موسوعة الإمام الخوئي - ج18

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
410 /
101

و فوت محلّ التدارك (1) إمّا بالدخول في ركن بعده على وجه لو تدارك المنسي

____________

مدفوعة بأنّها متعرّضة لحكم واحد متعلّق بنسيان السجدة، و قد عرفت أنّه مبتلى بالمعارض، فلا يمكن التفكيك بين الجهتين. فهي متروكة، و مثلها غير صالح للاستدلال.

و ثانياً: مع الغضّ عن ذلك فهي معارضة حتّى من ناحية الدلالة على سجود السهو برواية أبي بصير النافية له، التي هي صحيحة على طريق الصدوق كما مرّ (1) قال: «سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم، قال: يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته، فاذا انصرف قضاها، و ليس عليه سهو» (2).

و حينئذ فإمّا أن يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب، أو يرفع اليد عنهما بعد التعارض و التساقط و يرجع إلى أصالة البراءة. فالأقوى عدم الوجوب كما نسب إلى أكثر المتأخّرين، و إن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ الواجب في نسيان التشهد إنّما هو سجدتا السهو، و ضمّ القضاء مبنيّ على الاحتياط. و في السجدة المنسية الأمر بالعكس فالواجب هو القضاء، و ضمّ سجدتي السهو مبنيّ على الاحتياط.

(1) بعد أن فرغ (قدس سره) عن حكم نسيان ما عدا الأركان و أنّه لا يوجب البطلان، بل يتدارك مع بقاء المحلّ و إلّا مضى و لا شي‌ء عليه عدا القضاء و سجدتي السهو في بعض الموارد على التفصيل الذي مرّ تصدّى (قدس سره) لبيان ما به يتحقّق فوات المحلّ، و ذكر لذلك أُموراً ثلاثة:

____________

(1) في ص 86.

(2) الوسائل 6: 365/ أبواب السجود ب 14 ح 4.

102

لزم زيادة الركن، و إمّا بكون محلّه في فعل خاصّ جاز محلّ ذلك الفعل كالذكر في الركوع و السجود إذا نسيه و تذكّر بعد رفع الرأس منهما، و إمّا بالتذكر بعد السلام الواجب [1]. فلو نسي القراءة أو الذكر أو بعضهما أو الترتيب فيهما أو إعرابهما أو القيام فيهما أو الطمأنينة فيه و ذكر بعد الدخول في الركوع فات محلّ التدارك، فيتمّ الصلاة و يسجد سجدتي السهو للنقصان إذا كان المنسي من الأجزاء، لا لمثل الترتيب و الطمأنينة ممّا ليس بجزء، و إن تذكّر قبل الدخول في الركوع رجع و تدارك و أتى بما بعده و سجد سجدتي السهو لزيادة ما أتى به من الأجزاء. نعم، في نسيان القيام حال القراءة أو الذكر و نسيان الطمأنينة فيه لا يبعد فوت محلّهما قبل الدخول في الركوع أيضاً، لاحتمال كون القيام واجباً حال القراءة لا شرطاً فيها [2]، و كذا كون الطمأنينة واجبة حال القيام لا شرطاً فيه، و كذا الحال في الطمأنينة حال التشهّد و سائر الأذكار، فالأحوط العود و الإتيان بقصد الاحتياط و القربة لا بقصد الجزئية. و لو نسي الذكر في الركوع أو السجود أو الطمأنينة حاله و ذكر بعد رفع الرأس منهما فات محلّهما، و لو تذكّر قبل الرفع أو قبل الخروج عن مسمّى الركوع وجب الإتيان بالذكر، و لو كان المنسي الطمأنينة حال الذكر فالأحوط

____________

أحدها: الدخول في الركن الذي بعده، و الوجه في فوت المحلّ بذلك ظاهر فإنّ جزئية المنسي أو شرطيته أو مانعيته لو كانت ثابتة مطلقاً و حكمنا لأجله بالتدارك كان لازمه اتصاف ما وقع من الركن بالزيادة الموجبة لإعادة الصلاة‌

____________

[1] الظاهر أنّه لا يتحقّق الخروج عن المحلّ بذلك، بل السلام حينئذ يقع في غير محلّه.

[2] مرّ الكلام فيه في المسألة الثانية في فصل القيام.

103

إعادته بقصد الاحتياط و القربة، و كذا لو نسي وضع أحد المساجد حال السجود. و لو نسي الانتصاب من الركوع و تذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية فات محلّه، و أمّا لو تذكّر قبله فلا يبعد [1] وجوب العود إليه، لعدم استلزامه إلّا زيادة سجدة واحدة، و ليست بركن، كما أنّه كذلك لو نسي الانتصاب من السجدة الأُولى و تذكّر بعد الدخول في الثانية، لكن الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة. و لو نسي الطمأنينة حال أحد الانتصابين احتمل

____________

و حديث لا تعاد الحاكم على الأدلّة الأولية مانع عن الإعادة المستندة إلى ما عدا الأركان، و موجب لاختصاص المنسي بحال الذكر، فلا موقع للتدارك.

الثاني: و هو الأمر الثالث في كلامه (قدس سره) أن يكون التذكّر بعد السلام الواجب، فلو سلّم و تذكّر نقص السجدة الواحدة أو التشهّد أو الصلوات جاز محلّ التدارك، فان كان ممّا يقضى كالأولين تلافاه، و إلّا كما في الأخير مضى و لا شي‌ء عليه. و الوجه في ذلك كون التسليم مخرجاً عن الصلاة إمّا تعبّداً أو لكونه من كلام الآدمي، فلا يبقى معه محلّ التدارك.

أقول: تقدّم قريباً (1) أنّه لا دليل على مخرجية السلام مطلقاً، بل المخرج منه منحصر في أحد أمرين: إمّا وقوعه في محلّه أو صدوره متعمّداً في غير محلّه كما دلّت عليه صحيحة ميسر (2)، و قد ورد في مرسلة الصدوق (3) أنّ ابن مسعود‌

____________

[1] لا يبعد فوات المحلّ بالخروج من حدّ الركوع و إن لم يدخل في السجدة الأُولى، و رعاية الاحتياط أولى.

____________

(1) في ص 69.

(2) الوسائل 6: 409/ أبواب التشهد ب 12 ح 1.

(3) الوسائل 6: 410/ أبواب التشهد ب 12 ح 2، الفقيه 1: 261/ 1190.

104

..........

____________

أفسد على القوم صلاتهم لإدراجه التسليم في التشهّد الأوّل.

و أمّا السلام الواقع في غير محلّه سهواً كما في المقام فلا دليل على كونه مخرجاً بل المستفاد من بعض الروايات مضافاً إلى حديث لا تعاد كما سبق عدم الخروج به، كما ورد في من سلّم على الثالثة باعتقاد أنّها الرابعة من أنّه يلغي السلام و يأتي بالرابعة ثمّ يسلّم (1).

و عليه فلا بدّ في المقام من التدارك لو تذكّر بعد السلام و قبل المنافي، فيرجع و يتلافى المنسي و يسلّم، و يكون ذلك السلام الواقع في غير محلّه زائداً يسجد له سجدتي السهو.

الثالث: و هو الأمر الثاني في كلامه (قدس سره) ما إذا كان محلّ المنسي مقرّراً في فعل خاص، و قد جاز محلّ ذلك الفعل و خرج عن الظرف الذي عيّنه الشارع له و إن لم يدخل في الركن.

و قد طبّق (قدس سره) هذه الكبرى على موارد، و ذكر لها أمثلة، و إن كانت الكبرى في حدّ نفسها ممّا لا إشكال فيها.

منها: ما لو نسي الذكر في الركوع أو السجود و تذكّر بعد رفع الرأس. أمّا بالإضافة إلى الركوع فظاهر، لاستلزام التدارك لزيادة الركن، و قد عرفت في الأمر الأوّل تجاوز المحلّ في مثل ذلك.

و أمّا بالنسبة إلى السجود فالتدارك و إن كان ممكناً، إذ غايته زيادة سجدة واحدة سهواً و لا ضير فيها، إلّا أنّه مع ذلك لا يجب، لفوات المحلّ.

و الوجه فيما أفاده (قدس سره) أنّا قد استفدنا من الروايات كصحيحة حماد و غيرها (2) أنّ الواجب في الصلاة سجدتان، الاولى و الثانية، و يجب في كلّ منهما‌

____________

(1) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1 و غيره.

105

..........

____________

بعنوان أنّهما الاولى و الثانية الذكر و بقية ما يعتبر في السجدة من الطمأنينة و وضع اليدين و الركبتين و الإبهامين، و عدم علو المسجد عن الموقف. فهذه واجبات قرّرها الشارع في كلّ واحدة من السجدتين.

فلو نسي شيئاً منها في السجدة الأُولى مثلًا و تذكّر بعد رفع الرأس امتنع التدارك، إذ السجدة الواجبة المتقوّمة بوضع الجبهة على الأرض قد تحقّقت فلو سجد أُخرى فهي غير الاولى، لامتناع إعادة المعدوم، و من المعلوم أنّ تلك الأُمور إنّما كانت واجبة في خصوص الاولى لا في مطلق السجود.

و إن شئت قلت: كانت معتبرة في الطبيعي المنطبق على السجدة الأُولى، و قد حصلت، و سقط أمرها، و امتنعت إعادتها، فلا يمكن التدارك إلّا بإعادة الصلاة المنفية بحديث لا تعاد.

و هكذا الحال في السجدة الثانية، فإنّه لو أعادها كانت ثالثة، و تلك الأُمور معتبرة في الثانية بخصوصها، الممتنع تداركها إلّا بإعادة الصلاة كما عرفت.

نعم، لو كان المنسي ممّا يعتبر في تحقّق السجود الشرعي و من مقوّماته كالسجود على الأرض، فنسي و سجد على القير أو المأكول و الملبوس، فحيث إنّ السجود الواجب غير متحقّق حينئذ لنهي الشارع عن السجود على هذه الأُمور كان محلّ التدارك باقياً، و لذا قلنا في محلّه بوجوب إعادة السجدة في مثل ذلك (1).

و على الجملة: بعد فرض تحقّق السجدة المأمور بها المستتبع لسقوط أمرها فالواجب الذي قرّره الشارع في هذه الحالة من الذكر و نحوه لو كان وجوبه مطلقاً فتداركه غير ممكن، بعد ملاحظة امتناع إعادة المعدوم إلّا بإعادة الصلاة المنفيّة بحديث لا تعاد. و نتيجة ذلك تجاوز المحلّ و عدم إمكان التدارك، إلّا إذا‌

____________

(1) شرح العروة 13: 182، 15: 136.

106

فوت المحلّ [1] و إن لم يدخل في السجدة كما مرّ نظيره، و لو نسي السجدة الواحدة أو التشهّد و ذكر بعد الدخول في الركوع أو بعد السلام فات محلّهما [1] و لو ذكر قبل ذلك تداركهما، و لو نسي الطمأنينة في التشهّد فالحال كما مرّ من أنّ الأحوط الإعادة بقصد القربة و الاحتياط، و الأحوط [2] مع ذلك إعادة الصلاة أيضاً، لاحتمال كون التشهّد زيادة عمدية حينئذ خصوصاً إذا تذكّر نسيان الطمأنينة فيه بعد القيام.

____________

كان الإخلال عائداً إلى نفس السجود لفقد ما يعتبر في تحقّقه شرعاً، الذي لا يجري الحديث في مثله كما عرفت.

و العبرة في كلّ ذلك بشمول الحديث و عدمه، فكلّما لزم من التدارك إعادة الصلاة حكم بتجاوز المحلّ، و إلّا فلا. فتطبيق هذه القاعدة على ذكرى الركوع و السجود صحيح و في محلّه، و وجهه هو ما ذكرناه، مضافاً إلى لزوم زيادة الركن في الأوّل كما مرّ.

و منها: ما لو نسي القيام أو الطمأنينة حال القراءة فتذكّر قبل الدخول في الركوع، أو نسي الطمأنينة حال التشهّد فتذكّر قبل القيام، أو حال الذكر فتذكّر قبل رفع الرأس من الركوع أو السجود، ففي جميع ذلك احتمل (قدس سره) فوات المحلّ، بناءً على أنّ القيام حال القراءة أو الاطمئنان حالها أو حال التشهّد أو الذكر واجب مستقلّ مقرّر في حالة خاصّة، فيفوت محلّه بالخروج عن تلك الحالة. نعم، بناءً على أن يكون ذلك شرطاً في الواجب لا واجباً في واجب‌

____________

[1] لكنّه بعيد بالنسبة إلى نسيان الطمأنينة في الجلوس بين السجدتين.

[1] مرّ آنفاً عدم فوت المحل به.

[2] هذا الاحتياط ضعيف جدّاً.

107

..........

____________

لزمه التدارك، لبقاء المحلّ كما لا يخفى.

