موسوعة الإمام الخوئي - ج17

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
422 /
351

..........

____________

بالقراءة و التكبير؟ فقال: قدر ما تسمع» (1) المؤيّدة بروايته الأُخرى المشاركة لها في المضمون و إن كانت ضعيفة بعبد اللّٰه بن الحسن (2)، و صحيحة علي بن يقطين التي هي بعين المضمون المتقدّم (3).

فانّ هذه الروايات و إن كانت مسوقة لبيان رفع الصوت و مقدار الجهر و لا نظر فيها إلى جواز الإمامة ابتداءً، لكن يظهر منها المفروغية من الجواز كما لا يخفى. و مقتضى الإطلاق (4) في هذه النصوص عدم الفرق بين الفريضة و النافلة.

و لكن بإزائها ما دلّ على عدم الجواز مطلقاً، و هي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له: المرأة تؤمّ النساء؟ قال: لا، إلّا على الميّت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهنّ معهنّ في الصفّ، تكبّر و يكبّرن» (5).

و هناك طائفة ثالثة تضمّنت التفصيل بين المكتوبة و النافلة، بالمنع في الأوّل و الجواز في الثاني، و هي:

صحيحة هشام بن سالم: «عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمهنّ في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا، و لا تتقدّمهنّ و لكن تقوم وسطهنّ» (6).

و صحيحة الحلبي (7): «تؤمّ المرأة النساء في الصلاة، و تقوم وسطاً بينهنّ‌

____________

(1) الوسائل 8: 335/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 7.

(2) الوسائل 6: 95/ أبواب القراءة في الصلاة ب 31 ح 3.

(3) الوسائل 6: 94/ أبواب القراءة في الصلاة ب 31 ح 1.

(4) يشكل انعقاد الإطلاق في الروايات الأخيرة بعد الاعتراف بعدم كونها مسوقة إلّا لبيان مقدار رفع الصوت، فإنّ غاية ما يترتّب عليه هو المفروغية عن الجواز في الجملة لا بالجملة، لعدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة على الفرض.

(5) الوسائل 8: 334/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 3.

(6) الوسائل 8: 333/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.

(7) توصيف الرواية بالصحيحة مع أنّ في السند محمد بن عبد الحميد، و لا توثيق له من غير ناحية وقوعه في أسناد كامل الزيارات (المعجم 17: 220/ 11055) مبني على ما كان يرتئيه (دام ظلّه) سابقاً من عموم التوثيق، و أمّا بناءً على ما عدل إليه أخيراً من الاختصاص بالمشايخ بلا واسطة و وضوح عدم كونه منهم، فهي غير متّصفة بالصحّة.

352

..........

____________

و يقمن عن يمينها و شمالها، تؤمّهنّ في النافلة، و لا تؤمّهنّ في المكتوبة» (1).

و صحيحة ابن سنان أو ابن مسكان و لو كان الأوّل فهو عبد اللّٰه (2) عن سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء فقال: إذا كنّ جميعاً أمّتهنّ في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا، و لا تتقدّمهنّ و لكن تقوم وسطاً بينهنّ» (3).

فهذه طوائف ثلاث من الأخبار، دلّت الاولى على الجواز مطلقاً، و الثانية على المنع مطلقاً، و الثالثة على التفصيل بين المكتوبة فلا تجوز و النافلة فتجوز.

و الجمع بين هذه الأخبار يمكن من وجوه:

الأوّل: جعل الطائفة الثالثة مقيّدة للإطلاق في كلّ من الأُوليين، عملًا بصناعة الإطلاق و التقييد، فيحمل الجواز في الطائفة الأُولى على النافلة، و المنع في الثانية على المكتوبة، و تكون الطائفة الثالثة المفصّلة بينهما شاهدة لهذا الجمع. و غير خفيّ أنّ هذا الجمع هو المتعيّن كما في سائر المقامات لو لم يمنع عنه مانع خارجي في خصوص المقام.

____________

(1) الوسائل 8: 336/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9.

(2) و لكنّه لا يروي عن سليمان بن خالد بلا واسطة، و كذا محمد بن سنان.

و الصحيح في السند هكذا: ابن سنان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد كما أثبته في الاستبصار 1: 426/ 1646، و من المعلوم أنّ ابن سنان الذي يروي عن ابن مسكان هو محمد، لروايته عنه كثيراً، و لا رواية لعبد اللّٰه عنه في الكتب الأربعة. إذن فالرواية ضعيفة بمحمد بن سنان.

و أمّا ما في الكافي 3: 376/ 2، و التهذيب 3: 269/ 768 من حذف (ابن مسكان) فهو سقط من القلم أو النساخ، لما عرفت من أنّ محمد بن سنان لا يروي عن سليمان بلا واسطة، و إنّما يروي عنه بواسطة ابن مسكان غالباً كما يعلم بمراجعة الطبقات.

(3) الوسائل 8: 336/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 12.

353

..........

____________

الثاني: حمل النهي عن المكتوبة في الأخيرة على الكراهة، و كذا في الثانية بقرينة الترخيص الذي تضمّنته الطائفة الأُولى، تحكيماً للنصّ على الظاهر لصراحة الاولى في الجواز، فيرفع اليد عن ظهور النهي في المنع و يحمل على الكراهة. و لا تصل النوبة إلى هذا الجمع إلّا بعد تعذّر الجمع الأوّل، و إلّا فهو المتعيّن كما لا يخفى.

الثالث: ما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) (1) و أصرّ عليه من أنّ المكتوبة و النافلة الواردتين في الطائفة الأخيرة وصفان للجماعة، لا للصلاة نفسها. فالممنوع إمامتها لمثلها في الجماعة الواجبة كما في صلاة الجمعة و العيدين، دون ما كانت الجماعة مستحبّة و إن كانت ذات الصلاة فريضة كما في الصلوات اليومية.

فمفاد هذه الروايات المفصّلة بين النافلة و المكتوبة جواز إمامتها في الصلاة التي تستحبّ فيها الجماعة كالصلاة اليوميّة، و عدم جوازها في الصلاة التي تجب فيها الجماعة كالجمعة، و لا نظر فيها إلى التفصيل في ذات الصلاة بين الفريضة و النافلة. و بهذا جمع بين الطائفتين الأُوليين، فحمل المجوّزة على الجماعة المستحبّة، و المانعة على الجماعة الواجبة.

أقول: أمّا الجمع الأخير فهو أبعد الوجوه، بل في غاية السقوط، فانّ حمل المكتوبة و النافلة على الجماعة الواجبة و المستحبّة خلاف الظاهر جدّاً، و لم يعهد إطلاق اللفظين في لسان الأخبار على كثرتها إلّا وصفاً لذات الصلاة، و أمّا توصيف الجماعة بهما فلم يوجد و لا في مورد واحد.

و كيف يمكن حمل قوله (عليه السلام) في هذه الصحاح «تؤمّهنّ في النافلة ...» إلخ على ما ذكره، فانّ ظاهر الظرفية بل صريحها ملاحظة الإمامة في صلاة متّصفة بالنفل تارة و بالفرض اخرى، لا في جماعة كذلك، إذ لا معنى لقولنا تؤمّهنّ في الجماعة، كما لا يخفى.

____________

(1) الحدائق 11: 189.

354

..........

____________

فالمراد بالنافلة هي صلاة النافلة، و بالمكتوبة هي صلاة الفريضة بلا ارتياب. و الوجوه التي سردها لتعيين ما استظهره غير خالية من المناقشة، كما لا يخفى على من لاحظها.

و أمّا الجمع الأوّل: فهو في حدّ نفسه نعم الجمع، بل هو المتعيّن كما عرفت لولا المحذور اللازم منه في خصوص المقام، و هو حمل المطلق على الفرد النادر فانّ المراد بالنافلة التي تجوز إمامتها فيها بعد وضوح أنّه لا جماعة في النافلة عدا ما استثني أمّا صلاة الاستسقاء أو الصلاة المعادة.

أمّا الأُولى: فلم يعهد تصدّي النساء لها، و لعلّها لم تتّفق في الخارج و لا مرّة واحدة، و على تقدير الوقوع فهو في غاية الندرة و الشذوذ، فكيف يمكن حمل المطلق عليها.

و أمّا الثانية: فهي ليست من النافلة في شي‌ء، بل هي فريضة يستحبّ إعادتها جماعة، فالاستحباب و النفل وصف للإعادة، لا للمعادة و لذات الصلاة، و لذا لا تجري عليها أحكام النافلة. فلو زاد فيها ركناً سهواً بطلت، و لو عرضها الشكّ في الركعات لحقه أحكام الشكّ في الفريضة من البناء على الأربع و نحوه. فهي عين الفريضة في ماهيّتها، غير أنّه يستحبّ إعادتها جماعة، فكيف يمكن إرادتها من النافلة المذكورة في هذه الأخبار.

و مع الغضّ عن ذلك فلا شكّ أنّ الفريضة المعادة جماعة نادرة جدّاً من الرجال فضلًا عن النساء.

و على الجملة: حمل المطلقات الواردة في الطائفة الأُولى مثل موثّقة سماعة و ما يحذو حذوها، المتضمّنة لجواز إمامة المرأة لمثلها مطلقاً على النافلة التي لا مصداق لها غير صلاة الاستسقاء أو بضميمة المعادة، اللتين قلّما تتّفقان خارجاً، حمل للمطلق على الفرد النادر. فلا يمكن المصير إليه.

و منه تعرف أنّ المتعيّن في المقام إنّما هو الجمع الثاني، و نتيجة ذلك الالتزام بجواز إمامتها في الفريضة كالنافلة على كراهة بمعنى أقلية الثواب كما عليه المشهور.

355

و أن لا يكون قاعداً للقائمين، و لا مضطجعاً للقاعدين، و لا من لا يحسن القراءة بعدم إخراج الحرف من مخرجه أو إبداله بآخر أو حذفه أو نحو ذلك حتّى اللحن في الإعراب، و إن كان لعدم استطاعته غير ذلك (1).

[مسألة 1: لا بأس بإمامة القاعد للقاعدين]

[1961] مسألة 1: لا بأس بإمامة القاعد للقاعدين، و المضطجع لمثله [1] و الجالس للمضطجع.

[مسألة 2: لا بأس بإمامة المتيمّم للمتوضئ، و ذي الجبيرة لغيره و مستصحب النجاسة من جهة العذر لغيره]

[1962] مسألة 2: لا بأس بإمامة المتيمّم للمتوضئ، و ذي الجبيرة لغيره و مستصحب النجاسة من جهة العذر لغيره، بل الظاهر جواز إمامة المسلوس و المبطون لغيرهما فضلًا عن مثلهما، و كذا إمامة المستحاضة للطاهرة.

[مسألة 3: لا بأس بالاقتداء بمن لا يحسن القراءة في غير المحلّ الذي يتحمّلها الإمام عن المأموم]

[1963] مسألة 3: لا بأس بالاقتداء بمن لا يحسن القراءة في غير المحلّ الذي يتحمّلها الإمام عن المأموم كالركعتين الأخيرتين على الأقوى، و كذا لا بأس بالائتمام بمن لا يحسن ما عدا القراءة من الأذكار الواجبة و المستحبّة التي لا يتحمّلها الإمام عن المأموم إذا كان ذلك لعدم استطاعته غير ذلك.

____________

(1) تعرّض (قدس سره) لإمامة الناقص للكامل في ضمن فروع يجمعها أنّ الاختلاف بينهما قد يكون في الشرائط كما لو كان الإمام متيمّماً و المأموم متوضّئاً أو مغتسلًا، أو كانت صلاة الإمام في الثوب النجس لعذر من انحصار أو اضطرار، و المأموم يصلّي في الثوب الطاهر.

و قد يكون في الأفعال، و هذا قد يكون في الهيئات كإمامة القاعد للقائم أو المضطجع للقاعد، و قد يكون في الأذكار، و هذا أيضاً تارة يفرض في القراءة، و أُخرى فيما عداها من سائر الأذكار كالتشهّد أو ذكر الركوع و السجود و نحوهما.

و هذا الضابط ينطبق على جميع الفروع التي ذكرها الماتن (قدس سره). و نتعرّض لكلّ واحد منها بخصوصه.

____________

[1] ائتمام المضطجع بمثله أو بالقاعد محلّ إشكال، بل منع.

356

..........

____________

أمّا إذا كان الاختلاف في الشرائط فلا ينبغي الإشكال في جواز الائتمام لصحّة صلاة الإمام حتّى واقعاً، التي هي المناط في صحّة الاقتداء به و المفروض حصول المتابعة في جميع أفعال الصلاة، و عدم الاختلاف بينها في هيئتها، فلا قصور في شمول إطلاقات الجماعة لمثله. فجواز الائتمام حينئذ مطابق للقاعدة.

مضافاً إلى صحيحة جميل الصريحة في جواز إمامة المتيمّم لغيره، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إمام قوم أصابته جنابة في السفر، و ليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أ يتوضّأ بعضهم و يصلّي بهم؟ قال: لا، و لكن يتيمّم الجنب و يصلّي بهم، فانّ اللّٰه جعل التراب طهوراً» (1)، فانّ المستفاد من التعليل المذكور في ذيلها الاكتفاء في صحّة الاقتداء بصحّة صلاة الإمام واقعاً، فيتعدّى إلى كلّ مورد كان كذلك، بمقتضى عموم العلّة كما لا يخفى.

و لا معارض للصحيحة و ما بمضمونها من الروايات الدالّة على جواز إمامة المتيمّم لغيره عدا موثّقة السكوني الآتية، التي يجمع بينهما بالحمل على الكراهة كما ستعرف. و الظاهر أنّ المسألة متسالم عليها بينهم من غير خلاف يعرف.

و أمّا إذا كان في الأفعال و راجعاً إلى الهيئات فقد ادّعي الإجماع على عدم جواز إمامة الناقص للكامل.

لكنّ الإجماع منقول لا يعتمد عليه، و على تقدير كونه محصّلًا و تحقّق الاتّفاق من الكلّ فمن الجائز أن لا يكون تعبّدياً، لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه الآتية من الروايات أو غيرها. فلا يمكن التعويل عليه، هذا.

و قد استدلّ لعدم الجواز بجملة من الأخبار:

منها: موثّقة السكوني «لا يؤمّ المقيّد المطلقين، و لا صاحب الفالج الأصحّاء و لا صاحب التيمّم المتوضّئين ...» إلخ (2)، بدعوى ظهورها في أنّ علّة المنع هي‌

____________

(1) الوسائل 8: 327/ أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 1.

