موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
151

و الركوع و السجود و نحوها، مع أنّ الأحوط فيها أيضاً عدم الحائل، هذا. و أمّا إذا كان الإمام امرأة أيضاً فالحكم كما في الرجل.

[الثاني: أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين علواً معتدّاً به]

[الثاني:] أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين (1) علواً معتدّاً به دفعياً كالأبنية و نحوها، لا انحدارياً على الأصحّ،

____________

القيام و الركوع و السجود و نحوها كي تتمكّن من التبعية، فمع الجهل بذلك ليس لها ترتيب آثار الجماعة من سقوط القراءة و الرجوع إلى الإمام لدى الشكّ و زيادة الركوع أو السجود لأجل المتابعة، للشكّ في تحقّق التبعيّة، و مقتضى الأصل عدمها.

(1) على المشهور، بل عند علمائنا كما عن التذكرة (1) و غيرها، لموثّقة عمّار الآتية. و حكي عن الشيخ في الخلاف القول بالكراهة (2)، و تردّد فيه المحقّق في الشرائع (3) و في النافع (4)، و خالف فيه صريحاً صاحب المدارك (5).

لكن خلاف الشيخ غير ثابت، لاحتمال إرادته من الكراهة المبغوضية المساوقة للحرمة، كما ربما تطلق عليها في لسان الأخبار و كلمات الأصحاب.

و خلاف المدارك مبنيّ على مسلكه من تخصيص الحجّية بالخبر الصحيح باصطلاح المتأخّرين، فإنّ رواية عمّار الواردة في المقام ليست كذلك، لكون الغالب من رواتها فطحيين، و حيث بنينا على حجّية الموثّق كالصحيح فالرواية معتبرة سنداً.

نعم، طعن فيها في المدارك مضافاً إلى ضعف السند على مسلكه بأنّها‌

____________

(1) التذكرة 4: 260.

(2) الخلاف 1: 556 المسألة 301.

(3) الشرائع 1: 146.

(4) لاحظ المختصر النافع: 46.

(5) المدارك 4: 320.

152

..........

____________

متهافتة المتن، قاصرة الدلالة، فلا يسوغ التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل.

أقول: لا نرى أيّ تهافت في متن الرواية، و لا قصور فيها من ناحية الدلالة، نعم ربما تشتمل على بعض ألفاظ لا تخلو عن شوب من الإجمال و الالتباس، لكنّه غير ضائر بمحل الاستدلال، و إليك نصّها.

روى الشيخ الكليني بإسناده عن عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصلّي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه، فقال: إن كان الإمام على شبه الدكّان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، فان كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقلّ إذا كان الارتفاع ببطن مسيل. فان كان أرضاً مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع، و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلّا أنّهم في موضع منحدر، قال: لا (فلا) بأس. قال: و سئل فان قام الإمام أسفل من موضع من يصلّي خلفه، قال: لا بأس، قال: و إن كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكّاناً كان أو غيره و كان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلّي خلفه و يقتدي بصلاته، و إن كان أرفع منه بشي‌ء كثير» (1).

فإنّ صدرها إلى قوله (عليه السلام): «لم تجز صلاتهم» كما ترى صريح في المطلوب، و أمّا قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «فان كان أرفع ...» إلخ فجواب الشرط محذوف يعلم ممّا سبق، و تقديره: فلا بأس. سواء أ كانت أداة الشرط مصدّرة بالفاء كما في الوسائل، أم كانت مع الواو كما عن الكافي.

نعم، على الثاني ربما يحتمل أن تكون كلمة «إن» وصليّة. لكنّه ساقط جزماً، إذ لا يلائمه قوله بعد ذلك: «أو أكثر»، إذ شأن (إن) الوصلية إدراج الفرد الخفيّ، و لا ريب أنّ الأكثر من الإصبع ليس كذلك، إذ لو كان مقدار الإصبع‌

____________

(1) الوسائل 8: 411/ أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 1، الكافي 3: 386/ 9.

153

..........

____________

قادحاً فالأكثر منه بطريق أولى. فهو من الفرد الجليّ دون الخفيّ كما لا يخفى (1).

و قوله (عليه السلام): «إذا كان الارتفاع ...» إلخ مربوط بسابقه، و ليست شرطية مستقلة، و قد تضمّنت هذه الفقرة التي هي من ملحقات الجملة السابقة تحديد الارتفاع في العلو الدفعي (التسنيمي) في قبال التسريحي الذي تعرّض (عليه السلام) له عند قوله: «فان كان أرضاً مبسوطة ...» إلخ.

لكن نسخ الرواية في هذه الفقرة مختلفة غاية الاختلاف. ففي الكافي هكذا: «إذا كان الارتفاع ببطن مسيل» كما في الوسائل.

و كذا عن بعض نسخ التهذيب، و عن نسخة اخرى منه «يقطع مسيلًا» و عن ثالثة «بقطع مسيل»، و عن رابعة «بقدر يسير»، و عن خامسة «بقدر شبر» (2) و نحوه عن التذكرة (3).

و عن الفقيه (4) «يقطع سبيلًا»، و عن نسخة اخرى «بقطع سيل»، و عن نسخة ثالثة «بقطع سبيل».

و عن الذكرى «بقدر إصبع إلى شبر» (5). و لعلّ الأخير استنباط من الشهيد فنقل مضمون الرواية بمقتضى ما فهمه من النسخة الموجودة عنده المشتملة على الشبر، أو أنّها وصلت إليه كذلك بطريق يخصّه، و إلّا فالرواية بهذه العبارة لم توجد في شي‌ء من نسخ كتب الحديث.

و كيف ما كان، فمن أجل ذلك وقع الاختلاف في تحديد مقدار العلوّ. فعن جماعة و لعلّه الأكثر أو المشهور تحديده بالشبر، ترجيحاً للنسخة المشتملة‌

____________

(1) هذا وجيه لو كان (قدر إصبع) مذكوراً قبل (إن) الوصلية لا بعدها، و لا سيما مع عطف الأقلّ على الأكثر.

(2) التهذيب 3: 53/ 185.

(3) التذكرة 4: 260.

(4) راجع الفقيه 1: 253/ 1146.

(5) الذكرى 4: 435.

154

..........

____________

عليه. لكنّ الترجيح لم يثبت لا فيها و لا في غيرها من سائر النسخ، إذ لا شاهد عليه في شي‌ء منها.

و من ثمّ قدّره بعضهم بما لا يتخطّى، إعراضاً عن هذه الرواية المضطربة و اعتماداً على صحيحة زرارة المتقدّمة (1) المشتملة عليه.

و فيه: أنّها ناظرة إلى البعد دون العلو كما تقدّم (2)، و تأتي الإشارة إليه قريباً إن شاء اللّٰه تعالى.

و التحقيق: هو التحديد بالشبر، لا لترجيح النسخة المشتملة عليه، بل لأنّ الصناعة تقتضي ذلك. أمّا إذا كانت النسخة «ببطن مسيل» أو «يقطع سبيلًا» و نحو ذلك فالرواية على هذه مجملة، لكون ألفاظها متشابهة لم يتّضح المراد منها.

و أمّا لو كانت «بقدر يسير» فمفهوم اليسير في حدّ ذاته و إن كان صادقاً على الشبر و الشبرين بل الثلاثة، إلّا أنّه بقرينة اقترانه بذكر الإصبع أو الأكثر لا يمكن أن يراد به إلّا ما يقرب من الإصبع كثلاث أصابع أو أربع مثلًا، دون مقدار الشبر فضلًا عن الأكثر منه.

فنبقى نحن و احتمال أن تكون النسخة هي مطلق الشبر، و لا سيما قدر إصبع إلى شبر كما في رواية الذكرى. و هذا الاحتمال بمجرّده كافٍ في عدم ظهور لإطلاق المنع المذكور في الصدر، أعني قوله (عليه السلام): «أو على موضع أرفع» في الشمول لمقدار الشبر فما دونه، لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.

إذ من الجائز صحّة هذه النسخة، و لا سيما على رواية الذكرى، الموجب لتقييد الإطلاق بهذا المقدار، نعم بالإضافة إلى الزائد على الشبر لا قصور في شمول الإطلاق له. و أمّا بالنسبة إلى الشبر فما دونه فلا دلالة في الرواية على‌

____________

(1) في ص 137.

(2) في ص 139.

155

..........

____________

المنع عنه بعد احتفاف الإطلاق بما يصلح للتقييد.

و عليه فالرواية بالإضافة إلى هذا المقدار مجملة، و لم يدلّ دليل آخر على المنع بالنسبة إليه، و حينئذ فان تمّ الإطلاق في أدلّة الجماعة كقوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه (1) كما لا يبعد كان هو المتّبع في الحكم بالجواز في مقدار الشبر، و إلّا كان المرجع الأصل العملي الذي مقتضاه البراءة عن مانعيّة هذا المقدار من العلوّ بالتقريب الذي سبق (2).

حيث عرفت أنّ الأمر متعلّق بالجامع بين الفرادى و الجماعة اللذين هما عدلان للواجب التخييري. و لم يعلم أنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى و مطلق الجماعة، أم بينها و بين الجماعة المقيّدة بعدم الاشتمال على العلوّ بمقدار الشبر. و لا ريب أنّ الثاني يتضمّن كلفة زائدة، و حيث إنّها مشكوكة فتدفع بأصالة البراءة.

فتحصّل: أنّ الأظهر جواز العلوّ بمقدار الشبر سواء أ كان المرجع الإطلاق اللفظي أم الأصل العملي بعد ما عرفت من إجمال الرواية و عدم دلالتها على المنع في هذا المقدار، فتدبر جيّداً. هذا كلّه في العلوّ الدفعي.

و أمّا في العلوّ التسريحي الذي أشار (عليه السلام) إليه بقوله: «فان كان أرضاً مبسوطة ...» إلخ فلا مانع من الارتفاع بأزيد من الشبر ما دام يصدق على الأرض أنّها مبسوطة.

و لا يخفى أنّ المذكور في الكافي و التهذيب (3) بعد قوله: «مبسوطة» هكذا: «أو كان ...». و لكنّ الصحيح كما في الفقيه و غيره «و كان ...» إلخ، بالعطف بالواو لا ب‍ (أو). كما أنّ المذكور فيه في جزاء الشرط هكذا: «قال: لا (فلا) بأس»، و الصحيح أنّ لفظة «قال» مستدرك، لأنّه من كلام الإمام (عليه‌

____________

(1) راجع ص 50، الهامش رقم (3).

(2) في ص 147 148.

(3) [لكن في النسخة الموجودة من التهذيب هو: «و كان»].

156

من غير فرق بين المأموم الأعمى و البصير (1) و الرجل و المرأة (2)، و لا بأس بغير المعتدّ به مما هو دون الشبر،

____________

السلام) لا السائل، و لم تذكر هذه الكلمة في رواية الفقيه (1).

و كيف ما كان، ففي الأراضي المبسوطة في قبال الملفوفة كالجبلية إذا دقّقنا النظر و لاحظناها بالآلات الهندسية فربما يوجد فيها انخفاض و انحدار من أجل إصابة الأمطار بما يزيد على الشبرين، بل الثلاثة كما في الصحاري و البراري، فأشار (عليه السلام) في هذه الفقرة إلى أنّه في مثل هذه الأراضي إذا وقف الإمام في موضع مرتفع و القوم في مكان منحدر صحّت صلاتهم و إن اختلف الموقفان بما يزيد على الشبر، ما دام يصدق على الأرض أنّها مبسوطة و إن كانت مسرّحة منحدرة، و أنّ التحديد بالشبر إنّما هو في العلوّ الدفعي كالدكّة و الدكّان و نحوهما، و يلحق بذلك الأراضي الجبليّة التي لا يصدق معها انبساط الأرض، فإنّ اللازم فيها أيضاً مراعاة التحديد بالشبر، أخذاً بالإطلاق في صدر الموثّق، بعد أن لم تكن هذه الفقرة شاملة لها كما هو ظاهر.

(1) خلافاً للمحكي عن ابن الجنيد حيث قال: لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله، إلّا أن يكون المأمومون إضراراً فإنّ فرضَ البصراء الاقتداء بالنظر، و فرض الإضرار الاقتداء بالسماع إذا صحّ بهم التوجّه (2). و لم يعرف له مستند أصلًا، و إطلاق النصّ حجّة عليه.

(2) للإطلاق، مضافاً إلى التصريح به في الموثّقة الأُخرى لعمّار التي تقدّمت، حيث ذكر فيها: «هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم، إن كان الإمام أسفل منهنّ ...» إلخ (3).

____________

(1) و لكن أثبتها في جامع أحاديث الشيعة 7: 361/ أبواب صلاة الجماعة/ ب 32 ح 11189 عن الفقيه، فليلاحظ.

(2) حكاه عنه في المختلف 2: 515 المسألة 377.

(3) الوسائل 8: 409/ أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1.

157

و لا بالعلو الانحداري حيث يكون العلوّ فيه تدريجياً على وجه لا ينافي صدق انبساط الأرض، و أمّا إذا كان مثل الجبل فالأحوط ملاحظة قدر الشبر فيه (1). و لا بأس بعلوّ المأموم على الإمام و لو بكثير (2).

[الثالث: أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة]

الثالث: أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة (3) إلّا إذا كان في صفّ متّصل بعضه ببعض حتى ينتهي إلى القريب، أو كان في صفّ ليس بينه و بين الصف المتقدّم البعد المزبور، و هكذا حتّى ينتهي إلى القريب و الأحوط احتياطاً لا يترك أن لا يكون بين موقف الإمام و مسجد المأموم أو بين موقف السابق و مسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملأ الفرج

____________

إذ لا ريب أنّ المراد بالشرطية نفي كون الإمام أعلى لا لزوم كونه أسفل فإنّه لا شبهة في جواز المساواة بينهما بضرورة الفقه، و قد ورد في غير واحد من النصوص أنّ المرأة تصلّي خلف الرجل (1) من غير تقييد بكونه أسفل، بل لعلّ التساوي أفضل، كما دلّ عليه إطلاق رواية محمّد بن عبد اللّٰه (2) المحمولة على الاستحباب.

