ورود هذا العنوان في شي‌ء من النصوص، و إنّما الاعتبار بالستار، غير الصادق على المقام.

ثمّ إنّ ما استظهرناه تبعاً لشيخنا الأنصاري (قدس سره) من أنّ الجدار المذكور في النصّ في مقابل السترة من قبيل عطف الخاص على العام و ليس بنفسه موضوعاً مستقلا للحكم هو الصحيح الذي يساعده الفهم العرفي فلا مجال للتمسّك بإطلاقه كما مرّ.

و على تقدير التنزّل فلا ريب في عدم الظهور في الخلاف، بل غايته الإجمال و الدوران بين كونه موضوعاً مستقلا حتّى يتمسّك بإطلاقه، أم لا كي يكون الاعتبار بنفس الستار، فلا محالة تسقط الرواية عن الاستدلال، و تنتهي النوبة حينئذ إلى التمسّك بالأصل اللفظي أو العملي.

فإن بنينا على ثبوت الإطلاق في دليل مشروعية الجماعة من هذه الجهة كما لا يبعد فهو المطلوب، فيقتصر في تقييده على ما إذا كان الحائل ساتراً. و أمّا لو أنكرنا ذلك فينتهي الأمر حينئذ إلى الأصل العملي.

و قد ذكر المحقّق الهمداني (قدس سره): أنّ مقتضاه هو البراءة من مانعية الحائل غير الساتر أو عن شرطية عدمه في صحّة الجماعة (1).

و هذا بظاهره ربما لا يخلو عن الإشكال، حيث إنّ الجماعة سنّة و ليست بفريضة، فليس في موردها تكليف مشكوك كي يتمسّك في نفيه بأصالة البراءة الشرعية أو العقلية، بل الجماعة عند استجماع شرائطها موضوع لأحكام خاصّة من سقوط القراءة و اغتفار زيادة الركن أو السجود لأجل التبعية و رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر لدى الشكّ في الركعات. فعند الشكّ في استجماع الشرائط كان المتّبع إطلاق الأدلّة الأوّلية لتلك الأحكام، الراجع إلى أصالة عدم مشروعية الجماعة، هذا.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 629 السطر 24.

148

..........

____________

و لكن الأقوى صحّة الرجوع إلى أصالة البراءة في المقام، فإنّ الجماعة بنفسها مصداق للواجب و أحد فرديه، و ليس شيئاً أجنبياً عنه يسقط به الفرض كالسفر بالنسبة إلى الصوم، بل هو متّحد معه اتّحاد الطبيعي مع أفراده غايته أنّ الواجب إنّما هو الجامع المنطبق عليها تارة و على الفرادى اخرى، فهما من قبيل الواجب التخييري، كالقصر و التمام في مواطن التخيير، و كالظهر و الجمعة على القول بالتخيير بينهما.

و قد ذكرنا في محلّه أنّه لا معنى للوجوب التخييري إلّا تعلّق الحكم بالجامع بين أحد الفردين أو الأفراد، سواء أ كان مقولياً متأصّلًا أم أمراً اعتبارياً كعنوان أحد الأمرين أو الأُمور كما في خصال الكفّارات (1).

و على الجملة: فالواجب في المقام إنّما هو الجامع المنطبق على كلّ من الفردين، فكلّ من الجماعة و الفرادى عدل للواجب، و لكلّ منهما حكم يخصّه.

و عليه فمرجع الشكّ في اعتبار قيد في صحّة الجماعة كعدم وجود الحائل و إن لم يكن ساتراً إلى الشكّ في متعلّق التكليف في مقام الجعل، و أنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى و بين مطلق الجماعة، أم لوحظ بينها و بين الجماعة المقيّدة بعدم الاشتمال على الحائل و إن لم يكن ساتراً.

و لا ريب أنّ اللحاظ على النحو الثاني يتضمّن كلفة زائدة، و بما أنّها مشكوكة حسب الفرض فتدفع بأصالة البراءة العقلية و النقلية. و هذا الأصل حاكم على أصالة عدم المشروعية كما لا يخفى، و بذلك تثبت مشروعية الجماعة و إن كانت فاقدة لذلك القيد.

بقيت هناك فروع أُخر تتعلّق بالمقام نتكلّم عنها عند تعرّض الماتن لها في المسائل الآتية إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 4: 40.