أقول: قد ذكرنا في بحث القيام (1) وجوب التدارك حتّى بناءً على كون القيام أو الطمأنينة واجباً مستقلا، و ذلك لأنّ فرض الارتباطية الملحوظة بين أجزاء المركّب لا ينفكّ عن فرض الاشتراط و التقييد، فكلّ جزء مشروط بغيره من الأجزاء المتقدّمة و المتأخّرة و المقارنة.

فالقيام و إن بنينا على كونه واجباً مستقلا حال القراءة إلّا أنّ قضية الارتباطية تستدعي أن يكون كلّ منهما مضافاً إلى جزئيته المستقلّة شرطاً في الآخر، فالجزء من القراءة حصّة خاصّة منها و هي المقارنة للقيام، و كذا العكس فالإخلال بأحدهما إخلال بالآخر لا محالة.

و عليه فالقراءة في غير حال القيام فاقدة للشرط، فيجب استئنافها تحصيلًا للحصّة الواجبة قبل فوات محلّها، و كذا الحال في الطمأنينة، فانّ الارتباطية تستدعي أن تكون شرطاً في كلّ من القراءة و التشهّد و الذكر، فلو تذكّر بعد الفراغ عنها و قبل أن يركع، أو قبل أن يقوم عن التشهّد، بل و لو قام ما لم يركع، أو قبل أن يرفع رأسه من الركوع أو السجود نسيان الطمأنينة في هذه الأُمور وجب التدارك، لأنّ مرجعه إلى عدم الإتيان بالحصّة الواجبة منها مع بقاء المحلّ، و كذا الحال لو نسي الطمأنينة في الجلوس بين السجدتين لعين ما ذكر. ففي جميع ذلك حيث إنّ الواجب لم يؤت به في ظرفه و المحلّ باقٍ فلا مناص من التدارك.

و منها: ما لو نسي الانتصاب من الركوع، و قد حكم (قدس سره) بفوات المحلّ فيما لو كان التذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية التي هي ركن، و أمّا لو تذكّر قبله فلم يستبعد (قدس سره) وجوب العود، لعدم استلزامه إلّا زيادة‌

____________

(1) شرح العروة 14: 173 174.

108

..........

____________

سجدة واحدة، و ليست بركن. و كذا الحال لو نسي الانتصاب من السجدة الأُولى و تذكّر بعد الدخول في الثانية، فإنّه يجب العود و التدارك، لما ذكر.

أقول: الظاهر فوات المحلّ في الفرض الأوّل و إن لم يدخل في السجدة الثانية بل و لا الاولى فتذكّر عند الهوي إلى السجود، و ذلك لما تقدّم في بحث الركوع من أنّ القيام الواجب بعده ليس هو مطلق الانتصاب و حصول القيام بعد الركوع كيف ما كان، بل المستفاد من الأدلّة أنّ الواجب حينئذ عنوان خاص و هو رفع الرأس عن الركوع حتّى يعتدل قائماً. فالقيام الواجب هو القيام عن الركوع، لا القيام بعد الركوع، و بين الأمرين فرق واضح.

و من هنا ذكرنا في محلّه (1) أنّه لو جلس عن ركوعه و لو متعمّداً لحاجة دعت إليه كأخذ شي‌ء من الأرض، فإنّ هذا الجلوس غير المقصود به الجزئية جائز و غير مبطل قطعاً، و مع ذلك فسدت صلاته من أجل الإخلال بالقيام الواجب فإنّه لو قام فهو قيام عن الجلوس لا عن الركوع، و ليس هو مصداقاً للمأمور به.

و على الجملة: القيام بعد الركوع ليس هو واجباً مستقلا في حدّ نفسه كي يقبل التدارك، و إنّما الواجب رفع الرأس عن الركوع، أي كما أوجد الركوع عن القيام يعود إلى ما كان عليه، و هذا لا يمكن تداركه إلّا بإعادة الركوع، المستلزمة لزيادة الركن.

و عليه فلو كان المنسي نفس الانتصاب فضلًا عن الطمأنينة حال الانتصاب فهو غير قابل للتدارك، حتّى لو كان التذكر عند الهوي و قبل الدخول في السجود لعدم كون قيامه حينئذ عن الركوع، فالظاهر تجاوز المحلّ في مثله و عدم إمكان الرجوع.

____________

(1) شرح العروة 15: 53.

109

[مسألة 19: لو كان المنسي الجهر أو الإخفات لم يجب التدارك بإعادة القراءة]

[2020] مسألة 19: لو كان المنسي الجهر أو الإخفات لم يجب التدارك بإعادة القراءة أو الذِّكر على الأقوى (1) و إن كان أحوط إذا لم يدخل في الركوع.

____________

نعم، لو رجع و قام قبل أن يدخل في السجدة الأُولى بعنوان الرجاء و الاحتياط لم يكن به بأس، دون ما لو كان التذكّر بعد الدخول فيها كما لا يخفى.

و هذا بخلاف الانتصاب بعد السجدة الاولى (1) فلو نسيه حتّى دخل في السجدة الثانية كان محلّ التدارك باقياً، إذ الواجب إنّما هو الجلوس بين السجدتين و أن ينتصب بعد الاولى قبل الثانية، و هذا قابل للتدارك، لعدم استلزامه زيادة الركن فلا يقاس ذلك بالانتصاب بعد الركوع، فيرجع هنا و يتدارك لبقاء المحلّ كما ذكره (قدس سره).

(1) لأنّ دليل اعتبار الجهر و الإخفات و هو صحيح زرارة خاصّ بحال العلم و الالتفات، قال (عليه السلام) فيه: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه، و قد تمّت صلاته» (2). فالمقتضي للإعادة لدى النسيان قاصر في حدّ نفسه بعد أخذ العمد جزءاً للموضوع، و معه لا يبقى مجال للتدارك.

و منه تعرف أنّ الاحتياط الذي ذكره في المتن من العود ما لم يدخل في الركوع لم يظهر له وجه أصلًا، اللّٰهمّ إلّا التشكيك في صدور هذه الصحيحة و مطابقتها للواقع، و إلّا فبحسب الصناعة لا وجه لهذا الاحتياط أبداً، و لا بأس بالاحتياط الاستحبابي لما ذكر.

____________

(1) لو كان الواجب هو الانتصاب بعد الاولى بوصفها العنواني فهو أيضاً غير قابل للتدارك لعين ما مرّ في المورد الأوّل.

(2) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.

110

..........

____________

ثمّ إنّ مراده (قدس سره) من الذكر المعطوف على القراءة لا بدّ و أن يكون هو التسبيحات الأربع في الركعتين الأخيرتين، التي هي بدل عن القراءة و محكومة بالإخفات، و إن كان المتعارف التعبير عنها بالتسبيح دون الذكر، و إلّا فلم يوجد في الصلاة ذكر غير ذلك محكوم بوجوب الجهر فيه أو الإخفات كي يبحث عن تداركه لدى النسيان و عدم التدارك كما هو ظاهر.

111

[فصل: في الشكّ]

فصل: في الشكّ و هو إمّا في أصل الصلاة و أنّه هل أتى بها أم لا، و إمّا في شرائطها، و إمّا في أجزائها، و إمّا في ركعاتها.

[مسألة 1: إذا شكّ في أنّه هل صلّى أم لا، فإن كان بعد مضي الوقت لم يلتفت]

[2021] مسألة 1: إذا شكّ في أنّه هل صلّى أم لا، فإن كان بعد مضي الوقت لم يلتفت و بنى على أنّه صلّى سواء كان الشكّ في صلاة واحدة أو في الصلاتين، و إن كان في الوقت وجب الإتيان بها كأن شكّ في أنّه صلّى صلاة الصبح أم لا، أو هل صلّى الظهرين أم لا، أو هل صلّى العصر بعد العلم بأنّه صلّى الظهر أم لا. و لو علم أنّه صلّى العصر و لم يدر أنّه صلّى الظهر أم لا فيحتمل جواز البناء على أنّه صلاها، لكن الأحوط الإتيان بها، بل لا يخلو عن قوة، بل و كذلك لو لم يبق إلّا مقدار الاختصاص بالعصر و علم أنّه أتى بها و شكّ في أنّه أتى بالظهر أيضاً أم لا فإنّ الأحوط الإتيان بها [1] و إن كان احتمال البناء على الإتيان بها و إجراء حكم الشكّ بعد مضي الوقت هنا أقوى من السابق، نعم لو بقي من الوقت مقدار الاختصاص بالعصر و علم بعدم الإتيان بها أو شكّ فيه، و كان شاكاً في الإتيان بالظهر وجب الإتيان بالعصر، و يجري حكم الشكّ بعد الوقت [2] بالنسبة إلى الظهر

____________

[1] بل الأظهر ذلك.

[2] بل حكم الشك بعد التجاوز، و على فرض الإغماض عنه لا يجب القضاء لأنّه بأمر جديد.

112

لكن الأحوط قضاء الظهر أيضاً (1).

____________

(1) بعد أن قسّم (قدس سره) الشكّ إلى ما كان في أصل الصلاة تارة، و أُخرى في شرائطها، و ثالثة في أجزائها، و رابعة في ركعاتها، تعرّض فعلًا لحكم الشكّ في أصل الصلاة و أنّه هل أتى بها أم لا.

و قد فصّل (قدس سره) بين ما إذا كان الشكّ بعد مضيّ الوقت و دخول الحائل و بين ما إذا كان في الوقت، فحكم بالاعتناء في الثاني دون الأوّل. و كلا الحكمين مضافاً إلى التسالم عليهما كما يظهر من غير واحد مطابق للقاعدة.

أمّا الأوّل: فلأنّ التكليف الثابت في الوقت قد سقط جزماً إمّا بالامتثال أو بخروج الوقت، فلو كان ثمّة تكليف فهو متعلّق بالقضاء، و حيث إنّه بأمر جديد و موضوعه الفوت و هو مشكوك فيه حسب الفرض فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. و من المعلوم أنّ استصحاب عدم الإتيان في الوقت غير مجدٍ في إثباته إذ لا يترتّب عليه عنوان الفوت، الذي هو الموضوع للقضاء كما عرفت إلّا على القول بالأصل المثبت.

و أمّا الثاني: فلأنه مقتضى قاعدة الاشتغال، بل الاستصحاب الذي هو حاكم عليها بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في مثل المقام كما بيّناه في الأُصول (1)، إذ معه يحرز عدم الإتيان، فلا تصل النوبة إلى الشكّ كي يرجع فيه إلى قاعدة الاشتغال، هذا.

مضافاً إلى ورود النصّ الصحيح المتكفّل لكلا الحكمين، و هو صحيحة زرارة و الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال: متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها صلّيتها، و إن‌

____________

(1) [توجد هذه الكبرى مع مثال آخر في مصباح الأُصول 2: 295].

113

..........

____________

شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال كنت» (1).

و مقتضى إطلاق النصّ كعموم القاعدة عدم الفرق في الشكّ الحادث بعد خروج الوقت بين ما إذا كان متعلّقاً بصلاة واحدة أم بصلاتين كالظهرين كما هو واضح، كما أنّ الحادث في الوقت أيضاً كذلك، فلو شكّ في أنّه هل صلّى الصبح أم لا، أو هل صلّى الظهرين أم لا، أو هل صلّى خصوص العصر أم لا، وجب الاعتناء، لما عرفت.

إنّما الكلام فيما إذا علم بالإتيان بالمترتّبة كالعصر أو العشاء و قد شكّ في الوقت في الإتيان بالسابقة كالظهر أو المغرب، فهل يجب الاعتناء حينئذ أيضاً أم لا؟

قد يفرض عروض الشك في الوقت المشترك، و أُخرى في الوقت المختص فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فقد احتمل فيه الماتن جواز البناء على أنّه صلاها. و ربما يستدلّ له بوجهين:

أحدهما: ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلًا من كتاب حريز بن عبد اللّٰه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا جاء يقين بعد حائل قضاه و مضى على اليقين، و يقضي الحائل و الشكّ جميعاً، فان شكّ في الظهر فيما بينه و بين أن يصلّي العصر قضاها، و إن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت إلّا أن يستيقن، لأنّ العصر حائل فيما بينه و بين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلّا بيقين» (2).

____________

(1) الوسائل 4: 282/ أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

(2) الوسائل 4: 283/ أبواب المواقيت ب 60 ح 2، السرائر 3: 558.

114

..........

____________

و فيه: ما ذكرناه غير مرّة من أنّ طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز مجهول فالرواية في حكم المرسل فلا يعتمد عليها، و يزيدها وهناً أنّها غير مذكورة في شي‌ء من الكتب الأربعة مع بناء المشايخ الثلاثة على النقل عن كتاب حريز كما صرّح به الكليني و الصدوق في ديباجتي الكافي (1) و الفقيه (2).

ثانيهما: قاعدة التجاوز التي يثبت بها وجود صلاة الظهر، فإنّها تشمل الأجزاء و غيرها من الأعمال المستقلّة التي لها محلّ معيّن، كما يكشف عنه تطبيقها في صحيح زرارة على الأذان و الإقامة.

