موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
301

..........

____________

أو تقليداً لا يجزي في حقّ غيره ممّن يرى اعتبار التعدّد، و لا يجوز له ترتيب آثار الطهارة. و هكذا لو اختلفا في سائر ما يعتبر في التطهير أو غيره.

و قد ذكرنا في محلّه (1) أيضاً أنّ معنى الحجّية بناءً على الطريقية هو إلغاء احتمال الخلاف، و فرض من قامت عنده الأمارة عالماً في اعتبار الشارع، و كأنّه يرى الواقع رؤية علمية، غايته أنّ العلم تعبّدي لا وجداني، و لا ضير فيه بعد أن ألحقه الشارع به بدليل الاعتبار، الراجع إلى تتميم الكشف و كونه بمثابة العلم الوجداني في جميع الآثار.

إذن لا فرق بين العلم و العلمي من هذه الجهة أصلًا، و معه كيف يسوغ الاقتداء بمن يعلم المأموم بطلان صلاته و لو بعلم تعبّدي هو في حكم العلم الوجداني في نظر الشارع، نعم هو معذور فيها من أجل قيام الحجّة عنده على الصحّة، إلّا أنّ معذوريّته لا تجدي بالقياس إلى المأموم الذي لم تتمّ عنده تلك الحجّة، إذ قد عرفت آنفاً أنّ نظر المجتهد لا يكون نافذاً في حقّ غير مقلّديه.

فالصحّة عند الإمام لا تجدي بالإضافة إلى المأموم الذي يخالفه في الرأي فإنّ صلاة الإمام في المقام نظير التطهير في الكرّ الذي مثّلنا به آنفاً، فكما لا يجوز ترتيب آثار الطهارة لمن يخالفه في الرأي فكذا لا يجوز الائتمام في المقام.

و حاصل الكلام: أنّا لا نجد فرقاً بين العلم و العلمي من هذه الجهة أبداً فإمّا أن يبنى على البطلان في كليهما من جهة العلم و لو تعبّداً بفساد صلاة الإمام، المانع عن الائتمام، أو على الصحّة في كليهما أيضاً، بدعوى أنّ الموضوع لجواز الائتمام هي الصحّة في نظر الإمام، و إن كانت الدعوى غير ثابتة.

و التحقيق: هو التفصيل بوجه آخر، و هو أنّ ما يختلف فيه المأموم مع الإمام على نوعين:

فتارة: يرجع الاختلاف إلى ما يتعلّق بالأركان، بحيث يرى المأموم بطلان صلاة الإمام واقعاً و إن كان معذوراً فيه، على نحو لو علم به الإمام و انكشف له‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 104 107.

302

..........

____________

الحال أثناء الصلاة أو بعدها وجبت عليه الإعادة، بل القضاء خارج الوقت لإخلاله بشرط أو جزء ركني.

مثال الشرط: ما لو اختلفا في مصداق الطهور، كما لو كانت في بعض محالّ الوضوء من أعضاء الإمام نجاسة عينيّة لا يمكن إزالتها، فيتيمّم الإمام لبنائه على أنّ المورد من موارد التيمّم، و المأموم يرى أنّه من موارد الوضوء جبيرة.

و مثال الجزء: ما لو اختلفا في مصداق الركوع، كما لو كان الإمام مبتلى بوجع في ظهره يمنعه عن الركوع قائماً، فأومأ إليه بانياً على أنّ الوظيفة حينئذ هي الإيماء، و المأموم يرى أنّ الوظيفة هي الركوع جالساً.

ففي أمثال المقام لا يصحّ الائتمام، إذ المأموم يرى بعلم أو علمي فساد صلاة الإمام حتّى واقعاً، و أنّها مجرّد صورة الصلاة، و ليست من حقيقتها في شي‌ء للإخلال بركن مقوّم للحقيقة، بحيث لو التفت إليه الإمام و تبدّل رأيه وجبت عليه أيضاً الإعادة أو القضاء، و معه كيف يسوغ الاقتداء به.

و أُخرى: يرجع الاختلاف إلى ما عدا الأركان، بحيث لا يوجب البطلان إلّا في ظرف العلم و العمد، دون الجهل أو السهو، كما لو اعتقد الإمام عدم وجوب جلسة الاستراحة، أو عدم وجوب التسبيحات الأربع في الأخيرتين ثلاثاً و كفاية الواحدة، أو عدم وجوب الذكر الخاصّ في الركوع و السجود و الاكتفاء بمطلق الذكر، هذا في الأجزاء.

و كذا في الشرائط، كما لو كان بانياً على عدم اعتبار الطمأنينة في التشهّد فتركها، و المأموم يرى بعلم أو علمي وجوب هذه الأُمور.

ففي أمثال هذه الموارد يصحّ الاقتداء، لصحّة صلاة الإمام حينئذ لدى كلّ من الإمام و المأموم حتّى واقعاً، بحيث لو انكشف الحال و تبدّل رأي الإمام لم تجب عليه الإعادة، لحديث «لا تعاد ...» (1) الحاكم على الأدلّة الأوّليّة و الموجب لاختصاص الجزئية و الشرطية فيما عدا الأركان أعني الخمسة‌

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

303

..........

____________

المستثناة بحال الذكر و العلم، و سقوطها في ظرف السهو أو الجهل القصوري أي مطلق العذر، بناءً على التحقيق من شموله للجاهل كالناسي.

فالصلاة الصادرة عن الإمام و إن كانت باطلة بحسب الجعل الأوّلي في نظر المأموم لفقدانها الجزء أو الشرط، لكنّها محكومة بالصحّة الواقعية بحسب الجعل الثانوي المستفاد من حديث «لا تعاد ...»، إذ كما أنّ الأمر بالإعادة يكشف عن البطلان الواقعي في نحو قوله (عليه السلام): «من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة» (1) فكذا نفي الإعادة الذي تضمّنه الحديث يكشف عن الصحّة الواقعية بمقتضى المقابلة كما لا يخفى.

و بالجملة: دلّ الحديث على أنّ الجزئية أو الشرطية غير الركنيةِ ذكريةٌ لا واقعية. فهذه الصلاة و إن كانت باطلة لو صدرت عن المأموم العالم بالحال لكنّها صحيحة حتّى واقعاً من الإمام المعذور و الجاهل بذلك، لاختلاف الموضوع.

فالمقام بعينه نظير ما سيذكره الماتن (قدس سره) في بعض المسائل الآتية من صحّة الاقتداء فيما لو رأى المأموم نجاسة غير معفوّ عنها في لباس الإمام و هو لا يدري، فكما أنّ اشتمال اللباس على النجس غير مانع عن الاقتداء لجهله به، الموجب لصحّة صلاته واقعاً في هذه الحال، بحيث لا إعادة عليه لدى انكشاف الخلاف و إن لم تجز الصلاة فيه من المأموم العالم به، فكذا في المقام حرفاً بحرف، غايته أنّ الشبهة هنا حكمية و هناك موضوعية. و هذا لا يستوجب فرقاً جوهرياً في مناط البحث بالضرورة.

بل يكاد المقام يكون نظيراً لائتمام المرأة بالرجل، حيث إنّ الواجب عليها ستر تمام بدنها في الصلاة دون الإمام. فكما أنّ اقتصار الإمام على ستر‌

____________

(1) الوسائل 7: 281/ أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 [و لا يخفى كونها مرسلة، و لعلّ المقصود الاستدلال بما هو في مضمونها و هو ح 1 و غيره من أحاديث الباب].

304

و أمّا فيما يتعلّق بالقراءة في مورد تحمّل الإمام عن المأموم و ضمانه له فمشكل [1] لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان بحسب معتقد المضمون عنه، مثلًا إذا كان معتقد الإمام عدم وجوب السورة و المفروض أنّه تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به، و كذا إذا كان قراءة الإمام صحيحة عنده و باطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك إدغام لازم أو مدّ لازم أو نحو ذلك (1).

____________

العورتين غير مانع من اقتدائها به، لصحّة صلاته حينئذ حتّى واقعاً و إن لم يصحّ مثل ذلك عنها، لأجل تعدّد الموضوع الموجب لتغاير الحكم الواقعي، فكذا في المقام بمناط واحد.

فهذا التفصيل هو الحري بالقبول. و ملخّصه: أنّ الاختلاف إن كان عائداً إلى الأركان التي هي أجزاء أو شرائط واقعية و معتبرة في الصحّة في حالتي العلم و الجهل لم يصحّ الاقتداء، سواء أ كان نظر المأموم أو مقلّده متحصّلًا من علم أو علمي. و إن كان راجعاً إلى ما عداها ممّا هي أجزاء أو شرائط ذكرية و معتبرة في حالة العلم و الالتفات خاصّة دون الجهل صحّ الاقتداء حينئذ، من غير فرق بين العلم و العلمي أيضاً كما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا كلّه في المقام الثاني.

(1) و أمّا المقام الأوّل أعني ما يتعلّق بالقراءة، كما لو اعتقد الإمام عدم وجوب سورة فتركها و المأموم يرى الوجوب، أو كانت قراءته باطلة عنده من أجل تركه إدغاماً أو مدّاً لازماً و نحو ذلك ممّا يرى المأموم وجوبه دون الإمام فهل يصحّ به الائتمام؟

لا بدّ من فرض الكلام في القراءة التي يتحمّلها الإمام كما أشار إليه في المتن.

____________

[1] بل الظاهر عدم جوازه إذا كان الاقتداء به حال القراءة، و أمّا إذا كان حال الركوع فلا إشكال فيه.

305

نعم يمكن أن يقال [1] بالصحّة إذا تداركها المأموم بنفسه كأن قرأ السورة في الفرض الأوّل، أو قرأ موضع غلط الإمام صحيحاً، بل يحتمل أن يقال إنّ القراءة في عهدة الإمام و يكفي خروجه عنها باعتقاده، لكنّه مشكل، فلا يترك الاحتياط بترك الاقتداء.

____________

أمّا ما لا يتحمّل كما في الأخيرتين مع عدم استعماله مورد الخلاف في الأولتين بأن راعى الإدغام أو المدّ مثلًا الذي يعتبره المأموم في الأولتين و أهملهما في الأخيرتين، فهو خارج عن محلّ الكلام، و مندرج في المقام الثاني الذي مرّ البحث عنه، و يجري فيه التفصيل المتقدّم عن الماتن من الفرق بين العلم و العلمي، و على ضوء ما ذكرناه يحكم بصحّة الاقتداء حينئذ مطلقاً كما لا يخفى.

فمحلّ الكلام هنا ما يتحمّله الإمام و يضمن عن المأموم كما في الأولتين.

و قد استشكل في المتن في صحّة الائتمام حينئذ، من أجل أنّ القراءة واجبة على المأموم و غير ساقطة عنه رأساً، غايته أنّه يجتزي بقراءة الإمام، و هو ضامن عنه بمقتضى النصوص المتكفّلة للضمان، فيجب عليه الإتيان بها إمّا بنفسه أو ببدله الصحيح و هو قراءة الإمام، و المفروض أنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه، فلم يؤت لا بها و لا ببدلها الصحيح.

ثمّ احتمل الصحة فيما إذا تصدّى المأموم لتدارك النقص بنفسه، كأن قرأ السورة أو قرأ موضع غلط الإمام صحيحاً، إذ لا قصور في القراءة إلّا من هذه الناحية المفروض تداركها، فقد تحقّقت القراءة الصحيحة بمجموع فعله و فعل الإمام.

و احتمل أخيراً الصحّة من غير تدارك، بدعوى أنّ القراءة إنّما هي في عهدة الإمام، و ساقطة عن المأموم، و يكفي خروجه عنها حسب اعتقاده.

____________

[1] هذا و ما ذكر بعده من الاحتمال ضعيفان جدّاً.

306

..........

____________

أقول: أمّا أوّل الاحتمالين فهو و إن كان ممكناً ثبوتاً، و لا مانع عنه في حدّ نفسه، إلّا أنّه لا دليل عليه في مرحلة الإثبات، فإنّ مشروعيّة القراءة التلفيقية التي هي على خلاف الأصل تحتاج إلى دليل مفقود. و ظاهر قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1) لزوم الإتيان بتمام القراءة إمّا بنفسه أو بمن يقوم مقامه، و هو الإمام بمقتضى أدلّة الضمان، و أمّا المركّب منهما فهو مخالف لظاهر الأمر، و مناف لمقتضى الأصل كما عرفت.

و أمّا ثاني الاحتمالين الذي ذكره أخيراً فهو أيضاً ساقط، إذ المستفاد من أدلّة الضمان على اختلاف ألسنتها من أنّه يكِلها إلى الإمام، أو يجزيك قراءته، أو أنّه ضامن، و نحو ذلك، أنّ الساقط إنّما هو قيد المباشرة لا أصل القراءة، فهي باقية على وجوبها ما لم يؤدّها بنفسها أو ببدلها الصحيح، و المفروض انتفاء كلا الأمرين. فهذان الاحتمالان ساقطان لضعفهما جدّاً.

فيبقى الإشكال الذي ذكره أوّلًا، و هو في محلّه، لما عرفت في تقريره من أنّ المأموم لا يشذّ عن غيره في مشموليّته للخطاب المتعلّق بالقراءة بمقتضى عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» إذ لا تخصيص في هذا العام.

غاية الأمر ثبت اجتزاؤه في مرحلة الامتثال بقراءة الإمام على ما تقتضيه أدلّة الضمان، و أنّه يكِلها إليه، و قراءته قراءته، و يكون الواجب إمّا التصدّي للقراءة أو إيكالها إلى الإمام باختيار الجماعة، فالساقط ليس إلّا خصوص التصدّي لها بنفسه أعني قيد المباشرة دون أصل الوجوب، فيكتفي ببدلها عوضاً عن نفسها.

و لا ريب أنّ هذا الإيكال و التضمين خاصّ بما إذا خرج الإمام عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه، كي يتحقّق البدل الصحيح الذي كلّف به المأموم عوضاً عن القراءة التي أُمر بها، إذ لو كانت فاسدة عنده فوجودها‌

____________

(1) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5، راجع ص 18، الهامش (1).

307

[مسألة 32: إذا علم المأموم بطلان صلاة الإمام من جهة من الجهات]

[1954] مسألة 32: إذا علم المأموم بطلان صلاة الإمام من جهة من الجهات ككونه على غير وضوء أو تاركاً لركن أو نحو ذلك، لا يجوز له الاقتداء به و إن كان الإمام معتقداً صحّتها من جهة الجهل أو السهو أو نحو ذلك (1).