(2) الوسائل 8: 340/ أبواب صلاة الجماعة ب 22 ح 1.

357

..........

____________

نقصان صلاة الإمام، فيستفاد منها كبرى كلّية، و هي عدم جواز إمامة الناقص للكامل. و الموارد المذكورة فيها من باب المثال لهذه الكلّية، نعم المنع عن إمامة المتيمّم للمتوضئ محمول على الكراهة، جمعاً بينها و بين صحيحة جميل المتقدّمة الصريحة في الجواز.

و نوقش فيها تارة بضعف السند كما عن المحقّق الهمداني (قدس سره) (1) و غيره.

و فيه: أنّ السكوني عامّي موثّق، و النوفلي الراوي عنه و إن لم يوثّق صريحاً لكنّه من رجال كامل الزيارات (2). فالرواية موثّقة عندنا كما وصفناها بها.

و أُخرى: بقصور الدلالة، و هو في محلّه، فإنّ العلّة المذكورة مستنبطة، و إلّا فالرواية في نفسها غير مشتملة على التعليل كي يستفاد منه الكلّية. فلا دليل على التعدّي، و من الجائز اختصاص الحكم بالموارد المذكورة فيها، فمقتضى الجمود على النصّ الاقتصار على مورده كما لا يخفى.

و منها: رواية الشعبي (3) الموافق مضمونها مع الرواية المتقدّمة.

و فيه: مضافاً إلى ضعف سندها أنّها قاصرة الدلالة، لعين ما مرّ.

و منها: مرسلة الصدوق قال «قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) صلّى بأصحابه جالساً فلمّا فرغ قال: لا يؤمّنّ أحدكم بعدي جالساً» (4)، فإنّ إطلاقها و إن اقتضى المنع عن إمامة الجالس لمثله لكن ثبت جوازه بالنصّ، فيتقيد به الإطلاق و يحمل على إمامة الجالس للقائم.

و لكنّها مع جهة الإرسال غير صالحة للاستدلال. مضافاً إلى أنّ أقصاها المنع عن إمامة الجالس للقائم، و أمّا عدم جواز إمامة الناقص للكامل بقول‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 676 السطر 30.

(2) مرّ أنّ التوثيق من أجل كونه من رجال تفسير القمّي دون الكامل، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

(3) الوسائل 8: 340/ أبواب صلاة الجماعة ب 22 ح 3.

(4) الوسائل 8: 345/ أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 1، الفقيه 1: 249/ 1119.

358

..........

____________

مطلق مثل إمامة المضطجع للقائم أو القاعد فلا تكاد تدلّ عليه، بل لم يرد ذلك في شي‌ء من النصوص.

و قد يقال: إنّ هذه النصوص و إن كانت ضعيفة السند لكنّها منجبرة بعمل الأصحاب.

و فيه: أنّ الانجبار ممنوع كبرى كما مرّ غير مرّة، و كذا صغرى، لعدم وضوح استناد الأصحاب إلى هذه الروايات، و من الجائز استنادهم إلى شي‌ء آخر ممّا سنذكره.

و لعلّه من أجل ما ذكرناه أعني ضعف هذه الروايات و عدم تحقّق الإجماع التعبّدي أفتى صاحب الوسائل (قدس سره) بالكراهة، حيث قال: باب كراهة إمامة الجالس القيّام و جواز العكس (1) و إن كان منفرداً في هذا القول، إذ لم ينسب ذلك إلى أحد من الأصحاب، و من هنا طعن عليه صاحب الحدائق بقوله: و من غفلات صاحب الوسائل أنّه تفرّد بالقول بالكراهة (2).

و كيف ما كان، فالأقوى عدم جواز ائتمام الكامل بالناقص مطلقاً، لأصالة عدم المشروعية بعد أن لم يكن إطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الجهة، فإنّ الصلاة جماعة تتضمّن أحكاماً خاصّة من سقوط القراءة، و اغتفار زيادة الركن لأجل المتابعة، و رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر لدى الشكّ. و لا بدّ في ترتيب هذه الأحكام من الجزم بالمشروعية، فمع الشكّ كان المرجع الأدلّة الأوّلية النافية لها، التي مرجعها إلى أصالة عدم المشروعية.

و الوجه في ذلك: ما ذكرناه سابقاً (3) من أنّ الائتمام يتقوّم بالمتابعة، و لا ريب أنّ مفهوم التبعية يستدعي مشاركة التابع مع المتبوع في كلّ فعل يصدر عنه من قيام و قعود و ركوع و سجود، بأن يكون الفعلان من سنخ واحد و بهيئة واحدة. و مجرّد الاشتراك في إطلاق عنوان الركوع مثلًا عليه مع الاختلاف‌

____________

(1) الوسائل 8: 345/ أبواب صلاة الجماعة ب 25.

(2) الحدائق 11: 193.

(3) في موارد منها ما في ص 254.

359

..........

____________

في السنخ و التغاير في الهيئة غير كافٍ في صدق المتابعة عرفاً كما لا يخفى.

و عليه فلو صلّى الإمام جالساً، فإن تابعه المأموم في ذلك و صلّى بتلك الكيفية فقد أخلّ بوظيفته من الصلاة قائماً حسب الفرض، و إلّا فقد أخلّ بالمتابعة في قيامه و ركوعه. فمثلًا عند ما يركع الإمام أو يرفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأُولى و يبقى جالساً لعجزه عن القيام فان تبعه المأموم فقد صنع خلاف وظيفته، و إلّا فقد تخلّف عنه في الأفعال.

و من المعلوم أنّ التخلّف عنه فيها قادح في صدق المتابعة إلّا فيما دلّ الدليل على جوازه كما في المأموم المسبوق بركعة، حيث إنّه يتخلّف في الركعة الثانية له الثالثة للإمام بمقدار التشهّد، ثمّ يلتحق به في القيام، و لم يرد مثل هذا الدليل في المقام كما هو ظاهر.

فان قلت: مقتضى هذا البيان عدم جواز ائتمام الناقص بالكامل أيضاً عكس الصورة المتقدّمة، فلا يجوز ائتمام القاعد بالقائم، بعين التقريب المتقدّم من لزوم الإخلال بالمتابعة لو صلّى قاعداً، و عدم الإتيان بالوظيفة على التقدير الآخر مع أنّه جائز بلا إشكال.

قلت: الفارق بعد الإجماع هو النصّ الدالّ على الجواز في هذه الصورة المقتضي للتخصيص في دليل المتابعة، و هو قوله (عليه السلام) في صحيح علي ابن جعفر: «... فان لم يقدروا على القيام صلّوا جلوساً، و يقوم الإمام أمامهم» (1) فليتأمّل، المؤيّد بخبر أبي البختري: «المريض القاعد عن يمين المصلّي جماعة» (2)، و هو مفقود في المقام.

و معه يرجع إلى أصالة عدم المشروعية بعد الإخلال بمفهوم المتابعة كما عرفت، و إلّا فلولا النصّ كان مقتضى القاعدة عدم الجواز في كلتا الصورتين لاتّحاد المناط.

____________

(1) الوسائل 8: 428/ أبواب صلاة الجماعة ب 73 ح 3.

(2) الوسائل 8: 345/ أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 3.

360

..........

____________

على أنّه يمكن الفرق بينهما ثبوتاً أيضاً، بصدق المتابعة في هذه الصورة دون ما نحن فيه، فانّ مفهوم المتابعة لا يستدعي عرفاً إلّا التبعية بالمقدار الممكن و على حسب قدرة التابع و طاقته، فلا يلزمه الإتيان إلّا بالمقدار الميسور ممّا يفعله المتبوع.

و عليه فحيث إنّ المأموم عاجز عن الصلاة قائماً فيكفي في صدق المتابعة عرفاً الإتيان بما يحسنه من الأفعال على حسب طاقته، و هذا بخلاف العكس أعني ائتمام القائم بالقاعد فإنّه متمكّن من متابعة الإمام في القعود و الصلاة جالساً، فان فعل كذلك فقد ارتكب ما هو خلاف وظيفته، و إلّا فقد أخلّ بالمتابعة كما عرفت.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في ائتمام القاعد بالمضطجع أو القائم به، و أنّه لا يجوز لعين ما مرّ حرفاً بحرف، فلا نعيد.

و كذا الحال في عكسه أعني ائتمام المضطجع بمن يصلّي جالساً أو قائماً للإخلال بالمتابعة بعد الاختلاف في الهيئة الصلاتية. و ما ذكرناه آنفاً من الفرق الثبوتي غير مجدٍ هنا بعد عدم مساعدة الدليل في مقام الإثبات، إذ لم يرد هنا نصّ بالخصوص كما ثبت هناك أعني في ائتمام الجالس بالقائم و قد عرفت أنّ مقتضى الأصل عدم مشروعية الجماعة لدى الشكّ فيها.

و منه تعرف عدم جواز ائتمام المضطجع بمثله، فإنّهما و إن كانا متوافقين في الهيئة الصلاتية لكن الدليل قاصر عن إثبات المشروعية في مثل ذلك، إذ لم يرد فيه نصّ خاصّ، و لا إطلاقَ في أدلّة الجماعة بالإضافة إلى حالات المصلّي من الصلاة قائماً أو جالساً أو مضطجعاً، بل هي منصرفة إلى ما هو المتعارف من الصلاة الاختيارية لكلّ من الإمام و المأموم، مثل ما ورد فيها من أنّ المأموم الواحد يقف على يمين الإمام إن كان رجلًا، و خلفه إن كان امرأة، و نحو ذلك من موارد تلك الإطلاقات، فإنّها منصرفة إلى المتعارف كما ذكرنا، و أمّا الصلاة الاضطرارية العذريّة لأحدهما أو كليهما فهي خارجة عن منصرف تلك النصوص.

361

..........

____________

و منه يظهر ما في دعوى صاحب الجواهر من عدم الإشكال في جواز ائتمام كلّ مساوٍ بمساويه في النقص و الكمال (1)، فإنّه في حيّز المنع في ائتمام المضطجع بمثله، لما عرفت من عدم النصّ الخاصّ، و قصور الإطلاقات عن الشمول لمثله و مقتضى الأصل عدم المشروعية.

نعم، لا مانع من ائتمام الجالس بمثله، لقيام النصّ على الجواز، و هو ما ورد في كيفية صلاة العراة كصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «عن قوم صلّوا جماعة و هم عراة، قال (عليه السلام): يتقدّمهم الإمام بركبتيه، و يصلّي بهم جلوساً و هو جالس» (2)، و نحوه غيره.

و المتلخّص من جميع ما ذكرناه: عدم جواز الائتمام لدى الاختلاف في الهيئة الصلاتية من حيث النقص و الكمال، فلا يجوز ائتمام الكامل بالناقص و لا عكسه، ما عدا صورة واحدة و هي ائتمام القاعد بالقائم. و كذا مع الاتّحاد في النقص إلّا في ائتمام الجالس بمثله، لقيام الدليل على الجواز في الموردين المزبورين، فيبقى ما عداهما من بقيّة الصور العارية عن النصّ تحت أصالة عدم المشروعية، بعد عدم الإطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الجهة حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما إذا كان الاختلاف في أفعال الصلاة و هيئتها.

و أمّا إذا اختلفا في الأذكار: فقد عرفت أنّ ذلك قد يكون في القراءة التي يتحمّلها الإمام، و قد يكون فيما عداها من سائر الأذكار كالتشهّد و ذكر الركوع و السجود و نحوها.

أمّا في غير القراءة كما لو كانت آفة في لسان الإمام لا يتمكّن معها من أداء الشين في التشهّد على وجهه، و يبدله بالسين كما اتّفق لبلال، فلا ينبغي الإشكال في جواز الائتمام، لصحّة صلاة الإمام حينئذ حتّى واقعاً.

____________

(1) الجواهر 13: 330.

(2) الوسائل 4: 450/ أبواب لباس المصلي ب 51 ح 1.

362

..........

____________

و من الواضح عدم التحمّل في الأذكار، و أنّ المأموم هو الذي يأتي بوظيفته منها، سواء أتى الإمام بها أم كان معذوراً فيها. فلا ائتمام بالإضافة إليها فلا مانع من صحّة الاقتداء بوجه، إذ حال الاختلاف من هذه الجهة حال الاختلاف في الشرائط كالوضوء و التيمّم ممّا لا يوجب الاختلاف في الهيئة الصلاتية، و قد عرفت فيما مرّ (1) عدم الإشكال في جواز الائتمام حينئذ.

و أمّا في القراءة فهل يصحّ الاقتداء بمن لا يحسنها إمّا لعدم أداء الحرف من مخرجه، أو لحذفه، أو لإبداله بحرف آخر كمن يبدل الضاد بالزاء في مثل «وَ لَا الضّٰالِّينَ» أو الراء بالياء في مثل «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» و نحو ذلك؟

الظاهر عدم الصحّة كما عليه المشهور، بل ادّعي عليه الإجماع، إذ لا يخلو إمّا أن يجتزئ المأموم بقراءة الإمام، أو يأتي بنفسه بالمقدار الذي لا يحسنه.

لا سبيل إلى الأوّل بعد فرض الخلل في قراءة الإمام و إن كان معذوراً فيه لمكان العجز، إذ المعذورية لا تستدعي إلّا الاجتزاء بها عن نفسه لا عن المأموم، و من المعلوم اختصاص أدلّة الضمان بالقراءة الصحيحة، فهي منصرفة عن المقام.

و على الجملة: دليل التحمّل لا يقتضي سقوط القراءة عن المأموم رأساً، بل مفاده كما مرّ (2) الاجتزاء في مرحلة الامتثال بقراءة الإمام و إيكالها إليه، و كأنّ قراءتَه قراءتُه، فلا بدّ إمّا من الإتيان بها بنفسه بأن يصلّي فرادى، أو ببدله بأن يكِلها إلى الإمام، و المفروض بطلان قراءة الإمام لو صدرت عن المأموم لقدرته على الإتيان بها صحيحة، و إن صحّت عن الإمام العاجز، فوجودها بالإضافة إلى المأموم كالعدم. فلم تتحقّق لا بنفسها و لا ببدلها، فلا يمكن الاجتزاء بقراءة الإمام.

و أمّا الثاني أعني الإتيان بنفسه-: فهو أيضاً غير صحيح، إذ المستفاد من‌

____________

(1) في ص 355.

(2) في ص 306.

363

..........

____________

أدلّة الجماعة الملازمة بين صحّتها و بين تحمّل الإمام و إيكال القراءة بتمامها إليه و لم يعهد من الشرع جماعة تجب فيها القراءة كلّاً أو بعضاً على المأموم في الأولتين للإمام، بحيث لا يتحمّل عنه فيهما. و مع الشكّ كان المرجع أصالة عدم المشروعية.

