موسوعة الإمام الخوئي - ج18

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
410 /
201

[التاسع: الشكّ بين الخمس و الستّ حال القيام]

التاسع: الشكّ بين الخمس و الستّ حال القيام، فإنّه يهدم القيام فيرجع شكّه إلى ما بين الأربع و الخمس، فيتمّ و يسجد سجدتي السهو مرّتين [1] إن لم يشتغل بالقراءة أو التسبيحات، و إلّا فثلاث مرّات، و إن قال: «بحول اللّٰه» فأربع مرّات، مرّة للشكّ بين الأربع و الخمس و ثلاث مرّات لكلّ من الزيادات من قوله: «بحول اللّٰه» و القيام و القراءة أو التسبيحات. و الأحوط في الأربعة المتأخّرة بعد البناء و عمل الشكّ إعادة الصلاة أيضاً.

____________

و حكم الكلّ أنّه يهدم القيام و يجلس، فيرجع شكّه بعدئذ إلى أحد الشكوك المنصوصة المتقدّمة، و يعمل بموجبها. ففي الأوّل يرجع شكّه بعد الهدم إلى الشكّ ما بين الثلاث و الأربع، و في الثاني إلى ما بين الاثنتين و الأربع، و في الثالث إلى ما بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و في الرابع إلى ما بين الأربع و الخمس، فيعمل على حسب وظيفته في هذه الشكوك التي مرّت أحكامها.

نعم، ذكر (قدس سره) في خصوص الأخير أنّه يأتي بسجدتي السهو مرّتين مرّة لأجل الشكّ بين الأربع و الخمس، و مرّة أُخرى لأجل القيام الزائد، و لو كان قد أتى بزيادات اخرى من القراءة أو التسبيحات أو قولِ «بحول اللّٰه»، أتى بالسجدتين لكلّ واحدة من تلك الزيادات.

أقول: لا بدّ من التكلّم في جهتين: الاولى: في حكم الشكوك المزبورة مع كونها غير منصوصة. الثانية: فيما أفاده (قدس سره) من تخصيص الأخير بسجدتي السهو لأجل القيام الزائد مع كونه مشتركاً فيه في جميع هذه الفروض الأربعة، فما هو الموجب للتخصيص؟

____________

[1] على الأحوط.

202

..........

____________

أمّا الجهة الأُولى: فالمشهور و المعروف هو ما عرفت من هدم القيام و العمل بعد رجوع الشكّ إلى أحد الشكوك المنصوصة المتقدّمة بموجبها.

و عن بعضهم البطلان، نظراً إلى انتفاء النصّ في المقام، و لا دليل على الهدم و إرجاع الشكّ إلى شكّ آخر. و أدلّة الشكوك المنصوصة منصرفة إلى ما كان كذلك ابتداءً، لا ما كان منقلباً عن شكّ آخر. و حينئذ فمقتضى القاعدة البطلان إمّا لقاعدة الاشتغال، أو لإطلاق صحيحة صفوان المتقدّمة (1) بعد وضوح عدم الرجوع إلى الاستصحاب، لإلغائه في هذا الباب.

و لكنّ الصحيح ما عليه المشهور، فانّ الشكوك المزبورة و إن كانت مغايرة بحسب الصورة لموارد الشكوك المنصوصة، إلّا أنّها راجعة إليها لدى التحليل و مشمولة لإطلاق أدلّتها حتّى قبل هدم القيام، من غير حاجة إلى الهدم ثمّ الإرجاع ليورد بعدم الدليل على الهدم.

فالشاكّ بين الأربع و الخمس حال القيام يصدق في حقّه وقتئذ حقيقة أنّه لم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً، المأخوذ موضوعاً للحكم بالبناء على الأربع في صحيحة الحلبي و البقباق و غيرهما (2)، فإنّه و إن كان شاكاً في أنّ ما بيده هل هي الرابعة أم الخامسة إلّا أنّ مرجع ذلك إلى الشكّ في أنّه هل دخل في الرابعة أم في الخامسة، و هو عين الشكّ في أنّه هل صلّى ثلاثاً أم أربعاً، إذ لو كان دخل في الرابعة فقد صلّى الثلاث، و لو كان داخلًا في الخامسة فقد صلّى الأربع فيندرج في موضوع النصّ المزبور حقيقة، فيبني على الأربع و يلزم عليه هدم القيام، لأنّه وقع زائداً.

____________

(1) في ص 151.

(2) و قد تقدّمت في ص 187.

203

..........

____________

نعم، بعض تلك النصوص كصحيحة زرارة: «إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع ...» إلخ (1) غير منطبق على المقام كما لا يخفى، إلّا أنّ بعضها الآخر كالصحيحة المزبورة و نحوها غير قاصر الشمول لما نحن فيه كما عرفت.

و كذا الحال في الشاكّ بين الخمس و الستّ حال القيام، فإنّه يصدق حينئذ حقيقة أنّه لم يدر أربعاً صلّى أم خمساً، المحكوم بوجوب البناء على الأربع في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان و غيرها (2) بالتقريب المتقدّم آنفاً، نعم يختصّ ذلك بما إذا لم يكن داخلًا في الركوع، و إلّا كانت الصلاة باطلة، للعلم بالزيادة القادحة و هي الركوع فقط، أو هو مع الركعة التامّة، فتكون الصلاة فاسدة على أيّ حال. و ممّا ذكرنا يظهر الحال في الشكّين الآخرين.

و بالجملة: فإطلاق الدليل في الشكوك المنصوصة غير قاصر الشمول لجميع الفروض الأربعة المتقدّمة، و هي بعينها من مصاديق العناوين المأخوذة في تلك الأدلّة من غير حاجة إلى قلب الشكّ و إرجاعه إليها بعد الهدم.

و عمدة السرّ هي ما عرفت من أنّ الموضوع في تلك الأدلّة الشكّ في عدد الركعات التامّة الصادرة منه خارجاً و أنّه صلّى أربعاً أو خمساً مثلًا، أو ثلاثاً أو أربعاً و هكذا، لا في عدد الناقصة و أنّ ما بيده أيّ شي‌ء، و ذاك الموضوع بعينه محفوظ حتّى بعد الدخول في الركعة الأُخرى.

و ممّا ذكرنا تعرف ما في كلام الماتن و غيره من المسامحة، حيث عبروا برجوع الشكّ إلى ما سبق بعد الهدم و الجلوس، مع أنّه راجع إليه قبل الهدم أيضاً حسبما عرفت.

و أمّا الجهة الثانية: فالكلام من حيث سجود السهو لما عدا القيام من‌

____________

(1) و قد تقدّمت في ص 187، 198.

(2) و قد تقدّمت في ص 187، 198.

204

..........

____________

القراءة و نحوها موكول إلى محلّه (1) عند البحث عن أنّ سجدة السهو هل تجب لكلّ زيادة و نقيصة أم تختصّ بالموارد المنصوصة، و ستعرف الحال فيها إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا من حيث القيام فالصحيح هو ما أفاده الماتن (قدس سره) من التخصيص بالقسم الأخير، و عدم انسحابه إلى بقية الفروض و إن شاركته في زيادة القيام.

و الوجه في ذلك: ما أشرنا إليه في مطاوي بعض الأبحاث السابقة من أنّ الأدلّة المتكفّلة لإثبات حكم لعنوان الزيادة، سواء أ كان هو البطلان كما في موارد الزيادة العمدية، أم كان سجود السهو كما في زيادة القيام سهواً أو غيره بناءً على ثبوته لكلّ زيادة و نقيصة منصرفة إلى ما إذا أوجد الزائد ابتداءً.

و لا تعمّ ما إذا أحدث وصف الزيادة لما كان، بأن عمل عملًا استوجب اتصاف ما صدر منه سابقاً بعنوان الزيادة، كما لو شرع في السورة و قبل بلوغ النصف بدا له في العدول إلى سورة أُخرى الموجب لاتصاف ذاك النصف بصفة الزيادة بقاءً و إن لم يكن كذلك حدوثاً، أو تلفّظ بكلمة من الآية ثمّ مكث مقداراً فاتت معه الموالاة المعتبرة بينها و بين الكلمة اللّاحقة الموجب لإعادتها أو تلفّظ ببعض الكلمة ك‍ (ما) في مالك فلم يتمّها و رفع اليد عنها و لو عامداً ثمّ أعادها.

ففي جميع ذلك يحكم بالصحّة و لو كان متعمّداً، و لا تكون مشمولة لأدلّة الزيادة العمدية، لاختصاصها كما عرفت بما إذا أوقع الزائد، لا ما إذا أعطى صفة الزيادة لما وقع، و كذا الحال في موجبات سجود السهو فلا نعيد.

و عليه فبما أنّ القيام في القسم الأخير موصوف بالزيادة من حين حدوثه‌

____________

(1) في ص 361.

205

..........

____________

لفرض القطع بتحقّق الأربع الذي هو لازم الشكّ بين الخمس و الستّ، فهو موجب لسجود السهو بلا إشكال، و أمّا في بقية الفروض فلم تحرز الزيادة لدى الحدوث، لجواز كونه واقعاً في محلّه بحسب الواقع، و إنّما عرضت له صفة الزيادة بعد حصول الشكّ و حكم الشرع بالبناء على الأربع المستتبع للهدم، و إلّا فلولا الشكّ و حكم الشرع لم تكن الزيادة محرزة للقيام أبداً. فهي صفة عارضة و حالة طارئة، و قد عرفت أنّ أدلّة الزيادة منصرفة عن مثل ذلك.

و لا يقاس المقام بما لو شكّ بين الثلاث و الأربع حال الجلوس فبنى على الأربع و تشهّد ثمّ غفل و قام إلى الركعة الأُخرى سهواً، المحكوم فيه بوجوب سجدتي السهو لأجل القيام الزائد بلا إشكال مع احتمال كونه في محلّه بحسب الواقع، فلم يكن محرزاً للزيادة عند حدوثه.

للفرق الواضح بينه و بين ما نحن فيه، إذ بعد أن حكم الشارع هناك بالبناء على الأربع فالركعة التي بيده محكومة ظاهراً بأنّها الرابعة، و يجب أن يتعامل معها معاملة الرابعة الواقعية التي منها اتصاف ما يزيد عليها بصفة الزيادة منذ حدوثه، فالقيام بعد ذلك إحداث للزائد من أوّل الأمر، و بما أنّه سهوي فهو موجب لسجدتي السهو.

و هذا بخلاف المقام، فانّ القيام هنا قد حصل قبل الشكّ، و لم يكن آن ذاك محكوماً بالزيادة، و إنّما اتصف بها بعد عروض الشكّ و حكم الشرع بالبناء على الأربع المستلزم للهدم، فقد طرأت له صفة الزيادة فيما بعد. و قد عرفت أنّ أدلّة الزيادة منصرفة عن مثل ذلك. فلا موجب لسجود السهو في المقام كما ذكرناه. و بذلك يظهر الفرق بين القسم الأخير و ما عداه من الفروض الثلاثة كما صنعه في المتن.

206

كما أنّ الأحوط في الشكّ بين الاثنتين و الأربع و الخمس و الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس العمل بموجب الشكّين ثمّ الاستئناف (1).

____________

(1) بعد ما فرغ (قدس سره) من حكم الشكوك الباطلة و هي ثمانية، و من حكم الشكوك الصحيحة و هي تسعة حسبما مرّ، تعرّض (قدس سره) لحكم الشكّ المركّب من شكّين صحيحين، و ذكر له فرعين، و حكم بأنّ مقتضى الاحتياط العمل بموجب الشكّين ثم الاستئناف.