____________

كالعدم، و كأنّه صلّى خلف من لا يقرأ، فلم تتحقّق القراءة لا بنفسها و لا ببدلها و معه كيف يسوغ له الائتمام مع أنّه يرى أنّ هذا ركوع لا عن قراءة، و صلاة لا عن فاتحة.

نعم، يختص الإشكال بما إذا كانت القراءة واجبة على المأموم، دون ما لم تجب كما لو اقتدى و الإمام في الركوع من الركعة الثانية، أو من الاولى و لم يستعمل مورد الخلاف في الثانية، فإنّ القراءة حينئذ ساقطة عن المأموم بنفسها و ببدلها، بمقتضى الروايات المتضمّنة لإدراك الجماعة بإدراك الإمام راكعاً (1) التي لا قصور في شمولها للمقام بعد أن كانت صلاة الإمام محكومة بالصحّة حتّى واقعاً، بحيث لو انكشف له الخلاف و تبدّل رأيه و هو في الركوع و طابق نظر المأموم لو كان نظره هو الصحيح بحسب الواقع لم يجب عليه التدارك لا أثناء الصلاة لفوات المحلّ بالدخول في الركوع، و لا بعدها لحديث لا تعاد. فلا مانع من الاقتداء به.

نظير ما لو أدرك الإمام راكعاً مع العلم بنسيانه للقراءة، فإنّه لا إشكال في جواز الائتمام حينئذ و الدخول معه في الركوع، لصحّة صلاته حتّى واقعاً المنكشفة من عدم لزوم التدارك و لا الإعادة لو تذكّر.

فالأظهر هو التفصيل بين ما إذا كانت القراءة واجبة على المأموم كما لو كان الاقتداء حال قراءة الإمام، و بين ما إذا لم تجب كما لو ائتمّ به حال ركوعه فيصح الاقتداء في الثاني دون الأوّل كما ظهر وجهه مما مرّ.

(1) ممّا قدّمناه في المسألة السابقة يعلم حكم هذه المسألة، لعدم الفرق إلّا‌

____________

(1) المتقدّمة في ص 100.

308

[مسألة 33: إذا رأى المأموم في ثوب الإمام أو بدنه نجاسة غير معفوّ عنها لا يعلم بها الإمام]

[1955] مسألة 33: إذا رأى المأموم في ثوب الإمام أو بدنه نجاسة غير معفوّ عنها لا يعلم بها الإمام لا يجب عليه إعلامه، و حينئذ فإن علم أنّه كان سابقاً عالماً بها ثمّ نسيها لا يجوز له الاقتداء به، لأنّ صلاته حينئذ باطلة واقعاً، و لذا يجب عليه الإعادة أو القضاء إذا تذكّر بعد ذلك. و إن علم كونه جاهلًا بها يجوز الاقتداء، لأنّها حينئذ صحيحة، و لذا لا يجب عليه الإعادة أو القضاء إذا علم بعد الفراغ. بل لا يبعد جوازه إذا لم يعلم المأموم أنّ الإمام جاهل أو ناسٍ، و إن كان الأحوط الترك في هذه الصورة، هذا و لو رأى شيئاً هو نجس في اعتقاد المأموم بالظنّ الاجتهادي و ليس بنجس عند الإمام، أو شكّ في أنّه نجس عند الإمام أم لا، بأن كان من المسائل الخلافية، فالظاهر جواز الاقتداء مطلقاً، سواء كان الإمام جاهلًا أو ناسياً أو عالماً (1).

____________

من حيث كون الشبهة هنا موضوعية و هناك حكمية، فإذا علم المأموم بطلان صلاة الإمام واقعاً، لإخلاله بما يوجب الفساد عمداً و سهواً ككونه على غير طهر، أو تاركاً لركن و هو لا يدري، لم يصحّ منه الاقتداء بمثل هذه الصلاة التي هي مجرّد صورة الصلاة، و ليست من حقيقتها في شي‌ء، و لذا وجب عليه التدارك لو انكشف له الحال في الوقت أو في خارجه.

و مجرّد اعتقاده الصحّة من أجل جهل أو سهو موجبين للخطإ في الموضوع لا يترتّب عليه إلّا العذر ما لم ينكشف الخلاف، دون الإجزاء كما هو ظاهر و حيث إنّ الخلاف منكشف للمأموم فلا يسوغ له الائتمام بصلاة يعلم بطلانها حتّى واقعاً.

(1) إذا كان الإمام جاهلًا بوجود النجاسة غير المعفوّ عنها في ثوبه أو بدنه فبما أنّ صلاته حينئذ محكومة بالصحّة الواقعية، لأنّ مانعية النجاسة ذكرية لا واقعية، و لذا لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء لو علم بها بعد الفراغ، بمقتضى حديث «لا تعاد ...»، فلا مانع من الاقتداء به.

309

..........

____________

كما لا يجب إعلامه المستلزم لانقلاب الموضوع الواقعي من غير ضرورة تقتضيه، فإنّ المانعية ساقطة في موضع الجهل واقعاً، و ثابتة في ظرف العلم. فهما حكمان لموضوعين، كالمسافر و الحاضر، فلا موجب لإخراجه عن موضوع و إدراجه في موضوع آخر، المترتّب على الإعلام.

و إذا كان الإمام ناسياً لها فحيث إنّ الصلاة حينئذ باطلة واقعاً، و لذا تجب عليه الإعادة و القضاء لو تذكّر بعد ذلك كما دلّت عليه النصوص الخاصّة على ما سبق في أحكام النجاسات (1) فلا يصح الائتمام من المأموم العالم بذلك، بل يلزم عليه إمّا ترك الاقتداء أو إعلامه لو أراد الاقتداء. هذا كلّه مع علم المأموم بجهل الإمام أو نسيانه.

و أمّا إذا لم يعلم أنّ الإمام جاهل أو ناسٍ فالأقوى جواز الائتمام حينئذ كما ذكره في المتن، لاستصحاب عدم سبق علم الإمام بالنجاسة، فيترتّب عليه صحّة صلاته التي هي الموضوع لجواز الاقتداء به. هذا كلّه في الشبهة الموضوعية.

و لو اختلفا في نجاسة شي‌ء اجتهاداً أو تقليداً كما لو كان الإمام ممّن يرى طهارة الكتابي، أو العصير العنبي، أو عرق الجنب من الحرام، أو عرق الجلّال و نحو ذلك، و قد لاقى بدنه أو ثوبه شيئاً من هذه الأُمور، و المأموم يرى نجاستها، فالظاهر جواز الاقتداء به و إن كان الإمام أيضاً عالماً بالملاقاة، فضلًا عمّا إذا كان جاهلًا أو ناسياً.

فإنّ النجاسة الواقعية لو كانت هذه الأُمور نجسة في الواقع كما يراه المأموم غير منجّزة ما لم يعلم بها، و المفروض جهل الإمام بها لعذر في اجتهاده أو اجتهاد من يقلّده و إن كان عالماً بذات النجس، فإنّ العبرة في العلم و الجهل المحكومين بالتنجيز و التعذير تعلّقهما بالنجس بوصف كونه نجساً، لا بذات ما‌

____________

(1) شرح العروة 3: 342 343.

310

..........

____________

هو نجس، و لذا لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء لو انكشف له الخلاف و تبدّل رأيه.

فحيث إنّ النجاسة حينئذ غير منجّزة، و لا مانعية في هذه الحالة، و لأجله كانت الصلاة محكومة بالصحّة الواقعية، فلا مانع من جواز الاقتداء به، و إذا كانت الحال كذلك في فرض العلم بالملاقاة فمع النسيان بطريق أولى كما لا يخفى. و أمّا مع الجهل فلا إشكال أصلًا، إذ مع العلم بالنجاسة لا يضر الجهل بالموضوع، فما ظنّك بالجهل بها كما هو المفروض.

هذا كلّه مع العلم بالاختلاف، و كذا الحال مع الجهل برأيه و الشكّ في أنّه نجس عند الإمام فصلّى فيه جاهلًا أو ناسياً و أمّا عالماً فلا يكاد يفرض لمنافاته العدالة كما لا يخفى أم لا، لأصالة عدم علمه بالنجاسة، مضافاً إلى أصالة الصحّة الجارية في صلاته. ففي جميع هذه الفروض يحكم بصحّة الاقتداء كما ذكره الماتن (قدس سره).

ثمّ لا يخفى أنّ البحث عن هذه المسألة يختلف عمّا تقدّمها سابقاً من اختلاف المأموم و الإمام في المسائل الاجتهادية المتعلّقة بالصلاة، التي فصّل الماتن فيها بين العلم و العلمي، و فصّلنا نحن بوجه آخر على ما مرّ (1) فانّ موضوع البحث هناك ما لو اختلفا فيما يعتبر في الصحّة واقعاً، من غير فرق بين حالتي العلم و الجهل بحسب الجعل الأوّلي و إن كان مختصّاً بالأوّل بمقتضى الجعل الثانوي المستفاد من حديث «لا تعاد ...» كما ذكرناه.

و أمّا النجاسة المبحوث عنها في المقام فلا مانعية لها إلّا في حالة العلم خاصّة، دون الجهل، لقصور المقتضي للمنع في حدّ نفسه إلّا بالإضافة إلى النجاسة المنجّزة كما عرفت، و لأجله يحكم بصحة الائتمام هنا حتّى و لو بنينا هناك على العدم. فلا تقاس هذه المسألة بسابقتها، و لا ارتباط بينهما، هذا.

و ربما يفصّل في جهل الإمام بالنجاسة بين ما إذا كان قاصراً أو مقصّراً في‌

____________

(1) في ص 301.

311

[مسألة 34: إذا تبيّن بعد الصلاة كون الإمام فاسقاً أو كافراً]

[1956] مسألة 34: إذا تبيّن بعد الصلاة كون الإمام فاسقاً (1) أو كافراً، أو غير متطهّر، أو تاركاً لركن مع عدم ترك المأموم له، أو ناسياً لنجاسة غير معفو عنها في بدنه أو ثوبه انكشف بطلان الجماعة، لكن صلاة المأموم صحيحة إذا لم يزد ركناً أو نحوه ممّا يخلّ بصلاة المنفرد للمتابعة.

____________

اجتهاده، فيصحّ الائتمام في الأوّل دون الثاني.

و هذا التفصيل متين في حدّ نفسه، إذ النجاسة الواقعية منجّزة في حقّه لدى التقصير، و معه تفسد صلاته، فلا يصحّ الائتمام به. لكنّه غير منطبق على المقام إذ فرض تقصير الإمام مناف لعدالته كما لا يخفى، و محلّ الكلام ما إذا كان الإمام جامعاً لشرائط الإمامة. فلا بدّ من فرض كونه جاهلًا بالحكم عن قصور.

(1) أمّا إذا كان التبيّن قبل الدخول في الصلاة معه فلا إشكال في عدم جواز الائتمام كما مرّ (1)، و أمّا لو كان بعد الفراغ عنها فلا إشكال في بطلان الجماعة لاختلالها باختلال شرطها ممّا يعود إلى الإمام لظهور فسقه أو نحوه، أو إلى الصلاة نفسها كوقوعها من غير طهارة، أو فاقدة لركن، أو مع النجاسة غير المعفوّ عنها، و نحو ذلك.

كما لا ريب في وجوب الإعادة على الإمام حينئذ لو تبيّن له بطلان صلاته.

إنّما الكلام في المأموم، فالمشهور صحّة صلاته و عدم وجوب الإعادة عليه. و عن الإسكافي (2) و علم الهدى (3) وجوب الإعادة، و عن الصدوق على ما حكاه الشيخ عنه التفصيل بين الجهريّة فلا يعيد، و الإخفاتيّة‌

____________

(1) في المسائل الثلاث السابقة.

(2) حكاه عنه في المختلف 2: 497 المسألة 357 [و قول ابن الجنيد مختص بالكفر و الفسق فقط. نعم حكى عنه في ص 513 المسألة 373 الإعادة لو تبيّن حدث الإمام ما دام الوقت باقياً].

(3) [ذكر في الناصريات: 242 وجوب الإعادة لو تبيّن حدث الإمام. و حكى الحلّي في السرائر 1: 282 عنه الوجوب أيضاً لو تبيّن كفر الإمام أو فسقه].

312

..........

____________

فيعيد (1). و مستند المشهور روايات كثيرة، جملة منها معتبرة، تضمّنت نفي الإعادة صريحاً (2).

و لكن بإزائها روايات اخرى ربما يستدلّ بها لوجوب الإعادة، و لعلّها هي مستند الإسكافي.

منها: ما عن دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) «قال: صلّى عمر بالناس صلاة الفجر، فلمّا قضى الصلاة أقبل عليهم فقال: أيّها الناس إنّ عمر صلّى بكم الغداة و هو جنب، فقال له الناس: فماذا ترى؟ فقال: علَيّ الإعادة و لا إعادة عليكم، فقال له علي (عليه السلام): بل عليك الإعادة و عليهم، إنّ القوم بإمامهم يركعون و يسجدون، فاذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأمومين» (3).

و فيه: أنّها ضعيفة السند بالإرسال (4) مضافاً إلى ما قيل من جواز أن يكون الأمر بالإعادة لخصوصية المورد، و هو كون الإمام من كان، لا لاطّراد الحكم في كلّ مورد.

و منها: ما عن البحار عن نوادر الراوندي بسنده عن موسى بن إسماعيل عن أبيه عن جدّه موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام): «من صلّى بالناس و هو جنب أعاد و أعاد الناس» (5).

و هي أيضاً ضعيفة، فإنّ موسى بن إسماعيل الذي يروي الأشعثيّات و إن كان موثوقاً، لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات (6) إلّا أنّ طريق الراوندي إلى‌

____________

(1) المقنع: 118 [لكن خصّه بما إذا تبيّن كفر الإمام المذكور في المقنع لفظ (يهودي) و في الفقيه 1: 263 ذيل ح 1200 حكى التفصيل المذكور عن جماعة من مشايخه].

(2) الوسائل 8: 371/ أبواب صلاة الجماعة ب 36، 37، 38.

(3) المستدرك 6: 485/ أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 2، دعائم الإسلام 1: 152.

