موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
201

..........

____________

اللغوي، أي لا يتيسّر و لا يجوز، المساوق للمنع و عدم الإمكان، و منه قوله تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ (1) أي يمتنع و لا يتيسّر لها ذلك.

و عليه فالصحيحة ظاهرة في التحريم، و ملحقة بالروايات السابقة الدالّة على المنع، لا أنّها معارضة لها.

و مع التنزّل فلا أقلّ من عدم ظهورها في الكراهة، بل في الجامع بينها و بين الحرمة، و حيث لا قرينة في المقام على التعيين فيحكم عليها بالإجمال، فتسقط عن الاستدلال.

الثانية: رواية البصري عن جعفر بن محمد (عليه السلام): «أنّه سأل عن القراءة خلف الإمام، فقال: إذا كنت خلف الإمام تولّاه و تثق به فإنّه يجزيك قراءته، و إن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه ...» إلخ (2).

و فيه: أنّها ضعيفة السند جدّاً، لاشتماله على جمع من الضعفاء و المجاهيل و إن تمّت دلالتها. فهي ساقطة، و لا تصل النوبة إلى الجمع الدلالي كي يحمل النهي في تلك الأخبار الصحيحة على الكراهة.

و دعوى الانجبار بعمل المشهور ممنوعة صغرى و كبرى كما مرّ مراراً. مضافاً إلى عدم تحقّق الشهرة في المقام بنحو يكون القول الآخر شاذاً، فإنّ القائلين بالحرمة أيضاً كثيرون، و المسألة ذات قولين، و ليست شهرة في البين كي يدّعى الانجبار بها.

الثالثة: و هي العمدة صحيحة [الحسن بن] علي بن يقطين عن أخيه عن أبيه في حديث قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللّتين يصمت فيهما الإمام أ يقرأ فيهما بالحمد و هو إمام يقتدى به؟ فقال: إن قرأت‌

____________

(1) يس 36: 40.

(2) الوسائل 8: 359/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 15.

202

..........

____________

فلا بأس، و إن سكتّ فلا بأس» (1). و في بعض النسخ: «إن قرأ فلا بأس، و إن سكت فلا بأس».

و تقريب الاستدلال يتوقّف على مقدّمات:

الاولى: أنّ المراد بالصمت ليس هو السكوت، إذ ليس في الصلوات ركعة يسكت فيها الإمام. و حمله على السكوت عن القراءة كما عن الوافي (2) بعيد جدّاً كما لا يخفى، بل المراد هو الإخفات، فإنّه أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة. فقوله: «يصمت» بمثابة قوله: يخفت، لما بينهما من المشاكلة و المشابهة.

الثانية: أنّ المراد من الركعتين هما الأُوليان من الإخفاتية دون الأخيرتين فإنّ الجهر و الإخفات إنّما يطلقان بلحاظ القراءة التي موطنها الركعتان الأُوليان غالباً.

الثالثة: أنّ الصحيحة ناظرة إلى السؤال عن وظيفة المأموم، و أنّه هل يقرأ الحمد خلف إمام يقتدى به في الركعتين الأوّلتين من الإخفاتية، فأجاب (عليه السلام) بالتخيير، و أنّه إن قرأ فلا بأس و إن سكت فلا بأس، أو إن قرأت فلا بأس و إن سكت فلا بأس. فينتج بعد ضمّ المقدّمات جواز القراءة في الأوّلتين من الإخفاتية.

أقول: أمّا المقدّمة الأُولى فحقّ لا مساغ لإنكارها كما عرفت.

و أمّا الثانية فغير واضحة، بل لعلّ الصحيحة ظاهرة في الأخيرتين، إذ لو أُريد الأُوليان و المفروض أنّ الصلاة إخفاتية لم يكن وجه لتخصيص الخفت بهما، لكون ركعاتها حينئذ إخفاتية بأجمعها، فلا يحسن التعبير بالركعتين اللتين يصمت فيهما.

بل كان الأولى أن يعبّر هكذا: عن الركعتين من الصلاة التي يصمت فيها. و إنّما يحسن تخصيص الخفت بالركعتين و إسناده إليهما فيما لو أُريد بهما‌

____________

(1) الوسائل 8: 358/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 13.

(2) الوافي 8: 1204 ذيل ح 8055.

203

و يستحبّ مع الترك أن يشتغل بالتسبيح و التحميد و الصلاة على محمد و آله (1).

____________

الأخيرتان المحكومتان بالإخفات في كافة الصلوات.

و بالجملة: فالركعتان ظاهرتان في الأخيرتين، و لا أقلّ من احتمال ذلك الموجب لإجمال الصحيحة، فتسقط عن الاستدلال.

و أمّا الثالثة فغير واضحة أيضاً، بل من الجائز كما ربما يساعده السياق أن يكون السؤال عن وظيفة الإمام، و أنّه هل يقرأ فيهما بالحمد و الحال إنّه إمام يقتدى به. فكأنّ السائل تخيّل أنّ التصدّي للإمامة يستدعي القراءة حتّى في الأخيرتين، فأجاب (عليه السلام) بأنّه إن قرأ فلا بأس، و إن سكت فلا بأس.

و المراد هو السكوت الإضافي، لامتناع الحقيقي، فكما أنّ الصمت المذكور في الصدر يحمل على الخفت مجازاً بعد تعذّر الحقيقي كما مرّ فكذا السكوت هنا يحمل على الإضافي، لما ذكر.

و ما استظهرناه إن صحّ و تمّ فهو، و إلّا فلا أقلّ من احتماله و عدم الظهور في الخلاف، فغايته الإجمال فلا تصلح للاستدلال.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ القول بالحرمة لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط، عملًا بالروايات الصحيحة المانعة السليمة عمّا يعارضها حسبما عرفت.

(1) لصحيحة بكر بن محمد الأزدي: «إنّي أكره للمرء أن يصلّي خلف الإمام صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار، قال قلت: جعلت فداك فيصنع ماذا؟ قال: يسبّح» (1). و قد رويت بطرق ثلاثة (2) كلّها صحيحة، و في بعضها:

____________

(1) الوسائل 8: 360/ أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 1.

(2) الفقيه 1: 256/ 1161، التهذيب 3: 276/ 806، قرب الإسناد: 37/ 120.

204

و أمّا في الأُوليين من الجهرية (1) فإن سمع صوت الإمام و لو همهمة وجب عليه ترك القراءة،

____________

للرجل المؤمن (1) بدل قوله: للمرء.

و لا يخفى أنّ قوله: «فيصنع ماذا» يكشف عمّا ذكرناه آنفاً و قوّيناه من حرمة القراءة و مغروسيتها في ذهن السائل، و لذا سأل عن أنّه ماذا يصنع، و إلّا فلو كانت القراءة جائزة كانت الوظيفة الاستحبابية معلومة من غير حاجة إلى السؤال، كما أنّ اقتصار الإمام على التسبيح في الجواب شاهد آخر عليه.

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل يصلّي خلف إمام يقتدي به في الظهر و العصر يقرأ؟ قال: لا، و لكن يسبّح و يحمد ربّه و يصلّي على نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله)» (2).

و صحيحة سالم أبي خديجة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين، و على الذين خلفك أن يقولوا: سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر» (3). فإنّ أبا خديجة ثقة على الأصحّ، و تضعيف الشيخ (4) له مبنيّ على أمر غير صحيح كما نبهنا عليه في محلّه (5). و باقي رجال السند كلّهم موثّقون. فالرواية محكومة بالصحّة كما عبّرنا نعم هي مطلقة تشمل الجهريّة كالإخفاتيّة، و لا مانع من الأخذ بالعموم كما ستعرف.

(1) يقع الكلام تارة فيما إذا سمع قراءة الإمام و لو همهمة، و أُخرى فيما إذا‌

____________

(1) [و هو ما رواه في قرب الإسناد كما في الوسائل. لكنّ الموجود في نسخة قرب الإسناد هو: إني لأكره للمؤمن].

(2) الوسائل 8: 361/ أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 3.

(3) الوسائل 8: 362/ أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 6.

(4) الفهرست: 79: 327.

(5) معجم رجال الحديث 9: 24/ 4966.

205

..........

____________

لم يسمع، فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال كما لا خلاف من أحد في مرجوحيّة القراءة حينئذ، و لعلّ المشهور أو الأشهر جوازها مع الكراهة. و ذهب جمع من الأصحاب من القدماء و المتأخّرين إلى الحرمة.

و الكلام يقع أوّلًا في المقتضي للمنع، و أُخرى في المانع عنه المعارض له.

أمّا المقتضي: فقد وردت روايات كثيرة معتبرة تضمّنت النهي عن القراءة إمّا عموماً كصحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدّمة، قالا «قال أبو جعفر (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة» (1).

أو في خصوص الجهرية كصحيحة زرارة: «إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأوّلتين، و أنصت لقراءته، و لا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين، فإنّ اللّٰه عزّ و جل يقول للمؤمنين وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ يعني في الفريضة خلف الإمام فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فالأخيرتان تبع للأوّلتين» (2).

و صحيحة قتيبة: «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، و إن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ» (3).

و صحيحة علي بن جعفر: «عن الرجل يكون خلف الإمام يجهر بالقراءة و هو يقتدي به، هل له أن يقرأ من خلفه؟ قال: لا، و لكن لينصت للقرآن» (4). و نحوها غيرها و هي كثيرة كما لا يخفى على من لاحظها.

و أمّا المانع: فقد استدلّ بأُمور تمنع من الأخذ بظواهر النصوص المتقدّمة و تصلح قرينة لصرف النهي الوارد فيها إلى الكراهة.

____________

(1) الوسائل 8: 356/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 4.

(2) الوسائل 8: 355/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 3.

(3) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7.

(4) الوسائل 8: 359/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 16.

206

..........

____________

منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدّمة آنفاً، فقد قيل: إنّها تتضمّن قرينتين تشهدان بذلك:

إحداهما: اقتران النهي عن القراءة في الأُوليين بالنهي عنها في الأخيرتين حيث قال (عليه السلام) فيها: «و لا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين»، و من الواضح أنّ النهي في الأخيرتين تنزيهي، فكذا في الأُوليين، لاتحاد السياق.

و فيه أوّلًا: ما ذكرناه في الأُصول (1) من أنّ الوجوب و الحرمة و كذا الاستحباب و الكراهة ليسا من مداليل الألفاظ، و إنّما يستفادان من حكومة العقل بمناط وجوب الطاعة، فإنّ صيغة الأمر لا تدلّ إلّا على إبراز اعتبار الشي‌ء و جعله في ذمّة المكلف، كما أنّ النهي لا يدلّ إلّا على اعتبار محروميته عنه. فان لم يقترن بالترخيص في الترك أو في الفعل انتزع منه الوجوب أو الحرمة بحكم العقل عملًا بوظيفة العبودية و خروجاً عن عهدة الطاعة، و إن اقترن بالترخيص في أحدهما انتزع منه الاستحباب أو الكراهة، من دون أن تكون الصيغة بنفسها مستعملة في شي‌ء من ذلك.

و حيث قد ثبت الترخيص من الخارج بالإضافة إلى الأخيرتين، و لم يثبت في الأوّلتين التزمنا بالكراهة في الأوّل و بالحرمة في الثاني، من دون أن يستلزم ذلك تفكيكاً في ظاهر اللفظ كي يتنافى مع اتحاد السياق.

و ثانياً: سلّمنا استفادتهما من اللفظ و دلالة الصيغة بنفسها عليهما لكن الصحيحة تضمّنت حكمين لموضوعين في جملتين مستقلّتين، غاية الأمر أنّهما اجتمعا في كلام واحد، فأيّ مانع من إرادة الحرمة في إحداهما و الكراهة في الأُخرى بعد تغاير الجملتين موضوعاً و حكماً. و مجرّد الاجتماع في كلام واحد لا يستوجب الاتّحاد في الحكم. و حديث السياق لو سلّم فمورده ما إذا كان هناك حكم واحد لموضوعين في جملة واحدة مثل قوله: اغتسل للجمعة و الجنابة، كما لا يخفى.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 130 132، [و قد ذكر ذلك في صيغة الأمر فقط].

207

..........

____________

و ثالثاً: لا نسلّم كون النهي عن القراءة تنزيهياً في الأخيرتين، بل الظاهر أنّه تحريمي، لعدم الدليل على جواز القراءة في الأخيرتين بالإضافة إلى المأموم في الصلوات الجهرية التي هي مورد الصحيحة. و من هنا ذكرنا في بحث القراءة (1) و سيجي‌ء قريباً إن شاء اللّٰه تعالى (2) أنّ الأحوط وجوباً اختياره التسبيح، إذ لم يثبت التخيير بينه و بين القراءة في الأخيرتين إلّا في المنفرد أو المأموم في الصلوات الإخفاتية.

و عليه فلا مانع من الأخذ بظاهر النهي الوارد في الصحيحة في كلتا الفقرتين و الحكم بالحرمة في الأوّلتين و الأخيرتين معاً.

ثانيتهما: تعليل النهي عن القراءة بالإنصات، و حيث إنّه مستحبّ إجماعاً إلّا من ابن حمزة (3) كان النهي للكراهة لا محالة، لامتناع أن يكون الحكم الاستحبابي علّة لحكم إلزامي.

و ربما يؤيّد الاستحباب باستفادته من نفس الآية الكريمة، قال تعالى وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (4) فانّ تعريض النفس للرحمة غير واجب، و إن وجب تعريضها للغفران و دفع العذاب.

أقول: ظاهر الأمر بالإنصات في الآية المباركة المفسّرة بالفريضة خلف الإمام في الصحيحة المتقدّمة هو الوجوب. و الإجماع المدعى ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) البتة، فلا يصلح لرفع اليد به عن ظاهر الأمر.

و لا ينافي ذلك استحباب التسبيح في النفس المأمور به في بعض النصوص إمّا لعدم المنافاة بين الإنصات و الإصغاء و بين التسبيح الخفيّ، بناءً على ما يظهر‌

____________

(1) شرح العروة 14: 477، 480.