أقول: قد ذكرنا في الأُصول (3) أنّ قاعدة التجاوز المتقوّمة بالشكّ في الوجود لا في صحّة الموجود سواء أ كانت جارية في الأجزاء أم في غيرها يعتبر فيها التجاوز عن المشكوك، و بما أنّ التجاوز عن نفسه غير معقول، لفرض الشكّ في أصل وجوده، فلا جرم يراد به التجاوز عن محلّه المقرّر له شرعاً بالدخول في الجزء المترتّب عليه، فانّ محلّ التكبير قبل القراءة، و هي قبل الركوع، و هو قبل السجود و هكذا، كما أنّ محلّ الأذان قبل الإقامة فلا يشرع بعدها، فلو شكّ في شي‌ء من ذلك و قد خرج عن محلّه لا يلتفت إليه.

و هذا المعنى غير متحقّق في المترتّبتين كالظهرين و العشاءين، ضرورة أنّ ما له المحلّ منهما إنّما هي الصلاة المترتّبة كالعصر و العشاء، فهي التي اعتبر فيها التأخّر و كان محلّها الشرعي بعد الظهر و المغرب، و أمّا السابقة فلا محلّ لها أصلًا و لم يعتبر فيها القبلية أبداً.

____________

(1) [لم نجد له تصريحاً بذلك].

(2) الفقيه 1: 3.

(3) مصباح الأُصول 3: 279.

115

..........

____________

و قد ذكرنا في محلّه (1) أنّ قوله (عليه السلام): «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (2) إشارة إلى ما هو المتعارف بحسب الوجود الخارجي، و يشتمل على نوع مسامحة في التعبير، أو أنّه تفنّن في العبارة. و المراد أنّ هذه بعد هذه، و إلّا فاتصاف الظهر أو المغرب بالقبلية غير معتبر في صحّتها قطعاً.

فلو صلّى الظهر بانياً على ترك العصر عمداً و عصياناً و لم يأت بها بعدها أبداً صحّ الظهر بلا إشكال، و إن كان آثماً في ترك العصر. أو لو قدّمها نسياناً فتذكّر بعد الفراغ عدم الإتيان بالظهر أتى بها، و لا حاجة إلى إعادة العصر رعاية للقبلية، و الترتيب المعتبر في العصر ذكرى لا يلزم تداركه، بمقتضى حديث لا تعاد. أو لو فرضنا أنّه أتى بالظهر و نسي العصر رأساً لم يفت منه من وظيفة الظهر شي‌ء، و حصل الامتثال بالنسبة إليه بلا إشكال.

فيستكشف من جميع ذلك أنّه لا يشترط في الظهر تقدّمه على العصر، بل العصر مشروط بتقدّم الظهر عليه. إذن فليس للظهر محلّ شرعي كي تجري فيه قاعدة التجاوز بلحاظ الخروج عن محلّه.

و الذي يكشف عمّا ذكرناه أنّه لو كان له محلّ شرعي كان اللّازم جريان قاعدة التجاوز لو عرض له الشكّ أثناء صلاة العصر أيضاً، إذ بمجرّد الدخول فيها يتجاوز المحلّ، و لا يناط ذلك بالفراغ عنها قطعاً. و لا نظنّ فقيهاً يلتزم بذلك، بل لا بدّ من الاعتناء حينئذ و العدول إليها.

و كيف ما كان، فلا ينبغي التأمّل في عدم جريان القاعدة في المترتّبتين، بل لا بدّ من الاعتناء و الإتيان بالسابقة من الظهر أو المغرب، للاستصحاب أو لا‌

____________

(1) [لم نعثر على ذلك، نعم أشار إليه في شرح العروة 11: 210، 409، مصباح الأُصول 3: 316 317].

(2) الوسائل 4: 126/ أبواب المواقيت ب 4 ح 5 و غيره.

116

..........

____________

أقلّ من قاعدة الاشتغال كما مرّ.

نعم، في الظهرين حيث يحتمل احتساب العصر المقدّم بدلًا عن الظهر و لزوم الإتيان بالعصر بعد ذلك، لقوله (عليه السلام) في النصّ الصحيح: «إنّما هي أربع مكان أربع» (1) كان الأولى الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة من دون نيّة الظهر أو العصر كما مرّ التعرّض له في مبحث الأوقات (2).

و أمّا المقام الثاني: أعني ما لو عرض الشك في السابقة في الوقت المختصّ باللّاحقة من العصر أو العشاء، فقد يفرض مع العلم بالإتيان باللّاحقة، و أُخرى مع العلم بالعدم أو الشكّ فيه الملحق به.

أمّا في فرض العلم بالإتيان فقد ذكر في المتن أنّ احتمال البناء على فعل المشكوك و إجراء حكم الشكّ بعد مضيّ الوقت أقوى هنا من الفرض السابق لقوّة احتمال أن يكون الشكّ العارض في الوقت المختصّ بمثابة الشكّ بعد خروج الوقت، المحكوم بعدم الاعتناء.

أقول: إذا بنينا على ثبوت وقت الاختصاص بمعنى أنّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختصّ بصلاة العصر، كما أنّ مقدارها من أوّله مختصّ بصلاة الظهر، بحيث لا يكون الوقت في حدّ ذاته صالحاً لغير ذلك، و أنّ وقت العصر إنّما يدخل بعد مضيّ مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت، كما أنّ وقت الظهر ينتهي عند بلوغ أربع ركعات من آخره، و يتفرّع عليه بطلان العصر لو أوقعه نسياناً في أوّل الوقت كما التزم به القائل بوقت الاختصاص، فبناءً على هذا القول يتّجه حينئذ ما ذكره، و لا مناص عن الالتزام بخروج الوقت، و أنّ الشك العارض عندئذ يجري عليه حكم الشكّ في خارج الوقت و لا يعتنى به.

____________

(1) الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

(2) شرح العروة 11: 205.

117

..........

____________

و أمّا إذا أنكرنا ذلك كما أنكرناه على ما سبق في محلّه (1) و قلنا إنّ المستفاد من الأدلّة أنّ كلّ جزء من أجزاء الوقت من المبدإ إلى المنتهي صالح في حدّ ذاته لكلّ من الصلاتين، و قابل لإيقاع كلّ من الشريكتين، غير أنّ مراعاة الترتيب تستدعي تقديم الظهر، فلا يجوز إيقاع العصر أوّل الوقت اختياراً، و لا بأس نسياناً بمقتضى حديث لا تعاد.

و بطبيعة الحال يختصّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت بالعصر، بمعنى أنّه لا يزاحمه الظهر عندئذ ما دامت الذمّة مشغولة بالعصر، فإن قضيّة الترتيب تستوجب ذلك. و هذا هو معنى وقت الاختصاص.

أمّا لو كانت فارغة منه للإتيان به قبل ذلك و لو نسياناً أو باعتقاد الإتيان بالظهر قبله، المحكوم بالصحّة لذكرية شرطية الترتيب بمقتضى حديث لا تعاد كما عرفت فلا مانع من الإتيان بالظهر في هذا الوقت، لما عرفت من أنّ الوقت في حدّ ذاته صالح لكلّ منهما، و لم يثبت اختصاص الجزء الأخير بالعصر إلّا بالمعنى الذي ذكرناه أعني عدم جواز مزاحمة الظهر له. و حيث إنّ المفروض فراغ الذمّة عن العصر فلا أمر به كي تقع المزاحمة، فلا محذور في الإتيان بالظهر عندئذ أداءً بعد وجود المقتضي و عدم المانع حسب الفرض.

و على الجملة: إذا بنينا على ثبوت وقت الاختصاص بالمعنى الذي ذكرناه و هو الحقّ، لعدم اقتضاء الأدلّة أكثر من ذلك فلا مناص من الإتيان بالظهر المشكوك فيه، إمّا للاستصحاب أو لقاعدة الاشتغال كما مرّ، فإنّه من الشكّ في الوقت، لا في خارجه كي يلحقه حكمه.

و أمّا في فرض العلم بعدم الإتيان بالعصر أو الشكّ فيه و المفروض شكّه في الظهر أيضاً، فلا إشكال في لزوم الإتيان بالعصر حينئذ كما هو ظاهر.

____________

(1) في شرح العروة 11: 127.

118

[مسألة 2: إذا شكّ في فعل الصلاة و قد بقي من الوقت مقدار ركعة]

[2022] مسألة 2: إذا شكّ في فعل الصلاة و قد بقي من الوقت مقدار ركعة فهل ينزّل منزلة تمام الوقت أو لا؟ وجهان (1) أقواهما الأوّل، أمّا لو بقي أقل من ذلك فالأقوى كونه بمنزلة الخروج.

____________

و أمّا بالنسبة إلى الظهر فقد بنى (قدس سره) على إجراء حكم الشكّ بعد الوقت و قد ظهر ممّا قدّمناه المناقشة في ذلك، لابتنائه على تفسير وقت الاختصاص بالمعنى الأوّل كما لا يخفى. و قد عرفت أنّ الصحيح هو المعنى الثاني، و عليه فالشكّ المزبور من الشكّ في الوقت لا في خارجه، و مع ذلك فالصحيح هو ما ذكره (قدس سره) من عدم الاعتناء.

أمّا أوّلًا: فلقاعدة التجاوز، فانّ المستفاد من الأدلّة أنّ محلّ الظهر شرعاً هو قبل هذا الوقت الذي لا تجوز فيه مزاحمة العصر لدى عدم الإتيان به، فالشكّ عندئذ معدود من الشكّ بعد تجاوز المحلّ كما لا يخفى.

و ثانياً: مع الإغماض عن ذلك و تسليم إنكار المحلّ الشرعي كما قد يتراءى ممّا قدّمناه فتكفينا أصالة البراءة عن القضاء، فإنّ الأمر الأدائي بالظهر ساقط وقتئذ جزماً إمّا للامتثال أو للعجز، من أجل عدم إمكان اجتماعه مع الأمر الفعلي المتعلّق بالعصر و لزوم صرف الوقت فيه، لعدم سعة الوقت لكلتا الصلاتين حسب الفرض.

و أمّا الأمر القضائي فغير معلوم الحدوث، لأنّ القضاء بأمر جديد، و موضوعه الفوت، و هو مشكوك. و استصحاب عدم الإتيان لا يجدي في إثبات عنوان الفوت كما مرّ، فيرجع حينئذ إلى أصالة البراءة عن القضاء.

(1) مبنيان على استظهار المراد من الوقت الوارد في صحيحة زرارة و الفضيل‌

119

..........

____________

المتقدّمة (1) قال (عليه السلام) «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة ...» إلخ، و أنّ الظاهر منه هل هو الوقت الأعم من الحقيقي و التنزيلي بمقتضى التوسعة المستفادة من حديث من أدرك، الوارد في صلاة الغداة (2) و الملحق بها بقية الصلوات بعدم القول بالفصل، أو أنّه منصرف إلى خصوص الوقت الحقيقي الثابت بمقتضى الجعل الأوّلي.

و حيث إنّ الأظهر هو الاحتمال الأوّل، لعدم قصور في شمول الإطلاق له بعد ملاحظة التوسعة المزبورة، كان الأقوى ما اختاره الماتن (قدس سره) من التنزيل.

و مع الإغماض عن ذلك (3) و التشكيك في المراد من النصّ لتكافؤ الاحتمالين فغايته الإجمال المسقط عن الاستدلال، فيرجع حينئذ إلى ما تقتضيه القاعدة.

و لا ريب أنّ مقتضاها الاعتناء أيضاً، إذ بعد جريان استصحاب عدم الإتيان بالمشكوك فيه و لا أقلّ من قاعدة الاشتغال فهو بمثابة العالم بعدم الإتيان فيشمله حديث من أدرك المتكفّل لتوسعة الوقت بالإضافة إلى من لم يدرك منه إلّا ركعة، فإنّ هذا ممّن لم يدرك إلّا ركعة بمقتضى الاستصحاب أو القاعدة. فالنتيجة إلحاق هذا الشكّ بالشكّ في تمام الوقت، المحكوم بالاعتناء و الالتفات إليه.

هذا كلّه فيما إذا بقي من الوقت مقدار ركعة أو أكثر، و أمّا إذا بقي أقلّ من ذلك فالأقوى كونه بمنزلة الخروج كما ذكره في المتن، لعدم بقاء الوقت الحقيقي و لا التنزيلي، فيصدق الشكّ بعد خروج الوقت، المحكوم بعدم الاعتناء في النصّ المتقدّم.

____________

(1) في ص 112.

(2) الوسائل 4: 217/ أبواب المواقيت ب 30.

(3) هذا الجواب هو المتعيّن، و أمّا ما أفاده (دام ظله) أولًا من التمسّك بالإطلاق فلا يكاد يجدي من دون التمسّك بالاستصحاب، لعدم إحراز موضوع الحديث إلّا به كما لا يخفى.