أحدهما: الشكّ بين الاثنتين و الأربع و الخمس، فإنّه مؤلّف من الشكّ بين الاثنتين و الأربع و حكمه البناء على الأربع و الإتيان بركعتي الاحتياط قائماً و الشكّ بين الأربع و الخمس و حكمه البناء على الأربع و الإتيان بسجدتي السهو.

ثانيهما: الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس، فإنّه مؤلّف من الشكّ بين الثلاث و الأربع و الشكّ بين الأربع و الخمس، فيعمل بموجب الشكّين في كلّ منهما، هذا.

و لا ينحصر الشكّ المزبور في هذين الفرعين، بل هناك فرع ثالث و هو الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس، فإنّه أيضاً مركّب من شكّين صحيحين منصوصين، أحدهما: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و الآخر: الشكّ بين الأربع و الخمس.

و كيف ما كان، فلعلّ المعروف و المشهور أنّ الشكّ المركّب محكوم بالصحّة فإنّه و إن لم يكن بخصوصه مورداً للنصّ، إلّا أنّه ينحلّ إلى شكّين بسيطين يجري في كلّ منهما حكمه، عملًا بإطلاق دليله الشامل لصورتي الاقتران بشكّ آخر و عدمه. فالشكّ في المركّب تابع للبسائط و محكوم بأحكامها، و الهيئة الاجتماعية غير مانعة عن ذلك بعد إطلاق أدلّة البسائط. و هذا هو الظاهر من عنوان صاحب الوسائل.

207

..........

____________

و ناقش فيه صاحب الجواهر (قدس سره) (1) نظراً إلى انصراف الأدلّة إلى صورة انفراد الشكّ و بساطته و عدم انضمامه مع شكّ آخر، فالمركّب خارج عن إطلاق أدلّة البسائط، فهو عارٍ عن النصّ، و مثله محكوم بالبطلان.

و عن العلّامة الطباطبائي (قدس سره) (2) دعوى الإجماع على البطلان فيما لو كان الشكّ مركّباً من صحيح و باطل، و أنّ محلّ الكلام ما لو كان مركّباً من شكّين صحيحين، هذا.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام بعد وضوح أنّ محلّ الكلام ما إذا كان احتمال الخمس طرفاً للتركيب، و إلّا فالشكّ فيما دونه كالشكّ بين الثنتين و الثلاث و الأربع، الملفّق من الشكّ بين الاثنتين و الأربع، و الثلاث و الأربع بخصوصه مورد للنصّ كما مرّ-: إنّ نصوص الشكّ بين الأربع و الخمس كلّها ظاهرة في الاختصاص بحالة الانفراد، كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان: «إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً ...» إلخ (3).

فانّ الظاهر من مثل هذا التعبير و كلّ نصوص الباب من هذا القبيل أنّ مورد الشكّ دائر بين الأربع و الخمس على سبيل منع الخلوّ، و هو الشكّ البسيط بحيث لم يكن ثمة احتمال ثالث، فلو انضمّ معه احتمال آخر كالثلاث خرج الشكّ عن كونه بنحو منع الخلوّ الذي هو المتراءى و المنسبق إلى الذهن من مثل ذاك اللسان. فلا ينبغي الترديد في خروج فرض التركيب عن منصرف هذه النصوص. و دعوى الإطلاق فيها غير مسموعة.

و هكذا الحال في نصوص الشكّ بين الثلاث و الأربع، أو الثنتين و الأربع، فانّ بعضها و إن لم تكن بهذا اللسان إلّا أنّ كثيراً منها مشتمل على التعبير المزبور‌

____________

(1) الجواهر 12: 360.

(2) حكاه عنه في الجواهر 12: 360.

(3) تقدّمت في ص 198.

208

..........

____________

الظاهر في القضية المنفصلة مانعة الخلوّ كما لا يخفى على من لاحظها، فلا تعمّ صورة انضمام احتمال الخمس بتاتاً.

و على الجملة: فلا ينبغي التأمّل في عدم مشمولية الشكوك المركّبة لأدلّة البسائط، و حيث لم يرد فيها نصّ خاصّ فلا مناص من الحكم بالبطلان إمّا لقاعدة الاشتغال أو لإطلاق صحيحة صفوان (1).

و قد يستدلّ للبطلان في الفرعين المتقدّمين باستلزامهما لانضمام شكّ ثالث باطل، و هو الشكّ بين الثنتين و الخمس في الأوّل، و الثلاث و الخمس في الثاني فإنّ محلّ الكلام فيهما حدوث الشكّ بعد تمام الركعة كما لا يخفى، و حينئذ فيندرجان في معقد الإجماع المدّعى في كلام العلّامة الطباطبائي على البطلان في الشكّ المركّب من صحيح و باطل.

أقول: مراد السيّد الطباطبائي (قدس سره) ممّا ادّعاه في معقد الإجماع ما إذا كان الشكّ الباطل المنضمّ إلى الصحيح على وجه لم يكن قابلًا للتصحيح، و لم يكن ثمة مؤمّن عنه، كالشكّ بين الثنتين و الأربع و الستّ المركّب من الشكّ بين الثنتين و الأربع الصحيح، و الأربع و الستّ الباطل، فإنّ الثاني غير قابل للإصلاح بوجه.

و هذا بخلاف المقام، فانّ الشكّ بين الثنتين و الخمس و الثلاث و الخمس المحكوم بالبطلان في حدّ نفسه و إن كان هنا موجوداً أيضاً، إلّا أنّه بعد حكم الشارع بالبناء على الأربع و إلغاء الخمس بمقتضى فرض الشكّ بينهما الذي هو أحد طرفي الشكّ المركّب في الفرعين المزبورين فاحتمال الخمس ساقط، و وجوده كالعدم، لكونه ملغى في نظر الشارع بعد حكمه بالبناء المذكور. و بذلك يعالج الشكّ الباطل المزبور لوجود المؤمّن عنه.

____________

(1) المتقدّمة في ص 151.

209

[مسألة 3: الشكّ في الركعات ما عدا هذه الصّور التسعة موجب للبطلان]

[2039] مسألة 3: الشكّ في الركعات ما عدا هذه الصّور التسعة موجب للبطلان كما عرفت (1)، لكن الأحوط فيما إذا كان الطرف الأقلّ صحيحاً و الأكثر باطلًا كالثلاث و الخمس و الأربع و الستّ و نحو ذلك البناء على الأقلّ و الإتمام ثمّ الإعادة، و في مثل الشكّ بين الثلاث و الأربع و الستّ يجوز البناء على الأكثر الصحيح و هو الأربع و الإتمام و عمل الشكّ بين الثلاث و الأربع ثمّ

____________

و بعبارة اخرى: بعد فرض تسليم شمول أدلّة البسائط للمركّبات كما هو المفروض في كلام المستدلّ، فالشكّ بين الأربع و الخمس الذي هو طرف للمركّب محكوم بالبناء على الأقلّ بحكم الشرع، الراجع إلى نفي الزائد هنا بالاستصحاب المعتبر لدى العامّة في جميع الأبواب، فبعد تأمينه عن احتمال الخمس و نفيه بالأصل الذي هو حجّة في خصوص المقام، فبطبيعة الحال يرتفع الشكّ المبطل و تنحصر أطراف المركّب في الشكوك الصحيحة، فيخرج عندئذ عن معقد الإجماع المدّعى في كلامه (قدس سره).

فالصحيح هو منع الإطلاق في تلك الأدلّة كما عرفت. و حيث إنّ إطلاقات البناء على الأكثر غير شاملة للمقام أيضاً كما لا يخفى، فلا مناص من الحكم بالبطلان، لقاعدة الاشتغال أو إطلاق صحيحة صفوان.

(1) أي عرفت البطلان فيما عدا التسع من القيود المأخوذة في موضوع الشكوك التسعة الصحيحة التي تقدّمت الإشارة إليها، مثل قيد بعد الإكمال المأخوذ في الشكّ الخامس، حيث يعرف منه بطلان الشكّ بين الأربع و الخمس لو كان قبل إكمال السجدتين لخروجه عن مورد النصّ كما مرّ، و مثل قيد حال القيام المأخوذ في الشكّ السادس إلى التاسع، الذي يظهر منه البطلان لو كان الشكّ حال الركوع لامتناع تصحيح الصلاة حينئذ كما مرّت الإشارة إليه (1). و بالجملة: البطلان فيما‌

____________

(1) في ص 202.

210

الإعادة، أو البناء على الأقلّ و هو الثلاث ثمّ الإتمام ثمّ الإعادة (1).

____________

عدا الصور التسع معلوم ممّا سبق، و قوله: كما عرفت، إشارة إلى ذلك.

(1) أفاد (قدس سره) أنّ في موارد الشكوك الباطلة و إن جاز رفع اليد عن الصلاة لكنّ الأحوط البناء على الأقلّ لو كان هو الصحيح، و نفي الزائد الباطل بالأصل، كما في الشكّ بين الثلاث و الخمس بعد الدخول في الركوع، و الشكّ بين الأربع و الستّ، فيتمّها ثمّ يعيدها، كما أنّه لو كان في البين أكثر صحيح كالشكّ بين الثلاث و الأربع و الستّ يبني عليه و يعمل عمل الشكّ بين الثلاث و الأربع أو يبني على الأقلّ و هو الثلاث و ينفي الزائد بالأصل ثمّ يعيدها بعد الإتمام.

أقول: إن أُريد من الاحتياط المزبور رعاية مجرّد احتمال الصحّة الواقعية لم يكن به بأس، فإنّ الاحتياط حسن على كلّ حال، و إلّا فهو بحسب الصناعة ضعيف جدّاً، لابتنائه على مراعاة دليل حرمة قطع الفريضة المحتمل شموله للمقام و الذي كان هو المستند في وجوب العمل بأحكام الشكوك الصحيحة في مواردها و إلّا فأدلّة الشكوك غير ناظرة إلّا لبيان كيفية العلاج و الإرشاد إلى طريقة التصحيح، و لا تعرّض فيها لوجوب العمل بمقتضياتها، بحيث لولا دليل حرمة القطع لأمكن القول بجواز رفع اليد عن الصلاة و ترك العمل بتلك الأدلّة، لما عرفت من عدم كونها بصدد البيان إلّا من تلك الجهة.

لكنّ الدليل المذكور غير شامل للمقام قطعاً، فانّ مستنده الإجماع المدّعى على حرمة القطع، و هو لم تمّ خاصّ بما إذا تمكّن المصلي من إتمام الصلاة صحيحاً و الاقتصار عليها و الاجتزاء بها في مقام الامتثال، فشموله للصلاة المحكومة بالبطلان و لو ظاهراً التي لا يجوز الاكتفاء بها في مقام تفريغ الذمّة كما فيما نحن فيه غير معلوم، بل معلوم العدم كما لا يخفى. فلا مقتضي للاحتياط إلّا مجرّد الاحتمال العاري عن كلّ دليل.

211

[مسألة 4: لا يجوز العمل بحكم الشكّ من البطلان أو البناء بمجرّد حدوثه]

[2040] مسألة 4: لا يجوز العمل بحكم الشكّ من البطلان أو البناء بمجرّد حدوثه، بل لا بدّ من التروّي [1] و التأمّل حتّى يحصل له ترجيح أحد الطرفين أو يستقر الشكّ، بل الأحوط في الشكوك غير الصحيحة التروّي إلى أن تنمحي صورة الصلاة أو يحصل اليأس من العلم أو الظنّ، و إن كان الأقوى جواز الإبطال بعد استقرار الشكّ (1).