(2) في ص 218 219.

(3) الوسيلة: 106.

(4) الأعراف 7: 204.

208

..........

____________

من بعض اللغويين من أنّ الإنصات ليس هو السكوت المطلق، بل بمعنى عدم الجهر، و لذا لو اشتغل بعض المستمعين بالذكر الخفيّ و الخطيب على المنبر لا يصادم ذلك مع الإنصات و الاستماع كما لا يخفى، أو على تقدير التنافي فغايته الالتزام بالتخصيص و استثناء التسبيح.

و أمّا الاستشهاد للاستحباب بقوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بدعوى عدم وجوب تعريض النفس للرحمة و إن وجب تعريضها لدفع العذاب. ففيه: أنّه لا واسطة بين الأمرين إمّا العذاب أو الرحمة، و أنّ تعريض النفس للرحمة مساوق لتعريضها لدفع العذاب، و أحدهما عين الآخر.

كما يكشف عن عدم الواسطة و أنّه إمّا عذاب أو جنّة جملة وافرة من الآيات الكريمة، قال تعالى وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ يُطِيعُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّٰهُ ... إلخ (1)، دلّت على اختصاص الرحمة بالمؤمنين المطيعين للّٰه و رسوله. فغير المؤمن و هم الكفار أو المنافقون معذّبون.

و قال تعالى قُلْ إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (2)، دلّت على أنّ المشمول للرحمة هو الذي يصرف عنه العذاب. فهو إمّا معذّب أو مشمول للرحمة مصروف عنه العذاب، و لا ثالث.

و قال تعالى وَ قِهِمُ السَّيِّئٰاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئٰاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ... إلخ (3)، دلّت على أنّ المرحوم هو المصون عن السيئات. فهو إما مسي‌ء ففي الجحيم، أو مرحوم ففي النعيم.

و قال تعالى يَوْمَ لٰا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لٰا هُمْ يُنْصَرُونَ. إِلّٰا مَنْ رَحِمَ اللّٰهُ ...

____________

(1) التوبة 9: 71.

(2) الأنعام 6: 15 16.

(3) المؤمن 40: 9.

209

..........

____________

إلخ (1)، دلّت على عدم النصر يوم الفصل إلّا لمن رحمه اللّٰه. فغير المرحوم غير منصور في ذلك اليوم، فهو معذّب لا محالة.

و هذه الجملة أعني لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الواردة في آية الإنصات قد وردت في غير واحد من الآيات، و لا يحتمل فيها الاستحباب.

قال تعالى وَ اتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ. وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (2)، فإنّ الرحمة مترتّبة على إطاعة اللّٰه و رسوله باختيار الإسلام و الفرار عن النار التي أُعدّت للكافرين، و وجوبه واضح.

و قال تعالى وَ هٰذٰا كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ مُبٰارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (3)، ترتّبت الرحمة على التقوى و متابعة القرآن، الواجب على كلّ أحد.

و قد ذكرنا في تفسير سورة الفاتحة حول قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ ... إلخ (4) أنّه تعالى قسّم المكلّفين إلى ثلاثة أقسام، و لا رابع. فمنهم من يمشي في صراط مستقيم و هم الذين أنعم اللّٰه عليهم، و غيرهم إمّا معاند و هو المغضوب عليه، أو غير معاند و هو الضال (5).

و على الجملة: فليست في قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ دلالة على الاستحباب ليرفع اليد به عن ظهور الأمر بالإنصات في الوجوب. و قد عرفت أنّ الإجماع المدّعى على استحبابه ليس تعبّدياً ليعتمد عليه.

و دعوى السيرة المستمرّة على الترك كما قيل غير ثابتة.

فالأقوى وجوب الإنصات خلف الإمام، عملًا بظاهر الأمر في الآية‌

____________

(1) الدخان 44: 41 42.

(2) آل عمران 3: 131 132.

(3) الانعام 6: 155.

(4) الفاتحة 1: 6.

(5) البيان: 492.

210

..........

____________

المباركة، السليم عمّا يوجب صرفه إلى الاستحباب.

و ممّا يؤكّد الوجوب قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «و أمّا الصلاة التي يجهر فيها فإنّما أُمر بالجهر لينصت من خلفه، فان سمعت فأنصت ...» إلخ (1)، فانّ تعليل وجوب الجهر على الإمام بإنصات من خلفه يكشف عن وجوب الإنصات لا محالة، و إلّا فكيف يكون الحكم الاستحبابي علّة لحكم إلزامي.

و عليه فليس في تعليل النهي عن القراءة بالإنصات في صحيحة زرارة المتقدّمة قرينة على الكراهة، لتوقّفها على استحباب الإنصات، و قد عرفت أنّ الأقوى وجوبه. فتركها عزيمة لا رخصة.

و قد يجاب عن هذه القرينة بأنّ تطبيق الآية في الصحيحة المتقدّمة يمكن أن يكون بلحاظ الأمر بالإنصات، لا بلحاظ النهي عن القراءة، فالتعليل راجع إلى الأوّل دون الثاني كي يدلّ على الكراهة.

و فيه: أنّ هذا بعيد جدّاً، فانّ توسّط قوله (عليه السلام): «و لا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين» بين قوله: «فانّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول ...» إلخ، و بين قوله: «و أنصت لقراءته» مانع عن رجوع التعليل إلى الأمر بالإنصات كما لا يخفى.

بل الظاهر أنّ التعليل راجع إلى الجملة المتّصلة به، أعني قوله (عليه السلام): «و لا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين» بقرينة فاء التفريع في قوله (عليه السلام): في آخر الصحيحة: «فالأخيرتان تبع للأوّلتين»، و يكون حاصل المعنى: أنّ القراءة ممنوعة في الأخيرتين، لأنّ الإنصات واجب في الأوّلتين بمقتضى الآية المباركة، الملازم لترك القراءة فيهما، فكذا تترك في الأخيرتين لأنّهما تابعتان للأولتين في هذا الحكم.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ هذه الصحيحة لا تصلح للقرينية ليصرف النهي الوارد فيها و في غيرها عن القراءة إلى الكراهة.

____________

(1) الوسائل 8: 356/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5.

211

..........

____________

و منها: أي من القرائن موثّقة سماعة: «عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته و لا يفقهون ما يقول، فقال: إذا سمع صوته فهو يجزيه، و إذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه» (1)، فانّ التعبير بالإجزاء يكشف عن جواز القراءة، غير أنّ السماع يجزي عنها.

و فيه: أنّ الإجزاء لا يدلّ إلّا على جواز السماع بالمعنى الأعمّ و الاكتفاء به عن القراءة، و أمّا أنّها مكروهة أو محرّمة و أنّ تركها بنحو الرخصة أو العزيمة فلا دلالة فيه على ذلك بوجه.

بل يمكن أن يقال بدلالة الموثّقة على أنّ الترك بنحو العزيمة و أنّ القراءة ليست بجائزة، بقرينة المقابلة بين هذه الفقرة و بين قوله (عليه السلام): «و إذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه»، فإنّ القراءة لدى عدم السماع جائزة لا واجبة نصاً و فتوى كما ستعرف، و مقتضى المقابلة عدم الجواز لدى السماع، إذ لو جاز معه أيضاً لما صحّ التقابل، مع أنّ التفصيل قاطع للشركة.

و بعبارة اخرى: لا شكّ أنّ القراءة في الصورة الثانية ليست بواجبة للنصوص الدالّة على جواز الترك، فتركها حينئذ رخصة قطعاً، فان كان الترك في الصورة الأُولى أيضاً رخصة لم يبق فرق بين الصورتين فلا يصح التقابل فلا مناص من كونه عزيمة.

و عليه فالموثّقة تعاضد النصوص المانعة، لا أنّها تعارضها كي تصلح قرينة لصرف النهي الوارد فيها إلى الكراهة.

فالإنصاف: أنّه ليست هناك قرينة يعتمد عليها في رفع اليد عن ظاهر النهي الوارد في تلك النصوص كي يحمل على الكراهة. فالأقوى حرمة القراءة و أنّ سقوطها بنحو العزيمة، كما يؤكّده قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و محمّد ابن مسلم المتقدّمة (2): «من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة».

____________

(1) الوسائل 8: 358/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 10.

(2) في ص 205.

212

بل الأحوط و الأولى الإنصات، و إن كان الأقوى جواز الاشتغال بالذكر و نحوه (1).

____________

فانّ مثل هذا التعبير ممّا يأبى عن الحمل على الكراهة كما لا يخفى، و إن خصّصت بالإخفاتيّة و بصورة عدم السماع في الجهريّة كما عرفت و ستعرف.

ثمّ إنّه لا فرق في الحكم المزبور بين سماع الصوت أو الهمهمة، للتصريح بالمنع عن القراءة لدى سماعها أيضاً في موثّقة (1) عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام): «إنّه إن سمع الهمهمة فلا يقرأ» (2)، و لا يقدح في السند وجود الحكم بن مسكين في طريق الصدوق إلى عبيد (3) فإنّه موجود في أسانيد كامل الزيارات (4) و إن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال. و كذا في صحيحة قتيبة «... و إن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ» (5).

(1) و لا ينافي ذلك وجوب الإنصات، إمّا لتفسيره بعدم الإجهار دون السكوت المطلق كما تقدم عن بعض اللغويين فلا تدافع بينه و بين الذكر الخفيّ غير المانع عن الإصغاء، أو للالتزام بالتخصيص لو فسّر بالسكوت المطلق، للنص الصحيح الدال على الجواز، و هي صحيحة أبي المغراء حميد بن المثنّى قال: «كنت عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فسأله حفص الكلبي فقال: أكون خلف الإمام و هو يجهر بالقراءة فادعوا و أتعوّذ؟ قال: نعم، فادع» (6).

____________

(1) [الظاهر كونها صحيحة بناءً على رأيه السابق في مشايخ ابن قولويه لعدم التصريح بكون أحد رجال السند غير إمامي كما سيصرح بكونها صحيحة في ص 220].

(2) الوسائل 8: 355/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 2.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 31.

(4) و لكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، فلا يشمله التوثيق. و العمدة صحيحة قتيبة.

(5) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7.

(6) الوسائل 8: 361/ أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 2.

213

و أمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة جاز له القراءة بل الاستحباب قويّ، لكن الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لا بنيّة الجزئيّة، و إن كان الأقوى الجواز بقصد الجزئيّة أيضاً (1).

____________

و قد نوقش في سندها تارة و في الدلالة اخرى:

أمّا السند: فلأنّ في طريق الصدوق إلى أبي المغراء عثمان بن عيسى (1)، و قد توقّف فيه العلامة في رجاله (2)، و ضعّفه في كتبه الاستدلالية لكونه واقفياً.

و فيه: أنّ تضعيف العلامة مبنيّ على مسلكه من عدم الاعتماد على غير الإمامي و إن كان ثقة، و حيث بنينا على الاكتفاء بوثاقة الراوي و إن لم يكن إمامياً فالرواية معتبرة، لكون الرجل موثّقاً في كتب الرجال، بل عدّه الكشي من أصحاب الإجماع على قول (3).

و أمّا الدلالة: فبإمكان حملها على صورة عدم السماع. و فيه من البعد ما لا يخفى، نعم لو كانت العبارة هكذا: أكون خلف الإمام في الصلاة الجهرية. لم يكن الحمل المزبور بعيداً، لجواز أن لا يسمع صوت الإمام لبعده عنه. لكن العبارة هكذا: «و هو يجهر بالقراءة»، و هذا التعبير كما ترى يدل على سماعه للقراءة و تشخيص أنّه يجهر بها حسّا لا حدساً كما لا يخفى.

و أوضح دلالة صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت و سبّح في نفسك» (4)، فإنّ الإنصات للقراءة لا يتحقّق إلّا مع الجهر بها و سماعها. فلا يحتمل الحمل على عدم السماع، و قد دلّت كسابقتها على استحباب التسبيح.

(1) المقام الثاني: فيما إذا لم يسمع حتّى الهمهمة، و لا ينبغي الاستشكال في‌

____________

(1) الفقيه 4 (المشيخة): 65.

(2) الخلاصة: 382/ 1535.

(3) رجال الكشي: 556/ 1050.

(4) الوسائل 8: 361/ أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 4.

214

..........

____________

جواز القراءة حينئذ، بل عن الرياض أنّه أطبق الكلّ على الجواز بالمعنى الأعمّ (1). و في الجواهر: بلا خلاف أجده بين الأصحاب، بل و لا حكي عن أحد منهم عدا الحلّي، مع أنّه لا صراحة في عبارته في السرائر (2) بذلك، بل و لا ظهور، و لا يبعد أنّه و هم من الحاكي (3). انتهى.

و كيف ما كان، فيظهر منهم أنّ الأقوال في المسألة أربعة:

أحدها: الوجوب كما هو ظاهر الشيخ في المبسوط (4) و النهاية (5)، و المحقّق في النافع (6)، و المرتضى (7) و أبي الصلاح (8) و غيرهم.

الثاني: الاستحباب كما اختاره في المتن تبعاً لغير واحد من الأصحاب، بل نسب إلى المشهور تارة و إلى الأشهر أُخرى.

الثالث: الإباحة كما نسب إلى ظاهر القاضي (9) و الراوندي (10) و ابن نما (11) و غيرهم.

الرابع: التحريم، و لم ينسب إلّا إلى الحلّي، و إن ناقش في الجواهر في صدق النسبة و أنّه اشتباه من الحاكي كما عرفت، إلّا أنّه قول منسوب إليه، سواء أصحّت النسبة أم لا. هذه هي حال الأقوال.

أمّا الأخير فساقط جزماً، إذ ليس له وجه ظاهر عدا الاغترار بعموم بعض‌

____________

(1) الرياض 4: 308.

(2) السرائر 1: 284.

(3) الجواهر 13: 192.

