موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
251

..........

____________

الصلاة باعتبار أنّ جزء الجزء جزء، لكن لا يصدق عليه عرفاً عنوان المصلّي قبل استكماله التكبير، و معه لا يتحقّق الاقتداء بالمصلّي، الذي تدور مداره صحّة الجماعة على ما يستفاد من الأدلّة. و على تقدير تسليم الصدق فلا أقلّ من عدم انصراف الإطلاق إليه (1).

و فيه: مع تسليم ما ذكر أنّا لم نجد في شي‌ء من الأدلّة ما يدلّ على اعتبار الاقتداء بالمصلّي كي يمنع في المقام عن الصدق أو يدّعى الانصراف، و إنّما الوارد فيها الاقتداء بالشخص حال الصلاة على ما يستفاد من مثل قوله: صلّ خلف من تثق بدينه (2) فلا يعتبر في الصحّة إلّا حصول الاقتداء به في الصلاة، لا صدق اسم المصلّي عليه و تلبّسه بهذا العنوان، و لا شكّ في صدق الاقتداء به فيها و إن شرع في التكبير قبل فراغ الإمام، إذ يصحّ حينئذ أن يقال: إنّه صلّى خلف من يثق بدينه.

و عليه فالأقوى جواز ذلك، فلا يجب تأخّر الشروع عن الفراغ.

و هل تجوز المقارنة الحقيقية، أو يجب التأخّر في الشروع و لو بمقدار همزة اللّٰه أكبر؟ الظاهر هو الأوّل، لتحقّق المتابعة بمجرّد المقارنة و ارتباط صلاته بصلاة الإمام. و قد عرفت عدم اعتبار اتّصافه بعنوان المصلّي قبل الاقتداء، بل يكفي صدق الاقتداء خلف من يوثق بدينه و أمانته حال الصلاة، و هو حاصل في المقام، من غير فرق بين الابتداء و الأثناء.

لكنّ هذا البحث قليل الجدوى، إذ لا يمكن إحراز المقارنة الحقيقية غالباً لو لم يكن دائماً، بل إمّا أن يتقدّم أو يتأخّر، فيبطل على الأوّل كما مرّ، و لا مقارنة على الثاني.

و على الجملة: لا مناص من التأخّر شيئاً ما من باب المقدمة العلميّة حذراً‌

____________

(1) الجواهر 13: 207.

(2) راجع ص 50، الهامش رقم (3).

252

..........

____________

عن التقدّم، و معه تنتفي المقارنة الحقيقية. فهذا البحث قليل الجدوى كما ذكرنا و إن كان على تقدير الاتّفاق محكوماً بالصحّة.

ثم على تقدير المقارنة الحقيقية أو الشروع بعد شروع الإمام شيئاً ما فهل يجوز الفراغ قبل فراغه أم لا بدّ من التأخّر، فلا يجوز التقدّم ختاماً كما لا يجوز شروعاً؟

قد يقال بالأول، نظراً إلى أنّ المدار في صدق المتابعة على الشروع، فيكفي في التأخّر التأخّر في الشروع أو عدم التقدّم فيه على الخلاف، فلا يلزم التأخّر في الفراغ.

لكنّ الأقوى هو الثاني، فإنّ التكبير و إن كان مؤلّفاً من عدة حروف، إلّا أنّ المجموع يعدّ في نظر الشارع جزءاً واحداً مستقلا به يتحقّق الافتتاح في الصلاة فلو تقدّم المأموم في الفراغ كان افتتاحه قبل افتتاح الإمام لا محالة، و هو بمثابة الشروع قبل شروع الإمام في ملاك المنع، أعني الاقتداء من غير من يقتدي به.

و بالجملة: ما لم يفرغ الإمام عن التكبيرة و لم يستتمّها كأنّه لم يدخل بعدُ في الصلاة و لم يفتتحها، إذ محقّق الافتتاح هو مجموع الأجزاء كما عرفت، فتقدّم المأموم في الفراغ في حكم الدخول في الصلاة قبل الإمام، غير الجائز بلا إشكال كما مرّ.

ثمّ إنّك قد عرفت فيما مرّ (1) عدم جواز التأخّر الفاحش في الأفعال، فهل الحال كذلك في تكبيرة الإحرام أيضاً؟ احتمل بعضهم بل استظهر عدم الجواز بدعوى أنّه المستفاد من النبويّ المتقدّم «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به، فاذا كبّر فكبّروا ...» إلخ، باعتبار أنّ الإمامة للإمام تتحقّق من أوّل الأمر و حينما يكبّر، فما دلّ على وجوب المتابعة في الأفعال و عدم التخلّف الفاحش يجري في التكبير أيضاً، فكما أنّ الركوع و السجود يجب أن يكون متّصلًا بركوع الإمام‌

____________

(1) في ص 223.

253

..........

____________

و سجوده فكذا التكبير، اللّهمّ إلّا أن يقوم إجماع على خلافه و أنّ التكبير يفترق عن غيره، فان تحقّق إجماع و إلّا فمقتضى القاعدة وجوب المتابعة، و عدم التأخّر الفاحش في التكبير كغيره.

و فيه أوّلًا: أنّ النبويّ ضعيف السند كما مرّ، و غير منجبر بعمل المشهور أو فتوى جمع معتنى به أو جماعة و لو قليلين، إذ لم ينقل عن أحد اعتبار المتابعة في التكبير و عدم التأخّر الفاحش. فلا يمكن الاستدلال بالنبوي حتّى بناءً على القول بالانجبار.

و ثانياً: أنّ قوله (عليه السلام): «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به» ليس معناه أنّ وصف الإمامة مجعول للإمام من أوّل الأمر، كيف و هذا الوصف منتزع من ائتمام المأموم خارجاً، فانّ هذين العنوانين أعني الإمامة و المأمومية من المتضايفين اللذين هما متكافئان قوة و فعلية، كالأُبوّة و البنوّة و الأُخوّة، فلا يعقل التفكيك، و لا يمكن وجود أحدهما من دون الآخر، فلا يتصوّر اتّصاف أحد بالإمامة قبل الاقتداء و الائتمام الخارجي من المأموم. فهما غير قابلين للانفكاك.

بل المراد أنّه بعد ما اتّصف الإمام بالإمامة، المنتزع من اقتداء المأموم به ففائدته متابعته إيّاه و ائتمامه به في الأفعال، و حينئذ فاذا كبّر المأموم بعد الإمام الموجب لاتّصاف الإمام بالإمامة لزمه المتابعة في الأفعال تعبدياً أو شرطياً على الخلاف المتقدّم، و أمّا إذا لم يكبّر المأموم و لم يدخل بعدُ في الصلاة فلا موضوع للجماعة، إذ لا إمام و لا مأموم بعدُ حتّى يقال بوجوب المتابعة في التكبير تعبّدياً أو شرطياً.

ضرورة أنّ التكبير أوّل أفعال الصلاة، و ما لم يتحقّق لا موضوع لوجوب المتابعة. فلا معنى للقول بأنّه هل يجوز التخلّف الفاحش في التكبير أم لا، بل هو جائز دائماً و إلى الأخير، لكونه مخيّراً بين اختيار الجماعة و الفرادى، فله الاقتداء عند أيّ جزءٍ شاء، فلا يقاس التكبير الذي هو أوّل أفعال الصلاة‌

254

..........

____________

بغيره من سائر الأفعال، لاختلاف المناط بينهما كما هو أظهر من أن يخفى.

و أمّا في التسليم: فقد وردت عدّة أخبار معتبرة دلّت على جواز التسليم قبل الإمام، و مورد بعض هذه الأخبارِ المعذورُ من أجل البول و نحوه، و البعض الآخر الناسي، و الثالث منها مطلق لم يتقيّد بشي‌ء منهما (1). و من المعلوم أنّ المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيّد، لعدم التنافي، فيؤخذ بالجميع و يحكم بجواز التسليم و الانصراف قبل الإمام مطلقاً. فلا إشكال في المسألة نصاً و فتوى.

إنّما الكلام في أنّه هل ينفرد بتسليمة أو أنّ الجماعة باقية؟ الظاهر هو الانفراد، و ذلك لما عرفت سابقاً من أنّ المتابعة مأخوذة في مفهوم الائتمام، فكما أنّه لو كبّر قبل الإمام لا يكون مأموماً فكذا لو خرج قبله، فانّ المأمومية متقوّمة بالمتابعة معه دخولًا و خروجاً، كما هو الحال في غير الصلاة، فلو تابع زيداً في دخول المجلس دون خروجه فقد انفصل عنه في الخروج، و لم يكن تابعاً إلّا في الدخول فحسب.

و عليه ففي المقام تزول الجماعة بقاءً و يحصل الانفراد قهراً. و حينئذ فان قلنا بجواز الانفراد في الأثناء اختياراً كما هو الصحيح كما يجوز مع العذر بلا إشكال فالحكم الوارد في هذه الأخبار مطابق للقاعدة، و إلّا فغايته الالتزام بالتخصيص.

و أمّا بقيّة الأذكار و الأقوال فهي على أقسام:

فتارة: يكون الذكر الصادر من المأموم غير ما يصدر عن الإمام، فيتخالفان في السنخ كما لو اقتدى في الأخيرتين فقرأ المأموم فاتحة الكتاب و الإمام يسبّح فهنا لا موضوع للمتابعة أصلًا، فإنّها إنّما تتحقّق فيما إذا كان الصادر منهما شيئاً واحداً، فإذا قرأ زيد قصيدة و عمرو كتاباً من الكتب لا معنى لمتابعته إيّاه فيما يقول، كما هو ظاهر.

____________

(1) الوسائل 8: 413/ أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2، 5، 4، و قد تقدّمت في ص 87.

255

..........

____________

و اخرى: يتّحدان في السنخ لكن المأموم لا يسمع صوت الإمام، و هنا أيضاً لا موضوع للتبعية، لأنّها لا تتحقّق إلّا مع الإحراز و السماع كما هو واضح.

و ثالثة: يتّحدان في السنخ و هو يسمع، سواء أ كان ذلك في ذكر مستحبّ كالقنوت أو واجب كالتشهّد، و حينئذ فبما أنّ الصلاة مركّبة من مجموع الأفعال و الأقوال فالدليل الدالّ على لزوم المتابعة في الأفعال يقتضي بعينه المتابعة في الأقوال أيضاً بمناط واحد، و لا موجب لدعوى الانصراف إلى الأوّل كما قيل.

فلو كنّا نحن و مقتضى القاعدة الأوّلية و لم يكن ثمّة دليل آخر كان اللازم هو الحكم بوجوب المتابعة في مثل هذه الأقوال أيضاً، لكنّ الدليل الخارجي قام على عدم الوجوب، و هي السيرة القطعية العملية المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام)، فإنّ المتابعة لو كانت واجبة في مثل صلاة الجماعة التي هي محلّ الابتلاء في كلّ يوم عدّة مرّات و تنعقد في أغلب بلاد المسلمين، لظهر و شاع و ذاع و عرفه أغلب المكلّفين، و لزمهم الالتفات إلى قراءة الإمام كي لا يتقدّموا عليه، كيف و لم يعهد ذاك منهم، و لم يذهب أحد إلى الوجوب ما عدا الشهيد (1) و بعض من تبعه. فلو كان واجباً لكان من الواضحات، فكيف خفي على هؤلاء الأعلام.

و يؤيّد عدم الوجوب ما ورد في بعض الأخبار من أنّ المأموم إذا فرغ من القراءة قبل الإمام يمجّد اللّٰه و يسبّح و يثني عليه، و في بعضها أنّه يبقي آية فاذا فرغ الإمام قرأ الآية و ركع (2).

و قد ذكر صاحب الوسائل هذه الأخبار في خصوص الإمام الذي لا يقتدى به. و فيه: أنّ مورد بعضها و إن كان هو الصلاة خلف من لا يقتدى به إلّا أنّ بعضها الآخر مطلق كما لا يخفى على من لاحظها.

____________

(1) البيان: 238، الدروس 1: 221.

(2) الوسائل 8: 370/ أبواب صلاة الجماعة ب 35.

256

[مسألة 14: لو أحرم قبل الإمام سهواً أو بزعم أنّه كبّر كان منفرداً]

[1936] مسألة 14: لو أحرم قبل الإمام سهواً أو بزعم أنّه كبّر كان منفرداً فإن أراد الجماعة عدل إلى النافلة و أتمّها أو قطعها [1] (1).

____________

و كيف ما كان، فيستفاد من هذه الأخبار المفروغية عن عدم وجوب المتابعة في الأقوال، و إلّا فكيف جاز التقدّم على الإمام. فلا ينبغي الإشكال في المسألة.

(1) تقدّم الكلام حول ما إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً، و قد مرّ حكمه (1)، و أمّا لو كبّر قبله سهواً أو باعتقاد أنه كبّر فلا إشكال في عدم انعقاد الجماعة حينئذ، إذ لا إمام قبل التكبير، فلا موضوع للائتمام، فلا محالة تنقلب الصلاة فرادى.

إذ لا موجب لاحتمال البطلان، لما عرفت سابقاً (2) من أنّ المأمور به إنّما هو الطبيعي الجامع، و خصوصية الجماعة أو الفرادى من العوارض اللاحقة لكلّ من الصنفين، الموجبة لاختلافهما بحسب الأحكام مع اتّحادهما بحسب الطبيعة و الذات، فقد قصد المكلّف الجامع المأمور به مع نيّة القربة، فلا قصور في ناحية الامتثال، غايته أنّه تخيّل اتّصافه بعنوان الجماعة فبان أنّه فرادى، فلا إشكال في الصحّة.

و حينئذ فإن أراد أن يتمّها فرادى فلا كلام، و أمّا إذا أراد أن يأتي بها جماعة فقد ذكر في المتن أنّه عدل بها إلى النافلة، ثمّ أتمّها أو قطعها.

أمّا العدول إلى النافلة و الإتمام فلا إشكال في جوازه مع بقاء محلّ العدول كما سيأتي التعرّض له في المسألة السابعة و العشرين إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا العدول مع القطع فان لم يكن بانياً عليه من الأوّل، بل بدا له في القطع‌

____________

[1] في جواز العدول مع البناء على القطع إشكال.

____________

(1) في ص 245.