____________

(1) يقع الكلام تارة في الشكوك الصحيحة، و أُخرى في غير الصحيحة.

أمّا الأوّل: فمقتضى إطلاق الأدلّة عدم وجوب التروّي، لصدق عنوان الشكّ المأخوذ موضوعاً فيها بمجرّد حدوثه، كما هو الحال في سائر موارد الشكوك المأخوذة موضوعاً للأحكام الشرعية الظاهرية كالاستصحاب و أصل البراءة و نحوهما، إذ لا فرق بينها و بين المقام في اقتضاء إطلاق الدليل عدم اعتبار التروّي.

و على تقدير التسليم فغايته اعتبار التروّي في ترتيب أثر الشكّ و العمل به لا في جواز المضيّ في الصلاة متروّياً كي يتّضح الحال و يرتّب الأثر بعدئذ، كما لو شكّ في حال القيام بين الثلاث و الأربع، فإنّه لا مانع حينئذ من الاسترسال و المضيّ في الصلاة و هو مشغول بالتروّي إلى أن يرفع رأسه من السجدة الثانية فإن استقرّ رأيه و إلّا بنى على الأربع، فإنّ هذه الركعة محكومة بالصحّة الواقعية على كلّ تقدير كما لا يخفى.

و بالجملة: فلم نجد ما يدلّ على لزوم المكث و الكفّ لدى عروض الشكّ و الانتظار و التروّي ثمّ المضيّ في الصلاة حتّى فيما إذا لم يظهر أثر الشكّ في هذا‌

____________

[1] على الأحوط، و لا يبعد عدم وجوبه.

212

..........

____________

الحال، فإنّ الإطلاقات دافعة لهذا الاحتمال، و مؤيّدة بما ورد من دخول الوهم في الأخيرتين و عدم دخوله في الأولتين، فإنّ المراد بعدم الدخول عدم المضيّ فيهما مع الشكّ بلا إشكال، فيراد بالدخول بقرينة المقابلة جواز المضي.

و ملخّص الكلام: أنّ وزان الشكّ المأخوذ في المقام وزان أخذه في أدلّة الأُصول العملية، و هو لغة خلاف اليقين، و المكلّف الملتفت لا يخلو من أحدهما فمتى حصل الشكّ فهو جاهل بالفعل حقيقة، فيجري عليه حكمه و إن لم يتروّ بمقتضى إطلاق الأدلّة.

و لو قطعنا النظر عنه فلا مانع من المضيّ على الشكّ حتّى يستقرّ أو يتبدّل فيرتّب الأثر فيما بعد، لأنّ دليل عدم جواز المضيّ عليه مختصّ بالأُوليين بمقتضى النصوص الواردة فيهما، و لم يرد نصّ في الأخيرتين، فلا مانع من الاسترسال في العمل متروّياً، فيأتي به على واقعة، لتعلّق الأمر به و صحّته على كلّ تقدير.

فاحتمال وجوب الانتظار و التروّي في الركعتين الأخيرتين ضعيف جدّاً لإطلاق الأدلّة و كون الجواز هو مقتضى القاعدة كما عرفت.

و أمّا الثاني أعني التروّي في الشكوك غير الصحيحة كالشكّ في الأولتين، أو في صلاة المغرب فقد ذكر في المتن وجوبه أيضاً، بل ذكر أنّ الأحوط استدامة التروّي إلى أن تنمحي صورة الصلاة أو يحصل اليأس من العلم أو الظنّ، و إن كان الأقوى جواز الإبطال بعد استقرار الشكّ.

و تفصيل الكلام في المقام يستدعي التكلّم في جهات:

الاولى: هل الشكّ في الأُوليين موجب للبطلان بمجرّد حدوثه و إن ارتفع بقاءً، فمسمّى الشكّ ناقض للصلاة كالحدث و الاستدبار، أو أنّ الممنوع هو الاستمرار و المضيّ على الشكّ للزوم حفظ الأُوليين، فلا يقدح عروضه بعد ما تبدّل و انقلب إلى اليقين أو إلى الظنّ على القول بحجّيته في باب الركعات؟ وجهان‌

213

..........

____________

بل قولان.

ربما يتراءى من بعض النصوص الأوّل، كصحيحة زرارة: «رجل لا يدري واحدة صلّى أم ثنتين، قال: يعيد» (1)، فانّ ظاهرها أنّ مجرّد الشكّ مبطل. و قد مرّ غير مرّة أنّ الأمر بالإعادة إرشاد إلى الفساد. و نحوها غيرها.

و لكن بإزائها روايات أُخرى معتبرة دلّت على أنّ البطلان إنّما هو من أجل عدم جواز المضيّ على الشكّ، و عدم حصول الامتثال ما لم يكن حافظاً للأُوليين و ضابطاً لهما، و أنّ الغاية من الإعادة المأمور بها إنّما هي إحراز الأُوليين و تحصيل الحفظ و اليقين، فلا مقتضي لها لو زال الشكّ و تبدّل إلى اليقين، فتكون هذه النصوص شارحة للمراد من الطائفة الأُولى، و هي كثيرة:

منها: صحيحة زرارة: «كان الذي فرض اللّٰه على العباد إلى أن قال: فمن شكّ في الأولتين أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين ...» إلخ (2).

و صحيحة ابن مسلم: «عن الرجل يصلّي و لا يدري أ واحدة صلّى أم ثنتين قال: يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ ...» إلخ (3).

و صحيحة ابن أبي يعفور: «إذا شككت فلم تدر أ في ثلاث أنت أم في اثنتين أم في واحدة أم في أربع، فأعد و لا تمض على الشكّ» (4) و نحوها غيرها، و هي صريحة فيما ذكرناه. إذن فاحتمال البطلان بمجرّد الشكّ ضعيف جدّاً.

الجهة الثانية: بعد ما لم يكن الشكّ بمجرّده مبطلًا كما عرفت فهل يجب التروّي؟ بل هل يجب الانتظار إلى فوات الموالاة، أو يجوز رفع اليد بمجرّد الشكّ و التبديل بفرد آخر؟.

____________

(1) الوسائل 8: 189/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 6.

(2) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 8: 189/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 7.

(4) الوسائل 8: 226/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 2.

214

..........

____________

الظاهر هو الجواز و عدم وجوب التروِّي، للإطلاق في أدلّة الإعادة. و دعوى الانصراف إلى الشكّ المستقرّ المنوط بالتروّي بلا بيّنة و لا برهان، فانّ حال الشكّ و ما يرادفه من التعبير ب‍ «لا يدري» المأخوذ في نصوص المقام بعينه حاله في أدلّة الأُصول العمليّة لا يراد به في كلا المقامين إلّا مسمّاه، الصادق على مجرّد الترديد و عدم اليقين، لما عرفت من أنّ الشكّ لغة خلاف اليقين، و أنّ المكلّف الملتفت لا يخلو عن اليقين بالشي‌ء أو عن خلافه و لا ثالث، فاذا لم يكن متيقّناً فهو شاكّ لا محالة، فيندرج في موضوع الأدلّة و تشمله أحكامها من غير حاجة إلى التروّي بمقتضى الإطلاق. فالقول بوجوب التروّي ضعيف.

و أضعف منه دعوى وجوب تمديده و الانتظار إلى أن تفوت الموالاة، فإنّ هذا بعيد غايته، لاحتياجه إلى مئونة زائدة، و ليس في الأخبار من ذلك عين و لا أثر، بل المذكور فيها إعادة الصلاة بعد الشكّ. فالتقييد بالصبر مقدار ربع ساعة مثلًا كي تنمحي الصورة و تفوت الموالاة يحتاج إلى الدليل، و ليس في الأدلّة إيعاز إلى ذلك فضلًا عن الدلالة. فهو مدفوع بالإطلاق جزماً، هذا.

و قد يقال بامتياز المقام عن الشكّ المأخوذ في أدلّة الأُصول، لاختصاصه بوجه من أجله يحكم باعتبار التروّي، و هو أنّ قطع الفريضة حرام فيجب الإتمام. و حيث يحتمل القدرة عليه بعد التروّي، لجواز تبدّل شكّه بالظنّ أو اليقين، فرفع اليد عن العمل قبل التروّي إبطال له مع احتمال القدرة على الإتمام الواجب عليه لدى التمكّن منه. فمرجع الشكّ إلى الشكّ في القدرة، و المقرّر في محلّه لزوم الاحتياط في هذه الموارد. فيجب التروّي في المقام حذراً من أن يكون الإبطال مستنداً إليه.

و فيه أوّلًا: أنّ كبرى عدم جواز رفع اليد عن التكليف المحتمل لدى الشكّ في القدرة و إن كانت مسلّمة لكنّها خاصّة بموارد الأُصول العملية، فلا تجري البراءة مع الشكّ في القدرة عند كون التكليف فعلياً من بقيّة الجهات.

215

..........

____________

و الوجه فيه: ما ذكرناه في الأُصول (1) من أنّ القدرة إذا لم تكن دخيلة في الملاك شرعاً و إن كانت شرطاً في التكليف عقلًا كما في إنقاذ الغريق فالملاك موجود على تقديري قدرة المكلّف و عجزه، و عليه ففي ترك الإنقاذ فوت للمصلحة الواقعية، و العقل لا يجوّز تفويت الملاك الملزم ما لم يستند المكلّف إلى عذر شرعي، فلا بدّ من الإقدام و إعمال القدرة، فإن انكشف التمكّن و إلّا فهو معذور. فأدلّة البراءة لا تشمل فوت الغرض الواقعي.

و هذا بخلاف موارد الأدلّة اللفظية، فإنّ الإطلاق فيها مؤمّن، و الاستناد إليه معذّر، لشموله موارد الشكّ في القدرة أيضاً، سيما مثل المقام الذي لم يكن من التروّي في لسان الأخبار عين و لا أثر كما عرفت، فانّ الغالب حصول القدرة على الإتمام بعد التروّي كما لا يخفى، و مع ذلك لم يؤمر به في شي‌ء من الأخبار. فما ذكر إنّما يتمّ في مورد الأصل العملي دون الإطلاق.

و ثانياً: لا يتم حتّى في الأصل فيما إذا كان مورد الشكّ من قبيل المقام، إذ لا شكّ هاهنا في العجز الفعلي، و إنّما يحتمل تجدّد القدرة فيما بعد. و ما سبق من الكلام فإنّما هو فيما إذا كان شاكاً في القدرة الفعلية، و أمّا إذا علم العجز فعلًا و احتمل عروض القدرة فلا مانع من استصحاب عدمها، فهو عاجز فعلًا وجداناً و فيما بعد تعبّداً، و كفى به عذراً.

و مقامنا من هذا القبيل، فإنّه عاجز بالفعل عن الإتمام، لكونه شاكاً بشكّ لا يجوز معه المضيّ حسب الفرض، و يحتمل التمكّن منه بعد التروِّي، فيستصحب بقاءه على العجز. فلا يتمّ ما أُفيد في مثل المقام حتّى و لو لم يكن هناك إطلاق.

الجهة الثالثة: لو أراد الإعادة قبل فوات الموالاة إمّا بعد التروّي أو قبله على الخلاف فهل يجب عليه أوّلًا إبطال الصلاة بكلام عمدي أو استدبار‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 360، 3: 277، مصباح الأُصول 2: 400.

216

..........

____________

و نحوهما ثمّ الشروع في الإعادة، ليقطع ببطلان الأُولى لدى الشروع في الثانية؟

قد يقال بذلك، نظراً إلى احتمال صحّة الصلاة واقعاً، فتكون التكبيرة واقعة أثناء الصلاة، فتفسد و تفسد.