(1) كما تقدّم.

(2) كما دلّ عليه ذيل موثّقة عمّار المتقدّمة (3) فلاحظ. لكنّه يختصّ بغير العلوّ المفرط الذي لا يصدق معه عنوان الجماعة كالاقتداء من شاهق، لا لأجل التخصيص اللفظي، بل لاقتضاء مفهوم الجماعة المتّخذة من الاجتماع.

(3) ذكر (قدس سره) أنّ من شرائط الجماعة عدم وجود البعد المفرط بين المأموم و الإمام، أو من هو واسطة الاتّصال بينه و بين الإمام. و حدّده على سبيل الاحتياط الذي لا يترك بأن لا يكون بين موقف الإمام و مسجد المأموم‌

____________

(1) منها صحيحة الفضيل المتقدّمة في ص 50.

(2) الوسائل 8: 412/ أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 3.

(3) في ص 152.

158

و أحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة، و الأفضل بل الأحوط أيضاً أن لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الإنسان إذا سجد، بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.

____________

أو موقف السابق و مسجد اللاحق أزيد ممّا يتخطّى، و فسّره بالخطوة التي تملأ الفُرَج، و أحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة، و أحوط من الكلّ مراعاة الاتّصال التام بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.

فنقول: ذكر جماعة و لعلّه المعروف أنّ التباعد الذي يعتبر عدمه في صحّة الجماعة هو المقدار القادح في صدق عنوان الاجتماع، و هو الذي يكون كثيراً في العادة، فمهما تحقّق القرب العرفي بحيث تحقّق معه مفهوم الجماعة صحّ الاقتداء، و لا يعتبر الزائد على ذلك.

و عن جماعة آخرين تحديده بالمقدار الذي لا يتخطّى، فلا يغتفر من البعد إلّا المقدار الذي يمكن معه التخطّي.

و الأصل في المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح مع اختلاف يسير من حيث التقديم و التأخير عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض، لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد. قال و قال أبو جعفر (عليه السلام): إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة إلى أن قال-: أيّما امرأة صلّت خلف إمام و بينها و بينه ما لا يتخطّى فليس تلك بصلاة ...» إلخ (1).

هكذا في الفقيه، و كذا في الكافي و التهذيب، غير أنّ صدر الحديث فيهما‌

____________

(1) الوسائل 8: 410/ أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 1، 2، و قد تقدّمت في ص 137.

159

..........

____________

هكذا: «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ...» إلخ المذكور في هذه الرواية متأخّراً، و قوله (عليه السلام): «ينبغي أن تكون الصفوف ...» إلخ المذكور في صدر هذه الرواية متأخّر فيهما عن الفقرات الثلاث المتقدّمة.

و كيف ما كان، فقد تضمّنت الصحيحة تحديد البعد القادح بالمقدار الذي لا يتخطّى.

و أُورد عليه: بأنّ لفظة «ينبغي» ظاهرة في الاستحباب، و لأجل ذلك يضعف ظهور التحديد في بقيّة الفقرات في الوجوب، بل هي محمولة على الفضل، لوحدة السياق.

أقول: ظاهر التحديد المذكور في الفقرات الثلاث المتقدّمة هو الاعتبار و الدخل في الصحّة، و لا موجب لرفع اليد عنه، و قرينة السياق لا تقتضيه لتغاير الجملة المشتملة على لفظة «ينبغي» المذكورة صدراً أو ذيلًا على اختلاف النسخ مع بقيّة الفقرات موضوعاً و محمولًا، و أحدهما ينظر إلى غير المورد الذي ينظر إليه الآخر.

و توضيحه: أنّه (عليه السلام) ذكر أولًا على رواية الفقيه أنّه ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة، فأشار (عليه السلام) بذلك بمقتضى لفظة ينبغي إلى أنّ من فضل الجماعة و آدابها تماميّة الصفوف باستوائها و عدم نقص بعضها عن بعض.

و حيث إنّ التواصل الحقيقي يتعذّر رعايته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة اشتمال الصلاة على الركوع و السجود فسّره (عليه السلام) بعد ذلك بقوله: «لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى»، أي لا يكون بين الموقفين من الفصل إلّا المقدار القابل للتخطّي، و هو المعادل لمتر واحد تقريباً.

ثم قدّره (عليه السلام) بعد ذلك بقوله: «يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان إذا سجد»، فإنّ المسافة التي يستوعبها مسقط الجسد لدى السجود لا تزيد على المتر، فهو قابل للتخطّي، و إنّما فسّرنا بين الصفّين بقولنا بين‌

160

..........

____________

الموقفين لأنّ ذلك هو مقتضى كلمة (الصفّ)، فإنّه لغة عبارة عن الوقوف بانتظام.

فيكون المتحصّل من هذه الفقرة: أنّ من كمال الجماعة أن تكون المسافة بين موقف الصفّ اللاحق و موقف الصف السابق مقداراً يمكن التخطّي معه، بحيث تمتلئ هذه الفرجة لدى السجود على نحو يتّصل مسجد اللاحق بموقف السابق بلا فصل، و لا شكّ أنّ هذه غاية التواصل الممكن مراعاته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة افتقار الصلاة إلى الركوع و السجود.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ موضوع الحكم في هذه الفقرة إنّما هو ملاحظة المسافة بين نفس الموقفين على ما تقتضيه كلمة الصفّ على ما عرفت.

ثم قال (عليه السلام) بعد ذلك أو قبله حسب اختلاف نسختي الفقيه و الكافي كما مرّ-: «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام». دلّت هذه الفقرة على نفي الجماعة و عدم انعقادها فيما إذا كان بين الإمام و بين القوم ما لا يتخطّى.

و هذا بظاهره يناقض ما تقدّم في الفقرة السابقة من أنّ ذلك من مستحبّات الجماعة و آدابها لا من شرائطها و مقوّماتها، فيعلم من ذلك أنّ النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة المسافة بين الإمام و مَن خلفه في جميع حالات الصلاة التي منها حال السجود، لا خصوص حالة الاصطفاف كي يختصّ بحال القيام كما كان كذلك في الفقرة السابقة، و قس عليه الحال في الفقرتين اللاحقتين، أعني قوله: «أيّ صفّ كان ...» إلخ، و قوله: «أيّما امرأة ...» إلخ.

و نتيجة ذلك ملاحظة الحدّ المزبور بين مسجد المأموم و موقف الإمام، أو بين مسجد الصف اللاحق و موقف الصف السابق، و أنّ البون بين هذين يجب أن لا يكون بمقدار لا يتخطّى.

و هذا كما ترى موضوع آخر غير الموضوع السابق الذي كان متضمّناً للحكم الاستحبابي. و ظاهر التحديد اعتبار ذلك في صحّة الجماعة، و لا موجب‌

161

..........

____________

لرفع اليد عنه لأجل كلمة «ينبغي» الواردة في الفقرة الأُخرى الناظرة إلى موضوع آخر أجنبي عن هذا الموضوع.

و الذي يكشف عمّا ذكرنا من أنّ النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة النسبة بين مسجد اللاحق و موقف السابق لا بين الموقفين أُمور:

أحدها: العلم الخارجي، فإنّ السيرة القطعية المطّردة بين المتشرّعة في إقامة الجماعات قائمة على الفصل بين موقف الصفّ اللاحق و موقف السابق بأكثر ممّا يتخطّى، و عدم اتّصال مسجد اللاحق بموقف السابق، سيما بعد ملاحظة الفاصل الموجود بين فرش المصلّين المقتضي للفصل بين الموقفين بأكثر ممّا يتخطّى.

فنستكشف من ذلك أنّ المدار في الحدّ المزبور على ملاحظته بين المسجد و الموقف، لا بين الموقفين.

الثاني: موثّقة عمّار «عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار و فيها نساء، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم، إن كان الإمام أسفل منهنّ، قلت: فانّ بينهنّ و بينه حائطاً أو طريقاً، فقال: لا بأس» (1).

فقد دلّت على نفي البأس عن وجود الطريق بين المأموم و الإمام، و معلوم أنّ الطريق يوجب الفصل بين الموقفين بأكثر ممّا يتخطّى، نعم لا إطلاق في الموثّق من حيث سعة الطريق كي ينافي هذه الصحيحة المتضمّنة للقدح فيما إذا كان الفصل بين المسجد و موقف السابق بأزيد ممّا يتخطّى، بل هو ناظر إلى أنّ الطريق في حدّ ذاته و من حيث هو طريق غير قادح في الصحّة. و على تقدير الإطلاق فيقيّد بالصحيحة جمعاً.

و على أيّ حال فالمستفاد من الموثّق عدم قدح الفصل بين الموقفين المتخلّل بينهما الطريق بأكثر ممّا يتخطّى.

الثالث: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: أقلّ‌

____________

(1) الوسائل 8: 409/ أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1.

162

[الرابع: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام في الموقف]

الرابع: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام في الموقف، فلو تقدّم في الابتداء أو الأثناء بطلت صلاته [1] إن بقي على نيّة الائتمام، و الأحوط تأخّره عنه، و إن كان الأقوى جواز [2] المساواة، و لا بأس بعد تقدّم الإمام في الموقف أو المساواة معه بزيادة المأموم على الإمام في ركوعه و سجوده لطول قامته و نحوه،

____________

ما يكون بينك و بين القبلة مربض (مربط) عنز، و أكثر ما يكون مربض فرس» (1) بناء على أنّ المراد بالقبلة هو إمام الجماعة دون الكعبة، و إلّا فبيننا و بينها مئات من الفراسخ.

فقد تضمّنت تحديد البعد بين المأموم و الإمام في وقوفهما و أنّ أقلّه مربض عنز، و هو المعادل لمسقط جسد الإنسان إذا سجد، و أكثره مربض فرس. و معلوم أنّ مربض الفرس غير قابل للتخطّي، نعم إذا كانت المسافة بين الموقفين بهذا المقدار فما بين مسجد المأموم و موقف الإمام قابل للتخطّي.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الصحيحة ظاهرة الدلالة سيما بملاحظة الشواهد المتقدّمة في لزوم مراعاة التحديد بين مسجد المأموم و موقف الإمام أو بين مسجد الصفّ اللاحق و موقف السابق، و أنّه يجب أن لا يكون بمقدار لا يتخطّى. فيجب الأخذ به، و لا موجب للحمل على الاستحباب و الفضل.

ثمّ إنّ المراد بما يتخطّى ما يكون قابلًا للتخطّي كما يقتضيه ظاهر اللفظ في المقام و أمثاله ممّا يشبه هذا التعبير دون الخطوة المتعارفة الخارجية، و هو حسبما جرّبناه يعادل المتر الواحد تقريباً، فلا مانع من الفصل بين المسجد و الموقف بهذا المقدار الذي هو أقصى مراتب القابلية، دون الزائد عليه.

نعم، الأحوط رعاية الخطوة المتعارفة، و قد عرفت أنّ الأفضل الأكمل‌

____________

[1] هذا إذا أخلّ بوظيفة المنفرد، و إلّا بطلت الجماعة فقط.

[2] هذا إذا كان المأموم واحداً كما سيأتي.

____________

(1) الوسائل 8: 410/ أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 3.

163

و إن كان الأحوط مراعاة عدم التقدّم في جميع الأحوال حتّى في الركوع و السجود و الجلوس، و المدار على الصدق العرفي (1).

____________

رعاية الاتّصال بين المسجد و الموقف من دون أيّ فصل بينهما.

(1) يقع الكلام تارة في جواز التقدّم على الإمام، و أُخرى في جواز المساواة معه، فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين من الخاصّة و العامّة في عدم جواز التقدّم، و يقتضيه مضافاً إلى التسالم و السيرة القطعية نفس مفهوم الإمامة، فإنّ المتبادر من هذا اللفظ أنّ من يؤتم به بارز من بين القوم، مقدّم عليهم، ليقتدى به و يتابع في حركاته و سكناته، و بذلك يصبح إماماً.

و يستفاد ذلك من جملة من الروايات التي منها ما ورد فيما إذا حدث للإمام حدث من أنّه يقدّم أحدهم (1)، و هذا ظاهر لا سترة عليه.

إنّما الكلام فيما ذكره الماتن تبعاً لغيره من الأصحاب من الحكم ببطلان الصلاة فيما إذا تقدّم على الإمام في الابتداء أو الأثناء مع البقاء على نيّة الائتمام فإنّ هذا على إطلاقه غير ظاهر.

و إنّما يتّجه فيما إذا تقدّم عامداً مع الإخلال بوظيفة المنفرد كما لو ترك القراءة حينئذ عمداً، أو تقدّم ساهياً مع الإتيان بما يوجب البطلان و لو سهواً كما لو زاد ركناً لأجل التبعيّة، فإنّ أصل الصلاة كنفس الجماعة باطلة في هاتين الصورتين، أمّا الثاني فلأجل التقدّم المانع عن انعقاد الجماعة، و أمّا الأوّل فللإخلال بوظيفة المنفرد بارتكاب ما يوجب البطلان عمداً كالصورة الأُولى أو و لو سهواً كما في الصورة الثانية، و هذا واضح.

و أمّا إذا تقدّم عامداً و لم يخلّ بشي‌ء من وظيفة المنفرد كما لو كان الاقتداء في‌

____________

(1) و قد تقدّم بعضها في ص 76 77.

164

..........

____________

الركعة الثالثة أو الرابعة و قد أتى بالقراءة، أو تقدّم ساهياً و لم يخلّ إلّا بالقراءة لاعتقاده صحّة الجماعة المقتضية لتركها، فلا مقتضي لبطلان الصلاة في شي‌ء من هاتين الصورتين.