(4) مضافاً إلى جهالة مؤلّف الدعائم كما أُشير إليه في المعجم 20: 184/ 13102.

(5) البحار 85: 67/ 19.

(6) عدل (دام ظلّه) عنه أخيراً، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

313

..........

____________

الرجل غير معلوم لدينا، فتكون في حكم المرسل.

على أنّ هذه الرواية كسابقتها مع الغضّ عن سندهما قابلتان للحمل على الاستحباب، جمعاً بينهما و بين الروايات المتقدّمة (1)، فانّ غايتهما الظهور في وجوب الإعادة، و تلك صريحة في نفي الإعادة كما عرفت، فيرفع اليد عن الظهور بالنصّ، و يحمل على الندب، فتأمّل.

و منها: رواية العرزمي عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «صلّى علي (عليه السلام) بالناس على غير طهر، و كانت الظهر، ثمّ دخل فخرج مناديه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) صلّى على غير طهر فأعيدوا، و ليبلّغ الشاهد الغائب» (2).

و فيه: مضافاً إلى ضعف سندها، لعدم ثبوت وثاقة والد العرزمي، أنّ مضمونها غير قابل للتصديق، لمنافاته العصمة، و عدم انطباقه على أُصول المذهب. و لا يكاد ينقضي تعجّبي من الشيخ و الكليني لدى الظفر بهذه الرواية و أمثالها ممّا يخالف أُصول المذهب أنّهما كيف ينقلانها في كتب الحديث (3) المستوجب لطعن المخالفين على أُصولنا.

على أنّ مضمون هذه الرواية مقطوع البطلان، كيف و لو كانت لهذه القصة أيّ شائبة من الحقيقة لنقلها أعداؤه و مناوئوه في كتبهم، و اشتهرت بينهم لتضمّنها أكبر طعن و تشنيع عليه (عليه السلام) مع حرصهم على تنقيصه بكلّ ما تيسّر لهم و لو كذباً و افتراءً يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلّٰا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ (4) مع أنّها ليست مشهورة عندهم‌

____________

(1) [تقدمت مصادرها في الصفحة السابقة، من دون أن تذكر الروايات، نعم تقدّم البعض في ص 76 و ما بعدها].

(2) الوسائل 8: 373/ أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 9.

(3) التهذيب 3: 40/ 140، الاستبصار 1: 433/ 1671.

(4) التوبة 9: 32.

314

..........

____________

و لا منقولة في كتبهم إلّا نادراً. و كيف كان، فهذه الرواية من الضعف و السقوط بمكان.

و منها: صحيحة معاوية بن وهب قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أ يضمن الإمام صلاة الفريضة، فإنّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن؟ فقال: لا يضمن، أيّ شي‌ء يضمن؟ إلّا أن يصلّي بهم جنباً أو على غير طهر» (1) دلّت على أنّ الإمام الذي صلّى فاسداً ضامن لصلاة المأمومين، لبطلان صلاتهم، أي فتجب عليهم الإعادة بعد إعلانه لهم، هذا.

و صاحب الوسائل (قدس سره) استدلّ بها على عكس ذلك، و أنّ الحكم بضمان الإمام حينئذ يدلّ على وجوب الإعادة عليه و عدم وجوب الإعادة على المأمومين، و كأنّه (قدس سره) حمل الضمان هنا على معنى الضمان في باب الأموال على مسلك الخاصّة، من تفسيره سقوط ذمّة المضمون عنه، و انتقال ما في ذمّته إلى ذمّة الضامن، في قبال مسلك الجمهور حيث فسّروه بضمّ ذمّة إلى ذمّة، إذ عليه لا تكون الإعادة إلّا في ذمّة الإمام دون المأمومين، لانتقال ما في ذمّتهم إلى ذمّته بعد كونه ضامناً عنهم.

و لكنّه كما ترى، فانّ حمل الضمان في باب العبادات على معناه في باب المعاملات بعيد جدّاً.

و الإنصاف: أنّ الرواية لا دلالة فيها لا على وجوب الإعادة على المأمومين و لا على عدم الوجوب، فانّ مفادها أنّ صلاة المأمومين إنّما هي في عهدتهم، و هم المكلّفون بإتيانها على وجهها من الأجزاء و الشرائط، و ليست في عهدة الإمام كما يزعمه هؤلاء من إيكال الصلاة إلى الإمام و عدم إتيانهم بشي‌ء عدا مجرّد المتابعة في الأفعال، و كأنّ المصلّي حقيقة ليس إلّا الإمام فحسب.

فلا يتحمّل الصلاة عنهم، و لا يتعهّد لهم بشي‌ء عدا أن يصلّي بهم صلاة‌

____________

(1) الوسائل 8: 373/ أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 6.

315

..........

____________

صحيحة، حيث إنّه لازم التصدّي لمنصب الإمامة، فلا يتعهّد و لا يضمن إلّا الإمامة بالإتيان بصلاة صحيحة جامعة للأجزاء و الشرائط، فلو خالف و صلّى بهم صلاة فاسدة كأن كان جنباً أو على غير طهر كان آثماً و معاقباً، لخروجه عن مقتضى تعهّده و إخلاله بوظيفته إن كان عامداً، و إلّا فلا شي‌ء عليه.

فذكر الجنب و على غير طهر من باب المثال لفساد الصلاة. و ضمان الإمام حينئذ معناه الإثم الناشئ عن تخلّفه عن تعهّده، و لا تعرّض في الصحيحة لحكم الإعادة على المأمومين نفياً و لا إثباتاً.

و كيف ما كان، فهذه الروايات كلّها ساقطة و غير صالحة للاستدلال بها لوجوب الإعادة، قبال هاتيك الروايات الكثيرة المعتبرة المتضمّنة لنفي الإعادة صريحاً، التي هي مستند المشهور كما عرفت.

ثمّ إنّ تلك الروايات قد تضمّنت نفي الإعادة في مواضع أربعة:

الأوّل: ما إذا كان الإمام جنباً أو على غير طهر، كصحيحة الحلبي: «من صلّى بقوم و هو جنب أو على غير وضوء فعليه الإعادة، و ليس عليهم أن يعيدوا ...» إلخ، و نحوها صحاح محمّد بن مسلم و زرارة و ابن أبي يعفور و غيرها (1) و قد عرفت أنّ بإزاء هذه روايات اخرى تضمّنت وجوب الإعادة في نفس المورد، كلّها ساقطة كما مرّ آنفاً.

الثاني: ما لو تبيّن كفر الإمام، دلّت عليه مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال و كان يؤمّهم رجل فلمّا صاروا إلى الكوفة علموا أنّه يهودي، قال: لا يعيدون» (2).

و ما رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن أبي عمير في نوادره، و بإسناده عن زياد بن مروان القندي في كتابه: «أنّ الصادق (عليه السلام) قال في رجل صلّى‌

____________

(1) الوسائل 8: 371/ أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 1، 3، 4، 5، 7.

(2) الوسائل 8: 374/ أبواب صلاة الجماعة ب 37 ح 1.

316

..........

____________

بقوم من حين خرجوا من خراسان حتّى قدموا مكّة فإذا هو يهودي أو نصراني، قال: ليس عليهم إعادة» (1).

لكن المرسلة ضعيفة عندنا و إن كانت صحيحة لدى المشهور بناءً منهم على معاملة المسانيد مع مراسيل ابن أبي عمير، لما ذكره الشيخ من أنّه لا يروي إلّا عن الثقة (2). فانّا قد ظفرنا على روايته عن الضعاف في غير مورد ممّن ضعّفه النجاشي و غيره. فهذه الدعوى غير مسموعة كما أشرنا إليه مراراً.

على أنّ الشيخ بنفسه لم يعمل بمرسلة ابن أبي عمير في موضعين من التهذيبين، مصرحاً بضعف الرواية من جهة الإرسال (3).

و أمّا الرواية الأُخرى فإن كان المراد بمحمد بن أبي عمير هو ابن أبي عمير المعروف المتقدّم ذكره آنفاً فالرواية مرسلة، لأنّه من أصحاب الرضا (عليه السلام) فلا يمكن روايته عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، فيعود الكلام السابق من ضعفها للإرسال. و إن كان المراد به شخصاً آخر غير المعروف فهو لم يوثّق.

و أمّا القندي الذي يروي عنه الصدوق بسند آخر فهو واقفي، بل من أحد أركان الوقف، و لم يوثّق في كتب الرجال (4).

و عليه فلم يثبت نصّ صحيح يمكن التعويل عليه في نفي الإعادة في هذا الموضع، أعني ما لو تبيّن كون الإمام كافراً، لضعف الروايتين، و لا مستند غيرهما.

الثالث: ما إذا لم يكن الإمام ناوياً للصلاة، دلّت عليه صحيحة زرارة قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل دخل مع قوم في صلاتهم و هو‌

____________

(1) الوسائل 8: 374/ أبواب صلاة الجماعة ب 37 ح 2، الفقيه 1: 263/ 1200.

(2) العدة 1: 58 السطر 8.

(3) التهذيب 8: 257/ 932، الاستبصار 4: 27/ 87.

(4) و لكنّه موثّق عنده (دام ظلّه) كما سيأتي في ذيل هذه المسألة.

317

..........

____________

لا ينويها صلاة، و أحدث إمامهم، فأخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم أ تجزيهم صلاتهم بصلاته و هو لا ينويها صلاة؟ فقال: لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها صلاة و إن كان قد صلّى، فانّ له صلاة أُخرى أي و هي الصلاة المعادة التي تستحبّ حينئذ و إلّا فلا يدخل معهم، و قد تجزي عن القوم صلاتهم و إن لم ينوها» (1) و هي صحيحة السند صريحة الدلالة كما هو ظاهر.

الرابع: ما لو تبيّن كون الإمام على غير جهة القبلة لظلمة أو عمى و نحو ذلك، دلت عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه قال في رجل يصلّي بالقوم، ثمّ إنّه يعلم أنّه قد صلّى بهم إلى غير القبلة، قال: ليس عليهم إعادة شي‌ء» (2)، فانّ ظاهرها اختصاص الإمام بالانحراف عن القبلة كما لا يخفى. كما أنّ مرجع الضمير في «عليهم» هو القوم كما يكشف عنه الضمير المجرور السابق بمقتضى اتّحاد السياق.

و على الجملة: فالنصّ المتضمّن لنفي الإعادة عن المأمومين يختصّ مورده بمواضع ثلاثة، لضعفه في الموضع الآخر، أعني ما لو تبيّن كفر الإمام كما عرفت.

و هل يتعدّى عن الموارد المنصوصة إلى الموارد الأُخر ممّا تبيّن الخلل في صحّة الجماعة، إمّا لعدم أهليّة الإمام للإمامة كظهور كفره أو فسقه، بناءً على أنّ الشرط هو نفس العدالة الواقعية كما هو الصحيح على ما نطقت به النصوص لا مجرّد الوثوق و إن كان ربما يوهمه ظاهر قوله (عليه السلام): «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته» (3) لوضوح أنّ الوثوق ملحوظ طريقاً لا موضوعاً كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 8: 376/ أبواب صلاة الجماعة ب 39 ح 1.

(2) الوسائل 8: 375/ أبواب صلاة الجماعة ب 38 ح 1.

(3) الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2.

318

..........

____________

و كظهور كونه امرأة أو صبيّاً مميّزاً، بناءً على اشتراط البلوغ في الإمام كما مرّ (1).

أو لبطلان صلاة الإمام في نفسها، لكونه تاركاً لركن دون المأموم، كما لو سجد في سجدتيه على ما لا يصحّ السجود عليه، أو ناسياً لنجاسة غير معفوّ عنها في ثوبه أو بدنه، و نحو ذلك ممّا ينكشف معه بطلان الجماعة.

فهل يتعدّى عن مورد النصّ إلى هذه الموارد، بدعوى استفادة الكلّية من مجموع الموارد المنصوصة و إن لم يستفد من آحادها، و أنّه يعلم منها أنّ المناط في نفي الإعادة صدور الصلاة صحيحة عن المأموم و لو في اعتقاده؟

الظاهر عدم التعدّي، لعدم وضوح مناط الحكم بعد احتمال أن يكون لتلك الموارد خصوصية لا نعرفها. فاستفادة الكلّية بإلغاء الخصوصية بحيث يكون نفي الإعادة في هذه الموارد مستفاداً من النصّ الوارد في تلك الموارد عهدتها على مدّعيها.

و على تقدير التسليم فإنّما يتعدّى إلى ما كانت صورة الجماعة محفوظة و لو ظاهراً كالأمثلة المتقدّمة، و أمّا فيما لم تكن الصورة محفوظة حتّى ظاهراً، بل كانت خيالًا صرفاً و وهماً محضاً، كما لو رأى شبحاً يتحرّك بحركات الصلاة فتخيّل أنّه إنسان يصلّي فائتمّ به ثمّ تبيّن أنّه شاة أو حيوان آخر، فلا مجال للتعدّي إلى مثل ذلك جزماً.

و عليه فلا بدّ من العمل في هذه الموارد بما تقتضيه القاعدة بعد قصور النصّ عن الشمول لها، و عدم الدليل على التعدّي. و الظاهر أنّ مقتضى القاعدة عدم وجوب الإعادة في جميع هذه الموارد حتّى في مثال الشاة ممّا لم تكن الصورة محفوظة و لو ظاهراً، إذ لا خلل في صلاة المأموم من غير ناحية القراءة، و هي مشمولة لحديث لا تعاد، الذي لا قصور في شموله للمقام.

فإنّه و إن كان متعمّداً في الترك لكنّه معذور فيه، لتخيّل الائتمام، بناءً على ما‌

____________

(1) في ص 51.

319

..........

____________

هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور، كما مرّ نظير ذلك (1) في اختلاف المصلّيين و دعوى كلّ منهما أنّه المأموم، حيث حكمنا هناك بالصحّة لعين ما ذكر. فالجماعة و إن كانت باطلة في هذه الموارد لفقد شرطها إلّا أنّ أصل الصلاة محكومة بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد، فتنقلب فرادى.