(4) المبسوط 1: 158.

(5) النهاية: 113.

(6) المختصر النافع: 47.

(7) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 40.

(8) الكافي في الفقه: 144.

(9) المهذّب 1: 81.

(10) فقه القرآن 1: 141.

(11) حكاه عنه في الذكرى 4: 460.

215

..........

____________

الأخبار الناهية عن القراءة خلف الإمام، اللازم تخصيصه بالنصوص الكثيرة الواردة في المقام كما ستعرف المتضمّنة للأمر بالقراءة الذي لا أقلّ من دلالته على الترخيص.

و أمّا القول بالوجوب: فمستنده الأخذ بظاهر الأمر الوارد في غير واحد من النصوص، ففي صحيح الحلبي: «... إلّا أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة و لم تسمع فاقرأ» (1)، و في صحيح ابن الحجاج «... و إن لم تسمع فاقرأ» (2)، و في صحيح قتيبة: «.. إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ...» إلخ (3)، و في موثّق سماعة: «و إذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه» (4)، و نحوها غيرها.

و فيه أوّلًا: أنّ الأمر في هذه النصوص لا يدلّ على الوجوب، بل و لا الاستحباب، لوروده موقع توهّم الحظر، بناء على ما عرفت من المنع عن القراءة لدى السماع. فغايته الدلالة على الجواز و مجرّد الترخيص.

و ثانياً: أنّه محمول على الاستحباب بقرينة الترخيص في الترك الثابت في صحيح علي بن يقطين، قال: «سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة، قال: لا بأس إن صمت و إن قرأ» (5). فهذا القول يتلو سابقه في الضعف. فيدور الأمر بين القولين الآخرين، أعني الاستحباب أو الإباحة.

و التحقيق: أنّ القول بالإباحة ساقط، و لا يمكن المصير إليه في المقام، سواء أقلنا بظهور الأمر الوارد في تلك النصوص في الوجوب و رفع اليد عنه بقرينة صحيح ابن يقطين الذي نتيجته الاستحباب، أم قلنا بأنّها من أجل وقوعها موقع توهّم الحظر غير ظاهرة إلّا في الإباحة و مجرّد الترخيص، لعدم تصوّر‌

____________

(1) الوسائل 8: 355/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 1.

(2) الوسائل 8: 356/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5.

(3) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7.

(4) الوسائل 8: 358/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 10، 11.

(5) الوسائل 8: 358/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 10، 11.

216

..........

____________

الإباحة في أجزاء العبادة لا في جزء الطبيعة و لا في جزء الفرد، و أنّها متى جازت كانت مستحبة بأمر عباديّ استقلاليّ ظرفه الواجب.

و توضيح المقام: أنّا قد ذكرنا في الأُصول في بحث الصحيح و الأعم (1) أنّ التركيب بين أجزاء الصلاة ليس تركيباً حقيقياً، لأنّها مؤلّفة من ماهيات مختلفة و مقولات متباينة، فبعضها من مقولة الكيف المسموع كالتكبير و القراءة، و بعضها من مقولة الوضع كالركوع و السجود و هكذا، و لا جامع ماهوي بين المقولات المتأصّلة بالضرورة.

و إنّما التركيب بينها اعتباري محض، فلاحظ الشارع الطبيعة المؤلّفة من المقولات المتشتّتة و اعتبرها شيئاً واحداً في عالم اللحاظ و الاعتبار. فكلّ ما اعتبره في الطبيعة كان جزءاً منها مقوّماً لها و إلّا كان خارجاً عنها، و لأجل ذلك امتنع اتّصاف الجزء بالاستحباب فضلًا عن الإباحة، إذ مقتضى الجزئية الدخل في الطبيعة و تقوّمها بها، و مقتضى الاستحباب جواز الترك المساوق لعدم الدخل، فكيف يجتمعان. هذا حال الطبيعة نفسها.

و كذا الفرد، إذ لا يتّصف شي‌ء بكونه فرداً للطبيعة إلّا إذا أُضيف إليها و لا تكاد تتحقّق الإضافة إلّا إذا كان مصداقاً للطبيعة بانطباقها بشراشر أجزائها عليه و مطابقتها معه في كلّ ما يشتمل عليه، فينطبق التكبير على التكبير الخارجي، و مثله الركوع و السجود، و هكذا إلى نهاية الأجزاء المعتبرة في الطبيعة، فلا يزيد الفرد عليها بشي‌ء. فكلّ ما هو جزء للفرد جزء للطبيعة و ما ليس جزءاً لها لم يكن جزءاً للفرد أيضاً و إن اقترن معه خارجاً، فجزء الفرد من الطبيعة لا يكون إلّا جزءاً لنفس الطبيعة لا محالة.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ القراءة في المقام بعد أن لم تكن واجبة حسب الفرض فهي ليست بجزء لا للطبيعة و لا للفرد، فلا معنى للقول بأنّها جزء مباح من الصلاة لا توجب أفضلية الفرد المشتمل عليها من الفرد الخالي عنها، أو جزء‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 1: 161، 147.

217

..........

____________

مستحب يوجب أفضلية الفرد المشتمل من الفرد الخالي.

و لا يقاس ذلك بسائر الملابسات التي يتّصف بها الفرد المحكومة بالإباحة تارة و بالاستحباب أو الكراهة أُخرى، نظير الماهية التشكيكية المنطبقة على المرتبة القويّة مرّة و الضعيفة اخرى كالصلاة في الدار أو في المسجد أو الحمام ضرورة أنّ خصوصية المكان أو الزمان من ملابسات وجود الفرد و ملازماته و مقارناته التي لا ينفكّ عنها خارجاً. فهي ملازمة للوجود، لا جزء من الموجود، فيمكن أن توجب المزيّة تارة و النقيصة أُخرى، أو لا هذا و لا ذاك فيحكم عليه بالإباحة.

و أين هذا من القراءة أو القنوت أو الذكر الزائد على الأذكار المعتبرة في الركوع أو السجود و نحوها ممّا لا يتقوّم به الفرد في تحقّقه، بل قد يكون و قد لا يكون.

و على الجملة: فجزئية هذه الأُمور للفرد أو الطبيعة مع فرض استحبابها فضلًا عن الإباحة أمر غير معقول.

فما يقال من أنّه بناءً على مشروعية القراءة و لو على القول بالإباحة لا مانع من الإتيان بها بقصد الجزئية و الوجوب، فإنّها و إن لم تكن جزءاً من الماهية الواجبة لكنّها جزء من الفرد الذي تنطبق الماهية الواجبة عليه بتمام أجزائه التي منها القراءة، فتتّصف بالوجوب بعين اتّصاف سائر أجزاء الصلاة. في غاية الضعف.

و ليت شعري كيف تنطبق الطبيعة غير الملحوظ فيها القراءة حسب الفرض على الفرد المشتمل عليها بوصف الاشتمال، و هل هناك معنى للانطباق الذي هو مناط اتّصاف الفرد بكونه فرداً للطبيعة كما عرفت عدا تطبيق الطبيعة الواجبة بما لَها من الأجزاء على الموجود الخارجي بما لَه من الأجزاء. فمع الاعتراف بعدم الدخل في الطبيعة و الماهية المأمور بها كيف يمكن دعوى انطباقها على الفرد المشتمل على ما لا يكون جزءاً من الطبيعة حتّى يمكن الإتيان بالقراءة بقصد الوجوب و الجزئية.

218

و أمّا في الأخيرتين من الإخفاتية أو الجهريّة فهو كالمنفرد [1] في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيّراً بينهما، سواء قرأ الإمام فيهما أو أتى بالتسبيحات سمع قراءته أو لم يسمع (1).

____________

و ملخّص الكلام: أنّا لا نعقل التوفيق بين الجزئية و بين الإباحة أو الاستحباب، سواء أُريد بها الجزئية للطبيعة أم للفرد.

نعم، بعد أن رخّص الشارع في إتيان شي‌ء في الصلاة بعنوان أنّها صلاة و كان مسانخاً لأجزائها كما في المقام، فبما أنّ الصلاة عبادة كان الشي‌ء المرخّص فيها أيضاً عباديا بحسب الفهم العرفي، فيكون محبوباً و مأموراً به لا محالة لتقوّم العبادة بالأمر. فالجواز و الترخيص مساوق للاستحباب في خصوص المقام.

و حيث قد عرفت المنافاة بين الجزئية و بين الاستحباب فلا مناص من الالتزام بكونه مأموراً به بأمر استحبابي استقلالي، غاية الأمر أنّ موطنه و ظرفه الصلاة كما في القنوت، و كذا القراءة في المقام و الأذكار المستحبّة في الركوع و السجود.

و بذلك تمتاز هذه الأُمور عن مثل التصدّق في الصلاة، فإنّه و إن كان مستحبّاً أيضاً لكنّه لا يختصّ بالصلاة، و لا يرتبط بها. فهو و التصدّق خارج الصلاة على حدّ سواء، بخلاف تلك الأُمور فإنّها بما هي كذلك وظائف مقررة حال الصلاة، و مربوطة بها ارتباط المظروف بظرفه. و هذا هو المراد من الجزء المستحب، و لا نعقل له معنى صحيحاً وراء ذلك.

فاتّضح من جميع ما قدّمناه أنّ الأقوى استحباب القراءة في المقام كما اختاره في المتن، و جواز الإتيان بها بقصد الجزئية بالمعنى الذي ذكرناه.

(1) قدّمنا في بحث القراءة (1) أنّ مقتضى الجمع بين النصوص هو الحكم‌

____________

[1] الأحوط تعيّن التسبيح له في الصلاة الجهريّة كما مرّ.

____________

(1) شرح العروة 14: 475.

219

[مسألة 2: لا فرق في عدم السماع بين أن يكون من جهة البعد]

[1924] مسألة 2: لا فرق في عدم السماع بين أن يكون من جهة البعد، أو من جهة كون المأموم أصم، أو من جهة كثرة الأصوات، أو نحو ذلك (1).

____________

بالتخيير بين القراءة و التسبيح في الركعتين الأخيرتين بالإضافة إلى المنفرد و الإمام، و كذا المأموم في الصلوات الإخفاتية، و أمّا المأموم في الصلوات الجهرية فلم ترد رواية تدلّ على جواز القراءة بالنسبة إليه، بل قد ورد في بعض النصوص النهي عنها و هي صحيحة زرارة المتقدّمة (1): «إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأولتين، و أنصت لقراءته، و لا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين إلى أن قال (عليه السلام): فالأخيرتان تبعاً للأولتين»، و موردها الجهرية كما لا يخفى.

و قد ورد في صحيحة معاوية بن عمّار الأمر بالتسبيح، الظاهر في الوجوب التعييني: «عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين، فقال: الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبّح» (2).

نعم، هي مطلقة من حيث الجهر و الإخفات فتقيّد بما دلّ على جواز القراءة في الإخفاتية و هي صحيحة ابن سنان (3)، فتبقى الجهرية تحتها.

و من أجل ذلك كان الأحوط لزوماً تعيّن التسبيح على المأموم في الصلوات الجهرية كما نبّه عليه الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الشريفة. و لمزيد التوضيح يرجع إلى ما قدّمناه في مبحث القراءة (4).

(1) فإنّ الموضوع المذكور في النصّ لسقوط القراءة رخصة أو عزيمة على الخلاف المتقدّم إنّما هو عنوان عدم السماع، الظاهر في السماع الفعلي، و مقتضى‌

____________

(1) في ص 205.

(2) الوسائل 6: 108/ أبواب القراءة في الصلاة ب 42 ح 2.

(3) الوسائل 6: 126/ أبواب القراءة في الصلاة ب 51 ح 12.

(4) شرح العروة 14: 477، 480.

220

[مسألة 3: إذا سمع بعض قراءة الإمام فالأحوط الترك مطلقاً]

[1925] مسألة 3: إذا سمع بعض قراءة الإمام فالأحوط الترك مطلقاً (1).

____________

الإطلاق عدم الفرق بين أسبابه و مناشئه من قصور في المأموم لكونه أصمّ، أو في الإمام لكونه ضعيف الصوت، أو لمانع خارجي كالضوضاء و كثرة الأصوات، أو من جهة البعد و كون المأموم في الصفوف المتأخّرة، كلّ ذلك لإطلاق النصّ كما هو ظاهر.

(1) هل المسموع بعضاً ملحق بالمسموع تماماً فتسقط القراءة رخصة أو عزيمة بدعوى إطلاق السماع المعلّق عليه السقوط في النصّ (1)، فإنّه شامل للكلّ و للبعض. أو يلحق بغير المسموع تماماً بدعوى انصراف النصّ إلى ما إذا سمع القراءة بتمامها، فسماع البعض في حكم العدم. أو يلحق كلّ منهما بكلّ منهما قضاء لفعلية الحكم بفعلية موضوعه، فيسقط في مورد السماع و لا يسقط في مورد عدمه؟ وجوه، ذكرها في الجواهر و اختار الأخير منها (2). لكن الأقوى هو الوجه الأوّل.

أمّا أولًا: فلإطلاق النصّ كما عرفت، فانّ سماع القراءة صادق على سماع أبعاضها، و لا يتوقّف الصدق على سماع الجميع. و دعوى الانصراف غير مسموعة كما لا يخفى.

و أمّا ثانياً: فلأنّه على تقدير الخدش في الإطلاق تكفينا في المقام صحيحتا عبيد بن زرارة و قتيبة الواردتان في الهمهمة (3)، فقد تضمّنتا سقوط القراءة لدى سماع الهمهمة. و من الضروريّ أنّ الهمهمة غير مسموعة في تمام القراءة من البدء إلى الختم، و إنّما تسمع في أبعاضها بطبيعة الحال.

فالصحيحتان بعد ملاحظة هذا العلم الخارجي في قوّة أن يقال: إن سمع‌

____________

(1) المتقدم في ص 215 و غيرها.

(2) الجواهر 13: 195.