أمّا الأخيرة فلحديث لا تعاد (1)، و أمّا ما قبلها فلعدم الموجب للبطلان عدا نيّة الائتمام، التي هي بمجرّدها غير ضائرة ما لم ترجع إلى التشريع. فغاية ما هناك بطلان الجماعة في الصورتين الأخيرتين، دون أصل الصلاة كما صرّح الشهيد (قدس سره) بذلك (2).

فما في المتن و غيره من إطلاق القول بالبطلان لم نعرف له وجهاً، و لعلّهم يريدون بذلك ما لو أخلّ بوظيفة المنفرد كما في الصورتين الأولتين.

و أمّا المقام الثاني: فالمشهور جواز المساواة كما في المتن، و خالف فيه صاحب الحدائق (3)، و هو الحق.

و يدلّنا على المنع مضافاً إلى اقتضاء مفهوم الإمامة، و إلى الأمر بالتقدّم في أخبار حدث الإمام كما مرّت الإشارة إليهما، و إلى ما ورد في كيفية صلاة العراة جماعة من تقدّم الإمام بركبتيه (4) الكاشف عن أنّ أصل التقدّم أمر مرتكز مفروغ عنه، روايات خاصّة.

عمدتها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «قال: الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (5) حيث تضمّنت الأمر بالقيام خلف الإمام فيما إذا كان المأموم أكثر من واحد، و ظاهر الأمر الوجوب، نعم تضمّن صدرها المساواة في المأموم‌

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) البيان: 234.

(3) الحدائق 11: 116.

(4) الوسائل 4: 450/ أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1.

(5) الوسائل 8: 341/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1.

165

..........

____________

الواحد، و هذا لا كلام لنا فيه، بل ستعرف (1) وجوب المساواة حينئذ فضلًا عن الجواز.

و أمّا روايته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين، قال: يتقدّمهما و لا يقوم بينهما ...» إلخ (2) فهي و إن كانت صريحة الدلالة لكنّها ضعيفة السند و إن عبّر عنها المحقّق الهمداني (قدس سره) بالصحيحة (3)، لضعف طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم (4). و كأنّه (قدس سره) اغترّ بجلالة محمد بن مسلم، و لم يمعن النظر في طريق الصدوق إليه.

و قد صدر نظير هذا الاشتباه من صاحب الحدائق (قدس سره) (5) مع كونه من مهرة الفن، فوصف الرواية التي أسندها الصدوق إلى محمّد بن مسلم بالصحّة غفلة عمّا في طريقه إليه من الضعف (6). و إنّما العصمة لأهلها.

و كيف ما كان، ففي صحيحته الاولى غنى و كفاية، هذا.

و قد حمل المشهور هذه الروايات على الاستحباب، و استشهدوا له بأُمور:

منها: الصحيحة الواردة في اختلاف المصلّيين في الإمامية و المأمومية التي تقدّمت سابقاً (7)، فإنّ فرض الاختلاف و التداعي لا يمكن إلّا بناءً على جواز المساواة.

و فيه أوّلًا: أنّ غاية ما يستفاد من الصحيحة جواز المساواة في المأموم الواحد، و لا نضايق من الالتزام بذلك كما أشرنا و سيأتي، و محلّ الكلام إنّما هو‌

____________

(1) في ص 167 168.

(2) الوسائل 8: 342/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 7.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 661 السطر 35.

(4) الفقيه 4 (المشيخة): 6.

(5) الحدائق 11: 91.

(6) يمكن أن يكون تصحيحه مع التفاته إلى ضعف الطريق مستنداً إلى بعض الوجوه التي ذكرها في المستدرك 23: 204/ 298 للتصحيح، و إن كانت بأجمعها مخدوشة.

(7) [لاحظ ص 66، فانّ المذكور سابقاً هو موثّقة السكوني].

166

..........

____________

في المأموم المتعدّد. فمورد الصحيحة أجنبي عن محلّ الكلام بالكلّية.

و ثانياً: أنّ فرض الاختلاف لا يتوقّف على جواز المساواة، لإمكان تصوير الفرض حتّى مع اشتراط التقدّم، كما لو لم يشاهد أحدهما الآخر لظلمة أو عمى و نحو ذلك. و كون هذا الفرض نادراً لا يقدح بعد أن كان أصل المسألة أعني الاختلاف و التداعي من الفروض النادرة التي قلّما تتّفق خارجاً كما أشرنا إليه سابقاً (1). فلا يتوجّه عليه أنّ ذلك من حمل المطلق على الفرد النادر.

و منها: مكاتبة الحميري المرويّة في قرب الإسناد (2) قال: «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رأسه و رجليه؟ و هل يجوز أن يتقدّم القبر و يصلّي و يجعله خلفه أم لا؟ فأجاب و قرأت التوقيع و منه نسخت: و أمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر، و أمّا الصلاة فإنّها خلفه و يجعله الأمام، و لا يجوز أن يصلّي بين يديه، لأنّ الإمام لا يُتقدّم و يصلّى عن يمينه و شماله» (3).

دلّت على أنّ الممنوع إنّما هو التقدّم على الإمام، دون الصلاة عن يمينه أو شماله. فلا بأس بالمساواة معه في الموقف.

نعم، روى الطبرسي مثله في الاحتجاج، إلّا أنّه قال: «و لا يجوز أن يصلى بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره، لأنّ الإمام لا يُتقدّم عليه و لا يساوىٰ» (4).

____________

(1) في ص 68.

(2) [لم نعثر عليه في المصدر المذكور].

(3) الوسائل 5: 160/ أبواب مكان المصلي ب 26 ح 1.

(4) الوسائل 5: 160/ أبواب مكان المصلّي ب 26 ح 2، الاحتجاج 2: 582.

167

..........

____________

لكن رواية الطبرسي مرسلة فلا يعتمد عليها. و العمدة إنّما هي الرواية الأُولى المعتبرة المتضمّنة لجواز التساوي.

و فيه أوّلًا: ما عرفت من أنّ غايتها الدلالة على الجواز في المأموم الواحد دون الأكثر الذي هو محلّ الكلام.

و ثانياً: أنّها أجنبية عن إمام الجماعة بالكلّية، فإنّ الإمام في قوله (عليه السلام): «و يجعله الأمام» بفتح الهمزة بمعنى القُدّام، لا بكسرها كي يراد به إمام الجماعة، إذ لا معنى لفرض القبر المطهّر إمام الجماعة كما لا يخفى.

و أمّا الإمام في قوله: «لأنّ الإمام لا يُتقدّم ...» إلخ فالمراد به المعصوم (عليه السلام)، و الحكم محمول على ضرب من الكراهة دون الحرمة، و إلّا فتجوز الصلاة قُدّام الإمام (عليه السلام) حال حياته فضلًا عن حال مماته (عليه السلام) كما أشرنا إليه في بحث المكان (1) فلاحظ.

و منها: رواية علي بن إبراهيم الهاشمي رفعه قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يصلّي بقوم و هو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط، و كلّهم عن يمينه و ليس على يساره أحد» (2).

و فيه: أنّها ضعيفة السند لأجل الرفع (3).

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ مقتضى الصناعة وجوب تأخّر المأموم عن الإمام و القيام خلفه، عملًا بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة المؤيّدة بالشواهد الأُخر كما مرّ، السليمة عما يوجب صرفها عن الوجوب.

هذا كلّه فيما إذا كان المأموم متعدّداً، و أمّا المأموم الواحد فإنّه يجب أن يقف‌

____________

(1) شرح العروة 13: 99.

(2) الوسائل 8: 342/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6.

(3) و أمّا علي بن إبراهيم الهاشمي نفسه فهو مشترك بين من هو من رجال موسى بن جعفر (عليه السلام) و لم يوثّق، و من هو في طبقة رجال الكليني، و هو المراد في المقام، و قد وثّقه النجاشي صريحاً [في رجاله: 262/ 687] و قد أشار (دام ظلّه) إلى الأوّل في المعجم 12: 233/ 7839، و إلى الثاني في 12: 210/ 7825.

168

..........

____________

عن يمين الإمام و بحذائه كما نطقت به الصحيحة المتقدّمة (1) و غيرها. و نتيجة ذلك هو التفصيل بين الواحد و الكثير كما اختاره في الحدائق (2).

نعم، يستثني من ذلك موارد:

منها: المأموم الواحد الذي يكون معرضاً لالتحاق غيره به.

و استدلّ له تارة: برواية محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصفّ وحده، فقال: لا بأس، إنّما يبدو واحد بعد واحد» (3). و لكنّها ضعيفة السند، لأنّ محمّد بن الفضيل مردّد بين ابن غزوان الثقة و بين الأزدي الضعيف، و كلاهما في طبقة واحدة، و من المعاريف، و لكلّ كتاب. فلا يترجّح أحدهما على الآخر.

نعم، ذكر الأردبيلي في جامع الرواة أنّ محمّد بن فضيل الأزدي هو محمّد بن القاسم بن فضيل الأزدي (4) الذي يروي عن الكناني كثيراً، و هو ثقة، و كثيراً ما ينسب الرجل إلى جدّه. و عليه فيكون الرجل موثّقاً على كلّ حال، سواء أ كان هو ابن غزوان أم الأزدي.

و لكن ما ذكره (قدس سره) مجرّد احتمال لا دليل عليه، بل إنّ انتساب الرجل إلى جدّه خلاف الظاهر، لا يصار إليه ما لم يثبت بدليل قاطع.

و بالجملة: فكلّ من الأمرين محتمل، و لا قرينة على التعيين، فدعوى الاتّحاد بلا برهان، فيبقى الترديد المزبور على حاله، و لأجله يحكم بضعف الرواية.

و أُخرى: برواية موسى بن بكر «أنّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصفّ وحده، قال: لا بأس، إنّما يبدو الصف واحد‌

____________

(1) في ص 164.

(2) الحدائق 11: 92، 116.

(3) الوسائل 8: 406/ أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 2.

(4) جامع الرواة 2: 183.

169

..........

____________

بعد واحد» (1). و هي أيضاً ضعيفة، لضعف طريق الصدوق (2) إلى موسى بن بكر (3).

لكن الذي يهوّن الخطب أن الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النصّ، لأنّ ما دلّ على أن المأموم الواحد يقف على جانب الإمام منصرف عن المقام قطعاً بعد أن كان معرضاً للانضمام و كان الالتحاق تدريجياً بطبيعة الحال. فإطلاق قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه (4) هو المحكّم.

و منها: ما إذا لم يجد مكاناً في الصفّ فدار الأمر بين أن يقف في صفّ مستقلا أو على جانب الإمام، فقد دلّ النصّ على أنّه يقف بحذاء الإمام، و هو صحيح سعيد الأعرج: «عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصفّ مقاماً، أ يقوم وحده حتّى يفرغ من صلاته؟ قال: نعم لا بأس، يقوم بحذاء الإمام» (5).

و منها: إمامة النساء، بناءً على جواز إمامتهنّ كما تقدّم (6)، فإنّها تقف في وسطهنّ كما دلّت عليه النصوص.

____________

(1) الوسائل 8: 406/ أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 4.

(2) [لعدم ذكره في مشيخة الفقيه].

(3) و لكن يمكن تصحيحه على ضوء بعض فوائده الرجالية (دام ظله) في أمثال المقام بأن يقال: إنّ طريق الشيخ إلى موسى بن بكر صحيح [كما في الفهرست: 162/ 705] و حيث إنّ في الطريق ابن الوليد، و للشيخ الصدوق طريق صحيح إلى جميع كتبه و رواياته كما يظهر من طريق الشيخ إليه [في الفهرست: 156/ 694] فلا جرم يكون طريق الصدوق إلى موسى بن بكر صحيحاً أيضاً.

فالأولى المناقشة في دلالتها بأنّها مطلقة من حيث الصفّ الأول و بقيّة الصفوف، فلو كان لدليل أنّ المأموم الواحد يقف على جانب الإمام إطلاق يشمل فرض كونه في معرض الانضمام فلا محالة تقع المعارضة بينهما بالعموم من وجه، و لكنّه لا إطلاق له كما أُفيد في المتن.

(4) راجع ص 50، الهامش رقم (3).

(5) الوسائل 8: 406/ أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 3.

(6) [تقدّم جواز إمامتها في صلاة الميت في شرح العروة 9: 210، و سيأتي جوازها في الفرائض في ص 350 و ما بعدها].

170

..........

____________

و منها: صلاة العراة جماعة، فانّ الإمام لا يتقدّم حينئذ إلّا بركبتيه للنصوص الدالّة عليه (1) الكاشفة عن جواز المساواة بينهم.

و ربما يستثني أيضاً إقامة جماعة أُخرى في المسجد بعد فراغ الجماعة الأُولى و قبل أن يتفرّقوا، استناداً إلى رواية أبي علي، قال: «كنّا عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فأتاه رجل فقال: جعلت فداك، صلّيت في المسجد الفجر فانصرف بعضنا و جلس بعض في التسبيح، فدخل علينا رجل المسجد فأذّن فمنعناه و دفعناه عن ذلك، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): أحسنت، ادفعه عن ذلك، امنعه أشدّ المنع، فقلت: فان دخلوا فأرادوا أن يصلّوا فيه جماعة؟ قال: يقومون في ناحية المسجد، و لا يبدو لهم إمام ...» إلخ (2).

دلّ صدرها على أنّ سقوط الأذان عزيمة لا رخصة كما تقدّم في محلّه (3). و محلّ الاستشهاد هو قوله (عليه السلام) في الذيل: «و لا يبدو لهم إمام» أي لا يبرز و لا يتقدّم.