لكنّ الأقوى عدم الوجوب، و الوجه فيه: أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب و إن كان منحلا إلى أوامر عديدة حسب تعدّد الأجزاء، إلّا أنّها ليست أوامر استقلالية متعلّقة بكلّ جزء على سبيل الإطلاق بحيث يسقط أمره بمجرّد الإتيان بذات الجزء، بل سقوط كلّ أمر منوط بالإتيان ببقية الأجزاء بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بينها، فلا يسقط الأمر المتعلّق بالتكبير إلّا لدى اقترانه خارجاً بسائر الأجزاء، كما أنّ الأمر المتعلّق بالقراءة لا يسقط بمجرّد الإتيان بها إلّا إذا كانت مسبوقة بالتكبير و ملحوقة بالركوع و السجود، و هكذا الحال في بقية ما يعتبر في الصلاة.

فالأمر المتعلق بكلّ واحد مراعى سقوطه بامتثال الأمر المتعلّق بالباقي، و لا ينفكّ أحدهما عن الآخر. و جميع هذه الأوامر الضمنية التحليلية مساوقة مع الأمر النفسي المتعلّق بالمركّب، و ملازمة معه ثبوتاً و سقوطاً، حدوثاً و بقاءً و ما لم يأت بالجزء الأخير لم يسقط شي‌ء منها. و نتيجة ذلك جواز رفع اليد أثناء العمل و تبديل الامتثال بفرد آخر.

و بعبارة اخرى: من المقرّر في محلّه أنّ متعلّق الأوامر إنّما هي الطبائع المجرّدة دون الأفراد الخارجية، و إنّما هي مصاديق للمأمور به لدى انطباقه عليها و الخصوصيات الفردية خارجة عن حريم الأمر طرّاً (1).

و من المعلوم أنّ المكلّف مخيّر عقلًا في امتثال الأمر المتعلّق بالطبيعة بين الأفراد الطولية و العرضية، و له اختيار أيّ منها شاء، و هذا التخيير كما هو ثابت قبل‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 4: 12 و ما بعدها.

217

[مسألة 5: المراد بالشكّ في الركعات تساوي الطرفين، لا ما يشمل الظنّ]

[2041] مسألة 5: المراد بالشكّ في الركعات تساوي الطرفين، لا ما يشمل الظنّ (1) فإنّه في الركعات بحكم اليقين، سواء كان في الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين.

____________

الشروع في العمل ثابت بعد الشروع أيضاً بمناط واحد. فكما كان مخيّراً من قبل بين كلّ واحد من الأفراد فكذا مخيّر بعد الشروع بين إتمام العمل و بين رفع اليد و التبديل بفرد آخر.

هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية في عامّة المركّبات، خرجنا عن ذلك في خصوص باب الصلاة، للإجماع القائم على حرمة القطع و وجوب الإتمام، فليس له رفع اليد بعد ما شرع. إلّا أنّ مورد الإجماع إنّما هي الصلاة الصحيحة التي يتمكّن المصلّي من إتمامها، و أمّا الصلاة المحكومة بالبطلان في ظاهر الشرع لجهة من الجهات التي منها عروض الشكّ المبطل الممنوع من المضيّ معه كما في المقام فليس هناك مظنّة الإجماع، و لا مورد توهّمه قطعاً.

إذن فيجري فيها ما ذكرناه في تقرير القاعدة من جواز رفع اليد بعد ما شرع من غير حاجة إلى الإبطال، و إن كانت محكومة بالصحّة واقعاً، هذا.

مضافاً إلى إطلاق الأمر بالإعادة الوارد في المقام، فانّ مقتضاه عدم الفرق بين الإبطال قبل الشروع في الإعادة و عدمه. و هذا الإطلاق مؤيّد للقاعدة المزبورة و مؤكّد لها، بحيث لو نوقش فيه بدعوى عدم كون الروايات في مقام البيان من هذه الجهة كانت القاعدة كافية في إثبات المطلوب، و إن كانت المناقشة ضعيفة جدّاً.

(1) فالأحكام المتقدّمة المترتّبة على الشكّ من البطلان أو البناء على الأكثر و نحوهما موضوعها الشكّ المقابل للظنّ، أعني تساوي الاحتمالين و اعتدال الوهم لا ما يقابل اليقين الذي هو معناه اللغوي، لحجّية الظنّ بالخصوص في باب‌

218

..........

____________

الركعات و كونه بحكم اليقين، هذا.

و يقع الكلام تارة في الركعتين الأخيرتين، و أُخرى في الأُوليين.

أمّا في الأخيرتين: فلا إشكال كما لا خلاف في حجّية الظن، عدا ما ربما ينسب إلى الصدوق من إلحاقه بالشكّ و إجراء حكمه عليه (1). و هو على تقدير صدق النسبة ضعيف جدّاً لا يعبأ به.

إنّما الكلام في مستنده بعد أن كان مقتضى الأصل عدم حجّية الظن الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً، فنقول: مستند الحكم التصريح في النصوص باعتدال الوهم و أنّه متى وقع وهمه أو رأيه على أحد الطرفين بنى عليه. لكن مورد النصوص خصوص الشكّ بين الثلاث و الأربع، و الاثنتين و الأربع.

فمن الأوّل صحيحة أبي العباس: «إذا لم تدر ثلاثاً صلّيت أو أربعاً و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، و إن وقع رأيك على الأربع فابن على الأربع فسلّم و انصرف، و إن اعتدل وهمك فانصرف و صلّ ركعتين و أنت جالس» (2).

و من الثاني صحيحة الحلبي: «إذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعاً و لم يذهب وهمك إلى شي‌ء فتشهّد و سلم، ثمّ صلّ ركعتين ...» إلخ (3).

و لم يرد في غير هذين الموردين من سائر موارد الشكّ في الأخيرتين كالشكّ بين الثنتين و الثلاث و الأربع، و الأربع و الخمس نصّ خاصّ يدلّ على كفاية الظنّ و حجّية الوهم، لعراء ألسنتها عن مثل ذاك التعبير الوارد فيهما، فيحتاج التعدّي عن موردهما إلى الدليل.

____________

(1) [لم نعثر عليه في مظانّه].

(2) الوسائل 8: 211/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 7 ح 1.

(3) الوسائل 8: 219/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 1.

219

..........

____________

و قد استدلّ له بالقطع بعدم الفرق، لعدم القول بالفصل، المؤيّد بالنبويّين المرويّين عن طرق العامّة: «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصّواب فليبن عليه» (1) و في الآخر: «إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصّواب» (2).

لكنّ النبويّ لا حجّية فيه. و عدم القول بالفصل إن أفاد الجزم فلا كلام و إلّا فيشكل الاعتماد عليه.

و الأولى أن يقال: يكفينا في إثبات الحكم لعامّة الموارد إطلاق صحيحة صفوان: «إن كنت لا تدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة» (3) فإنّها تدلّ على حكمين:

أحدهما: بمقتضى مفهوم الشرط، و هو عدم وجوب الإعادة لدى وقوع الوهم على شي‌ء، و أنّه يعمل على طبق الظنّ الذي هو المراد من الوهم في المقام.

ثانيهما: وجوب الإعادة مهما تعلّق الشكّ بالركعات.

لكن الثاني مقيّد بغير الشكوك الصحيحة بمقتضى النصوص الخاصّة كما مرّ و أمّا الأوّل فهو باق على إطلاقه، لسلامته عن التقييد، و مقتضاه جواز العمل بالظنّ في جميع الركعات، سواء أتعلّق بالأقلّ أم بالأكثر.

نعم، بإزاء هذه النصوص روايات اخرى يظهر منها عدم حجّية الظنّ، و إجراء حكم الشكّ عليه.

منها: ما رواه في الكافي بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: «إنّما السهو بين‌

____________

(1) صحيح مسلم 1: 400/ 90، سنن النسائي 3: 28 [و فيهما: فليتمّ عليه].

(2) صحيح مسلم 1: 400/ 90، سنن النسائي 3: 28 [و فيه: فليتحرّ الذي يرى أنه الصواب].

(3) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

220

..........

____________

الثلاث و الأربع، و في الاثنتين و الأربع بتلك المنزلة. و من سها فلم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً و اعتدل شكّه، قال: يقوم فيتمّ ثمّ يجلس فيتشهّد و يسلّم، و يصلّي ركعتين و أربع سجدات و هو جالس، فان كان أكثر وهمه إلى الأربع تشهّد و سلم ثمّ قرأ فاتحة الكتاب و ركع و سجد، ثمّ قرأ و سجد سجدتين و تشهّد و سلم ...» إلخ (1).

فإنّ قوله: «فان كان أكثر وهمه ...» إلخ صريح في إلحاق الظن بالشكّ، لإجراء حكمه عليه من الإتيان بصلاة الاحتياط.

و فيه أوّلًا: أنّ مضمونها غير قابل للتصديق، لحكمه في الصدر بالبناء على الأقل لدى الشكّ بين الثلاث و الأربع، من جهة أمره بالقيام و الإتمام، و هذا كما ترى مخالف للنصوص الكثيرة المتظافرة الدالّة على البناء على الأكثر حينئذ و المتسالم عليه بين الأصحاب كما مرّ.

أضف إلى ذلك أنّ حكمه بصلاة الاحتياط في هذه الصورة لا يناسب البناء على الأقلّ، لأنّها لتدارك النقص المحتمل، و بعد البناء المزبور ليس هناك إلّا احتمال الزيادة دون النقصان. فهي من أجل اشتمال صدرها على ما لا يقبل التصديق غير صالحة للاستدلال بها، فلا بدّ من طرحها و ردّ علمها إلى أهلها، أو حمل الأمر بركعة الاحتياط في الفقرة المستشهد بها لمحلّ الكلام على الاستحباب.

و ثانياً و هو العمدة-: أنّه لم يثبت كونها رواية عن المعصوم، إذ لم يسندها ابن مسلم إلى الإمام (عليه السلام) بل ظاهرها أنّ ذلك هو رأيه و فتواه. و لا حجّية لرأيه ما لم يسنده إليه (عليه السلام)، و قد مرّت الإشارة إلى ذلك عند التكلّم حول هذه الصحيحة (2).

____________

(1) الوسائل 8: 217/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 4، الكافي 3: 352/ 5.

(2) في ص 189.

221

..........

____________

و منها: موثّقة أبي بصير: «عن رجل صلّى فلم يدر أ في الثالثة هو أم في الرابعة قال: فما ذهب وهمه إليه، إن رأى أنّه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شي‌ء سلّم بينه و بين نفسه ثمّ صلّى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب» (1). حيث أجرى (عليه السلام) حكم الشكّ من البناء على الأربع و التدارك بركعة الاحتياط، مع أنّه يرى أي يظنّ أنّه في الثالثة.

و لكنّها من أجل مخالفتها لتلك النصوص الكثيرة المعتبرة الدالّة على حجّية الظنّ التي لا يبعد القطع بصدور بعضها و لو إجمالًا غير صالحة للاعتماد عليها لعدم نهوضها في قبالها، فلا بدّ من طرحها و ردّ علمها إلى أهلها، أو ارتكاب التأويل فيها بدعوى أنّ المراد من الوهم و الرأي هو الشكّ المتساوي الطرفين فالمراد مساواة ما يراه مع ما وقع في قلبه، كما حملها عليه في الحدائق (2) و إن كان بعيداً جدّاً.