و هل اللحن في الإعراب و إن كان لعدم استطاعته على الصحيح يلحق بما ذكر؟ اختار في المبسوط العدم، فجوّز إمامة الملحن للمتقن، سواء غيّر المعنى أم لا (1). و عن السرائر الجواز فيما إذا لم يغيّر المعنى (2).

و الأقوى عدم الجواز مطلقاً، فيلحق اللحن بما سبق، فإنّ القراءة الملحونة و إن لم تغيّر المعنى ليست من القرآن في شي‌ء، إذ الذي نزل من السماء على قلب خاتم الأنبياء (صلى اللّٰه عليه و آله) إنّما هي القراءة الصحيحة الخالية عن اللحن، و هي المأمور بها في الصلاة، فالإخلال بها و إن كان عن عذر يمنع عن صحّة الاقتداء، إذ غاية ما يترتّب على العجز معذوريته، لا صحة تحمّله كما عرفت. فالمسألتان من واد واحد.

و المتلخّص من جميع ما سردناه لحدّ الآن: أنّ الاختلاف بين الناقص و الكامل إن كان في الشرائط كإمامة المتيمّم للمتوضّئ، أو ذي الجبيرة لغيره أو مستصحب النجاسة في ثوبه أو بدنه من جهة العذر لغيره، أو المسلوس و المبطون لغيرهما، أو المستحاضة حتّى الكبيرة مع العمل بوظيفتها للطاهرة ففي جميع ذلك يصحّ الائتمام، لصحّة صلاة الإمام واقعاً، و عدم الإخلال بالمتابعة في الأفعال بعد الاتّحاد في الهيئة الصلاتية.

و قد عرفت أنّ النصوص دلّت على جواز إمامة المتيمّم للمتوضّئ، و لا سيما التعليل الوارد في ذيل صحيحة جميل، المستفاد منه كبرى كلّية، و هي الاكتفاء في صحّة الاقتداء بصحّة صلاة الإمام واقعاً، فيتعدّى إلى الاختلاف في سائر‌

____________

(1) المبسوط 1: 153.

(2) السرائر 1: 281.

364

..........

____________

الشرائط، لما مرّ. نعم يعارضها موثّقة السكوني المانعة من إمامة المتيمّم لغيره المحمولة على الكراهة جمعاً.

و إن كان في الأفعال فلا يجوز الائتمام إلّا في القاعد بالقائم أو بمثله، لأصالة عدم المشروعية بعد فقد النصّ في غيرهما، و عدم إطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الجهة، مضافاً إلى الإخلال بالمتابعة لدى الاختلاف في الهيئة كما مرّ.

و إن كان في الأذكار التي لا يتحمّلها الإمام كالتشهّد و التسبيحات في الركعتين الأخيرتين و ذكر الركوع و نحوها، فلا ينبغي الكلام في صحّة الائتمام إذ لا متابعة و لا تحمّل في مثلها، كما لا خلل في التبعية للهيئة الصلاتية. فحكمها حكم الاختلاف في الشرائط، غير القادح في صحّة الاقتداء كما عرفت.

و منه تعرف جواز الائتمام في الركعة الثالثة حتّى بمن لا يحسن القراءة، إذ لا تحمّل حينئذ كما مرّ سابقاً، و المفروض صحّة صلاة الإمام واقعاً، و القراءة في عهدة المأموم نفسه. فلا مانع من الاقتداء.

و إن كان في القراءة التي يتحمّلها الإمام لم يجز الائتمام، سواء أ كان لعدم إخراج الحرف عن مخرجه، أو لإبداله بآخر، أو للحن في الإعراب مغيّرٍ للمعنى أو غير مغيّر، فإنّ المأموم مكلّف بالقراءة، غير أنّه لا يباشرها بنفسه و يكِلها إلى الإمام، و يجتزي بقراءته عن القراءة الصحيحة المكلّف هو بها بمقتضى أدلّة الضمان، و المفروض أنّ قراءة الإمام ليست قراءة صحيحة، و غاية ما يترتّب على معذوريته اجتزاؤه بها عن قراءة نفسه، لا عن قراءة المأموم. فوجودها بالإضافة إليه كالعدم، فليس له الاجتزاء بها.

كما ليس له الإتيان بالآية التي لا يحسنها الإمام، للملازمة بين صحّة الجماعة و بين التحمّل التام، إذ لم يعهد من الشرع جماعة لا تحمّل فيها، فلا يمكن الحكم بصحّة الائتمام و وجوب القراءة على المأموم.

و من جميع ما ذكرنا يظهر الحال في المسألة الأُولى و الثانية و الثالثة التي ذكرها الماتن (قدس سره) فلا حاجة إلى التعرّض إليها بخصوصها فلاحظ.

365

[مسألة 4: لا تجوز إمامة من لا يحسن القراءة لمثله إذا اختلفا في المحلّ الذي لم يحسناه]

[1964] [مسألة 4: لا تجوز إمامة من لا يحسن القراءة لمثله إذا اختلفا في المحلّ الذي لم يحسناه، و أمّا إذا اتّحدا في المحلّ فلا يبعد الجواز، و إن كان الأحوط العدم، بل لا يترك الاحتياط مع وجود الإمام المحسن [1]، و كذا لا يبعد جواز إمامة غير المحسن لمثله [2] مع اختلاف المحلّ أيضاً إذا نوى الانفراد عند محلّ الاختلاف، فيقرأ لنفسه بقيّة القراءة، لكن الأحوط العدم، بل لا يترك مع وجود المحسن في هذه الصورة أيضاً (1).

____________

(1) لم يستبعد (قدس سره) جواز الائتمام مع الاتّحاد في المحلّ الذي لم يحسناه، كما لو كان كلّ منهما يبدل الراء بالياء في الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و لعلّه من أجل أنّ قراءة المأموم لا تزيد على قراءة الإمام حينئذ بشي‌ء، فلا مانع من الائتمام، بل لم يستبعد الجواز مع الخلاف في المحلّ أيضاً بشرط الانفراد عند محلّ الاختلاف، فيقرأ لنفسه بقيّة القراءة.

أقول: أمّا مع الاتّحاد فان كان هناك قطع خارجي و لم يتحصّل لنا على جواز الائتمام فلا كلام، و إلّا فإثباته بحسب الصناعة مشكل جدّاً، إذ لو كنّا نحن و مقتضى الأدلّة الأوّلية لحكمنا بسقوط الصلاة رأساً لدى العجز عن القراءة كلّاً أو بعضاً، إذ العجز عن الجزء عجز عن الكلّ، فينتفي الأمر المتعلّق بالمركّب بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء.

لكنّا علمنا من الخارج أنّ الأمر ليس كذلك في باب الصلاة، و أنّ المعذور في بعض الأجزاء يلزمه الإتيان بما يتمكّن و يحسن، لا بدليل أنّ الصلاة لا تسقط بحال فحسب، بل من جهة ما ورد في من لا يحسن القراءة لكونه جديد العهد بالإسلام من أنّه يأتي بما تيسّر له منها، و أنّه يجتزئ بقراءته و إن كانت مغلوطة‌

____________

[1] بل مع عدمه أيضاً.

[2] بل هو بعيد جدّاً.

366

..........

____________

ملحونة عن القراءة الصحيحة، كصحيحة ابن سنان و غيرها ممّا تقدّمت في محلّها (1).

فقد ثبت في حقّ العاجز بمقتضى الدليل الثانوي و إن كان على خلاف القاعدة الأوّلية قيام الناقص مقام الكامل و بدليّته عنه. و من المعلوم أنّ هذا مشترك بين الإمام و المأموم بعد فرض عجزهما معاً. فكلّ واحد منهما مكلّف بالمقدار الذي يحسن، و أنّه يجتزئ بهذه القراءة الناقصة عن الصحيحة الكاملة الثابتة في حقّه، و أمّا الاجتزاء بها عن الصحيح الثابت في حقّ الغير فيحتاج إلى دليل مفقود.

و بالجملة: غاية ما ثبت بدليل البدليّة إجزاء الناقص من كلّ شخص عن كامل نفسه، و أمّا إجزاؤه عن كامل غيره فلا دليل عليه، و مقتضى الأصل عدم الإجزاء، فلا يمكن القول بأنّ الناقص من الإمام يقوم مقام الكامل المطلوب من المأموم كي يصحّ الائتمام، نعم يقوم مقام الكامل عن نفس الإمام كما عرفت. فجواز الائتمام حتّى مع الاتّحاد في المحلّ مشكل، فضلًا عن الاختلاف.

و أمّا القطع الخارجي بجواز اقتداء كلّ مساوٍ بمساويه فلم نتحقّقه و إن ادّعاه صاحب الجواهر (قدس سره) (2) و عهدته على مدّعيه بعد عدم مساعدة الأدلّة عليه، فانّ المأموم و إن كان لا يزيد على الإمام بشي‌ء لكن لم تثبت بدليّة قراءة الإمام عن قراءته.

و أمّا مع الاختلاف: فقد ظهر حكمه ممّا مرّ. و ما أفاده (قدس سره) من جواز الائتمام حينئذ إذا نوى الانفراد عند محلّ الاختلاف فهو مبني على أمرين:

أحدهما: دعوى شمول أدلّة الجماعة لمثل المقام و نحوه ممّا لا يتمكّن المكلّف من إتمام صلاته جماعة، لنقص في الإمام و نحوه.

و هذا لم يثبت إلّا في بعض الموارد كالاختلاف من حيث القصر و التمام، أو‌

____________

(1) شرح العروة 14: 416.

(2) الجواهر 13: 330.

367

..........

____________

عروض عارض للإمام من موت أو حدث و نحو ذلك ممّا مرّ في محلّه (1)، و أمّا ما عدا ذلك و منه المقام فلم يتمّ دليل على جواز الائتمام و مشروعية الجماعة كما لا يخفى.

ثانيهما: جواز الدخول في الجماعة مع البناء من الأوّل على الانفراد في الأثناء. و هذا أيضاً غير ثابت، بل غير جائز، إذ كيف يتعلّق القصد إلى الجماعة مع هذا البناء من الابتداء كما مرّ (2). و سيأتي تفصيله إن شاء اللّٰه تعالى (3). فما أفاده (قدس سره) من الجواز بشرط الانفراد لا يمكن المساعدة عليه.

و على كلّ تقدير أي سواء أقلنا بالجواز أم لا، مع الاتّحاد أو مع الاختلاف فلا فرق في ذلك بين وجود الإمام المحسن و عدمه، و إن ذكر في المتن أنّ الاحتياط لا يترك مع وجوده، إذ وجوده و عدمه سيّان من هذه الجهة بعد فرض عدم وجوب الجماعة حتّى مع عجز المأموم عن القراءة كما اعترف (قدس سره) به في أوائل فصل الجماعة (4).

و قلنا هناك: إنّ الجماعة مستحبّة مطلقاً و إن كان المأموم عاجزاً و الإمام المحسن موجوداً، لأنّ للصلاة الصحيحة بدلين عرضيين، الجماعة و القراءة الناقصة، فلا يتعيّن أحدهما مع التمكّن من الآخر.

فإذا لم يكن الحضور للجماعة واجباً في حدّ نفسه فلا فرق إذن في الحكم المزبور بين وجود الإمام المحسن و عدمه، فان قلنا بصحّة الائتمام صحّ مطلقاً و إلّا فسد مطلقاً.

و المتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ من لا يحسن القراءة لا تجوز إمامته، سواء أ كان المأموم محسناً أو مثله، اتّحدا في المحلّ أم اختلفا، كان هناك إمام آخر محسن أم لم يكن.

____________

(1) في ص 74 و ما بعدها.

(2) في ص 86.

(3) [لكن لن يأتي حسب مراجعتنا، نعم أشار إلى ذلك إشارة خاطفة في ص 410].

(4) في ص 16 المسألة [1868].

368

[مسألة 5: يجوز الاقتداء بمن لا يتمكّن من كمال الإفصاح بالحروف أو كمال التأدية]

[1965] مسألة 5: يجوز الاقتداء بمن لا يتمكّن من كمال الإفصاح بالحروف أو كمال التأدية إذا كان متمكّناً من القدر الواجب فيها، و إن كان المأموم أفصح منه (1).

[مسألة 6: لا يجب على غير المحسن الائتمام بمن هو محسن]

[1966] مسألة 6: لا يجب على غير المحسن الائتمام بمن هو محسن (2) و إن كان هو الأحوط، نعم يجب ذلك على القادر على التعلّم إذا ضاق الوقت عنه كما مرّ سابقاً.

[مسألة 7: لا يجوز إمامة الأخرس لغيره و إن كان ممّن لا يحسن]

[1967] مسألة 7: لا يجوز إمامة الأخرس لغيره و إن كان ممّن لا يحسن، نعم يجوز إمامته لمثله [1] (3) و إن كان الأحوط الترك خصوصاً مع وجود غيره، بل لا يترك الاحتياط في هذه الصورة.

____________

نعم، لا يعتبر في الإمام أن تكون قراءته فصيحة بعد أن كانت صحيحة و مشتملة على المقدار الواجب من تأدية الحروف و إن كانت فاقدة لمحسّنات القراءة من كمال الإفصاح بالحروف، أو كمال التأدية و كونها بالمرتبة العالية. فيجوز الائتمام به و إن كان المأموم أفصح منه، إذ المدار في الجواز على صحّة قراءة الإمام لا على فصاحتها كما تعرّض الماتن (قدس سره) لذلك في المسألة الآتية.

(1) قد ظهر الحال فيها ممّا ذكرناه آنفاً، فلا نعيد.

(2) كما أشرنا إليه آنفاً و تقدّم الكلام حول ذلك مستقصى في أوائل فصل الجماعة، فلاحظ إن شئت (1).

(3) بل قد ظهر ممّا مرّ (2) عدم جواز إمامته حتّى لمثله، لعدم إجزاء الناقص من كلّ شخص إلّا عن كامل نفسه، لا عن كامل غيره. فلا دليل على اجتزاء‌

____________

[1] فيه إشكال، و الاحتياط لا يترك.

____________

(1) ص 16 و ما بعدها.

(2) في ص 365 366.

369

[مسألة 8: يجوز إمامة المرأة لمثلها]

[1968] مسألة 8: يجوز إمامة المرأة لمثلها (1)، و لا يجوز للرجل و لا للخنثى.