120

[مسألة 3: لو ظنّ فعل الصلاة فالظاهر أنّ حكمه حكم الشكّ في التفصيل]

[2023] مسألة 3: لو ظنّ فعل الصلاة فالظاهر أنّ حكمه حكم الشكّ في التفصيل بين كونه في الوقت أو في خارجه، و كذا لو ظنّ عدم فعلها (1).

[مسألة 4: إذا شكّ في بقاء الوقت و عدمه يلحقه حكم البقاء]

[2024] مسألة 4: إذا شكّ في بقاء الوقت و عدمه يلحقه حكم البقاء (2).

____________

و على فرض التشكيك في ذلك و احتمال كون المراد خروج الوقت بتمامه بحيث لم يبق أيّ جزء منه و لو كان أقلّ من الركعة فغايته الإجمال أيضاً، و مقتضى القاعدة حينئذ عدم الاعتناء، فإنّ الأمر الأدائي ساقط جزماً إمّا للامتثال أو لعدم سعة الوقت حتّى التنزيلي منه حسب الفرض.

و أمّا القضاء فحيث إنّه بأمر جديد و موضوعه الفوت و هو مشكوك فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة، و قد عرفت غير مرّة أنّ أصالة عدم الإتيان في الوقت لا تجدي في إثبات عنوان الفوت الذي هو الموضوع للقضاء إلّا على القول بالأصل المثبت.

(1) إذ بعد عدم الدليل على اعتباره فهو ملحق بالشكّ، فانّ الظنّ لا يغني عن الحقّ، بل هو باعتبار الشكّ في اعتباره من أقسام الشكّ حقيقة. و مجرّد رجحان الفعل أو الترك لا يخرجه عن عنوان الشكّ الذي هو خلاف اليقين لغة (1) كما تقتضيه المقابلة بينه و بين اليقين في الصحيحة المتقدّمة (2) فيلحقه التفصيل المتقدّم بين الوقت و خارجه كما هو ظاهر.

(2) لاستصحاب بقاء الوقت على سبيل مفاد كان التامة حسبما أوضحناه في الأُصول (3).

____________

(1) المنجد: 397 مادّة شكّ.

(2) في ص 112.

(3) مصباح الأُصول 3: 122 و ما بعدها.

121

[مسألة 5: لو شكّ في أثناء صلاة العصر في أنّه صلّى الظهر أم لا]

[2025] مسألة 5: لو شكّ في أثناء صلاة العصر في أنّه صلّى الظهر أم لا فإن كان في الوقت المختصّ بالعصر بنى على الإتيان بها، و إن كان في الوقت المشترك عدل إلى الظهر بعد البناء على عدم الإتيان بها (1).

____________

(1) فصّل (قدس سره) بين ما إذا كان ذلك في الوقت المشترك فيعدل إلى الظهر بعد البناء على عدم الإتيان بها، و بين ما إذا كان في الوقت المختصّ بالعصر فيبني على الإتيان بها و يتمّها عصراً، فانّ وظيفته ذلك حتّى مع القطع بعدم الإتيان بالظهر فضلًا عن الشكّ فيه.

أقول: ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح في كلا الفرضين:

أمّا في الوقت المشترك فلاستصحاب عدم الإتيان بالظهر، و لا أقلّ من قاعدة الاشتغال، فهو بمثابة العالم بعدم الإتيان بالظهر، و قد دلّت النصوص الكثيرة على وجوب العدول إليها لو تذكّر ذلك أثناء العصر كما تقدّمت سابقاً (1).

و قد يتوهّم البناء على الإتيان، استناداً إلى قاعدة التجاوز، بدعوى أنّ محلّ الظهر قبل العصر، و بالدخول فيه قد تجاوز المحلّ فيبني على الإتيان.

و فيه: ما تقدّم قريباً (2) من عدم جريان القاعدة في مثل المقام، إذ ليس للظهر محلّ خاص، و إنّما المحلّ معتبر في العصر فقط، فإنّه المشروط بتأخّره عن الظهر و ليس الظهر مشروطاً بتقدّمه على العصر كي يكون له محلّ معيّن شرعاً، فالبعدية ملحوظة في العصر بمقتضى الترتيب، لا أنّ القبلية معتبرة في الظهر. و عليه فمحلّ المشكوك باقٍ بحاله و لم يتجاوز عنه و لو كان الشكّ عارضاً بعد الفراغ عن العصر، فضلًا عمّا إذا كان في الأثناء، فلا مناص من الاعتناء.

و أمّا في الوقت المختصّ فيبني على الإتيان كما أفاده (قدس سره).

____________

(1) شرح العروة 11: 205 و ما بعدها.

(2) في ص 114 و ما بعدها.

122

[مسألة 6: إذا علم أنّه صلّى إحدى الصلاتين من الظهر أو العصر و لم يدر المعيّن منهما]

[2026] مسألة 6: إذا علم أنّه صلّى إحدى الصلاتين من الظهر أو العصر و لم يدر المعيّن منهما يجزيه الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة سواء كان في الوقت أم في خارجه، نعم لو كان في وقت الاختصاص بالعصر يجوز له البناء [1] على أنّ ما أتى به هو الظهر فينوي فيما يأتي به العصر. و لو علم أنّه صلّى إحدى العشاءين و لم يدر المعيّن منهما وجب الإتيان بهما، سواء كان في الوقت أم في خارجه، و هنا أيضاً لو كان في وقت الاختصاص بالعشاء بنى على أنّ ما أتى به هو المغرب و أنّ الباقي هو العشاء (1)

____________

أمّا أوّلًا: فلقاعدة التجاوز، إذ المستفاد من الأدلّة أنّ محلّ الظهر هو قبل الانتهاء إلى هذا الوقت لدى عدم الإتيان بصلاة العصر، لاختصاص الوقت بها، بمعنى عدم مزاحمتها به كما مرّ (1)، فالشكّ العارض في هذا الوقت و لم يفرغ بعد عن وظيفة العصر شكّ بعد تجاوز المحلّ كما مرّ سابقاً.

و ثانياً: مع الإغماض عن ذلك فتكفينا أصالة البراءة عن القضاء، فإنّ الأمر بالظهر أداءً ساقط حينئذ على كلّ تقدير إمّا للامتثال أو لعدم سعة الوقت بعد لزوم صرفه في العصر، و أمّا القضاء فموضوعه الفوت، و هو مشكوك، فينفى بالبراءة بعد وضوح أنّ أصالة عدم الإتيان لا تجدي في إثباته، لعدم حجّية الأُصول المثبتة كما مرّ غير مرّة.

(1) إذا علم إجمالًا بعدم الإتيان بواحد من الظهرين أو واحد من العشاءين فقد يكون ذلك في الوقت المشترك، و قد يكون في الوقت المختص.

____________

[1] لاستصحاب عدم الإتيان بالعصر، و لا يعارضه استصحاب عدم الإتيان بالظهر لعدم الأثر، هذا بناءً على عدم انقلاب ما أتى به عصراً ظهراً، و إلّا فلا أثر للشك.

____________

(1) في ص 117.

123

..........

____________

أمّا في الوقت المشترك: فلا إشكال في وجوب الإتيان بكلتا الصلاتين، عملًا بقاعدة الاشتغال الناشئ من العلم الإجمالي ببقاء أحد الوجوبين بعد معارضة الاستصحاب من الطرفين، فانّ الفراغ اليقيني عن التكليف المعلوم لا يحصل إلّا بذلك.

نعم، فيما إذا كانت الصلاتان متّحدتي العدد كالظهرين يجزيه الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة، لكفاية القصد الإجمالي بلا إشكال بمقتضى القاعدة مضافاً إلى الصحيحة الواردة في الفائتة المردّدة بينهما المصرّحة بذلك (1).

هذا بناءً على أنّ العصر المقدّم نسياناً يقع عصراً و يأتي بالظهر بعد ذلك كما عليه المشهور، و أمّا بناءً على أنّه يحتسب ظهراً و يعدل بنيّته إليه و يأتي بالعصر بعد ذلك، لقوله (عليه السلام) في النصّ الصحيح: «إنّما هي أربع مكان أربع» (2) جاز له الإتيان بنيّة العصر خاصّة، لأنّ الباقي في ذمّته على هذا المبنى إنّما هو العصر على كلّ تقدير كما لا يخفى. و كيف ما كان، فلا ينبغي الإشكال في كفاية الإتيان بقصد ما في الذمّة كما عرفت.

و أمّا في الوقت المختصّ بالعصر أو العشاء فقد ذكر (قدس سره) أنّه يجوز له البناء على أنّ ما أتى به هو الظهر أو المغرب، فينوي فيما يأتي به العصر أو العشاء.

و الوجه فيما أفاده (قدس سره) أنّا إنّما ذكرنا في الفرض السابق وجوب الإتيان بكلتا الصلاتين أو بأربع بقصد ما في الذمّة من جهة معارضة الأصلين بعد العلم الإجمالي كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 8: 275/ أبواب قضاء الصلوات ب 11 ح 1 [لا يخفى أنّها لم ترد في خصوص الظهرين].

(2) الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

124

[مسألة 7: إذا شكّ في الصلاة في أثناء الوقت و نسي الإتيان بها]

[2027] مسألة 7: إذا شكّ في الصلاة في أثناء الوقت و نسي الإتيان بها وجب عليه القضاء إذا تذكّر خارج الوقت (1)، و كذا إذا شكّ و أعتقد أنّه خارج

____________

أمّا في المقام فتجري أصالة عدم الإتيان بالعصر بلا معارض، إذ لا أثر لأصالة عدم الإتيان بالظهر، فإنّها إنّما تنفع في وجوب الإتيان بالظهر لدى إحراز فراغ الذمّة عن العصر، و هو مشكوك حسب الفرض.

و واضح أنّ الأصل المزبور لا يترتّب عليه وقوع العصر خارجاً و فراغ الذمّة عنه، إذ لا يثبت به اللّازم كي يتعارض الأصلان. فأصالة عدم الإتيان بالعصر التي نتيجتها اختصاص الوقت بالعصر سليمة عن المعارض، فيجوز له أن ينوي فيما يأتي به العصر، كما يجوز له الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة.

و منه تعرف الحال في العشاء، فإنّ أصالة عدم الإتيان بها غير معارضة بأصالة عدم الإتيان بالمغرب، لعدم الأثر كما عرفت.

و بالجملة: أصالة عدم الإتيان بالظهر أو المغرب لا تنفع في وجوب الإتيان بهما في الوقت لما ذكر، و لا في خارجه قضاءً، لأنّ موضوعه الفوت الذي لا يثبت بالأصل المزبور، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. فلا مانع من البناء على الإتيان بهما كما أُفيد في المتن.

(1) إذ بعد حدوث الشكّ في الوقت الموجب لتنجّز التكليف عليه بمقتضى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال فهو محرز للفوت وجداناً، الذي هو الموضوع لوجوب القضاء، و إن كان الفائت هو امتثال التكليف الظاهري الثابت ببركة الأصل لا الواقعي، ضرورة أنّ القضاء تابع لفوت الوظيفة المقرّرة في الوقت سواء أ كانت واقعية أم ظاهرية قد ثبتت بدليل شرعي كالاستصحاب، أم عقلي كقاعدة الاشتغال.

125

الوقت ثمّ تبيّن أنّ شكّه كان في أثناء الوقت (1)، و أمّا إذا شكّ و اعتقد أنّه في الوقت فترك الإتيان بها عمداً أو سهواً ثمّ تبيّن أنّ شكّه كان خارج الوقت فليس عليه القضاء.

[مسألة 8: حكم كثير الشكّ في الإتيان بالصلاة و عدمه حكم غيره]

[2028] مسألة 8: حكم كثير الشكّ في الإتيان بالصلاة و عدمه حكم غيره، فيجري فيه التفصيل بين كونه في الوقت و خارجه. و أمّا الوسواسي فالظاهر أنّه يبني على الإتيان و إن كان في الوقت (2).

____________

(1) فيجب الاعتناء عملًا بالاستصحاب أو قاعدة الاشتغال، إذ الاعتبار بحدوث الشكّ في الوقت الواقعي لا الخطائي الخيالي. و منه تعرف عدم القضاء في صورة العكس المذكورة بعد ذلك.

(2) أمّا إذا بلغت كثرة الشكّ حدّ الوسواس فلا إشكال في عدم الاعتناء فيبني على الإتيان و إن كان في الوقت، لأنّ مضافاً إلى قيام الإجماع عليه، بل قيل بحرمته استناداً إلى بعض النصوص، و إن كانت الدلالة قاصرة كما مرّت الإشارة إليه في مطاوي بعض الأبحاث السابقة (1) المقتضي للاعتناء من النصّ أو الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال في نفسه قاصر الشمول لمثل ذلك، لانصرافه إلى الشكوك المتعارفة الناشئة عن منشإ عقلائي، فلا يعمّ الوسواسي الذي ربما يستند شكّه إلى الجنون. و كذا الحال في القاعدة، فإنّ الاشتغال اليقيني أنّما يستدعي اليقين المتعارف بالفراغ كما لا يخفى.