و منها: ما أرسله الصدوق في المقنع عن أبي بصير أنّه روى في من لم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً: «إن كان ذهب وهمك إلى الرابعة فصلّ ركعتين و أربع سجدات جالساً ...» إلخ (3).

و لكنّها من جهة الإرسال غير صالحة للاستدلال، و لم يذكر في الفقيه و لا في الكافي رواية بهذا المضمون كي تكون هذه إشارة إليها، فهي ساقطة سنداً مضافاً إلى إمكان حملها على الاستحباب كما تقدّم في الرواية الأُولى، هذا كلّه في الأخيرتين.

و أمّا في الركعتين الأُوليين: فالمعروف و المشهور حجّية الظنّ فيهما أيضاً‌

____________

(1) الوسائل 8: 218/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 7.

(2) الحدائق 9: 231.

(3) الوسائل 8: 218/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 8، المقنع: 104.

222

..........

____________

و نسب الخلاف إلى ابن إدريس (1).

و وافقه على ذلك صاحب الحدائق (2). فإن كان نظره (قدس سره) في عدم كفاية الظنّ إلى أنّ المستفاد من النصوص اعتبار اليقين و الحفظ و الإحراز في الركعتين الأولتين و بذلك تمتاز عن الأخيرتين في عدم الاعتداد بالظنّ، فجوابه ظاهر، لتوقّفه على استظهار اعتبار اليقين المأخوذ في الموضوع على نحو الصفة الخاصّة.

و هو من أجل افتقاره إلى مئونة زائدة بعيد عن الفهم العرفي جدّاً، بل المنسبق إلى الذهن من اليقين المأخوذ في الموضوع لحاظه على نحو الطريقية و الكاشفية، من دون خصوصية لصفة اليقين، كما في قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين بالشك، بل انقضه بيقين آخر (3). فانّ اليقين الناقض طريق إلى الواقع. و المراد مطلق الحجّة، لا خصوص وصف اليقين.

و عليه فصحيحة صفوان (4) المتضمّنة لحجّية الظنّ التي مرجعها إلى جعله بمثابة العلم في الكشف عن الواقع في نظر الشارع حاكمة على تلك الأدلّة فإنّ القدر المتيقّن ممّا تشمله الصحيحة هو الأولتان، لكونهما الأكثر الغالب في الشكوك المحكومة بالإعادة و البطلان، كالشكّ بين الواحدة و الثنتين مطلقاً، و الثنتين و الثلاث، و الثنتين و الأربع، و الثنتين و الثلاث و الأربع قبل الإكمال. و إن أمكن فرضه في الأخيرتين أيضاً كالشكّ بين الأربع و السّت، و كذا الثلاث و الخمس في غير حالات القيام، لكن الغالب هو الأوّل، بحيث لا يحتمل تخصيصها بالأخيرتين و تنزيلها عليها، لعدم الحكم فيهما بالإعادة إلّا نادراً.

____________

(1) السرائر 1: 250.

(2) الحدائق 9: 207 208.

(3) الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.

(4) المتقدّمة في ص 219.

223

..........

____________

و عليه فالمتيقّن من حجّية الوهم المستفاد من مفهومها هما الأولتان، فتكون حاكمة على تلك الأدلّة كما ذكرنا، إذ بعد اتصافه بالحجّية فهو علم تعبّدي، و لا فرق بينه و بين العلم الوجداني في الكشف عن الواقع.

و بالجملة: فان كان نظر الحدائق إلى ما ذكر فجوابه ما عرفت. إلّا أنّه (قدس سره) لم يقتصر على ذلك، بل له دعوى اخرى و هي معارضة مفهوم صحيحة صفوان مع منطوق صحيحة زرارة المصرّحة بعدم دخول الوهم في الأُوليين، قال (عليه السلام): «كان الذي فرض اللّٰه على العباد من الصلاة عشر ركعات، و فيهنّ القراءة، و ليس فيهنّ و هم ...» إلخ (1).

فانّ المراد بالوهم هو الظنّ و لو بقرينة بقيّة الروايات المتضمّنة أنّه إذا وقع وهمه على شي‌ء كالثلاث أو الأربع بنى عليه، فتكون الصحيحة مقيّدة لإطلاق صحيح صفوان، أو أنّهما يتساقطان من هذه الجهة، فلم يكن ثمة دليل على كفاية الظنّ، فتجب الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال.

و لكن هذه الدعوى ظاهرة الاندفاع، لتفسير الوهم في نفس الصحيحة بالسهو، قال: يعني سهواً. المراد به الشكّ، لإطلاقه عليه كثيراً في لسان الأخبار (2) كما يكشف عنه التفريع الذي ذكره (عليه السلام) بعد ذلك بقوله: «فمن شكّ في الأولتين ...» إلخ.

فإنّ تفريع هذه الجملة على سابقتها يكشف بوضوح عمّا ذكرناه من أنّ المراد بالوهم هو الشكّ، مضافاً إلى التفسير المزبور، فإنّه (عليه السلام) بعد أن بيّن عدم دخول الوهم في العشر ركعات و دخوله في السبع الزائدة رتّب عليه أنّ من شكّ في الأولتين أعاد، و من شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم. و هذا التفريع‌

____________

(1) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.

(2) الوسائل 8: 243/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 25 ح 1 و غيره.

224

[مسألة 6: في الشكوك المعتبر فيها إكمال السجدتين]

[2042] مسألة 6: في الشكوك المعتبر فيها إكمال السجدتين كالشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و الشكّ بين الاثنتين و الأربع و الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع إذا شكّ مع ذلك في إتيان السجدتين أو إحداهما و عدمه إن كان ذلك حال الجلوس قبل الدخول في القيام أو التشهّد بطلت الصلاة، لأنّه محكوم بعدم الإتيان بهما أو بأحدهما فيكون قبل الإكمال، و إن كان بعد الدخول في القيام أو التشهّد لم تبطل، لأنّه محكوم بالإتيان شرعاً فيكون بعد الإكمال، و لا فرق بين مقارنة حدوث الشكّين أو تقدّم أحدهما على الآخر، و الأحوط الإتمام و الإعادة خصوصاً مع المقارنة أو تقدّم الشكّ في الركعة (1).

____________

لا يستقيم إلّا بناءً على إرادة الشكّ من الوهم كما لعلّه ظاهر جدّاً.

فالإنصاف: أنّ ما عليه المشهور من حجّية الظنّ في باب الركعات من غير فرق بين الأُوليين و الأخيرتين استناداً إلى الإطلاق في صحيحة صفوان هو المتعيّن.

(1) إذا تعلّق الشكّ بما يعتبر في صحّته إكمال السجدتين و مع ذلك شكّ في تحقّق الإكمال:

فإن كان ذلك قبل تجاوز المحلّ كما لو كان في حال الجلوس و لم يدر أنّه جلوس بين السجدتين مثلًا، أو أنّها جلسة الاستراحة، فلا ينبغي الإشكال في البطلان، لعدم إحراز شرط الصحّة و هو الإكمال، بل هو محرز للعدم بمقتضى الاستصحاب و مفهوم قاعدة التجاوز، فهو محكوم شرعاً بلزوم الإتيان بالسجدتين أو بإحداهما، لما ذكر، و لا أقلّ من أجل قاعدة الاشتغال.

و عليه فلم يكن محرزاً للأولتين، فيكون المضيّ في الصلاة مع هذه الحالة مضيّاً‌

225

..........

____________

مع الشكّ فيهما، الممنوع في لسان الأخبار و المحكوم فيها بالبطلان، و هذا ظاهر.

و إن كان بعد التجاوز كما لو عرض الشكّ المزبور بعد الدخول في التشهّد، أو بعد الدخول في القيام فشكّ في أنّ الركعة التي قام عنها و قد شكّ فعلًا في سجدتها هل كانت الثانية أو الثالثة، الملازم للشكّ في أنّ ما بيده هل هي الثالثة أو الرابعة، فحينئذ بما أنّه محكوم شرعاً بالإتيان بالسجدتين بمقتضى قاعدة التجاوز فالشكّ المذكور حاصل بعد الإكمال بطبيعة الحال.

و نتيجة ذلك كون المصلّي محرزاً للأولتين و لو ببركة التعبّد الشرعي الناشئ من العمل بقاعدة التجاوز، إذ لا فرق في الإحراز المزبور بين كونه وجدانياً أم متحصّلًا من ناحية التعبّد. و عليه فلو مضى في صلاته مضى و قد أحرز الثنتين و ليس الشكّ إلّا في الثالثة، و مثله مشمول لأدلّة البناء على الأكثر. و هذا من غير فرق بين مقارنة حدوث الشكّين أعني الشكّ في الركعة مع الشكّ في السجدة أو تقدّم أحدهما على الآخر، لاشتراك الكلّ في مناط الصحّة.

نعم، ذكر في المتن أنّ الأحوط الإتمام و الإعادة خصوصاً مع المقارنة أو تقدّم الشكّ في الركعة. و الوجه في تخصيصه الصورتين بمراعاة الاحتياط أنّ في الصورة الثالثة و هي تقدّم الشكّ في السجدة بما أنّ التعبّد بإتيان السجدتين حاصل ابتداءً فالشكّ الحادث بعد ذلك في الركعة شكّ بعد إحراز الإكمال، فيضعف الاحتمال المقتضي للاحتياط عدا مجرّد إدراك الواقع.

و هذا بخلاف صورة العكس، أعني تقدّم الشكّ في الركعة، إذ لم يتعلّق بعدُ تعبّد من قِبَل الشارع بتحقّق السجدتين، لعدم حصول موجبه و هو الشكّ المستتبع للحكم بالتحقّق بمقتضى قاعدة التجاوز، فلا محالة يتّصف الشكّ وقت حدوثه بكونه قبل الإكمال.

و منه يظهر الحال في صورة المقارنة، لعدم اتّصاف الشكّ عندئذ بكونه بعد‌

226

..........

____________

الإكمال، المعتبر ذلك في الحكم بالصحّة، هذا.

و لكن الاحتياط المزبور ضعيف جدّاً بحسب الصناعة و إن كان حسناً لمجرّد إدراك الواقع كما عرفت، و ذلك لما تقدّم من أنّ الشكّ بحدوثه لم يكن مبطلًا، و إنّما العبرة بمرحلة البقاء و أن لا يمضي في صلاته مع الشكّ، و المفروض أنّ الشكّ في الركعة موصوف بقاءً بكونه بعد الإكمال. إذن لا أثر لتقدّم أحد الشكّين على الآخر في مرحلة الحدوث بعد تعلّق التعبّد بإكمال السجدتين في مرحلة البقاء.

بل لو كان قاطعاً لدى حدوث الشكّ بين الثنتين و الثلاث بكونه قبل الإكمال ثمّ تبدّل القطع بنقيضه فتيقّن كونه بعد الإكمال صحّت صلاته بلا إشكال، فضلًا عن المقام. و السرّ هو ما عرفت من أنّ الميزان في الصحّة و البطلان لحاظ مرحلة البقاء دون الحدوث، فلا فرق بين الصور الثلاث. و الاحتياط الاستحبابي في الجميع كما صنعه في المتن لا منشأ له عدا المحافظة على المصلحة الواقعية المحتملة التي هي حسن على كلّ حال، هذا.

و ربما يفصّل بين الدخول في التشهّد و الدخول في القيام، فيمنع عن الصحّة في الأوّل، نظراً إلى عدم الدخول حينئذ في الغير، المترتّب المعتبر في جريان قاعدة التجاوز، إذ لو بنى على أنّ ما بيده الثالثة بمقتضى أدلّة البناء على الأكثر كان اللّازم اتصاف التشهّد بالزيادة، إذ لا تشهّد في الثالثة البنائية كالأصلية فوجوده كالعدم لوقوعه في غير محلّه.