(3) الوسائل 8: 355/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 2 و 7، و قد تقدّمتا في ص 212.

221

[مسألة 4: إذا قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام ثمّ تبيّن أنّه صوته]

[1926] مسألة 4: إذا قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام ثمّ تبيّن أنّه صوته لا تبطل صلاته (1)، و كذا إذا قرأ سهواً في الجهرية.

[مسألة 5: إذا شكّ في السماع و عدمه أو أنّ المسموع صوت الإمام أو غيره فالأحوط الترك]

[1927] مسألة 5: إذا شكّ في السماع و عدمه (2) أو أنّ المسموع صوت الإمام أو غيره فالأحوط الترك، و إن كان الأقوى الجواز.

____________

الهمهمة في بعض القراءة فلا يقرأ. فيكشف عن أنّ الموضوع في سماع القراءة أيضاً هو سماع البعض دون الكلّ كما لا يخفى.

فالأقوى حينئذ هو السقوط، و لم يجزم الماتن بذلك، فذكر أنّ الأحوط الترك، و لا شكّ أنه مقتضى الاحتياط، سيما على القول بكون السقوط بنحو العزيمة كما اختاره و قوّيناه. لكن ذلك فيما إذا قرأ بقصد الجزئية و أتى بها بعنوان القراءة الصلاتية، و أمّا القراءة بقصد القرآن أو الدعاء أو الذكر لاشتمال الفاتحة عليهما فلا ينبغي الاستشكال في جوازها كما نبّهنا عليه في أوّل الفصل (1).

(1) فإنّ القراءة حينئذ و إن كانت عمدية لكن العمد إليها مبنيّ على الاشتباه و تخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام، فلم تكن الحرمة منجّزة في حقّه، فهي في حكم الزيادة السهوية غير القادحة بمقتضى حديث لا تعاد (2).

و نحوه ما إذا قرأ سهواً في الجهريّة مع السماع الذي ذكره (قدس سره) أخيراً لعين ما ذكر. و الفرق بينهما أنّ القراءة هنا بنفسها سهويّة و هناك بمقدّمتها كما عرفت، و على التقديرين فزيادتهما غير قادحة، لاندراجها تحت الحديث كما مرّ.

(2) كما لو كان مبتلى بخشخشة في اذنه فسمع صوتاً شكّ في أنّه من الداخل أم من الخارج، فبالنتيجة يشكّ في أصل السماع، أو علم به فسمع صوتاً من الخارج و شكّ في أنّه صوت الإمام أو غيره.

____________

(1) في ص 197.

(2) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

222

[مسألة 6: لا يجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الإمام]

[1928] مسألة 6: لا يجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الإمام (1) و إن كان الأحوط ذلك،

____________

و قد ذكر في المتن أنّ الأقوى جواز القراءة، و هو الصحيح، لا لأصالة عدم التعلّق بصوت الإمام فيما إذا علم بالسماع و شكّ في المسموع ليبتني ذلك على جريان الأصل في العدم الأزلي، فانّ التعلّق بصوت الإمام ليس موضوعاً للأثر.

و إنّما الموضوع في النصّ هو سماع صوت الإمام، و لا شكّ أنّ هذا عنوان حادث مسبوق بالعدم النعتي، فيقال: إنّه قبل هذا الآن لم يكن سامعاً لصوت الإمام، و الآن كما كان.

و لا يعارض بأصالة عدم سماعه لصوت غير الإمام، إذ لا أثر لهذا الاستصحاب إلّا إذا ثبت به أنّ المسموع هو صوت الإمام من أجل العلم الإجمالي بأحدهما، و من المعلوم أنّا لا نقول بالأصل المثبت.

(1) فانّ مدرك اعتبار الطمأنينة إن كان هو الإجماع فمن الواضح أنّه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقّن منه، و هو اعتباره في قراءة نفسه، لا حال قراءة الإمام.

و إن كان هو الدليل اللفظي كما استفدناه ممّا ورد في الإقامة من قوله (عليه السلام): «و ليتمكّن في الإقامة كما يتمكّن في الصلاة» (1) و ما ورد في المشي حال الصلاة من قوله (عليه السلام): يكفّ عن القراءة حال المشي (2)، على ما تقدّم في محلّه (3)، فمن الواضح أنّ هذه الأدلّة إنّما تدلّ على اعتبارها في القارئ ولدي تصدّيه للقراءة، لا مع سقوطها عنه و ضمان الإمام لها كما في المقام.

و معلوم أنّه لا دليل على تنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة نفسه من هذه‌

____________

(1) الوسائل 5: 404/ أبواب الأذان و الإقامة ب 13 ح 12.

(2) الوسائل 6: 98/ أبواب القراءة في الصلاة ب 34 ح 1.

(3) شرح العروة 14: 113، 256.

223

و كذا لا تجب المبادرة إلى القيام حال قراءته (1)، فيجوز أن يطيل [1] سجوده و يقوم بعد أن يقرأ الإمام في الركعة الثانية بعض الحمد.

[مسألة 7: لا يجوز أن يتقدّم المأموم على الإمام في الأفعال]

[1929] مسألة 7: لا يجوز أن يتقدّم المأموم على الإمام في الأفعال (2)

____________

الجهة كما هو ظاهر، و حيث لا دليل فالمرجع أصالة البراءة.

(1) فإنّ القيام إمّا واجب حال القراءة أو شرط في صحّتها، و على التقديرين فإنّما يجب لدى التصدّي للقراءة مباشرة، فلا موضوع للوجوب مع السقوط و ضمان الإمام. و عليه فلا مانع من إطالة السجود و القيام بعد قراءة الإمام بعض الحمد كما ذكره في المتن.

لكن ينبغي تقييده بقرينة ما سيجي‌ء منه (قدس سره) من لزوم المتابعة في الأفعال بما إذا لم يكن التأخير بمثابة يخلّ بصدق المتابعة في القيام عرفاً كما لو أطال السجود و لحق بالإمام حينما أشرف على الركوع، و إلّا بطلت جماعته أو كان آثماً على الخلاف الآتي من أنّ المتابعة واجب نفسي أو شرطي.

و بعبارة أُخرى: هنا جهتان من البحث:

إحداهما: وجوب القيام حال قراءة الإمام، و هذا لا دليل عليه كما عرفت لاختصاصه بالقيام حال قراءة المصلّي نفسه، لا حال سقوطها و ضمان الغير له. فله التأخير في السجود و الالتحاق بالإمام و إن شرع في الفاتحة و قرأ آية منها مثلًا.

ثانيتهما: وجوب متابعة الإمام في أفعاله، فالتأخير في الالتحاق بمقدار يخلّ بمتابعة الإمام في القيام ممنوع لأجل ذلك، لا لعدم القيام حال قراءة الإمام.

(2) بلا خلاف و لا إشكال، و قد ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب. و إنّما الكلام في مستنده بعد وضوح عدم كون الإجماع تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام).

____________

[1] بمقدار لا يضرّ بالمتابعة العرفية.

224

بل يجب متابعته، بمعنى مقارنته أو تأخّره عنه (1) تأخّراً غير فاحش.

____________

و ربما يستدلّ له بالنبوي: «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به، فاذا كبّر فكبّروا، و إذا ركع فاركعوا، و إذا سجد فاسجدوا» (1) بعد انجبار ضعفه بعمل المشهور. لكن الانجبار ممنوع كبرى كما مرّ مراراً، و كذا صغرى، إذ لم يعلم استنادهم إليه كما لا يخفى.

فالأولى الاستدلال له بأنّ ذلك هو مقتضى مفهوم الائتمام، و لازم جعل الإمامة للإمام، من غير حاجة إلى ورود نصّ في المقام، فإنّ المأمومية و الاقتداء تتقوّم عرفاً بالتبعيّة لمن يأتمّ به في كلّ ما يفعل. فالتقدّم عليه في الأفعال منافٍ لصدق هذا العنوان بالضرورة. فالنبوي المزبور و إن كان ضعيف السند لكن مضمونه مطابق للقاعدة.

و يشهد له بعض النصوص الواردة في الموارد المتفرّقة مثل ما ورد في من ركع أو سجد قبل الإمام سهواً (2)، أو رفع رأسه عنهما كذلك (3) من أنّه يرجع إلى ما كان. فلولا عدم جواز التقدّم عليه في الأفعال لم يكن وجه للعود.

و ما ورد من الأمر بالتجافي في التشهّد في المأموم المسبوق (4)، و من الأمر بالانتظار و الاشتغال بالتسبيح فيما لو فرغ المأموم عن القراءة عند ما يقرأ قبل أن يفرغ الإمام عنها (5). فلو كان التقدّم جائزاً لم يكن وجه للتجافي فيقوم عن تشهّد الإمام، و لا للانتظار فيركع قبل ركوعه. فالأمر بهما يكشف عن عدم الجواز لا محالة.

(1) المشهور جواز مقارنة المأموم مع الإمام في الأفعال، فتتحقّق المتابعة‌

____________

(1) المستدرك 6: 492/ أبواب صلاة الجماعة ب 39 ذيل ح 2، 1.

(2) الوسائل 8: 391/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4.

(3) الوسائل 8: 390/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 1، 3.

(4) الوسائل 8: 387/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2، 418/ ب 67 ح 2.

(5) الوسائل 8: 370/ أبواب صلاة الجماعة ب 35.

225

..........

____________

بمجرّد عدم التقدّم عليه، و لا يلزم التأخّر عنه، بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه.

و ذهب جمع منهم صاحب المدارك (1) و صاحب الذخيرة (2) إلى لزوم التأخّر و عدم كفاية المقارنة (3). و يستدلّ لهم بوجهين:

أحدهما: أنّ لزوم التأخّر هو ظاهر النبوي المتقدّم، فانّ قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «إذا كبّر فكبّروا ...» إلخ ظاهر بمقتضى التفريع و تعليق الجزاء على الشرط في أنّ وجوب التكبير على المأموم متفرّع على تكبير الإمام و تحقّقه خارجاً، و هكذا الحال في الركوع و السجود إلى نهاية الأفعال. فهي متأخّرة عنه زماناً لا محالة، رعاية للترتيب الزماني المستفاد من التعليق المزبور بمقتضى الفهم العرفي.

و حمله على التأخّر الرتبي و الترتّب بالعلّية المجامع مع التقارن الزماني بأن تكون إرادة المأموم معلولًا لإرادة الإمام و إن اقترن الفعلان زماناً خلاف الظاهر جدّاً، بعيد عن سياق الرواية عرفاً كما لا يخفى.

ثانيهما: أنّ ذلك هو مقتضى قاعدة الاشتغال، فإنّ الجماعة محكومة بأحكام خاصّة من ضمان الإمام للقراءة، و رجوعه إلى المأموم و كذا العكس لدى الشكّ، و اغتفار الزيادة لأجل التبعية. و لا يمكن ترتيبها إلّا مع الجزم بالصحّة و لا جزم إلّا في فرض التأخّر، لاحتمال دخله فيها و عدم كفاية المقارنة في صحّة الجماعة. فمجرّد الاحتمال كافٍ في الاعتبار، قضاء لقاعدة الاشتغال.

أقول: في كلا الوجهين ما لا يخفى.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من ضعف سند النبويّ، فلا يمكن التعويل عليه في‌

____________

(1) لاحظ المدارك 4: 326.

(2) لاحظ الذخيرة: 398 السطر 20.

(3) يظهر من الحدائق أنّ صاحب المدارك و الذخيرة إنّما منعا عن المقارنة في خصوص التكبير لا في الأفعال التي هي محلّ الكلام، و لا في غيره من الأقوال. لاحظ الحدائق 11: 139.

226

..........

____________

شي‌ء من الأحكام. و الانجبار على تقدير تسليمه كبرى لا صغرى له في المقام قطعاً، كيف و قد ذهب المشهور إلى جواز المقارنة، بل ادّعي الإجماع عليه كما مرّ.

و أمّا الثاني: فلأنّه إن أُريد من احتمال دخل التأخّر في الصحّة دخله في مفهوم الائتمام و صدق عنوان الجماعة عرفاً فهو مقطوع العدم، لتحقّق المتابعة بمجرّد المقارنة لدى العرف، فإنّهم لا يرون في صدقها أكثر من جعل التابع فعله قرين فعل المتبوع و التحرّك طبق إرادته. و هذا العرف ببابك، فانّ الاجتماع للصلاة كالاجتماع لغاية أُخرى كالاستماع و الترنّم لقصيدة مثلًا، فاذا كان هناك من يلقي قصيدة و يتبعه الباقون في قراءتها لا يعتبر في صدق المتابعة تأخّر الباقين في القراءة، بل يتحقّق و إن اجتمعا في زمان واحد.

و إن أُريد منه احتمال دخله في الصحّة شرعاً فيدفعه أوّلًا: إطلاقات أدلّة الجماعة بعد صدق المفهوم عرفاً لدى المقارنة كما عرفت.

و ثانياً: أصالة البراءة كما مرّ مراراً من أنّها المرجع لدى الشكّ في أمثال المقام، فإنّ الجماعة ليست مسقطة للوجوب، و إنّما هي عدل للواجب التخييري، فيشكّ في أنّ الملحوظ في هذا العدل هل هو خصوص المتضمّن للتأخّر أم الأعم منه و من التقارن. و حيث إنّ الخصوصية مشكوكة فتدفع بأصالة البراءة التي نتيجتها جواز المقارنة. فلا مجال للرجوع إلى قاعدة الاشتغال، هذا.

و ربما يستدلّ للجواز بما رواه في الحدائق (1) عن الحميري في كتاب قرب الإسناد بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصلّي، إله أن يكبّر قبل الإمام؟ قال: لا يكبّر إلّا مع الإمام، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» (2)، فانّ ظاهرها جواز المقارنة. و قد استدلّ بها المجلسي في‌

____________

(1) الحدائق 11: 139.

(2) الوسائل 3: 101/ أبواب صلاة الجنازة ب 16 ح 1.

227

..........