149

نعم، إنّما يعتبر ذلك إذا كان المأموم رجلًا، أمّا المرأة فلا بأس بالحائل بينها و بين الإمام أو غيره من المأمومين مع كون الإمام رجلًا (1)

____________

(1) على المشهور، بل عن التذكرة نسبة استثناء المرأة عن هذا الحكم إلى علمائنا (1). و المستند في ذلك موثّقة عمّار قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار و فيها نساء هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم، إن كان الإمام أسفل منهنّ، قلت: فانّ بينهنّ و بينه حائطاً أو طريقاً، فقال: لا بأس» (2).

فانّ ذيلها صريح في عدم قدح حيلولة الحائط بينهنّ و بين الإمام، و يستفاد من ذلك عدم قادحية الحائل بينهن و بين المأمومين الذين هم واسطة الاتّصال بينهن و بين الإمام كما لا يخفى.

و بذلك يرتكب التخصيص في صحيحة زرارة المتقدّمة (3) المانعة عن وجود الحائل بين الإمام و المأموم، و كذا بين المأمومين أنفسهم، و يلتزم باستثناء المرأة عن هذا الحكم، هذا.

و لم ينسب الخلاف في المسألة إلّا إلى الحلّي (4)، و هو مبني على مسلكه من عدم العمل بأخبار الآحاد، سيما إذا لم يكن صحيحاً بالمعنى المصطلح عند المتأخّرين، فإنّ الرواة الواقعين في أواخر سند هذه الرواية من الفطحيّين، فهي موثّقة لا صحيحة. و حيث بنينا على حجّية الخبر الواحد من غير فرق بين الموثّق و الصحيح فلا مناص من الالتزام بهذا الاستثناء، جمعاً بين الموثّق و الصحيحة المتقدّمة كما عرفت.

و هل ينسحب الحكم فيما إذا كان الإمام امرأة فلا مانع من وجود الحائل‌

____________

(1) التذكرة 4: 259.

(2) الوسائل 8: 409/ أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1.

(3) في ص 137.

(4) السرائر 1: 289.

150

بشرط أن تتمكّن من المتابعة (1) بأن تكون عالمة بأحوال الإمام من القيام

____________

بينهنّ و بين الإمام، و كذا بين المأمومات أنفسهن و إن كان الإمام رجلًا، فلا مانع من وجود الحائل بينهنّ بعضهنّ مع بعض؟

الأقوى عدم الانسحاب كما عليه الماتن (قدس سره) في ذيل عبارته الآتية فإنّ صحيحة زرارة قد دلّت بإطلاقها على قادحية الحائل، كقادحية البعد بين الإمام و المأموم و بين المأمومين أنفسهم، من غير فرق بين الرجل و المرأة، قال (عليه السلام): «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة ...» إلخ (1).

فانّ عنوان القوم (2) و الإمام و الصفّ صادق على الذكر و الأُنثى، بل قد صرّح في ذيلها بشمول الحكم من حيث البعد للمرأة فلاحظ. و قد خرجنا عن هذا الإطلاق بمقتضى موثّقة عمّار في خصوص صورة واحدة، و هي وجود الحائل بين المرأة و بين الإمام إذا كان رجلًا، فالتزمنا بالتخصيص في هذا القسم بمقتضى الموثّق، و أمّا ما عدا ذلك أعني وجود الحائل بينها و بين الإمام إذا كان امرأة، أو بين المأمومات أنفسهن فيبقى مشمولًا تحت إطلاق الصحيحة بعد عدم قيام دليل على التخصيص زائداً على ما ذكر من مورد الموثّق و لا مقتضي للتعدّي عن هذا المورد.

(1) فإنّ الجماعة متقوّمة بالمتابعة، فلا بدّ لها من العلم بأحوال الإمام من‌

____________

(1) الوسائل 8: 410/ أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2.

(2) حكى في لسان العرب 12: 505 عن جمع من اللغويين اختصاص القوم بالرجال مستشهدين له بقوله سبحانه لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ إلى قوله تعالى: وَ لٰا نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ الحجرات 49: 11، و بقول زهير: و ما أدري، و سوف إخالُ أدري، أ قومٌ آل حِصن أم نساء. و في الحديث: «إن نسّاني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبّح القوم و ليصفّق النساء».