[مسألة 9: يجوز إمامة الخنثى للأُنثى دون الرجل]

[1969] مسألة 9: يجوز إمامة الخنثى للأُنثى دون الرجل، بل و دون الخنثى (2).

____________

المأموم بناقص قراءة الإمام، و معلوم أنّ أدلّة الضمان منصرفة إلى القراءة الكاملة الاختيارية، فلا تشمل المقام.

بل لو بنينا على جواز الإمامة فيما مرّ، بدعوى إجزاء القراءة الناقصة عن الكاملة و لو بالإضافة إلى الغير، لا نقول به في الأخرس، إذ هو لا يتمكّن من القراءة أصلًا، لا كاملها و لا ناقصها، و إنّما يشير إليها.

و من المعلوم أنّ هذه الإشارة إنّما تجزي عن قراءة نفسه و تكون بدلًا عنها و لا دليل بوجه على إجزاء الإشارة عن قراءة غيره. فما ذكره في المتن من التفرقة بين إمامته لمثله أو لغيره بالالتزام بالجواز في الأوّل لا وجه له لاشتراكهما في مناط المنع حسبما عرفت. و دعوى جواز إمامة كلّ مساوٍ لمساويه قد تقدّم ضعفها. فلاحظ.

(1) مرّ البحث حول ذلك في أوائل الفصل (1) عند التكلّم عن اشتراط ذكورة الإمام و عرفت أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار جواز إمامة المرأة لمثلها على كراهة، كما عرفت هناك عدم جواز إمامتها للرجل، و منه تعرف عدم جواز إمامتها للخنثى، لاحتمال كونها رجلًا.

(2) لا ريب في عدم جواز إمامة الخنثى للرجل، لاحتمال كونها أُنثى و لا تصحّ إمامتها للرجل. كما لا ريب في عدم جواز إمامتها لمثلها، لاحتمال كون الإمام أُنثى و المأموم رجلًا.

إنّما الكلام في إمامة الخنثى للأُنثى، و هذا أيضاً لا إشكال فيه من ناحية الإمام، لأنّه إمّا رجل أو أُنثى، و على التقديرين تجوز إمامته للأُنثى.

لكن الإشكال ينشأ من ناحية الموقف، بناءً على ما ذكرناه سابقاً (2) من‌

____________

(1) في ص 349.

(2) في ص 164 و ما بعدها.

370

[مسألة 10: يجوز إمامة غير البالغ لغير البالغ]

[1970] مسألة 10: يجوز إمامة غير البالغ لغير البالغ [1] (1).

____________

وجوب وقوف المأموم الواحد بحيال الإمام إن كان رجلًا، و خلفه إن كان امرأة، هذا إذا كان الإمام رجلًا. و أمّا إذا كان امرأة فلا تتقدّم على المأموم، بل تقف وسطهنّ كما في النصّ (1).

و عليه فيتّجه الإشكال هنا في موقف الأُنثى، فإنّ الإمام إن كان رجلًا وجب عليها أن تقف خلفه، و إن كان امرأة وجب الوقوف بجانبها، لعدم جواز تقدّم الإمام عليها حينئذ كما عرفت. فمن أجل العلم الإجمالي بوجوب أحد الموقفين يشكل اقتداؤها بالخنثى، إذ الاحتمال في كلّ من الطرفين منجّز كما لا يخفى.

(1) تقدّم في أوّل الفصل (2) أنّ مقتضى بعض النصوص و إن كان جواز إمامة غير البالغ لكنّها معارضة بما دلّ صريحاً على المنع، و أنّه لا يؤمّ حتّى يحتلم و الجمع بحمل الأوّل على إمامته لمثله، و الثاني على إمامته للبالغين تبرّعي لا شاهد عليه، بل تأباه ألسنة النصوص كما مرّ. فبعد التعارض و التساقط يرجع إلى أصالة عدم المشروعية حتّى لمثله.

و أمّا ما ورد من قوله (عليه السلام): مروهم بالصلاة و الصيام (3) فواضح أنّه ناظر إلى أصل الصلاة، و لم يلحظ خصوصيتها من كونها جماعة كي يثبت بذلك مشروعيتها لمثله، بحيث يترتّب أحكامها من سقوط القراءة، و اغتفار زيادة الركن، و الرجوع لدى الشكّ.

فالأقوى عدم المشروعية، نعم لا بأس بتشكيل صورة الجماعة بعنوان‌

____________

[1] فيه إشكال، نعم لا بأس بها تمريناً.

____________

(1) المتقدّم في ص 350.

(2) في ص 337.

(3) الوسائل 4: 19/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 3 ح 5، 10: 234/ أبواب من يصحّ منه الصوم ب 29 ح 3.

371

[مسألة 11: الأحوط عدم إمامة الأجذم و الأبرص و المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة]

[1971] [مسألة 11: الأحوط عدم إمامة الأجذم و الأبرص و المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة، و الأعرابي إلّا لأمثالهم، بل مطلقاً، و إن كان الأقوى الجواز في الجميع [1] مطلقا (1).

____________

التمرين كما نبّه عليه الأُستاذ (دام ظله) في التعليقة، فتكون أصل الصلاة شرعية و جماعتها تمرينية.

(1) حكم (قدس سره) بجواز إمامة الطوائف الأربع أعني الأجذم و الأبرص، و المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة، و الأعرابي و إن كان الأحوط عدم إمامتهم إلّا لأمثالهم، بل مطلقاً.

فنقول: أمّا الأجذم و الأبرص فقد وردت عدّة روايات تضمّنت المنع عن إمامتهما و لو لأمثالهما بمقتضى الإطلاق.

منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه قال: خمسة لا يؤمّون الناس و لا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة: الأبرص و المجذوم ...» إلخ (1).

لكنّها ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق إلى ابن مسلم (2) و إن عبّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد كالمحقّق الهمداني (3) و غيره (4)، اغتراراً بظاهر من وقع في السند من الصدوق الذي هو من أجلّاء الأصحاب، و ابن مسلم الذي هو من أعاظم الرواة، بل من أصحاب الإجماع، غفلة من إمعان النظر في الطريق الواقع بينهما و ضعفه، و قد وقع هذا الاشتباه منهم في نظير هذا السند كثيراً، و العصمة لأهلها.

____________

[1] لا يترك الاحتياط بترك الائتمام بالمحدود و بالأعرابي.

____________

(1) الوسائل 8: 324/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 3، الفقيه 1: 247/ 1105.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 6.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 676 السطر 5.

(4) كالمحدّث البحراني في الحدائق 11: 91.

372

..........

____________

و منها: صحيحة أبي بصير: «خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال: المجذوم و الأبرص ...» إلخ (1). و هي قويّة السند، ظاهرة الدلالة، كصحيحة زرارة: «لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم و الأبرص ...» إلخ (2).

و بإزائها روايتان: إحداهما: رواية عبد اللّٰه بن يزيد: «عن المجذوم و الأبرص يؤمّان المسلمين؟ قال: نعم، قلت: هل يبتلي اللّٰه بهما المؤمن؟ قال: نعم، و هل كتب اللّٰه البلاء إلّا على المؤمن» (3). لكنّها ضعيفة السند من أجل عبد اللّٰه بن يزيد، فإنّه مهمل في كتب الرجال.

ثانيتهما: ما رواه البرقي في المحاسن بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن المجذوم و الأبرص منّا أ يؤمّان المسلمين؟ قال: نعم ...» إلخ (4).

قال المحقّق الهمداني (قدس سره) عند التعرّض للروايتين: و ضعف سندهما منجبر بعمل المشهور (5).

أقول: لا نرى أيّ ضعف في الرواية الثانية كي يدّعى انجبارها بالعمل، فإنّ البرقي معاصر ليعقوب بن يزيد، فهو يرويها عن نفسه بلا واسطة، إلّا أن يكون نظره (قدس سره) إلى الحسين بن أبي العلاء الخفاف. لكن النجاشي قال عند التعرّض له و لأخويه ما لفظه: روى الجميع عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و كان الحسين أوجههم (6). فالرجل ممدوح، فغاية ما هناك أن تكون الرواية حسنة لا موثّقة، بل هي في أعلى درجات الحسن كما لا يخفى. على أنّه من رجال تفسير القمّي، و من عداه من رجال السند كلّهم أعيان أجلّاء. إذن فالرواية معتبرة في نفسها من غير حاجة إلى دعوى الانجبار.

____________

(1) الوسائل 8: 325/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5، 6.

(2) الوسائل 8: 325/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5، 6.

(3) الوسائل 8: 323/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 1.

(4) الوسائل 8: 324/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 4، المحاسن 2: 49/ 1147.

(5) مصباح الفقيه (الصلاة): 687 السطر 16.

(6) رجال النجاشي: 52/ 117.

373

..........

____________

و كيف ما كان، فمقتضى الجمع بينها و بين الروايات المتقدّمة المانعة هو الحمل على الكراهة (1) و المرجوحية. فالأقوى جواز إمامتهما لمثلهما و غيرهما على كراهة.

و أمّا المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة فقد ورد المنع عن إمامته في جملة من النصوص، عمدتها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون و المحدود و ولد الزنا، و الأعرابي لا يؤم المهاجرين» (2). و ما عداها من الروايات كرواية ابن مسلم (3) و رواية الأصبغ (4) ضعيفة لا تصلح إلّا للتأييد.

و مقتضى الإطلاق في هذه الروايات عدم الفرق في المنع بين إمامته لمثله أو لغيره، إذ ليس فيها إشعار فضلًا عن الدلالة على الاختصاص بالثاني. فما أفاده في المتن من التفرقة بينهما و أنّ الأحوط عدم إمامته إلّا لمثله غير ظاهر الوجه.

و كيف ما كان، فرواية زرارة صحيحة السند، ظاهرة الدلالة، كدلالة غيرها من بقيّة النصوص المؤيّدة لها، فانّ ظاهر النهي التحريم الوضعي المساوق لبطلان الجماعة.

و مع ذلك فقد ذهب غير واحد منهم الماتن و صاحب الجواهر (5) إلى الجواز و حملوا النهي على الكراهة، باعتبار معارضتها للروايات الدالّة على جواز الصلاة خلف كلّ من يوثق بدينه (6) فحملوا النهي على الكراهة جمعاً.

و لكنّه لا يتمّ، أمّا أوّلًا: فلأنّ النسبة بين الصحيحة و تلك الروايات و إن‌

____________

(1) لعلّ لسان صحيحة أبي بصير يأبى عن الحمل على الكراهة.

(2) الوسائل 8: 325/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6.

(3) الوسائل 8: 324/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 3.

(4) الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6.

(5) الجواهر 13: 383.

(6) الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2، 319/ ب 12 ح 1 و غيرهما.

374

..........

____________

كانت هي العموم من وجه، فانّ المحدود يعمّ من تاب فصار عادلًا يوثق بدينه و من لم يتب، كما أنّ تلك الروايات تعمّ المحدود التائب و غير المحدود فيتعارضان في المحدود بعد ما تاب.

لكن لا بدّ من تقديم الصحيحة عليها لمرجّح فيها، و هو ما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مراراً، من أنّ في موارد التعارض بالعموم من وجه إذا لزم من تقديم أحد الدليلين إلغاء العنوان المذكور في الآخر بالكلّية تعيّن الآخر في الترجيح، و ذكرنا لهذا الضابط موارد:

منها: الروايات الدالّة على اعتصام الجاري إذا كانت له مادّة (1) المعارضة بمفهوم قوله (عليه السلام): إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‌ء (2) بالعموم من وجه، إذ مقتضى الإطلاق في الأوّل عدم الفرق بين القليل و الكثير، كما أنّ مقتضى إطلاق الثاني عدم الفرق بين الجاري و غيره، فيتعارضان في مادّة الاجتماع، و هي القليل الجاري الذي له مادّة، فإنّ مقتضى الأوّل الاعتصام و مقتضى الثاني الانفعال.

لكن لا محذور في تقديم الأوّل، إذ غايته تقييد المفهوم و اختصاصه بالقليل غير الجاري، و هذا بخلاف العكس، إذ لو قدّم الثاني و حكم بانفعال القليل و إن كان جارياً لزم إلغاء عنوان الجاري المذكور في تلك الروايات بالكلّية، إذ لم يبق تحتها إلّا الكثير المعتصم في حدّ نفسه و بعنوان الكثرة، فلم تبق لصفة الجريان خصوصية أبداً، و يكون ذكرها لغواً محضاً. فحذراً عن هذا المحذور يتعيّن الأوّل في الترجيح.

و منها: ما ورد من أنّ كلّ طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله و خرئه (3) المعارض مع قوله: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (4) بالعموم من‌

____________

(1) الوسائل 1: 143/ أبواب الماء المطلق ب 5 ح 4 و غيره.

(2) الوسائل 1: 158/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1، 2، 5 و غيرها.

(3) الوسائل 3: 412/ أبواب النجاسات ب 10 ح 1.

(4) الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

375

..........

____________

وجه، إذ مقتضى الإطلاق في الأوّل عدم الفرق في الطائر بين مأكول اللّحم و غيره، كما أنّ مقتضى الإطلاق في الثاني عدم الفرق فيما لا يؤكل بين الطائر و غيره، فيتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه.

لكن لا محذور في تقديم الأوّل، إذ غايته ارتكاب التقييد في الثاني، و حمله على غير الطائر من أفراد ما لا يؤكل، و هذا بخلاف العكس، إذ لو قدّمنا الثاني و حكمنا بنجاسة بول ما لا يؤكل من الطائر و غيره لزم إلغاء وصف الطيران و هدم هذا العنوان المأخوذ في لسان الدليل الأوّل، إذ عليه لم يبق فرق في طهارة بول مأكول اللحم بين الطائر و غيره.

و المقام من هذا القبيل، فانّ من الواضح أنّ ظاهر الصحيحة أنّ المحدود بعنوان كونه محدوداً موضوع للمنع، لا من جهة كونه فاسقاً. و عليه فلو قدّمناها على ما ورد من قوله (عليه السلام): «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» (1) لا محذور فيه عدا ارتكاب التخصيص، و الالتزام بجواز الصلاة خلف كلّ عادل إلّا المحدود.

و هذا بخلاف العكس، إذ لازم تقديم الثاني إلغاء عنوان المحدود عن موضوعيته للمنع بالكلّية، إذ لا فرق بينه و بين غير المحدود في عدم جواز الصلاة خلفه إذا لم يوثق بدينه، فلا مناص من تقديم الصحيحة كي لا يلزم المحذور المزبور. و نتيجة ذلك حمل المحدود المذكور في الصحيحة على ما بعد التوبة، تحفّظاً على استقلال عنوان المحدودية في المانعية فيحكم بأنّ مجرّد المحدودية مانع عن الإمامة إلى الأبد و إن تاب و صار عادلًا.