لكن الرواية ضعيفة السند، فإنّ أبا علي الحرّاني لم يوثّق. على أنّ الصدوق رواها مع تبديل لفظة «يبدو» بلفظة «يبدر» بذكر الراء بدل الواو (4)، أي لا يسرع الإمام بل يمكث قليلًا كي تتفرّق الجماعة الأُولى، و عليه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه. و كيف ما كان، فلم يثبت هذا الاستثناء، و ليقتصر فيه على الموارد التي ذكرناها.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ ما قوّاه في الحدائق و أصرّ عليه من أنّه لا مخرج عمّا تقتضيه ظواهر النصوص من لزوم وقوف المأموم الواحد بحذاء الإمام، و الزائد عليه خلفه، هو الصحيح الحقيق بالقبول فيما عدا موارد‌

____________

(1) الوسائل 4: 450/ أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1.

(2) الوسائل 8: 415/ أبواب صلاة الجماعة ب 65 ح 2.

(3) شرح العروة 13: 300.

(4) لاحظ الفقيه 1: 266/ 1215.

171

..........

____________

الاستثناء التي أشرنا إليها.

و أمّا ما عن المشهور و ستأتي الإشارة إليه في المتن من عدّ ذلك من المستحبّات، و أنّه يستحبّ وقوف المأموم الواحد بجانب الإمام و الزائد خلفه فلم يظهر لنا وجهه قبال هاتيك النصوص المتقدّمة الظاهرة في الوجوب عدا الشهرة الفتوائية. و في التعويل عليها في رفع اليد عن تلك النصوص تأمّل ظاهر. فما ذكرناه لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

بقي التنبيه على أمرين: أ حدهما: بناءً على جواز المساواة في المأموم المتعدّد أو كان المأموم واحداً و وقف إلى جانب الإمام، فهل تجوز المساواة الحقيقية بينهما بأن يقفا على صعيد واحد بنسبة متساوية، أم يجب التأخّر على المأموم بشي‌ء ما و لو يسيراً؟

مقتضى إطلاق كلام الماتن و صريح جمع آخرين هو الأوّل، و ذهب بعضهم إلى الثاني، هذا. و ليس في الروايات تعرّض لذلك ليستدلّ به على شي‌ء من الطرفين، و إنّما الوارد فيها لفظ «حذاء الإمام» كما في صحيحة الأعرج أو «يمينه» كما في صحيحة ابن مسلم المتقدّمتين (1)، و مقتضى الإطلاق فيهما جواز المساواة الحقيقية، إذ لم يتقيّد بالتأخّر القليل.

و مع التشكيك في انعقاد الإطلاق من أجل أنّه (عليه السلام) لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة، بل النظر معطوف على أن لا يكون المأموم خلف الإمام فينتهي الأمر حينئذ إلى الأصل العملي من البراءة أو الاشتغال.

و قد عرفت غير مرّة (2) أنّ المرجع هو الأوّل، لعدم كون الجماعة مسقطاً لوجوب الصلاة ليرجع إلى الاشتغال بعد الشكّ في السقوط، و إنّما هي عدل للواجب التخييري. فيشكّ في أنّ الجامع الذي هو متعلّق التكليف هل لوحظ‌

____________

(1) في ص 169، 164.

(2) منها ما تقدّم في ص 148.

172

..........

____________

بين الفرادى و مطلق الجماعة، أم بينها و بين الجماعة المتقيّدة بعدم المساواة الحقيقية أو بالتأخّر القليل، و مقتضى الأصل البراءة عن هذا التقييد.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ مفهوم الإمامة بحسب الارتكاز العرفي يستدعي تقدّم الإمام (1) و لو في الجملة ليتابعه المأموم و يقتدي به كما أشرنا إليه فيما سبق (2). فان ثبت هذا فهو، و لأجله يحكم بلزوم التأخّر اليسير، و إلّا فالمرجع الإطلاق إن تمّ، و إلّا فالأصل المقتضي لعدم اللزوم كما عرفت.

الأمر الثاني: هل يعتبر التأخّر أو التساوي في جميع حالات الصلاة، أم يكفي مراعاة ذلك في الموقف فقط و إن زاد المأموم على الإمام في ركوعه أو سجوده لطول قامته أو لقصر قامة الإمام؟

الظاهر هو الثاني، لكون المدار على الصدق العرفي كما ذكره في المتن و الصدق العرفي حاصل بعد التأخّر في الموقف. و لا دليل على لزوم رعايته في جميع حالات الصلاة و أجزائها.

و على الجملة: لم يقم دليل على لزوم تأخّر جميع بدن المأموم عن جميع بدن الإمام، و إنّما الثابت لزوم الصلاة خلفه أو بحذائه، و العبرة في صدق هذا العنوان عرفاً مراعاته في الموقف فقط لا في جميع الأحوال، و إن كان الاحتياط لا ينبغي تركه.

ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) بعد أن فرغ عن الشرائط الأربعة من عدم الحائل و عدم علوّ موقف الإمام و عدم التباعد و عدم التقدّم، تعرّض لفروع كثيرة تتعلّق كلّها ما عدا اليسير منها بالشرط الأوّل، و كان من حقّها التعرّض لها عند انتهائه من ذاك الشرط، و قد أشرنا إلى بعضها هناك (3)، و نشير إلى الجميع حسب تعرّض الماتن و إن تضمّن نوعاً من الإعادة.

____________

(1) مفهوم الإمامة لا يقتضي إلّا المتابعة في الأفعال، و هي غير منوطة بالتقدّم في الموقف بالضرورة.

(2) في ص 163.

(3) في ص 144 و ما بعدها.

173

[مسائل]

[مسألة 1: لا بأس بالحائل القصير الذي لا يمنع من المشاهدة في أحوال الصلاة]

[1898] مسألة 1: لا بأس بالحائل القصير [1] الذي لا يمنع من المشاهدة في أحوال الصلاة و إن كان مانعاً منها حال السجود كمقدار الشبر بل أزيد أيضاً نعم إذا كان مانعاً حال الجلوس فيه إشكال لا يترك معه الاحتياط (1).

[مسألة 2: إذا كان الحائل ممّا يتحقّق معه المشاهدة حال الركوع لثقب في وسطه مثلًا]

[1899] مسألة 2: إذا كان الحائل ممّا يتحقّق معه المشاهدة حال الركوع لثقب في وسطه مثلًا، أو حال القيام لثقب في أعلاه، أو حال الهويّ إلى السجود لثقب في أسفله فالأحوط و الأقوى فيه عدم الجواز، بل و كذا لو كان في الجميع لصدق الحائل معه أيضاً (2).

____________

(1) قد أشرنا سابقاً (1) إلى أنّ لفظ الحائل غير مذكور في شي‌ء من النصوص، و إنّما المذكور لفظ السترة و الجدار، الذي هو من عطف الخاصّ على العام. فتمام الموضوع هو الستار، أي ما يكون ساتراً و مانعاً عن المشاهدة و لا ريب أنّ هذا إنّما يطلق فيما إذا كان المحلّ في طبعه قابلًا للرؤية و صالحاً للمشاهدة كما في حالات القيام أو الركوع أو الجلوس، دون مثل حال السجود أو الهويّ إليه، لامتناع المشاهدة حينئذ بطبيعة الحال، سواء أ كان هناك ساتر أم لا. فالقابلية مفقودة حينئذ في نفسها، و لا يستند عدم الرؤية إلى وجود الساتر.

و عليه فالساتر القصير إذا كان بمقدار شبر أو أكثر غير قادح ما لم يكن ساتراً حال الجلوس فضلًا عن بقيّة الحالات و إن كان ساتراً حال السجود لعدم استناد الستر إليه حينئذ كما عرفت. و قد تقدّم في ذيل الشرط الأوّل التفصيل بين ما يتخطّى و بين غيره فلاحظ (2).

(2) ما ذكره (قدس سره) من أنّ الأقوى عدم الجواز فيما إذا كان الحائل‌

____________

[1] مرّ آنفاً أنّ اعتبار عدم الحائل المانع عن المشاهدة مبني على الاحتياط، و أنّ المعتبر هو عدم الفصل بما لا يتخطّى من سترة أو جدار.

____________

(1) في ص 146.

(2) ص 144 145.

174

[1900] مسألة 3: إذا كان الحائل زجاجاً يحكي مَن وراءه فالأقوى [1] عدم جوازه، للصدق (1).

____________

مانعاً عن المشاهدة في بعض الحالات دون بعض لثقب في وسطه أو أعلاه أو أسفله هو الصحيح، لصدق الستار بعد إطلاق النصّ و عدم تقييده بجميع الحالات.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) من المنع حتّى إذا كان الثقب في الجميع معلّلًا بصدق الحائل معه فلا يمكن المساعدة عليه، لما عرفت (1) من أنّ موضوع الحكم ليس هو عنوان الحائل ليتمسّك بإطلاقه، بل عنوان الستار، و أنّ الجدار المعطوف عليه في النصّ من باب المثال، و أنّه من قبيل عطف الخاص على العام فلا خصوصية فيه.

و لا ريب أنّ الستار غير صادق بعد فرض وجود الثقب في جميع أطراف الحائل بحيث لا يمنع عن المشاهدة في شي‌ء من حالات الصلاة، فوجوده غير مانع بعد عدم كونه مشمولًا للنصّ.

و منه يظهر الحال فيما ذكره في المسألة الآتية من الحائل غير المانع عن المشاهدة و إن منع عن الاستطراق كما لو كان زجاجياً يحكي مَن وراءه، فانّ عنوان الحائل صادق (2) بمقتضى الإطلاق، لكنّه ليس موضوعاً للحكم كما عرفت آنفاً.

و منه يظهر الحال أيضاً في الشبّاك، الذي تعرّض إليه في المسألة الخامسة لعدم صدق السترة عليه و إن ضاق الثقب، فلا ضير في شي‌ء من ذلك.

(1) و قد عرفت منعه آنفاً.

____________

[1] فيه إشكال بل منع.

____________

(1) في ص 146، 173.

(2) [الموجود في الأصل: (فإنّ عنوان الساتر غير صادق ...)، و الصحيح ما أثبتناه].

175

[مسألة 4: لا بأس بالظلمة و الغبار و نحوهما]

[1901] مسألة 4: لا بأس بالظلمة و الغبار و نحوهما (1)، و لا تعدّ من الحائل و كذا النهر و الطريق إذا لم يكن فيهما بعدٌ ممنوع في الجماعة.

[مسألة 5: الشبّاك لا يعدّ من الحائل]

[1902] مسألة 5: الشبّاك لا يعدّ من الحائل، و إن كان الأحوط الاجتناب معه خصوصاً مع ضيق الثقب، بل المنع في هذه الصورة لا يخلو عن قوة، لصدق الحائل معه (2).

[مسألة 6: لا يقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض]

[1903] مسألة 6: لا يقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض (3) و إن كان أهل الصفّ المتقدّم الحائل لم يدخلوا في الصلاة إذا كانوا متهيّئين لها.

____________

(1) فانّ المنسبق من النصّ أنّ السترة مهما كانت فهي جسم خارجي فاصل بين الإمام و المأموم أو المأمومين أنفسهم، مانع عن الاستطراق و المشاهدة مثل الستار و الجدار و نحوهما. و من الواضح أنّ الظلمة ليست منها، بل و لا الغبار.

و أوضح حالًا العمى، فانّ عدم المشاهدة حينئذ لقصور في المقتضي لا لوجود المانع. و الحكم قطعي لا ارتياب فيه، بل لعلّه من الضروريات الغنيّة عن الاستدلال.

و أمّا النهر و الطريق فعدم كونهما من الحائل أظهر من أن يخفى. فلا مانع من وجودهما ما لم تبلغ سعتهما حدّ البعد القادح.

(2) قد عرفت أنّ هذا التعليل عليل و أنّ الاعتبار بصدق الستار، فهو المدار دون الحائل، و لا ينبغي الشكّ في عدم الصدق في شي‌ء من حالات الصلاة إلّا إذا ضاقت الثقوب بمثابة يشملها الصدق العرفي.

(3) أمّا عدم القدح بلحاظ أثناء الصلاة فهو من القطعيات، لضرورة صحّة انعقاد الجماعات المؤلّفة من الصفوف العديدة. و أمّا عدمه بلحاظ افتتاح الصلاة و ابتدائها فلأجل السيرة القطعية القائمة من المتشرّعة على دخول الصفّ اللاحق في الصلاة و إن لم يدخل الصف السابق، أو من هو واسطة الاتّصال بين المأموم و الإمام في الصفّ الأوّل بعد أن كانوا متهيّئين لها.

176

[مسألة 7: لا يقدح عدم مشاهدة بعض أهل الصفّ الأول أو أكثره للإمام]

[1904] مسألة 7: لا يقدح عدم مشاهدة بعض أهل الصفّ الأول أو أكثره للإمام إذا كان ذلك من جهة استطالة الصفّ، و لا أطولية الصفّ الثاني مثلًا من الأوّل (1).

[مسألة 8: لو كان الإمام في محراب داخل في جدار و نحوه لا يصحّ اقتداء من على اليمين أو اليسار]

[1905] مسألة 8: لو كان الإمام في محراب داخل في جدار و نحوه لا يصحّ اقتداء من على اليمين أو اليسار ممّن يحول الحائط بينه و بين الإمام (2)

____________

فمجرد التهيؤ كافٍ في صدق الاتّصال و الخروج عن عنوان الحائل و الستار و لا يناط ذلك بافتتاح الصفّ السابق أو من هو واسطة الاتّصال و دخولهم في الصلاة، و إلّا فلو توقّف الدخول على دخولهم و لوحظ الترتيب بين الصفوف في الافتتاح لأشكل الاقتداء في الجماعات الكبيرة جدّاً، لعدم سعة الوقت، مع أنّ الجماعات الكبيرة منعقدة خلفاً عن سلف.

و قد حكي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يصلّي بالناس في مسجد الكوفة الذي كان أكبر ممّا هو عليه الآن بكثير، و كان المسجد مليئاً من المأمومين البالغ عددهم ما يقرب من ثلاثين ألفاً، و كلّهم بمرأى منه (عليه السلام).