(2) في ص 242.

257

..........

____________

بعد ما عدل فلا إشكال فيه أيضاً، فإنّ الممنوع إنّما هو قطع الفريضة على كلام فيه، و أمّا النافلة فلا إشكال في جواز قطعها اختياراً، لعدم الدليل على حرمته أصلًا كما لا يخفى.

و أمّا لو كان بانياً على القطع من الأوّل فمشروعيّة مثل هذا العدول مشكل في حدّ نفسه، لعدم تحقّق مفهوم العدول مع هذا البناء، إذ هو ليس من العدول إلى النافلة في شي‌ء كما لا يخفى.

و قد يقال: بجواز القطع من غير عدول، استناداً إلى رواية قرب الإسناد المتقدّمة: «عن الرجل يصلّي له أن يكبّر قبل الإمام؟ قال: لا يكبّر إلّا مع الإمام، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» (1)، فإنّ الإعادة مساوقة للقطع.

و فيه: ما عرفت من أنّ الرواية أوردها صاحب الوسائل في باب صلاة الجنازة قائلًا: إنّ الحميري أوردها كذلك، و أنّه يظهر (2) أنّها كانت كذلك في كتاب علي بن جعفر. فهي مربوطة بذاك الباب و أجنبية عن المقام.

و على تقدير شمولها للمقام أو اختصاصها به لظهور الصلاة في كونها صلاة حقيقية ذات ركوع و سجود، فقد ذكرنا أنّها ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن فلا تصلح للاستدلال، هذا أولًا.

و ثانياً: على تقدير الإغماض فالدلالة قاصرة، لأنّ المذكور فيها: «عن الرجل يصلّي» و ظاهر كلمة «يصلّي» أنّه متشاغل و متلبّس بالصلاة فعلًا. و حمله على من يريد الصلاة ليراد من التكبير تكبيرة الإحرام خلاف الظاهر جدّاً، لا يصار إليه من غير قرينة. فلا بدّ و أن يكون المراد التكبيرات المستحبّة كتكبير الركوع أو السجود و نحوهما، فتكون أجنبية عن المقام أيضاً، هذا.

و مع ذلك فالظاهر جواز القطع من غير عدول، لما ذكرنا في محلّه من أنّه ليس هناك دليل لفظي على حرمة قطع الفريضة ليتمسّك بإطلاقه، و إنّما الدليل‌

____________

(1) الوسائل 3: 101/ أبواب صلاة الجنازة ب 16 ح 1، قرب الإسناد: 218/ 854.

(2) راجع ص 249، هامش رقم (4).

258

[مسألة 15: يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع و السجود أزيد من الإمام]

[1937] مسألة 15: يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع و السجود أزيد من الإمام (1) و كذا إذا ترك بعض الأذكار المستحبّة يجوز له الإتيان بها مثل تكبيرة الركوع و السجود، و بحول اللّٰه و قوته، و نحو ذلك.

[مسألة 16: إذا ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده]

[1938] مسألة 16: إذا ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده لا يجوز للمأموم الذي يقلّد من يوجبها أو يقول بالاحتياط الوجوبي أن يتركها. و كذا إذا اقتصر في التسبيحات على مرّة مع كون المأموم مقلّداً لمن يوجب الثلاث، و هكذا (2).

____________

عليه هو الإجماع لو تمّ (1)، و هو إمّا غير ثابت أصلًا، أو على تقدير الثبوت فالمتيقّن منه غير المقام.

إذ من الجائز مصير الإعلام إلى جواز القطع هنا لإدراك الأفضل و هو الجماعة، كما وقع نظيره في من كبّر و تذكّر نسيان الأذان و الإقامة، فإنّه يجوز له القطع ما لم يركع، لتداركهما و تحصيل الأفضل، فليكن المقام من هذا القبيل و معه لا وثوق بقيام الإجماع ليمنع عن القطع.

(1) لما عرفت (2) من عدم لزوم المتابعة في الأقوال، و أنّ ذلك غير دخيل في الائتمام. فكما تجوز له المخالفة في الكيفية كأن يأتي بالتسبيحة الصغرى و الإمام بالكبرى كذلك يجوز له المخالفة في الكمية، لإطلاق دليل المشروعية في كلّ منهما، لكنّه مشروط بعدم الإخلال بالمتابعة في الأفعال كما لا يخفى.

و منه يظهر ما لو ترك الإمام بعض الأذكار المستحبّة كالحوقلة و السمعلة و تكبيرة الركوع و نحوها، فيجوز للمأموم الإتيان بها، لعين ما ذكر من عدم المتابعة في الأقوال، و إطلاق دليل الاستحباب الشامل للمأموم.

(2) إذا ترك الإمام ما لا يراه واجباً اجتهاداً أو تقليداً كجلسة الاستراحة‌

____________

(1) شرح العروة 15: 523.

(2) في ص 254.

259

..........

____________

أو التسبيحات الأربع ثلاثاً في الأخيرتين فلا إشكال في وجوب الإتيان به على المأموم الذي يرى وجوبه اجتهاداً أو تقليداً أو احتياطاً وجوبياً، لعدم الدليل على المتابعة في مثل المقام ممّا يراه المأموم واجباً دون الإمام، فلا يسقط عنه بمجرّد ترك الإمام، بل إطلاق دليل الوجوب القائم عند المأموم شرعياً كان أم عقلياً هو المحكّم. و هذا ظاهر لا غبار عليه.

إنّما الكلام في أنّه هل يجوز للمأموم الاقتداء من الأوّل بمثل هذا الإمام؟ قد يقال بعدم الجواز، نظراً إلى أنّ المدار في جواز الاقتداء على الصحّة الواقعية و هذه الصلاة باطلة واقعاً بنظر المأموم فكيف يقتدي بها.

و لكن الظاهر هو الجواز في أمثال المقام. و توضيحه: أنّه تارة يفرض أنّ الخلل الذي يراه المأموم متعلّق بالأركان، الموجب للبطلان الواقعي بنظره، و إن كان الإمام معذوراً فيه لجهله، كما لو توضّأ الإمام جبيرة و المأموم يرى أنّه من موارد التيمم، فانّ هذه الصلاة باطلة واقعاً في نظر المأموم، للإخلال بالطهارة التي هي من الأركان، ففي مثل ذلك لا يجوز الاقتداء بمثل هذا الإمام.

و أُخرى: يفرض تعلّق الخلل بما ليس من الأركان المقوّمة للصلاة كجلسة الاستراحة في المقام، فإنّ الصلاة الفاقدة لها و إن كانت باطلة بالنسبة إلى المأموم الذي يرى الوجوب فليس له تركها عامداً، لكنّها صحيحة واقعاً من الإمام الذي لا يرى الوجوب حتّى بنظر المأموم، لقاعدة لا تعاد، الجارية في حقّ الإمام الحاكمة على أدلّة الأحكام بعد أن لم يكن المفقود من الأركان، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور و عدم اختصاصه بالناسي. فهذه الصلاة الصادرة من الإمام محكومة بالصحّة الواقعية حتّى في نظر المأموم، لأجل الحديث المزبور، فلا مانع من الاقتداء به.

و نظير ذلك ما لو نسي الإمام السورة أو التشهّد أو السجدة الواحدة، أو رأى المأموم نجاسة في لباس الإمام و هو لا يدري، ففي جميع هذه الفروض‌

260

[مسألة 17: إذا ركع المأموم ثمّ رأى الإمام يقنت في ركعة لا قنوت فيها]

[1939] مسألة 17: إذا ركع المأموم ثمّ رأى الإمام يقنت في ركعة لا قنوت فيها (1) يجب عليه العود إلى القيام، لكن يترك القنوت، و كذا لو رآه جالساً يتشهّد في غير محلّه وجب عليه الجلوس معه، لكن لا يتشهد معه، و كذا في نظائر ذلك.

____________

يصحّ الاقتداء، لصحّة الصلاة الصادرة عن الإمام بقاعدة لا تعاد، و إن بطلت لو صدرت عن المأموم عند علمه بذلك الخلل.

و من هذا القبيل ما لو اقتصر الإمام على التسبيحات الأربع مرّة واحدة لكفايتها في نظره و المأموم يرى اعتبار الثلاث، فإنّه يجوز الاقتداء به، لحديث لا تعاد الجاري في حقّه، و الموجب لصحّة صلاته حتّى واقعاً في نظر المأموم أيضاً، لكن بشرط أن لا يستوجب الإخلال بالمتابعة في الأفعال. و هكذا الحال في سائر المقامات ممّا يكون من هذا القبيل.

(1) لا ريب حينئذ في وجوب العود إلى القيام كما ذكره لتدارك الركوع و الإتيان به مع الإمام متابعة وجوباً شرطياً أو تعبدياً على الخلاف المتقدّم فيتابعه في القيام المتّصل بالركوع الذي هو مقوّم له، ثمّ يركع معه لأجل المتابعة، لكن ليس له أن يتابعه في القنوت، فإنّ التبعية إنّما تجب من أجل دخلها في مفهوم الائتمام. و من الواضح أنّ الائتمام إنّما يعتبر فيما هو أجزاء الصلاة، و أمّا المأتي به اشتباهاً و بعنوان الزيادة الذي هو خارج عن الصلاة فلا موضوع للائتمام بالإضافة إليه.

و كذا الحال فيما لو رآه جالساً يتشهّد في غير محلّه كما في الركعة الأُولى أو الثالثة من الصلوات الرباعية، فإنّه و إن وجب الجلوس للتبعية فلا يجوز له التقدّم عليه في القيام و لكن ليس له أن يتشهّد بعد اتّصافه بعنوان الزيادة. و هكذا الحال في السجدة الثالثة المأتي بها سهواً.

و على الجملة: لا تجب عليه التبعية إلّا في الأجزاء الأصليّة، فلا يتقدّم فيها‌

261

[مسألة 18: لا يتحمّل الإمام عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة غير القراءة في الأولتين]

[1940] مسألة 18: لا يتحمّل الإمام عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة غير القراءة في الأولتين إذا ائتمّ به فيهما، و أمّا في الأخيرتين فلا يتحمّل عنه، بل يجب عليه بنفسه أن يقرأ الحمد [1] أو يأتي بالتسبيحات و إن قرأ الإمام فيهما و سمع قراءته، و إذا لم يدرك الأولتين مع الإمام وجب عليه القراءة فيهما لأنّهما أوّلتا صلاته (1).

____________

على الإمام، و أمّا الأجزاء الزائدة المأتي بها سهواً الخارجة عن الصلاة فليس له المتابعة فيها، بل لو تابع و أتى بها بقصد المشروعية كان من التشريع المحرّم الموجب للبطلان، لأجل الزيادة العمديّة كما لا يخفى.

(1) قد مرّ كثير ممّا ذكره (قدس سره) في هذه المسألة في المسألة الاولى من مسائل هذا الفصل، و قد عرفت أنّ الإمام ضامن للقراءة في الركعتين الأولتين فهي ساقطة عن المأموم بنحو العزيمة في الصلوات الجهرية فيما إذا سمع قراءة الإمام و لو همهمة، بل عرفت أنّ الأقوى ذلك في الصلوات الإخفاتية أيضاً. و أمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة في الجهرية فالسقوط بنحو الرخصة، فتجوز له القراءة، بل تستحب.

و أمّا في الأخيرتين فهو مخيّر بين القراءة و التسبيح في غير الصلوات الجهرية، و أمّا فيها فقد مرّ أنّ الأحوط تعيّن التسبيح. هذا كلّه في المأموم من ابتداء الصلاة.

و أمّا المأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فما هي وظيفته في الركعتين الأولتين اللتين هما الأخيرتان للإمام، أو في الركعة الثانية التي هي ثالثة الإمام فيما إذا كان مسبوقاً بركعة واحدة؟

المعروف و المشهور وجوب القراءة عليه، و عدم ضمان الإمام لها فيما عدا‌

____________

[1] مرّ أنّ الأحوط التسبيح له في الصلاة الجهرية.

262

..........

____________

الأولتين و إن اختار القراءة. و عن العلامة (1) و الشهيد (2) و ابن إدريس (3) سقوط القراءة عنه حينئذ. و الأقوى ما عليه المشهور.

و يدلّنا عليه أوّلًا: إطلاقات الأمر بالقراءة مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (4) بعد وضوح أنّ محلّها ما هو المقرّر المعهود من الركعتين الأولتين، و حيث إنّ الركعتين هما الأولتان بالنسبة إلى المأموم حسب الفرض فتجب عليه القراءة فيهما.

و ليس بإزائها عدا روايات الضمان، و عمدتها روايتان:

إحداهما: ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن كثير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام، فقال: لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة» إلخ (5).

و الأُخرى: موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام، فقال: لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة، و ليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه، إنّما يضمن القراءة» (6). و المعتمد منهما إنّما هي الموثّقة لضعف الأُخرى من جهة ضعف طريق الصدوق إلى الحسين بن كثير (7) مع أنّ الرجل بنفسه لم يوثّق.

و لكن هذه الروايات غير مجدية في المقام في قبال الإطلاقات، لأنّ الظاهر منها بعد إمعان النظر اختصاص الضمان بمورد تجب فيه القراءة على الإمام، ففي‌

____________

(1) التذكرة 4: 323.

(2) الألفية و النفلية: 141.

(3) السرائر 1: 286.

(4) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، راجع ص 18، الهامش (1).

(5) الوسائل 8: 353/ أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1، الفقيه 1: 247/ 1104 [و فيه: الحسن بن كثير].

(6) الوسائل 8: 354/ أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 3.

(7) [لعدم ذكر طريقه إليه في المشيخة].

263

..........

____________

كلّ ركعة كان الإمام مكلّفاً فيها بالقراءة فهو يتحمّل عن المأموم و يكون ضامناً لقراءته في تلك الركعة، دون ما لم يكن مكلّفاً بها و إن اختارها خارجاً كما في الأخيرتين. فلا ضمان فيهما بعد أن لم يكن مكلّفاً بها، سواء أ كانتا الأخيرتين للمأموم أيضاً أم الأولتين بالإضافة إليه كما هو محلّ الكلام، هذا أوّلًا.