و لا يقاس ذلك بمثل قوله: لا تصلّ خلف شارب الخمر (2)، بداهة أنّ الظاهر من شارب الخمر هو الممارس لشربها فعلًا، و مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع أنّ علّة النهي هو فسقه، و لا ظهور له في من شرب و لو مرة واحدة ثمّ تاب، أو‌

____________

(1) الوسائل 8: 309/ أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2.

(2) الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6، (نقل بالمضمون).

376

..........

____________

شرب عن عذر. و هذا بخلاف المحدود، فإنّه ظاهر في من اجري عليه الحدّ في زمان ما و إن تاب بعده.

و أمّا ثانياً: فمع الغضّ عمّا ذكرناه غاية ما هناك تعارض الدليلين بالعموم من وجه و تساقطهما، فيرجع حينئذ إلى أصالة عدم المشروعية. و لا مجال للجمع بالحمل على الكراهة في مثل ذلك كما لا يخفى. فيلتزم بأنّ المحدود في زمان ممنوع عن الإمامة دائماً، لمثله و لغيره، و إن تاب و أصبح عادلًا.

و لا بُعد في ذلك، فإنّ المحدودية منقصة شرعية تسقطه عن الأنظار و يوصف صاحبها بالعيب و العار، و لا كرامة له في أعين الناس، و لا يرضى الشارع بتصدّي من هذا شأنه لمنصب الإمامة و زعامة الجماعة.

فهو من هذه الجهة نظير ابن الزنا، الممنوع عن إشغال هذا المنصب و إن كان في غاية الورع و التقى، لاشتراكهما في النقص، غايته أنّ النقص فيه طبيعي ذاتي و في المقام لسبب اختياري، و هذا لا يكون فارقاً في مناط المنع.

و أمّا الأعرابي: فالمنسوب إلى جماعة من القدماء المنع عن إمامته مطلقاً، بل عن بعض نفي الخلاف فيه إلّا من الحلّي (1). و المشهور بين المتأخّرين الكراهة، و فصّل بعضهم بين إمامته لمثله فيجوز و لغيره فلا يجوز، و هذا هو الأظهر كما ستعرف.

و الأخبار الواردة في المقام عمدتها صحيحتا أبي بصير و زرارة، قال (عليه السلام) في الأُولى: «خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال: المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزنا و الأعرابي» (2). و في الثانية: «لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون و المحدود و ولد الزنا، و الأعرابي لا يؤمّ المهاجرين» (3).

و ما عداهما من النصوص فهي ضعيفة سنداً و بعضها دلالة:

____________

(1) السرائر 1: 281.

(2) الوسائل 8: 325/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5، 6.

(3) الوسائل 8: 325/ أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5، 6.

377

..........

____________

منها: رواية عبد اللّٰه بن طلحة النهدي عن الصادق (عليه السلام): «لا يؤمّ الناس المحدود، و ولد الزنا، و الأغلف، و الأعرابي، و المجنون، و الأبرص و العبد» (1) و السند ضعيف إلى النهدي، و هو بنفسه مجهول.

و منها: رواية الأصبغ: «ستّة لا ينبغي أن يؤمّوا الناس: ولد الزنا و المرتدّ، و الأعرابي بعد الهجرة ...» (2).

و هي ضعيفة سنداً بأبي جميلة المفضّل بن صالح، و كذا دلالة، لا من جهة لفظة «لا ينبغي» فإنّها غير قاصرة الدلالة على الحرمة، لما ذكرناه غير مرّة من أنّها لغة بمعنى لا يتيسّر و لا يمكن، المساوق للمنع، و منه قوله تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهٰا ... إلخ (3). و تفسيرها ب‍ (لا يليق و لا يناسب) الراجع إلى الكراهة اصطلاح حادث. و الكلمة في لسان الأخبار على ما هي عليه من المعنى اللغوي.

بل من جهة أنّ الظاهر من قوله: «الأعرابي بعد الهجرة» هو التعرّب بعد الهجرة، أي الإعراض عن أرض المسلمين بعد الهجرة إليهم، و الانتقال إلى بلد الكفار، الذي هو فسق و معدود من الكبائر في جملة من الأخبار، لا الأعرابي بمعنى سكنة البوادي المبحوث عنه في المقام، لمنافاته مع كلمة بعد الهجرة المذكورة في الرواية. فهي أجنبية عن محلّ الكلام كما لا يخفى.

و منها: ما رواه في قرب الإسناد بإسناده عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «كره أن يؤمّ الأعرابي، لجفائه عن الوضوء و الصلاة» (4).

و هي ضعيفة سنداً بأبي البختري، الذي قيل في حقّه: أنّه أكذب البريّة. و دلالة من جهة التعبير ب‍ «كره» و لا سيما التعليل بالجفاء، الظاهر في أنّ‌

____________

(1) المستدرك 6: 464 أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 1.

(2) الوسائل 8: 322/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6.

(3) يس 36: 40.

(4) الوسائل 8: 323/ أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 9، قرب الإسناد: 156/ 575.

378

..........

____________

الأعرابي من حيث هو لا خصوصية فيه، و إنّما لا يؤتمّ به لنقص في وضوئه و صلاته و جفائه عنهما. فتكون أيضاً أجنبية عن محلّ الكلام من عدم جواز الائتمام بالأعرابي بما هو أعرابي مع استجماعه لسائر الشرائط.

فهذه الروايات غير صالحة الاستدلال، و العمدة هي الصحيحتان المتقدّمتان، و قد ذكر صاحب الوسائل أُولاهما أعني صحيحة أبي بصير في موضعين: أحدهما ما مرّ، و الآخر في باب 14 من صلاة الجماعة ح 1 معبراً عن أبي بصير في الثاني بقوله: يعني ليث المرادي. و كيف ما كان، فسواء كان ليثاً أم غيره فهو موثّق، و الرواية صحيحة، و قد تضمّنت عدم جواز إمامة الأعرابي حتّى لمثله، بمقتضى الإطلاق.

لكنّ الثانية أعني صحيحة زرارة مقيّدة بالمهاجرين، فهل يحمل المطلق على المقيّد فيختصّ النهي بإمامته للمهاجرين، أو يعمل بكليهما معاً، أو يحمل النهي فيهما على الكراهة؟ وجوه، بل أقوال كما مرّ.

أمّا الأخير فلا وجه له ظاهر. و دعوى أنّ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي الحمل على الكراهة، بشهادة التعليل بالجفاء عن الوضوء و الصلاة في رواية قرب الإسناد المتقدّمة، الظاهر في أنّ كراهة إمامته لأمر خارجي لا لكونه أعرابياً، غير مسموعة. و الرواية ضعيفة كما سمعت، فلا تصلح للاستشهاد.

فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين، و قد يقال بالثاني، نظراً إلى عدم التنافي بينهما كي يجمع بحمل المطلق على المقيّد، فانّ مورد التنافي المقتضي للحمل ما إذا كان الحكم في الدليل المطلق مجعولًا على نحو صرف الوجود، مثل قوله: أعتق رقبة، مع قوله: أعتق رقبة مؤمنة. فإنّ المطلوب شي‌ء واحد، و هو صرف وجود العتق، فيدور الأمر بين كونه مقيّداً بحصّة خاصّة و أنّ المراد من مجموع الدليلين شي‌ء واحد و هي الرقبة المؤمنة. و أن يكون مطلقاً و الأمر في المقيّد محمولًا على الاستحباب لبيان أفضل الأفراد. و المقرّر في محلّه (1) أنّ‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 375.

379

..........

____________

المتعيّن هو الأوّل، عملًا بظاهر الأمر في دليل التقييد، بعد أن لم تكن ثمّة قرينة تقتضي صرفه إلى الاستحباب.

و أمّا إذا كان الحكم انحلالياً و مجعولًا على نحو مطلق الوجود، الساري إلى جميع الأفراد على سبيل تعدّد المطلوب، فليست هناك أيّة منافاة بين الدليلين كي تحتاج إلى الجمع، لجواز الأخذ بكلّ منهما، نظير قوله: بول الهرة نجس (1) بالإضافة إلى قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2) و قوله: النبيذ حرام (3)، مع قوله: «كلّ مسكر حرام» (4)، و قوله: ماء البحر طاهر» (5) مع قوله: خلق اللّٰه الماء طهوراً (6) إلى غير ذلك من الأحكام المجعولة على الطبيعة السارية، التي لا تنافي بينها و بين ما دلّ على ثبوت الحكم لبعض أفرادها كي يحمل مطلقها على مقيّدها. فلا يحمل ما لا يؤكل على خصوص الهرة، و لا المسكر على النبيذ، و لا الماء على ماء البحر، بل يعمل بكلا الدليلين بعد عدم التنافي في البين.

و المقام من هذا القبيل، فإنّ صحيحة أبي بصير دلّت على المنع من إمامة الأعرابي بنحو مطلق الوجود، الشامل لمثله و للمهاجر، فلا تنافيها صحيحة زرارة الخاصّة بالمهاجر، بل يعمل بكل منهما. و معلوم أنّ التقييد بالمهاجر لا يدلّ على نفي الحكم عن غيره ليقع التنافي بينه و بين الإطلاق، لعدم مفهوم للوصف. فلا تنافي بين الدليلين، لا من ناحية صناعة الإطلاق و التقييد، و لا من ناحية مفهوم القيد، كي يستوجب الحمل المزبور. فلا مناص من الأخذ بكلا الدليلين.

____________

(1) الوسائل 3: 404/ أبواب النجاسات ب 8 ح 1، 7، (نقل بالمضمون).

(2) الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

(3) الوسائل 25: 334/ أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 30.

(4) الوسائل 25: 325/ أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 1، 3، 5 و غيرها.

(5) الوسائل 1: 136/ أبواب الماء المطلق ب 2 ح 4، (نقل بالمضمون).

(6) الوسائل 1: 135/ أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9، 4.

380

..........

____________

أقول: قد ذكرنا في بحث الأُصول أنّ الوصف و إن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح، أعني الدلالة على العلّية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء فلا معارضة بين قوله: أكرم رجلًا عادلًا، و بين قوله: أكرم رجلًا هاشمياً، كما تتحقّق المعارضة بينهما لو كان بنحو القضية الشرطية، إلّا أنّ التقييد بالوصف يدلّ لا محالة على أنّ الموضوع للحكم ليس هو الطبيعة على إطلاقها و سريانها، و إلّا كان التقييد به من اللغو الظاهر (1).

فلو ورد في دليل: أكرم رجلًا، لكان معارضاً مع قوله: أكرم رجلًا عادلًا بطبيعة الحال، لدلالة الأوّل على أنّ الموضوع ذات الرجل أينما سرى و حيثما تحقّق. و قد عرفت أنّ الثاني ينفي ذلك.

و على الجملة: لا نضايق من أنّ الوصف لا يقتضي الانحصار، لجواز قيام خصوصية أُخرى مقامه كالهاشمية في المثال، لكن لا مناص من الالتزام بدلالته على عدم كون الطبيعة المطلقة موضوعاً للحكم، حذراً من لغوية القيد كما عرفت.

و دعوى جواز أن تكون النكتة في ذكره العناية بشأنه و الاهتمام بأمره، أو لبيان أفضل الأفراد لمزيّة فيه، كلّ ذلك مخالف لظاهر الكلام، و لا يكاد يساعده الفهم العرفي ما لم تقم عليه قرينة خاصّة، و لعلّه إلى ما ذكرنا ينظر قول أهل الأدب من أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً، مع اعترافهم بعدم المفهوم للوصف بالمعنى المصطلح.

و عليه فصحيحتا أبي بصير و زرارة متنافيتان لا محالة، إذ التقييد بالمهاجر الواقع في كلام الإمام (عليه السلام) في صحيح زرارة كاشف عن عدم كون موضوع الحكم مطلق الأعرابي، و إلّا لم يكن وجه للتقييد به كما عرفت.

و قد دلّت صحيحة أبي بصير على أنّ الموضوع مطلق الأعرابي، و أنّه لا يؤتمّ به و لا بغيره من المذكورات فيها على كلّ حال، فلا مناص من حمل المطلق‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 133.

381

[مسألة 12: العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر]

[1972] مسألة 12: العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر [1] و عن الإصرار على الصغائر، و عن منافيات المروة الدالّة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين، و يكفي حسن الظاهر الكاشف ظنا [2] عن تلك الملكة (1).

____________

على المقيّد و الالتزام باختصاص المنع بالمهاجر، لا من جهة دلالة القيد على المفهوم الاصطلاحي، بل من جهة دلالته على نفي الحكم عن الطبيعي المطلق كما بيّناه. فالقول بالاختصاص هو الأظهر.

و يدلّ عليه الحثّ الأكيد الوارد في كثير من الروايات على إقامة الجماعات بل الجمعة لعامّة المسلمين، الذين منهم الأعرابي و سكنة البوادي، فهم أيضاً مأمورون بإقامتها فيما بينهم بمقتضى الإطلاقات، بل السيرة أيضاً قائمة على تشكيل الجماعات بينهم و ائتمام بعضهم ببعض.

و لعلّ حكمة المنع عن إمامته للمهاجر أنّ معرفة الحضري بدقائق الأحكام أكثر، و اطّلاعه على المسائل أوفر، لقصور الأعرابي غالباً عن العثور على المزايا و الخصوصيات المتعلّقة بالصلاة و مقدّماتها، فلا يناسب أن يأتمّ به إلّا مثله.

فتحصّل: أنّ القول بالكراهة ضعيف و إن نسب إلى كثير من المتأخّرين، بل المشهور بينهم، كضعف القول بالتعميم. فالأقوى عدم جواز إمامة الأعرابي إلّا لمثله.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة و ما بعدها المتكفّلتين لتحقيق معنى العدالة و ما يكشف عنها، و بيان المعاصي الكبيرة و ما يتعلّق بها، و سائر المزايا‌

____________

[1] بل هي استقامة عملية في جادة الشرع بإتيان الواجبات و ترك المحرّمات، كبيرة كانت أو صغيرة. و أمّا ارتكاب ما ينافي المروءة فلا يضرّ بالعدالة ما لم ينطبق عليه عنوان من العناوين المحرّمة.