فلو توقّف افتتاح اللاحق على السابق أو من هو واسطة الاتصال لأشكل اقتداء الأكثر منهم، إذ لا يسع الزمان مراعاة هذا الشرط بالنسبة إلى الجميع فيعلم من ذلك أنّ مجرّد التهيؤ كافٍ في الصحّة. فلا مجال للترديد أو البناء على عدم الاكتفاء كما عن بعضهم.

(1) فانّ المدار على مشاهدة الإمام أو مشاهدة من هو واسطة الاتّصال بينه و بين الإمام، لما عرفت من أنّ الواسطة ليست من الحائل، فالاتّصال به و مشاهدته كافٍ في الصحّة، فلا تقدح استطالة الصفّ أو أطولية الصفّ الثاني من الأوّل و إن منعت عن مشاهدة الإمام بعد إمكان مشاهدة الواسطة.

(2) لا ريب في [عدم] صحّة اقتداء من يقف على يمين المحراب أو يساره ممّن‌

177

و يصحّ اقتداء من يكون مقابلًا للباب، لعدم الحائل بالنسبة إليه، بل و كذا من على جانبيه ممّن لا يرى الإمام لكن مع اتّصال الصفّ على الأقوى، و إن كان الأحوط العدم، و كذا الحال إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلًا للباب و وقف الصفّ من جانبيه، فإنّ الأقوى صحّة صلاة الجميع، و إن كان الأحوط العدم بالنسبة إلى الجانبين.

____________

يحول الحائط بينه و بين الإمام، كما لا ريب في الصحّة بالإضافة إلى من يقف بحيال الباب، لتحقّق الاتّصال و عدم الحائل بالنسبة إليه.

إنّما الكلام في من يقف على أحد جانبي الواقف بحيال الباب ممّن لا يرى الإمام لحيلولة الجدار بينه و بينه، فالمشهور صحّة اقتدائه أيضاً كما في المتن لتحقّق الاتّصال بينه و بين من يرى الإمام، فتكفي مشاهدة من هو واسطة الاتّصال، بل ادّعي عليه الإجماع في بعض الكلمات.

و ذهب بعضهم إلى البطلان، استناداً إلى ظاهر الاستثناء في صحيحة زرارة: «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة، إلّا من كان حيال الباب» إلخ (1) بناء على أنّ المستثنى منه هو الضمير المجرور في قوله: «لهم». فيكون حاصل المعنى أنّه مع وجود الستار لا تصحّ صلاة أحد إلّا من يقف بحيال باب المحراب، فالواقف على أحد جانبي هذا الشخص داخل في عقد المستثنى منه.

و الإنصاف: أنّ هذا هو الظاهر من الصحيحة في بادئ الأمر و بحسب الظهور البدوي، إلّا أنّ التأمّل فيها يقضي بأنّ هذا الظاهر غير مراد قطعاً و أنّ المستثنى منه بمناسبة الحكم و الموضوع هي الحالة و الكيفية المستفادة من سياق الكلام دون الضمير المجرور، و يتّضح هذا بعد ملاحظة أمرين:

الأوّل: أنّ مقتضى الاستثناء من الضمير تخصيص صحّة الصلاة بمن يقف‌

____________

(1) الوسائل 8: 407/ أبواب صلاة الجماعة ب 59 ح 1.

178

..........

____________

بحيال الباب فقط، و أنّ كلّ من عداه ممّن يقف على جانبيه أو خلفه من بقيّة الصفوف إلى الأخير منها فصلاتهم باطلة بأسرهم، لاندراج الكلّ في عقد المستثنى منه بعد تخصيص الخارج عنه بالواقف بحيال الباب.

و هذا كما ترى لا يمكن الالتزام به، و لن يلتزم به أحد حتّى هذا القائل، فإنّ الباقين صلاتهم صحيحة قطعاً بضرورة الفقه، لاتّصالهم بمن هو متّصل بالإمام.

الثاني: ملاحظة ذيل الصحيحة، قال (عليه السلام): «هذه المقاصير إنّما أحدثها الجبّارون، و ليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها صلاة»، و كأنّ هذه الفقرة بمثابة دفع ما ربما يستغربه السائل من حكمه (عليه السلام) أوّلًا ببطلان الصلاة إلّا من كان بحيال الباب، من أنّ المقصورة من مستحدثات الجبابرة و مبتدعاتهم حذراً عن الاغتيال كما اغتيل أمير المؤمنين (عليه السلام) في محرابه، و لم تكن معهودة في عصر النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و من بعده.

و كيف ما كان، فقد تضمّنت هذه الفقرة بطلان صلاة كلّ من يصلّي خلف المقصورة حتّى من يكون بحيال الباب بمقتضى الإطلاق، و لا يستقيم هذا إلّا في فرض انفصال الكلّ عن الإمام لوجود حائل على الباب أو انسداده.

فنستنتج من هذه الفقرة بضميمة العلم الخارجي الذي أشرنا إليه في الأمر الأوّل أنّ الصحيحة تضمّنت تقسيم المصلّين إلى حالتين و تنويعهم إلى كيفيّتين و أنّه في حالة الانفصال عن الإمام لوجود حائل بينه و بين الكلّ بطلت صلاة الجميع، و في حالة الاتّصال و لو مع الواسطة صحّت صلاة الجميع أيضاً.

فقوله (عليه السلام): «إلا من كان ...» إلخ استثناء عن حالة المصلّين من حيث الاتّصال و الانفصال، المستفاد من سياق الكلام بمناسبة الحكم و الموضوع، و أنّه لا صلاة مع وجود السترة في حال من الحالات إلّا في الحالة التي يتّصل معها بعض المأمومين و هو الواقف بحيال الباب مع الإمام، فتصحّ في هذه الحالة صلاة الجميع. فهي ناظرة إلى صحّة صلاة الكلّ تارة و بطلانها كذلك اخرى، دون التفكيك بين المصلّين كما هو مبنى الاستدلال.

179

[مسألة 9: لا يصحّ اقتداء مَن بين الأسطوانات مع وجود الحائل بينه و بين من تقدّمه]

[1906] مسألة 9: لا يصحّ اقتداء مَن بين الأسطوانات (1) مع وجود الحائل بينه و بين من تقدّمه إلّا إذا كان متّصلًا بمن لم تحل الأسطوانة بينهم، كما أنّه يصحّ إذا لم يتّصل بمن لا حائل له لكن لم يكن بينه و بين من تقدّمه حائل مانع.

[مسألة 10: لو تجدّد الحائل في الأثناء فالأقوى بطلان الجماعة و يصير منفردا]

[1907] مسألة 10: لو تجدّد الحائل في الأثناء فالأقوى بطلان الجماعة (2) و يصير منفردا.

____________

و هذا الذي استظهرناه من الصحيحة إن صحّ و تمّ فهو، و إلّا فغايته إجمال الصحيحة و سقوطها عن الاستدلال، فينتهي الأمر حينئذ إلى التمسّك بإطلاقات الجماعة القاضية بالصحّة، و إلّا فالأصل العملي الذي مقتضاه البراءة كما مرّ غير مرّة.

فالأقوى: ما عليه المشهور بل ادّعي عليه الإجماع من صحّة صلاة من على الجانبين ممّن لا يرى الإمام، لكفاية الاتّصال بمن يراه.

و منه يظهر الحال فيما إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلًا للباب و وقف الصفّ من جانبيه، فإنّه يحكم بصحّة صلاة الجميع حينئذ كما أشار إليه في المتن.

(1) لما عرفت من صحيحة زرارة المتضمّنة لبطلان الصلاة خلف المقاصير و لزوم الاتّصال بين المأموم و الإمام، أو بينه و بين من هو واسطة الاتّصال.

و عليه فيبطل اقتداء من بين الأسطوانات إذا كان هناك حائل بينه و بين من تقدّمه، لفقد الاتّصال حينئذ بينه و بين الإمام من جميع النواحي.

نعم، لو كان متّصلًا و لو من جانب واحد كما لو لم يكن حائل بينه و بين من تقدّمه، أو كان متّصلًا بمن لم تحل الأسطوانة بينهم صحّ اقتداؤه حينئذ. و لا خصوصية للاسطوانة في هذا الحكم، بل المدار على مطلق الستار كما هو ظاهر.

(2) لإطلاق النصّ الشامل لصورتي الابتداء و الأثناء. و دعوى الانصراف‌

180

[مسألة 11: لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلًا به لعمى أو نحوه لم تصحّ جماعة]

[1908] مسألة 11: لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلًا به لعمى أو نحوه لم تصحّ جماعة (1)، فإن التفت قبل أن يعمل ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفرداً، و إلّا بطلت [1].

____________

إلى الأُولى كما عن شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1) ممنوعة.

(1) لأنّ مانعية الحائل واقعية بمقتضى إطلاق الدليل، لا علمية. فلا إشكال في بطلان الجماعة، و أمّا الصلاة فظاهر عبارة الماتن (قدس سره) بطلانها أيضاً إذا التفت و قد أخلّ بوظيفة المنفرد، سواء أ كان الإخلال بارتكاب ما ينافي صلاة المنفرد عمداً كترك القراءة، أو و لو سهواً كزيادة الركن لأجل التبعية فإنّ إطلاق العبارة شامل لكلتا الصورتين، كما صرّح به بعضهم. فلو التفت حال الركوع إلى وجود الحائل و قد ترك القراءة بطلت صلاته.

و لم يظهر له وجه عدا إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة: «فليس تلك لهم بصلاة» (2). لكن حديث لا تعاد (3) حاكم عليه، كحكومته على سائر أدلّة الأجزاء و الشرائط الأوّلية، و موجب لتخصيص البطلان بما إذا كان الإخلال بالأركان، بناء على شمول الحديث لمطلق موارد العذر كما هو الصحيح على ما مرّ غير مرّة.

و بما أنّ ترك القراءة في المقام مستند إلى العذر، لتخيّل كونه مؤتمّاً، و ليست هي من الخمسة المستثناة فيشملها الحديث. و عليه فيحمل قوله (عليه السلام): «فليس تلك لهم بصلاة» على نفيها بعنوان الجماعة، أو على ما لو ارتكب ما ينافي حتّى سهواً.

____________

[1] هذا إذا أخلّ بما تبطل الصلاة بالإخلال به عمداً و سهواً.

____________

(1) كتاب الصلاة: 285 السطر 22.

(2) المتقدّم في ص 177.

(3) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

181

[مسألة 12: لا بأس بالحائل غير المستقر]

[1909] مسألة 12: لا بأس بالحائل غير المستقر كمرور شخص من إنسان أو حيوان أو غير ذلك، نعم إذا اتّصلت المارّة لا يجوز و إن كانوا غير مستقرّين لاستقرار المنع حينئذ (1).

____________

فالصحيح: أن يقال: إن كان محلّ التدارك باقياً كما لو التفت قبل الركوع أو حال القنوت و قد ترك القراءة رجع و تداركها و صحّت صلاته.

و إن لم يكن باقياً كما لو كان الالتفات بعد الدخول في الركوع فان كان ما أخلّ به من غير الأركان كالقراءة مضى و لا شي‌ء عليه، لحديث لا تعاد. و إن كان من الأركان كما لو زاد ركوعاً لأجل التبعية بطلت صلاته، لارتكاب ما يوجب البطلان عمداً و سهواً. فينبغي التفصيل على هذا النحو. و لا ينظر إليه المتن. فإطلاقه في غير محلّه.

(1) قد عرفت (1) أنّ لفظ الحائل غير مذكور في النصّ، و إنّما المذكور لفظ السترة، و عطف عليه الجدار من باب المثال، و أنّ المدار على مطلق ما صدق عليه لفظ الستار من خشبة أو حائط أو سترة و نحوها.

إلّا أنّ المنصرف منه بمقتضى الفهم العرفي أنّ الستار مهما كان فهو شي‌ء ثابت مستقر، فغير المستقرّ ينصرف النصّ عنه. و عليه فلا بأس بمرور شخص من إنسان أو حيوان أو غير ذلك أمام المأموم و إن حال بينه و بين الإمام أو الصفّ المتقدّم و لم يكن متّصلًا من أحد جانبيه.

نعم، فيما إذا كان المرور مستمرّاً كما لو اتّصلت المارّة بأن كانت المانعية مستقرّة و إن تجدّد ذات المانع فلا يبعد شمول النصّ له كما ذكره في المتن، إذ عدم الاستقرار حينئذ إنّما هو في ذات الساتر لا في وصف السترة، و النصّ غير قاصر الشمول لمثله كما لا يخفى.

____________

(1) في ص 146، 173.

182

[مسألة 13: لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء بنى على عدمه]

[1910] مسألة 13: لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء (1) بنى على عدمه و كذا لو شكّ قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه، و أمّا لو شكّ في وجوده و عدمه مع عدم سبق العدم فالظاهر عدم جواز الدخول [1] إلّا مع الاطمئنان بعدمه.

____________

(1) أمّا مع العلم بالحالة السابقة من وجود الحائل أو عدمه فلا إشكال في الأخذ بمقتضاها، عملًا بالاستصحاب في كلّ منهما. و أمّا مع الشكّ و عدم العلم بالحالة السابقة إمّا لأجل توارد الحالتين و الشكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر، أو للجهل بها رأساً فقد ذكر في المتن أنّ الظاهر عدم جواز الدخول، للزوم إحراز عدم المانع و لو بالأصل، و لا أصل يقتضيه، و أصالة عدم المانع ليس أصلًا برأسه ما لم يرجع إلى الاستصحاب، و المفروض عدم جريانه لأجل الجهل بالحالة السابقة، نعم لا بأس بالدخول مع الاطمئنان بالعدم، فإنّه حجّة عقلائية.