و ثانياً: مع الغض عمّا ذكر فتكفينا الروايات الخاصّة الواردة في المقام المصرّحة بعدم الضمان. فلو سلّمنا الإطلاق في روايات الضمان و بنينا على شمولها للمقام فهي مقيّدة لا محالة بهذه الروايات الخاصّة، و هي كثيرة:

منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان، قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب» إلخ (1).

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إلى أن قال: و سألته عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال: اقرأ فيهما، فإنّهما لك الأولتان، و لا تجعل أوّل صلاتك آخرها» (2) و غيرهما.

قوله: «و لا تجعل» إلخ، أي لا تجعل الركعتين الأولتين مثل الأخيرتين في ترك القراءة فيشابه أوّل الصلاة آخرها.

و كيف ما كان، فما ذكره العلامة و من تبعه من سقوط القراءة حينئذ عن المأموم لا وجه له، لمنافاته مع هذه النصوص المصرّحة بعدم السقوط.

و من جميع ما ذكرنا يظهر أنّ الإمام لا يتحمّل شيئاً من أفعال الصلاة ما عدا القراءة في الأوّلتين إذا ائتمّ به فيهما، دون ما لم يأتمّ كما في المسبوق، و دون‌

____________

(1) الوسائل 8: 388/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4.

(2) الوسائل 8: 387/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2.

264

و إن لم يمهله الإمام لإتمامها اقتصر على الحمد و ترك السورة (1) و ركع معه و أمّا إذا أعجله عن الحمد أيضاً فالأحوط إتمامها و اللحوق به في السجود أو قصد الانفراد [1] و يجوز له قطع الحمد و الركوع معه، لكن في هذه لا يترك الاحتياط بإعادة الصلاة.

____________

الأخيرتين، و دون غيرها من سائر أفعال الصلاة كما صرّح بالأخير في موثّقة سماعة المتقدّمة و غيرها فلاحظ.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، كما صرّح بذلك في صحيحة زرارة المتقدّمة.

إنّما الكلام فيما إذا أعجله عن الحمد أيضاً، بحيث دار الأمر بين ترك القراءة و بين ترك المتابعة. و قد ذكر في المتن حينئذ احتمالات:

أحدها: إتمام القراءة و الالتحاق به في السجود، تقديماً لإطلاق دليل القراءة و رفعاً لليد عن إطلاق دليل المتابعة بعد عدم إمكان الجمع بينهما.

ثانيهما: الإتيان بالمقدار الممكن من الحمد ثمّ قطعه و الركوع معه، تقديماً لإطلاق دليل المتابعة على دليل القراءة عكس ما سبق.

و هذان الاحتمالان كما ترى لا شاهد على أيّ منهما، فانّ كلا من الدليلين مطلق يجب الأخذ به، و لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر من غير قرينة تقتضيه، إلّا أن يقوم دليل من الخارج كما ثبت بالنسبة إلى صلاة الجمعة في من منعه الزحام من الركوع، و أنّه يصبر حتّى يسجد الإمام ثمّ يركع وحده و يلتحق به في السجود (1)، فيرفع اليد عن إطلاق دليل وجوب المتابعة في خصوص المقام، لأجل النصّ الخاص.

و قد يقال: إنّ المقام مندرج في باب التزاحم، لوقوع المزاحمة بين جزئية القراءة و بين شرطية المتابعة، فلا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات هذا الباب.

____________

[1] الأحوط اختياره.

____________

(1) الوسائل 7: 335/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 17 ح 1، 3.

265

..........

____________

و فيه: ما ذكرناه في الأُصول من اختصاص التزاحم بالتكليفين النفسيين الواجبين الاستقلاليين، و أمّا التكاليف الضمنية في المركّبات الارتباطية فهي أجنبية عن هذا الباب، و ليست من التزاحم المصطلح في شي‌ء، بل هي مندرجة في باب التعارض، و نتيجته سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب منهما لدى تعذّر الجمع (1).

و عليه ففي المقام حيث لا يمكن رفع اليد عن إطلاق دليل الحمد، كما لا يمكن رفع اليد عن إطلاق دليل المتابعة، فلا جرم يسقط الأمر المتعلّق بالصلاة جماعة لتعذّر امتثالها، كما لو مات الإمام أو حدث له حدث، فتنقلب الصلاة حينئذ فرادى بطبيعة الحال، من غير حاجة إلى نيّة العدول إلى الانفراد، فانّ امتناع الإتمام جماعة موجب للانقلاب المزبور قهراً.

و منه تعرف أنّ الأحوط، بل الأظهر هو الاحتمال الثالث الذي ذكره في المتن من قصد الانفراد، بل عرفت عدم الحاجة إلى القصد و حصول الانفراد القهري.

لكن هذا كلّه فيما إذا عرض ذلك أثناء الصلاة، بحيث لم يتمكّن من إتمام الجماعة بقاءً.

و أمّا إذا علم بذلك من ابتداء الصلاة و أنّ الإمام يعجله عن الحمد و لا يمهله فصحّة الاقتداء حينئذ مشكلة، فإنّها مبنيّة على جواز الائتمام لمن يعلم بعدم التمكّن من إتمام الصلاة جماعة، فان قلنا بالجواز صحّ في المقام، و إلّا فلا.

بقي في المقام رواية واحدة ربما يستدلّ بها على سقوط القراءة، و هي صحيحة معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام و هو أوّل صلاة الرجل، فلا يمهله حتّى يقرأ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: نعم» (2) و المراد بآخر الصلاة في ذيل الصحيحة هي الركعة الأخيرة.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 3: 229 و ما بعدها.

(2) الوسائل 8: 388/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 5.

266

..........

____________

و هذه الصحيحة هي من جملة الروايات المتضمّنة أنّ من ترك القراءة في الأولتين لعذر يتداركها و يقضيها في الأخيرتين وجوباً أو استحباباً، كي لا تخلو صلاته عن القراءة، إذ لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، و قد تقدّمت الإشارة إليها في مبحث القراءة (1).

و كيف ما كان، فسياق الصحيحة سؤالًا و جواباً و إن كان في مقام قضاء ما ترك من القراءة، و النظر فيها مقصور عليه فحسب، إلّا أنّه يظهر منها المفروغية عن جواز الترك و سقوط القراءة لدى عدم إمهال الإمام، لمغروسيّته في ذهن السائل و تقريره (عليه السلام) على ذلك، و هو المطلوب.

و فيه: أنّ الصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام، فانّ المراد بآخر صلاة الإمام ليس هو الجزء الأخير من الصلاة أعني السلام قطعاً، إذ ليس هو آخر جزء يدرك من صلاة الإمام بوصف أنّه إمام، و إن كان هو آخر صلاته بوصف أنّه مصلّ كما هو واضح. فيدور الأمر بين إدراكه في الركعة الأخيرة من صلاته في حال القيام، و بين إدراكه فيها في حال الركوع، و لا يخلو المراد من أحد هذين الاحتمالين.

و الاستدلال مبنيّ على استظهار الأوّل، كي يكون المأموم مكلّفاً بالقراءة فلا يمهله الإمام، كي تدلّ الصحيحة على سقوطها رعاية للتبعية و قضائها أي الإتيان بها لاحقاً وجوباً أو استحباباً فتكون ممّا نحن فيه. لكنّه غير واضح بل الظاهر إنّما هو الاحتمال الثاني، فإنّ آخر ما يدرك (2) من صلاة الإمام إنّما هو‌

____________

(1) شرح العروة 14: 454 و ما بعدها.

(2) هذا وجيه لو كان الوارد في النصّ هو هذا العنوان، أعني آخر ما يدرك من صلاة الإمام. و ليس كذلك، بل الوارد هكذا: آخر صلاة الإمام. و مقتضى المقابلة بينه و بين: أوّل صلاة الرجل المذكور بعد ذلك أنّ هناك حالة واحدة تعدّ آخراً بالإضافة إلى الإمام و أوّلًا بالإضافة إلى المأموم، و حيث إنّ المراد من الثاني هو الركعة لا الركوع كما لا يخفى فكذلك الأوّل.

و أمّا ما جعله (دام ظله) كاشفاً عمّا استظهره فلعلّه على خلاف المطلوب أدلّ، فليتأمّل. هذا و سيجي‌ء في المسألة العشرين مزيد بحث حول الصحيحة فلاحظ.

267

[مسألة 19: إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية تحمّل عنه القراءة فيها]

[1941] مسألة 19: إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية تحمّل عنه القراءة فيها و وجب عليه القراءة في ثالثة الإمام الثانية له (1)

____________

الركوع من الركعة الأخيرة كما نطقت به الروايات الكثيرة. و من الواضح سقوط القراءة حينئذ، و عدم تكليف المأموم بها. فلا ارتباط لمورد الصحيحة بالمقام.

و الذي يكشف عمّا استظهرناه قوله: «فلا يمهله حتّى يقرأ» فإنّ حمل كلمة «يقرأ» على الفراغ من القراءة خلاف الظاهر جدّاً، بل الظاهر منه هو الشروع فيها، و هذا إنّما يتحقّق عند إدراك الإمام راكعاً، فلا يمهله حينئذ حتّى من الشروع في القراءة و الإتيان بالمقدار الممكن منها، الذي تخيّل السائل وجوبه حينئذ.

و أمّا مع إدراكه قائماً فهو متمكّن من الشروع فيها و الإتيان بالمقدار الممكن و لو آية أو آيتين، فلا معنى لعدم الإمهال الذي فرضه السائل كما لا يخفى.

و على الجملة: فالصحيحة أجنبية عمّا نحن فيه، و لا مجال للاستدلال بها في المقام.

و قد عرفت أنّ الأظهر بطلان الجماعة و انقلاب الصلاة فرادى قهراً و بطبيعة الحال، من غير حاجة إلى نيّة العدول، لامتناع الإتمام جماعة بعد إطلاق كلّ من دليلي الفاتحة و المتابعة، و عدم الدليل على رفع اليد عن شي‌ء منهما. فيأتي بالفاتحة و يتمّ الصلاة منفرداً، و الاحتمالان الآخران ساقطان لا يمكن المساعدة عليهما.

(1) أمّا التحمّل في تلك الركعة فلأدلّة الضمان في الركعتين الأولتين المتقدّمة (1).

____________

(1) في ص 262، 197 و ما بعدها.

268

و يتابعه في القنوت في الأُولى منه (2)

____________

و أمّا وجوب القراءة في ثالثة الإمام الثانية له فلعموم دليل القراءة مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1) بعد اختصاص أدلّة الضمان بالركعة التي يكون الإمام مكلّفاً فيها بالقراءة و هي الأولتان، دون الأخيرتين اللتين لم يكلّف بها فيهما و إن اختارها خارجاً كما مرّ (2). فالعموم المزبور سليم هنا عمّا يصلح للتخصيص.

مضافاً إلى التصريح بوجوب القراءة في المقام في معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال (عليه السلام): «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته، و هي ثنتان لك ...» إلخ (3).

(2) أمّا مشروعيّته فممّا لا إشكال فيه، للتصريح به في موثّق عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في الرجل يدخل الركعة الأخيرة من الغداة مع الإمام فقنت الإمام، أيقنت معه؟ قال: نعم، و يجزيه من القنوت لنفسه» (4).

و هل يجب ذلك أم يستحبّ؟ الظاهر عدم الوجوب، فانّ الدليل عليه إن كان لزوم المتابعة المعتبرة في مفهوم الائتمام فمن الواضح أنّ الائتمام لا يستدعي إلّا التبعية فيما هي وظيفة المأموم وجوباً أو استحباباً، فلا يأتي بوظيفته إلّا تبعاً للإمام، و القنوت في المقام ليس من وظائف المأموم بحسب أصل الصلاة لكونه في الركعة الأُولى منها، و إنّما هو من وظائف الإمام خاصّة.

و منه يظهر أنّه بناءً على وجوب المتابعة نفساً لا يجب عليه القنوت أيضاً‌

____________

(1) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، راجع ص 18، الهامش (1).

(2) في ص 262 263.

(3) الوسائل 8: 387/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 3.

(4) الوسائل 6: 287/ أبواب القنوت ب 17 ح 1.

269

و في التشهّد، و الأحوط التجافي فيه، كما أنّ الأحوط التسبيح عوض التشهد [1] و إن كان الأقوى جواز التشهّد، بل استحبابه أيضاً (1).

____________

لعين ما ذكر من أنّ مورد المتابعة ما هي من وظائف المأموم. فدليل وجوب المتابعة نفساً أو شرطاً لا يقتضي وجوب القنوت في المقام.

و إن كان هو الموثّق المتقدّم فمن المعلوم أنّ مفاده ليس إلّا الجواز و المشروعية دون الوجوب، لأنّ السؤال حيث كان وارداً مورد توهّم الحظر إذ لا قنوت في الركعة الاولى فلا يكون إلّا عن الجواز، و الجواب لا يدلّ إلّا عليه. فلا ظهور في الموثّق في الوجوب، بل غايته الاستحباب كما صرّح به جمع من الأصحاب.

(1) يقع الكلام في جهات:

الاولى: لا ريب في وجوب الجلوس حينئذ، فلا يجوز له القيام، لعدم جواز التقدّم على الإمام في الأفعال. فمحافظة على المتابعة الواجبة شرطاً أو نفساً المقتضية لعدم القيام قبل الإمام يتعيّن عليه الجلوس بلا كلام، و هذا ظاهر.

الثانية: في كيفيّة الجلوس، و قد نسب إلى جمع منهم ابن إدريس (1) وجوب التجافي، للأمر به في صحيح ابن الحجاج «... يتجافى و لا يتمكّن من القعود ...» إلخ (2) و في صحيح الحلبي «من أجلسه الإمام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى واقعي إقعاءً، و لم يجلس متمكّناً» (3).

لكن بإزائهما بعض الأخبار التي يظهر منها عدم الوجوب، و هي موثّقة الحسين بن المختار و داود بن الحصين، قال (4): «سئل عن رجل فاتته صلاة‌

____________

[1] بل الأحوط التشهّد، و هو بركة.

____________

(1) السرائر 1: 287.

(2) الوسائل 8: 387/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2.

(3) الوسائل 8: 418/ أبواب صلاة الجماعة ب 67 ح 2.