و قد ذكرنا غير مرّة (2) أنّ الجماعة و الفرادى ليستا حقيقتين و نوعين متباينين، بل صلاة الظهر مثلًا طبيعة واحدة ذات فردين مختلفين في الأحكام و الخصوصيات، فهما صنفان من حقيقة واحدة، لكلّ منهما حكم يخصّه و المصلّي قاصد لتلك الحقيقة في مرحلة الامتثال دائماً بتطبيقها على هذا الفرد مرّة و ذاك اخرى، غايته أنّه ربما يخطئ في التطبيق فيتخيّل وقوع الطبيعة في ضمن هذا الفرد فيقصد امتثالها به، مع أنّها واقعة في ضمن الفرد الآخر.

و لا ريب أنّ هذا الخيال و الاعتقاد المنكشف خلافه غير قادح في الصحّة كما لو تخيّل أنّ هذه الأرض مسجد و قد فرغت الجماعة المنعقدة فيه فصلّى من غير أذان و إقامة قبل تفرّق الصفوف كما هو من أحكام الجماعة المنعقدة في المسجد، ثمّ تبيّن أنّه لم يكن مسجداً، فانّ الاعتقاد المزبور غير قادح و إن رتّب الأثر، و كذا في المقام.

فخصوصية كون الصلاة جماعة أو فرادى كخصوصية كونها واقعة في المسجد أو في الدار، كلّ ذلك من خصوصيات الفرد، لا يضرّ تخلّفها في مرحلة الامتثال بعد الإتيان بطبيعي الصلاة جامعة لما يعتبر فيها.

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ الصلاة محكومة بالصحّة في جميع الموارد المذكورة من المنصوص و غيرها، فلا تجب الإعادة على المأمومين للنصوص المتقدّمة، و لحديث لا تعاد في غير الموارد المنصوصة و إن كانت الجماعة باطلة لاختلال شرطها كما عرفت.

____________

(1) في ص 66.

(2) منها ما تقدّم في ص 59 60.

320

..........

____________

ثمّ إنّه لا إشكال في اختصاص الصحّة في غير مورد النصّ بما إذا لم يزد ركناً للمتابعة، إذ لا دليل على الاغتفار بعد فرض بطلان الجماعة، فيكون مشمولًا لأدلّة الزيادة القادحة.

و أمّا في الموارد المنصوصة فربما يقال بصحّة الجماعة من هذه الجهة أي من ناحية الزيادة للمتابعة، أو رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر لدى الشكّ و إن كانت الجماعة باطلة في حدّ نفسها، لاختلال شرطها كما عرفت. فلا تجب الإعادة على المأموم حتّى و لو زاد ركناً للمتابعة، أو رجع إلى الامام لدى الشكّ و إن كان مبطلًا كما بين الواحد و الثنتين، استناداً إلى إطلاق النصوص النافية للإعادة في مواردها، فإنّها تشمل حتّى لو ارتكب الأمرين المزبورين بمقتضى الإطلاق فيها، و لا سيما في الروايتين المتقدّمتين (1) الواردتين فيما لو تبيّن كفر الإمام، مع الغض عمّا ناقشنا في سندهما.

فإنّ المسافة بين خراسان و الكوفة تناهز ثلاثمائة فرسخ تقريباً، التي تستوعب حوالي شهرين في ذاك الزمان، و من المستبعد جدّاً عدم عروض الشكّ للمأموم، و لا زيادته للركن للمتابعة طيلة هذه المدّة المديدة. فحكمه (عليه السلام) بنفي الإعادة من دون استفصال عن ذلك يكشف عن الصحّة مطلقاً كما لا يخفى.

و يندفع بعدم التعرّض في تلك النصوص إلّا للصحّة من حيث انكشاف الخلل في صلاة الإمام ككونه على غير طهارة و نحو ذلك، و ليست في مقام البيان إلّا من هذه الناحية. و لا نظر فيها إلى سائر النواحي و العوارض الطارئة على صلاة المأموم من زيادة ركن لأجل المتابعة أو الرجوع إلى الإمام في الشكوك الباطلة، و لذا لا يمكن التمسّك بإطلاق هذه النصوص لو كانت صلاة المأموم واقعة مع النجاسة في ثوبه أو بدنه نسياناً بلا إشكال، و ليس ذلك إلّا لما ذكرناه من عدم كونها ناظرة إلى البطلان من سائر الجهات. فلا إطلاق لها‌

____________

(1) في ص 315.

321

..........

____________

أصلًا كي يعارض بإطلاق أدلّة الزيادة القادحة أو الشكوك الباطلة بالعموم من وجه، و يرجع في مادة الاجتماع بعد التساقط إلى أصالة البراءة، فلا تصل النوبة إلى هذه المعارضة بعد عدم انعقاد الإطلاق من أصله كما عرفت. فإطلاق تلك الأدلّة القاضي بالبطلان في المقام هو المحكّم بعد سلامته عن المعارض، فليتأمّل.

و أمّا الروايتان المتقدّمتان (1) الواردتان في الكفر فالأُولى منهما و هي مرسلة ابن أبي عمير ضعيفة السند كما مرّ، و كذا الثانية في أحد طريقيها، و هو ما يرويه الصدوق بإسناده عن محمّد بن أبي عمير في نوادره، فانّ المراد به هو ابن أبي عمير المعروف الثقة الذي له نوادر، دون الآخر غير المعروف الذي احتملناه سابقاً، إذ لا نوادر له. لكنّه يروي عن الصادق (عليه السلام) مع الواسطة، لكونه من أصحاب الرضا (عليه السلام) و غالب رواياته عن أصحاب الصادق (عليه السلام)، و لا يمكن روايته عنه (عليه السلام) بنفسه. فالرواية مرسلة لا محالة.

و أمّا الطريق الآخر، أعني ما يرويه الصدوق بإسناده عن زياد بن مروان القندي عن الصادق (عليه السلام) فهو صحيح و إن ناقشنا فيه سابقاً، لصحّة طريق الصدوق إلى القندي (2) كما صرح به العلامة (3)، إذ ليس فيه من يغمز فيه إلّا محمّد بن عيسى العبيدي الذي مرّ الكلام حوله سابقاً.

و ملخّصه: أنّ محمد بن الحسن بن الوليد شيخ الصدوق استثنى من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه عن جماعة، منها ما تفرّد به محمّد بن عيسى العبيدي عن يونس، و قال: لا أعمل بروايته. و تبعه على ذلك الصدوق. و قال الشيخ في الفهرست: ضعيف، استثناه أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة، و قال: لا أروي ما يختصّ بروايته (4).

____________

(1) في ص 315.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 64.

(3) [لم نعثر عليه في مظانه].

(4) الفهرست: 140/ 601.

322

..........

____________

لكن تضعيف الشيخ متّخذ من الصدوق على ما تشهد به عبارته، كما أنّ الصدوق تبع شيخه ابن الوليد، بل ليس له رأي مستقلّ إلّا ما يذكره شيخه كما نصّ عليه في كتابه (1) من تبعيّته إيّاه في عدم التصحيح، فبالأخرة ينتهي الأمر إلى ابن الوليد.

و لكن لا يعبأ بكلامه بعد أن أنكر الأصحاب منه هذا القول كما صرّح به النجاشي حيث قال: و رأيت أصحابنا ينكرون هذا القول و يقولون من مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى. و قد وثّقه النجاشي صريحاً و أثنى عليه (2).

و نقل عن أبي العباس بن نوح قوله: و قد أصاب شيخنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه، و تبعه أبو جعفر بن بابويه (رحمه اللّٰه) على ذلك إلّا في محمّد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رابه فيه، لأنّه كان على ظاهر العدالة و الثقة (3)، بل قال القتيبي: كان الفضل بن شاذان يحبّ العبيدي و يثني عليه، و يمدحه و يميل إليه، و يقول: ليس في أقرانه مثله (4).

و مع هذه التوثيقات و إنكار الأصحاب عليه لا يمكن التعويل على مقالته (5) و عليه فطريق الصدوق إلى القندي صحيح. و أمّا زياد بن مروان القندي نفسه فهو و إن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال، لكنّه موجود في أسانيد كامل الزيارات (6).

و على هذا فالرواية موصوفة بالصحّة، و يكون هذا استدراكاً عمّا ذكرناه‌

____________

(1) الفقيه 2: 55 ذيل ح 241.

(2) رجال النجاشي: 333/ 896.

(3) رجال النجاشي: 348/ 939.

(4) رجال النجاشي: 333/ 896.

(5) بل إنّ مقالته لا تدلّ على قدح في الرجل نفسه بوجه كما أشار إليه سيدنا (دام ظلّه) في معجمة 18: 119/ 11536.

(6) و لكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، و قد بنى (دام ظلّه) أخيراً على اختصاص التوثيق بهم، نعم ذكر في المعجم وجهاً آخر للتوثيق، و هو شهادة الشيخ المفيد بوثاقته. لاحظ معجم الرجال 8: 326/ 4811، و فيه تأمّل.

323

و إذا تبيّن ذلك في الأثناء نوى الانفراد و وجب عليه القراءة مع بقاء محلّها (1) و كذا لو تبيّن كونه امرأة و نحوها ممّن لا يجوز إمامته للرجال خاصّة.

____________

سابقاً (1) من عدم ورود النصّ الصحيح في ظهور كفر الإمام. إلّا أنّه لا إطلاق لها في نفي الإعادة بالنسبة إلى سائر الجهات و العوارض اللاحقة المقتضية للبطلان من زيادة الركن لأجل المتابعة، أو عروض الشكوك المبطلة، بل النظر مقصور على عدم القدح من ناحية ظهور كفر الإمام، كما ذكرناه في بقيّة النصوص.

و دعوى استبعاد عدم اتّفاق مثل ذلك طيلة هذه المدّة المديدة واضحة الفساد كما يظهر لمن كان معتاداً بصلاة الجماعة، فإنّ هذه الاتّفاقات من الفروض النادرة جدّاً، و قد كنّا نصلّي خلف المرحوم الشيخ علي القمّي (قدس سره) سنين متمادية، و لم يتّفق لنا شكّ و لا زيادة ركن للمتابعة. هذا كلّه فيما إذا كان التبيّن بعد الفراغ عن الصلاة، و أمّا لو كان أثناءها فسيأتي حكمه في التعليق الآتي.

(1) و إلّا فلا شي‌ء عليه و صحّت صلاته، لحديث لا تعاد، الجاري بالإضافة إلى القراءة المتروكة عن عذر و إن كان متعمّداً كما عرفت في الصورة السابقة بناءً على ما هو الصحيح من جريان الحديث في الأثناء كما بعد الفراغ، إذ لا موجب لتخصيصه بالثاني بعد أن كان مفاده عامّاً و دالّاً على نفي الإعادة عن كلّ خلل يستوجبها ما عدا الخمس. و لا ريب أنّ الخلل كما يستوجب الإعادة لو انكشف بعد الفراغ كذلك يستوجبها لو كان الانكشاف في الأثناء، هذا.

مضافاً إلى ورود النصّ الصحيح المتضمّن لصحّة الصلاة فيما لو انكشف في الأثناء أنّ الإمام على غير وضوء، و هي صحيحة جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام): «في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف و قدّم رجلًا، و لم‌

____________

(1) في ص 316.

324

..........

____________

يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله، قال: يذكّره مَن خلفه» (1) و صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم أنّه ليس على وضوء، قال: يتمّ القوم صلاتهم، فإنّه ليس على الإمام ضمان» (2).

نعم، روى الشهيد في الذكرى أنّ في رواية حمّاد عن الحلبي: «يستقبلون صلاتهم» (3) لو أخبرهم الإمام في الأثناء أنّه لم يكن على طهارة. لكن الرواية ضعيفة السند، لعدم وضوح طريق الذكرى إلى حمّاد. مضافاً إلى عدم العثور عليها في شي‌ء من كتب الأخبار و لا سيما ما جمع الكتب الأربعة و غيرها من الوسائل و البحار كما اعترف به صاحب الحدائق (قدس سره) (4) فلا تصلح لمعارضة الصحيحتين، هذا.

و ربما يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب.

و فيه: ما أشرنا إليه مراراً من أنّ الجمع المزبور إنّما يتّجه فيما إذا كان أحد الدليلين متضمّناً للأمر النفسي الظاهر في الوجوب، فيحمل على الاستحباب بقرينة الدليل الآخر المتضمّن للترخيص في الترك، مثل قوله: افعل، و لا بأس بتركه.

فانّ الجمع العرفي حينئذ يقتضي ذلك، لا سيما بناءً على مسلكنا من أنّ الوجوب ليس مدلولًا للفظ، و إنّما يحكم به العقل مع عدم الاقتران بالترخيص في الترك، حيث لا موضوع له حينئذ بعد فرض الاقتران المزبور.

و يمكن أن يكون من هذا القبيل ما لو تضمّن الدليلان الإعادة و نفيها فيجمع بينهما باستحباب الإعادة، على إشكالٍ فيه كما ناقشنا سابقاً (5) و لكنّه ليس بذاك البعد.

____________

(1) الوسائل 8: 377/ أبواب صلاة الجماعة ب 40 ح 2.

(2) الوسائل 8: 371/ أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 2.

(3) الذكرى 4: 390.

(4) الحدائق 11: 234.

(5) في موارد كثيرة منها ما في شرح العروة 14: 91، 15: 420.

325

أو مطلقاً كالمجنون و غير البالغ إن قلنا بعدم صحّة إمامته، لكن الأحوط إعادة الصلاة في هذا الفرض (1) بل في الفرض الأوّل، و هو كونه فاسقاً أو كافراً إلخ.

____________

و أمّا لو تضمّن أحدهما ما فيه إرشاد إلى الفساد و البطلان صريحاً كما في المقام، حيث تضمّنت رواية الحلبي التعبير ب‍ «يستقبلون صلاتهم» الكاشف عن الفساد و استئناف العمل، و كأنّه لم يفعل، المعبّر عنه بالفارسية ب‍ (از سر گرفتن) فهو غير قابل للحمل على الاستحباب، إذ لا معنى لاستحباب الفساد، و يعدّ الدليلان حينئذ من المتعارضين في نظر العرف. و ليس الحمل على الاستحباب في مثل ذلك من الجمع العرفي في شي‌ء.