أقول: الظاهر جواز الدخول، لأصالة البراءة عن المانعية و إن لم يجر الاستصحاب، و تقريرها يتوقّف على أمرين:

أحدهما: ما أشرنا إليه مراراً من أنّ الجماعة ليست مسقطة لوجوب الصلاة ليرجع إلى الاشتغال لدى الشكّ في السقوط، و إنّما هي عدل للواجب التخييري، و متعلّق الوجوب إنّما هو الجامع بينها و بين الفرادىٰ. و عليه فمرجع الشكّ في اعتبار قيد في الجماعة إلى الشكّ في أنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى و مطلق الجماعة، أم بينها و بين الجماعة المتقيّدة بذاك القيد المشكوك فيه.

و بما أنّ اللحاظ على النحو الثاني يتضمّن كلفة زائدة يشكّ في تحقّقها زائداً على المقدار المعلوم فلا مانع من الرجوع في نفيها إلى أصالة البراءة، بناءً على ما‌

____________

[1] لا يبعد الجواز فيه.

183

..........

____________

هو الصحيح من الرجوع إليها في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، فانّ المقام من صغريات هذا الباب كما هو ظاهر.

الثاني: أنّ من المحرّر في الأُصول على ما حقّقناه عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة عند الدوران بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي بين موارد الشبهات الحكمية و الموضوعية (1)، فإنّ الأحكام مجعولة على سبيل القضايا الحقيقية المنحلّة إلى أحكام عديدة حسب تعدّد الموضوعات.

فاذا شكّ في لباس أنّه من الحرير أم من غيره بشبهة موضوعية فكما تجري أصالة البراءة عن الحرمة النفسية فيجوز لبسه، كذلك تجري البراءة عن تقيّد الصلاة بعدم الوقوع في هذا المشكوك، إذ بعد ما عرفت من الانحلال فتقيّد الصلاة بعدم الاقتران مع الأفراد المتيقّنة من الحرير معلوم، و أمّا التقييد بالعدم الذي تنتزع عنه المانعية بالإضافة إلى هذا الفرد المشكوك زائداً على الأفراد المعلومة فهو مشكوك من أوّل الأمر، فتجري البراءة عن هذا التقيّد على حدّ جريانها عن التكليف النفسي، فتجوز الصلاة فيه كما يجوز لبسه.

و على ضوء هذا البيان تجري البراءة في المقام و إن كانت الشبهة موضوعية فإنّ عدل الواجب التخييري أعني الجماعة مقيّد بعدم الاشتمال على الحائل. و حيث إنّ هذا الحكم كغيره من سائر الأحكام انحلالي فينحلّ إلى تقيّدات عديدة حسب أفراد الحائل، فكلّ فرد علم بحيلولته نعلم بثبوت التقيّد بالإضافة إليه، و أمّا الفرد المشكوك فيشكّ في أصل التقيّد بالنسبة إليه و مقتضى الأصل البراءة عنه.

فالأقوى جواز الدخول في الجماعة لدى الشكّ في تحقّق الحائل و إن لم يطمئن بعدمه، استناداً إلى البراءة، و إن لم يجر الاستصحاب، على خلاف ما أفاده الماتن (قدس سره).

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 325.

184

[مسألة 14: إذا كان الحائل ممّا لا يمنع عن المشاهدة حال القيام]

[1911] مسألة 14: إذا كان الحائل ممّا لا يمنع عن المشاهدة حال القيام و لكن يمنع عنها حال الركوع أو حال الجلوس، و المفروض زواله حال الركوع أو الجلوس، هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان [1]، و الأحوط كونه مانعاً من الأوّل، و كذا العكس، لصدق وجود الحائل بينه و بين الإمام (1).

____________

(1) لو كان هناك حائل مانع عن المشاهدة حال الركوع أو الجلوس غير مانع في حال القيام، و لكنّه يعلم بزوال الحائل عند تحقّق الركوع أو الجلوس أو كان الأمر بالعكس بأن يمنع حال القيام و لا يمنع حال الركوع أو الجلوس مع العلم بزواله عند تحقّق القيام، فهل يجوز الدخول في الصلاة و الحال هذه؟

و بعبارة اخرى: هل الاعتبار بفعلية المنع عن المشاهدة، أو يكفي المنع الشأني التقديري، بأن يكون بحيث لو ركع مثلًا لمنع عنها و إن لم يمنع فعلًا لدى تحقّق الركوع خارجاً لفرض زوال الحائل؟ ذكر في المتن أنّ فيه وجهين و أنّ الأحوط المنع.

أقول: بل لعلّه الأقوى، لصدق أنّ بينهما سترة أو جداراً، و قد تقدّم (1) أنّ المدار على الصدق و لو في بعض الأحوال، بمقتضى إطلاق النصّ، و لا يلزم أن يكون كذلك في تمام الحالات. و عليه فيصدق حال القيام أنّ بينهما سترة و لو بلحاظ حال الركوع، و هذا الصدق فعليّ حقيقيّ سواء أ بقي ذات الساتر حال الركوع الخارجي أم لا، فإنّ العبرة بفعلية الصدق لا بفعلية الستر، و لكن ذلك مشروط بما إذا كان الستر بفاصل لا يتخطّى، دون غيره كما تقدّم (2).

____________

[1] قد عرفت أنّ المعتبر إنّما هو عدم الفصل بما لا يتخطّى و لو كان ذلك في بعض أحوال الصلاة، و عليه فان كان بينهما فاصل كذلك كان مانعاً و إن أمكنت المشاهدة في بعض الأحوال، و أمّا إذا كان أصل وجود الفاصل بلحاظ الركوع أو السجود و المفروض أنّه يرتفع في تلك الحال فلا بأس به.

____________

(1) في ص 144، 173.

(2) في ص 144 145.

185

[مسألة 15: إذا تمّت صلاة الصفّ المتقدّم و كانوا جالسين في مكانهم]

[1912] مسألة 15: إذا تمّت صلاة الصفّ المتقدّم و كانوا جالسين في مكانهم أشكل بالنسبة إلى الصفّ المتأخّر، لكونهم حينئذ حائلين غير مصلّين، نعم إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل و دخلوا مع الإمام في صلاة أُخرى لا يبعد بقاء قدوة المتأخّرين (1).

____________

(1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة من حيث حيلولة الصفّ المتقدّم و أُخرى من ناحية البعد المتجدّد بين المأموم و الإمام أو من هو واسطة الاتّصال. و قد تعرض الماتن (قدس سره) لكلتا الناحيتين في ضمن مسألتين. فتعرّض هنا من الناحية الاولى، و في المسألة التاسعة عشرة الآتية من الناحية الثانية. و نحن نبحث هنا عن كلتا الناحيتين لما بينهما من المناسبة فنقول:

أمّا من الناحية الاولى: فلا ريب أن الصفّ المتقدّم بعد انتهائهم من الصلاة كما لو كانوا مقصّرين، أو عدولهم إلى الانفراد فهم يعدّون من الحائل بين الصفّ المتأخّر و بين الإمام أو من هو واسطة الاتّصال، لصدق عنوان السترة المذكور في النصّ عليهم.

و قد عرفت دلالة النصّ على أنّ المانع هو مطلق الستار، سواء أ كان جداراً أم غيره من إنسان أو حيوان و نحوهما، فيشمل الصفّ المتقدّم إلّا إذا كانوا مصلّين مؤتمّين فإنهم ليسوا بحائلين حينئذ كما مرّ (1). و أمّا إذا لم يكونوا مصلّين أو لم يكونوا مؤتمّين فلا إشكال في صدق الحائل عليهم، الموجب لبطلان جماعة الصفّ المتأخّر.

نعم، إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل و دخلوا مع الإمام في صلاة أُخرى قضائية أو أدائية كما لو كانوا مسافرين فقاموا إلى صلاة العصر مراعين في ذلك الفورية العرفية، فقد ذكر في المتن أنّه لا يبعد حينئذ بقاء قدوة المتأخّرين.

و الأمر كما ذكره (قدس سره)، إذ بعد الالتحاق المزبور يعدّون من قبيل‌

____________

(1) في ص 175.

186

..........

____________

الحائل غير المستقرّ كمرور شخص بين الإمام و المأموم الذي عرفت (1) انصراف النصّ عن الشمول لمثله، لكون المنسبق منه إلى الذهن ما إذا كان الحائل شيئاً ثابتاً مستقرّاً. فالمقتضي قاصر في نفسه عن الشمول لغير المستقر.

فإنّا إنما نتعدّى من النصّ المتضمّن للسترة و الجدار إلى كلّ ما له الاستقرار من مطلق الستار، دون ما لا استقرار له كما فيما نحن فيه. فالمتّجه هو الحكم ببقاء قدوة المتأخّرين، من غير حاجة إلى الاستصحاب.

و أمّا من الناحية الثانية: فتارة يفرض أنّ المقدار الذي يشغله الصفّ المتقدّم من البعد ليس ممّا لا يتخطّى، بل كان بمقدار مسقط جسد الإنسان إذا سجد الذي هو قابل للتخطّي كما سبق (2) فلا أثر لهذا البحث من هذه الجهة لصحّة جماعة المتأخّرين و إن لم يكن الصفّ المتقدّم موجوداً من أوّل الأمر فضلًا عن فراغهم أو انفرادهم، لما عرفت (3) من أنّ المدار في هذا البعد على ملاحظته بين مسجد الصفّ المتأخّر و موقف الإمام أو الصفّ المتقدّم، لا بين الموقفين.

و أُخرى يفرض أنّ البعد أكثر من ذلك أي كان بين الصفّ المتأخّر و الإمام ما لا يتخطّى، و حينئذ فمقتضى إطلاق صحيح زرارة (4) المتضمّن لقدح البعد بهذا المقدار الشامل لصورتي الحدوث و البقاء بطلان قدوة الصفّ المتأخّر، على ما تقدّم في الحائل (5) من عدم الفرق في المانعية بين تمام الصلاة و أبعاضها بمقتضى الإطلاق.

نعم، استثنى الماتن من ذلك ما إذا عاد المتقدّم إلى الجماعة بلا فصل، على‌

____________

(1) في ص 181.

(2) في ص 159 160.

(3) في ص 160.

(4) المتقدّم في ص 137.

(5) في ص 144.

187

[مسألة 16: الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه حائل لا يجوز معه الاقتداء]

[1913] مسألة 16: الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه حائل لا يجوز معه الاقتداء (1).

____________

حدّ استثنائه في المسألة من الناحية الأُولى كما سبق. فكأنّه (قدس سره) يرى اتّحاد الملاك في الاستثناء، و أنّ المسألتين من هذه الجهة ترتضعان من ثدي واحد.

و لكنّه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه، لاختلاف الملاك، فإنّا إنّما التزمنا بالاستثناء من الناحية الاولى من أجل قصور المقتضي، و اختصاص دليل المنع بالحائل المستقر، و عدم الدليل على التعدّي عنه إلى غير المستقر الذي ينصرف النصّ عنه.

و أمّا في المقام فلا قصور في الإطلاق، و ليس هنا مثل ذلك الانصراف، و لا فرق في البعد المانع بين ما كان كذلك من أوّل الصلاة أو تجدد في الأثناء كما صرح هو (قدس سره) به في المسألة الثامنة عشرة الآتية. كما لا فرق في ذلك بين قصر الزمان و طوله، كلّ ذلك لإطلاق النصّ بعد عدم الدليل على التخصيص بصورة دون اخرى كما لا يخفى.

فمجرّد حدوث البعد المزبور و إن قصرت مدّته يشمله النصّ، فتبطل القدوة و يصير المتأخّر منفرداً. و لا دليل على صحّة الاقتداء ثانياً. فقياس المسألة من هذه الناحية عليها من تلك الناحية قياس مع الفارق الواضح.

فالمتّجه بطلان اقتداء الصفّ المتأخّر من حيث حدوث البعد القادح بعد انفراد الصفّ المتقدّم أو انتهائهم، سواء أعادوا إلى الجماعة أم لا، و إن لم يبطل من حيث الحيلولة في هذه الصورة كما عرفت.

(1) لإطلاق النصّ بعد صدق السترة على الثوب و إن كان رقيقاً. و مجرّد رؤية الشبح غير مانع عن صدق السترة على الثوب بعد أن كان مانعاً عن مشاهدة العين.

188

[مسألة 17: إذا كان أهل الصفوف اللاحقة غير الصفّ الأوّل متفرّقين]

[1914] مسألة 17: إذا كان أهل الصفوف اللاحقة غير الصفّ الأوّل متفرّقين بأن كان بين بعضهم مع البعض فصل أزيد من الخطوة التي تملأ الفرج، فإن لم يكن قدّامهم من ليس بينهم و بينه البعد المانع و لم يكن إلى جانبهم أيضاً متّصلًا بهم من ليس بينه و بين من تقدّمه البعد المانع لم يصحّ اقتداؤهم و إلّا صحّ، و أمّا الصفّ الأوّل فلا بدّ فيه من عدم الفصل بين أهله، فمعه لا يصحّ اقتداء من بَعُد عن الإمام أو عن المأموم من طرف الإمام بالبعد المانع (1).

[مسألة 18: لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة]

[1915] مسألة 18: لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة (2) و صار منفرداً، و إن لم يلتفت و بقي على نيّة الاقتداء فان أتى بما ينافي صلاة المنفرد من زيادة ركوع مثلًا للمتابعة أو نحو ذلك بطلت صلاته، و إلّا صحّت.

____________

(1) بعد ما عرفت من اعتبار عدم البعد بين المأموم و الإمام أو من هو واسطة الاتّصال بأكثر ممّا يتخطّى، فهذا البعد إنّما يقدح فيما إذا تحقّق من جميع النواحي، و إلّا فالفصل من ناحية مع الوصل من ناحية أُخرى غير قادح اتّفاقاً، و لا يشمله النصّ قطعاً، فيكفي القرب و الاتّصال و لو من إحدى الجهات.