____________

البحار (1) على جوازها في التكبير، و بضميمة عدم الفصل بينه و بين سائر الأفعال يتمّ المطلوب.

و فيه أوّلًا: أنّ مورد هذه الرواية على ما استظهره في الوسائل هو صلاة الجنازة، و من ثمّ أوردها في ذاك الباب و لم يوردها في روايات المقام. كما أنّ الحميري أيضاً أوردها في باب صلاة الجنازة (2)، قال في الوسائل (3): و يظهر منه أنّه كان كذلك في كتاب علي بن جعفر (4) أيضاً (5).

و كأنّ معلّق الحدائق (دام علاه) اقتصر في فحصة على روايات المقام حيث قال: و لم نجده في قرب الإسناد و لا في الوسائل و لا في المستدرك.

و كيف ما كان، فلا مساس لهذه الرواية بروايات المقام إمّا جزماً أو احتمالًا فلا جزم بصحّة الاستدلال بها.

و ثانياً: أنّها ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن، هذا.

و قد ناقش صاحب الحدائق (قدس سره) في دلالتها بما ملخّصه: أنّ العبارة لو كانت هكذا: لا يكبّر إلا مع تكبير الإمام. لدلّت على المقارنة، لكون المعيّة حينئذ ملحوظة بين التكبيرتين، لكن المذكور في الرواية هكذا: «لا يكبّر إلّا مع الإمام» و المفهوم من هذه العبارة لزوم التأخّر، إذ المعيّة ملحوظة بين تكبير‌

____________

(1) البحار 85: 74/ 30.

(2) قرب الإسناد: 218/ 854.

(3) [سقط قول صاحب الوسائل هذا من الطبعة الجديدة].

(4) مسائل علي بن جعفر: 211/ 455.

(5) لا يخفى أنّ كتاب علي بن جعفر على ما يظهر من النجاشي [في رجاله: 251/ 662] يروى مبوّباً تارة و غير مبوّب اخرى، و الذي وصل إلى عبد اللّٰه بن جعفر الحميري إنّما هو غير المبوّب. لاحظ معجم الأُستاذ 12: 314/ 7979.

و عليه فالتبويب الذي يشاهد في الجزء الثاني من قرب الإسناد عند إيراده لمسائل علي بن جعفر كأنّه اجتهاد من الحميري نفسه، و لا عبرة به، كاجتهادات الكليني و أضرابه في إيراد الأحاديث في بعض الأبواب حسب أنظارهم المقدّسة و ما يفهمونه من الروايات.

228

..........

____________

المأموم و نفس الإمام، أي اتّصافه بالإمامة.

و من الواضح أنّ هذا الاتّصاف لا يتحقّق إلّا بعد دخول الإمام في الصلاة و صدور التكبير منه، و بعدئذ يصير إماماً، فتكبير المأموم مقارن لهذا الاتّصاف المساوق لتأخيره عن تكبير الإمام لا محالة، في قبال ما لو سبقَ الإمامَ بالتكبير، الذي أشار إليه بقوله (عليه السلام): «فان كبّر قبله أعاد». فالرواية ناظرة إلى صورتي التقدّم و التأخّر اللذين هما الشائع، دون التقارن الذي هو فرد نادر.

لكنّ الإنصاف أنّ المناقشة في غير محلّها، فانّ قوله (عليه السلام): «لا يكبّر إلّا مع الإمام» كقولنا: لا تأكل إلّا مع زيد، و لا تمش إلّا مع عمرو. الظاهر في المقارنة بين نفس الفعلين، و إلّا فاتّصاف الإمام بالإمامة لا يتحقّق بمجرّد التكبير، بل يتوقّف على تكبير المأموم أيضاً و ائتمامه به، رعاية للمضايفة المعتبرة بين الإمامة و المأمومية، المتكافئة في القوة و الفعلية، فلو لوحظ التقارن مع الاتّصاف المزبور يرجع المعنى إلى أنّ المأموم لا يكبّر إلّا عند تكبير نفسه و لا محصّل له كما لا يخفى.

ثمّ إنّه مع الغضّ عن جميع ما مرّ، و تسليم جواز المقارنة في التكبير بمقتضى هذه الرواية مع أنّ المشهور خلافه، فأيّ ملازمة بينه و بين سائر الأفعال؟ و عدم القول بالفصل غير ثابت، فيمكن التفكيك، لا سيما مع ثبوت الفرق، فانّ التكبير افتتاح الصلاة، فهو شرط في تحقّقها و في انعقاد الجماعة، فلا ضير في المقارنة، بخلاف بقيّة الأجزاء الواقعة بعد الانعقاد، التي هي المدار في مراعاة المتابعة، فيمكن دعوى لزوم التأخّر فيها. على أنّ التكبير من الأقوال فلا يقاس عليه الأفعال.

و على الجملة: فهذه الرواية غير صالحة للاستدلال، بل الأولى أن يستدلّ للجواز بما عرفت من التمسّك بالإطلاق و الأصل.

229

و لا يجوز التأخير الفاحش (1).

[مسألة 8: وجوب المتابعة تعبّدي]

[1930] مسألة 8: وجوب المتابعة تعبّدي [1] و ليس شرطاً في الصحّة (2)، فلو تقدّم أو تأخّر فاحشاً عمداً أثم و لكن صلاته صحيحة، و إن كان الأحوط الإتمام و الإعادة، خصوصاً إذا كان التخلّف في ركنين، بل في ركن، نعم لو تقدّم أو تأخّر على وجه تذهب به هيئة الجماعة بطلت جماعته.

____________

(1) لعين ما عرفت في المنع عن التقدّم من المنافاة لمفهوم الائتمام و المتابعة فلاحظ.

(2) كما نسب إلى المشهور فلا يترتّب على الإخلال بها من التقدّم أو التأخّر الفاحش إلّا الإثم.

و قيل بكونها شرطاً في صحّة الصلاة، فلو أخلّ بالمتابعة بطلت صلاته. نسب ذلك (1) إلى الشيخ (2) و الصدوق (3) بل ابن إدريس (4) أيضاً.

و قيل بكونها شرطاً في صحّة الجماعة فقط دون الصلاة، فمع الإخلال تبطل الجماعة و تنقلب فرادى، من غير إثم.

و هناك قول رابع اختاره المحقّق الهمداني (قدس سره) بعد إنكاره نسبة الوجوب التعبّدي إلى المشهور، و هو الالتزام بصحّة الصلاة و الجماعة، غير أنّ الائتمام يبطل في خصوص هذا الجزء الذي أخلّ فيه بالمتابعة، و لأجل ذلك كان بقاؤه على قصد الائتمام في هذا الجزء مع بطلان القدوة فيه تشريعاً محرّماً. فالعقاب إنّما هو على التشريع، لا على ترك المتابعة كما نسب إلى المشهور كي يكون وجوبها تعبّدياً.

____________

[1] بل الظاهر أنّها شرط الجماعة، فيجري فيها حكم سائر الشروط.

____________

(1) كما في الرياض 4: 316.

(2) المبسوط 1: 157.

(3) [يستفاد ذلك مما حكاه الشهيد عنه في الذكرى 4: 475].

(4) لاحظ السرائر 1: 288.

230

..........

____________

و ذكر (قدس سره) أنّ المشهور لم يصرحوا بالوجوب التعبّدي، و إنّما ذكروا صحّة الجماعة مع الإثم، فتخيّل أنّ الإثم إنّما هو على ترك المتابعة، و من ثمّ نسب إليهم القول بالوجوب التعبّدي، مع أنّه لا تلازم بين الأمرين، إذ من الجائز أن يكون الإثم المذكور في كلامهم من أجل التشريع، لا من أجل ترك المتابعة. فهذه النسبة غير ثابتة (1).

و كيف ما كان، فهذه هي حال الأقوال في المسألة.

أمّا القول بالوجوب الشرطي لنفس الصلاة، و أنّها تبطل لدى الإخلال بالمتابعة فلا مدرك له أصلًا، إلّا أن يقال: إنّ ترك المتابعة يستوجب بطلان الجماعة و انقلابها فرادى، و لا تشرع نيّة الانفراد أثناء الصلاة فتبطل، و يكون محرّماً أيضاً، لحرمة إبطال الصلاة، فلا يمكن تصحيحها لا جماعة و لا فرادى أمّا الأوّل فلفرض الانقلاب، و أمّا الثاني فلعدم جواز نيّة الانفراد في الأثناء. و عليه فيتّجه الحكم بالبطلان.

لكن المبنى فاسد، لما عرفت سابقاً (2) من جواز قصد الانفراد في الأثناء و على تقدير الشكّ فتكفينا أصالة البراءة. فلا مقتضي لبطلان الصلاة بوجه.

و أمّا الوجوب التعبّدي المنسوب إلى المشهور سواء صحّت النسبة أم لا فلم نعرف له وجهاً أيضاً، فانّا إذا بنينا على أنّ ترك المتابعة و التقدّم على الإمام في بعض الأفعال لا يضر بالائتمام، أو يضرّ و لكن غايته الانقلاب إلى الفرادى و لا مانع من نيّة الانفراد في الأثناء و أنّ المكلف مخيّر بين الجماعة و الفرادى بقاء كما كان مخيّراً بينهما حدوثاً، فما هو المقتضي بعدئذ للوجوب التعبّدي؟

و أمّا ما قيل في وجه ذلك من أنّ الإمامة من الاعتبارات المجعولة للإمام من قبل المأموم بلحاظ الأفعال الصلاتية، كسائر الأُمور الاعتبارية مثل القضاوة و الوكالة و الولاية و نحوها، و مقتضى إمامته المجعولة متابعته في الأفعال و الجري‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 648 السطر 13.

(2) في ص 87 و ما بعدها.

231

..........

____________

الخارجي على طبق هذا الجعل، و هي المعبّر عنها بالائتمام، و قد أمضى الشارع ما أنشأه المأموم في نيّته من الجعل المزبور، و حكم بصحّته و نفوذه، و لا معنى للإمضاء و الصحّة إلّا وجوب المضيّ على طبق الإنشاء، فتجب المتابعة لا محالة إذ معنى الإمضاء هو وجوبها و لزوم ترتيب الآثار.

فممّا لا محصّل له، فانّ دليل الإمضاء لا يقتضي إلّا جواز المضيّ، لا وجوبه كيف و الجماعة مستحبّة لا واجبة، فصحّة الجعل المزبور و نفوذه في نظر الشارع لا تستدعي أكثر من جواز المشي على طبقه دون الوجوب، و لهذا كان الانفراد في الأثناء جائزاً حسب الفرض.

فاذا بنينا على جواز نيّة الانفراد و أنّه مخيّر بين البقاء على الجماعة أو العدول إلى الفرادى أثناء الصلاة كما كان مخيّراً بينهما من الأوّل، أو قلنا بأنّ التخلّف و ترك المتابعة في بعض الأفعال لا يضرّ بالجماعة، فأيّ موجب بعد هذا للالتزام بالوجوب التعبّدي الشرعي. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف.

إذن يدور الأمر بين القولين الآخرين: أعني الوجوب الشرطي للجماعة و ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من نفي الوجوب رأساً لا تعبّداً و لا شرطاً للجماعة و لا للصلاة مع الالتزام بالإثم من ناحية التشريع.

لكن مقالة المحقّق الهمداني (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليها بوجه، فانّا إذا بنينا على أنّ المستفاد من أدلّة الجماعة كفاية الائتمام في معظم الأجزاء كما يدعيه هو (قدس سره) و أنّه لا دليل على لزوم المتابعة في كلّ فعل بحيث تكون شرطاً فيما قبله و ما بعده، و ليس الائتمام في كلّ جزء دخيلًا في صحّة الأجزاء السابقة و اللاحقة، و لا يضر التخلّف في البعض في صدق القدوة و صحّة الجماعة ما دام كونه مؤتمّاً في المعظم، لشمول إطلاقات الجماعة مثل ذلك، فما هو الموجب بعد هذا للإثم، إذ قد أتى بوظيفته الشرعية من الائتمام في معظم الأجزاء، و إن لم يأتمّ في خصوص هذا الجزء. فلو شملت أدلّة الجماعة مثل ذلك كيف يتحقّق التشريع حتى يترتّب عليه الإثم؟

232

..........

____________

و أمّا إذا بنينا على عدم الكفاية، و قلنا كما هو الصحيح أنّ المستفاد من الأدلّة إنّما هو مشروعية الجماعة في الصلاة التي هي اسم لتمام الأجزاء بالأسر فيلزمه المتابعة في مجموع الأجزاء، لأنّها مأخوذة في مفهوم الائتمام، و ليس على اعتبارها دليل آخر كما سبق. فالأمر المتعلّق بالجماعة معناه لزوم المتابعة في المجموع لا خصوص المعظم، فلو خالف في جزء لم يتابع في المجموع، فليس مصداقاً للمأمور به، و لا تشمله أدلّة الجماعة.

فبناءً على ذلك تبطل الجماعة بالتخلّف في البعض، و تنقلب صلاته فرادى بطبيعة الحال. و نتيجة ذلك هو الوجوب الشرطي لصحّة الجماعة الذي أنكره (قدس سره).

و على الجملة: فالأمر دائر بين أحد هذين المسلكين، فامّا أن يلتزم بشمول الإطلاقات للمتابعة في المعظم فتصحّ الجماعة و إن خالف في البعض، لكن لا تشريع حينئذ و لا إثم حتّى لو كان باقياً على عزمه من نيّة الائتمام، إذ لم يكن متعدّيا عمّا هي وظيفته من المتابعة في المعظم حسب الفرض كي يكون عاصياً.

و إمّا أن نلتزم بعدم الشمول كما هو الصحيح فتبطل الجماعة بترك المتابعة في البعض و من هنا ذكرنا سابقاً (1) أنّه لو قصد من الأوّل الائتمام في البعض بطلت جماعته، لقصور الدليل عن الشمول لذلك فيدور الأمر بين صحّة الجماعة من غير إثم و بين بطلانها. فالجمع بين دعوى الصحّة و بين الإثم لأجل التشريع كما صنعه (قدس سره) باطل.