و أمّا إذا لم تبلغ ذاك الحدّ، بل كان مجرّد كثرة الشكّ، على الخلاف في تفسير ضابطها من الإيكال إلى الصدق العرفي، أو عدم خلوّ ثلاث صلوات متتاليات‌

____________

(1) شرح العروة 3: 160 161.

126

..........

____________

عن الشكّ كما هو المقرّر في محلّه (1) عند التعرّض لكثرة الشكّ المتعلّق بالأجزاء فهل الكثرة المتعلّقة بأصل الصلاة تلحق بكثرة الشكّ المتعلّق بالأجزاء في عدم الاعتناء، أو لا؟

المعروف و المشهور عدم الإلحاق كما اختاره في المتن، اقتصاراً في الخروج عن عموم أدلّة الشكوك من الشرعية و العقلية على المقدار المتيقّن، و هو كثرة الشكّ المتعلّق بأجزاء الصلاة أو ركعاتها، فلا يتعدّى إلى من كان كثير الشك في أصل الصلاة، أو في تحصيل شرائطها من الطهارة الحدثية كالغسل و الوضوء، أو الخبثية كتطهير الثوب أو البدن و نحو ذلك، لما عرفت من أنّ الأخبار الواردة في كثير الشكّ التي بها يخرج عن مقتضى العموم موردها الشكّ في الأجزاء أو الركعات مثل موثقة عمّار: «في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري أركع أم لا، و يشكّ في السجود فلا يدري أسجد أم لا، فقال: لا يسجد و لا يركع و يمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً ...» إلخ (2)، و نحوها غيرها ممّا ورد في الركعات، فيحتاج التعدّي و إلغاء خصوصية المورد إلى دليل مفقود، هذا.

و يستفاد من الموثّقة أنّ وظيفة كثير الشكّ هو عدم الاعتناء و المضيّ في صلاته و أنّه لو اعتنى فركع أو سجد أفسد و نقض صلاته، إذ بعد النهي عنهما فالإتيان من الزيادة العمدية القادحة كما لا يخفى.

و كيف ما كان فربما يستدلّ للتعدّي:

تارة بصحيحة ابن مسلم: «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان» (3).

____________

(1) شرح العروة 19: 11.

(2) الوسائل 8: 229/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 5.

(3) الوسائل 8: 227/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1.

127

..........

____________

و أُخرى بصحيحة زرارة و أبي بصير و لعلّها أوضح قالا «قلنا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك، كلّما أعاد شكّ، قال: يمضي في شكّه، قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد فليمض أحدكم في الوهم، و لا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ ...» إلخ (1).

فإنّه يستفاد منهما أنّ المناط في عدم الاعتناء بكثرة الشكّ عدم تمكين الخبيث و تطميعه و تعويده، و أنّه متى تُرك تَرك و لم يعد إليه الشك، فلا يفرق في ذلك بين تعلّق الكثرة بأجزاء الصلاة أم بأصلها.

و لكنّ الظاهر عدم الدلالة على التعدّي، لوجود الفارق.

أمّا الأخيرة فلأنّ موردها النقض و قطع الصلاة، و هو إمّا محرّم كما عليه المشهور أو مكروه على الأقل، و على أيّ حال فهو أمر مرجوح. و مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع أن يكون ذلك مستنداً إلى الشيطان و ناشئاً عن إغوائه، و من ثمّ أمر (عليه السلام) بعدم الاعتناء، فكيف يمكن أن يقاس عليه الشكّ المتعلّق بأصل الصلاة المستتبع للتكرار، ضرورة أنّه و إن كثر لا مرجوحية فيه أبداً ما لم يبلغ حدّ الوسوسة كما هو المفروض، فكيف يمكن أن يدّعى أنّه من عمل الشيطان و مستند إلى تطميعه كي يشمله النصّ.

و كذا الحال في كثرة الشكّ المتعلّق بالشرائط الخارجة عن الصلاة كالتطهير من الحدث أو الخبث و نحو ذلك، فإنّ شيئاً من ذلك ما لم يصل حدّ الوسواس و كان الشكّ ناشئاً عن سبب عادي متعارف كما هو محلّ الكلام لا مرجوحية فيه بوجه.

____________

(1) الوسائل 8: 228/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2.

128

[مسألة 9: إذا شكّ في بعض شرائط الصلاة فامّا أن يكون قبل الشروع فيها أو في أثنائها]

[2029] مسألة 9: إذا شكّ في بعض شرائط الصلاة فامّا أن يكون قبل الشروع فيها أو في أثنائها أو بعد الفراغ منها، فإن كان قبل الشروع فلا بدّ من إحراز ذلك الشرط و لو بالاستصحاب و نحوه من الأُصول، و كذا إذا كان في الأثناء، و إن كان بعد الفراغ منها حكم بصحّتها و إن كان يجب إحرازه للصلاة الأُخرى، و قد مرّ التفصيل في مطاوي الأبحاث السابقة (1).

____________

و منه تعرف الحال في الصحيحة السابقة، فإنّ موردها النقض أيضاً و لو بقرينة الروايات الواردة في كثير الشكّ في الأجزاء الناهية عن الاعتناء كموثّقة عمّار المتقدّمة، بناءً على ما استظهرنا منها كما مرّ من الدلالة على البطلان و انتقاض الصلاة لو اعتنى بشكّه من أجل الزيادة العمدية، فقياس ما عدا ذلك عليه قياس مع الفارق. فلا وجه للتعدّي عن مورد الصحيحتين.

إذن يبقى عموم أدلّة الشكوك شرعيّها و عقليّها سليماً عن المخصّص، و لعلّه من أجل ذلك لم يلتزم الفقهاء بإجراء حكم الشكّ المتعلّق بالأجزاء أو الركعات فيما عداهما، بل بنوا على الاعتناء.

(1) بعد ما فرغ (قدس سره) عن بيان حكم الشكّ في أصل الصلاة تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم الشكّ في الشرائط، و في المسائل الآتية لحكم الشكّ في الأجزاء. فذكر (قدس سره) أنّ الشكّ في الشرط قد يكون قبل الشروع في الصلاة، و أُخرى أثناءها، و ثالثة بعد الفراغ منها.

أمّا في الأخير: فلا إشكال في عدم الاعتناء و البناء على الصحّة، لقاعدة الفراغ المستفادة من الروايات الكثيرة كما هو مقرّر في محلّه (1).

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 262 و ما بعدها.

129

..........

____________

و أمّا في الأوّل: فلا بدّ من إحراز الشرط و لو بالأصل من استصحاب و نحوه إذ الشكّ في الشرط شكّ في المشروط، و هو مانع عن إحراز الامتثال الذي لا بدّ من اليقين به في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم.

و أمّا في الثاني: فإن كان محرزاً للشرط فعلًا و قد شكّ في تحقّقه بالإضافة إلى الأجزاء السابقة كما لو رأى نفسه متوجّهاً نحو القبلة و شكّ في كونه كذلك قبل ذلك، لا مانع حينئذ من جريان قاعدة التجاوز في الأجزاء السابقة، فتكون صحّتها محرزة بالتعبّد و صحّة اللّاحقة بالوجدان، فيحكم بصحّة الصلاة بضمّ الوجدان إلى الأصل.

و أمّا إذا لم يحرزه بالفعل كما لو كان شاكاً في الطهارة وجب الاعتناء، لعين ما مرّ في الأوّل من لزوم إحراز الشرط، عملًا بقاعدة الاشتغال.

و ربما يقال كما عن بعض بأنّ الشكّ في الطهارة في الأثناء لا يستوجب البطلان، بل يتوضّأ و يبني على صلاته بعد إجراء قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الأجزاء السابقة.

و فيه ما لا يخفى، فإنّه خلط بين ما هو شرط للجزء و ما يكون شرطاً في أصل الصلاة، ففي الأوّل يتمّ ما أُفيد كما في مثال القبلة المتقدّم، و كما لو شكّ حال القراءة في القيام حال التكبير الذي هو شرط في صحّته، بل هو ركن كما مرّ (1)، فيبني على صحّة الجزء السابق بقاعدة التجاوز، و يحرز الشرط للجزء اللّاحق بالوجدان، فتصحّ الصلاة بضمّ الوجدان إلى الأصل كما عرفت.

و أمّا الطهارة فهي من قبيل الثاني، حيث إنّها شرط في تمام حالات الصلاة بما فيها من الأكوان المتخلّلة بين الأجزاء، و ليست شرطاً في الأجزاء خاصّة بل في الأكوان أيضاً و إن لم تكن هي من الصلاة. فما دام المصلّي في الصلاة‌

____________

(1) في ص 52.

130

[مسألة 10: إذا شكّ في شي‌ء من أفعال الصلاة فامّا أن يكون قبل الدخول في الغير المرتّب عليه]

[2030] مسألة 10: إذا شكّ في شي‌ء من أفعال الصلاة فامّا أن يكون قبل الدخول في الغير المرتّب عليه و إمّا أن يكون بعده (1)، فإن كان قبله وجب الإتيان كما إذا شكّ في الركوع و هو قائم، أو شكّ في السجدتين أو السجدة الواحدة و لم يدخل في القيام أو التشهّد، و هكذا لو شكّ في تكبيرة الإحرام و لم يدخل فيما بعدها، أو شكّ في الحمد و لم يدخل في السورة، أو فيها و لم يدخل في الركوع أو القنوت. و إن كان بعده لم يلتفت و بنى على أنّه أتى به

____________

و متشاغلًا بها يجب أن يكون متطهّراً. و عليه ففي حالة الاشتغال بالتوضي التي هي كون صلاتي حسب الفرض غير محرز للشرط، فلا يمكن تحصيله بالتوضي في الأثناء، بل لا مناص من إعادة الصلاة بعد تحصيل الطهارة كما ذكرناه.

(1) الشكّ في جزء من أفعال الصلاة قد يكون بعد تجاوز المحلّ المتحقّق بالدخول في الغير المترتّب عليه كما لو شكّ في القراءة بعد ما ركع، أو في الركوع بعد ما سجد. و قد يكون قبل التجاوز كما لو شكّ في الركوع و هو قائم، أو في السجود و لم يدخل في القيام أو التشهد. ففي الأوّل لم يلتفت و بنى على أنّه أتى به، و في الثاني يجب الاعتناء و الإتيان بالمشكوك فيه.

و يدلّ على الحكمين مضافاً إلى التسالم و عدم الخلاف جملة وافرة من النصوص المعتبرة التي منها صحيحة زرارة المتكفّلة لكلا الحكمين، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة، قال: يمضي، قلت: رجل شكّ في الأذان و الإقامة و قد كبّر، قال: يمضي، قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ، قال: يمضي، قلت: شكّ في القراءة و قد ركع، قال: يمضي، قلت: شكّ في الركوع و قد سجد، قال: يمضي على صلاته، ثمّ قال: يا زرارة إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (1).

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

131

من غير فرق بين الأوّلتين و الأخيرتين على الأصحّ (1)

____________

دلّ الصدر على عدم الاعتناء بعد ما تجاوز، و الذيل بمقتضى المفهوم على الاعتناء ما لم يتجاوز و لم يدخل في الغير. مضافاً إلى أنّ الأخير مطابق لقاعدة الاشتغال أو الاستصحاب. فالحكم في الجملة مسلّم لا غبار عليه، إنّما الكلام في بعض الخصوصيات التي أُشير إليها في المتن، و نتعرّض إليها في ضمن جهات:

(1) الاولى: هل تختصّ قاعدة التجاوز بالركعتين الأخيرتين أو تعمّ الأولتين؟

المشهور هو الثاني، أخذاً بإطلاق النصوص. و عن جماعة كالشيخين (1) و العلّامة (2) و ابن حمزة (3) الأوّل، نظراً إلى ورود جملة من النصوص المعتبرة المتضمّنة للزوم سلامة الأولتين عن الشكّ لأنّهما فرض اللّٰه، و فرضه تعالى لا يدخله الشكّ و الوهم (4)، و بذلك يقيّد الإطلاق في تلك النصوص و يحمل على الأخيرتين.

و لكن الصحيح ما عليه المشهور، فانّ هذه النصوص ظاهرة أو محمولة على إرادة الشكّ في الركعات، كيف و بعض تلك الروايات صريحة في الركعة الأُولى كصحيحة زرارة المتقدّمة، فإنّ سبق ذكر الإقامة و التكبير يستدعي إرادتها كما لا يخفى، فلا يمكن ارتكاب التقييد فيها، فيكشف ذلك عن أنّ المراد من الشكّ‌

____________

(1) المقنعة: 145 [لاحظ ص 138 منها، حيث قال: فان شكّ في الركوع و هو قائم ...، حيث لم يفصّل بين الركعات] النهاية: 92، التهذيب 2: 154/ ذيل ح 604.

(2) التذكرة 3: 316 [لكن فصّل بين الركن و غيره، و ما نقل إنّما يستفاد من كلام العلّامة بعد ملاحظة صدر مسألة 341 من التذكرة].

(3) الوسيلة: 101.