و عليه فيفرّق بين الصفّ الأوّل و بين الصفوف اللاحقة كما ذكره في المتن. ففي الصفّ الأوّل حيث لا يكون الاتّصال إلى الإمام إلّا من جانب واحد فيعتبر عدم الفصل بينهم بأكثر ممّا يتخطّى.

و أمّا في سائر الصفوف فكما يمكن الاتّصال من الأمام يمكن من أحد الجانبين من اليمين أو اليسار، و لأجله لم يقدح التفرّق بين أهله بأكثر من ذلك لو تحقّق الاتّصال من طرف الأمام، كما لا يقدح البعد من هذا الطرف لو تحقّق القرب من أحد الجانبين. و إنّما يقدح فيما إذا انفصل عن الإمام من جميع الأطراف أعني القدّام و اليمين و اليسار لما عرفت من كفاية الاتّصال من إحدى الجهات.

(2) لإطلاق دليل المانعية، المقتضي لعدم الفرق بين الحدوث و البقاء‌

189

[مسألة 19: إذا انتهت صلاة الصف المتقدّم من جهة كونهم مقصّرين أو عدلوا إلى الانفراد]

[1916] مسألة 19: إذا انتهت صلاة الصف المتقدّم من جهة كونهم مقصّرين أو عدلوا إلى الانفراد فالأقوى بطلان اقتداء المتأخر للبعد، إلّا إذا عاد المتقدم إلى الجماعة بلا فصل (1)، كما أنّ الأمر كذلك من جهة الحيلولة أيضاً على ما مرّ.

[مسألة 20: الفصل لعدم دخول الصفّ المتقدّم في الصلاة لا يضر]

[1917] مسألة 20: الفصل لعدم دخول الصفّ المتقدّم في الصلاة لا يضر (2) بعد كونهم متهيئين للجماعة، فيجوز لأهل الصفّ المتأخّر الإحرام قبل إحرام المتقدّم، و إن كان الأحوط خلافه، كما أنّ الأمر كذلك من حيث الحيلولة على ما سبق.

[مسألة 21: إذا علم بطلان صلاة الصفّ المتقدّم تبطل جماعة المتأخّر من جهة الفصل]

[1918] مسألة 21: إذا علم بطلان صلاة الصفّ المتقدّم تبطل جماعة المتأخّر من جهة الفصل أو الحيلولة و إن كانوا غير ملتفتين للبطلان (3).

____________

و حيث إنّ المانعية واقعية بظاهر الدليل لم يفرّق في ذلك بين صورتي الالتفات و عدمه.

و عليه فلو بقي على نيّة الاقتداء جهلًا منه بتجدّد البعد فان أتى بما ينافي صلاة المنفرد و لو سهواً كزيادة الركوع لأجل المتابعة بطلت صلاته أيضاً، و إلّا بأن لم يأت بالمنافي أصلًا أو أتى بما لا ينافي إلّا عمداً كترك القراءة صحّت صلاته حينئذ، لحديث لا تعاد كما مرّت الإشارة إليه في المسألة الحادية عشرة فلاحظ.

(1) قدّمنا البحث حول هذه المسألة في ذيل المسألة الخامسة عشرة فلاحظ.

(2) فيكفي مجرّد التهيؤ، و لا يقدح عدم دخول الصفّ المتقدّم أو من هو واسطة الاتّصال في الصفّ الأوّل أو الثاني إذا كان أطول، لا من حيث الفصل و لا من حيث الحيلولة كما سبق وجهه في المسألة السادسة فلاحظ.

(3) لا إشكال في البطلان مع العلم بالفساد، إذ الصلاة الفاسدة في حكم‌

190

نعم مع الجهل بحالهم تحمل على الصحّة و لا يضرّ، كما لا يضرّ فصلهم إذا كانت صلاتهم صحيحة بحسب تقليدهم و إن كانت باطلة بحسب تقليد الصفّ المتأخّر.

____________

العدم، فيكون الصفّ المتقدّم أو واسطة الاتّصال بمنزلة من لا يصلّي، فهو فاصل، كما أنّه حائل، فيوجب بطلان جماعة المتأخّر من كلتا الناحيتين. و ما تقدّم (1) من عدم قدح حيلولة الصفّ المتقدّم و لا الفصل بهم مختصّ بما إذا كانوا مصلّين، لا من يأتي بصورة الصلاة التي ليست هي من حقيقتها في شي‌ء كما هو ظاهر.

كما لا إشكال في الصحّة مع الجهل بالفساد، حملًا لفعلهم على الصحيح و للسيرة القائمة على عدم التحقيق، فترتّب عليه آثار الصحّة التي منها عدم كونه فاصلًا و لا حائلًا.

إنّما الكلام فيما إذا اختلفا في الصحّة و الفساد اجتهاداً أو تقليداً، فكانت صلاتهم صحيحة بنظرهم فاسدة بنظر الصفّ المتأخّر، سيما فيما يعود إلى الأركان كما لو توضّأ المتقدّم جبيرة و المتأخّر يرى اجتهاداً أو تقليداً أنّه من موارد التيمم، أو بالعكس، فهل العبرة حينئذ بنظرهم أو بنظر الصفّ المتأخّر؟

الأقوى هو الأوّل كما اختاره في المتن، فلا يضرّ فصلهم و لا حيلولتهم.

أمّا أوّلًا: فلقصور المقتضي في دليل المنع و انصرافه عن مثل المقام، فلا بعدَ مع صحّة الصلاة بنظر المصلّي و كون المجموع جماعة واحدة متّصلة بعضها ببعض، فليس ذلك من الفصل بغير المصلّي. كما أنّه لا يعدّ من الحائل بعد كونها صلاة صحيحة و لو بنظره كما لا يخفى. فاطلاقات الجماعة غير قاصرة الشمول للمقام، و مع التنزل فتكفينا أصالة البراءة عن التقيّد بالعدم، التي مرّ تقريرها غير مرّة في نظائر المقام (2).

____________

(1) في ص 175.

(2) منها ما تقدّم في ص 182.

191

[مسألة 22: لا يضرّ الفصل بالصبيّ المميّز ما لم يعلم بطلان صلاته]

[1919] مسألة 22: لا يضرّ الفصل بالصبيّ المميّز ما لم يعلم بطلان صلاته (1).

____________

و أمّا ثانياً: فللسيرة القطعية القائمة على الجواز بمجرّد احتمال الصحّة الواقعية، المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام)، بل قد كانت الجماعات تنعقد خلف مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) مع القطع ببطلان صلاة الكثير منهم لفقدهم شرط الولاية الدخيل في الصحّة قطعاً، بل هي من أعظم الشرائط. مضافاً إلى عدم رعايتهم للأجزاء و الشرائط و الموانع المقرّرة عند الخاصّة، لتلقّيهم الأحكام عن أسلافهم من خلفاء الجور و متابعتهم لهم، و مع ذلك كان تابعوه (عليه السلام) من الخاصّة يصلّون بصلاتهم، و لم يعهد عن أحدهم تقيّده باشغال الصفوف المتقدّمة كما لا يخفى. فيعلم من ذلك أنّ مجرّد صحّة الصلاة بنظر الصفّ المتقدّم كافٍ في صحّة قدوة المتأخّرين و إن كانت باطلة بنظرهم.

نعم، لو كانت باطلة حتّى في نظر المتقدّم كما لو صلّى تاركاً لجزء أو شرط يوجب البطلان مطلقاً و كان غافلًا أو ناسياً بحيث لو التفت لاعترف بالبطلان لم تصحّ قدوة المتأخّر، لعدم كونه حينئذ مصلّياً حتّى في اعتقاده، بل هي صورة الصلاة. فيفرّق بين ما إذا اعتقد الصحّة و ما إذا لم يعتقد، و لا يقاس أحدهما بالآخر.

(1) هذا بناء على شرعية عباداته كما هو الصحيح، فلا يضرّ فصله لا من حيث البعد و لا الحائل. و أمّا بناء على التمرينية فيشكل، لأنّها حينئذ صورة صلاة و ليست من حقيقتها في شي‌ء، ففصله يخلّ من كلتا الناحيتين (1).

و ربما يستدلّ لعدم القدح حتّى بناء على التمرينية بخبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه «أنّ علياً (عليه السلام) قال: الصبيّ عن يمين الرجل في الصلاة‌

____________

(1) الإخلال من ناحية البعد غير واضح، لعدم إشغال الصبيّ الواحد مقدار ما لا يتخطّى كما لا يخفى.

192

[مسألة 23: إذا شكّ في حدوث البعد في الأثناء بنى على عدمه]

[1920] مسألة 23: إذا شكّ في حدوث البعد في الأثناء بنى على عدمه (1) و إن شكّ في تحقّقه من الأوّل وجب إحراز عدمه [1] إلّا أن يكون مسبوقاً بالقرب، كما إذا كان قريباً من الإمام الذي يريد أن يأتمّ به فشكّ في أنّه تقدّم عن مكانه أم لا.

____________

إذا ضبط الصفّ جماعة ...» إلخ (1). لكن السند ضعيف جدّاً و إن تمّت الدلالة فإنّ أبا البختري في غاية الضعف، بل قيل: إنّه أكذب البرية. فالمتّجه هو التفصيل بين الشرعية و التمرينية كما ذكرنا.

(1) أمّا إذا كانت الحالة السابقة هي البعد أو عدم البعد فلا إشكال في الاستصحاب في كلّ منهما فيعمل بمقتضاه. و أمّا إذا لم تعلم الحالة السابقة، و شكّ في تحقّقه من الأوّل فقد ذكر في المتن أنّه يجب إحراز عدمه.

أقول: لزوم الإحراز و عدمه في المقام يبتني على أنّ اعتبار عدم البعد هل هو ملحوظ على نحو الشرطية، أم على سبيل المانعية؟ فعلى الأوّل كما ربما يستظهر من صدر الصحيحة «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة ...» إلخ (2) حيث تضمّن اعتبار التواصل، يتّجه حينئذ ما ذكره (قدس سره) من لزوم إحراز الاتّصال، فانّ الشرط ممّا يجب إحرازه في مقام الامتثال عملًا بقاعدة الاشتغال.

لكن الاستظهار في غير محلّه، لما عرفت فيما سبق (3) من أنّ الحكم المذكور في الصدر استحبابي، و هو حكم آخر مغاير للحكم الإلزامي المستفاد من الذيل الذي هو مدرك المسألة.

و العمدة قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «إن صلّى قوم و بينهم و بين الإمام‌

____________

[1] على الأحوط.

____________

(1) الوسائل 8: 341/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 2.

(2) الوسائل 8: 410/ أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 1.

(3) في ص 159 160.

193

[مسألة 24: إذا تقدّم المأموم على الإمام في أثناء الصلاة سهواً أو جهلًا]

[1921] مسألة 24: إذا تقدّم المأموم على الإمام في أثناء الصلاة سهواً أو جهلًا أو اضطراراً صار منفرداً (1)، و لا يجوز له تجديد الاقتداء، نعم لو عاد بلا فصلٍ لا يبعد بقاء قدوته [1].

____________

ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام» (1)، و هو ظاهر في اعتبار المانعية للبعد كما لا يخفى.

و عليه فمع الشكّ يرجع إلى أصالة البراءة عن المانعية و إن لم يجر الاستصحاب، بناءً على ما مرّ غير مرّة من أنّ المرجع في أمثال المقام هي البراءة و إن كانت الشبهة موضوعية، لكون المانعية انحلالية، فتقيّد الجماعة بعدم وقوعها مع هذه المسافة التي يشكّ في بلوغها ما لا يتخطّى زائداً على المقدار المتيقّن بلوغه ذاك الحدّ مشكوك من أوّل الأمر، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. و عليه فما في المتن من اعتبار الإحراز مبنيّ على الاحتياط.

(1) لأنّ شرطية التأخّر أو التساوي واقعية بظاهر النصّ، فتثبت في جميع الحالات من السهو أو الجهل أو الاضطرار و نحوها، فتبطل الجماعة بالإخلال بها لا محالة. و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين فقد الشرط من الأوّل أم الأثناء، فلو تقدّم في الأثناء سهواً أو لعذر آخر بطل الاقتداء.

و هل يتدارك الشرط حينئذ بالعود بلا فصل؟ لم يستبعده في المتن قياساً على ما سبق منه في الحائل و في البعد.

لكنّه كما ترى بعيد جدّاً، و القياس مع الفارق كما أشرنا إليه في البعد (2)، فإنّا إنّما التزمنا بمثله في الحائل من أجل أنّ العود بلا فصل يعدّ من الحائل غير المستقر الذي ينصرف عنه النصّ، فالمقتضي للمنع قاصر الشمول لمثله في حدّ نفسه.

____________

[1] بل هو بعيد.

____________

(1) الوسائل 8: 410/ أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2.

(2) في ص 186 187.

194

[مسألة 25: يجوز على الأقوى الجماعة بالاستدارة حول الكعبة]

[1922] مسألة 25: يجوز على الأقوى الجماعة بالاستدارة [1] حول الكعبة (1) و الأحوط عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة، و أحوط منه عدم أقربيته مع ذلك إلى الكعبة، و أحوط من ذلك تقدّم الإمام بحسب الدائرة و أقربيّته من ذلك إلى الكعبة.

____________

و أمّا في المقام و كذا في البعد كما سبق فلا قصور في إطلاق دليل اشتراط التأخّر أو التساوي عن الشمول لجميع آنات الصلاة، و ليس هنا مثل ذاك الانصراف بالضرورة. فالتقدّم و لو آناً ما إخلال بالشرط موجب لبطلان الجماعة، لفقد المشروط بفقد شرطه، فينفرد لا محالة. و لا دليل على العود بعد الانفراد و إن كان بلا فصل، إذ لا فرق بين قصر الزمان و طوله في هذا الحكم بمقتضى الإطلاق. فليس الملاك في التقدّم و لا البعد متّحداً معه في الحائل كما هو ظاهر.