إذن فالشكّ في السجدة شكّ قبل التجاوز، لتوقّفه على الدخول في الغير المترتب المأمور به، لا في مطلق الغير، فلا تجري القاعدة، و معه لم يحرز الإكمال فلم تحرز الأولتان، فلا مناص من البطلان، لعدم كون مثله مشمولًا لأدلّة البناء على الأكثر. و هذا بخلاف الدخول في القيام الذي هو مأمور به على كلّ حال.

و يردّه: أنّا نقطع بالتجاوز عن محلّ السجدة الثانية الذي هو المناط في تحقّق‌

227

[مسألة 7: في الشكّ بين الثلاث و الأربع، و الشك بين الثلاث و الأربع و الخمس]

[2043] مسألة 7: في الشكّ بين الثلاث و الأربع، و الشك بين الثلاث و الأربع و الخمس إذا علم حال القيام أنّه ترك سجدة أو سجدتين من الركعة السابقة بطلت الصلاة، لأنّه يجب عليه هدم القيام لتدارك السجدة المنسيّة فيرجع شكّه [1] إلى ما قبل الإكمال. و لا فرق بين أن يكون تذكّره للنسيان قبل البناء على الأربع أو بعده (1).

____________

الإكمال، للجزم بالدخول في الجزء المترتّب عليها على كلّ تقدير و إن لم نشخّص ذلك الجزء و لم نميّز الغير المدخول فيه.

فانّ الركعة التي بيده إن كانت بحسب الواقع هي الثانية فقد وقع التشهّد في محلّه و المفروض دخوله فيه، و إن كانت الثالثة فقد تجاوز عن سجود الثانية بالدخول في قيام الثالثة و ما بعده من أجزائها. فهو متجاوز عن محلّ السجدة الثانية للركعة الثانية على كلّ حال، و داخل في الغير المترتّب عليها. فشرط القاعدة محرز جزماً.

و بعد جريانها تحرز الأولتان و لو ببركة التعبّد، فلا يكون الشكّ إلّا في الثالثة فتشمله أدلّة البناء على الأكثر، من غير فرق بين الدخول في التشهّد أو في القيام، للعلم في الأوّل بالدخول في الغير المترتّب كالثاني، و إن لم يعرف أنّه التشهّد أو القيام إلى الثالثة. فالتفصيل بينهما في غير محلّه.

(1) في عبارته (قدس سره) مسامحة ظاهرة، إذ لا معنى لوجوب هدم القيام تداركاً للسجدة المنسية ثمّ الحكم بالبطلان من أجل رجوع شكّه حينئذ إلى ما قبل الإكمال، فإنّ إيجاب شي‌ء مقدّمة للبطلان ممّا لا محصّل له، بل الشكّ قبل الهدم شكّ قبل الإكمال، بعد وضوح عدم العبرة بالقيام الزائد الواقع في غير محلّه.

____________

[1] بل لأنّ شكّه قبل الهدم شكّ قبل إكمال السجدتين.

228

[مسألة 8: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا فبنى على الأربع ثمّ بعد ذلك انقلب شكّه إلى الظنّ بالثلاث]

[2044] مسألة 8: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا فبنى على الأربع ثمّ بعد ذلك انقلب شكّه إلى الظنّ بالثلاث بنى عليه، و لو ظنّ الثلاث ثمّ انقلب شكّاً عمل بمقتضى الشكّ، و لو انقلب شكّه إلى شكّ آخر عمل بالأخير، فلو شكّ و هو قائم بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع فلمّا رفع رأسه من السجود شكّ بين الاثنتين و الأربع عمل عمل الشكّ الثاني (1) و كذا العكس [1] فإنّه يعمل بالأخير (2).

____________

(1) ما أفاده (قدس سره) في هذه المسألة من العمل بالمتأخّر إذا انقلب شكّه إلى الظنّ أو العكس، أو انقلب شكّه إلى شكّ آخر هو الصحيح الذي لا خلاف فيه و لا إشكال، لما عرفت من أنّ المدار على مرحلة البقاء و الحالة التي يتمّ عليها الصلاة، كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) في بعض نصوص البناء على الأكثر: «فإذا سلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت» (1) الظاهر في أنّ العبرة بالحالة المتأخّرة التي يتمّ الصلاة عليها، و أنّه يلاحظ عندئذ ما ظنّ نقصه فيتمّ، فلا عبرة بمرحلة الحدوث و الحالة السابقة غير الباقية.

فلو بنى على الأربع لدى الشكّ بينه و بين الثلاث ثمّ انقلب شكّه إلى الظنّ بالثلاث بنى عليه، و لو انقلب الظنّ به إلى الشكّ عمل بمقتضاه، كما أنّه لو انقلب الشكّ المزبور إلى الشكّ بين الثنتين و الأربع مثلًا أو بالعكس أو انقلب الشكّ الصحيح إلى الفاسد أو بالعكس عمل بموجب الأخير في الجميع.

(2) لا تخلو العبارة عن نوع من التشويش، فانّ ظاهر العكس حدوث الشكّ بين الثنتين و الأربع حال القيام و انقلابه بعد رفع الرأس من السجود إلى الشكّ‌

____________

[1] لعلّه يريد بذلك الانقلاب من دون أن يمضي على شكّه.

____________

(1) الوسائل 8: 212/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1.

229

[مسألة 9: لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كما يتّفق كثيراً لبعض الناس]

[2045] مسألة 9: لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كما يتّفق كثيراً لبعض الناس كان ذلك شكّاً (1)

____________

بين الثلاث و الأربع، مع أنّ الصلاة حينئذ محكومة بالبطلان، لأنّ الشكّ بين الاثنتين و الأربع قبل الإكمال من الشكوك الباطلة. و لا يبعد أن يريد به الانقلاب قبل الاسترسال في العمل و المضيّ على الشكّ، فلاحظ.

(1) إذا حصلت في النفس حالة مردّدة بين الشكّ و الظنّ لوسوسة و نحوها فقد ذكر في المتن أنّها محكومة بالشكّ.

و أشكل عليه غير واحد بأنّ كلا من الشكّ و الظنّ حادث مسبوق بالعدم و لا طريق إلى إحراز واحد منهما بخصوصه بعد كونه على خلاف الأصل، و عليه فامّا أن يعمل بموجبهما إن أمكن رعاية للعلم الإجمالي، أو يبني على أنّها ظنّ بناءً على تفسير الشكّ في روايات الباب باعتدال الوهم، و الظنّ بعدم الاعتدال فيكون هو المطابق لمقتضى الأصل.

و لكن الصحيح ما أفاده في المتن، و توضيحه: أنّه قد يفرض الكلام في الشكوك الباطلة، و أُخرى في الصحيحة.

إمّا الباطلة كما لو حصل الترديد بين الاولى و الثنتين، أو بين الرابعة و الخامسة في حال الركوع و لم يعلم أنّه شكّ أو ظنّ، فلا ينبغي الريب في لزوم معاملة الشكّ معه، فانّ لفظ اعتدال الوهم لم يرد في شي‌ء من نصوص الشكوك الباطلة و إنّما الوارد فيها: أنّ من شكّ أو لا يدري أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين. كما في صحيحة زرارة و غيرها (1). فالمراد بالشكّ فيها خلاف اليقين، المطابق للمعنى اللغوي، الذي هو محرز بالوجدان.

____________

(1) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1، 6 و غيرهما.

230

..........

____________

نعم، في صحيحة صفوان تقييده بعدم وقوع الوهم على شي‌ء، قال: «إن كنت لا تدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة» (1)، فكأنّ الموضوع مركّب من عدم العلم و من عدم وقوع الوهم على شي‌ء.

أمّا الأوّل فمحرز بالوجدان كما عرفت. و أمّا الثاني فبمقتضى الاستصحاب إذ الأصل عدم وقوع وهمه على شي‌ء، و هو عدم نعتي لا محمولي، فلا يتوقّف على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي، و إن كان المختار جريانه فيه أيضاً.

و إنّما يبتني عليه لو كانت العبارة هكذا: و لم يكن ما في نفسك ظنّ. لعدم وجود الحالة السابقة حينئذ، فإنّ ما في النفس من أوّل وجوده إمّا شكّ أو ظنّ. نعم، الاتصاف بأحدهما أمر حادث، فيستصحب عدم الاتصاف من باب السالبة بانتفاء الموضوع و بنحو العدم الأزلي، لكن لا حاجة إليه في المقام كما عرفت.

و كيف ما كان، فلا ينبغي التأمّل في الحكم بالبطلان لدى التردّد بين الظنّ و بين الشكّ المبطل، فهو ملحق بالشكّ كما ذكره في المتن.

و أمّا في الشكوك الصحيحة فالمستفاد من بعض النصوص أنّ إطلاق دليل البناء على الأكثر مقيّد بالعنوان الوجودي و هو اعتدال الوهم، كصحيحة [الحسين بن] أبي العلاء الخفاف: «إن استوى وهمه في الثلاث و الأربع سلّم و صلّى ركعتين ...» إلخ (2) المؤيّدة بمرسلة جميل: «إذا اعتدل الوهم في الثلاث و الأربع فهو بالخيار» (3).

و مقتضى ذلك أنّه مع الشك في الاعتدال و أنّ الحالة الحاصلة شكّ أو ظنّ‌

____________

(1) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

(2) الوسائل 8: 218/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 6.

(3) الوسائل 8: 216/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 2.

231

..........

____________

يستصحب عدمه، فلا يرتّب الأثر من البناء على الأكثر، بل لا حاجة إلى الاستصحاب، فانّ مجرّد الشكّ في الاعتدال و عدمه ملازم لعدم الاعتدال، فهو محرز بالوجدان من غير حاجة إلى إثباته بالأصل.

و المستفاد من البعض الآخر تقييده بالعنوان العدمي و هو عدم وقوع الوهم على شي‌ء كصحيحة الحلبي: «إن كنت لا تدري ثلاثاً صلّيت أم أربعاً و لم يذهب وهمك إلى شي‌ء» (1) و صحيحته الأُخرى: «إذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعاً و لم يذهب وهمك إلى شي‌ء ...» إلخ (2).

و مقتضى ذلك ترتيب الأثر لدى الشكّ، استناداً إلى استصحاب عدم وقوع الوهم على شي‌ء، فانّ الموضوع للبناء على الأكثر مؤلّف حينئذ من جزأين: كونه لا يدري و عدم وقوع الوهم على شي‌ء، و بعد ضمّ الأوّل المحرز بالوجدان إلى الثاني الثابت ببركة الأصل يلتئم الموضوع فيرتّب الأثر، فتكون النتيجة حينئذ على خلاف الأوّل، لمطابقة القيد العدمي مع الأصل دون الوجودي.

و هناك طائفة ثالثة جمع فيها بين الأمرين، فيظهر من صدرها أنّ القيد أمر عدمي و من ذيلها أنّه عنوان وجودي، كصحيحة أبي العباس البقباق: «إذا لم تدر ثلاثاً صلّيت أو أربعاً و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث إلى أن قال: و إن اعتدل وهمك فانصرف و صلّ ركعتين و أنت جالس» (3).

فانّ المستفاد من صدرها أنّ القيد أمر عدمي، و هو عدم وقوع الرأي على الثلاث أو على الأربع، فإنّه قد تضمّن العمل بما وقع عليه الرأي، الذي هو بمثابة‌

____________

(1) الوسائل 8: 217/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 5.