(4) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1، 2 و غيرهما.

132

و المراد بالغير مطلق الغير المرتّب على الأوّل كالسورة بالنسبة إلى الفاتحة (1) فلا يلتفت إلى الشكّ فيها و هو آخذ في السورة، بل و لا إلى أوّل الفاتحة أو السورة و هو في آخرهما، بل و لا إلى الآية و هو في الآية المتأخّرة، بل و لا إلى أوّل الآية و هو في آخرها. و لا فرق بين أن يكون ذلك الغير جزءاً واجباً أو مستحبّاً [1] كالقنوت بالنسبة إلى الشكّ في السورة و الاستعاذة بالنسبة إلى تكبيرة الإحرام، و الاستغفار بالنسبة إلى التسبيحات الأربعة، فلو شكّ في شي‌ء من المذكورات بعد الدخول في أحد المذكورات لم يلتفت.

____________

الممنوع دخوله في الأُوليين في تلك النصوص خصوص الشكّ المتعلّق بعدد الركعات لو لم تكن ظاهرة فيها في نفسها كما عرفت.

و منه تعرف ضعف التفصيل بين الركن و غيره كما عن بعضهم، للتصريح في الصحيحة بعدم الاعتناء بالشكّ في الركوع بعد ما سجد.

(1) الجهة الثانية: هل تختصّ القاعدة بالأجزاء المستقلّة فلا تشمل الجزء غير المستقل، فلو شكّ في الفاتحة بعد ما دخل في السورة وجب الاعتناء، أو أنّها تشمل الأجزاء بأسرها؟

قد يقال بالأوّل، نظراً إلى أنّ المذكورات في صحيح زرارة كلّها من قبيل الأجزاء المستقلّة، إذ الظاهر أنّ المراد بالقراءة تمامها المشتمل على الفاتحة و السورة، فالمجموع جزء مستقلّ معنون بهذا العنوان، فلا دليل على جريانها في الجزء غير المستقل، بل المرجع حينئذ القاعدة الأوّلية المقتضية للاعتناء أعني الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال، اقتصاراً في الخروج عمّا يقتضيه الأصل الأوّلي‌

____________

[1] في جريان قاعدة التجاوز بالدخول في المستحبّ المترتب إشكال، بل منع.

133

كما أنّه لا فرق في المشكوك فيه أيضاً بين الواجب و المستحب (1).

____________

على المقدار المتيقّن.

و لكن الظاهر هو الثاني، فإنّ المذكورات في الصحيح من باب المثال، و العبرة إنّما هي بالضابطة الكلّية الواقعة في كلام الإمام (عليه السلام) المذكورة في ذيل الصحيحة، قال (عليه السلام): «يا زرارة إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء»، و من المعلوم أنّ إطلاق الشي‌ء غير قاصر الشمول لغير المستقلّ من الأجزاء.

بل الظاهر شمول الإطلاق لأبعاض الجزء الواحد، فلو شكّ في أوّل الفاتحة أو السورة و هو في آخرهما أو في آية و هو في الآية المتأخّرة لم يلتفت، لاندراج الكلّ تحت إطلاق النصّ.

نعم، يعتبر في الشمول صدق الخروج و الدخول عرفاً الذي هو الموضوع في الجريان بمقتضى الضابطة المتقدّمة، فلا تجري لو شكّ في كلمة من الآية أو من الجملة المستقلّة و قد دخل في كلمة اخرى، فضلًا عمّا لو شكّ في حرف من الكلمة الواحدة و هو في الحرف الآخر منها كما لو شكّ عند التلفظ بنون (العالمين) في العين منها، و أنّه هل أدّاها على النهج العربي الصحيح أو باللهجة الفارسية المؤدية إلى قلب العين همزة، فإنّ شيئاً من ذلك غير مشمول للنصّ، لانتفاء الصدق العرفي المزبور الذي هو المدار في جريان القاعدة كما عرفت. فالشكّ في أمثال ذلك يعد من الشكّ في المحلّ المحكوم بالاعتناء.

(1) الجهة الثالثة: لا فرق في جريان القاعدة بين كون المشكوك فيه من الأجزاء الواجبة أو المستحبّة، فلو شكّ بعد الدخول في التشهّد في الإتيان بالذكر المستحبّ الوارد قبل ذلك أعني قول: بسم اللّٰه و باللّٰه و الأسماء الحسنى كلّها للّٰه ...

134

..........

____________

إلخ، أو بعد الدخول في القراءة في الاستعاذة و نحو ذلك، لم يلتفت و بنى على الإتيان، لإطلاق النصّ، مضافاً إلى ما في صحيح زرارة من عدم الاعتناء بالشكّ في الأذان و الإقامة بعد ما كبّر.

إنّما الكلام في عكس ذلك، أعني ما لو شكّ في الجزء الوجوبي و قد دخل في المستحبّ المترتّب عليه كما لو شكّ في القراءة بعد ما دخل في القنوت، أو في السجدة الثانية و هو متشاغل بذكر بسم اللّٰه و باللّٰه ... إلخ، و نحو ذلك.

فقد ذكر جماعة منهم الماتن جريان القاعدة حينئذ أيضاً، استناداً إلى إطلاق لفظ (الغير) المذكور في النصّ، فإنّه شامل لمطلق الغير المترتّب، سواء أ كان واجباً أم مستحباً.

و لكنّ الظاهر المنع، لا لقصور في إطلاق لفظ الغير، بل لعدم صدق التجاوز.

و توضيحه: أنّا قد أشرنا قريباً (1) إلى أنّ المعتبر في هذه القاعدة بعد ملاحظة أنّ الشكّ فيها متعلّق بأصل الوجود لا بصحة الموجود إنّما هو التجاوز عن محلّ المشكوك فيه، لامتناع التجاوز عن نفسه بعد فرض الشكّ في أصله، فلا بدّ من فرض محلّ شرعي مقرّر للمشكوك فيه ليصدق التجاوز عنه و لو بعناية التجاوز عن محلّه لدى الدخول فيما هو مترتّب عليه، و إلّا فلو لم يكن له محلّ خاصّ امتنع صدق التجاوز حتّى بالعناية كما لا يخفى.

و على ذلك رتّبنا المنع عن جريان القاعدة لو شكّ في الظهر بعد الإتيان بالعصر أو بعد الدخول فيه، لعدم لحاظ محلّ خاصّ للظهر، إذ هو غير مشروط بتقدّمه على العصر، بل العصر مشروط بتأخّره عن الظهر بمقتضى الترتيب الملحوظ بينهما، فالمحلّ المقرّر معتبر في العصر دون الظهر، فلا تجاوز كي تجري القاعدة.

____________

(1) في ص 114.

135

و الظاهر عدم الفرق [1] بين أن يكون ذلك الغير من الأجزاء أو مقدّماتها فلو شكّ في الركوع أو الانتصاب منه بعد الهويّ للسجود لم يلتفت، نعم لو شكّ في السجود و هو آخذ في القيام وجب عليه العود، و في إلحاق التشهّد به في ذلك وجه [1] إلّا أنّ الأقوى خلافه، فلو شكّ فيه بعد الأخذ في القيام لم يلتفت، و الفارق النصّ الدال على العود في السجود فيقتصر على مورده و يعمل بالقاعدة في غيره (1).

____________

و بعين هذا البيان يظهر وجه المنع في المقام، ضرورة أنّ القراءة لا محلّ لها بالإضافة إلى القنوت، لعدم كونها مشروطة بالتقدّم عليه، فهي غير مشروطة إلّا بالتقدّم على الركوع، و المحلّ غير ملحوظ إلّا بالقياس إليه فحسب، فلو ترك القنوت رأساً كانت القراءة واقعة في محلّها، و إنّما المعتبر في القنوت التأخّر عن القراءة و الوقوع بينها و بين الركوع، لا في القراءة التقدّم على القنوت.

و عليه فمحلّ القراءة باقٍ حقيقة و إن كان متشاغلًا بالقنوت، و لا يصدق التجاوز عنها بالدخول فيه، و إنّما يتجاوز بالدخول في الركوع كما عرفت. فلا مجال لجريان القاعدة حينئذ، بل لا بدّ من الاعتناء بالشكّ عملًا بالاستصحاب أو قاعدة الاشتغال.

(1) الجهة الرابعة: هل المراد بالغير الذي يعتبر الدخول فيه نفس الجزء المترتّب، أو يعمّ الدخول في مقدّمته فتجري القاعدة لو شكّ في الركوع بعد الهوي للسجود، أو شكّ في السجود أو التشهّد بعد النهوض و الأخذ في القيام؟

لعلّ المشهور هو الثاني، أخذاً بإطلاق الغير المذكور في النصّ. غير أنّ في‌

____________

[1] بل الظاهر اعتبار كون الغير من الأجزاء.

[1] و هو الأوجه.

136

..........

____________

خصوص الشكّ في السجود لدى النهوض يجب الرجوع للنصّ الخاصّ كما ستعرف. و عليه بنى في المتن و ذكر أنّه لا يتعدّى إلى التشهّد، للزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على المقدار المتيقّن.

و لكن الظاهر هو الأوّل، لا لقصور في إطلاق لفظ الغير، بل لما عرفت في الجهة السابقة من إناطة القاعدة بصدق التجاوز و الخروج عن محلّ الشي‌ء المشكوك فيه كما دلّت عليه صحيحتا زرارة و إسماعيل بن جابر (1).

و من الواضح أنّ هذا المعنى غير صادق عند الدخول في المقدّمات، لعدم كون الهوي أو النهوض من أجزاء الصلاة و واجباتها كي يكون محلّ الركوع أو السجود ملحوظاً شرعاً قبل ذلك، و إنّما يجب الإتيان بهما بحكم العقل من باب استحالة الطفرة، فليست المقدّمات من أفعال الصلاة المترتّبة على الجزء السابق ليصدق التجاوز، بل محلّ الركوع باقٍ ما لم يدخل في الجزء المترتّب عليه و هو السجود، كما أنّ محلّ السجود باقٍ ما لم يدخل في القيام.

و بعبارة اخرى: المراد بالغير هو الجزء المترتّب، لا مطلق ما كان مغايراً كقراءة آية من القرآن. و من الضروري أنّ المقدّمات ليست كذلك. و عليه فمقتضى القاعدة الاعتناء بالشكّ في مثل ذلك.

و منه تعرف أنّ النصّ الخاصّ المومئ إليه الوارد في المقام مطابق للقاعدة لا أنّه مخصّص لها كما أُفيد، و هو صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه: «... قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد قال: يسجد» (2). فلا مانع من التعدّي عن مورده إلى التشهّد.

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1، 6: 369/ أبواب السجود ب 15 ح 4.

(2) الوسائل 6: 369/ أبواب السجود ب 15 ح 6.

137

..........

____________

نعم، ربما يظهر من صحيحة أُخرى لعبد الرحمن جريان القاعدة لو شكّ في الركوع لدى الهوي إلى السجود، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: قد ركع» (1).

و من هنا فصّل صاحب المدارك بين النهوض و الهوي، فحكم بعدم الجريان في الأوّل لما مرّ، و الجريان في الثاني لهذه الصحيحة (2) و جعلها مخصّصة للقاعدة المتقدّمة.

و لكن الظاهر عدم التخصيص، و أنّ هذه الصحيحة أيضاً مطابقة للقاعدة لأنّ المذكور فيها لفظة «أهوى» بصيغة الماضي، و مفاده تحقّق الهوي إلى السجود المساوق لحصول السجود خارجاً، فإنّه مرادف لقولنا سقط إلى السجود، الملازم لتحقّقه، فيكون موردها الشكّ في الركوع بعد الوصول إلى السجود، الذي هو مورد لقاعدة التجاوز بلا كلام. فلا تدلّ على جريان القاعدة و عدم الاعتناء بالشكّ في الركوع حال الهوي و لو لم يصل إلى السجود.

نعم، لو كان التعبير هكذا: يهوي إلى السجود، بصيغة المضارع كان مفاده المعنى المذكور، لظهور هذه الهيئة في التلبّس دون التحقّق كما لا يخفى. و مراجعة الاستعمالات العرفية تشهد بصدق ما ادّعيناه من الفرق بين الماضي و المضارع فانّ معنى قولنا: زيد صلّى، تحقّق الصلاة و الفراغ منها، بخلاف قولنا: زيد يصلّي فانّ مفاده أنّه مشغول بالصلاة و لم يفرغ بعد عنها، هذا.

و مع الغضّ عمّا ذكرناه فغايته الإطلاق، و أنّ كلمة «أهوى» تشمل ما إذا وصل حدّ السجود و ما لم يصل، إذ لا ظهور لها في خصوص الثاني، فيقيّد بصحيحة إسماعيل بن جابر المتضمّنة أنّ مورد عدم الاعتناء بالشكّ في الركوع إنّما هو‌

____________

(1) الوسائل 6: 318/ أبواب الركوع ب 13 ح 6.

(2) المدارك 4: 249 250.