و قد اتّضح من جميع ما سردناه أنّ الأقوى هو القول بالوجوب الشرطي لصحّة الجماعة كما ظهر وجهه ممّا مرّ، فإنّ المتابعة مأخوذة في مفهوم الائتمام فلو خالف و تقدّم في جزء فمعناه أنّه لم يتابع في هذا الفعل، فلم يتابع في مجموع الصلاة، و مقتضاه بطلان الجماعة لفقدان شرطها، فطبعاً تنقلب الصلاة فرادى.

____________

(1) في ص 86.

233

[مسألة 9: إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه]

[1931] مسألة 9: إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه وجب عليه العود و المتابعة (1)، و لا يضرّ زيادة الركن حينئذ، لأنّها مغتفرة في الجماعة في نحو ذلك، و إن لم يعد أثم [1] و صحّت صلاته.

____________

و قد عرفت أنّ نيّة الانفراد في الأثناء غير ضائرة، كما عرفت أنّ ترك المتابعة غير قادح في صحّة الصلاة نفسها. و على تقدير الشكّ فيدفع بأصالة البراءة كما سبق. فهذا القول هو المتعيّن.

(1) هذا متفرّع على ما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة السابقة من كون المتابعة واجباً نفسياً تعبدياً لا يترتّب عليه إلّا الإثم، و لأجله حكم في المقام بأنّ ترك العود لا يقتضي إلّا المخالفة الموجبة للإثم، و لم تبطل صلاته و لا جماعته.

و أمّا بناءً على ما ذكرناه من كونها واجباً شرطياً لصحّة الجماعة كما عرفت فعند عدم العود تبطل جماعته و تنقلب فرادى من غير إثم. و المقصود أنّ الحكم في هذه المسألة من هذه الجهة أعني الإثم و الصحّة لدى ترك المتابعة، أو عدم الإثم و بطلان الجماعة متفرّع على المسألة السابقة.

و كيف ما كان، فلا إشكال كما لا خلاف بينهم في ثبوت العود و المتابعة في المقام في الجملة، للنصوص الخاصّة الآمرة بذلك كما ستعرف، و لأجلها يلتزم باغتفار زيادة الركن هنا، لكونها مخصّصة لعموم ما دلّ على مبطلية الزيادة.

إنّما الكلام في أنّ ذلك هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب، و أنّه هل يختصّ بالسهو و ما يلحق به من الزعم و اعتقاد رفع الإمام رأسه أم يعمّ العمد أيضاً، فيعود و إن رفع رأسه قبل الإمام عامداً؟

المشهور وجوب العود مع الاختصاص بغير العمد، فلا يعود العامد بل‌

____________

[1] الأظهر فيه عدم الإثم، و إنّما تختلّ به جماعته.

234

..........

____________

يستمر، و هو الذي اختاره في المتن. و عن جماعة استحبابه و أنّه أفضل، و نسب إلى المفيد في المقنعة وجوب العود حتّى في فرض العمد (1).

و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في المقام، فقد ورد الأمر بالعود في جملة من النصوص:

منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن فضيل بن يسار «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلّى مع إمام يأتمّ به، ثمّ رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود، قال: فليسجد». و رواها الشيخ أيضاً بإسناده عن ربعي بن عبد اللّٰه و فضيل بن يسار (2). لكن الطريق الثاني ضعيف بمحمد بن سنان، فما في بعض الكلمات من التعبير عنها بصحيحة ربعي و الفضيل في غير محلّه.

و العمدة إنّما هو الطريق الأوّل، إذ ليس في السند من يغمز فيه عدا علي بن الحسين السعدآبادي الواقع في طريق الصدوق إلى الفضيل (3) حيث لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال، لكنّه لا ضير فيه بعد أن كان من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه، فانّ التوثيق الذي ذكره في أوّل كتاب كامل الزيارات لمن وقع في أسانيده على تقدير التشكيك في عمومه لجميع الرواة الواقع في الكتاب فلا ريب في أنّ المتيقّن منه مشايخه و من يروي عنه بلا واسطة.

و الرجل المزبور كما أنّه من مشايخ الصدوق من مشايخ ابن قولويه أيضاً كما عرفت، و لا ريب أنّ توثيقه لا يقلّ عن توثيق الرجاليين. فالرواية بهذا الطريق موصوفة بالصحّة، و قد تضمّنت الأمر بالسجود لمتابعة الإمام، و مقتضى‌

____________

(1) [لم نعثر عليه في المصدر، بل قال في مفتاح الكرامة 3: 461 السطر 26: و ليس فيما عندنا من نسخ المقنعة لذلك عين و لا أثر، و لعلّهم توهموا ذلك مما أصّله الشيخ في التهذيب 3: 47 ذيل ح 162، فظنّوا أنّه كذلك من كلام المفيد، و ليس ذلك قطعاً ...].

(2) الوسائل 8: 390/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 1، الفقيه 1: 258/ 1173 التهذيب 3: 48/ 165.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 32.

235

..........

____________

الإطلاق عدم الفرق بين السهو و العمد كما لا يخفى.

و منها: صحيحة علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به بالبناء على المعلوم أو المجهول ثمّ يرفع رأسه قبل الإمام، قال: يعيد بركوعه معه» (1) و هي مثل السابقة في الإطلاق المزبور و في الاشتمال على الأمر الظاهر في الوجوب، و نحوهما غيرهما.

لكن بإزائها موثّقة غياث بن إبراهيم قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام أ يعود فيركع إذا أبطأ الإمام و يرفع رأسه معه؟ قال: لا» (2) فانّ ظاهرها النهي، و هي أيضاً مطلقة من حيث العمد و السهو كالطائفة السابقة، فتقع المعارضة بينهما.

و ربما يناقش في سندها بأنّ غياثاً فاسد المذهب، لكونه بترياً، فالرواية ضعيفة غير منجبرة بعمل المشهور، فلا تنهض لمعارضة النصوص السابقة.

و فيه: أنّ الرجل وثّقه النجاشي (3) صريحاً، و فساد المذهب غير مانع عن العمل و حجّية الخبر عندنا بعد أن كان الراوي ثقة كما تقرّر في محلّه. فالمعارضة مستقرّة و لا بدّ من العلاج.

فعن جماعة حمل الأمر في الطائفة الأُولى على الاستحباب، و من هنا التزموا بأن العود أفضل، فجعلوا هذه الموثّقة قرينة على صرف الأمر عن ظاهره إلى الندب.

و عن الشيخ الجمع بينهما بحمل الموثّقة على صورة العمد، و تلك النصوص على غير العمد من السهو أو اعتقاد الرفع (4). و اعترضه غير واحد (5) بأنّه جمع‌

____________

(1) الوسائل 8: 391/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 3.

(2) الوسائل 8: 391/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 6.

(3) رجال النجاشي: 305/ 833.

(4) التهذيب 3: 47 ذيل ح 164.

(5) منهم المحدّث البحراني في الحدائق 11: 142، و السيد العاملي في مداركه 4: 329.

236

..........

____________

تبرّعي لا شاهد عليه، فلا يمكن المصير إليه، و أنّ مقتضى الجمع العرفي هو الأوّل.

لكن الصحيح هو الجمع الذي ذكره الشيخ، و ليس الأوّل من الجمع العرفي في شي‌ء، فانّ الحمل على الاستحباب إنّما يتّجه فيما إذا كان الدليل الآخر المقابل للوجوب صالحاً للقرينية، بحيث لو جمعا في كلام واحد و أُلقيا على العرف لم يرَ العرف تنافياً بين الصدر و الذيل، و لم يبق متحيّراً، بل يجعل أحدهما قرينة على التصرّف في الآخر و كاشفاً عن المراد منه، كما في مثل قوله: افعل، و قوله: لا بأس بتركه، إذ يرى العرف أنّ الترخيص في الترك قرينة على إرادة الاستحباب من الأمر.

و ليس المقام من هذا القبيل بالضرورة، فإنّ أحد الدليلين متضمّن للأمر و الآخر للنهي، و بينهما كمال المنافاة، فلو جمعا في كلام واحد و قيل: «يعيد بركوعه» كما في صحيحة ابن يقطين و «لا يعود» كما في الموثّقة بقي أهل العرف متحيّرين، و رأوا تناقضاً في الكلام.

فالجمع الدلالي بهذا النحو متعذّر، و المعارضة مستقرّة، إذ قد تعلّق النهي بعين ما تعلّق به الأمر، و المتعيّن إنّما هو الجمع الثاني الذي ذكره الشيخ، و ليس هو من الجمع التبرّعي في شي‌ء.

و توضيحه: أنّ النسبة بين الدليلين و إن كان هو التباين، حيث إنّ كلا منهما مطلق من حيث العمد و السهو، و قد تعلّق النهي بعين ما تعلّق به الأمر كما عرفت، لكن فرض السهو و ما يلحق به من اعتقاد الرفع خارج عن إطلاق موثّقة غياث جزماً، للقطع الخارجي بجواز العود حينئذ، و قد تسالم عليه الفقهاء، و من هنا اختلفوا في وجوبه أو استحبابه، الكاشف عن المفروغية عن الجواز و المشروعية من غير نكير.

و يؤيّد القطع المزبور موثّقة ابن فضال قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا‌

237

..........

____________

(عليه السلام): في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الإمام و هو يظنّ أنّ الإمام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه، ثمّ أعاد الركوع مع الإمام، أ يفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب (عليه السلام): تتمّ صلاته و لا تفسد صلاته بما صنع» (1) إذ قد تضمّنت صريحاً جواز العود في مورد الظنّ و الاعتقاد بالخصوص.

و موردها و إن كان ركوع المأموم قبل ركوع الإمام، على عكس ما هو المذكور في تلك النصوص من رفع رأسه عن الركوع قبل الإمام، إلّا أنّ الظاهر بل لا ينبغي الشكّ في عدم الفرق في حكم المسألة بين الصورتين كما لا يخفى.

و على الجملة: فالقطع الخارجي المؤيّد بهذه الموثّقة يوجب التخصيص في عموم موثّقة غياث، فيختص موردها بصورة العمد لا محالة (2).

و عليه فتنقلب النسبة بين الموثّقة و بين الروايات المتقدّمة الآمرة بالعود من التباين إلى العموم و الخصوص المطلق، فتخصّص موثّقة غياث تلك النصوص و توجب حملها على ما عدا صورة العمد. و قد ذكرنا في محلّه أنّ انقلاب النسبة أمر لا مناص من الالتزام به، فانّ المدار في ملاحظة النسبة ليس على مجرّد الظهورات، بل بما يكون حجّة منها، و العام بعد ورود التخصيص عليه‌

____________

(1) الوسائل 8: 391/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4.

(2) هذا مع أنّه من تنزيل المطلق على الفرد النادر كما لا يخفى، مبنيّ على أن يكون السؤال عن الجواز، ليكون الجواب ظاهراً في النهي دون الوجوب، و هو قابل للمنع، كيف و الجواز في صورة السهو و ما يلحقه من اعتقاد الرفع مقطوع به كما أفاده (دام ظله) فلا موقع للسؤال، و معه لا موضوع للقطع المزبور.

و إن شئت فقل: المحافظة على أصالة الإطلاق و على ظهور النهي في الإلزام متعذّر، فنعلم إجمالًا بلزوم رفع اليد عن أحد الظهورين، و لا مرجح في البين.

إلّا أن يقال: إنّ بناءهم في أمثال هذه الموارد على ترجيح الثاني. أ لا ترى أنّه إذا ورد لا تكرم العلماء، و علمنا من الخارج جواز إكرام عدولهم، فإنّه لا يحمل النهي حينئذ على نفي الوجوب، بل يخصّص العموم، فتدبّر جيّداً.

238

لكن الأحوط إعادتها بعد الإتمام (1)، بل لا يترك الاحتياط إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب و لم يتابع مع الفرصة لها، و لو ترك المتابعة حينئذ سهواً أو لزعم عدم الفرصة لا يجب الإعادة و إن كان الرفع قبل الذكر، هذا.

____________

لا يكون حجّة إلا في الخاصّ، فلا تلاحظ النسبة إلّا معه، دون العموم و إن كان ظاهراً فيه (1).

و نتيجة ذلك اختصاص الموثّقة بصورة العمد، و تلك النصوص بغير العمد من السهو أو الاعتقاد كما ذكره الشيخ (قدس سره)، و بذلك يرتفع التنافي بين الطائفتين و يختصّ الوجوب بغير العمد كما عليه المشهور، فلو لم يعد كان آثماً أو بطلت جماعته و انقلبت فرادى على الخلاف المتقدّم (2) من أنّ المتابعة واجب تعبّدي أو شرطي لصحّة الجماعة.

(1) الوجه في هذا الاحتياط إمّا دعوى احتمال كون المتابعة شرطاً في صحّة الصلاة نفسها، فتبطل لدى عدم العود و ترك المتابعة، و قد عرفت ضعفها، و أنّه لا دليل على هذا الاشتراط أصلًا. و مع الشكّ فهو مدفوع بأصالة البراءة.

أو دعوى أنّ عدم العود موجب للانفراد، و لا تجوز نيّة الانفراد أثناء الصلاة. و قد عرفت ضعفها أيضاً، و أنّ المكلّف مخيّر بين الجماعة و الفرادى حدوثاً و بقاء. فكما له الخيار من الأوّل فكذا في الأثناء، و ليست الجماعة واجبة في شي‌ء من الحالتين.

أو دعوى أنّ المستفاد من الأمر بالعود في خصوص المقام جزئية الركوع أو السجود المعادين، فالركوع المعاد لأجل التبعية واجب بالوجوب الضمني لكون الأمر إرشاداً إلى الجزئية، فكأنّ هذه الركعة تمتاز عن بقيّة الركعات في كونها ذات ركوعين أو ذات ثلاث سجدات، و عليه فلو لم يعد فقد ترك جزءاً‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 386، 401.