(2) الوسائل 8: 219/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 1.

(3) الوسائل 8: 211/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 7 ح 1.

232

..........

____________

الاستثناء عن إطلاق دليل البناء على الأكثر. و من المقرّر في محلّه (1) أنّ استثناء العنوان الوجودي عن العام يستدعي أن يكون الباقي تحته عدم ذاك العنوان فتكون النتيجة بعد ضمّ أحد الدليلين المستثنى و المستثنى منه إلى الآخر أنّ البناء على الأكثر مقيّد بعدم وقوع الرأي على شي‌ء كما ذكرنا. و المستفاد من ذيلها أنّ القيد عنوان وجودي، و هو اعتدال الوهم.

و نحوها في الجمع بين الأمرين صحيحة محمّد بن مسلم (2)، فانّ صدرها دال على أنّ القيد عنوان وجودي و هو اعتدال الشكّ، و ذيلها على أنّه أمر عدمي و هو عدم كون أكثر وهمه الأربع أو الثنتين، نعم الرواية غير مسندة إلى المعصوم (عليه السلام) و إنّما هي فتوى محمّد بن مسلم نفسه، التي لا حجّية لها كما ذكرناه سابقاً (3) فهي لا تصلح إلّا للتأييد.

و كيف ما كان، فالروايات مختلفة و على طوائف ثلاث كما عرفت. و المستفاد من مجموعها أنّ الإطلاق في أدلّة البناء على الأكثر لم يكن باقياً على حاله، بل هو مقيّد إمّا بعنوان وجودي أو عدمي أعني اعتدال الوهم، أو عدم وقوع الوهم على شي‌ء و هما و إن كانا متلازمين خارجاً و متّحدين بحسب النتيجة لكنّ الثمرة تظهر في إجراء الأصل لدى الشكّ في الاعتدال و أنّ الحالة الحاصلة شكّ أو ظنّ كما عرفت، هذا.

و حيث إنّ من الظاهر عدم إمكان الجمع بين القيدين المزبورين، لإغناء أحدهما عن الآخر، ضرورة أنّ الاعتدال و وقوع الوهم على شي‌ء من الضدّين اللّذين لا ثالث لهما، و لا معنى للجمع بين التقييد بأحد الضدّين و عدم الضدّ‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 226 و ما بعدها.

(2) الوسائل 8: 217/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 4.

(3) في ص 220.

233

..........

____________

الآخر، كالحركة و عدم السكون، لكون الثاني منهما لغواً محضاً، فلا مناص من إرجاع أحد القيدين إلى الآخر، و أنّ مورد الاعتبار أحدهما بخصوصه، و الآخر طريق إليه و معرّف له، فلا بدّ من تعيين ذلك القيد و أنّه العنوان الوجودي أو العدمي.

و يمكن أن يقال بالثاني، و أنّ المستفاد من النصوص أنّ العبرة بعدم حصول الظنّ لا باعتدال الوهم، نظراً إلى أنّ حكم الشارع بالعمل على ما وقع عليه الوهم الراجع إلى اعتبار الظنّ في باب الركعات لا يحتمل أن يكون من باب التعبّد البحت و لخصوصية في الظنّ بما هو، بحيث يكتفى في مرحلة الامتثال بالإتيان بثلاث ركعات مقرونة بصفة الظنّ، فانّ مرجعه إلى تجويز الاجتزاء بالامتثال الاحتمالي، الذي هو بعيد غايته كما لا يخفى.

بل إنّما هو من أجل مراعاة الطريقية و كون الظنّ كاشفاً عن الواقع و حجّة عليه، فكأنّ الظان محرز للركعة، نظير من قامت عنده البيّنة. فالاعتبار بقيام الحجّة و عدمه، و لازم ذلك أن يكون الحكم بالبناء على الأكثر لدى اعتدال الوهم من أجل انتفاء الحجّة و فقد الطريق على أحد طرفي الترديد، لا لخصوصية للاعتدال في حدّ نفسه.

و بعبارة اخرى: الجاهل بعدد الركعات إمّا أن تقوم عنده حجّة عليها أو لا فالأوّل يعمل على طبق الحجّة، و الثاني إنّما يبني على الأكثر لكونه فاقداً للحجّة و غير محرز للواقع، فأيّ أثر لاعتدال الوهم بعدئذ؟ و عليه فمع الشكّ في قيام الحجّة و حصول الظنّ يبني على أصالة العدم.

هذا كلّه بناءً على تسليم ارتكاب التقييد في إطلاق دليل البناء على الأكثر و تردّده بين الوجودي و العدمي، و لكنّ الظاهر انتفاء التقييد رأساً، و أنّ ما دلّ على حجّية الظنّ في باب الركعات حاكم على ذاك الدليل لا أنّه مقيّد له، و إن‌

234

و كذا لو حصل له حالة في أثناء الصلاة و بعد أن دخل في فعل آخر لم يدر أنّه كان شكّاً أو ظنّاً بنى على أنّه كان شكّاً إن كان فعلًا شاكّاً، و بنى على أنّه كان ظنا إن كان فعلًا ظاناً، مثلًا لو علم أنّه تردّد بين الاثنتين و الثلاث و بنى على الثلاث و لم يدر أنّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه أو بنى عليه من باب الشكّ يبني على الحالة الفعلية. و إن علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث و أنّه بنى على الثلاث و شكّ في أنّه حصل له الظنّ به أو كان من باب البناء في الشكّ

____________

كانت الحكومة تقييداً بحسب النتيجة و في مقام اللّب، لكنّه لا تقييد في ظاهر الكلام كي يمنع عن التمسّك بالإطلاق لدى الشكّ في تحقّق القيد. فليفرض أنّ الروايات مجملات أو متعارضات و لم يتّضح منها أنّ القيد وجودي أو عدمي و كأنها لم تكن.

و الوجه في الحكومة المزبورة: أنّ ما دلّ على حجّية الظنّ رافع لموضوع دليل البناء على الأكثر و هو الجهل بعدد الركعات و كونه لا يدري، فإنّه بعد اعتبار الظنّ يكون عالماً و لو تعبّداً، فلا يبقى بعدئذ موضوع لذاك الدليل، لا أنّه يتقيّد بعدم الظنّ أو باعتدال الوهم.

فإطلاق دليل المحكوم باقٍ على حاله، غايته أنّه يحتمل الاندراج تحت الدليل الحاكم بحصول الظنّ له، و بعد نفيه بالأصل لم يكن أيّ مانع من التمسّك بالإطلاق السليم عن التقييد، فإنّه لا يدري فعلًا وجداناً و لم يحصل له الظنّ بمقتضى الأصل، فيحكم عليه بلزوم البناء على الأكثر.

فتحصّل: أنّ ما ذكره في المتن من إجراء حكم الشكّ على الحالة المتردّدة بينه و بين الظنّ هو الصحيح.

235

فالظاهر عدم وجوب صلاة الاحتياط [1] عليه و إن كان أحوط (1).

____________

(1) قد عرفت حكم الترديد في الحالة الفعلية و أنّها شكّ أو ظنّ، و أمّا لو كان التردّد في الحالة السابقة بعد الدخول في فعل آخر، فهذا قد يكون في أثناء الصلاة كما لو علم أنّه تردّد بين الاثنتين و الثلاث و أنّه بنى على الثلاث، و لم يدر أنّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه، أو أنّه بنى عليه من باب الشكّ و البناء على الأكثر كي تجب عليه ركعة الاحتياط. و قد يكون بعد الفراغ من الصلاة.

أمّا في الصورة الأُولى: فقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه يبني على أنّه كان شكّاً إن كان فعلًا شاكاً، و على أنّه كان ظنا إن كان فعلًا ظاناً.

و غير خفي أنّ في عبارته (قدس سره) مسامحة ظاهرة، إذ لا أثر للبناء على مطابقة الحال السابقة للحاضرة بعد أن كانت العبرة بالحال الحاضرة، بل لو كان عالماً بالمخالفة لم يكن به بأس فضلًا عن الشكّ، فانّ الظنّ السابق أو الشكّ إنّما يترتّب عليه الأثر لو كان باقياً على حاله دون ما لو زال و انقلب إلى غيره إذ المتعيّن حينئذ العمل بمقتضى الأخير، لكون المدار على مرحلة البقاء دون الحدوث، كما تقدّم في المسألة السابقة. فأيّ أثر بعد هذا البناء المزبور، و ما هو الموجب لذلك؟

و أمّا في الصورة الثانية: فقد حكم في المتن بعدم وجوب صلاة الاحتياط عليه. و هو مبنيّ على أنّ ركعة الاحتياط صلاة مستقلّة غير مرتبطة بالصلاة الأصلية و إن كان الداعي على إيجابها تدارك النقص المحتمل، إذ عليه يكون الأمر بنفس الصلاة ساقطاً جزماً، و إنّما الشكّ في تعلّق أمر جديد بصلاة الاحتياط‌

____________

[1] لا يبعد وجوبها.

236

..........

____________

و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و بعبارة اخرى: مقتضى البناء على الاستقلال سقوط جزئية الركعة في ظرف الشكّ، و تشريع صلاة أُخرى بداعي التدارك على تقدير النقص. و بعد احتمال حصول الظنّ و عدم عروض الشكّ يشكّ في تعلّق الأمر بتلك الصلاة، فيندفع بأصالة البراءة.

و يكون الوجه في احتياطه (قدس سره) مراعاة الاحتمال الآخر في تلك الصلاة و أنّها جزء متمّم من الصلاة الأصلية، إذ عليه يجب الإتيان بصلاة الاحتياط عملًا بقاعدة الاشتغال، لرجوع الشكّ حينئذ إلى مرحلة الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف المعلوم المتعلّق بالركعة الرابعة، لا إلى مقام الجعل و حدوث التكليف الجديد، هذا.

و لكن الظاهر وجوب الإتيان بركعة الاحتياط على التقديرين. أمّا على التقدير الثاني فظاهر كما مرّ، و أمّا على التقدير الأوّل فلعدم كون المقام من موارد الرجوع إلى البراءة، و ذلك من أجل وجود الأصل الحاكم المنقّح لموضوع صلاة الاحتياط، فانّ موضوعها التردّد بين الثنتين و الثلاث و عدم وقوع الوهم على شي‌ء، أي عدم حصول الظنّ. و الأوّل محرز بالوجدان حسب الفرض و الثاني ثابت بمقتضى الأصل، و بذلك يلتئم الموضوع و يرتّب الأثر، هذا.

و ربما يتمسّك لنفي صلاة الاحتياط بقاعدة الفراغ.

و فيه: أنّ صحّة الصلاة مقطوعة على كلّ تقدير، و لا يحتمل الفساد ليدفع بقاعدة الفراغ، فلا شكّ في كون وظيفته هو البناء على الثلاث و في أنّه قد عمل بهذه الوظيفة، و إنّما الشكّ في منشأ ذلك و أنّ سببه الظنّ بالثلاث أو البناء على الأكثر. و من البيّن أنّ القاعدة لا تتكفّل لإثبات السبب و تعيينه. فلا مجال للرجوع إليها في مثل المقام، بل المرجع إمّا أصالة البراءة أو قاعدة الاشتغال حسبما عرفت.