و الفرق بين هذا التعبير و بين التعبير السابق أنّ الأمر بالإعادة و إن كان ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد إلّا أنّه غير صريح فيه، إذ ليس مؤدّاه المطابقي إلّا الإتيان بفرد ثانٍ من الطبيعة، من غير تعرّض لحال الفرد الأوّل لولا الظهور المزبور، و من الجائز أن يكون مستحبّاً نفسياً كما في الصلاة المعادة، و أمّا الاستقبال فهو كالاستئناف ناظر إلى الفرد الأوّل، و دالّ على فساده صريحاً.

و كيف ما كان، فقد عرفت أنّ الرواية ضعيفة في نفسها، فلا تقاوم الصحيحتين الصريحتين في الصحّة إمّا مع استخلاف من يتمّ الصلاة بالقوم كما في أُولاهما، أو من دون استخلاف كما في الثانية.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ صلاة المأموم محكومة بالصحّة بعد انقلابها فرادى، فلا تجب عليه الإعادة، سواء أ كان الانكشاف بعد الفراغ أم أثناء الصلاة، لحديث لا تعاد، مضافاً إلى ورود النصّ في بعض الموارد كما عرفت.

(1) وجهه أنّه بعد أن لم يكن مورداً للنصّ و انتهى الأمر إلى الجري على مقتضى القواعد فمن الجائز عدم جريان قاعدة لا تعاد في المقام، لاحتمال اختصاصها بالناسي كما ادّعاه بعضهم، فخروجاً عن شبهة الخلاف كان‌

326

[مسألة 35: إذا نسي الإمام شيئاً من واجبات الصلاة و لم يعلم به المأموم]

[1957] مسألة 35: إذا نسي الإمام شيئاً من واجبات الصلاة و لم يعلم به المأموم صحّت صلاته حتّى لو كان المنسي ركناً إذا لم يشاركه في نسيان ما تبطل به الصلاة، و أمّا إذا علم به المأموم نبّهه عليه ليتدارك إن بقي محلّه، و إن لم يمكن أو لم يتنبّه أو ترك تنبيهه حيث إنّه غير واجب عليه وجب عليه نيّة الانفراد إن كان المنسي ركناً، أو قراءة في مورد تحمّل الإمام مع بقاء محلّها بأن كان قبل الركوع، و إن لم يكن ركناً و لا قراءة أو كانت قراءة و كان التفات المأموم بعد فوت محلّ تداركها كما بعد الدخول في الركوع، فالأقوى جواز بقائه على الائتمام، و إن كان الأحوط الانفراد أو الإعادة بعد الإتمام (1).

____________

الأحوط الإعادة التي هي مقتضى قاعدة الاشتغال.

و نحوه الكلام في الفرض الأوّل، لكنّه بالنسبة إلى بعض أمثلته ممّا كان عارياً عن النصّ كظهور فسقه أو كونه تاركاً لركن و نحو ذلك، لعين ما ذكر و لا يتمّ في تمام الأمثلة المشار إليها بقوله: إلخ. إذ من جملتها ما لو تبيّن عدم كون الإمام متطهّراً، حيث وردت فيه النصوص الكثيرة الصحيحة الصريحة في نفي الإعادة كما عرفت. و مجرّد خلاف الإسكافي و علم الهدى القائلين بوجوب الإعادة مطلقاً و كذا الصدوق في خصوص الإخفاتية لا يصلح وجهاً للاحتياط بعد وضوح ضعف مستندهما، فليتأمّل.

(1) ما نسيه الإمام تارة يكون ركناً و أُخرى غير ركن، و على الثاني فتارة يكون قراءة و أُخرى غيرها، و في القراءة قد يكون محلّ تداركها باقياً و قد يكون فائتاً كما لو كان التفات المأموم إلى نسيان الإمام بعد دخوله في الركوع. هذه هي صور المسألة.

أمّا لو كان المنسي ركناً فلا إشكال في بطلان صلاة الإمام مع فوات المحلّ المستلزم لبطلان الجماعة، كبطلان صلاة المأموم إذا شاركه في النسيان، و إذا لم يشاركه فيه صحّت و انقلبت فرادى.

327

..........

____________

و أمّا لو كان المنسي واجباً غير ركني ما عدا القراءة كالتشهّد أو جلسة الاستراحة أو ذكر الركوع و السجود و نحوها، نبّهه المأموم إذا علم به، ليتدارك مع بقاء المحلّ كما هو الحال في الصورة السابقة. و أمّا لو فات المحلّ، أو لم يمكن التنبيه لبعده عنه، أو لم يتنبّه الإمام لكونه أصمّ مثلًا، أو ترك التنبيه اختياراً صحّت صلاته جماعة، و بقي على نيّة الائتمام، فيأتي بنفسه ما نسيه الإمام و يلتحق به، إذ لا موجب للبطلان بعد أن كانت صلاة الإمام صحيحة واقعاً.

و هل يجب عليه التنبيه؟ الظاهر لا، كما صرّح به في المتن، إذ لا مقتضي لإيقاع الإمام في كلفة زائدة بعد أن كانت صلاته صحيحة حتّى واقعاً، لكون المنسي جزءاً غير ركني، و هو مشمول لحديث لا تعاد، الحاكم على الأدلّة الأوّلية و الموجب لتخصيصها بحال الالتفات و سقوطها لدى النسيان الذي هو القدر المتيقّن من القاعدة. فلا موجب لإعلامه ليستلزم انقلاب الموضوع و صيرورته معرضاً لتكليف جديد.

و كذا الحال لو كان المنسي ركناً و إن كان المحلّ باقياً، إذ غايته بطلان الجماعة التي هي ليست بواجبة، فيتمّ المأموم صلاته فرادى و يدع الإمام و شأنه، فان التفت و تدارك فهو، و إلّا فصلاة الإمام ليست في عهدة المأموم ليجب عليه التنبيه، هذا.

و ربما يستظهر الوجوب من رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ليكن الذين يلون الإمام منكم أُولوا الأحلام منكم و النهى، فإن نسي الإمام أو تعايا قوّموه» (1) و صحيح محمد بن مسلم: «عن الرجل يؤمّ القوم فيغلط قال: يفتح عليه مَن خلفه» (2) و موثّق سماعة: «عن الإمام إذا أخطأ في القرآن فلا يدري ما يقول، قال: يفتح عليه بعض مَن خلفه» (3).

أقول: أمّا الرواية فهي ضعيفة السند بمفضّل بن صالح المكنى بأبي جميلة‌

____________

(1) الوسائل 8: 305/ أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 2، 1.

(2) الوسائل 8: 305/ أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 2، 1.

(3) الوسائل 8: 306/ أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 3.

328

..........

____________

الراوي عن جابر، فإنّه ضعيف كذّاب يضع الحديث كما في الخلاصة (1). و قال ابن الغضائري (2) و كذا النجاشي (3): إنّ جابر الجعفي ثقة في نفسه، و لكن روى عنه جماعة غمز فيهم و ضعّفوا و عدّ منهم المفضل بن صالح، هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّها محمولة على الاستحباب، إذ لا يحتمل الوجوب بعد أن لم تكن الجماعة واجبة و كان العدول إلى الانفراد سائغاً للمأموم حتّى اختياراً كما مرّ (4). فالأمر بالتقويم محمول على الاستحباب قطعاً. فهي ضعيفة سنداً و دلالة.

و أمّا الصحيح و الموثّق فهما أجنبيان عن محلّ الكلام، إذ موردهما غلط الإمام و خطؤه في القراءة، فهو يجهل أو يغلط و لا يدري ما يقول، دون النسيان المبحوث عنه في المقام. مضافاً إلى المناقشة الأخيرة التي ذكرناها في رواية جابر، فإنّها جارية هنا أيضاً كما لا يخفى. فالأقوى ما ذكره الماتن (قدس سره) من عدم وجوب التنبيه، بل هو المتسالم عليه بينهم.

و أمّا إذا كان المنسي هي القراءة فلا ينبغي الإشكال في الصحّة مع فوات المحلّ كما لو كان التفات المأموم إلى نسيان الإمام لها بعد الدخول معه في الركوع، لقاعدة لا تعاد القاضية بصحّة صلاة الإمام الناسي لها بلا إشكال لكونه القدر المتيقّن منها، و كذا المأموم بناءً على ما هو الصحيح من شمولها لمطلق المعذور، فهو نظير ما لو نسي كلّ من الإمام و المأموم لها و تذكّرا بعد الدخول في الركوع، حيث لا شكّ في صحّة الجماعة حينئذ بمقتضى القاعدة المزبورة.

و أمّا مع بقاء المحلّ كما لو كان التفاته قبل الدخول معه في الركوع فلا ريب في عدم سقوط القراءة عنه، لوضوح اختصاص أدلّة الضمان بما لو أتى بها‌

____________

(1) الخلاصة: 407/ 1648.

(2) حكاه عنه في الخلاصة: 94/ 213.

(3) لاحظ رجال النجاشي: 128/ 332.

(4) في ص 85 و ما بعدها.

329

[مسألة 36: إذا تبيّن للإمام بطلان صلاته من جهة كونه محدثاً أو تاركاً لشرط أو جزء ركن]

[1958] مسألة 36: إذا تبيّن للإمام بطلان صلاته من جهة كونه محدثاً أو تاركاً لشرط أو جزء ركن أو غير ذلك (1) فإن كان بعد الفراغ لا يجب عليه إعلام المأمومين، و إن كان في الأثناء فالظاهر وجوبه [1].

____________

الإمام و المفروض نسيانه لها. و حينئذ فإن أمكنه التدارك و الالتحاق به في الركوع مع مراعاة المتابعة العرفية لم يبعد بقاؤه على نية الائتمام، بل هو الظاهر نظير ما لو وجب عليه التشهّد دون الإمام، حيث مرّ (1) أنّه يأتي به و يلتحق به في القيام.

و أمّا لو لم يتمكّن لعدم إمهاله في الركوع فحيث إنّ القراءة غير ساقطة عنه لما عرفت (2) من عدم شمول أدلّة الضمان لمثل المقام، و دليل المتابعة لا يقتضي سقوط الجزء بعد الإطلاق في كلّ من الدليلين من غير ترجيح في البين و عدم تمكّنه من الجمع بينهما حسب الفرض، فلا محالة تبطل الجماعة و تنقلب الصلاة فرادى قهراً و بطبيعة الحال من غير حاجة إلى نيّة الانفراد، لعدم تمكّنه من إتمامها جماعة، كما مرّ نظيره (3) فيما لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة أو الرابعة حال القيام و لم يمهله للقراءة، حيث ذكرنا الانقلاب القهري هناك أيضاً، لعين ما ذكر، فانّ مناط البحث مشترك بين المسألتين كما لا يخفى.

و الظاهر أنّ ما ذكره الماتن (قدس سره) في المقام من نيّة الانفراد و بطلان الائتمام منزّل على ما هو الغالب من عدم إمهال الإمام في الركوع، و ليس ناظراً إلى صورة الإمهال التي هي فرض نادر و حكمنا فيها بصحّة الجماعة.

(1) أمّا إذا كان التبيّن بعد الفراغ من الصلاة فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الإعلام، إذ مضافاً إلى التصريح به في بعض النصوص المتقدّمة في‌

____________

[1] فيه إشكال بل منع، نعم هو أحوط.

____________

(1) في ص 281.

(2) في ص 262.

(3) في ص 264 265.

330

..........

____________

المسألة الرابعة و الثلاثين (1) لا مقتضي له بعد ما عرفت في تلك المسألة من صحّة صلاة المأموم حتى واقعاً، لعدم إخلاله إلّا بالقراءة التي هي مشمولة لحديث لا تعاد.

و لو فرض بطلانها واقعاً من أجل زيادة الركن من جهة المتابعة أو الرجوع إليه في الشكوك الباطلة لم يكن ذلك مستنداً إلى الإمام كي يجب عليه الإعلام و إنّما استند إلى اعتقاد المأموم صحّة صلاة الإمام، و المفروض مشاركة الإمام معه في هذا الاعتقاد آن ذاك، فلم يكن تسبيب إلى البطلان من ناحيته.

و مجرّد انكشاف الخلاف بعدئذ للإمام لا يستدعي الإعلام و إيقاعه في كلفة الإعادة بعد أن كان معذوراً في تركها للاعتقاد المزبور، فهو نظير ما لو صلّى زيد اعتماداً على استصحاب الطهارة و عمرو يعلم بكونه محدثاً، فإنّه لا يجب عليه الإعلام بلا كلام، فكذا في المقام، لاتّحاد المناط كما لا يخفى.

و أمّا إذا كان التبيّن في الأثناء فبالنسبة إلى ما مضى من الأجزاء الكلام هو الكلام المتقدّم بعينه، فإنّه ملحق بما بعد الفراغ بنفس التقريب المزبور.

و أمّا بالإضافة إلى بقيّة الأجزاء فهل يجوز له إتمام الصلاة صورة لا حقيقة فإنّه تشريع محرّم أم يجب عليه الإعلام و الانصراف؟ الظاهر هو التفصيل.

فإنّه إن لم يترتّب على إمامته الصورية خلل في صلاة المأموم و لم يستوجب بطلانها جاز له ذلك، و لم يجب الإعلام، لعين ما مرّ.

و أمّا إذا ترتّب و استوجب البطلان كما لو علم الإمام أنّ المأموم يزيد بعدئذ ركناً للمتابعة، أو يرجع إليه في الشكّ و إن كان هذا الفرض نادر التحقّق، بل لا يكاد يتحقّق وجب الإعلام حينئذ، لكونه السبب في بطلان صلاته و الموقع إيّاه في مخالفة الواقع، فكان هو الباعث لتغرير المأموم في معاملة الصحّة مع صلاته، فعليه إثمه، هذا.

و ربما يستدلّ لوجوب الإعلام مطلقاً الذي ذكره الماتن (قدس سره)-

____________

(1) [و هو صحيحتا الحلبي و زرارة، و قد تقدّم مصدرهما في ص 315].

331

..........

____________

تارة بالإجماع. و فيه: ما لا يخفى، لعدم كونه إجماعاً تعبّدياً يعتمد عليه. على أنّ تحصيله صعب جدّاً، لعدم تعرّض الأصحاب لهذه المسألة، و لم تكن معنونة في كلماتهم إلّا نادراً.

و أُخرى: بمرسلة الصدوق قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما كان من إمام تقدّم في الصلاة و هو جنب ناسياً، أو أحدث حدثاً، أو رعف رعافاً، أو أذى في بطنه، فليجعل ثوبه على أنفه ثمّ لينصرف، و ليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه، ثمّ ليتوضّأ و ليتمّ ما سبقه من الصلاة، و إن كان جنباً فليغتسل فليصلّ الصلاة كلّها» (1).