(4) [هكذا ورد أيضاً في التهذيب 3: 281/ 832].

270

..........

____________

ركعة من المغرب مع الإمام فأدرك الثنتين فهي الاولى له و الثانية للقوم يتشهّد فيها؟ قال: نعم، قلت: و الثانية أيضاً؟ قال: نعم، قلت: كلّهن؟ قال: نعم، و إنّما هي بركة» (1) حيث تضمّنت الأمر بالتشهّد في جميع الركعات الثلاث من صلاة المغرب بسياق واحد و نهج فأرد.

و من الواضح أنّ كيفية التشهّد في الأخيرتين اللتين هما ثانية المأموم و ثالثته إنّما هي على نحو الجلوس من غير تجاف، فكذا في الركعة الأُولى التي هي ثانية الإمام، بمقتضى اتّحاد السياق. فيظهر منها عدم اعتبار التجافي فيها أيضاً، و أنّ الكلّ بنسق واحد، فتأمّل.

و يؤيّد الموثّقة خبر إسحاق بن يزيد قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): جعلت فداك يسبقني الإمام بالركعة فتكون لي واحدة و له ثنتان أ فأتشهّد كلّما قعدت؟ قال: نعم، فإنّما التشهّد بركة» (2).

و خبر علي بن جعفر: «سألته عن الرجل يدرك الركعة من المغرب كيف يصنع حين يقوم يقضي أ يقعد في الثانية و الثالثة؟ قال: يقعد فيهنّ جميعاً» (3) و إن كان الأوّل منهما ضعيفاً بسهل بن زياد، و الثاني بعبد اللّٰه بن الحسن. و من هنا ذكرناهما بعنوان التأييد، فإنّهما ظاهران كالموثّقة في القعود على النحو المتعارف الذي يقعد الإمام و غيره من سائر المأمومين من غير إقعاء و تجاف.

و من أجل ذلك يحمل الأمر بالتجافي في الصحيحين المتقدّمين على الاستحباب كما هو ظاهر كثير من الأصحاب جمعاً بين النصوص.

و أمّا احتياط الماتن في ذلك فوجهه ذهاب جمع من الأصحاب إلى الوجوب كما أشرنا إليه. و الأقوى عدم الوجوب كما ظهر وجهه، و الاحتياط المزبور استحبابي.

____________

(1) الوسائل 8: 416/ أبواب صلاة الجماعة ب 66 ح 1.

(2) الوسائل 8: 416/ أبواب صلاة الجماعة ب 66 ح 2.

(3) الوسائل 8: 417/ أبواب صلاة الجماعة ب 66 ح 4.

271

..........

____________

الجهة الثالثة: ما هي وظيفته من الذكر عند الجلوس، سواء أقلنا بالتجافي فيه أم لا؟ ذكر في المتن: أنّ الأحوط هو التسبيح عوض التشهّد، و إن كان الأقوى جواز التشهّد، بل استحبابه أيضاً.

أقول: لم يرد التسبيح في شي‌ء من النصوص حتّى في رواية ضعيفة (1) و إن كان هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، و إنّما الوارد فيها الأمر بالتشهّد كما في موثّقة الحسين بن المختار المؤيّدة برواية إسحاق بن يزيد المتقدّمتين، و من أجل ذلك كان الأحوط في تعيين الوظيفة المقرّرة في هذه الحال هو التشهّد بدلًا عن التسبيح، لخلو النصّ عنه كما عرفت، بل قد ذكر فيهما أنّ التشهّد بركة.

و هل يجب عليه ذلك أم يجوز له الترك فلا يتشهّد و لا يسبّح بل يأتي بذكر آخر أو يسكت و لا يأتي بشي‌ء أصلًا؟

الظاهر عدم الوجوب، لأنّ الدليل عليه إن كان وجوب المتابعة المعتبرة في الائتمام شرطاً أو نفساً فقد عرفت أنّ مفهوم الائتمام لا يستدعي إلّا التبعية في الوظائف المشتركة، ففي الوظيفة المقرّرة على المأموم وجوباً أو استحباباً يتابع فيها الإمام، و التشهّد مع قطع النظر عن النصّ ليس من وظائف المأموم في هذه الركعة، و إنّما هي وظيفة الإمام خاصّة. فلا موضوع للمتابعة.

و الجلوس الذي ذكرنا وجوبه عليه حينئذ ليس من أجل وجوب المتابعة فيه في نفسه، لما عرفت من عدم كونه من وظائف المأموم، بل من أجل وجوب المتابعة في القيام الذي هو من الوظائف المشتركة بينهما، فمحافظة على‌

____________

(1) و أمّا موثّقة عمّار التي ورد فيها: «... فإذا قعد الإمام للتشهّد فلا يتشهّد و لكن يسبّح» إلخ الوسائل 7: 350/ أبواب صلاة الجمعة و آدابها باب 29 ح 2، فمضافاً إلى عدم ورودها في المأموم المسبوق بركعة المأمور بالتجافي الذي هو محلّ الكلام بل في المسبوق بركعتين، لا تخلو عن شوب من الإجمال، إذ المسبوق المزبور وظيفته التشهّد فكيف ينهى عنه. و حمل التشهّد على ما يشمل التسليم كما صنعه صاحب الوسائل كما ترى.

272

و إذا أمهله الإمام في الثانية له للفاتحة و السورة و القنوت أتى بها (1)، و إن لم يمهله ترك القنوت (2)، و إن لم يمهله للسورة تركها (3)، و إن لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً فالحال كالمسألة المتقدّمة (4) من أنّه يتمّها و يلحق الإمام في السجدة، أو ينوي الانفراد [1]، أو يقطعها و يركع مع الإمام و يتمّ الصلاة و يعيدها.

____________

عدم التقدّم في القيام و رعاية للمتابعة المعتبرة فيه يتعيّن عليه الجلوس كما أشرنا إليه.

و إن كان الدليل عليه النصّ الوارد في المقام أعني موثّقة ابن المختار المتقدمة المؤيّدة بغيرها فظاهر أنّها لا تدلّ على الوجوب، بل غايته المشروعية و الجواز، المساوق في المقام للاستحباب، إذ السؤال بعد أن كان وارداً مورد توهّم الحظر إذ لا تشهّد في الاولى لا يكون ظاهراً إلّا في السؤال عن الجواز و المشروعية كما لا يخفى.

(1) بلا إشكال، لعموم أدلّة هذه الأُمور.

(2) إذ هو مستحبّ فلا يزاحم به المتابعة الواجبة.

(3) للتصريح بذلك في صحيحة زرارة المتقدّمة (1).

(4) أعني المأموم المسبوق بركعتين، لوحدة المناط بين المسألتين، فتتطرّق هنا أيضاً الاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الماتن هناك: من إتمام الفاتحة و الالتحاق بالإمام في السجود، أو قطعها و الركوع معه، أو الانفراد. و قد عرفت أنّ الأظهر هو الأخير، إذ لا دليل على رفع اليد عن إطلاق دليل الفاتحة، كما لا دليل على رفع اليد عن إطلاق المتابعة، فيجب التحفّظ على كلا الإطلاقين و حيث إنّ لازم ذلك امتناع إتمام الصلاة جماعة فلا محالة تنقلب الصلاة‌

____________

[1] مرّ أنّه الأحوط.

____________

(1) في ص 263.

273

[مسألة 20: المراد بعدم إمهال الإمام المجوّز لترك السورة ركوعه قبل شروع المأموم فيها]

[1942] [مسألة 20: المراد بعدم إمهال الإمام المجوّز لترك السورة ركوعه قبل شروع المأموم فيها (1) أو قبل إتمامها و إن أمكنه إتمامها قبل رفع رأسه من الركوع، فيجوز تركها بمجرّد دخوله في الركوع و لا يجب الصبر إلى أواخره و إن كان الأحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق [1] في الركوع، فمع الاطمئنان بعدم رفع رأسه قبل إتمامها لا يتركها و لا يقطعها.

____________

فرادى قهراً و بطبيعة الحال، من غير حاجة إلى نيّة العدول إليها كما أشرنا إليه هناك (1).

(1) قد يستدلّ لذلك بصحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة: «عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام و هو أوّل صلاة الرجل فلا يمهله حتّى يقرأ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: نعم» (2)، فانّ الظاهر من عدم إمهاله حتّى يقرأ ركوعه قبل أن يقرأ كما لا يخفى.

و فيه: ما عرفت (3) من أنّ الصحيحة أجنبيّة عمّا نحن فيه، فانّ الاستدلال بها مبني على أن يكون المراد من إدراك آخر صلاة الإمام إدراكه في الركعة الأخيرة قائماً كي يكون المأموم حينئذ مكلّفاً بالقراءة فلا يمهله الإمام عنها بركوعه. و لكنّ الظاهر منها إدراكه في ركوع الركعة الأخيرة الذي هو الجزء الأخير و آخر ما يدرك من صلاة الإمام كما نطقت به الروايات الكثيرة، و ليس إدراكه قائماً هو آخر ما يدرك من صلاته.

و عليه فالصحيحة غير مرتبطة بمحلّ الكلام، إذ لم يكن المأموم مكلّفاً حينئذ بالقراءة حتّى لا يمهله الإمام عنها بركوعه، بل يكبّر و يركع معه.

____________

[1] هذا فيما إذا كان التخلّف بمقدار لا يضرّ بالمتابعة العرفية.

____________

(1) في ص 265.

(2) الوسائل 8: 388/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 5.

(3) في ص 266.

274

..........

____________

و قد يقال: إنّ قوله «فلا يمهله حتّى يقرأ» قرينة واضحة على أنّ المراد إدراكه قائماً لا راكعاً، كيف و القراءة ساقطة عنه لدى إدراكه في الركوع فلا موضوع للقراءة حتّى يمهله الإمام أو لا يمهله. فلا مناص من إرادة دركه في حال القيام و تكليفه بالقراءة، كي يصحّ التعبير بعدم إمهاله حتّى يقرأ.

و فيه: أنّ المتيقّن ممّا قامت عليه الأدلّة أنّ من أدرك الإمام راكعاً لا تجب عليه القراءة (1) و أنّها ساقطة عنه، بمعنى أنّه يجوز له تركها، و أمّا أنّها غير مشروعة منه حينئذ فكلّا، إذ لا يكاد يستفاد ذلك من شي‌ء من الأدلّة كي ينافي إطلاقات مشروعية القراءة، فيجوز له أن يقرأ، سيما مع الإسراع أو إطالة الإمام في ركوعه، بحيث يدركه قبل رفع رأسه عنه.

و عليه فلا شهادة في قوله: «فلا يمهله حتّى يقرأ» على إرادة الإدراك قائماً لمجامعته مع الإدراك راكعاً أيضاً حسبما بيّناه، و إن كانت القراءة حينئذ جائزة لا واجبة، نعم الغالب في الخارج ترك القراءة حينئذ، لعدم وجوبها و عدم إمهال الإمام لها، لكنّه ربما يتّفق مع تخيّل الإمهال. و السؤال في الصحيحة محمول على غير الغالب، بقرينة ما عرفت من لزوم حملها على إدراك الإمام راكعاً، حيث إنّه الجزء الأخير ممّا يدرك من آخر صلاته.

لا يقال: كيف تجوز القراءة منه حينئذ مع منافاتها للمتابعة الواجبة عليه؟

فإنّه يقال: إنّما تجب عليه المتابعة بعد اتّصافه بعنوان الائتمام المتوقّف على إدراك ركوع الإمام، فقبل أن يركع لم يكن مؤتمّاً بعدُ كي تجب عليه المتابعة و إنّما تتحقّق منه الجماعة و يتّصف بالمأمومية الموضوع لوجوب المتابعة في الآن المستقبل، أعني بعد ما لحق الإمام في ركوعه و أدركه فيه كما نطقت به الروايات الواردة في من كبّر و الإمام راكع.

فان قلت: إذا لم يكن مأموماً حينما يقرأ و قبل أن يركع فهو منفرد لا محالة‌

____________

(1) و قد تقدّم بعضها في ص 100.

275

..........

____________

فائتمامه فيما بعدُ يكون من الائتمام في الأثناء غير المشروع كما سبق (1).

قلت: كلّا، بل هو قاصد للجماعة من أوّل الأمر، و إنّما تتحقّق منه الجماعة و الائتمام خارجاً بعد أن أدرك الإمام راكعاً، فهو قبل ذلك مراعى من حيث الجماعة و الفرادى كما لا يخفى.

و إن شئت فقل: هو مؤتمّ حينئذ لكن بنحو الشرط المتأخّر، الذي قام الدليل عليه في المقام، و هو نفس هذه الصحيحة.

على أنّ عدم مشروعية الائتمام في الأثناء لم يكن مدلولًا لدليل لفظي، و إنّما هو من أجل عدم قيام الدليل على المشروعية، و في المقام قام الدليل عليها و هو ما دلّ على أنّ من أدرك الإمام حال الركوع و كبّر بقصد الائتمام صحّت جماعته و إن لم يكن مؤتمّاً أو فقل كان منفرداً قبل أن يركع.

و كيف ما كان، فالاستدلال بهذه الصحيحة للحكم المذكور في المتن في غير محلّه.

نعم، يدلّ عليه صحيح زرارة قال (عليه السلام): «إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الإمام في نفسه بأُمّ الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب ...» إلخ (2).

فانّ قوله (عليه السلام): «قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف الإمام ...» إلخ كالصريح في أنّ الائتمام كان حال القيام، كي يصدق القراءة خلف الإمام. فإنّ هذا العنوان لا يصدق إلّا فيما إذا كان الإمام أيضاً متشاغلًا بالقراءة أو التسبيح كالمأموم، إذ مع كونه راكعاً لا يصدق القراءة خلفه كما هو ظاهر.

و حينئذ فقوله: «فان لم يدرك السورة تامّة ...» إلخ معناه أنّه لم يدرك السورة خلف الإمام تامّة، و هذا إنّما يتحقّق بمجرّد ركوع الإمام الموجب لسلب عنوان‌

____________

(1) في ص 84.

(2) الوسائل 8: 388/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4.