[2] الظاهر أنّه طريق إلى العدالة، و لا يعتبر فيه الظن الشخصي، نعم هو في نفسه لا بدّ من إحرازه بالوجدان أو بطريق شرعي.

382

[مسألة 13: المعصية الكبيرة هي كلّ معصية ورد النصّ بكونها كبيرة]

[1973] مسألة 13: المعصية الكبيرة هي كلّ معصية ورد النصّ بكونها كبيرة كجملة من المعاصي المذكورة في محلّها، أو ورد التوعيد بالنار عليه في الكتاب أو السنة صريحاً أو ضمناً، أو ورد في الكتاب أو السنة كونه أعظم من إحدى الكبائر المنصوصة أو الموعود عليها بالنار، أو كان عظيماً في أنفس أهل الشرع.

[مسألة 14: إذا شهد عدلان بعدالة شخص كفى في ثبوتها]

[1974] مسألة 14: إذا شهد عدلان بعدالة شخص كفى في ثبوتها [1] إذا لم يكن معارضاً بشهادة عدلين آخرين، بل و شهادة عدل واحد بعدمها (1).

____________

و الخصوصيات المتعلّقة بالمسألتين في مباحث الاجتهاد و التقليد (1) مستقصى بما لا مزيد عليه. فلا حاجة إلى الإعادة.

(1) لا شكّ في ثبوت العدالة بشهادة العدلين التي هي بيّنة شرعية، كما لا شكّ في عدم الثبوت لدى معارضتها بشهادة عدلين آخرين و تساقطهما و هل تعارض بشهادة العدل الواحد؟ يبتني ذلك على حجّية خبر العادل في الموضوعات كالأحكام.

فعلى القول بالحجّية تعارض، و لا يلاحظ معه العدد، كما هو الحال في باب الأحكام. فكما أنّ الرواية الواحدة الدالّة على وجوب شي‌ء مثلًا تعارض الروايات النافية له و إن كانت متعدّدة، ما لم تبلغ حدّ التواتر أو الشهرة بحيث تعدّ من الواضحات و ما بإزائها من الشاذّ النادر، فكذا في باب الموضوعات. فلا عبرة بالعدد في استقرار المعارضة بعد فرض حجّية المتعارضين في نفسهما (2).

و أمّا على القول بعدم الحجّية فلا تعارض، إذ لا معارضة بين الحجّة‌

____________

[1] بل يكفي شهادة واحد عدل أو ثقة.

____________

(1) شرح العروة 1: 210 و ما بعدها.

(2) و لا ينافي ذلك تقدّم البينة على خبر الثقة في باب القضاء و المرافعة، لدلالة النصّ الخاصّ على اعتبار العدد في هذا الباب.

383

..........

____________

و اللاحجّة كما هو ظاهر، هذا.

و قد ذكرنا في محلّه (1) أنّ الأقوى حجّية خبر العدل الواحد في الموضوعات كالأحكام، فإنّ عمدة المستند في الحجّية هي السيرة العملية المؤكّدة بالآيات و الروايات، و هي كما قامت على العمل بخبر العادل في الأحكام قامت على العمل به في الموضوعات بلا فرق بينهما، و هي ممضاة لدى الشرع بعدم الردع إلّا في موارد خاصّة اعتبر فيها العدد كما في الترافع، بل ربما اعتبر الأربع كما في الشهادة على الزنا.

و دعوى الردع عنها بمثل قوله (عليه السلام) في رواية مسعدة بن صدقة: «و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» (2) الظاهر في المنع عن العمل في الموضوعات بغير البيّنة، مدفوعة بأنّ الرواية و إن كانت معتبرة، لوجود مسعدة في أسانيد كامل الزيارات (3) و إن لم يوثّق صريحاً، لكن الدلالة قاصرة.

فانّ المراد بالبيّنة هي مطلق الحجّة الشرعية، في قبال الاستبانة التي هي بمعنى الوضوح بالعلم الوجداني، لا خصوص شهادة العدلين، فإنّه اصطلاح محدث تداول في ألسنة الفقهاء، و أمّا لغة فهي بمعنى الحجّة و البرهان، و كذا في لسان الآيات و الروايات بأجمعها، حتّى في مثل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الايمان» (4).

فانّ مراده (صلى اللّٰه عليه و آله) بذلك عدم استفادته في مقام القضاء و فصل الخصومة من علم النبوّة، بل يحكم على طبق الموازين الشرعية الظاهرية من مطالبة المدّعى بالدليل و الحجّة و المنكر باليمين، و لا تنحصر الحجّة في شهادة العدلين، بل قد تفصل الخصومة بغيرها كالإقرار بلا إشكال. نعم ثبت من‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 196، 200.

(2) الوسائل 17: 89/ أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.

(3) بل لكونه من رجال تفسير القمّي، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.

(4) الوسائل 27: 232/ أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى ب 2 ح 1.

384

[مسألة 15: إذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة بعدالته و حصل الاطمئنان كفى]

[1975] مسألة 15: إذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة بعدالته و حصل الاطمئنان (1) كفى، بل يكفي الاطمئنان إذا حصل من شهادة عدل واحد، و كذا إذا حصل من اقتداء عدلين به، أو من اقتداء جماعة مجهولين به، و الحاصل: أنّه يكفي الوثوق و الاطمئنان للشخص من أيّ وجه حصل بشرط [1] كونه من أهل الفهم و الخبرة و البصيرة و المعرفة بالمسائل، لا من الجهّال و لا ممّن يحصل له الاطمئنان و الوثوق بأدنى شي‌ء كغالب الناس.

____________

الخارج حجّية الشهادة، فيعلم من ذلك أنّها مصداق للبينة، لا أنّها منحصرة في شهادة العدلين كما لا يخفى.

و على الجملة: المستفاد من رواية مسعدة أنّ الأشياء كلّها على الإباحة حتّى يثبت خلافها بعلم وجداني أو حجّة شرعية، و هي تارة تكون البينة المصطلحة، و أُخرى خبر الثقة، و ثالثة غيرهما من استصحاب و نحوه. فلا دلالة فيها بوجه على الردع عن السيرة القائمة على العمل بخبر العدل الواحد في الموضوعات كالأحكام.

و عليه فشهادة العدلين بعدالة شخص كما تعارض بشهادة عدلين آخرين تعارض بشهادة العدل الواحد بمناط واحد، فلا تثبت العدالة كما أفاده في المتن.

(1) لا ريب في كفاية الوثوق و الاطمئنان الذي هو حجّة عقلائية، لكن الماتن قيّده بأمرين:

أحدهما: أن يكون من حصل له الوثوق الشخصي من أهل الفهم و الخبرة و البصيرة و المعرفة بالمسائل.

ثانيهما: أن لا يكون ممّن يحصل له الاطمئنان و الوثوق بأدنى شي‌ء.

أقول: أمّا القيد الثاني ففي محلّه، فانّ المستند في حجّية الوثوق الشخصي إنّما‌

____________

[1] بل مطلقاً.

385

[مسألة 16: الأحوط أن لا يتصدّى للإمامة من يعرف نفسه بعدم العدالة]

[1976] مسألة 16: الأحوط أن لا يتصدّى للإمامة من يعرف نفسه بعدم العدالة، و إن كان الأقوى جوازه [1] (1).

____________

هي السيرة العقلائية، و هي خاصّة بما إذا تحصّل الوثوق من السبب العادي المتعارف الذي يراه العرف موجباً لذلك، دون ما لم يكن كذلك، كما لو حصل له الوثوق بعدالة زيد أو فضله من قلّة أكله أو كبر عمامته و نحو ذلك ممّا لا يراه العقلاء منشأ للوثوق.

بل ربما يلام و يستهزأ من ادّعاه مستنداً إلى هذه الأُمور، بل قيل إنّ القطع لا يكون حجّة إذا استند إلى سبب غير عادي فضلًا عن الوثوق، و إن كان هذا ممنوعاً جدّاً، لحجيّة القطع الطريقي مطلقاً كما تبيّن في الأُصول (1).

و أمّا القيد الأوّل فلم نعرف له وجهاً أبداً، إذ لا فرق في السيرة القائمة على حجّية الوثوق الناشئ من السبب العادي بين أن يكون صاحبه من أهل الفهم و الخبرة، أم من الجهلة السفلة، فلو رأى الجاهل جماعة من ذوي الفضل و إن لم يعلم عدالتهم يأتمّون بشخص فحصل له الوثوق بعدالته، و فرضنا أنّ هذا سبب عادي لدى نوع أهل العرف، فلا قصور في شمول السيرة للوثوق الحاصل لمثل هذا الشخص و إن لم يكن من أهل الخبرة و الفضل.

و دعوى انصراف الوثوق في قوله: «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه و أمانته» إلى الوثوق العقلائي، المختص بأهل الفهم و البصيرة. يدفعها ضعف الرواية أوّلًا كما مرّ سابقاً (2) و منع الانصراف ثانياً. و الوثوق الشخصي و إن كان كافياً لكن المستند في حجّيته إنّما هي السيرة كما عرفت آنفاً، لا هذه الرواية الضعيفة كي يدّعى فيها الانصراف.

(1) ذهب بعضهم إلى عدم جواز التصدّي للإمامة لمن يرى من نفسه أنّه‌

____________

[1] لكن لا يترتّب عليه آثار الجماعة على الأقوى.

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 53.

(2) في ص 344.

386

..........

____________

لا أهلية له، و من أجله احتاط الماتن و إن قوّى الجواز.

و يستدلّ له تارة: بما رواه ابن إدريس عن كتاب السياري قال «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة، فيقدّم بعضهم فيصلّي بهم جماعة، فقال: إن كان الذي يؤمّ بهم ليس بينه و بين اللّٰه طلبة فليفعل» (1). دلّ بمقتضى المفهوم على عدم جواز الإمامة لمن يرى أنّ بينه و بين اللّٰه طلبة و إثماً.

و فيه: أنّ دلالة الرواية و إن لم يكن بها بأس في حدّ نفسها مع قطع النظر عن القرائن الخارجية المقتضية لفساد هذا الاعتقاد، و قد كان المرحوم السيد القمّي (قدس سره) يقول: إنّ من يرى من نفسه أنّه غير مأثوم، و ليس بينه و بين اللّٰه طلبة و إثم، فهو غبيّ قاصر، و لا يكاد يدّعيه العاقل.

إلّا أنّ السند ضعيف جدّاً، أوّلًا: لجهالة طريق ابن إدريس إلى الكتاب. و ثانياً: أنّ السياري بنفسه ضعيف لا يعتمد عليه و لا على كتابه.

و أُخرى: بأنّ الجماعة تتضمّن أحكاماً، من رجوع المأموم إلى الإمام لدى عروض الشكّ و إن كان مبطلًا، و اغتفار زيادة الركن، و لا جماعة مع علم الإمام بعدم الأهلية، لأنّها من الشرائط الواقعية كما مرّ. فصلاة المأموم باطلة عند اتّفاق هذه الأُمور. و حيث إنّ البطلان مستند إلى الإمام، لكونه السبب في إيجاده بتقمّصه الإمامة عالماً بعدم اللياقة و فساد الجماعة، فيحرم لحرمة التسبيب إلى الحرام كارتكابه.

و يندفع: بأنّ الكبرى أعني حرمة التسبيب إلى الحرام كمباشرته فيما إذا كان الفعل محرّماً على الكلّ و إن كانت مسلّمة، فلا يجوز تقديم الطعام النجس إلى الغير ليأكله بلا إشكال، لكنّ الصغرى ممنوعة، فإنّ التصدّي للإمامة ليس إلّا مقدّمة إعدادية لبطلان الصلاة، إذ ليس هو سبباً للائتمام فضلًا عن البطلان.

غاية ما هناك أنّ الإمام يجعل نفسه معرضاً لأن يؤتمّ به، و هذا لا يستوجب‌

____________

(1) الوسائل 8: 316/ أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 12، السرائر 3: 570.

387

..........

____________

استناد فعل المأموم إليه عرفاً من اقتدائه أو بطلان صلاته، و إنّما هو مسبَّب عن اعتقاده عدالة الإمام. فليست المعرضية إلّا من قبيل المعدّات، نظير بيع العنب ممّن يحتمل أنّه يصنعه خمراً، أو الطعام لأحد و هو يحتمل أنّه يأكله في نهار شهر رمضان، و نحو ذلك من المقدّمات الإعدادية.

نعم، لا نضايق من صدق التسبيب لدى علم الإمام باتّفاق هذه الأُمور الموجبة للبطلان، لكنّه فرض نادر، و لعلّه لا يكاد يتّفق خارجاً بتاتاً.

و على الجملة: لا تسبيب إلى الحرام في مثل المقام، فلا مانع من التصدّي للإمامة. و مقتضى الأصل جوازه بعد عدم الدليل على الحرمة، هذا.

و ربما يستدلّ للجواز بالروايات المتقدّمة في محلّها، المتضمّنة لعدم وجوب إعلام المأمومين بفساد الصلاة (1)، بل في بعضها جواز التصدّي للإمامة حتّى مع عدم كونه ناوياً للصلاة (2)، فاذا جاز ذلك مع فساد الصلاة جاز مع فساد الإمامة و صحّة الصلاة كما في المقام بطريق أولى.

و فيه: ما لا يخفى، فانّ تلك الروايات ناظرة إلى عدم بطلان صلاة المأمومين من ناحية فساد صلاة الإمام، و أنّ هذه الجهة لا تستوجب فساد صلاتهم فلا مانع من التصدّي من هذه الحيثية.

و لا نظر فيها إلى الفساد من جهة أُخرى، كما لو رتّب المأموم آثار الجماعة من زيادة ركن للمتابعة، أو رجوعه إلى الإمام في الشكوك الباطلة، فإنّه لا تعرّض فيها لجواز التصدّي حتّى لدى عروض هذه الطوارئ أحياناً، الذي هو محلّ الكلام في المقام. و لا ينبغي الإشكال في جواز التصدّي و عدم البطلان في المقام فيما إذا لم تتّفق تلك الأُمور. فالعمدة في الجواز هو الأصل كما عرفت.

نعم، ليس للإمام ترتيب أحكام الجماعة كرجوعه إلى المأموم لدى الشكّ إذ بعد علمه بعدم الأهلية فهو يرى بطلان الجماعة، فكيف يسوغ له ترتيب‌

____________

(1) [و هما صحيحتا الحلبي و زرارة المتقدّم مصدرهما في ص 315].

(2) تقدّمت في ص 316.