138

[مسألة 11: الأقوى جريان الحكم المذكور في غير صلاة المختار فمن كان فرضه الجلوس]

[2031] مسألة 11: الأقوى جريان الحكم المذكور في غير صلاة المختار فمن كان فرضه الجلوس مثلًا و قد شكّ في أنّه هل سجد أم لا و هو في حال الجلوس الذي هو بدل عن القيام لم يلتفت [1]، و كذا إذا شكّ في التشهّد، نعم لو لم يعلم أنّه الجلوس الذي هو بدل عن القيام أو جلوس للسجدة أو للتشهّد وجب التدارك، لعدم إحراز الدخول في الغير حينئذ (1).

____________

التجاوز عنه و الدخول في السجود، و هو واقع في كلام الإمام (عليه السلام) لا كلام السائل، قال (عليه السلام): «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (1).

نعم، صدر الصحيحة لا مفهوم له كما بيّناه في الأُصول (2). و لكن التحديد بالتجاوز المذكور في الذيل كاشف عمّا ذكرناه، و أنّ عدم الاعتناء بالشكّ في الركوع مورده التجاوز عنه أي عن محلّه، و قد عرفت أنّ التجاوز عن محلّ الركوع لا يكون إلّا بالدخول في الجزء المترتّب عليه، و ليس هو إلّا السجود دون الهوي كما مرّ، فيقيّد بذلك الإطلاق المزبور.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: عدم جريان القاعدة بالدخول في المقدّمات مطلقاً، من غير فرق بين الركوع و السجود و التشهّد.

(1) هل تختصّ قاعدة التجاوز بالأجزاء الأصلية، أو تعمّ الأبدال المجعولة في ظرف الاضطرار كالجلوس المجعول بدلًا عن القيام لدى العجز عنه؟ فلو دخل‌

____________

[1] بل يجب الالتفات ما لم يشتغل بالقراءة أو نحوها.

____________

(1) الوسائل 6: 369/ أبواب السجود ب 15 ح 4.

(2) مصباح الأُصول 3: 303.

139

..........

____________

في هذا البدل و شكّ في الجزء السابق فهل تجري القاعدة حينئذ أو لا؟.

ذكر (قدس سره) أنّ الأقوى هو الجريان و عدم اختصاص الحكم بصلاة المختار.

أقول: لا ينبغي التأمّل في شمول الحكم للأبدال، بل لا ينبغي جعل ذلك محلّاً للخلاف و الجدال، لا لأجل الاستناد إلى عموم دليل البدلية كي يناقش فيه بقصر نظره على البدلية من حيث الجزئية، و عدم تكفّله للتنزيل بلحاظ سائر الأحكام التي منها كون الدخول فيه موجباً لعدم الاعتناء بالشكّ في وجود ما قبله.

بل لأجل الاستناد إلى إطلاق نفس أدلّة القاعدة، إذ لا قصور في شموله للبديل كالأصيل بعد ملاحظة أنّ البدل هو الوظيفة المقرّرة في هذه الحالة، و هو الجزء المترتّب على ما قبله، و الدخول فيه يوجب التجاوز عن محلِّ المشكوك فيه فيشمله قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (1) و قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدّمة: «كل شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».

فلو كانت وظيفته الإيماء إلى الركوع فأومأ إليه و عند ذلك شكّ في القراءة أو أومأ إلى السجود فشكّ في إيمائه للركوع، أو كان عاجزاً عن القراءة فكانت وظيفته الانتقال إلى البدل و هو الإتيان بما تيسّر من القرآن، فأتى به و بعده شكّ في التكبير، لا ينبغي التأمّل في جريان القاعدة حينئذ، و لا نظنّ فقيهاً يرتاب في ذلك.

____________

(1) تقدّمت في ص 130.

140

..........

____________

و على الجملة: فشمول الكبرى لكلا المقامين و عموم الضابط لكلتا الصلاتين الاختيارية و الاضطرارية ممّا لا ينبغي المرية فيه و لا شبهة تعتريه.

إنّما الكلام في تطبيق ذلك على الصغرى المذكورة في المتن، و هي من كان فرضه الصلاة جالساً فشكّ في حال الجلوس في أنّه هل سجد أو هل تشهّد أم لا.

أمّا إذا لم يعلم أنّه الجلوس الذي هو بدل عن القيام أو أنّه جلوس للسجدة إمّا للاستراحة أو بين السجدتين أو للتشهّد، فلا إشكال في وجوب التدارك و عدم جريان القاعدة حينئذ، لعدم إحراز الدخول في الغير الذي هو شرط في الجريان كما أُشير إليه في المتن، و هو ظاهر.

و أمّا إذا علم ذلك و أنّه في حال الجلوس الذي هو بدل عن القيام فقد حكم في المتن بعدم الالتفات، و أنّ القاعدة تجري حينئذ.

و لكنّه مشكل جدّاً، فإنّ العبرة في جريان القاعدة بواقع التجاوز، لا بالبناء عليه و اعتقاده. و من المعلوم أنّ الجلوس إنّما يكون بدلًا عن القيام و يتحقّق معه التجاوز فيما لو كان مسبوقاً بالتشهّد و بالسجدتين واقعاً، سواء علم به المصلّي و بنى عليه أم لا، إذ لا يعتبر فيه قصد البدلية، فمتى كان مسبوقاً بهما اتّصف بالبدلية و بالتجاوز، و متى لم يكن مسبوقاً لم يكن بدلًا و لا متجاوزاً، و لا أثر لما تخيّله من الاعتقاد و البناء في شي‌ء من ذلك.

و عليه فمع الشكّ في المسبوقية كما هو المفروض لم يحرز بدلية هذا الجلوس عن القيام ليحرز معه التجاوز، فحيث إنّ صدق التجاوز و الخروج و الدخول مشكوك فيه لا مجال للتمسّك بالقاعدة.

و لا يقاس ذلك بالقيام حال الاختيار فإنّه غير بالذات، فيتحقّق معه التجاوز حقيقة، بخلاف الجلوس فانّ غيريّته لا تكون إلّا بالمسبوقية بما عرفت. و من‌

141

[مسألة 12: لو شكّ في صحّة ما أتى به و فساده لا في أصل الإتيان]

[2032] مسألة 12: لو شكّ في صحّة ما أتى به و فساده لا في أصل الإتيان، فإن كان بعد الدخول في الغير فلا إشكال في عدم الالتفات، و إن كان قبله فالأقوى عدم الالتفات أيضاً، و إن كان الأحوط الإتمام و الاستئناف إن كان من الأفعال، و التدارك إن كان من القراءة أو الأذكار ما عدا تكبيرة الإحرام [1] (1).

____________

هنا لو رأى نفسه في الجلوس بانياً على كونه بعنوان التعقيب و شكّ في السلام لم تجر القاعدة بلا كلام.

نعم، في المقام لو كان متشاغلًا حال الجلوس بالقراءة أو التسبيح جرت القاعدة، فإنّ الدخول في القراءة دخول في الغير و موجب لإحراز التجاوز كما هو ظاهر.

(1) فصّل (قدس سره) في هذه المسألة بين ما إذا كان الشكّ بعد الدخول في الغير و ما إذا كان قبله، و أنّه لا إشكال في عدم الالتفات في الأوّل، و كذا في الثاني على الأقوى، و ان كان الأحوط الإتمام و الاستئناف إن كان من الأفعال و التدارك إن كان من القراءة أو الأذكار ما عدا تكبيرة الإحرام.

أقول: أمّا الاحتياط الاستحبابي فهو حسن على كلّ حال، لكن لا وجه لاستثناء تكبيرة الإحرام عن الاحتياط بالتدارك و إلحاقها بالأفعال في الإتمام و الاستئناف، لإمكان التدارك فيها أيضاً كبقية الأذكار بالإتيان رجاءً بقصد القربة المطلقة، فيقصد بها مطلق الذكر الجامع بين الافتتاح لو كانت الأُولى باطلة و بين الذكر المطلق الذي هو حسن في كلّ حال لو كانت صحيحة، و بذلك‌

____________

[1] بل فيها أيضاً بقصد القربة المطلقة.

142

[مسألة 13: إذا شكّ في فعل قبل دخوله في الغير فأتى به ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّه كان آتياً به]

[2033] مسألة 13: إذا شكّ في فعل قبل دخوله في الغير فأتى به ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّه كان آتياً به فإن كان ركناً بطلت الصلاة و إلّا فلا، نعم يجب عليه سجدتا السهو [1] للزيادة، و إذا شكّ بعد الدخول في الغير فلم يلتفت ثمّ تبيّن عدم الإتيان به فان كان محلّ تدارك المنسي باقياً بأن لم يدخل في ركن

____________

يحصل الاحتياط من غير حاجة إلى الإتمام و الاستئناف كما لا يخفى.

و أمّا أصل المطلب فالصحيح ما أفاده (قدس سره) من عدم الالتفات و إن لم يدخل في الغير، و أنّ الدخول فيه لا يشترط إلّا في موارد الشكّ في أصل الوجود لا في صحة الموجود.

و الوجه فيه: أنّ في موارد الشكّ في الوجود التي تجري فيها قاعدة التجاوز لا يتحقّق التجاوز عن نفس المشكوك فيه و الخروج عنه، إذ لا يجتمع ذلك مع فرض الشكّ في أصل الوجود، و من المعلوم أنّ الخروج فرع الدخول، و هو غير محرز من أصله، فلا مناص من أن يراد به الخروج و التجاوز عن المحلّ بضرب من المسامحة، الذي لا يكاد يتحقّق إلّا بالدخول في الجزء المترتّب.

و هذا بخلاف موارد الشكّ في الصحّة التي تجري فيها قاعدة الفراغ، فانّ الخروج و التجاوز عن نفس المشكوك فيه يتحقّق بمجرّد الفراغ منه، إذ يصدق عليه حقيقة أنّه ممّا قد مضى، فيشمله قوله (عليه السلام): «كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (1)، و لا يناط الصدق المزبور بالدخول في الغير و لأجله لم يعتبر ذلك في جريان قاعدة الفراغ، و إنّما هو شرط في قاعدة التجاوز فحسب، فلو شكّ في صحّة القراءة مثلًا بعد ما فرغ بنى على الصحّة و إن لم يكن داخلًا في الركوع.

____________

[1] على تفصيل يأتي فيه و فيما بعده.

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3، (نقل بالمضمون).

143

بعده تداركه، و إلّا فان كان ركناً بطلت الصلاة و إلّا فلا، و يجب عليه سجدتا السهو للنقيصة (1).

[مسألة 14: إذا شكّ في التسليم فان كان بعد الدخول في صلاة أُخرى أو في التعقيب]

[2034] مسألة 14: إذا شكّ في التسليم فان كان بعد الدخول في صلاة أُخرى أو في التعقيب [1] أو بعد الإتيان بالمنافيات لم يلتفت، و إن كان قبل ذلك أتى به (2).

____________

(1) أفاد (قدس سره) أنّه لو شكّ في فعل قبل دخوله في الغير فأتى به حسب ما هو وظيفته من لزوم الاعتناء بالشكّ في المحلّ، ثمّ انكشف كونه آتياً به من قبل و أنّ هذا وقع زائداً، فإن كان ركناً بطلت صلاته و إلّا فلا، لاختصاص البطلان في الزيادة السهوية بالأركان، و الكلام من حيث لزوم سجدتي السهو للزيادة و أنّها هل تجب لكلّ زيادة و نقيصة موكول إلى محلّه (1).

و أمّا عكس ذلك أعني ما لو شكّ بعد التجاوز و الدخول في الغير فلم يلتفت بمقتضى قاعدة التجاوز ثمّ تبيّن عدم الإتيان به، فيلحقه حكم النسيان من التفصيل بين بقاء محلّ التدارك للمنسي بأن لم يكن داخلًا في ركن بعده كما لو تذكّر نقصان الركوع و هو في السجدة الأُولى فيرجع و يتدارك، و بين ما إذا لم يكن المحلّ باقياً كما لو كان التذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية، و حينئذ فان كان المنسي ركناً كالمثال بطلت الصلاة و إلّا فلا. و الكلام في سجدتي السهو ما عرفت.

(2) فصّل (قدس سره) لدى الشكّ في الجزء الأخير من الصلاة بين ما كان‌

____________

[1] الأقوى الالتفات في هذه الصورة.

____________

(1) في ص 361.

144

..........

____________

ذلك بعد الدخول في التعقيب، أو في صلاة أُخرى، أو بعد الإتيان بالمنافي عمداً و سهواً كالحدث و الاستدبار، و بين ما كان قبل ذلك، فحكم بالالتفات في الثاني دون الأوّل.

أقول: أمّا إذا كان الشكّ قبل الإتيان بواحد من الثلاثة فلا إشكال في الالتفات، لكونه من الشكّ في المحلّ و قبل أن يتجاوز عنه، المحكوم بالاعتناء بمقتضى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال.