276

[مسألة 21: إذا اعتقد المأموم إمهال الإمام له في قراءته فقرأها و لم يدرك ركوعه]

[1943] مسألة 21: إذا اعتقد المأموم إمهال الإمام له في قراءته فقرأها و لم يدرك ركوعه (1) لا تبطل صلاته، بل الظاهر عدم البطلان إذا تعمّد ذلك [1] بل إذا تعمّد الإتيان بالقنوت مع علمه بعدم درك ركوع الإمام فالظاهر عدم البطلان.

____________

القراءة خلفه، و قد حكم (عليه السلام) حينئذ بجواز ترك السورة، و أنّه تجزيه أُمّ الكتاب.

فيظهر من ذلك كلّه أنّ المراد من عدم إمهال الإمام المسوّغ لترك السورة هو مجرّد دخوله في الركوع قبل شروع المأموم فيها، أو قبل إتمامها كما ذكره في المتن و إن تمكّن من إتمامها قبل رفع رأسه من الركوع، و ليس المراد من عدم الإمهال المزبور رفع رأسه من الركوع قبل أن يشرع أو قبل أن يفرغ. فيجوز له الترك بمجرّد الدخول في الركوع، و لا يجب عليه الصبر إلى أواخره.

و مع ذلك فقد ذكر في المتن أنّ الأحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق في الركوع، و كأنّ الوجه فيه مراعاة دليل وجوب السورة بقدر الإمكان، و احتمال أن يكون المراد من عدم الإمهال هو المعنى الآخر و إن لم يساعده النصّ.

و لكنّه كما ترى لا يتمّ على إطلاقه، و إنّما يتّجه فيما إذا كان التخلّف بمقدار لا يضرّ بصدق المتابعة العرفية كما لو كان أواخر السورة، أو كان مسرعاً في القراءة، و إلّا فمع الإضرار بالصدق كان هذا الاحتياط على خلاف الاحتياط لمخالفته مع المتابعة الواجبة عليه نفساً أو شرطاً، بل على الثاني تنقلب صلاته فرادى كما لا يخفى.

(1) حكم (قدس سره) حينئذ بعدم بطلان الصلاة، بل و كذا في فرض التعمّد، بل حتّى و لو تعمّد في إتيان القنوت مع علمه بعدم درك ركوع الإمام.

____________

[1] لكنّه تنقلب صلاته فرادى، و كذا الحال في تعمّد القنوت، بل لا يبعد ذلك في الصورة الأُولى أيضاً.

277

[مسألة 22: يجب الإخفات في القراءة خلف الإمام و إن كانت الصلاة جهرية]

[1944] [مسألة 22: يجب الإخفات في القراءة خلف الإمام و إن كانت الصلاة جهرية، سواء كان في القراءة الاستحبابية كما في الأوّلتين مع عدم سماع صوت الإمام، أو الوجوبية كما إذا كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين (1).

____________

أقول: أمّا في فرض الاعتقاد فلا ينبغي الإشكال في صحّة الجماعة فضلًا عن الصلاة و إن استلزم الإخلال بالمتابعة خارجاً، فإنّها إنّما تجب لاقتضاء مفهوم الائتمام ذلك كما مرّ، و من الواضح أنّ الائتمام أنّما يستدعي المتابعة فيما يعتقد المأموم أنّه متابعة، لا واقعها و إن لم يعلم بها.

و المفروض في المقام اعتقاده إمهال الإمام، و أنّ التخلّف لا يضرّ بالمتابعة لتخيّله إدراكه في الركوع. فانكشاف الخلاف لا يضرّ بالمتابعة الواجبة عليه بعد أن لم يكن قادحاً في صدق الائتمام العرفي (1).

و من هنا لو سها و تخلّف عنه في بعض الأفعال نسياناً صحّت جماعته، و لم يكن قادحاً في العمل بالمتابعة اللازمة عليه بلا إشكال.

و أمّا في فرض العمد: فالظاهر بطلان الجماعة و انقلابها فرادى، للإخلال عامداً بالمتابعة المشروط صحّة الجماعة بها. و منه يظهر الحال في تعمّد القنوت نعم بناءً على وجوب المتابعة نفساً لا شرطاً كما عليه الماتن صحّت جماعته و إن كان آثماً، و عليه يبتني ما هو المذكور في المتن من عدم البطلان في المقام.

(1) لا كلام في وجوب الإخفات في الصلاة الإخفاتية كالمسبوق بركعة أو بركعتين في الظهرين، كما لا كلام في وجوبه في الجهرية في القراءة الوجوبية كالمأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فيها، للتصريح به في صحيحة زرارة المتقدّمة، قال (عليه السلام) فيها: «قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب و سورة» (2) فانّ قوله: «في نفسه» صريح في الإخفات.

____________

(1) لا ينطبق هذا على ما في الطبعة الأخيرة من تعليقته الشريفة (دام ظلّه) فلاحظ.

(2) الوسائل 8: 388/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4.

278

..........

____________

إنّما الكلام في القراءة الاستحبابية كما في الأولتين من الجهريّة مع عدم سماع صوت الإمام حتّى الهمهمة، حيث يستحبّ فيهما القراءة للمأموم كما مرّ (1) فهل يتعيّن عليه الإخفات حينئذ أو الجهر أو يتخيّر بين الأمرين؟ وجوه، بل أقوال.

اختار في المستند الأخير (2) بدعوى قصور أدلّة الجهر عن الشمول للمقام لانصرافها إلى القراءة الواجبة كما في الإمام و المنفرد. و حيث لا دليل على الإخفات أيضاً فلا محالة يتخيّر بينهما.

و قد يقال بتعيّن الجهر، نظراً إلى خلوّ نصوص الباب عمّا يدلّ على وجوب الإخفات في المقام، و عليه فبما أنّ الأمر الاستحبابي المتعلّق بالقراءة ظاهر في اتّحاد المأمور به مع قراءة المنفرد في جميع الخصوصيات حتّى من حيث الجهر و الإخفات، فنفس تلك الماهية على ما هي عليه مورد للاستحباب، و بما أنّ الجهر معتبر في تلك القراءة لكون الصلاة جهرية فكذا في المقام.

و لكن الظاهر تعيّن الإخفات كما اختاره في المتن، و تدلّنا عليه مضافاً إلى ما ورد في المأموم المسبوق من أنّه يخفت كما مرّ، و ما ورد في إسماع الإمام و إنصات المأموم له، و عدم رفع صوته في أذكاره و أقواله، حيث يستأنس منها أنّ الإخفات للمأموم من أحكام الجماعة و خصوصياتها على الإطلاق، من غير اختصاص لمورد دون مورد صحيحة قتيبة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ...» إلخ (3).

فانّ قوله: «لنفسك» بمثابة قوله: في نفسك، أي في ضميرك، و هو كناية عن الإخفات، و إلّا فكلّ أحد يقرأ لنفسه لا لغيره.

____________

(1) في ص 215 و ما بعدها.

(2) المستند 8: 150.

(3) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7.

279

و لو جهر جاهلًا أو ناسياً لم تبطل صلاته (1).

____________

فهذه الصحيحة ظاهرة في وجوب الإخفات في محلّ الكلام، و كأنّ دعوى خلوّ النصّ عمّا يدلّ على الإخفات في المقام نشأت عن الغفلة من ملاحظة هذه الصحيحة. و كيف ما كان، فهذه الصحيحة هي عمدة المستند.

و تشهد له أيضاً السيرة القطعية العملية من المتشرّعة المتّصلة إلى زمن المعصومين (عليهم السلام) فإنّها قائمة على مراعاة الإخفات، و يلتزمون به في مقام العمل (1).

(1) أمّا في فرض النسيان فلا إشكال فيه، و لا أقلّ من أجل حديث لا تعاد (2). و أمّا في فرض الجهل فربما يستشكل فيه كما عن غير واحد، و لعلّه من أجل التشكيك في شمول الحديث لصورة الجهل، فانّ المتيقّن منه إنّما هو النسيان، بل قد أصرّ شيخنا الأُستاذ (قدس سره) على الاختصاص به (3). لكنّا ذكرنا غير مرّة في مطاوي هذا الشرح أنّ الحديث غير قاصر الشمول لصورة الجهل، و لا وجه لتخصيصه بالناسي، بل يعمّ مطلق المعذور، هذا.

و مع الغضّ عن ذلك ففي خصوص المقام يحكم بالصحّة، لعدم كون الإخفات و الجهر من الشرائط الواقعية كي يحكم بالبطلان لدى الإخلال بهما و إنّما هما من الشرائط الذكرية، و لا يجب مراعاتهما إلّا في حال العلم و الالتفات للتصريح في صحيح زرارة بعدم البأس فيما لو أخلّ بهما جاهلًا، عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، و أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن‌

____________

(1) السيرة لا تدلّ إلّا على المشروعية و الاستحباب دون الوجوب، كما هو الحال في القنوت على ما تكرّر منه (دام ظلّه) سابقاً.

(2) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(3) كتاب الصلاة 3: 5.

280

نعم لا يبعد استحباب الجهر بالبسلمة [1] كما في سائر موارد وجوب الإخفات (1).

____________

فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه، و قد تمّت صلاته» (1).

و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الجهل بالحكم أو بالموضوع كما لا يخفى فالمقتضي للإخلال في صورة الجهر قاصر في حدّ نفسه. فالأقوى ما ذكره في المتن من عدم البطلان، لأجل هذه الصحيحة، مضافاً إلى حديث لا تعاد كما عرفت.

(1) قدّمنا في مبحث القراءة وفاء النصوص باستحباب الجهر بالبسملة في القراءة الإخفاتية بالذات كالظهرين بالنسبة إلى الإمام أو المنفرد (2)، و أمّا ما وجب فيه الإخفات لعارض الائتمام كما في المقام، سواء أ كانت القراءة استحبابية أم وجوبية على ما مرّ فلم يرد فيه نصّ يدلّ على استحباب الجهر بالبسملة في قراءتها، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بإطلاق الرواية المشتملة على أنّ علائم المؤمن خمس، و عدّ منهنّ الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم (3). لكنّها ضعيفة السند، غير صالحة للاستدلال كما أشرنا إليه هناك.

و عليه فاستحباب الجهر غير ثابت في المقام، بل يشكل مشروعيّته أيضاً بعد أن ورد الأمر باخفات القراءة في صحيحتي زرارة و قتيبة المتقدّمتين (4) الظاهر في تمام القراءة بأجزائها التي منها البسملة. فالإخفات فيها لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

____________

[1] لا يترك الاحتياط بالإخفات فيها.

____________

(1) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.

(2) شرح العروة 14: 388.

(3) الوسائل 14: 478/ أبواب المزار و ما يناسبه ب 56 ح 1.

(4) في ص 277، 278.

281

[مسألة 23: المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهّد في الثانية منه الثالثة للإمام]

[1945] مسألة 23: المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهّد في الثانية منه الثالثة للإمام فيتخلّف عن الإمام و يتشهد ثم يلحقه في القيام، أو في الركوع [1] إذا لم يمهله للتسبيحات، فيأتي بها و يكتفي بالمرة و يلحقه في الركوع أو السجود، و كذا يجب عليه التخلف عنه في كل فعل وجب عليه دون الإمام من ركوع أو سجود أو نحوهما فيفعله ثم يلحقه إلّا ما عرفت من القراءة في الأُوليين (1).

____________

(1) ذكر (قدس سره) أنّ المأموم المسبوق بركعة يتخلّف في الركعة الثانية له الثالثة للإمام، و يتشهّد ثمّ يلتحق به في القيام، و إذا لم يمهله بأن ركع قبل أن يقوم المأموم إلى التسبيحات لحق به في الركوع أو السجود، بعد الاقتصار على أقلّ الواجب من التسبيح و هي المرّة.

و كذا يتخلّف عنه في كلّ فعل وجب عليه دون الإمام من ركوع أو سجود و نحوهما، كما لو رفع الإمام رأسه عن الركوع قبل أن يفرغ المأموم عن القنوت، أو قام الإمام عن السجود إلى الركعة اللاحقة قبل أن يأتي المأموم بالسجدة الثانية أو بالتشهد، و نحو ذلك من كلّ فعل لم يجب على الإمام لإتيانه به دون المأموم، فيتخلّف و يفعله ثمّ يلتحق به، إلّا ما عرفت من القراءة في الأُوليين للمأموم، التي مرّ حكمها (1) من ترك القراءة أو ترك المتابعة أو العدول إلى الانفراد حسبما تقدّم من الاحتمالات الثلاثة في المسألة.

أقول: أمّا وجوب التشهّد عليه في الثانية له الثالثة للإمام فممّا لا إشكال فيه، و قد نطقت به جملة من الروايات التي منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج المتقدّمة، قال (عليه السلام) فيها: «فاذا كانت الثالثة للإمام و هي له‌

____________

[1] جواز اللحوق به في الركوع أو فيما بعده في غاية الإشكال، فلا يترك الاحتياط في مثل ذلك بقصد الانفراد، و به يظهر حال التخلّف عن الإمام في سائر ما يجب على المأموم.

____________

(1) في ص 264 265.

282

..........

____________

الثانية فليلبث قليلًا إذا قام الإمام بقدر ما يتشهّد، ثمّ يلحق بالإمام» (1) و نحوها غيرها.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) من أنّ في فرض عدم الإمهال بأن ركع الإمام قبل أن يقوم المأموم يلتحق به في الركوع أو السجود ففي غاية الإشكال كيف و قد تخلّف عن الإمام، و أخلّ بشرط المتابعة عامداً و إن كان معذوراً فيه من أجل التشهّد الواجب عليه، و معه كيف يمكن الحكم ببقاء القدوة و صحّة الجماعة بحيث يرتّب عليها أحكامها من رجوع كلّ منهما إلى الآخر لدى الشكّ، و اغتفار الركوع أو السجود الزائد لأجل المتابعة، و غير ذلك من الآثار.

و الذي يكشف عمّا ذكرناه قوله (عليه السلام) في موثّقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه «... و إن سبقك بركعة جلست في الثانية لك و الثالثة له حتّى تعتدل الصفوف قياماً» (2) حيث جعلت الغاية اعتدال الصفوف قياماً، فلا يجوز الالتحاق في الركوع، الخارج عن هذه الغاية. نعم، المراد بالاعتدال أعمّ من الحدوث و البقاء، فما دام الاعتدال و القيام باقياً و لم يركع بعدُ يجوز له الالتحاق.