و فيه أوّلًا: أنّها ضعيفة بالإرسال، فلا يعتمد عليها.

و ثانياً: أنّ متنها غير قابل للتصديق، لتضمّنه التفصيل بين الجنب و المحدث بالأصغر، و اختصاص الاستئناف بالأوّل بعد ما اغتسل، و أمّا الثاني فيتوضّأ و يتمّ ما سبق. مع أنّ الحدث الأصغر أيضاً قاطع كالجنابة، و لا مناص من الاستئناف في كلتا الصورتين.

على أنّ الرعاف ليس من موجبات الوضوء، فكيف عدّه في سياق الحدث و أمر بالتوضّي بعده.

مع أنّ الاستخلاف غير واجب قطعاً لا على الإمام و لا على المأمومين لعدم كون الجماعة واجبة في نفسها، و لهم أن يتمّوا فرادى. فالأمر بالاستخلاف كالانصراف محمول على الاستحباب.

و ثالثاً: مع الغضّ عن جميع ما ذكر فهي مسوقة لبيان حكم آخر، و هو التعرّض لكيفية صلاة الإمام لو أرادها صحيحة من الانصراف مقدّمة للتوضّي و الإتمام، أو الاغتسال و الاستئناف، و أنّه يستخلف حينئذ من يتمّ صلاة القوم دركاً لفضيلة الجماعة. و أمّا أنّ الإتمام الصوري هل هو جائز أم لا و الإعلام هل هو واجب أم لا، فلا نظر في المرسلة إلى شي‌ء من ذلك نفياً‌

____________

(1) الوسائل 8: 426/ أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 2، الفقيه 1: 261/ 1192.

332

[مسألة 37: لا يجوز الاقتداء بإمام يرى نفسه مجتهداً و ليس بمجتهد مع كونه عاملًا برأيه]

[1959] مسألة 37: لا يجوز الاقتداء بإمام يرى نفسه مجتهداً و ليس بمجتهد (1) مع كونه عاملًا برأيه، و كذا لا يجوز الاقتداء بمقلّد لمن ليس أهلًا للتقليد إذا كانا مقصّرين في ذلك، بل مطلقاً على الأحوط، إلّا إذا علم أنّ صلاته موافقة للواقع من حيث إنّه يأتي بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء و الشرائط و يترك كلّ ما هو محتمل المانعية، لكنّه فرض بعيد، لكثرة ما يتعلّق بالصلاة من المقدّمات و الشرائط و الكيفيات و إن كان آتياً بجميع أفعالها و أجزائها. و يشكل حمل فعله على الصحّة مع ما علم منه من بطلان اجتهاده أو تقليده.

____________

و لا إثباتاً. فهي ضعيفة سنداً و متناً و دلالة.

فالأقوى عدم وجوب الإعلام لا بعد الفراغ و لا في الأثناء، فيما عدا الصورة التي ذكرناها التي هي فرض نادر التحقّق كما أشرنا إليه، نعم هو أحوط في الأثناء، رعاية للإجماع المدّعى عليه.

(1) أمّا إذا كان مقصّراً في اعتقاد الاجتهاد، أو في تقليده لمن ليس أهلًا للتقليد، فلا إشكال في عدم جواز الاقتداء به و إن طابق عمله للواقع و أتى بكلّ ما يراه المأموم معتبراً، لفقده شرط العدالة المعتبر في الإمامة كما هو واضح.

و أمّا إذا كان قاصراً في أحد الأمرين فللمسألة صور:

الاولى: أن يعلم بمطابقة عمله للواقع، لإتيانه بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء أو الشرائط، و تركه لكلّ ما هو محتمل المانعية، أو يعلم بموافقة رأيه أو رأي من يقلّده لرأي المأموم أو من يقلّده. و لا ينبغي الإشكال في جواز الائتمام به حينئذ، فإنّ صلاته صحيحة عند المأموم حسب الفرض، و هو عادل بعد أن كان قاصراً معذوراً في زعم الاجتهاد أو التقليد الباطل، و هذا ظاهر.

الثانية: أن يعلم بمخالفة رأيه أو رأي مقلّده لرأي المأموم أو من يقلده. و هذا على نحوين: إذ تارة يتعلّق الاختلاف بالأركان، و أُخرى بما عداها.

333

..........

____________

أمّا في غير الأركان كما لو كان رأي الإمام جواز الاقتصار على الواحدة في التسبيحات الأربع، أو عدم وجوب جلسة الاستراحة، و المأموم يرى الوجوب أو التثليث، فالظاهر جواز الائتمام أيضاً، لصحّة صلاة الإمام حينئذ حتّى واقعاً، بمقتضى حديث لا تعاد، الشامل لمطلق المعذور و إن لم يتعلّق به حكم ظاهري من أجل فساد زعمه الموجب لكون ما اعتقده من الصحّة أمراً خيالياً لا شرعياً ظاهرياً و لا واقعياً، إذ لا يدور شمول الحديث مدار تعلّق الأمر الظاهري، بل هو عامّ لكافّة المعذورين و منهم المقام.

فلا فرق بين ما نحن فيه و بين ائتمام أحد المجتهدين المختلفين في الفتوى بالآخر، الذي عرفت صحّته سابقاً (1) إذا كان الاختلاف فيما عدا الأركان، في أنّ كلا منهما مشمول لحديث لا تعاد، و إن اختصّ أحدهما بالحكم الظاهري لصحّته في دعوى الاجتهاد دون الآخر.

و أمّا إذا تعلق الاختلاف بالأركان كما لو اختلفا في موارد التيمّم و الجبيرة أو الركوع و الإيماء إليه، أو في خصوصيات الغسل و نحو ذلك ممّا هو داخل في عقد الاستثناء من حديث لا تعاد، فحيث إنّ المأموم يرى بطلان صلاة الإمام حينئذ بحسب الواقع و إن كان هو معذوراً فيه لقصوره لا يسوغ له الائتمام به، كما كان هو الحال في المجتهدين أو المقلّدين لمجتهدين مختلفين في الفتوى على ما ذكرناه سابقاً.

و على الجملة: لا فرق بين المجتهد أو المقلّد بالميزان الصحيح و بين من يزعم الاجتهاد أو من يقلّد من لا أهليّة له في جريان التفصيل الذي ذكرناه سابقاً بين الأركان و غيرها، من صحّة الائتمام في الثاني لحديث لا تعاد دون الأوّل و أنّ الحديث إن جرى ففي كليهما، و إلّا فلا يجري في شي‌ء منهما. و مجرّد اختصاص أحدهما بالحكم الظاهري دون الآخر لا يصلح فارقاً فيما نحن فيه بعد شمول الحديث لمطلق المعذور كما عرفت.

____________

(1) في ص 301 302.

334

..........

____________

الثالثة: أن لا يعلم المأموم بموافقة رأي الإمام أو من يقلّده مع رأيه أو رأي من يقلّده، و احتمل الاختلاف بين الرأيين. و الظاهر عدم جواز الائتمام حينئذ بعد احتمال البطلان في صلاة الإمام، و عدم طريق إلى إحراز صحّتها.

و ربما يقال بالجواز، استناداً إلى أصالة الصحّة الجارية في صلاة الإمام.

و فيه: ما لا يخفى، لما ذكرناه في الأُصول (1) من عدم جريان الأصل المزبور في موارد احتمال الصحّة من أجل المصادفات الاتّفاقية، من غير فرق بين الشبهات الحكمية و الموضوعية.

فانّ المستند في هذا الأصل إنّما هي السيرة العملية أو بناء العقلاء، و كلاهما دليل لبّي لا بدّ من الاقتصار فيه على المقدار المتيقّن، و هو ما إذا كان الشكّ في الصحّة ناشئاً من احتمال الإخلال في امتثال الوظيفة المعلومة لديه لغفلة و نحوها.

و أمّا مع العلم بجهله بها و احتمال الصحّة لمجرّد المصادفة الواقعية فالسيرة و بناء العقلاء غير شاملين لمثل ذلك قطعاً، و لا أقلّ من الشكّ، و هو كافٍ في المنع بعد أن لم يكن المستند دليلًا لفظياً كي يتمسّك بإطلاقه، من غير فرق بين الشبهة الحكمية كما لو رأينا أحداً يصلّي على الميّت مع علمنا بعدم معرفته لكيفية الصلاة لكن احتملنا إتيانه للتكبيرات الخمس صحيحة من باب الاتّفاق، أو الموضوعية كما لو رأينا زيداً يصلّي إلى جهة غافلًا عن القبلة و من غير تحقيق عنها، و احتملنا المطابقة معها صدفة و اتّفاقاً، فإنّه لا ريب في عدم جريان أصالة الصحّة في أمثال هذه الموارد.

و المقام من هذا القبيل، إذ بعد علمنا بخطإ الإمام في اعتقاد الاجتهاد أو التقليد فهو لدينا جاهل بالحكم، و غير عالم بالوظيفة، فاحتمال الصحّة في صلاته حينئذ لا منشأ له عدا احتمال المصادفة للواقع من باب الاتّفاق، و مثله‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 325.

335

[مسألة 38: إذا دخل الإمام في الصلاة معتقداً دخول الوقت و المأموم معتقد عدمه]

[1960] مسألة 38: إذا دخل الإمام في الصلاة معتقداً دخول الوقت و المأموم معتقد عدمه أو شاكّ فيه لا يجوز له الائتمام في الصلاة، نعم إذا علم بالدخول في أثناء صلاة الإمام جاز له الائتمام [1] به، نعم لو دخل الإمام نسياناً من غير مراعاة للوقت أو عمل بظنّ غير معتبر لا يجوز الائتمام به و إن علم المأموم بالدخول في الأثناء، لبطلان صلاة الإمام حينئذ واقعاً. و لا ينفعه دخول الوقت في الأثناء في هذه الصورة، لأنّه مختصّ بما إذا كان عالماً أو ظانّاً بالظنّ المعتبر (1).

____________

غير مشمول لأصالة الصحّة.

و المتلخّص ممّا ذكرناه: أنّ الائتمام غير جائز في صورتين، و هما ما إذا احتمل المأموم اختلافه مع الإمام في الرأي، و ما إذا علم بالاختلاف المتعلّق بالأركان. و جائز في صورتين أُخريين، أعني ما إذا كان الاختلاف فيما عدا الأركان، أو علم بموافقته معه في الرأي، أو مع الواقع لإتيانه بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء و الشرائط و تركه كلّ ما هو محتمل المانعية، و إن كان هذا الفرض بعيداً و نادر التحقّق كما ذكره في المتن، لكثرة ما يتعلّق بالصلاة من المقدّمات و الشرائط و الكيفيات، و لا سيما ما يتعلّق بالطهارات من الوضوء أو الغسل أو التيمّم، لكثرة الاختلاف في خصوصياتها كما لا يخفى، فتدبّر جيّداً.

(1) ذكرنا في بحث المواقيت (1) أنّ المشهور فصّلوا في من صلّى و قد دخل الوقت أثناء الصلاة بين ما إذا كان معتقداً دخول الوقت أو معتمداً في ذلك على حجّة شرعية، و بين ما إذا كان غافلًا أو مستنداً إلى ظنّ غير معتبر، فتصحّ صلاته في الأوّل دون الثاني، مستندين في ذلك إلى ما رواه ابن أبي عمير عن إسماعيل بن رياح (أو رباح) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا صلّيت‌

____________

[1] على إشكال قد تقدّم.

____________

(1) شرح العروة 11: 381.

336

..........

____________

و أنت ترى أنّك في وقت و لم يدخل الوقت، فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك» (1).

فإنَّ الرؤية بمعنى الثبوت الذي قد يكون وجدانياً كما في مورد الاعتقاد، أو تعبّدياً كما في موارد الاعتماد على الحجّة الشرعية، و أمّا الغافل الناسي عن مراعاة الوقت فلا يرى شيئاً، لفقد الالتفات. كما أنّ المعتمد على ظنّ غير معتبر لم يكن الوقت ثابتاً عنده لا وجداناً و لا تعبّداً، فتجب عليه الإعادة لا محالة.

و على ضوء هذا التفصيل ذكر الماتن (قدس سره) في المقام جواز الائتمام في الصورة الأُولى بعد ما دخل الوقت، فإنّ صلاة الإمام و إن لم تكن صحيحة حدوثاً، لكنّها صحيحة بقاءً حتّى واقعاً. فلا مانع من الائتمام به.

بخلاف الصورة الثانية، لبطلان صلاة الإمام حينئذ بحسب الواقع فيما لو كان المأموم معتقداً عدم دخول الوقت، و كذا لو كان شاكّاً، لاستصحاب العدم فهو أي المأموم يرى عدم تعلّق الأمر بالصلاة وقتئذ إمّا جزماً أو استصحاباً، فلا يسوغ له الائتمام.

لكنّا ذكرنا هناك أنّه لا يمكن المساعدة مع المشهور في هذا التفصيل، لضعف الرواية المتقدّمة، فإنّ إسماعيل بن رياح لم يوثّق. و مجرّد رواية ابن أبي عمير عنه لا يكشف عن توثيقه كما مرّ غير مرّة، و الانجبار بعمل المشهور لا نقول به كما هو المعلوم من مسلكنا، و مقتضى القاعدة لزوم إيقاع الصلاة بتمامها في الوقت.

و عليه فالبطلان و وجوب الإعادة حتّى في الصورة الاولى أعني ما لو كان معتقداً أو معتمداً على حجّة شرعية لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط. و منه يظهر حكم الائتمام في المقام، و أنّ الأحوط لو لم يكن أقوى تركه مطلقاً. و اللّٰه سبحانه أعلم.

____________

(1) الوسائل 4: 206/ أبواب مواقيت الصلاة ب 25 ح 1.

337

[فصل في شرائط إمام الجماعة]

فصل في شرائط إمام الجماعة يشترط فيه أُمور: البلوغ (1)

____________

(1) فلا يجوز الاقتداء بالصبيّ غير المميّز بلا إشكال، و كذا المميّز على المشهور، بل بلا خلاف كما عن المنتهي (1)، بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه. و لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشيخ و بعض، حيث حكم بجواز إمامة المراهق مدعياً عليه الإجماع (2). لكن الإجماع غير ثابت، بل ثابت العدم كما صرّح به غير واحد ممّن تأخّر عنه، لعدم وجود القائل به صريحاً ممّن عدا الشيخ، فضلًا عن تحقّق الإجماع، و لم يرد ذلك في شي‌ء من الأخبار.