(2) في المسألة السابقة.

239

..........

____________

من الركعة، و لم يأت بها على وجهها، فتجب إعادة الصلاة.

و فيه: أنّ الأمر بالعود غير ظاهر فيما ذكر، بل ظاهره الوجوب الشرطي كما سبق، و أنّ الشرط في صحّة الجماعة هو العود رعاية للمتابعة، فلو لم يعد فقد أخلّ بشرط الجماعة لا أنّه ترك جزءاً، فغايته انقلاب الصلاة فرادى. فلا موجب للإعادة.

و بالجملة: فالوجه في الاحتياط المزبور أحد هذه الوجوه الثلاثة. و في الكلّ ما لا يخفى.

نعم، يتأكّد الاحتياط بالإعادة فيما إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب و لم يتابع مع الفرصة لها، و لذا ذكر في المتن قوله: بل لا يترك الاحتياط إذا رفع ... إلخ. و الوجه فيه ظاهر، إذ قد أخلّ بالذكر الواجب مع إمكان التدارك بالعود إلى الركوع تبعاً و إتيانه فيه، فلو لم يعد فقد ترك جزءاً من أجزاء الصلاة عامداً، فتلزمه الإعادة.

و لكنّه يندفع بعدم إمكان التدارك، إذ ليس الذكر واجباً في كلّ ركوع أو سجود ليمكن التدارك، بل في خصوص ما يكون جزءاً من الصلاة، و هو صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات. فالركوع الصلاتي المعدود من أجزائها إنّما هو الركوع الأوّل، و لا يجب الذكر إلّا فيه، و قد ترك حسب الفرض، و لا يمكن التدارك، لامتناع إعادة المعدوم. و الركوع الثاني واجب شرطي لصحّة الجماعة، و ليس من الركوع الصلاتي في شي‌ء، فلا يجب فيه الذكر، بل ليس له أن يأتي به فيه بعنوان الوظيفة المقرّرة و تداركاً لما فات كما لا يخفى.

و منه يظهر أنّه لو ترك المتابعة حينئذ سهواً أو لزعم عدم الفرصة لا تجب الإعادة، و إن كان الرفع قبل الذكر كما أشار إليه في المتن، إذ هو في حكم نسيان الذكر، المحكوم بالصحّة لحديث لا تعاد (1).

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

240

و لو رفع رأسه عامداً لم يجز له المتابعة (1) و إن تابع عمداً بطلت صلاته للزيادة العمدية، و لو تابع سهواً فكذلك إذا كان ركوعاً أو في كلّ من السجدتين، و أمّا في السجدة الواحدة فلا.

____________

(1) أمّا بناءً على ما اخترناه من كون المتابعة واجباً شرطياً معتبراً في مجموع الصلاة فظاهر، للإخلال بالشرط عند رفع الرأس عامداً، فتبطل الجماعة و تنقلب الصلاة فرادى. و لا دليل على مشروعية العود في الأثناء بعد الانفراد، فلا تجوز له المتابعة.

و أمّا على المسلك الآخر أعني القول بالوجوب التعبّدي فالوجه في عدم الجواز أمران:

أحدهما: أنّ العود يستلزم الركوع أو السجود عمداً، فيشمله عموم دليل قادحية الزيادة. و لم يثبت الاغتفار هنا، لما عرفت من اختصاص النصوص الآمرة بالعود بالرفع السهوي و ما يلحق به من الاعتقاد، دون الرفع متعمداً كما هو محلّ الكلام.

ثانيهما: أنّ موثّقة غياث قد تضمّنت النهي، المحمول على صورة العمد كما مرّ (1)، فلأجلها يمنع عن العود.

و بالجملة: فالعود ممنوع على كلا المسلكين، فلو عاد و تابع حينئذ فإن كان عمداً بطلت صلاته، للزوم الزيادة العمدية كما أشار إليه في المتن. و إن كان سهواً فان كان في ركن كالركوع أو السجدتين بطلت أيضاً، لعموم ما دلّ على قدح زيادة الركن مثل قوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة و إنّما تعاد من ركعة (2) المفسّرة بالركوع، و غيره ممّا دلّ على القدح، و إن كان في سجدة واحدة فلا تبطل، لما دلّ على العفو عن زيادتها السهوية كالحديث المتقدّم، و كذا حديث لا تعاد بعد كون المراد من السجود في عقد الاستثناء‌

____________

(1) في ص 235 236.

(2) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2، 3.

241

[مسألة 10: لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام سهواً ثمّ عاد إليه للمتابعة]

[1932] مسألة 10: لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام سهواً ثمّ عاد إليه للمتابعة فرفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حدّ الركوع فالظاهر بطلان الصلاة، لزيادة الركن من غير أن يكون للمتابعة، و اغتفار مثله غير معلوم (1) و أمّا في السجدة الواحدة إذا عاد إليها و رفع الإمام رأسه قبله فلا بطلان لعدم كونه زيادة ركن و لا عمديّة. لكن الأحوط الإعادة بعد الإتمام (2).

____________

السجدتين بقرينة الحديث المتقدّم، فيدرج المقام في عقد المستثنى منه. و لأجله يحكم بالصحّة.

(1) و الوجه فيه ظاهر، فانّ مورد النصوص الحاكمة بالاغتفار (1) ما إذا تابع الإمام في الركوع بحيث رفع رأسه معه، و أمّا إذا لم يدركه فيه فركع بتخيّل المتابعة و لم تتحقّق خارجاً فمثله غير مشمول للنصّ، فيقع الركوع على صفة الزيادة، لا سيما و قد أتى به بعنوان الجزئية، فإنّ الركوع للمتابعة جزء من الصلاة جماعة كما سنوضّحه في المسألة الآتية، فيشمله عموم ما دلّ على قدح زيادة الركن الموجب لبطلان الصلاة، هذا كلّه في الركوع.

و أمّا إذا كان ذلك في السجدة الواحدة فلا بطلان بعد أن لم تكن ركناً، كما أنّ الزيادة لم تكن عمدية، فيشملها قوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة.

(2) كأنّ الوجه فيه دعوى قصور ما دلّ على عدم قدح الزيادة السهوية في السجدة الواحدة عن الشمول للمقام، لاختصاصه بما إذا لم يكن ملتفتاً إلى الزيادة حينما يأتي بالسجدة، كما لو سجد باعتقاد أنّها الثانية فانكشف أنّها الثالثة. و أمّا في المقام فهو ملتفت إلى الزيادة، غايته أنّه يعتقد اغتفارها لتخيّل اتّصافها بالمتابعة. فلا دليل على عدم القدح في مثله.

لكنّه يندفع بإطلاق دليل عدم القدح مثل حديث لا تعاد و نحوه من‌

____________

(1) تقدّم ذكر بعضها في ص 234 235.

242

[مسألة 11: لو رفع رأسه من السجود فرأى الإمام في السجدة فتخيّل أنّها الاولى فعاد إليها]

[1933] مسألة 11: لو رفع رأسه من السجود فرأى الإمام في السجدة فتخيّل أنّها الاولى فعاد إليها بقصد المتابعة فبان كونها الثانية حسبت ثانية (1) و إن تخيّل أنّها الثانية فسجد اخرى بقصد الثانية فبان أنّها الاولى حسبت متابعة، و الأحوط إعادة الصلاة في الصورتين بعد الإتمام.

____________

هذه الجهة، إذ لم يتقيّد بعدم الالتفات إلى الزيادة حين العمل.

نعم، الممنوع ما إذا كانت الزيادة عمديّة، و أمّا إذا كانت سهوية أو كان معذوراً في الإتيان لتخيّل الأمر و إن كان ملتفتاً إلى الزيادة فحديث لا تعاد القاضي بعدم الإعادة من ناحية الخلل الناشئ من قبل السجدة غير قاصر الشمول للمقام كما لا يخفى. فهذا الاحتياط استحبابي كما في المتن، و لا تجب رعايته.

(1) لكونه من قبيل الاشتباه في التطبيق، غير القادح في الامتثال، و كذا الحال في عكسه، أعني ما لو تخيّل أنّها الثانية فسجد اخرى بقصد الثانية فبان أنّها الاولى، فإنّها تحسب متابعة، لما ذكر، و يأتي بالثانية مع الإمام. لكنّه (قدس سره) احتاط بإعادة الصلاة في كلتا الصورتين بعد الإتمام.

و الوجه في ذلك: أنّ السجود بقصد المتابعة و كذا الركوع زيادة مغتفرة في الصلاة و ليس من أجزائها، فهو بحسب الطبيعة يغاير السجود الصلاتي و يباينه، و لا ينطبق أحدهما على الآخر، فانّ هذا جزء و تلك زيادة و إن كانت مغتفرة، فاحتساب أحدهما عن الآخر يحتاج إلى الدليل، و مقتضى القاعدة عدم الاحتساب.

و لكنّه يندفع بالمنع عن عدم جزئيّة المأتي به للمتابعة. فإنّك قد عرفت سابقاً (1) أنّ المأمور به إنّما هو الجامع بين الصلاة جماعة و فرادى، و كلّ منهما عدل للواجب التخييري، و لكلّ منهما مزايا و خصوصيات و أحكام خاصّة.

____________

(1) في ص 148.

243

..........

____________

فكما أنّ من أحكام الجماعة سقوط القراءة، و رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر لدى الشكّ في الركعات، و نحو ذلك، فكذا من مختصّاتها اشتمال الركعة على ركوعين أو ثلاث جسدات بالإضافة إلى المأموم في خصوص ما لو رفع رأسه قبل الإمام سهواً.

فأحد الركوعين جزء من طبيعي الصلاة الجامع بين العدلين، و كذا السجدتان، و الركوع الآخر أو السجدة الأُخرى جزء لخصوص أحد العدلين و هي الجماعة في حالة خاصّة. فهو و إن كان زيادة بالإضافة إلى الطبيعي الجامع لكنّه جزء من الجماعة، فهي تمتاز و تختصّ بهذا الحكم، و هو أنّ في ركعتها ركوعين كلّ منهما جزء منها، أحدهما باعتبار الجزئية لأصل الطبيعة و الآخر باعتبار الجزئية لنفس هذا العدل، و كلّ منهما يؤتى بعنوان الجزئية بالاعتبارين.

و عليه فيكون الاحتساب المزبور لدى الاشتباه و الخطأ في التطبيق على طبق القاعدة، إذ لا يعتبر في صحّة العبادة أكثر من الإتيان بذات المأمور به مع قصد القربة، و لا يضرّ التخلّف في سائر الأوصاف التي هي من قبيل الدواعي. فلو أتى بالسجدة باعتقاد أنّها الثانية فبان أنّها الاولى، أو بالعكس، أو بالركعة بتخيّل أنّها الثالثة فانكشف أنّها الرابعة و بالعكس صح كلّ ذلك بلا ريب، إذ لا مدخل للاعتقاد المزبور نفياً أو إثباتاً في صحّة العبادة بعد الإتيان بها على وجهها.

و المقام من هذا القبيل، إذ بعد ما عرفت من جزئية السجود المقصود به المتابعة كالأصلي، و الإتيان بكلّ منهما بعنوان الجزئية. فتخيّل اتّصاف المأتي به بصفة المتابعة مع كونه بحسب الواقع سجوداً أصلياً أو بالعكس غير قادح في اجتزائه عن المأمور به و احتسابه عنه، لكونه من قبيل التخلّف في الداعي و الاشتباه في التطبيق، غير القادح في الصحّة بلا إشكال. فالاحتياط المذكور في المتن استحبابي كما ذكره، و لا تجب مراعاته.

244

[مسألة 12: إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمداً لا يجوز له المتابعة لاستلزامه الزيادة العمدية]

[1934] مسألة 12: إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمداً لا يجوز له المتابعة لاستلزامه الزيادة العمدية، و أمّا إذا كانت سهواً وجبت المتابعة [1] بالعود إلى القيام أو الجلوس ثمّ الركوع أو السجود معه، و الأحوط الإتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين، بأن يأتي بالذكر ثمّ يتابع و بعد المتابعة أيضاً يأتي به، و لا بأس بتركه. و لو ترك المتابعة ع مداً أو سهواً لا تبطل صلاته و إن أثم [2] في صورة العمد.

نعم لو كان ركوعه قبل الإمام في حال قراءته فالأحوط البطلان مع ترك المتابعة، كما أنّه الأقوى إذا كان ركوعه قبل الإمام عمداً في حال قراءته، لكن البطلان حينئذ إنّما هو من جهة ترك القراءة و ترك بدلها و هو قراءة الإمام، كما أنّه لو رفع رأسه عامداً قبل الإمام و قبل الذكر الواجب بطلت صلاته من جهة ترك الذكر (1).

____________

(1) بعد ما فرغ (قدس سره) عن حكم رفع الرأس عن الركوع أو السجود قبل الإمام تعرّض لبيان حكم عكس المسألة، و هو ما لو ركع أو سجد قبل الإمام. و يقع الكلام تارة فيما لو فعل ذلك عامداً و اخرى ساهياً.

أمّا في فرض العمد: فلا إشكال في عدم جواز العود و المتابعة، لاستلزامه الزيادة العمدية المبطلة من غير دليل على اغتفارها كما هو واضح.

و هل تبطل صلاته بذلك؟ قد يفرض أنّه أهوى إلى الركوع بعد الفراغ عن القراءة في الأولتين كما في حال القنوت، أو عن التسبيحة في الأخيرتين و اخرى يفرض الهوي حال التشاغل بهما أو قبل الشروع فيهما.

أمّا في الفرض الأوّل: فيبتني البطلان على الخلاف المتقدّم (1) في حكم‌

____________

[1] على الأحوط الأولى.

[2] مرّ أنّه لا إثم، و إنّما تبطل جماعته.

____________

(1) في ص 229.

245

..........