و تؤيّد الموثّقة صحيحة ابن الحجّاج المتقدّمة، حيث ذكر فيها: «فليلبث قليلًا ... بقدر ما يتشهّد» الظاهر في عدم جواز اللبث الكثير و الالتحاق في الركوع. و عليه فمقتضى الاحتياط حينئذ لو لم يكن أقوى هو العدول إلى نيّة الانفراد. و منه يظهر حال التخلّف عنه في سائر ما يجب على المأموم، و أمّا التخلّف في القراءة في الأُوليين له فقد عرفت أنّ الأظهر بطلان الجماعة حينئذ و انقلابها فرادى قهراً و بطبيعة الحال، و عرفت أيضاً ضعف الاحتمالين الآخرين، فلاحظ.

____________

(1) الوسائل 8: 387/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2، 3.

(2) الوسائل 8: 387/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2، 3.

283

[مسألة 24: إذا أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه]

[1946] مسألة 24: إذا أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه وجب عليه قراءة الفاتحة و السورة إذا أمهله لهما، و إلّا كفته الفاتحة على ما مرّ، و لو علم أنّه لو دخل معه لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً فالأحوط عدم الإحرام إلّا بعد ركوعه، فيحرم حينئذ و يركع معه، و ليس عليه الفاتحة حينئذ (1).

____________

(1) قد عرفت فيما مرّ (1) أنّ من أدرك الإمام في الأخيرتين فدخل معه في الصلاة قبل ركوعه وجبت عليه قراءة الفاتحة و السورة حينئذ إذا أمهله لهما و إلّا كفته الفاتحة، و لا يكون الإمام ضامناً لها كما دلّت عليه الروايات التي منها صحيحتا زرارة و ابن الحجاج المتقدّمتان (2). و عليه فان أمهله الإمام للفاتحة فلا كلام، و لو لم يمهله فقد مرّ حكمه.

و أمّا لو علم من الأوّل بأنّه لو دخل معه لم يمهله لإتمامها فحيث إنّ المسألة حينئذ مورد للإشكال، للدوران بين ترك الفاتحة و ترك المتابعة، و لم يثبت تقديم أحدهما على الآخر، كان مقتضى الاحتياط عدم الإحرام إلّا بعد ركوع الإمام حذراً عن الوقوع في هذا الترديد.

بل بناءً على ما قدّمناه (3) من بطلان الجماعة حينئذ و انقلابها فرادى يشكل فيه الاقتداء و تمشّي قصد الجماعة منه، إذ كيف يمكن أن ينوي الائتمام مع علمه بانقلاب الصلاة بعدئذ فرادى و عدم تمكّنه من إتمامها جماعة.

فالأحوط لو لم يكن أقوى أن لا يحرم إلّا بعد ركوع الإمام، لسقوط القراءة عنه حينئذ بلا كلام كما دلّت عليه الروايات المتقدّمة سابقاً (4) المتضمّنة أنّ من‌

____________

(1) في ص 261 و ما بعدها.

(2) الوسائل 8: 388/ أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4، 2 و قد تقدمتا في ص 263.

(3) في ص 265.

(4) في ص 100.

284

[مسألة 25: إذا حضر المأموم الجماعة و لم يدر أنّ الإمام في الأُوليين أو الأخيرتين]

[1947] مسألة 25: إذا حضر المأموم الجماعة و لم يدر أنّ الإمام في الأُوليين أو الأخيرتين (1) قرأ الحمد و السورة بقصد القربة، فإن تبيّن كونه في الأخيرتين وقعت في محلّها، و إن تبيّن كونه في الأُوليين لا يضره ذلك.

____________

كبّر و أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة و صحّت جماعته.

(1) حكم (قدس سره) حينئذ بقراءة الحمد و السورة بقصد القربة المطلقة لأنّها إمّا واجبة وقعت في محلّها لو كان الإمام في الأخيرتين، أو مستحبّة لو كان في الأُوليين فلا يضرّه ذلك.

و لا شكّ أنّ ما أفاده هو مقتضى الاحتياط كما عرفت. هذا لو أراد الاحتياط، و أمّا لو أراد اختيار أحد الشقّين من القراءة أو تركها فهل تجب عليه أم يجوز الترك؟ و ما هي وظيفته بالنظر إلى الأصل العملي؟

لا ريب أنّ مقتضى قاعدة الاشتغال هو الوجوب، لما عرفت سابقاً (1) من أنّ القراءة غير ساقطة عن المأموم رأساً بحيث يلزم التخصيص في عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، بل هي واجبة عليه كغيره، غاية الأمر أنّه في مرحلة الامتثال يجتزي بقراءة الإمام، و هو ضامن له، و قراءته مسقطة لقراءته بعد ما كانت واجبة عليه أوّلًا. و ذكرنا سابقاً أنّ هذا ممّا يساعده الاعتبار، فلو أنّ جماعة وفدوا على ملك أو رئيس يتكلّم واحد منهم عن القوم، و يكون كلامه كلامهم، و يعبّر عن لسان الجميع، فكذا في المقام.

و من هنا ذكرنا فيما مرّ (3) أنّ الجماعة عدل للواجب التخييري، فتجب عليه القراءة إمّا بنفسه لو اختار الانفراد، أو ببدله لو اختار الجماعة.

و عليه فالشك في المقام راجع إلى مرحلة السقوط و الفراغ و مقام الامتثال‌

____________

(1) في ص 91.

(2) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، راجع ص 18، الهامش (1).

(3) في ص 148.

285

..........

____________

الذي هو مورد لقاعدة الاشتغال، لا إلى مرحلة الجعل و ثبوت التكليف ليرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. فهو يعلم أنّه في هذه الركعة مكلّف بالقراءة، و يشكّ في سقوطها عنه بفعل الإمام لو كانت من الأُوليين. فمقتضى القاعدة المزبورة وجوب الإتيان بها.

إلّا أنّه مع ذلك يجوز له تركها استناداً إلى الاستصحاب، و لا شي‌ء عليه حتّى لو انكشف الخلاف و تبيّن كون الإمام في الأخيرتين، لأنّه بعد تعويله على الحجّة الشرعية كان معذوراً في الترك، و مثله مشمول لحديث لا تعاد، بناءً على ما عرفت (1) من عدم اختصاصه بالناسي و شموله لمطلق المعذور.

و تقريب الاستصحاب: أنّ الموضوع لسقوط القراءة عن المأموم اقتداؤه خلف إمام يكون هو في إحدى الأولتين على ما يظهر من الروايات، و هذا الموضوع محقّق في المقام بضمّ الوجدان إلى الأصل، فإنّ الاقتداء خلف الإمام محرز بالوجدان، و كون الإمام في الأولتين محرز بالأصل، حيث إنّه كان في زمان في الركعتين الأولتين يقيناً، و نشكّ في انقلابه عمّا هو عليه بالدخول في الأخيرتين، و مقتضى الاستصحاب بقاؤه على ما كان. و نتيجة ذلك سقوط القراءة عن المأموم.

و أوضح رواية تدلّ على أنّ الموضوع للحكم هو ما ذكرناه صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان المتقدّمة سابقاً (2) و قلنا إنّ كلمة (الحسن بإسناده) الموجودة في الوسائل الطبعة الجديدة مستدركة، و الصحيح: عن ابن سنان يعني عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ و كان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأولتين ...» إلخ (3).

____________

(1) في ص 61.

(2) في ص 199.

(3) الوسائل 8: 357/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 9.

286

[مسألة 26: إذا تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين فترك القراءة ثمّ تبيّن أنّه في الأخيرتين]

[1948] مسألة 26: إذا تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين فترك القراءة ثمّ تبيّن أنّه في الأخيرتين (1) فإن كان التبيّن قبل الركوع قرأ و لو الحمد فقط و لحقه، و إن كان بعده صحّت صلاته، و إذا تخيّل أنّه في إحدى الأخيرتين فقرأ ثم تبيّن كونه في الأُوليين فلا بأس، و لو تبيّن في أثنائها لا يجب إتمامها.

____________

فإنّ قوله: «في الأولتين» بمنزلة الحال للضمير المجرور في «خلفه» العائد إلى الإمام، أي لا تقرأ خلف الإمام حال كون الإمام في الأولتين. فتدلّ بوضوح على أنّ الموضوع للسقوط كون المأموم خلف إمام هو في الأولتين كما ذكرناه و هذا الموضوع قابل للإحراز ببركة الاستصحاب، و معه لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى قاعدة الاشتغال التي ذكرناها أوّلًا، فيجوز له ترك القراءة استناداً إلى الأصل المزبور، و إن كان مقتضى الاحتياط هو ما عرفت.

و إن شئت فقل: الموضوع للسقوط في الصحيحة كون المأموم خلف الإمام في أولتيه، فيستصحب بقاء الأولتين، و لا حاجة إلى إثبات أنّ ما بيده هي إحدى الأولتين ليكون من المثبت، لأنّ هذا ليس موضوعاً للحكم، بل الموضوع مجرّد اقتران الجزأين في الزمان و اجتماعهما في الوجود، كما في استصحاب النهار المرتّب عليه وجوب الإمساك فيه و الإتيان بالظهرين على ما بيّناه في محلّه عند التعرّض للموضوعات المركّبة (1).

(1) فصّل (قدس سره) حينئذ بين ما إذا كان انكشاف الخلاف بعد دخول المأموم في الركوع و ما إذا كان قبله.

أمّا في الأوّل: فلا إشكال في صحّة الصلاة، لكونه معذوراً في ترك القراءة بعد الاعتقاد المزبور، و لا تبطل الصلاة بتركها سهواً و ما يلحق به من العذر لحديث لا تعاد، نعم عليه سجدتا السهو، بناءً على وجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 124.

287

[مسألة 27: إذا كان مشتغلًا بالنافلة فأُقيمت الجماعة و خاف من إتمامها عدم إدراك الجماعة]

[1949] مسألة 27: إذا كان مشتغلًا بالنافلة فأُقيمت الجماعة و خاف من إتمامها عدم إدراك الجماعة و لو كان بفوت الركعة الأُولى منها جاز له قطعها بل استحبّ ذلك و لو قبل إحرام الإمام للصلاة (1).

____________

و أمّا في الثاني: فالقراءة غير ساقطة عنه بعد بقاء المحلّ و إمكان التدارك و حينئذ فان أمهله الإمام لها و لو خصوص الفاتحة قرأها و لحق به في الركوع و إن لم يمهله حتّى لها جرى فيه حينئذ ما مرّ سابقاً (1) من الاحتمالات الثلاثة أعني ترك الفاتحة و الالتحاق في الركوع، أو ترك المتابعة و الالتحاق في السجود، أو العدول إلى الانفراد. و قد عرفت أنّ الأظهر هو الأخير، من غير حاجة إلى نيّة العدول، بل تنقلب إلى الفرادى قهراً و بطبيعة الحال بعد امتناع الإتمام جماعة.

و أمّا عكس المسألة: أعني ما لو تخيّل أنّه في إحدى الأخيرتين فقرأ ثمّ تبيّن كونه في الأُوليين فالصلاة أيضاً محكومة بالصحّة، لعدم قدح زيادة القراءة بعد أن كان معذوراً فيها و مشمولًا لحديث لا تعاد. هذا إذا كان التبيّن بعد الفراغ عن القراءة.

و أمّا لو التفت في الأثناء فلا يجوز إتمامها بعنوان الوجوب، لكونها ساقطة عنه في الأُوليين، فالإتيان بهذا العنوان تشريع محرّم، نعم لا بأس بالإتمام بعنوان الاستحباب، الثابت في هذه الحال. و الكلام في سجود السهو لأجل الزيادة ما عرفته آنفاً.

(1) المستند فيما ذكره (قدس سره) من جواز قطع النافلة لمن كان مشتغلًا بها فأُقيمت الجماعة، بل استحبابه لدرك فضيلتها كما عليه المشهور صحيحة عمر بن يزيد التي رواها الصدوق بطريق صحيح (2): «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه‌

____________

(1) في ص 264 265.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 8.

288

..........

____________

السلام) عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة، ما حدّ هذا الوقت؟ قال: إذا أخذ المقيم في الإقامة، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة، فقال: المقيم الذي تصلّي معه» (1).

و نوقش فيها كما في الجواهر (2) و غيره بظهورها في الشروع في التطوّع وقتئذ، و لا تعمّ من كان مشتغلًا به ثمّ أُقيمت الجماعة كي تدلّ على القطع، فهي خاصّة بالابتداء، و لا تشمل الاستدامة في التطوّع الذي هو محلّ الكلام.

و فيه: أنّه لا موجب لدعوى الاختصاص، و لا نعرف وجهاً للاستظهار فإنّ النافلة كما أنّها تطوّع بمجموعها تطوّع بأبعاضها أيضاً، فكلّ جزء و ركعة منها مصداق للتطوّع كالكلّ. فمن كان مشتغلًا بها فأُقيمت الجماعة كان الإتيان بالباقي معنوناً بعنوان التطوّع لا محالة، فتشمله الصحيحة.

نعم، بناءً على حرمة قطع النافلة كان لما أُفيد وجه وجيه، لعدم كونها حينئذ مصداقاً للتطوّع بقاءً، كيف و هو مجبور على الإتمام، و لا يجوز له القطع بحكم الشرع، فلا يأتي به عن طوع و رغبة و اختيار الذي هو معنى التطوّع.

و ما قيل في ردّه من أنّ الظاهر من التطوّع ما كان كذلك في أصله و ذاته لا بالنظر إلى حرمة القطع، و هو متحقّق في المقام.

مدفوع بمخالفته لظاهر اللفظ جدّاً، ضرورة أنّ الظاهر من لفظ التطوّع ما كان تطوّعاً فعلًا، و متّصفاً بهذا الوصف العنواني بالفعل، بحيث له أن يفعل و أن لا يفعل، لا ما كان كذلك شأناً و في طبعه و ذاته، فانّ الحمل على الاستعداد و الشأنية مخالف لظواهر الألفاظ كما في سائر المقامات، بل المنسبق منها مقام الفعلية.