و أمّا إذا كان بعده، فان كان بعد الإتيان بشي‌ء من المنافيات و بنينا كما هو الصحيح على أنّ من نسي السلام و تذكّر بعد ارتكاب المنافي عمداً و سهواً صحّت صلاته لحديث لا تُعاد المسقط للسّلام حينئذ عن الجزئية كما أوضحناه في محلّه (1) فالحكم في المقام ظاهر، إذ لو صحّت الصلاة مع العلم بترك السلام فلدى الشكّ بطريق أولى، فالصحّة ثابتة هنا بالفحوى و الأولوية القطعية.

و أمّا على المبنى الآخر أعني البطلان لدى النسيان، الذي هو المشهور و إن كان خلاف التحقيق فربما يتأمّل في الصحّة، نظراً إلى عدم جريان قاعدة التجاوز في المقام، لاشتراطها بالدخول في الجزء المترتّب، المفقود في الفرض فإنّه قد دخل فيما يعتبر عدمه و هو المنافي، لا فيما هو المترتّب على المشكوك فيه.

و يندفع بما تكرّر منّا من أنّ المدار في جريان القاعدة الخروج عن المحلّ و التجاوز عن الظرف المقرّر للمشكوك فيه، المتحقّق بالدخول في الغير، فالدخول لا شأن له عدا تحقيق عنوان التجاوز و الكشف عن الخروج عن المحلّ، فلا بدّ و أن يكون للمشكوك فيه محلّ خاصّ، و أن يكون هو المشروط بالسبق و التقدّم لا أن يكون للغير الذي دخل فيه محلّ معيّن.

____________

(1) شرح العروة 15: 319 و ما بعدها

145

..........

____________

فليست العبرة باعتبار التأخّر في اللّاحق و لحاظ الترتّب فيه، بل باعتبار التقدّم في السابق و كونه ذا محلّ خاصّ قد خرج عنه بالدخول في الغير، و لأجله منعنا عن جريان القاعدة في الشكّ في الظهر بعد الدخول في العصر، لاختصاص المحلّ بالثاني دون الأوّل كما مرّ (1).

و لا ريب أنّ هذا الضابط منطبق على المقام، فانّ السلام قد اعتبر فيه محلّ خاصّ، و هو وقوعه قبل المنافي كما يكشف عنه قوله (عليه السلام): «تحليلها التسليم» (2)، و لا يجوز إيقاعه بعده، و قد خرج عن هذا المحلّ و جاوز الظرف المقرّر بالدخول في المنافيات. فهي و إن لم تكن مترتّبة على السلام إلّا أنّ السلام مشروط بالتقدّم، و هو كافٍ في جريان القاعدة، بل العبرة به ليس إلّا كما عرفت.

و منه تعرف جريان القاعدة فيما إذا كان الشكّ المزبور بعد الدخول في صلاة أُخرى، سواء كانت مترتّبة على الاولى أم لا، إذ محلّ التسليم إنّما هو قبل الدخول في الصلاة الأُخرى بناءً على ما هو الصحيح من عدم جواز إقحام صلاة في صلاة في غير المورد المنصوص (3).

و أمّا إذا كان الشكّ في التسليم بعد الدخول في التعقيب فالأقوى وجوب الاعتناء، لعدم جريان القاعدة حينئذ، إذ ليس للتسليم محلّ خاصّ بالإضافة إلى التعقيب، لعدم كونه مشروطاً بالسبق و التقدّم ليصدق التجاوز، و إنّما التعقيب ملحوظ فيه التأخّر؛ و قد عرفت أنّ العبرة بالأوّل دون الثاني كما مرّ توضيحه (4) عند التكلّم حول عدم كفاية الدخول في المستحبّات في جريان القاعدة.

____________

(1) في ص 121.

(2) الوسائل 6: 415/ أبواب التسليم ب 1 ح 1، 8 و غيرهما.

(3) الوسائل 7: 490/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 2 و غيره.

(4) في ص 134 135.

146

[مسألة 15: إذا شكّ المأموم في أنّه كبّر للإحرام أم لا]

[2035] مسألة 15: إذا شكّ المأموم في أنّه كبّر للإحرام أم لا فان كان بهيئة المصلّي جماعة من الإنصات و وضع اليدين على الفخذين و نحو ذلك لم يلتفت [1] على الأقوى، و إن كان الأحوط الإتمام و الإعادة [2] (1).

____________

و يزيدك وضوحاً أنّها لو كانت جارية في المقام كان اللّازم جريانها لو شكّ حال التعقيب في أصل الصلاة، لوحدة المناط، إذ التعقيب كما أنّه مترتّب على التسليم مترتّب على الصلاة أيضاً، فلو كان هذا المقدار كافياً في الجريان لجرى في الموردين معاً، و لا نظنّ أن يلتزم به فقيه.

و كيف ما كان، فلو كان التعقيب في المقام متضمّناً للفصل الطويل المانع عن التدارك جرت القاعدة من حيث الدخول في المنافي، لا من حيث الدخول في التعقيب كما هو ظاهر.

(1) ما أفاده (قدس سره) من عدم الالتفات حينئذ إذا كان بهيئة المصلّي جماعة بأن كان منصتاً هو الصحيح، بناءً على وجوب الإنصات كما يقتضيه ظاهر الآية الشريفة على ما مرّ في محلّه (1)، فإنّه واجب من واجبات الصلاة قد دخل فيه و شكّ فيما قبله، فيشمله إطلاق أدلّة القاعدة، إذ لا قصور في شموله لمثله.

نعم، مجرّد كونه يرى نفسه بهيئة الجماعة من دون كونه متشاغلًا بعمل وجوبي كما لو كان مشغولًا بالذكر حال قراءة الإمام في الصلوات الإخفاتية، غير كافٍ لما عرفت (2) من عدم كفاية الدخول في المستحبّ في جريان القاعدة، فلا مناص‌

____________

[1] هذا فيما إذا كانت الصلاة جهرية و سمع المأموم قراءة الإمام.

[2] أو الإتيان بالتكبير بقصد القربة المطلقة.

____________

(1) شرح العروة 17: 207.

(2) في ص 134.

147

[مسألة 16: إذا شكّ و هو في فعل في أنّه هل شكّ في بعض الأفعال المتقدّمة أم لا لم يلتفت]

[2036] مسألة 16: إذا شكّ و هو في فعل في أنّه هل شكّ في بعض الأفعال المتقدّمة أم لا لم يلتفت، و كذا لو شكّ في أنّه هل سها أم لا و قد جاز محلّ ذلك الشي‌ء الذي شكّ في أنّه سها عنه أو لا، نعم لو شكّ في السهو و عدمه و هو في محلّ يتلافى فيه المشكوك فيه أتى به على الأصح (1).

____________

من الإعادة أو الإتيان بالتكبير بقصد القربة المطلقة.

(1) إذا شكّ في أنّه هل شكّ في بعض الأفعال أم لا، لا شكّ في لزوم الاعتناء إذا كان في المحلّ، فإنّه عين الشكّ في نفس الفعل كما هو ظاهر.

و أمّا إذا تجاوز و دخل في فعل آخر فشكّ حينئذ في أنّه هل شكّ قبل ذلك في بعض الأفعال المتقدّمة أم لا، لا ينبغي التأمّل في عدم الاعتناء، فانّ الشكّ الحادث بالفعل شكّ بعد التجاوز، و الشكّ السابق مشكوك الحدوث مدفوع بالأصل.

بل الظاهر عدم الاعتناء حتّى لو كان عالماً فعلًا بحدوث الشكّ سابقاً و شكّ في أنّه هل اعتنى به و تدارك المشكوك فيه في محلّه أو لا، فإنّ الوظيفة الظاهرية لا تزيد على الواقعية في المشمولية لقاعدة التجاوز.

فكما لا يلتفت بالشكّ بعد المحلّ في الإتيان بنفس الجزء الثابت وجوبه واقعاً فكذا في الإتيان بالجزء الثابت وجوبه ظاهراً بمقتضى لزوم الاعتناء بالشكّ في المحلّ، المبني على الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال، لوحدة المناط في الموردين و شمول الإطلاق في أدلّة القاعدة لكلتا الصورتين كما هو ظاهر.

و أمّا لو شكّ في أنّه هل سها أم لا، فان كان قد جاز محلّ ذلك الشي‌ء الذي شكّ في السهو عنه لم يلتفت، لعين ما مرّ في الشك، فانّ حدوث السهو في المحلّ مشكوك، و الشكّ الفعلي شكّ بعد التجاوز.

148

..........

____________

و أمّا إذا لم يتجاوز و كان في محلّ يتلافى فيه المشكوك فيه لزمه الاعتناء لرجوعه إلى الشكّ في المحلّ في الإتيان بنفس الجزء المحكوم بالالتفات.

و يستفاد ذلك من عدّة من الروايات لعلّ أوضحها صحيحة عبد الرحمن: «... قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: يسجد» (1).

إذ ليس المراد الشكّ في ترك السجود عمداً، لمنافاته مع كونه في مقام الامتثال كما هو ظاهر، بل المراد الشكّ في السهو عن السجود، الراجع إلى الشكّ في نفس السجود، و قد حكم (عليه السلام) بالاعتناء لو كان قبل الاستواء و الدخول في القيام، لبقاء المحلّ حينئذ، بناءً على ما عرفت (2) من عدم كفاية الدخول في النهوض الذي هو من المقدّمات في صدق التجاوز كي تشمله القاعدة.

____________

(1) الوسائل 6: 369/ أبواب السجود ب 15 ح 6.

(2) في ص 136.

149

[فصل في الشكّ في الرّكعات]

فصل في الشكّ في الرّكعات

[مسألة 1: الشكوك الموجبة لبطلان الصلاة ثمانية]

[2037] مسألة 1: الشكوك الموجبة لبطلان (1) الصلاة ثمانية: أحدها: الشكّ في الصلاة الثنائية كالصبح و صلاة السفر (2). الثاني: الشكّ في الثلاثية كالمغرب.

____________

(1) المراد بالبطلان كما سيأتي التعرّض له في مطاوي المسائل الآتية عدم جواز المضيّ على الصلاة و إتمامها مع الشكّ، لا أنّه يستوجب البطلان بمجرّد الحدوث كالحدث، فلو تروّى و ارتفع الشكّ و أتمّ على اليقين صحّت صلاته، فهو مبطل بقاءً لا حدوثاً.

(2) بلا خلاف فيه و لا إشكال، و كذا فيما بعده أعني الشكّ في الثلاثيّة كالمغرب، و عليه دعوى الإجماع في غير واحد من الكلمات.

نعم، نسب إلى الصدوق (1) الخلاف في ذلك، و أنّه مخيّر بين البناء على الأقلّ و بين الاستئناف، و الناسب هو العلّامة (2) و تبعه من تأخّر عنه. و قد حاول صاحب الحدائق (3) و قبله الوحيد البهبهاني (4) تكذيب هذه النسبة و أنّ فتواه مطابقة للمشهور، و أقام شواهد على ذلك من كلامه، و كيف ما كان، فهذا الحكم‌

____________

(1) [كما قد يستفاد من الفقيه 1: 231 ذيل ح 1024].

(2) المنتهي 1: 410 السطر 5.

(3) الحدائق 9: 201.

(4) هامش المدارك: 249.

150

..........

____________

هو المشهور إن لم يكن إجماعاً، سواء صحّت النسبة أم لا.

إنّما الكلام في مستنده، فانّ النصوص غير وافية صريحاً لإثبات هذه الكلّية أعني بطلان الشكّ في كلّ ثنائية، و إنّما وردت في بعض جزئياتها كالفجر و الجمعة و الصلاة في السفر، و كذا في المغرب و الوتر.

ففي صحيحة حفص: «إذا شككت في المغرب فأعد، و إذا شككت في الفجر فأعد» (1)، و نحوها صحيحة الحلبي و حفص (2) أيضاً.

و في صحيحة ابن مسلم: «عن الرجل يصلّي و لا يدري واحدة صلّى أم اثنتين قال: يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر» (3).

و في صحيحة العلاء: «عن الرجل يشكّ في الفجر، قال: يعيد، قلت: المغرب قال: نعم، و الوتر و الجمعة. من غير أن أسأله» (4)، فيحتاج التعدّي حينئذ إلى كلّ ثنائية ليشمل مثل صلاة الطواف و صلاة الآيات و العيدين إلى دليل آخر.

و قد استدلّ له بالتعليل الوارد في موثّقة سماعة قال: «سألته عن السهو في صلاة الغداة، فقال: إذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين فأعد الصلاة من أوّلها و الجمعة أيضاً إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة، لأنّها ركعتان» (5) حيث يستفاد من عموم العلّة انسحاب الحكم لكلّ صلاة ذات ركعتين.

و نوقش فيه بأنّ المذكور في الصدر بطلان الفجر بالشكّ بين الواحدة و الثنتين‌

____________

(1) الوسائل 8: 193/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 1.

(2) الوسائل 8: 194/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 5.

(3) الوسائل 8: 194/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 2.

(4) الوسائل 8: 195/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 7.

(5) الوسائل 8: 195/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 8.