____________

وجوب المتابعة من أنّها واجب تعبّدي أو شرطيّ للصلاة أو للجماعة، فعلى الأوّل صحّت صلاته و جماعته و ليس عليه إلّا الإثم، و على الثاني بطلت صلاته، و على الثالث كما هو الحقّ على ما مرّ بطلت الجماعة و انقلبت فرادى، و لا إثم عليه.

و أمّا في الفرض الثاني: فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة نفسها، لا لأجل الإخلال بالمتابعة، بل من أجل ترك القراءة أو التسبيحة عامداً، فلم يأت لا بها و لا ببدلها و هو قراءة الإمام، فتبطل الصلاة من هذه الجهة لا محالة.

و بعين هذا البيان يظهر البطلان فيما لو أخلّ بالذكر الواجب في الركوع أو السجود في مسألة الرفع المتقدّمة، فلو رفع رأسه عن الركوع أو السجود قبل الإمام عامداً قبل أن يأتي بالذكر بطلت صلاته من أجل الإخلال بالذكر الواجب عامداً كما هو واضح، و قد أشار إليه الماتن في آخر هذه المسألة.

و أمّا في فرض السهو: فلا إشكال في مشروعيّة العود و جواز المتابعة و إن استلزمت الزيادة العمديّة، فإنّها مغتفرة في المقام، لموثّق ابن فضال قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الإمام، و هو يظنّ أنّ الإمام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثمّ أعاد الركوع مع الإمام، أ يفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب (عليه السلام): تتمّ صلاته و لا تفسد صلاته بما صنع» (1).

و مورده و إن كان هو الركوع لكن يلحق به السجود بالأولوية القطعية، إذ لو جازت المتابعة المستلزمة للزيادة في الركوع و هو ركن ففي السجود بطريق أولى، مضافاً إلى ظهور التسالم عليه.

كما أنّ مورده و إن كان هو الظنّ أعني الاعتقاد أو الاطمئنان كما لا يخفى لكن لا ينبغي الشكّ في التحاق السهو به، إذ لا يحتمل أن تكون للظنّ خصوصية منقدحة في ذهن السائل، و إنّما ذكره بياناً للعذر في مقابل العمد.

____________

(1) الوسائل 8: 391/ أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4.

246

..........

____________

و بعبارة اخرى: لو كان التقييد بالظنّ مذكوراً في كلام الإمام (عليه السلام) أمكن اختصاص الحكم به، إذ من الجائز أن تكون للظنّ خصوصية لا نعرفها فلا يمكن التعدّي حينئذ إلى السهو، لكنّه مذكور في كلام السائل، و من المقطوع به بمقتضى الفهم العرفي عدم تعلّق العناية به بالخصوص، و إنّما غرضه من السؤال الاستعلام عمّا إذا ركع المأموم قبل الإمام ركوعاً لا يكون عامداً فيه بطبيعة الحال، بل يكون عادة من جهة العذر. فذكر الظنّ مثالًا للعذر من دون خصوصية فيه، و مثاله الآخر السهو، فكأنّ السؤال عن مطلق المعذورية في مقابل العمد، فيرد الجواب على هذا المطلق.

و بالجملة: فلا ينبغي الإشكال في شمول الحكم للظنّ و السهو، كشموله للركوع و السجود، و أنّ الموثّق يدلّ على التعميم من كلتا الجهتين بالتقريب المتقدّم.

ثمّ إنّ الموثّق لا يدلّ إلّا على أصل الجواز و مشروعية العود و المتابعة كما ذكرنا، لدلالته على إمضاء ما فعله المأموم المذكور في السؤال، و أنّ صلاته لا تفسد بذلك، و أمّا أنّه واجب أم لا فلا تعرّض فيه من هذه الناحية، فيبتني الوجوب على البحث المتقدّم في المتابعة من أنّها واجب تعبّدي أو شرطي للصلاة أو للجماعة، و كلّ على مبناه.

و حيث إنّ المختار هو الأخير كما مرّ فلا تجب، بل غايته بطلان الجماعة لو لم يتابع، فتصح صلاته فرادى و لا إثم عليه، خلافاً للمتن حيث التزم بالإثم بناءً على مسلكه من الوجوب التعبّدي.

هذا من ناحية المتابعة، و أمّا من ناحية القراءة فإن كان الركوع السهوي بعد استكمال الإمام للقراءة أو فراغ المأموم عن التسبيحة في الأخيرتين فلا إشكال في الصحّة كما هو واضح، و أمّا إذا كان في الأثناء أو قبل الشروع فقد احتاط في المتن بالإعادة لو ترك المتابعة، و الوجه في الاحتياط أنّه قد ترك القراءة و لم يأت لا بها و لا ببدلها أعني قراءة الإمام مع إمكانه التدارك بالعود‌

247

..........

____________

فعدم المتابعة يوجب الإخلال بالقراءة عامداً، فتبطل صلاته بذلك.

و يندفع: بعدم إمكان التدارك، فإنّ القراءة و إن كانت واجبة لكنّها لا تجب مطلقاً، بل في ظرفها و محلّها المقرّر لها شرعاً، و هو قبل الركوع. و من هنا ذكرنا سابقاً (1) أنّه لو نسي القراءة في الأولتين لا تتعيّن عليه في الأخيرتين تمسّكاً بقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، بل التخيير بينها و بين التسبيح الثابت في الأخيرتين باقٍ على حاله.

فانّ الحديث لا يدلّ على وجوب الفاتحة في أيّ مورد كان، بل في موطنها الخاص، فهو كقولنا: لا صلاة إلّا بالتشهّد، لا يدلّ إلّا على الوجوب في المحلّ المعهود الذي عيّنه الشارع و قرّره.

و بما أنّ الركوع قد تحقّق في المقام و لو سهواً فقد فات محلّ القراءة، و لا يمكن التدارك بعدئذ حتّى بالعود و الإتيان بالركوع الثاني متابعة، فانّ هذا الركوع و إن كان جزءاً من الصلاة كالركوع الأصلي كما سبق (3) لكن المحلّ الشرعي المقرّر للقراءة الصلاتية إنّما هو ما قبل الركوع على نحو صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات.

و بعبارة اخرى: الركوع متابعة و إن كان جزءاً لكنّه جزء من صلاة الجماعة التي هي عدل للواجب التخييري في حالة خاصّة، و الركوع الأصلي جزء من طبيعي الصلاة الجامع بينها و بين الفرادى على ما بيناه سابقاً، و المحلّ الشرعي للقراءة هو ما قبل الركوع الذي هو جزء من طبيعي الصلاة المنطبق على الوجود الأوّل، و قد فات هذا المحلّ بالإتيان بذات الركوع المحكوم بالصحّة في نفسه حسب الفرض، فلا يمكن التدارك، لامتناع إعادة المعدوم، فلو عاد و أتى بالقراءة فليست هي من القراءة الصلاتية لتكون تداركاً لما فات.

____________

(1) شرح العروة 14: 454.

(2) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، راجع ص 18، الهامش (1).

(3) في المسألة السابقة.

248

[مسألة 13: لا يجب تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في الأقوال فلا تجب فيها المتابعة]

[1935] مسألة 13: لا يجب تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في الأقوال فلا تجب فيها المتابعة سواء الواجب منها و المندوب، و المسموع منها من الإمام و غير المسموع، و إن كان الأحوط التأخّر خصوصاً مع السماع و خصوصاً في التسليم، و على أيّ حال لو تعمّد فسلّم قبل الإمام لم تبطل صلاته، و لو كان سهواً لا يجب إعادته بعد تسليم الإمام، هذا كلّه في غير تكبيرة الإحرام، و أمّا فيها فلا يجوز التقدّم على الإمام، بل الأحوط تأخّره عنه بمعنى أن لا يشرع فيها إلّا بعد فراغ الإمام منها، و إن كان في وجوبه تأمّل (1).

____________

و عليه فبما أنّ القراءة المتروكة قد تركت سهواً كما هو المفروض فهي مشمولة لحديث لا تعاد، فلا تبطل الصلاة من أجلها. فالاحتياط المذكور في المتن بالإعادة ضعيف.

و من هذا البيان يظهر ضعف الاحتياط الآخر الذي ذكره الماتن من الإتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين الأصلي و المتابعتي، فانّ موطن الذكر الواجب و محلّه الشرعي إنّما هو صرف وجود الركوع أو السجود المنطبق على أوّل الوجودات، فلا يجب الذكر إلّا في الأصلي منهما المعدود من أجزاء طبيعي الصلاة، و قد فات ذاك المحلّ برفع الرأس عنهما، و لا دليل على وجوبه في التبعي منهما، بل لو أتى بالذكر فيهما لم يكن تداركاً لما فات كما لا يخفى.

(1) يقع الكلام تارة في تكبيرة الإحرام، و أُخرى في التسليمة، و ثالثة في غيرهما من سائر الأقوال و الأذكار.

أمّا في تكبيرة الإحرام: فلا إشكال كما لا خلاف في عدم جواز التقدّم فيها على الإمام، لمنافاته مع مفهوم القدوة و الائتمام، فانّ الاقتداء يتقوّم بوجود من يقتدى به و يمتنع تحقّقه بدونه، و مع السبق لا إمام بعدُ كي يؤتمّ به، إذ لا يعقل الائتمام من غير إمام، و هذا ظاهر.

و تؤيّده جملة من الأخبار:

249

..........

____________

منها: النبوي المتقدّم: «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به، فاذا كبّر فكبّروا ...» (1) إلخ، دلّ بمقتضى التفريع على تأخّر التكبير عن تكبير الإمام، فلا يجوز التقدّم عليه. لكنّه ضعيف السند، و إن كان مضمونه موافقاً للارتكاز. فلا يصلح إلّا للتأييد.

و منها: رواية علي بن جعفر المرويّة في قرب الإسناد: «عن الرجل يصلّي له أن يكبر قبل الإمام؟ قال: لا يكبّر إلّا مع الإمام، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» (2).

و قد تقدّمت هذه الرواية سابقاً (3) و قلنا: إن صاحب الوسائل ذكرها في أبواب صلاة الجنازة، و ذكر أنّ الحميري أيضاً أوردها في باب صلاة الجنازة و أنّه يظهر (4) منه أنّه كان كذلك في كتاب علي بن جعفر أيضاً. و عليه فالرواية مربوطة بذاك الباب و أجنبية عن المقام.

مضافاً إلى قصور دلالتها في نفسها على المقام، إذ لم يصرّح فيها بتكبيرة الإحرام، فمن الجائز إرادة التكبيرات المستحبّة أو التكبيرات الخمس في صلاة الجنازة، بل لا يمكن تطبيقه على تكبيرة الإحرام، لأنّه لو كبّر قبل الإمام فان لم يعدها و ائتم بقاءً مع الإمام بعد ما كبّر كان ذلك من الاقتداء في الأثناء، و هو غير مشروع كما سبق. و إن أعادها بطلت صلاته بذلك كما لا يخفى، فكيف أمر (عليه السلام) بالإعادة بقوله: «فان كبّر قبله أعاد التكبير»؟

و الحاصل: أنّ حملها على التكبيرات في صلاة الأموات لا محذور فيه، لعدم المانع عن الإعادة التي أُمر بها لو كبّر قبل الإمام، بخلاف ما نحن فيه، للزوم المحذور كما عرفت. فهذا يؤيّد ما ذكرناه من كونها أجنبية عن المقام، هذا. مع‌

____________

(1) المستدرك 6: 492/ أبواب صلاة الجماعة ب 39 ذيل ح 2، 1 و قد تقدّم في ص 224.

(2) الوسائل 3: 101/ أبواب صلاة الجنازة ب 16 ح 1، قرب الإسناد: 218/ 854.

(3) في ص 226.

(4) [سقط قول صاحب الوسائل هذا من الطبعة الجديدة].

250

..........

____________

أنّ الرواية ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن كما أشرنا إليه سابقاً.

و منها: ما استند إليه في الجواهر (1) من خبر أبي سعيد الخدري المروي عن المجالس مسنداً إليه عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) «قال: إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم و أقيموها، و سوّوا الفرج، و إذا قال إمامكم: اللّٰه أكبر فقولوا: اللّٰه أكبر» (2).

قال صاحب الوسائل عند ذكر الخبر: بإسناد تقدم في إسباغ الوضوء عن أبي سعيد الخدري. و السند مذكور في أبواب الوضوء (3) و هو ضعيف جدّاً لاشتماله على جمع من الضعفاء و المجاهيل، فلا يصلح الخبر إلّا للتأييد، و إن كانت الدلالة تامّة.

فالعمدة في المنع عن التقدّم ما ذكرناه من المنافاة لمفهوم الائتمام كما عرفت.

و هل يجب التأخّر بمعنى أن لا يشرع فيها إلّا بعد فراغ الإمام منها، أو يجوز الشروع في الأثناء و قبل أن يفرغ؟ ذكر في المتن أنّ الأحوط الأوّل و إن كان في وجوبه تأمّل.

و يستدلّ للوجوب تارة: بالنبويّ المتقدّم، فانّ قوله (عليه السلام): «فاذا كبّر فكبّروا» ظاهر في أنّ الشرط صدور التكبير عن الإمام و تحقّقه خارجاً المتوقّف على فراغه و انتهائه عنه، و بعدئذ يشرع المأموم في التكبير.

و أُخرى: بخبر أبي سعيد الخدريّ المتقدّم آنفاً، المتّحد مضمونه مع النبوي.

و فيه: أنّ ضعف سنديهما مانع عن الاستدلال، فلا يمكن التعويل عليهما و إن كانت الدلالة تامّة.

و ثالثة: بما ذكره في الجواهر من عدم صدق الاقتداء بالمصلّي ما لم يفرغ الإمام عن التكبير، فإنّه بمجرّد الشروع فيه و إن صدق عليه أنّه شرع في‌

____________

(1) الجواهر 13: 207.

(2) الوسائل 8: 423/ أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 6، أمالي الصدوق: 400/ 516.

(3) الوسائل 1: 488/ أبواب الوضوء ب 54 ح 3.