و عليه فحيث إنّه مجبور في المقام على الإتمام بحكم الشرع حسب الفرض و لو من أجل حرمة القطع فقد خرج عن عنوان التطوّع بقاءً و إن كان كذلك‌

____________

(1) الوسائل 5: 452/ أبواب الأذان و الإقامة ب 44 ح 1، الفقيه 1: 252/ 1136.

(2) الجواهر 14: 34 35.

289

..........

____________

حدوثاً، فلا تشمله الصحيحة.

لكن المبنى المزبور باطل في نفسه، لما تقدّم في محلّه (1) من أنّ الدليل على حرمة قطع الصلاة ليس إلّا الإجماع، و هو لو تمّ و لا يتمّ مختصّ بالفريضة و لم يقم إجماع في النافلة. فجواز القطع فيها المطابق للأصل هو المتعيّن. و عليه فالصحيحة غير قاصرة الشمول لكلّ من الابتداء و الاستدامة كما ذكرناه.

و تشهد للتعميم صحيحة حماد بن عيسى قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول قال أبي: خرج رسول اللّٰه (عليه السلام) لصلاة الصبح و بلال يقيم، و إذا عبد اللّٰه بن القشب يصلّي ركعتي الفجر، فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): يا ابن القشب أ تصلي الصبح أربعاً؟ قال ذلك له مرّتين أو ثلاثة» (2) حيث وبّخه (صلى اللّٰه عليه و آله) مرّتين أو ثلاثاً على التنفّل و بلال يقيم للجماعة، و لم يفرض أنّ ابن القشب شرع في النافلة بعد أن أقام بلال، لأنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) دخل المسجد فرآه يصلّي و بلال يقيم، من دون وضوح السابق من اللاحق، و لا استفصاله عن ذلك. فترك استفصاله في مقام التوبيخ يكشف عن إطلاق الحكم كما لا يخفى.

و على الجملة: فلا ينبغي التشكيك في شمول الصحيحة للاستدامة في التطوّع كالابتداء فيه، فتدلّ على ما نحن فيه. و يستفاد منها أفضلية القطع و استحبابه طلباً لدرك فضيلة الجماعة.

و إنّما الكلام في وقت القطع، فهل هو مقيّد بما إذا خاف فوات الجماعة رأساً بحيث لم يدرك حتّى الركعة الأخيرة منها، أو بخوف فوت الركوع من الركعة الأُولى، أو القراءة منها، أو تكبيرة الإحرام كما اختاره في المتن؟

الظاهر عدم التقييد بشي‌ء ممّا ذكر، لإطلاق النصّ عن كلّ ذلك، و عدم دليل آخر عليها. و مقتضى الجمود على ظاهر الصحيحة أنّ الظرف المقرّر للقطع هو‌

____________

(1) شرح العروة 15: 528.

(2) الوسائل 5: 453/ أبواب الأذان و الإقامة ب 44 ح 2.

290

و لو كان مشتغلًا بالفريضة منفرداً و خاف من إتمامها فوت الجماعة استحبّ له العدول بها إلى النافلة و إتمامها ركعتين (1) إذا لم يتجاوز محلّ العدول بأن دخل في ركوع الثالثة، بل الأحوط عدم العدول إذا قام إلى الثالثة و إن لم يدخل في ركوعها.

____________

مجرّد أخذ المقيم في الإقامة، سواء أحصل خوف الفوت من شي‌ء من المذكورات أم لا. و كأنّ هذا من احترام الجماعة و آدابها، و هذا هو الأقوى كما يكشف عنه إطلاق صحيحة حمّاد المتقدّمة أيضاً.

(1) على المشهور، بل إجماعاً كما عن غير واحد. و تدلّ عليه:

صحيحة سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة، فبينما هو قائم يصلّي إذ أذّن المؤذّن و أقام الصلاة قال: فليصلّ ركعتين ثمّ ليستأنف الصلاة مع الإمام، و لتكن الركعتان تطوّعاً» (1).

و موثّقة سماعة قال: «سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: إن كان إماماً عدلًا فليصلّ اخرى و ينصرف و يجعلهما تطوّعاً، و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ...» إلخ (2).

و نوقش في دلالتهما على الاستحباب كما في الجواهر (3) بأنّ الأمر الوارد فيهما من أجل وقوعه موقع توهّم الحظر لا يدلّ إلّا على الجواز و المشروعية، دون الاستحباب.

و بعبارة اخرى: ظاهر الأمر في طبعه هو الوجوب، لكنّه غير محتمل في المقام، فإنّ الجماعة سنّة، و ليست مفروضة في الصلوات كلّها كما في‌

____________

(1) الوسائل 8: 404/ أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 1.

(2) الوسائل 8: 405/ أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2.

(3) الجواهر 14: 37.

291

..........

____________

النصّ (1) فكيف يحتمل وجوب العدول إلى التطوع مقدمة لدرك الجماعة المستحبّة. فيدور الأمر بين الحمل على الاستحباب، و بين إرادة الجواز و الإباحة، و حيث إنّه وارد مورد توهّم الحظر لممنوعية العدول من الفريضة إلى النافلة في غير الموارد المستثناة يتعيّن الحمل على الثاني.

و فيه: أنّ المقام ليس من موارد توهّم الحظر المانع من الأخذ بظاهر الأمر إذ لم يرد دليل لفظي يدلّ على المنع عن العدول المزبور، و إنّما نقول به من أجل عدم قيام الدليل على الجواز، لا من أجل قيام الدليل على عدم الجواز كي يكون مورداً لتوهّم الحظر.

فانّ العدول على خلاف الأصل، و العبادة توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى الدليل، و حيث لا دليل يحكم بعدم المشروعية، حذراً عن التشريع المحرّم لا لقيام الدليل على العدم. و حيث ورد الدليل في المقام بلسان الأمر فلا مانع من الأخذ بظاهره و هو الاستحباب، بعد امتناع الحمل على الوجوب كما عرفت.

و قد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ الروايتين لا قصور في دلالتهما على الاستحباب.

هذا ما يرجع إلى أصل المطلب، و أمّا خصوصياته فقد ذكر في المتن اختصاص الحكم بما إذا لم يتجاوز محلّ العدول بالدخول في ركوع الثالثة، بل ذكر أنّ الأحوط عدم العدول فيما إذا قام للثالثة و إن لم يدخل في ركوعها، و كأنّه لقصور النصّين عن شمول الفرضين، سيما الموثّقة.

إذ المفروض فيها أنّه صلّى ركعة واحدة، فلا يشمل ما إذا دخل في الثالثة فضلًا عمّا إذا دخل في ركوعها، بل لا تشمل حتّى من كان في الثانية كما لا يخفى لأمره (عليه السلام) بالإتيان بالأُخرى، الكاشف عن عدم الدخول بعدُ فيها. و كذا الحال في الصحيحة، لظهور الأمر بصلاة ركعتين في عدم بلوغهما، فضلًا عن الزيادة عليهما، هذا.

____________

(1) المتقدّم في ص 9.

292

..........

____________

و يظهر من المتن الفرق بين ما لو دخل في ركوع الثالثة و ما إذا لم يدخل و من هنا جزم بعدم العدول في الأوّل و احتاط في الثاني.

و الأقوى ثبوت الفرق و جواز العدول في الثاني دون الأوّل.

و توضيحه: أنّ الركوع الصادر ممّن دخل في ركوع الثالثة واقع في محلّه و غير متّصف بالزيادة حال حدوثه، و إنّما يتّصف بها بعد ذلك من أجل العدول إلى النافلة، فأدلّة الزيادة القادحة غير شاملة للمقام، لاختصاصها بما إذا أوجد الزائد ابتداءً، لا ما إذا أعطىٰ وصف الزيادة لما كان، كما هو الحال في غير المقام.

و لذا ذكرنا في بحث القراءة (1) أنّه عند التلفّظ بكلمة (مالك) مثلًا، لو قال (ما) فبدا له في إتمامها، ثمّ استأنفها و أتى بالكلمة تامّة لم تبطل صلاته بلا إشكال، فإنّ لفظة (ما) و إن اتّصفت بالزيادة من أجل فوت الموالاة و عدم التحاق الجزء الأخير من الكلمة أعني (لك) بها، إلّا أنّها حين حدوثها وقعت في محلّها و لم تكن زائدة، و إنّما طرأ لها وصف الزيادة فيما بعدُ، و أدلّة الزيادة العمديّة المبطلة منصرفة عن مثل ذلك، و خاصّة بما إذا أحدث الزائد ابتداءً.

و بالجملة: فالركوع المزبور و إن لم يكن مشمولًا لأدلّة الزيادة القادحة إلّا أنّه موجب لبطلان النافلة المعدول إليها، لكونه زيادة في الركن و لو بقاءً، و لم يثبت العفو عنها إلّا في الزيادة السهويّة.

و أمّا العمديّة في الأركان سواءً أ كانت باحداث الزائد ابتداءً أو بإعطاء وصف الزيادة لما كان فهي توجب البطلان في النافلة كالفريضة، لاندراجها في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق الخلل نقصاً أو زيادة، فإنّ بعض المذكورات فيه و إن لم تتصوّر فيه الزيادة كالوقت و القبلة و الطهور، لكن البعض الآخر كالركوع و السجود‌

____________

(1) شرح العروة 14: 429.

293

..........

____________

تتصوّر فيه، و هو كاف في الشمول، و من البيّن أنّه لا معنى للعدول إلى نافلة باطلة.

هذا فيما إذا كان العدول بعد الدخول في ركوع الثالثة، و أمّا قبل الدخول فيه فلا موجب للبطلان، فإنّ أدلّة الزيادة القادحة قد عرفت قصورها عن الشمول للمقام. و حديث لا تعاد لا يقتضيه أيضاً بعد أن لم يكن الزائد من الأركان. فلم تشتمل النافلة المعدول إليها على خلل يستوجب بطلانها، فلا مانع من العدول إليها. و بذلك يفرق بين الصورتين في العدول، هذا في مقام الثبوت.

و أمّا في مقام الإثبات فربما يشكل بعدم وفاء النصّ لإثبات جواز العدول في الفرض المزبور بعد كونه على خلاف الأصل. أمّا الموثّقة فقصورها عن ذلك ظاهر كما مرّ، و أمّا الصحيحة فلتضمّنها الأمر بصلاة ركعتين، الظاهر في عدم بلوغ المصلّي الذي أُقيمت لديه الجماعة هذا الحدّ، فضلًا عن الزيادة عليهما و الدخول في الثالثة. فهذا الفرض خارج عن مورد الصحيحة المتكفّلة بجواز العدول.

و فيه: أنّ الظاهر بل المقطوع به اتّفاق الأصحاب على جواز العدول فيما إذا صلّى ركعتين من الفريضة و بعد انتهائه عن التشهّد أُقيمت الجماعة، فإنّه لم يستشكل أحد فيما نعلم في جواز العدول حينئذ إلى النافلة، مع خروج الفرض لو تمّ ما أُفيد عن مقتضى الجمود على النصّ.

و لا ينبغي الاستشكال فيه، إذ ليس المراد من أمره (عليه السلام) بصلاة ركعتين تطوّعاً إحداث الركعتين برفع اليد عن الفريضة و إيجاد نافلة جديدة فانّ هذا غير مقصود بالضرورة كما هو واضح، بل المراد إتمام الصلاة ركعتين و الفراغ عنها كذلك بعد العدول إلى النافلة.

و لا ريب أنّ هذا كما يشمل ما لو كان في الركعة الأُولى و قد أُقيمت الجماعة يشمل ما لو كان في الثانية، بل في الثالثة ما لم يدخل في ركوعها المانع عن العدول. ففي جميع ذلك يصحّ منه إتمام الصلاة على ركعتين، فيندرج الكلّ تحت إطلاق النصّ بمناط واحد.

294

و لو خاف من إتمامها ركعتين فوت الجماعة و لو الركعة الأُولى منها جاز له القطع بعد العدول [1] إلى النافلة على الأقوى، و إن كان الأحوط عدم قطعها بل إتمامها ركعتين و إن استلزم ذلك عدم إدراك الجماعة في ركعة أو ركعتين (1).

____________

و على الجملة: فبعد القيام إلى الثالثة بما أنّه متمكّن من إتمام الصلاة ركعتين تطوّعاً فلا قصور في الصحيحة عن الشمول لمثله. فالدليل في مقام الإثبات وافٍ لجواز العدول حينئذ، و قد عرفت صحّته ثبوتاً. فلا إشكال.

(1) يقع الكلام تارة في استحباب القطع بعد ما عدل، و أُخرى في جوازه و مشروعيته.

أمّا الاستحباب: فغير ثابت، لاختصاص الروايتين أعني الصحيحة و الموثّقة بما إذا أتمّ النافلة المعدول إليها كما لا يخفى، فلا تعمّان صورة قطعها. و من الواضح أنّ صحيحة عمر بن يزيد المتقدّمة (1) التي تضمّنت استحباب قطع النافلة لإدراك الجماعة قاصرة الشمول للمقام، لانصرافها إلى ما إذا كان متشاغلًا بالنافلة ابتداءً، فلا تعمّ النافلة المعدول إليها المتّصفة بالنفل بقاءً.

و أمّا الجواز: فلا ينبغي الاستشكال فيه، بعد البناء على جواز قطع النافلة و كون المعدول إليها مصداقاً لها فعلًا، و إن لم تكن كذلك حدوثاً، لأنّ هذا من أحكام النافلة مهما تحقّقت، لما أشرنا سابقاً من أنّ عمدة المستند لحرمة قطع الصلاة هو الإجماع، و هو لو تمّ مختصّ بالفريضة و لا يعمّ النافلة.

و المنع عن الجواز المزبور استناداً إلى استصحاب حرمة القطع الثابتة قبل العدول في غير محلّه، إذ فيه مضافاً إلى أنّه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية و لا نقول به، أنّ الموضوع متعدّد في المقام، فإنّ الحرمة الثابتة قبل العدول كان موضوعها الفريضة، و بعد العدول انقلبت نافلة.

____________

[1] جوازه مع البناء على قطعها بعده مشكل.

____________

(1) في ص 287.

295

..........