(1) كما ذهب إليه جماعة، بل حكي عليه الإجماع. و ذهب جمع آخرون إلى المنع، و لعلّه المشهور، و هو الأقوى، فإنّ النصوص خالية عن التعرّض لذلك بالخصوص نفياً و إثباتاً، فنبقى نحن و مقتضى الإطلاقات الدالّة على لزوم تأخّر المأموم عن الإمام و لا أقلّ من التساوي، التي لا قصور في شمولها للمقام.

و من الواضح أنّ الجماعة استدارة تستوجب تقدّم المأموم على الإمام، بل وقوفه قباله و قدّامه عند استكمال الدائرة، فلم يقف خلفه و لا بحذائه الذي هو الشرط في الصحّة، و لأجله يحكم بالبطلان، لسلامة المطلقات عمّا يصلح للتقييد عدا توهّم قيام السيرة العملية الممضاة عندهم (عليهم السلام) بعدم الردع، التي هي مستند القول بالجواز.

و فيه: أنّ مثل هذه السيرة لا أثر لها، و لا تكاد تغني شيئاً، فإنّ المباشر لها هم أبناء العامّة فقط، إذ لم نجد و لم نسمع تصدّي الخاصّة لذلك في دور من‌

____________

[1] في القوّة إشكال، بل منع.

195

..........

____________

الأدوار لا قديماً و لا حديثاً حتّى في عهد المعصومين (عليهم السلام)، و لم ينقل عنهم و لا عن شيعتهم إقامة الجماعة حول الكعبة مستديرة فضلًا عن استقرار سيرتهم عليها. فهي مختصة بأهل الخلاف فحسب.

و الردع عن هذه السيرة و إن لم يثبت عنهم (عليهم السلام) إلّا أنّ عدم الردع بمجرّده لا ينفع ما لم يكشف عن الرضا، فإنّ العبرة بالإمضاء المستكشف من عدم الردع لا به نفسه بالضرورة. و من الجائز أن يكون عدمه مبنياً على التقيّة كما هو المعلوم من حالهم في تلك الأعصار اتّجاه حكام الجور، فلا يكشف عن الرضا.

نعم، ثبت الردع عن بعض فعالهم ممّا قامت عليه سيرتهم كما في التكتّف و نحوه، لكنّه خاصّ بما هو محلّ للابتلاء كالمثال، إذ لو لم يردع لتوهّم الإمضاء فصلّى الشيعي في داره مثلًا متكتّفاً، و هذا بخلاف المقام، لما عرفت من أنّ إقامة الجماعة حول الكعبة تختصّ بهم، و ليست مورداً لابتلاء الخاصّة.

و أمّا اقتداؤهم بهم أحياناً في المسجد الحرام فهو أيضاً مبني على التقيّة و ليس من حقيقة الجماعة في شي‌ء، و لذا قلنا في محلّه أنّ المقتدي بهم يقرأ في نفسه، فهو منفرد حقيقة و إن كان على صورة الجماعة (1).

و على الجملة: فلم تثبت في المقام سيرة يعتمد عليها بحيث تصلح لرفع اليد عمّا تقتضيه المطلقات من لزوم تقدّم الإمام على المأموم أو تساويه، و لأجله كان الأقوى هو البطلان كما عرفت.

ثمّ إنّه على تقدير القول بالجواز فهل يعتبر عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة أم بلحاظ البنية الشريفة؟

و توضيحه: أنّ الكعبة الشريفة بما أنّها مربّعة مستطيلة، فإذا فرضنا نقطة في وسطها حاصلة من تقاطع خطّين موهومين من كلّ زاوية إلى ما يقابلها و جعلنا هذه النقطة مركزاً لدائرة موهمة حول الكعبة المشرّفة، فخطوط هذه‌

____________

(1) شرح العروة 1: 271.

196

..........

____________

الدائرة بالإضافة إلى الكعبة ليست متساوية، بل ما يحاذي منها الزوايا أقرب ممّا يحاذي الأضلاع بطبيعة الحال، لفرض كون الكعبة على شكل المربّع. فالخط المقابل للضلع أبعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة.

و حينئذ فاذا فرضنا وقوف الإمام على رأس الخط المقابل لوسط الضلع أو في داخل الدائرة قريباً من الخط، و وقوف المأموم حذاء الزاوية خارجاً عن الخطّ بمقدار نصف متر مثلًا، فهو متأخّر عن الإمام بالقياس إلى خطوط الدائرة الوهميّة متقدّم عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة، لكونه أقرب من الإمام بالقياس إليها حسبما عرفت. و لو انعكس الموقف انعكس الحكم كما هو ظاهر.

و عليه فهل المدار في مراعاة التقدّم و التأخّر ملاحظتهما بالنسبة إلى الدائرة أم بالقياس إلى نفس الكعبة. فعلى الأوّل تصحّ جماعة المأموم في الفرض المزبور، لكونه متأخّراً عن الإمام بلحاظ الدائرة. و على الثاني تبطل، لكونه متقدّماً عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة.

ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الأحوط مراعاة كلا الأمرين، فيقف المأموم موقفاً لا يتقدّم على الإمام بحسب الدائرة، و لا يكون أقرب منه إلى الكعبة.

و ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح، لما عرفت من أنّ الجواز على القول به لم يكن مستفاداً من دليل لفظي ليتمسّك بإطلاقه، و إنّما استفيد من السيرة العملية التي هي دليل لبّي، فلا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن منها في الخروج عن مقتضى الإطلاقات المانعة عن التقدّم على الإمام، و المتيقّن منها ما إذا لم يتقدّم بلحاظ كلا الأمرين و إن كان متقدّماً حسب الخطوط العرضية فيقيّد الإطلاق بهذا المقدار، و يتمسّك به فيما عداه لسلامته حينئذ عن التقييد كما لا يخفى.

ثمّ إنّ ما ذكره في المتن من الاحتياط الأخير أعني تقدّم الإمام بحسب الأمرين لا مجرّد عدم تقدّم المأموم مبنيّ على الاحتياط في عدم مساواتهما في الموقف و تقدّم الإمام عليه كما لعلّه ظاهر. و اللّٰه سبحانه أعلم.

197

[فصل في أحكام الجماعة]

فصل في أحكام الجماعة

[مسألة 1: الأحوط ترك المأموم القراءة في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية]

[1923] مسألة 1: الأحوط ترك المأموم القراءة في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية إذا كان فيهما مع الإمام، و إن كان الأقوى الجواز مع الكراهة [1] (1).

____________

(1) اختلف الأصحاب في جواز القراءة خلف الإمام في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية بعد الاتّفاق منهم على سقوط وجوبها و ضمان الإمام، فذهب جماعة كثيرون إلى الحرمة، و اختار جمع آخرون الجواز على كراهة.

و ليعلم أنّ محلّ الكلام الإتيان بالقراءة بقصد الجزئيّة على حدّ إتيانها في بقيّة الصلوات، و أمّا الإتيان لا بعنوان القراءة الصلاتية بل بقصد القرآن و الذكر لمكان اشتمالها على التحميد و الدعاء و الذكر و الثناء فلا ينبغي الإشكال في جوازه، لانصراف نحو قوله (عليه السلام): «يكله إلى الإمام» الوارد في النصوص (1) عن مثل ذلك، بل هو ناظر إلى القراءة الصلاتية كما هو ظاهر.

و كيف ما كان، فمنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام، فمقتضى جملة منها المنع، و هي على طوائف:

منها: ما تضمّن المنع عن القراءة خلف الإمام مطلقاً كصحيحة زرارة و محمّد‌

____________

[1] فيه إشكال بل منع. و محلّ الكلام هو الإتيان بها بقصد الجزئيّة.

____________

(1) [كما في صحيحة سليمان بن خالد الآتية في ص 200].

198

..........

____________

ابن مسلم، قالا «قال أبو جعفر (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة» (1).

دلّت على بطلان الصلاة و أنّ وجودها كالعدم، فلو اكتفى بها و لم يتداركها بعث على غير الفطرة، لكونه في حكم تارك الصلاة فيما لو اقتصر عليها. كما يكشف عمّا ذكرناه من التقييد بالاقتصار قوله (عليه السلام): «فمات»، إذ لا يحتمل أن تكون القراءة خلفه بمجرّدها من المحرّمات الذاتية. فالحرمة تشريعية محضة، و هي مساوقة للبطلان.

و كيف ما كان، فقد دلّت بالإطلاق على المنع عن القراءة خلف الإمام خرجنا عن ذلك في الأوّلتين من الجهرية إذا لم يسمع قراءة الإمام و لا همهمته بمقتضى النصوص الدالّة على الجواز (2) فتبقى الإخفاتية تحت إطلاق المنع.

و نحوها صحيحة يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة خلف من أرتضي به أقرأ خلفه؟ قال: من رضيت به فلا تقرأ خلفه» (3).

و منها: ما تضمّن المنع إلّا في الجهرية بنحو القرينة المتّصلة دون المنفصلة كما في السابقة كصحيحة الحلبي: «إذا صلّيت خلف إمام تأتمّ به فلا تقرأ خلفه، سمعت قراءته أم لم تسمع، إلّا أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة و لم تسمع فاقرأ» (4). و هذه أظهر من الطائفة السابقة في المنع، لمكان اتّصال القرينة الموجب لاختصاص الظهور بالإخفاتية كالحجّية.

و منها: ما تضمّن المنع في خصوص محلّ الكلام صريحاً أعني الأوّلتين من الإخفاتية كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «عن الصلاة خلف الإمام أقرأ‌

____________

(1) الوسائل 8: 356/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 4.

(2) الآتية في ص 205 و ما بعدها.

(3) الوسائل 8: 359/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 14.

(4) الوسائل 8: 355/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 1.

199

..........

____________

خلفه؟ فقال: أمّا الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل إليه، فلا تقرأ خلفه» (1). دلّت على اختصاص الجعل بالإمام، فلم تكن القراءة مجعولة على المأموم، فالإتيان بها بعنوان الجزئية كما هو محلّ الكلام تشريع محرّم.

و ربما يستدلّ أيضاً بما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن سنان يعني عبد اللّٰه الحسن بإسناده عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ و كان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأوّلتين» (2).

و قد عبّر عنها في الحدائق (3) و غيره بالصحيحة. لكن السند بهذا النحو المذكور في الوسائل الطبعة الجديدة غير خال عن الخدش، فانّ عبد اللّٰه الحسن لا وجود له في كتب الرجال، بل الموجود إمّا عبد اللّٰه بن سنان بن طريف الثقة، أو محمد بن الحسن بن سنان الضعيف، الذي هو محمد بن سنان المعروف، ينسب إلى جدّه، حيث توفي أبوه الحسن و هو طفل، و كفله جدّه سنان فنسب إليه. فابن سنان بعنوان عبد اللّٰه الحسن لا واقع له. على أنّ إسناده إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) غير معلوم فيلحق بالمرسل، هذا.

و لكن السند المزبور خطأ، و النسخة مغلوطة. و الصواب كما في الطبعة القديمة من الوسائل هكذا: يعني عبد اللّٰه، بدون زيادة كلمة (الحسن) و لا كلمة (بإسناده)، فتصبح الرواية صحيحة السند، لكونها عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام). و قد أوردها في التهذيب و كذا في موضع آخر من الوسائل (4) هكذا: عن صفوان عن ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

و قد دلّت هذه الروايات بطوائفها الثلاث على المنع عموماً أو خصوصاً كما‌

____________

(1) الوسائل 8: 356/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5.

(2) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 9، التهذيب 3: 35/ 124.

(3) الحدائق 11: 129.

(4) الوسائل 6: 126/ أبواب القراءة في الصلاة ب 51 ح 12.

200

..........

____________

عرفت، و مع ذلك فقد ذهب جمع منهم الماتن إلى الجواز مع الكراهة، نظراً إلى معارضتها بروايات اخرى دلّت على الجواز، الموجبة لحمل النهي في الروايات المتقدّمة على الكراهة جمعاً، و هي روايات ثلاث:

الأُولى: صحيحة سليمان بن خالد التي قيل بظهورها في نفسها في الكراهة قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أ يقرأ الرجل في الأُولى و العصر خلف الإمام و هو لا يعلم أنّه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ، يكله إلى الإمام» (1).

فانّ موردها الإخفاتية، بقرينة ذكر الاولى و العصر و كذا قوله: «و هو لا يعلم»، إذ ليس المراد عدم العلم بأصل قراءة الإمام، كيف و هو لا يجامع الوثوق بدينه المعتبر في صحّة الائتمام، مع منافاته لقوله (عليه السلام): «يكله إلى الإمام»، لظهوره في المفروغية عن قراءته و لذا أوكله إليه، و إلّا فلا معنى للإيكال مع الشكّ في الامتثال كما هو ظاهر. فالقراءة مفروضة لا محالة و لو من أجل الحمل على الصحّة.

بل المراد عدم العلم الفعلي من طريق السماع لأجل كون الصلاة إخفاتية فإنّ البعيد عن الإمام حينئذ بمقدار مترين مثلًا لا يسمع قراءته غالباً، فقوله: «لا يعلم» بمعنى لا يسمع.

و كيف ما كان، فقد حكم (عليه السلام) بأنّه لا ينبغي له أن يقرأ، و هذا التعبير ظاهر في الجواز مع الكراهة.

أقول: مبنى الاستدلال على ظهور كلمة «لا ينبغي» في الكراهة، و هو في حيّز المنع، فانّ لفظ «ينبغي» و إن كان ظاهراً في الرجحان و الاستحباب لكن كلمة «لا ينبغي» غير ظاهرة في الكراهة، فإنّها و إن كانت كذلك في الاصطلاح الحادث بين المتأخّرين لكنّها في لسان الأخبار ظاهرة فيما هي عليه من المعنى‌

____________

(1) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 8.