388

[مسألة 17: الإمام الراتب في المسجد أولى بالإمامة من غيره]

[1977] مسألة 17: الإمام الراتب في المسجد أولى بالإمامة من غيره و إن كان غيره أفضل منه، لكن الأولى له تقديم الأفضل، و كذا صاحب المنزل أولى من غيره المأذون في الصلاة، و إلّا فلا يجوز بدون إذنه، و الأولى أيضاً تقديم الأفضل، و كذا الهاشمي أولى من غيره المساوي له في الصفات (1).

____________

آثارها، فإنّه منفرد واقعاً و إن كان إمام الجماعة ظاهراً. فما دلّ على أنّه لا شكّ للإمام إذا حفظ عليه مَن خلفه غير شامل للمقام بلا كلام.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الأقوى جواز تصدّي من لا أهلية له للإمامة، و لا شي‌ء عليه و إن رتّب المأمومون آثار الجماعة، غير أنّه بنفسه لا يرتّب تلك الآثار.

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة و ما بعدها إلى نهاية الفصل لعدّة فروع تتضمّن أولوية شخص بالإضافة إلى غيره في التصدّي للإمامة، كأولويّة الإمام الراتب في المسجد، أو الأفضل، أو الهاشمي، أو صاحب المنزل عن غيره المأذون، و إلّا فلا يجوز بدون الإذن.

و كذا إذا تشاحّ الأئمة لغرض أُخروي، بل الدنيوي أيضاً بناءً على ما عرفت سابقاً (1) من أنّ الأمر بالجماعة توصّلي لا تعبدي، أو تشاحّ المأمومون فمال بعضهم إلى جانب غير الجانب الآخر و لو لأجل الافتخار و المباهاة بأنّ الإمام من أهل بلده مثلًا، فذكر (قدس سره) مرجّحات في مقام التقديم من الأفقهية (2) و الأورعية (3) و الأجودية قراءة (4) و الأسنيّة (5) و نحوها.

____________

(1) في ص 96 97.

(2) المستدرك 6: 472/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 3، دعائم الإسلام 1: 147.

(3) المستدرك 6: 472/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 5، عيون أخبار الرضا 2: 42/ 140.

(4) المستدرك 6: 475/ أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 2، دعائم الإسلام 1: 152.

(5) المستدرك 6: 475/ أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 2، دعائم الإسلام 1: 152.

389

[مسألة 18: إذا تشاحّ الأئمّة رغبة في ثواب الإمامة لا لغرض دنيوي]

[1978] مسألة 18: إذا تشاحّ الأئمّة رغبة في ثواب الإمامة لا لغرض دنيوي رجّح مَن قدّمه المأمومون جميعهم [1] تقديماً ناشئاً عن ترجيح شرعي لا لأغراض دنيوية، و إن اختلفوا فأراد كلّ منهم تقديم شخص فالأولى ترجيح الفقيه الجامع للشرائط، خصوصاً إذا انضمّ إليه شدّة التقوى و الورع، فان لم يكن أو تعدّد فالأولى تقديم الأجود قراءة ثمّ الأفقه في أحكام الصلاة، و مع التساوي فيها فالأفقه في سائر الأحكام غير ما للصلاة، ثمّ الأسنّ في الإسلام ثمّ من كان أرجح في سائر الجهات الشرعية. و الظاهر أن الحال كذلك إذا كان هناك أئمّة متعدّدون، فالأولى للمأموم اختيار الأرجح بالترتيب المذكور، لكن إذا تعدّد المرجّح في بعض كان أولى ممّن له ترجيح من جهة واحدة. و المرجّحات الشرعية مضافاً إلى ما ذكر كثيرة لا بدّ من ملاحظتها في تحصيل الأولى، و ربما يوجب ذلك خلاف الترتيب المذكور، مع أنّه يحتمل اختصاص الترتيب المذكور بصورة التشاحّ بين الأئمّة أو بين المأمومين لا مطلقاً، فالأولى للمأموم مع تعدّد الجماعة ملاحظة جميع الجهات في تلك الجماعة من حيث الإمام، و من حيث أهل الجماعة من حيث تقواهم و فضلهم و كثرتهم و غير ذلك ثمّ اختيار الأرجح فالأرجح.

____________

لكنّ شيئاً من هذه الترجيحات لم يثبت، لضعف مستندها بأجمعها من الفقه الرضوي أو رواية الدعائم أو مجرّد الشهرة أو النبويّ كما في تقديم الهاشمي، إذ لا مستند له سوى النبويّ: «و قدّموا قريشاً و لا تقدّموها» (1) غير المختصّ بباب الصلاة (2).

____________

[1] بعض هذه الترجيحات لم نجد عليه دليلًا، و الأحوط ترك التشاح.

____________

(1) كنز العمال 12: 22/ 33789، مجمع الزوائد 10: 25.

(2) روى في المستدرك 6: 473/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6 رواية يظهر منها استحباب الصلاة خلف القرشي، و إن كانت ضعيفة السند أيضاً.

390

[مسألة 19: الترجيحات المذكورة إنّما هي من باب الأفضلية و الاستحباب]

[1979] مسألة 19: الترجيحات المذكورة إنّما هي من باب الأفضلية و الاستحباب لا على وجه اللزوم و الإيجاب حتّى في أولويّة الإمام الراتب [1] (1) الذي هو صاحب المسجد، فلا يحرم مزاحمة الغير له و إن كان مفضولًا من سائر الجهات أيضاً إذا كان المسجد وقفاً لا ملكاً له و لا لمن لم يأذن لغيره في الإمامة.

[مسألة 20: يكره إمامة الأجذم و الأبرص و الأغلف المعذور في ترك الختان]

[1980] مسألة 20: يكره إمامة الأجذم و الأبرص و الأغلف المعذور في ترك الختان، و المحدود بحدّ شرعي بعد توبته [1]، و من يكره المأمومون إمامته و المتيمّم للمتطهّر، و الحائك، و الحجّام، و الدبّاغ إلّا لأمثالهم، بل الأولى عدم إمامة كلّ ناقص للكامل و كلّ كامل للأكمل.

____________

نعم، لا بأس بالعمل بها في الكلّ من باب التسامح، فانّ الحكم استحبابي لا وجوبي. فلا حاجة للتعرّض إلى هذه الفروع.

(1) فيه إشكال، إذ قد يكون ذلك مظنّة للهتك، أو مزاحمة لحقّ السبق، أو مثاراً للفتنة، و من ثمّ كان الأحوط وجوباً التجنّب عنه كما أشار إليه سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.

____________

[1] فيه إشكال، و الاحتياط بعدم مزاحمة الإمام الراتب لا يترك.

[1] الاحتياط بعدم الائتمام به لا يترك.

391

[فصل في مستحبّات الجماعة و مكروهاتها]

فصل في مستحبّات الجماعة و مكروهاتها

[فصل في مستحبّات الجماعة و مكروهاتها]

أمّا المستحبات فأُمور:

أحدها: أن يقف المأموم عن يمين الإمام [1] إن كان رجلًا واحداً، و خلفه إن كانوا أكثر. و لو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الإمام على الجانب الأيمن [2] بحيث يكون سجودها محاذياً لركبة الإمام أو قدمه، و لو كنّ أزيد وقفن خلفه، و لو كان رجلًا واحداً و امرأة واحدة أو أكثر وقف الرجل عن يمين الإمام و الامرأة خلفه، و لو كان رجالًا و نساءً اصطفّوا خلفه و اصطفّت النساء خلفهم، بل الأحوط مراعاة المذكورات [3] هذا إذا كان الإمام رجلًا و أمّا في جماعة النساء فالأولى وقوفهنّ صفاً واحداً أو أزيد من غير أن تبرز إمامهنّ من بينهنّ (1).

____________

(1) تعرّض (قدس سره) لبيان موقف المأموم من حيث كونه خلف الإمام أو عن يمينه فيما إذا كان واحداً أو أكثر، رجلًا أو امرأة أو مختلفين، و كذا إذا‌

____________

[1] وجوب وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام، و المتعدّد خلفه إن لم يكن أظهر فلا ريب في أنّه أحوط.

[2] أو وقفت خلفه بحيث تكون وراءه.

[3] هذا الاحتياط لا يترك.

392

..........

____________

كان الإمام رجلًا أو امرأة، و ذكر (قدس سره) أنّ الحكم في الجميع استحبابي. و هذا لا مستند له عدا الشهرة الفتوائية، و إلّا فمقتضى الصناعة الالتزام بالوجوب في الكلّ، و ينبغي التعرّض لكلّ واحد من هذه الفروع بخصوصه.

منها: أنّ المأموم إن كان رجلًا و كان واحداً وقف عن يمين الإمام، و إن كانوا أكثر وقفوا خلفه. فقد ذهب المشهور إلى استحباب هذا الحكم، بل ادّعي عليه الإجماع. و نسب الخلاف إلى ابن الجنيد و أنّه اختار الوجوب (1)، و أصرّ عليه صاحب الحدائق فحكم بوجوب الوقوف عن يمينه إن كان واحداً و خلفه إن كانوا أكثر (2)، و هذا هو الأقوى، لظهور الروايات في الوجوب من غير قرينة تقتضي صرفها إلى الاستحباب.

و نحن و إن ناقشنا المشهور في انجبار ضعف السند بالعمل لكن الظاهر عدم الإشكال في عدم انجبار الدلالة بعملهم.

و بعبارة اخرى: النزاع بيننا و بين المشهور في الانجبار و عدمه إنّما هو من حيث السند، و أمّا من ناحية الدلالة فالظاهر إطباق الكلّ على أنّ مخالفة المشهور مع الظهور لا يستوجب سقوط الظاهر عن الحجّية. فلا موجب لرفع اليد عن ظاهر الأمر في الوجوب، الوارد في هذه الروايات، و إن حمله الأصحاب على الاستحباب من غير وجه ظاهر. و الروايات كثيرة و فيها الصحيحة:

منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «قال: الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه، يقوم عن يمينه، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (3).

و روايته الأُخرى التي رواها الصدوق عنه عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين؟ قال: يتقدّمهما و لا يقوم بينهما. و عن‌

____________

(1) حكاه عنه في المختلف 2: 514 المسألة 375.

(2) الحدائق 11: 92، 116.

(3) الوسائل 8: 341/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1.

393

..........

____________

الرجلين يصلّيان جماعة، قال: نعم، يجعله عن يمينه» (1)، و قد عبّر عنها بالصحيحة في كلام غير واحد. و ليست كذلك، لضعف طريق الصدوق إلى ابن مسلم كما مرّ مراراً (2).

و موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): «أنّه كان يقول: المرأة خلف الرجل صفّ، و لا يكون الرجل خلف الرجل صفّاً، إنّما يكون الرجل إلى جنب الرجل عن يمينه» (3) إلى غير ذلك من الأخبار. و قد عرفت أنّ رفع اليد عن ظاهر هذه الأخبار في الوجوب يحتاج إلى الدليل، فإنّ العبادة توقيفية، و لم تثبت المشروعية بغير هذه الكيفية بعد الأمر بها في هذه النصوص.

نعم، قد يقال: إنّ الدليل عليه ما ورد من تحويل الإمام المأموم الواقف عن يساره إلى يمينه، فيما إذا لم يعلم ثمّ علم به و هو في الصلاة، حيث إنّ ظاهره صحّة الائتمام مع وقوف المأموم عن يسار الإمام غير أنّه يحوّله إلى اليمين فيكشف ذلك عن استحباب الوقوف إلى اليمين لا وجوبه، و إلّا كانت الصلاة باطلة، و هو صحيح الحسين بن سعيد الأهوازي: «أنّه أمر من يسأله عن رجل صلّى إلى جانب رجل فقام عن يساره و هو لا يعلم، ثمّ علم و هو في الصلاة كيف يصنع؟ قال: يحوّله عن يمينه»، و بمضمونه خبر المدائني (4). و قد عنون صاحب الوسائل هذا الباب بقوله: باب استحباب تحويل الإمام المأموم عن يساره إلى يمينه و لو في الصلاة.

أقول: يرد عليه أوّلًا: أنّ غاية ما تدلّ عليه الصحيحة جواز وقوف المأموم الواحد عن يسار الإمام كاليمين، و أنّه مخيّر بين الأمرين و إن كان الثاني أفضل‌

____________

(1) الوسائل 8: 342/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 7، الفقيه 1: 252/ 1139.

(2) منها ما في ص 165.

(3) الوسائل 8: 344/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 12.

(4) الوسائل 8: 344/ أبواب صلاة الجماعة ب 24 ح 1، 2.

394

..........

____________

و لأجله يحوّله الإمام إليه، و لا دلالة فيها بوجه على جواز وقوفه خلف الإمام كي تتنافى مع النصوص المتقدّمة الصريحة في اختصاص الخلف بالمأموم المتعدّد، كي يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب.

و ثانياً: أنّ الدلالة في نفسها ضعيفة، و الرواية أجنبية عن باب الجماعة بالكلّية، إذ لم يفرض فيها أنّ الرجل الآخر الذي يصلّي إلى جانبه مصلّ أيضاً و هذا الذي يأتمّ به واقف عن يساره ليتمّ الاستدلال، فمن الجائز أن يكون ذاك الشخص واقفاً أو جالساً أو نائماً، كيف و إلّا كان الأحرى أن يجيب الإمام (عليه السلام) بقوله: يحوّله إلى يمينه (1) بدل قوله: «عن يمينه»، إذ المفروض وقوف المأموم عن يسار الإمام، فما معنى تحويله عن يمينه (2).

و الذي يتحصّل لنا من مفاد الرواية: أنّها ناظرة إلى بيان حكم آخر، و هو الاجتناب عن وقوف المصلّي في يسار شخص و إن لم يكن مصلّياً، و لعلّ ذلك مكروه، و إلّا فلا حرمة فيه قطعاً، و بما أنّ مثل هذا الموقف يستدعي أن يكون ذاك الشخص عن يمين المصلّي بطبيعة الحال فمن هنا أجاب الإمام (عليه السلام) بقوله: «يحوله عن يمينه» حذراً عن كراهية هذا الموقف.

فقوله: «و هو لا يعلم» أي المصلّي لا يعلم بوقوفه عن يسار شخص آخر و هو الذي يحوّل ذاك الشخص بعد علمه به، لا أنّ ذاك الشخص إمام و هو لا يعلم بوقوف المأموم عن يساره و الإمام يحوّل المأموم، إذ لم يفرض شي‌ء من‌

____________

(1) قد ذكر كذلك في رواية الفقيه [1: 258/ 1174] كما نقله عنه في الوسائل.