____________

و من الواضح أنّ الفرضيّة و النفليّة من العناوين المقوّمة للموضوع، الموجب لتعدّده حتّى بنظر العرف، كالظهريّة و العصريّة، و الأداء و القضاء، و غسل الحيض و الجنابة، و نحو ذلك ممّا يتقوّم بالعناوين القصديّة، الموجبة لتغايرها في الحقيقة و الماهية و إن اتّحدت صورة، و ليست من الحالات المتبادلة الطارئة على الموضوع الواحد حتّى يجري فيه الاستصحاب كما لا يخفى.

و على الجملة: فلا مجال للترديد في جواز القطع بعد العدول، لكنّه خاصّ بما إذا بدا له في القطع بعد ما عدل، دون ما إذا كان بانياً عليه من الأوّل، و إلّا فمشروعيّة العدول حينئذ مشكلة في حدّ نفسه، لعدم الدليل عليها بعد أن لم يكن المعدول إليه فريضة و لا نافلة. و من الواضح قصور الصحيحة و الموثّقة عن الشمول لمثل ذلك، لانصرافهما إلى ما إذا عدل إلى تمام الركعتين، لا إلى البعض منهما كما هو لازم البناء على القطع من الأوّل.

نعم، لا مانع من قطع الفريضة لإدراك الجماعة من قبل أن يعدل بها إلى النافلة، لعدم الدليل على حرمة القطع حينئذ، فإنّ مستندها هو الإجماع كما مرّ و لا إجماع في مثل المقام، كيف و قد نسب إلى جمع من الأعلام كالشيخ (1) و القاضي (2) و الشهيد في كتبه الثلاثة الدروس (3) و الذكرى (4) و البيان (5) و جماعة من المتأخّرين جواز القطع فيما نحن فيه. و من الواضح أنّ النصّ المتضمّن للعدول إلى النافلة غير ناظر إلى المنع عن القطع كما لا يخفى.

و منه تعرف أنّ الاستصحاب المتقدّم آنفاً مع الغضّ عمّا أوردناه عليه ساقط في حدّ نفسه، لعدم اليقين بالحالة السابقة حتّى نستصحب الحرمة لو لم يكن يقين بالعدم كما عرفت.

____________

(1) النهاية: 118.

(2) لاحظ المهذب 1: 83.

(3) الدروس 1: 222.

(4) الذكرى 4: 468.

(5) البيان: 227.

296

بل لو علم عدم إدراكها أصلًا إذا عدل إلى النافلة و أتمّها فالأولى و الأحوط عدم العدول [1] (1) و إتمام الفريضة ثم إعادتها جماعة إن أراد و أمكن.

[مسألة 28: الظاهر عدم الفرق في جواز العدول من الفريضة إلى النافلة لإدراك الجماعة]

[1950] مسألة 28: الظاهر عدم الفرق في جواز العدول من الفريضة إلى النافلة لإدراك الجماعة بين كون الفريضة التي اشتغل بها ثنائية أو غيرها و لكن قيل بالاختصاص بغير الثنائية (2).

____________

(1) بل ينبغي الجزم بعدم العدول حينئذ، و لا نعرف وجهاً للأولوية و الاحتياط الاستحبابي الصادر منه (قدس سره)، ضرورة ظهور النصّ في أنّ العدول إنّما شرع مقدّمة لإدراك الجماعة و تحصيلًا لهذه الغاية، فمع العلم بعدم إدراكها أصلًا لو عدل إلى النافلة و أتمّها لا يشمله النصّ قطعاً، فلا دليل على جواز العدول حينئذ، و مقتضى الأصل عدمه. نعم، لا حاجة إلى إتمام الفريضة بل له القطع من غير عدول كما أشرنا إليه آنفاً.

(2) المعروف عدم الفرق في جواز العدول إلى النافلة لإدراك الجماعة بين كون الفريضة التي اشتغل بها ثنائيّة أو غيرها.

و عن المستند الاختصاص بغير الثنائية، لخروجها عن مورد الأخبار (1). و مقتضى الأصل عدم جواز العدول ما لم يقم عليه دليل.

و لكن الظاهر هو التعميم.

أمّا أوّلًا: فللقطع الخارجي بعدم الفرق بين الثنائية و غيرها في هذا الحكم فانّ المناط في تشريع العدول في المقام إدراك الجماعة، المشترك بين الصورتين.

و أمّا ثانياً: فلأنّ دعوى خروج الثنائية عن مورد الأخبار إنّما تتّجه بالإضافة إلى موثّقة سماعة، لقوله (عليه السلام) في ذيلها: «و إن لم يكن إمام عدل فليبْنِ على صلاته كما هو، و يصلّي ركعة أُخرى، و يجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمداً عبده و رسوله، ثمّ‌

____________

[1] بل هو الأظهر.

____________

(1) المستند 8: 142.

297

[مسألة 29: لو قام المأموم مع الإمام إلى الركعة الثانية أو الثالثة مثلًا فذكر أنّه ترك من الركعة السابقة سجدة]

[1951] مسألة 29: لو قام المأموم مع الإمام إلى الركعة الثانية أو الثالثة مثلًا فذكر أنّه ترك من الركعة السابقة سجدة أو سجدتين أو تشهّداً أو نحو ذلك وجب عليه العود للتدارك، و حينئذ فان لم يخرج عن صدق الاقتداء و هيئة الجماعة عرفاً فيبقى على نيّة الاقتداء [1] (1) و إلّا فينوي الانفراد.

____________

ليتمّ صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقية واسعة» (1).

فانّ قوله (عليه السلام): «ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع ...» إلخ ظاهر في الإتيان ببقيّة أجزاء الصلاة مع الإمام من قيام و ركوع و سجود و نحوها المستلزم لفرض كون الصلاة ثلاثية أو رباعية، إذ لو كانت ثنائية لقال (عليه السلام): ثم يسلّم و ينصرف. لا أنّه يتمّ صلاته معه على ما استطاع. فمورد الموثّقة خاصّ بغير الثنائية كما ذكره (قدس سره).

و أمّا صحيحة سليمان بن خالد فهي مطلقة، و ليس فيها ما يوهم الاختصاص فضلًا عن الدلالة. و التقييد بالركعتين في قوله (عليه السلام): «فليصلّ ركعتين» إنّما هو من أجل أنّ النافلة المعدول إليها لا تكون إلّا ذات ركعتين، فهو في مقام التنبيه على هذه النكتة، و أنّ النافلة لم تشرع إلّا ركعتين و ليس ناظراً إلى أنّ الصلاة المشغول بها كانت أكثر من ركعتين فيعدل بها إلى الركعتين تطوّعاً، لعدم كونه (عليه السلام) في مقام التعرّض إلى هذه الخصوصية بوجه.

فالإطلاق المستفاد من ترك الاستفصال عن كون تلك الصلاة ثنائية أم غيرها هو المحكّم. فعلى تقدير عدم تمامية القطع الخارجي الذي ذكرناه أوّلًا لا مانع من التمسّك بهذا الإطلاق. فالأقوى عدم الفرق بينهما كما هو المشهور.

(1) بل قد عرفت فيما مرّ (2) أنّ مقتضى الاحتياط نيّة الانفراد فيما إذا كان‌

____________

[1] مرّ أنّ الأحوط قصد الانفراد فيما إذا كان التخلّف موجباً لفوات المتابعة.

____________

(1) الوسائل 8: 405/ أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2.

(2) في ص 282.

298

[مسألة 30: يجوز للمأموم الإتيان بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الإمام]

[1952] مسألة 30: يجوز للمأموم الإتيان بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الإمام ثمّ الإتيان بتكبيرة الإحرام بعد إحرامه و إن كان الإمام تاركاً لها (1).

[مسألة 31: يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين أو المختلفين بالآخر]

[1953] مسألة 31: يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين أو المختلفين بالآخر (2) مع اختلافهما في المسائل الظنّية المتعلّقة بالصلاة إذا لم يستعملا محلّ الخلاف و اتّحدا في العمل، مثلًا إذا كان رأي أحدهما اجتهاداً أو تقليداً وجوب السورة و رأي الآخر عدم وجوبها يجوز اقتداء الأوّل بالثاني إذا قرأها و إن لم يوجبها،

____________

التخلّف موجباً لفوات المتابعة.

(1) ذكرنا في بحث تكبيرة الإحرام (1) عند التعرّض للتكبيرات الافتتاحية أنّ المستفاد من النصوص أنّ تكبيرة الإحرام و ما به يتحقّق الافتتاح هي الواحدة منها لا مجموعها، لقوله (عليه السلام): يجهر بواحدة (2). و قلنا: إنّ الأولى و الأحوط اختيار الأخير منها، و عليه فما تقدّمها من التكبيرات الست أُمور مستحبّة خارجة عن الصلاة. فللمأموم الإتيان بها، سواء أتى بها الإمام أم لا، لإطلاق دليل الاستحباب، و وضوح عدم لزوم المتابعة فيما هو خارج عن الصلاة.

و لأجله لا يلزم تأخّره فيها عن الإمام لو أتى الإمام بها أيضاً، و إنّما اللازم تأخّره عن الإمام في تكبيرة الإحرام التي بها يفتتح الصلاة و يتحقّق الدخول فيها، و أمّا قبل ذلك فلا جماعة بعدُ و لا متابعة، فلا مانع من تقدّمه فيها عليه سواء أتى بها الإمام أم لا، كما هو ظاهر.

(2) لا ريب في صحّة الاقتداء فيما إذا رأى الإمام وجوب شي‌ء لم يكن‌

____________

(1) شرح العروة 14: 143.

(2) الوسائل 6: 33/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 12.

299

و كذا إذا كان أحدهما يرى وجوب تكبير الركوع أو جلسة الاستراحة أو ثلاث مرّات في التسبيحات في الركعتين الأخيرتين يجوز له الاقتداء بالآخر الذي لا يرى وجوبها لكن يأتي بها بعنوان الندب، بل و كذا يجوز مع المخالفة في العمل أيضاً [1] فيما عدا ما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الأُوليين التي يتحمّلها الإمام عن المأموم، فيعمل كلّ على وفق رأيه.

نعم لا يجوز اقتداء من يعلم وجوب شي‌ء بمن لا يعتقد وجوبه مع فرض كونه تاركاً له، لأنّ المأموم حينئذ عالم ببطلان صلاة الإمام، فلا يجوز له الاقتداء به، بخلاف المسائل الظنّية، حيث إنّ معتقد كلّ منهما حكم شرعي ظاهري في حقّه، فليس لواحد منهما الحكم ببطلان صلاة الآخر، بل كلاهما في عرض واحد في كونه حكماً شرعياً.

____________

واجباً عند المأموم ممّا يتعلّق بالصلاة، اجتهاداً أو تقليداً أو بالاختلاف، لصحّة صلاة الإمام قطعاً و إن اشتملت على ما هو مستحبّ في نظر المأموم كجلسة الاستراحة، و هذا ظاهر.

و أمّا عكس ذلك أي الاقتداء بإمام لا يرى وجوب شي‌ء و هو واجب عند المأموم فلا ريب في الصحّة أيضاً فيما إذا أتى الإمام بذلك الشي‌ء، لاشتمال الصلاة حينئذ على كلّ ما يعتبره المأموم فيها. و مجرّد الاختلاف في النظر غير المؤثر في العمل غير قادح في صحّة الائتمام بلا كلام.

إنّما الكلام فيما إذا لم يأت الإمام بذلك الشي‌ء، و هذا قد يفرض فيما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الأُوليين اللتين يتحمّلها الإمام، كما لو ترك السورة بانياً على عدم وجوبها مع كونها واجبة في نظر المأموم.

____________

[1] الظاهر عدم جواز الاقتداء فيما يرى المأموم بطلان صلاة الإمام بعلم أو علمي، نعم إذا كان الإخلال بما لا تبطل الصلاة به في ظرف الجهل صحّ الاقتداء، بلا فرق بين العلم و العلمي أيضاً.

300

..........

____________

و قد يفرض فيما يتعلّق بغيرها، كما لو ترك الإمام جلسة الاستراحة، أو تكبيرة الركوع، أو التسبيحات الأربع في الأخيرتين ثلاثاً، لبنائه على عدم وجوبها مع كونها واجبة عند المأموم، فاختلفا نظراً و عملًا، فهل يجوز الاقتداء به؟ فهنا مقامان.

و الكلام فعلًا في المقام الثاني، أعني ما يتعلّق بغير القراءة. و قد فصّل في المتن حينئذ بين ما إذا كان الاختلاف راجعاً إلى الظنون الاجتهادية، بأن قامت الأدلّة الشرعية و الحجّة الفعلية عند كلّ منهما بنفسه أو بمقلّده على خلاف ما أدّى إليه نظر الآخر، و بين ما إذا كان المأموم عالماً بوجوب ما لا يراه الإمام واجباً علماً وجدانياً، بحيث كان قاطعاً ببطلان صلاة الإمام.

فيجوز الاقتداء في الأوّل، إذ الدليل العلمي و الظنّي الاجتهادي كما هو قائم عند المأموم قائم عند الإمام أيضاً، و كلّ منهما مستند إلى حجّة شرعية و الحكم الشرعي الظاهري ثابت في حقّ كلّ منهما بمناط واحد، و الحكم الواقعي الذي ربما يصيبه المجتهد و ربما لا يصيب غير معلوم لدى كلّ واحد منهما. فليس لأحدهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بعد أن كان كلاهما في عرض واحد في كونه حكماً شرعياً ظاهرياً من غير ترجيح لأحدهما على الآخر. فلا مانع من الاقتداء به.

و هذا بخلاف الصورة الثانية، إذ بعد انكشاف الواقع لدى المأموم بعلم وجداني فهو يرى على سبيل القطع بطلان صلاة الإمام، و جازم بفسادها في مرحلة الواقع، و معه كيف يسوغ له الاقتداء بهذه الصلاة الفاسدة.

أقول: قد ذكرنا في الأُصول في مبحث الإجزاء (1)، و أشرنا في مسائل التقليد أنّ نظر المجتهد سواء تحصّل من الظنّ الاجتهادي أو من غيره لا يكون حجّة إلّا في حقّه و حقّ مقلّديه، و لا يكون نافذاً بالإضافة إلى من سواه ممّن يخالفه في الرأي. فلو غسل المتنجّسَ بالبول في الكرّ مرّة مَن يرى الاكتفاء بها اجتهاداً‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 285.