نعم، هناك روايات دلّت على جواز الائتمام بالغلام من غير تقييد بالمراهق بل في بعضها جوازه إذا بلغ عشراً، منها:

موثّقة غياث بن إبراهيم: «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم و أن يؤذّن» (3). و قد عبّر عنها بالخبر المشعر بالضعف في كلمات غير واحد. لكنّه في غير محلّه، فانّ غياثاً و إن كان بترياً لكنّ النجاشي وثّقه صريحاً (4).

____________

(1) المنتهي 1: 324 السطر 6.

(2) الخلاف 1: 553 المسألة 295.

(3) الوسائل 8: 321/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 3.

(4) رجال النجاشي: 305/ 833.

338

..........

____________

و قد عبّر العلّامة عن السند بالحسنة (1)، و لعلّه من أجل إبراهيم بن هاشم. و كيف ما كان، فالرواية معتبرة.

و موثّقة سماعة: «يجوز صدقة الغلام و عتقه، و يؤمّ الناس إذا كان له عشر سنين» (2).

و موثّقة طلحة بن زيد: «لا بأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم و أن يؤمّ» (3).

و قد حملها صاحب الوسائل و غيره على إمامة الغلام لمثله، من جهة اعتبار العدالة في الإمام، المنوطة بالبلوغ. و لكنّه كما ترى، لإباء لفظ القوم و الناس الوارد في الأُوليين عن الحمل على غير البالغ كما لا يخفى. فمقتضاها جواز إمامة الغلام حتّى للبالغين.

و لكن بإزاء هذه الأخبار ما رواه الشيخ بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه: «أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: لا بأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم، و لا يؤمّ حتّى يحتلم، فإن أمّ جازت صلاته و فسدت صلاة من خلفه» (4).

و المشهور ذكروا أنّ ضعف الرواية منجبر بالعمل، فلا تعارض بالروايات المتقدّمة الساقطة عن الحجّية بإعراض الأصحاب عنها و إن صحّت أسانيدها بعضاً أو كلّاً، و لأجله حكموا باعتبار البلوغ في إمام الجماعة.

لكنّا لا نقول بالانجبار، كما لا نلتزم بالإعراض على ما هو المعلوم من مسلكنا في البابين، و من ثمّ يشكل الحكم بالاعتبار بعد ورود النصّ الصحيح الصريح في العدم، السليم عن المعارض على المختار، هذا.

____________

(1) [لم نعثر عليه في مظانه].

(2) الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 5.

(3) الوسائل 8: 323/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 8.

(4) الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 7، التهذيب 3: 29/ 103.

339

..........

____________

و لكن الذي يهوّن الخطب أنّ الرواية معتبرة و إن حكم المشهور عليها بالضعف، إذ ليس في السند من يغمز فيه عدا غياث بن كلوب، و هو و إن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال و لكن يظهر من مطاوي كلمات الشيخ في العدّة توثيقه.

حيث ذكر (قدس سره) أنّه لا يعتبر في الراوي أن يكون إمامياً، بل يكفي كونه ثقة متحرّزاً عن الكذب و إن كان عامّياً. ثمّ استشهد لهذه الدعوى بأنّ الطائفة عملت بروايات الفطحية و الواقفية و بعض العامّة، ثمّ ذكر جماعة و عدّ منهم غياث بن كلوب (1).

فيظهر منه أنّ الرجل عاميّ موثّق، لا بمعنى توثيق رواياته من أجل عمل الطائفة بها، بل بمعنى توثيقه بنفسه و كونه متحرّزاً عن الكذب كما ادّعاه أوّلًا مستشهداً بعملهم بروايات هؤلاء الموثّقين المتحرّزين عن الكذب، و إن لم يكونوا من الإمامية.

نعم، هو (قدس سره) نفسه لم يعمل بهذه الدعوى، و لذا يقدّم خبر الإمامي لدى المعارضة، و لم يعامل معهما معاملة المتعارضين، و لعلّه من أجل بنائه (قدس سره) على الترجيح بصفات الراوي. و كيف ما كان، فيستفاد من كلامه (قدس سره) توثيق الرجل صريحاً.

و عليه فالرواية تعدّ من الموثّق، فتقع المعارضة حينئذ بينها و بين الروايات المتقدّمة، فامّا أن تقدّم هذه عليها، لكونها صريحة الدلالة في فساد صلاة القوم، و تحمل تلك الروايات على إمامة الغلام لمثله و إن كان بعيداً في نفسه كما تقدّم، أو أنّهما يتعارضان فيتساقطان (2) فيبقى جواز إمامته عارياً عن الدليل‌

____________

(1) العدة 1: 56 السطر 10.

(2) يظهر من كتابي المغني [2: 54 55] و الرحمة [1: 69] أنّ المشهور عند العامّة ما عدا الشافعي و بعضٍ هو المنع. إذن فمقتضى الصناعة حمل ما دلّ عليه على التقيّة [لاحظ المغني حيث لم يستثن الشافعي].

340

..........

____________

فيرجع إلى أصالة عدم المشروعية بعد عدم وجود إطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الناحية كي يرجع إليه كما لا يخفى.

هذا كلّه بناءً على شرعية عباداته. و أمّا بناءً على التمرينية فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز، فانّ عبادته حينئذ صورة الصلاة، و ليست من حقيقتها في شي‌ء. فكيف يسوغ الائتمام بها.

فتحصّل: أنّ الأقوى اعتبار البلوغ في إمام الجماعة كما عليه المشهور، هذا.

و قد يتوهّم أنّ مقتضى الجمع بين النصوص حمل المانعة على ما إذا لم يبلغ الصبيّ عشر سنين، و المجوّزة على ما إذا بلغها أو كان مراهقاً، و يجعل الشاهد على هذا الجمع موثّقة سماعة المفصّلة بين العشر و ما دونه. و مع وجود هذا الجمع الدلالي لا تصل النوبة إلى المعارضة.

و هذا الكلام أعني الجمع بين الطائفتين لوجود شاهد في البين في حدّ نفسه لا بأس به، لكنّه غير منطبق على المقام، لاستلزامه حمل المطلق و هي الرواية المانعة على الفرد النادر، فانّ الاقتداء بالصبيّ الذي لم يبلغ العشر فرض نادر جدّاً، بل لعلّه لم يتّفق خارجاً، فكيف يمكن حمل المطلق عليه.

نعم، حمل الروايات المجوّزة على العشر فما زاد سيما المراهق خال عن هذا المحذور، و أمّا حمل المانعة على ما دون العشر كسبع و ثمان مثلًا فهو بعيد جدّاً كما عرفت.

و بالجملة: هذا التوهّم من وضوح الفساد بمكان، إذ يرد عليه مضافاً إلى ما ذكر أنّ الرواية المانعة غير قابلة للحمل على ما دون العشر في نفسها لقوله (عليه السلام) فيها: «و لا يؤمّ حتّى يحتلم»، إذ قد جعل فيها الاحتلام غاية للمنع، فهي كالصريح في عدم جواز إمامته قبل بلوغه و إن زاد على العشر، فضلًا عمّا إذا نقص عنها، فكيف يمكن حملها على ما دونها، فانّ لسانها آبٍ عن هذا الحمل قطعاً كما هو واضح جدّاً.

341

و العقل (1)

____________

(1) بلا خلاف و لا إشكال، بل إجماعاً حكاه غير واحد، كما تدلّ عليه صحيحة أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال، و عدّ منهم المجنون و ولد الزنا (1).

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يصلّينّ أحدكم خلف المجنون و ولد الزنا» (2). فالحكم في الجملة مسلّم لا إشكال فيه.

إنّما الكلام في المجنون الأدواري، الذي ظاهر المشهور جواز إمامته حال إفاقته، لعدم صدق عنوان المجنون عليه حينئذ، و فعلية الحكم تتبع فعلية الموضوع، فهو خارج عن مورد النصّ في هذه الحالة، فتشمله إطلاقات أدلّة الجماعة، و لا وجه لدعوى انصرافها عن مثله كما لا يخفى.

و ما ذكره المشهور هو الأقوى، لكن في خصوص ما إذا لم يصدق عليه عنوان المجنون و لو مسامحة حال إفاقته، لبعد دور الجنون عن دور الإفاقة أو قلّة اتّفاقه، كما لو كان يجنّ في الصيف و يفيق في الشتاء أو بالعكس الذي يتّفق نادراً، فإنّه لا مانع من إمامته حينئذ حال الإفاقة، لعدم صدق العنوان عليه بوجه حسب الفرض، و مجرّد جنونه في زمان أو آناً ما لا يمنع عن الاقتداء به إلى الأبد. فهو حينئذ عاقل عادل، فلا قصور في شمول مثل قوله (عليه السلام): صلّ خلف من تثق بدينه (3) لمثله.

و أمّا إذا صدق عليه العنوان و لو بضرب من المسامحة العرفية، و أُطلق عليه لفظ المجنون حال الإفاقة و لو بالعناية، لكثرة أدوار جنونه، فالظاهر عدم جواز‌

____________

(1) الوسائل 8: 321/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 1.

(2) الوسائل 8: 321/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 2.

(3) راجع ص 50، الهامش رقم (3).

342

و الإيمان (1)

____________

إمامته، لاندراجه تحت النصوص المتقدّمة حسب الصدق العرفي، بل الظاهر أنّ تلك النصوص ليست ناظرة إلّا إلى هذا الفرد.

ضرورة أنّ الإطباقي أو الأدواري حال جنونه غير مكلّف بشي‌ء، بل هو ملحق بالحيوانات، إذ ليس المائز بينها و بين الإنسان عدا العقل المفروض سلبه عنه، فالصلاة خلفه بمثابة الصلاة خلف البهائم في أنّ عدم جواز الاقتداء به من الواضحات التي يعرفها كلّ أحد، بل لم يعهد الإقدام عليه من أحد، و لعلّه لم يتّفق خارجاً و لا مرّة واحدة، من غير حاجة إلى التنبيه عليه من الصادق أو من أمير المؤمنين (عليهما السلام) في الصحيحتين المتقدّمتين.

فلا ينبغي الشكّ في أنّ الصحيحتين ناظرتان إلى حال الإفاقة، لكن في مورد يطلق عليه المجنون و لو بالعناية و المسامحة، دون ما لا يطلق، حسب التفصيل الذي عرفت.

(1) أي الاعتقاد بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بلا خلاف و لا إشكال و قد دلّت عليه جملة من النصوص: كصحيح زرارة: «عن الصلاة خلف المخالفين، فقال: ما هم عندي إلّا بمنزلة الجدر» (1).

و صحيح البرقي قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أ تجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك و جدّك؟ فأجاب: لا تصلّ وراءه» (2).

و صحيح إسماعيل الجعفي قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل يحبّ أمير المؤمنين، و لا يتبرّأ من عدوّه و يقول: هو أحبّ إليّ ممّن خالفه، فقال: هذا مخلط، و هو عدوّ، فلا تصلّ خلفه و لا كرامة إلّا أن تتّقيه» (3).

____________

(1) الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 1.

(2) الوسائل 8: 310/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 5.

(3) الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 3.

343

و العدالة (1)

____________

و صحيح ابن مهزيار قال: «كتبت إلى محمد بن علي الرضا (عليه السلام): أُصلّي خلف من يقول بالجسم و من يقول بقول يونس؟ فكتب (عليه السلام): لا تصلّوا خلفهم، و لا تعطوهم من الزكاة، و ابرءوا منهم برئ اللّٰه منهم» (1) و نحوها غيرها.

(1) أي الاستقامة في جادّة الشرع و عدم الانحراف يميناً و شمالًا. و اعتبارها لدى الخاصّة ممّا لا خلاف فيه و لا إشكال، بل من الواضحات الغنيّة عن الاستدلال، بل عدّها المحقّق الهمداني من ضروريات الفقه (2). فلا حاجة إلى إقامة البرهان عليه بعد إرساله الأصحاب إرسال المسلّمات، و مع ذلك قد استدلّ له بجملة من الأخبار.

منها: ما رواه الكليني بإسناده عن أبي علي بن راشد قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ مواليك قد اختلفوا، فأُصلّي خلفهم جميعاً؟ فقال: لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» (3)، و رواه الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد مثله إلّا أنّه زاد: أمانته (4).

أقول: أمّا رواية الشيخ فلا بأس بدلالتها، فانّ الوثوق بأمانة الرجل بقول مطلق مرجعه إلى كونه مأموناً في كلّ ما يقول و يفعل، المساوق لعدم التخطّي عن جادّة الشرع، و هو معنى العدالة كما عرفت. لكن الرواية المشتملة على هذه الزيادة غير ثابتة، بعد معارضتها برواية الكليني العارية عنها، سيما و أنّ الكافي أضبط، المقدّم على التهذيب لدى التعارض.

____________

(1) الوسائل 8: 312/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 10.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 667 السطر 15.

(3) الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2، الكافي 3: 374/ 5.

(4) التهذيب 3: 266/ 755.

344

..........

____________

و أمّا رواية الكليني فدلالتها على اعتبار العدالة قاصرة، فانّ الوثوق بالدين في حدّ نفسه و إن كان ظاهراً فيها، إذ الدّين مركّب من الأُصول و الفروع فالوثوق به معناه الاطمئنان بعقيدته و بالتزامه و تديّنه بما دان بعدم التعدّي عن الحدود الشرعية، الذي هو معنى العدالة.

لكنّه في خصوص المقام لا ظهور له إلّا في الوثوق بعقيدته و أُصول دينه دون الفروع، لقول الراوي في صدر الحديث: «إنّ مواليك قد اختلفوا ...» إلخ فإنّه ناظر إلى اختلافهم بحسب العقائد و المسالك، حيث كان دارجاً و شائعاً يومئذ بين مواليه، فكان منهم الواقفي و الفطحي و الزيدي و القدري و بعضهم من المجسمة و غير ذلك من سائر فرق العامّة، فسأل عن جواز الصلاة خلفهم جميعاً، فأجاب (عليه السلام) إنّه «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» أي صحّة عقيدته، فلا نظر فيها إلى الفروع بوجه كي تدلّ على اعتبار العدالة كما لا يخفى.