(2) يمكن أن يكون (عن) هنا اسماً بمعنى (جانب) لا حرف جر، و ذلك بعد إشراب القيام المستفاد من سياق الكلام، و لا سيما بقرينة قوله قبل ذلك: «فقام عن يساره» في معنى التحويل، و يكون المعنى: يحوّله فيقوم عن يمينه، أي جانب يمينه. ففي المغني لابن هشام [1: 199]: قالوا: فاذا قيل: قعدت عن يمينه، فالمعنى في جانب يمينه.

نعم، يكثر استعماله بهذا المعنى فيما إذا كان مدخولًا لحرف الجر نحو: جلس من عن يسار الخليفة. و أمّا التخصيص به كما يظهر من المنجد: 531 فيدفعه ما سمعته من ابن هشام، بل قد صرّح في أقرب الموارد [2: 834] تبعاً للمغني بعدم الاختصاص، فلاحظ.

395

..........

____________

ذلك في الرواية، و سياقها شاهد على ما استظهرناه (1). فمن المقطوع به أنّ الرواية لا ارتباط لها بباب الجماعة أصلًا و إن عنون الباب صاحب الوسائل بما عرفت.

و عليه فلا موجب لرفع اليد عن تلك الروايات الظاهرة في الوجوب. و كيف ما كان، فالجمود على ظاهر هذه النصوص لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

و منها: أي من الفروع ما أشار إليه الماتن (قدس سره) بقوله: و لو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الإمام على الجانب الأيمن، بحيث يكون سجودها محاذياً لركبة الإمام أو قدمه.

أمّا الوقوف على الأيمن محاذياً سجودها للركبة فتدلّ عليه صحيحة هشام ابن سالم: «الرجل إذا أمّ المرأة كانت خلفه عن يمينه، سجودها مع ركبتيه» (2).

و أمّا محاذياً للقدم الذي يختلف عن ذلك بمقدار شبر تقريباً فتدلّ عليه موثّقة فضيل بن يسار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أُصلّي المكتوبة بأُمّ علي؟ قال: نعم، تكون عن يمينك، يكون سجودها بحذاء قدميك» (3) و مقتضى الجمع العرفي حمل الأمر فيهما على الوجوب التخييري، هذا.

و يجوز لها الوقوف خلفه بحيث تكون وراءه كما تدلّ عليه موثّقة غياث: «المرأة صفّ و المرأتان صفّ و الثلاث صفّ» (4)، دلّت على أنّ المرأة الواحدة بنفسها تشكّل صفّاً، و مقتضى ذلك وقوفها وراء الإمام.

____________

(1) و لكن يبعّده خلوّ المجامع الفقهية عن عدّ ذلك من مكروهات مكان المصلّي و لو احتمالًا مضافاً إلى أنّ تحويل غير المأموم عن مكانه تصرّف في سلطانه من غير مسوّغ ظاهر، فما صنعه صاحب الوسائل تبعاً للمشايخ الثلاثة من ذكر الرواية في أبواب الجماعة [الكافي 3: 387/ 10، الفقيه 1: 258/ 1174، التهذيب 3: 26/ 90] لعلّه هو الأصحّ.

(2) الوسائل 5: 125/ أبواب مكان المصلي ب 5 ح 9.

(3) الوسائل 8: 332/ أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 2.

(4) الوسائل 8: 342/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 4.

396

..........

____________

و أظهر منها موثّقة الحسين بن علوان: «المرأة خلف الرجل صف» (1) و يؤيّدها رواية أبي العباس البقباق: «عن الرجل يؤمّ المرأة في بيته؟ فقال: نعم تقوم وراءه» (2) و إن كانت ضعيفة السند من أجل محمّد بن سنان.

و مقتضى الجمع بين هذه النصوص و ما مرّ هو التخيير بين الأُمور الثلاثة: الوراء، اليمين محاذياً للركبة، و اليمين محاذياً للقدم.

و منها: ما أشار إليه بقوله: و لو كنّ أزيد وقفن خلفه. و يدلّ عليه مضافاً إلى موثّقة غياث المتقدّمة آنفاً ما دلّ على الحكم في الرجال ممّا مرّ، فإنّه يقتضي وجوب وقوفهنّ خلفه بطريق أولى، إذ لا يحتمل وجوب وقوفهم خلفه و جواز وقوفهنّ عن يمينه كما لا يخفى. بل الحكم كذلك في المرأة الواحدة أيضاً لولا الروايتان المتقدّمتان الدالّتان على جواز وقوفها عن يمينه محاذية لركبتيه أو قدمه.

و يظهر ذلك أيضاً من روايات إمامة المرأة لمثلها، المتضمّنة لقوله (عليه السلام): تقوم وسطهنّ و لا تتقدّمهنّ (3)، حيث يظهر من ذلك المفروغية في ذهن السائل من أنّه متى كانت الجماعة مشروعة يتقدّم الإمام لا محالة، و يكون المأمومون خلفه، و لذا استثنى (عليه السلام) ما إذا كان الإمام امرأة و أنّها حينئذ لا تتقدّم.

و منها: ما أشار إليه بقوله: و لو كان رجلًا واحداً و امرأة واحدة أو أكثر ... إلخ، فالرجل الواحد يقف عن يمين الإمام و المرأة خلفهما. و يدلّ عليه إطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدّمة: «الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه ...» إلخ (4)، فإنّها تشمل ما إذا كانت معهما امرأة أيضاً بمقتضى الإطلاق.

____________

(1) الوسائل 8: 344/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 12.

(2) الوسائل 8: 333/ أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 5.

(3) الوسائل 8: 333/ أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1، 10، 12 و غيرها.

(4) الوسائل 8: 341/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 1.

397

..........

____________

و تؤيّده رواية القاسم بن الوليد: «عن الرجل يصلّي مع الرجل الواحد معهما النساء، قال: يقوم الرجل إلى جنب الرجل و يتخلفن النساء خلفهما» (1) و الرواية صحيحة إلى عبد اللّٰه بن المغيرة، غير أنّ ابن الوليد لم يوثّق.

و منها: ما لو كان المأمومون ملفّقين من الرجال و النساء، و قد أشار (قدس سره) إليه بقوله: و لو كان رجالًا و نساءً اصطفّوا خلفه و اصطفّت النساء خلفهم.

أمّا وجوب اصطفاف الرجال خلفه فقد ظهر ممّا مرّ من دلالة صحيحة ابن مسلم المتقدّمة آنفاً و غيرها، و أمّا اصطفاف النساء خلفهم و عدم جواز وقوفهنّ بحذاء الرجال أو قدّامهم، فبناءً على عدم جواز وقوفهنّ بحيال الرجال ما لم يفصل بينهما مقدار عشر أذرع فالحكم ظاهر، و أمّا بناءً على جواز ذلك و عدم لزوم الفصل أكثر من شبر واحد فيدلّ عليه صحيح الحلبي: «عن الرجل يؤمّ النساء؟ قال: نعم، و إن كان معهنّ غلمان فأقيموهم بين أيديهنّ و إن كانوا عبيداً» (2).

و يستفاد ذلك من صحيحة حمّاد أيضاً قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول قال أبي: قال علي (عليه السلام): كنّ النساء يصلّين مع النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) و كنّ يؤمرن أن لا يرفعن رؤوسهنّ قبل الرجال لضيق الأُزر» (3)، فإنّ أمره (صلى اللّٰه عليه و آله) بعدم رفع رؤوسهنّ قبل الرجال مخافة انكشاف العورة يقتضي وقوفهنّ خلف الرجال، إذ لو كنّ بحيالهم لم يلزم منه هذا المحذور.

و على الجملة: فمقتضى الجمود على النصوص المتقدّمة بأجمعها أنّ الحكم المذكور فيها لو لم يكن أظهر فلا ريب أنّه أحوط لزوماً، إذ ليس بإزائها عدا شهرة القول بالاستحباب بين الأصحاب، و مثلها لا يصلح لرفع اليد عن ظاهر‌

____________

(1) الوسائل 8: 332/ أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 3.

(2) الوسائل 8: 343/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 9، 11.

(3) الوسائل 8: 343/ أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 9، 11.

398

الثاني: أن يقف الإمام في وسط الصف.

الثالث: أن يكون في الصفّ الأوّل أهل الفضل ممّن له مزيّة في العلم و الكمال و العقل و الورع و التقوى، و أن يكون يمينه لأفضلهم في الصفّ الأوّل فإنّه أفضل الصفوف.

الرابع: الوقوف في القرب من الإمام.

الخامس: الوقوف في ميامن الصفوف، فإنّها أفضل من مياسرها. هذا في غير صلاة الجنازة، و أمّا فيها فأفضل الصفوف آخرها.

السادس: إقامة الصفوف و اعتدالها و سدّ الفرج الواقعة فيها، و المحاذاة بين المناكب.

السابع: تقارب الصفوف بعضها من بعض، بأن لا يكون ما بينها أزيد من مقدار مسقط جسد الإنسان إذا سجد.

الثامن: أن يصلّي الإمام بصلاة أضعف مَن خلفه، بأن لا يطيل في أفعال الصلاة من القنوت و الركوع و السجود إلّا إذا علم حبّ التطويل من جميع المأمومين.

____________

النصّ. هذا كلّه فيما إذا كان الإمام رجلًا.

و أمّا إمامة النساء لمثلهنّ فقد مرّ (1) جواز ذلك على كراهة في غير صلاة الجنازة، أمّا فيها فلا كراهة أيضاً، و قد عرفت أنّ أكثر الروايات الواردة في ذلك مقيّدة بوقوف الإمام وسطهنّ، و أنّها لا تتقدّمهنّ، و هذا ممّا تمتاز به جماعة النساء على الرجال، و مقتضى التحفّظ على ظاهر الأمر أنّه واجب و شرط في الصحّة، و لا فرق في ذلك بين الواحدة و الأكثر، هذا.

و لا حاجة إلى التعرّض لبقيّة ما ذكره الماتن من المستحبّات و المكروهات و ينبغي صرف عنان الكلام إلى المسائل التي ذكرها في المقام.

____________

(1) في ص 349 و ما بعدها.

399

التاسع: أن يشتغل المأموم المسبوق بتمجيد اللّٰه تعالى بالتسبيح و التهليل و التحميد و الثناء إذا أكمل القراءة قبل ركوع الإمام، و يبقى آية من قراءته ليركع بها.

العاشر: أن لا يقوم الإمام من مقامه بعد التسليم، بل يبقى على هيئة المصلّي حتّى يتمّ من خلفه صلاته من المسبوقين أو الحاضرين لو كان الإمام مسافراً بل هو الأحوط، و يستحبّ له أن يستنيب من يتمّ بهم الصلاة عند مفارقته لهم، و يكره استنابة المسبوق بركعة أو أزيد، بل الأولى عدم استنابة من لم يشهد الإقامة.

الحادي عشر: أن يسمع الإمام مَن خلفه القراءة الجهرية و الأذكار ما لم يبلغ العلوّ المفرط.

الثاني عشر: أن يطيل ركوعه إذا أحسّ بدخول شخص ضعف ما كان يركع انتظاراً للداخلين ثمّ يرفع رأسه و إن أحسّ بداخل.

الثالث عشر: أن يقول المأموم عند فراغ الإمام من الفاتحة: الحمد للّٰه ربّ العالمين.

الرابع عشر: قيام المأمومين عند قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة».

و أمّا المكروهات فأُمور أيضاً:

أحدها: وقوف المأموم وحده في صفّ وحده مع وجود موضع في الصفوف و مع امتلائها فليقف آخر الصفوف أو حذاء الإمام.

الثاني: التنفّل بعد قول المؤذن: قد قامت الصلاة، بل عند الشروع في الإقامة.

الثالث: أن يخصّ الإمام نفسه بالدعاء إذا اخترع الدعاء من عند نفسه و أمّا إذا قرأ بعض الأدعية المأثورة فلا.

الرابع: التكلّم بعد قول المؤذّن: قد قامت الصلاة، بل يكره في غير الجماعة

400

أيضاً كما مرّ إلّا أنّ الكراهة فيها أشدّ، إلّا أن يكون المأمومون اجتمعوا من أماكن شتّى و ليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدّم يا فلان.

الخامس: إسماع المأموم الإمام ما يقوله بعضاً أو كلّاً.

السادس: ائتمام الحاضر بالمسافر و العكس مع اختلاف صلاتهما قصراً و تماماً، و أمّا مع عدم الاختلاف كالائتمام في الصبح و المغرب فلا كراهة، و كذا في غيرهما أيضاً مع عدم الاختلاف كما لو ائتمّ القاضي بالمؤدّي أو العكس و كما في مواطن التخيير إذا اختار المسافر التمام، و لا يلحق نقصان الفرضين بغير القصر و التمام بهما في الكراهة كما إذا ائتمّ الصبح بالظهر أو المغرب أو هي بالعشاء أو العكس.

[مسائل]

[مسألة 1: يجوز لكلّ من الإمام و المأموم عند انتهاء صلاته قبل الآخر بأن كان مقصّراً و الآخر متمّا]

[1981] مسألة 1: يجوز لكلّ من الإمام و المأموم عند انتهاء صلاته قبل الآخر بأن كان مقصّراً و الآخر متمّا، أو كان المأموم مسبوقاً، أن لا يسلّم و ينتظر الآخر حتّى يتمّ صلاته و يصل إلى التسليم فيسلّم معه، خصوصاً للمأموم إذا اشتغل بالذكر و الحمد و نحوهما إلى أن يصل الإمام، و الأحوط الاقتصار [1] على صورة لا تفوت الموالاة، و أمّا مع فواتها ففيه إشكال، من غير فرق بين كون المنتظر هو الإمام أو المأموم (1).

____________

(1) أفاد (قدس سره) أنّ كلّاً من الإمام و المأموم لو انتهت صلاته قبل الآخر كما لو كانا مختلفين في العدد كالقصر و التمام و المغرب و العشاء، أو كان المأموم مسبوقاً، جاز له انتظار الآخر حتّى يتمّ صلاته و يصل إلى التسليم فيسلّم معه، لأنّ ذلك بمثابة تطويل الجماعة فيحصل على مزيد من الأجر و الثواب، و يشتغل حينئذ بالذكر من الحمد و التسبيح و نحوهما إلى أن يصل إليه الآخر. لكنّه (قدس سره) قيّد الحكم بصورة عدم فوات الموالاة، أمّا مع‌

____________

[1] بل هو الأظهر إذا كان الانتظار مجرّداً عن الذكر و نحوه، و أمّا معه فلا تفوت الموالاة، لأنّ كلّ ما ذكر اللّٰه به فهو من الصلاة.