و بعين هذا البيان يظهر الجواب عن رواية يزيد بن حمّاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال «قلت له: أُصلّي خلف من لا أعرف؟ فقال: لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» (1)، فانّ من لا يعرفه مجهولةٌ عقيدتُه لا محالة، هذا.

مع أنّ الروايتين كلتاهما ضعيفتان، أمّا الأخيرة فبآدم بن محمد و علي بن محمد، و أمّا الاولى فبسهل بن زياد. مع أنّ في طريق الكليني شيخه علي بن محمد، و في طريق الشيخ إلى سهل بنُ أبي جيد (2).

و منها: رواية البصري عن جعفر بن محمد (عليه السلام): «أنّه سأل عن القراءة خلف الإمام، فقال: إذا كنت خلف الإمام تولّاه و تثق به فإنّه يجزيك قراءته ...» إلخ (3).

و فيه: بعد تسليم الدلالة و عدم الخدش فيها بإرادة كون الإمام من أهل‌

____________

(1) الوسائل 8: 319/ أبواب صلاة الجماعة ب 12 ح 1.

(2) الفهرست: 80/ 329.

(3) الوسائل 8: 359/ أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 15.

345

..........

____________

الولاية، و الوثوق بكونه كذلك لا من المخالفين، فلا تدلّ على اعتبار العدالة. أنّ السند ضعيف، لاشتماله على جمع من المجاهيل، فلا يعتمد عليها.

و منها: رواية سعد بن إسماعيل عن أبيه قال «قلت للرضا (عليه السلام): رجل يقارف الذنوب و هو عارف بهذا الأمر أُصلّي خلفه؟ قال: لا» (1).

و فيه: أنّ الدلالة و إن كانت تامّة، لظهورها في أنّ الذنب مانع عن الإمامة و إن كان الرجل عارفاً بهذا الأمر أي شيعياً صحيح الاعتقاد لكن السند ضعيف، فانّ سعداً و أباه إسماعيل كلاهما من المهملين.

فهذه الروايات غير صالحة للاستدلال، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو، نعم هناك روايات اخرى لا بأس بالاستدلال بها.

منها: موثّقة سماعة: «عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: إن كان إماماً عدلًا فليصلّ اخرى و ينصرف و يجعلهما تطوّعاً، و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو. و إن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ...» إلخ (2).

فانّ المراد بالإمام العدل ليس هو المعصوم (عليه السلام) جزماً، و إلّا لقال الراوي: فخرجتَ، بدل قوله: «فخرج الإمام»، إذ ليس في عصره معصوم آخر غير المخاطب، و لأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله: إن كنت أنا. بدل قوله: «إن كان إماماً عدلًا». فالمراد به الإمام العادل في مقابل الفاسق لا محالة، فدلّت على اعتبار العدالة في إمام الجماعة.

و منها: صحيحة عمر بن يزيد: «عن إمام لا بأس به في جميع أُموره عارف غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً» (3).

____________

(1) الوسائل 8: 316/ أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 10.

(2) الوسائل 8: 405/ أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2.

(3) الوسائل 8: 313/ أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 1.

346

و أن لا يكون ابن زنا (1)

____________

دلّت على أنّ مجرّد الغلظة في الكلام لا يمنع عن الائتمام ما لم يبلغ الحرام و هو صيرورته عاقّاً قاطعاً، لوضوح أنّ الكلام الغليظ مع الأبوين غير ملازم لاقتراف الذنب في حدّ نفسه، بل هو أعمّ من ذلك، فقد يكون سائغاً أو مستحبّاً، بل واجباً و لو من أجل الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، و ربما يكون حراماً كما في مورد العقوق، فخصّ (عليه السلام) المنع عن الائتمام بالصورة الأخيرة، لتضمّنها الفسق (1) المنافي للعدالة المعتبرة في إمام الجماعة.

و منها: موثّقة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «الأغلف لا يؤمّ القوم و إن كان أقرأهم، لأنّه ضيّع من السنّة أعظمها ...» إلخ (2).

أمّا الرواة فكلّهم ثقاة و إن كان أكثرهم من الزيدية، فالسند موثّق. كما أنّ الدلالة ظاهرة، من جهة تعليل المنع عن إمامة الأغلف بتضييع السنّة، و هي الختان، الموجب لارتكاب الفسق و العصيان لدى التمكّن منه، فيستفاد من التعليل المزبور بوضوحٍ المنعُ عن إمامة كلّ من شارك الأغلف في الإعراض عن السنّة و ترك واجباً من الواجبات الإلهية، المنافي للعدالة.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، كما دلّت عليه صريحاً صحيحتا أبي بصير و زرارة المتقدّمتان (3) اللتان عدّ فيهما ولد الزنا ممّن لا يؤمّ الناس و لا يصلّى خلفه، المؤيّدتان بغيرهما من النصوص.

و ربما يستدلّ بما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر‌

____________

(1) لمّا كان العقوق من أعظم الكبائر فمن الجائز ثبوت خصوصية فيه تمنع عن الاقتداء فيحتاج التعدّي إلى مطلق المحرّمات إلى القطع بعدم الفرق، و عهدته على مدّعيه. و منه يظهر النظر في الموثّقة الآتية المتضمّنة لتضييع أعظم السنّة.

(2) الوسائل 8: 320/ أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 1.

(3) الوسائل 8: 321/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 1، 2، و قد تقدمتا في ص 341.

347

..........

____________

(عليه السلام) أنّه قال: خمسة لا يؤمّون الناس و لا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة. و عدّ منهم ولد الزنا (1).

و قد عبّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد منهم المحقّق الهمداني (2) بل و صاحب الحدائق في مثل هذا السند (3) اغتراراً بظاهره من كون الراوي هو الصدوق، الذي هو من أجلّاء الأصحاب، و الذي يروي عنه محمد بن مسلم الذي هو من أعاظم الرواة، غفلة عمّا في طريق الصدوق إليه من الضعف لاشتماله على علي بن أحمد و أحمد بن عبد اللّٰه، و لم يوثّقا.

فالرواية ضعيفة، و توصيفها بالصحّة ناشئ عن عدم إمعان النظر في الطريق المزبور كما أشرنا إليه سابقاً (4) و العصمة لأهلها. نعم دلالتها ظاهرة، فهي لا تصلح إلّا للتأييد.

و هل تصحّ الإمامة ممّن يشكّ في طهارة مولده؟

أمّا مع وجود الفراش فلا إشكال، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (5) فيحكم بتولّده من صاحب الفراش، و يرتّب عليه آثار طهارة المولد التي منها جواز الاقتداء به، لالتحاقه به شرعاً و إن كان مشكوكاً وجداناً.

و أمّا مع عدم وجوده فقد يقال بترتيب آثار الطهارة، استناداً إلى السيرة العملية من المتشرّعة القائمة على ذلك.

و فيه ما لا يخفى، لعدم ثبوت السيرة، إذ الفرض المزبور أعني الشكّ مع فقد الفراش نادر التحقّق، و معه كيف يمكن إحراز السيرة العملية كي يكون الحكم ثابتاً من باب التعبّد.

____________

(1) الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 4، الفقيه 1: 247/ 1105.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 676 السطر 5.

(3) الحدائق 11: 91.

(4) و تقدّم [في ص 165، الهامش (6)] ما يمكن أن يكون وجهاً لذلك.

(5) الوسائل 26: 274/ أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 1.

348

..........

____________

و الأقوى التحاقه بطاهر المولد، استناداً إلى أصالة عدم تولّده من الزنا، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة، فإنّ الخارج عمّن يصلح الاقتداء به عنوان وجودي، و هو المتولّد من الزنا كما نطقت به النصوص، فالباقي تحت العام بعد التخصيص عنوان عدمي، و هو من لم يكن متولّداً من الزنا.

فهذا القيد العدمي هو المعتبر في إمام الجماعة، و لم يعتبر فيه طهارة المولد التي هي عنوان وجودي، و إن وقع التعبير بها في كلمات غير واحد من الفقهاء، فإنّه غير منطبق على لسان الأخبار كما عرفت.

و عليه فيمكن إحراز عدم تولّده من الزنا باستصحاب العدم الأزلي و لا يلزم إحراز طهارة المولد كي يكون الأصل المزبور مثبتاً بالنسبة إليه، لعدم كونه موضوعاً للحكم في لسان الدليل. فيرتّب عليه آثار من لم يتولّد من الزنا من التوارث و جواز الاقتداء به و نحو ذلك.

و على الجملة: ليست الطهارة شرطاً للإمامة، بل المانع كونه ولد الزنا. فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي، و لأجله عبّر في المتن بقوله: و أن لا يكون ابن زنا. و لم يعبّر بطهارة المولد كما عبّر بها كثير من الفقهاء. فيمكن إحراز عدم المانع بالاستصحاب كما عرفت.

ثمّ إنّه لو انكشف الخلاف بعد الصلاة، و تبيّن كون الإمام ولد الزنا، فلا ينبغي الإشكال في بطلان الجماعة، إذ اعتبار المانعية كما في بقية الموانع و الشرائط واقعي على ما يقتضيه ظاهر الدليل، لا علمي.

و لكن أصل الصلاة محكومة بالصحّة، و موصوفة بالفرادى، و إن تخيّل المأموم انعقادها جماعة. و قد ذكرنا غير مرّة (1) أنّ الجماعة و الفرادى من خصوصيات الأفراد، و ليستا حقيقتين متباينتين، فهما طبيعة واحدة لها شكلان، قد تخيّل المصلّي وقوعها بهذا الشكل فانكشف وقوعها‌

____________

(1) منها ما تقدّم في ص 60.

349

و الذكورة إذا كان المأمومون أو بعضهم رجالًا (1)

____________

بالشكل الآخر.

فلا خلل فيها من ناحية القصد إلى الطبيعة المأمور بها مع نيّة التقرّب غايته الإخلال بالقراءة، و لا ضير فيه بعد أن كان معذوراً في تركها لزعم الائتمام، و مثله مشمول لحديث لا تعاد، كما هو الحال في تخلّف غيره ممّا يعتبر في الإمام من العدالة و نحوها كما مرّ سابقاً (1).

نعم، لو زاد ركناً لأجل المتابعة، أو رجع إليه في الشكوك الباطلة، بطلت صلاته، لأنّ هذه من أحكام الجماعة، المفروض عدم انعقادها، فتبطل الصلاة من أجلها كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى.

(1) لا إشكال في عدم جواز إمامة المرأة في الصلاة المطلوبِ فيها الاجتماع المشتملة على الخطبة كالجمعة و العيدين، للقطع بعدم رضا الشارع بتصدّيها لمثل إلقاء الخطبة و نحوه.

كما لا إشكال في عدم الجواز فيما لو كان المأمومون كلّاً أو بعضاً رجالًا و يكفي في ذلك أصالة عدم المشروعيّة، إذ لم يرد نصّ معتبر في المقام. و قد ذكرنا غير مرّة أنّه لا إطلاق في أدلّة الجماعة يتمسّك به لدى الشكّ في المشروعيّة، فترتيب أحكام الجماعة مع الشكّ في انعقادها يحتاج إلى الدليل و مقتضى الأصل العدم.

مضافاً إلى الاستئناس لذلك بأنّ المطلوب من الإمام إسماع القراءة للمأمومين في الصلوات الجهريّة، و لا يرضى الشارع بإسماع المرأة صوتها للأجنبي، إمّا تحريماً أو تنزيهاً، على الخلاف في ذلك.

إنّما الكلام في إمامتها لمثلها من النساء، و لا إشكال في الجواز في مثل صلاة الميت التي هي ليست من حقيقة الصلاة في شي‌ء، و إنّما هي تسبيح و تهليل و ذكر و تكبير، فلا تشملها الأحكام المترتّبة على الصلاة الحقيقية ذات الركوع‌

____________

(1) في ص 311 و ما بعدها.

350

..........

____________

و السجود. مضافاً إلى ورود النصّ الصحيح الدالّ على الجواز صريحاً (1).

فمحلّ الكلام ما عداها من سائر الصلوات، فريضة كانت أم نافلة تشرع فيها الجماعة كصلاة الاستسقاء و نحوها. فالمشهور جواز ذلك على كراهة في الفريضة. و عن السيد (2) و الجعفي (3) و ابن الجنيد (4) المنع في الفريضة و الجواز في النافلة، و مال إليه غير واحد من المتأخّرين، و ربما ينسب هذا القول إلى الصدوق و الكليني، حيث اقتصرا على ذكر الروايات المشتملة على التفصيل المزبور، بعد ملاحظة ما نبّها عليه في ديباجة الفقيه و الكافي من عدم نقلهما إلّا الرواية التي يعتمدان عليها، و تكون حجّة بينهما و بين اللّٰه.

و كيف ما كان، فيظهر منهم الاتّفاق على جواز إمامتها لمثلها في النافلة المشروع فيها الجماعة، و محلّ الخلاف إنّما هي الفريضة، فالمشهور على الجواز و غيرهم على المنع.

و يستدلّ للمشهور بطائفة من الأخبار:

منها: موثّقة سماعة «عن المرأة تؤمّ النساء، فقال: لا بأس به» (5) المؤيّدة بمرسلة ابن بكير: «في المرأة تؤمّ النساء، قال: نعم، تقوم وسطاً بينهنّ و لا تتقدّمهنّ» (6)، و بخبر الصيقل: «... ففي صلاة مكتوبة أ يؤمّ بعضهنّ بعضاً؟ قال: نعم» (7)، فانّ طريق الصدوق إلى الصيقل و إن كان صحيحاً (8) لكن الرجل نفسه لم يوثّق.

و منها: صحيحة علي بن جعفر: «عن المرأة تؤمّ النساء ما حدّ رفع صوتها‌

____________

(1) الوسائل 8: 334/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 3.

(2) حكاه عنه في السرائر 1: 281.

(3) حكاه عنه في الذكرى 4: 376 377.

(4) حكاه عنه في المختلف 2: 486.

(5) الوسائل 8: 336/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 11، 10.

(6) الوسائل 8: 336/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 11، 10.

(7) الوسائل 8: 334/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 2.

(8) الفقيه 4 (المشيخة): 24.