237

[مسألة 10: لو شكّ في أنّ شكّه السابق كان موجباً للبطلان أو للبناء]

[2046] مسألة 10: لو شكّ في أنّ شكّه السابق كان موجباً للبطلان أو للبناء (1) بنى على الثاني، مثلًا لو علم أنّه شكّ سابقاً بين الاثنتين و الثلاث و بعد أن دخل في فعل آخر أو ركعة أُخرى شكّ في أنّه كان قبل إكمال السجدتين حتّى يكون باطلًا أو بعده حتّى يكون صحيحاً بنى على أنّه كان بعد الإكمال، و كذا إذا كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة.

____________

(1) كما لو علم في حال القيام أنّه شكّ سابقاً بين الثنتين و الثلاث، المستلزم لشكّه الفعلي في أنّ ما بيده الثالثة أو الرابعة، و لكن لم يدر أنّ شكّه السابق هل كان قبل إكمال السجدتين و قد استمرّ عليه غافلًا ليستوجب بطلان الصلاة أو كان بعد الإكمال و قد بنى على الثلاث حتّى يكون صحيحاً، و مثله ما لو طرأ الشكّ المزبور حال التشهّد أو بعد الفراغ من الصلاة. و قد حكم (قدس سره) بأنّه يبني على أنّه كان بعد الإكمال.

و ربما يستدلّ له بجريان قاعدة الفراغ في السجدتين، فانّ الشكّ المذكور إن كان عارضاً قبل الإكمال بطلت السجدتان كأصل الصلاة، و إلّا كانتا صحيحتين فببركة القاعدة الجارية فيهما يبني على الثاني.

و فيه: أنّ مورد القاعدة الشكّ في صحّة العمل المأتي به و انطباق المأمور به عليه بعد العلم بتعلّق الأمر به، و أمّا مع الشكّ في أصل وجود الأمر فلا تجري القاعدة لإثباته و تعيين الوظيفة الفعلية.

فلو شكّ في صحّة الغسل من أجل الشكّ في كونه جنباً ليكون مأموراً بالاغتسال، أو شكّ في صحّة الصلاة بعد الفراغ منها من أجل الشكّ في دخول الوقت و تعلّق الأمر بها، فلا يمكن إجراء القاعدة لإثبات الأمر بالغسل أو الصلاة لما عرفت من أنّها ناظرة إلى مرحلة الامتثال و تصحيح العمل لدى تفريغ الذمّة‌

238

..........

____________

عن الأمر المتعلّق به، الذي هو متفرّع على أصل وجود الأمر و في مرتبة متأخّرة عنه، فلا يمكن إثباته بها.

و المقام من هذا القبيل، فانّ تعلّق الأمر بالسجدتين مشكوك فيه، لجواز عروض الشكّ قبل الإكمال المستوجب للبطلان و سقوط الأمر بالإتمام و الإتيان ببقية الأجزاء، فلم يحرز الأمر بالسجدتين في شخص هذه الصلاة ليرجع الشكّ إلى مرحلة التطبيق و الامتثال، نعم الأمر بالطبيعي و لو في ضمن فرد آخر من الصلاة محرز، لكن مورد القاعدة إنّما هو الشخصي لا الكلّي كما هو ظاهر.

بل الوجه فيما أفاده الماتن (قدس سره) هو التمسّك باستصحاب عدم عروض الشكّ قبل الإكمال فينفى موجب البطلان بمقتضى الأصل.

نعم، قد يورد عليه بأنّ المعتبر إحراز حدوث الشكّ بعد الإكمال، ليكون على يقين من إحراز الركعتين و سلامتهما عن الشكّ. و من المعلوم أنّ الأصل المزبور لا يتكفّل لإثبات ذلك.

و يندفع بعدم أخذ الحدوث في شي‌ء من أدلّة الشكوك الصحيحة، و إنّما المعتبر أن لا يكون الشكّ حادثاً قبل الإكمال، الذي هو الموضوع للبطلان. فالشكّ بين الثنتين و الثلاث المحكوم بالبناء على الأكثر موضوعه عروض الشكّ المزبور و أن لا يكون قبل الإكمال. أمّا الأوّل فمحرز بالوجدان حسب الفرض و أمّا الثاني فبمقتضى الأصل، و لا يعتبر اتصاف الشكّ بحدوثه بعد الإكمال.

نعم، يعتبر أن لا يكون هذا الشكّ مسبوقاً بشكّ مبطل، و إلّا لزم اللّغوية في دليل ذلك الشكّ، و أمّا الاتصاف بالحدوث بعده فغير مأخوذ في شي‌ء من الأدلّة. و عليه فلا مانع من التمسّك بالاستصحاب المزبور و تنقيح الموضوع به.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو علم و هو بعد الإكمال بتردّده قبل الإكمال بين‌

239

[مسألة 11: لو شكّ بعد الفراغ من الصلاة أنّ شكّه هل كان موجباً للركعة]

[2047] مسألة 11: لو شكّ بعد الفراغ من الصلاة أنّ شكّه هل كان موجباً للركعة بأن كان بين الثلاث و الأربع مثلًا، أو موجباً للركعتين بأن كان بين الاثنتين و الأربع، فالأحوط الإتيان بهما ثمّ إعادة الصلاة [1] (1).

____________

الثنتين و الثلاث و لم يدر أنّه كان شكاً أم ظنا على ما مرّت الإشارة إليه في المسألة السابقة بنى بمقتضى أصالة عدم عروض المبطل على عدم كونه شكّاً فهو كما لو شكّ ابتداءً في حصول الشكّ المبطل قبل ذلك، المحكوم بعدم الاعتناء.

(1) أمّا وجوب الاحتياط بالإتيان بهما فلأجل العلم الإجمالي بوجوب إحدى الصلاتين المردّدة بين الركعة و الركعتين، اللّتين هما من المتباينين كما لا يخفى. و أمّا الإعادة فلاحتمال كون الواجب ما يفعله ثانياً فتكون الأُولى فاصلة بينها و بين الصلاة الأصلية بناءً على قدح مثل هذا الفصل.

أقول: الجمع بين الإتيان بهما و بين الإعادة ممّا لا وجه له، بل إمّا يجب الأوّل أو الثاني، فانّا إذا بنينا على أنّ صلاة الاحتياط صلاة مستقلّة غير مرتبطة بالصلاة الأصلية و إن كانت الحكمة الداعية لإيجابها تدارك النقص المحتمل، و من هنا جاز بناءً على هذا القول تخلّل الفصل بينهما حتى اختياراً بمثل حدث و نحوه، فيتوضّأ ثمّ يأتي بركعة الاحتياط فلا موجب حينئذ للإعادة لعدم احتمال قدح الفصل المزبور حسب الفرض.

و أمّا إذا بنينا على أنّها جزء متمّم على تقدير النقص قد أُخّر ظرفه و محلّه و زيادة السلام مغتفرة، كما أنّها نافلة على التقدير الآخر، فحيث إنّ تخلّل الفصل‌

____________

[1] و الأظهر جواز رفع اليد عن صلاة الاحتياط بإبطالها في هذا الفرع و فيما بعده ثمّ إعادة الصلاة.

240

[مسألة 12: لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له الشكّ في الأثناء]

[2048] مسألة 12: لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له الشكّ في الأثناء لكن لم يدر كيفيّته من رأس فإن انحصر في الوجوه الصحيحة أتى بموجب الجميع و هو ركعتان من قيام و ركعتان من جلوس و سجود السهو ثمّ الإعادة، و إن لم ينحصر في الصحيح بل احتمل بعض الوجوه الباطلة استأنف الصلاة، لأنّه لم يدر كم صلّى (1).

____________

قادح على هذا المبنى فصلاة الاحتياط غير نافعة حينئذ بطبيعة الحال، إذ لا تتّصف الركعة بالجزئية على تقدير النقص بعد احتمال تخلّل الفصل بالأجنبي المانع عن صلاحية الانضمام بالصلاة الأصلية، فلا يجوز الاقتصار عليها في مقام تفريغ الذمّة عن الركعة المشكوكة.

و عليه فيجوز له رفع اليد عن صلاة الاحتياط بإبطالها و عدم الإتيان بها رأساً، بعد وضوح عدم شمول دليل حرمة القطع لمثل المقام ممّا لا يتمكّن معه من إتمامها صحيحة و الاقتصار عليها في مقام الامتثال، فإنّ الحرمة على تقدير تسليمها غير شاملة لمثل ذلك قطعاً.

فالمتعيّن حينئذ إعادة الصلاة عملًا بقاعدة الاشتغال، و لا موجب للإتيان بركعة الاحتياط، هذا.

و حيث إنّ الأقوى عندنا هو المبنى الثاني كما سيأتي (1) فلا تجب عليه إلّا الإعادة.

(1) قسّم (قدس سره) مفروض المسألة إلى ما إذا انحصرت أطراف الشبهة في الشكوك الصحيحة، و ما إذا احتمل معها لبعض الشكوك الباطلة أيضاً.

____________

(1) في ص 277 و ما بعدها.

241

..........

____________

فعلى الأوّل: أتى بموجب الجميع على النحو المقرّر في المتن، رعاية للعلم الإجمالي بوجود أحد الموجبات، ثمّ يعيد الصلاة لاحتمال كون الوظيفة ما يفعله متأخّراً، المستلزم لحصول الفصل القادح فيما بينه و بين الصلاة الأصلية على ضوء ما مرّ في المسألة السابقة.

و على الثاني: حكم (قدس سره) بالبطلان، و علّله بأنّه لم يدر كم صلّى.

أقول: أمّا الكلام في الصورة الأُولى فهو بعينه الكلام المتقدّم في المسألة السابقة حرفاً بحرف، لاتحاد المسألتين و عدم الفرق إلّا من حيث قلّة الأطراف و كثرتها، فانّ الشكّ الصحيح كان مردّداً هناك بين اثنين و هما الشكّ بين الثلاث و الأربع و الشكّ بين الاثنتين و الأربع، و هنا بين الأكثر من ذلك، و هذا لا يستوجب فرقاً بينهما في الحكم. و حيث عرفت ثمّة أنّ الأقوى كفاية الإعادة من غير حاجة إلى ضمّ صلاة الاحتياط فكذا في المقام بعين المناط.

و أمّا في الصورة الثانية فقد يقال: إنّ مقتضى العلم الإجمالي بحدوث الشكّ الصحيح أو الفاسد الجمع بين الإتيان بموجب الشكوك الصحيحة و بين الإعادة.

و ربما يجاب عنه بانحلال العلم الإجمالي بقاعدة الاشتغال المثبتة للإعادة و أصالة البراءة النافية لموجب الشكّ الصحيح، فينحلّ العلم بالأصل المثبت و النافي، فانّ الإعادة لو ثبتت فليست هي بأمر جديد، و إنّما هي بمقتضى نفس الأمر الأوّل الذي يشكّ في سقوطه و الخروج عن عهدته، و هذا بخلاف موجب الشكّ الصحيح كصلاة الاحتياط فإنّها بأمر جديد حادث بعد الصلاة، و حيث إنّه مشكوك فيه فيدفع بأصل البراءة.

و هذا الجواب جيّد بناءً على أن تكون ركعة الاحتياط صلاة مستقلّة، إذ عليه تكون الركعة المشكوكة ساقطة في ظرف الشكّ، و يعوّض عنها أمر جديد متعلّق بصلاة الاحتياط بداعي تدارك النقص المحتمل، و مقتضى الأصل البراءة كما ذكر.

242

..........

____________

و أمّا بناءً على المسلك الآخر و هو الصحيح من كونها جزءاً متمّماً على تقدير النقص فليس الأمر بها أمراً جديداً حادثاً بعد الصلاة ليرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف، و إنّما تجب بنفس الأمر الصلاتي المتعلّق بالركعة الرابعة، فإنّ هذه هي تلك الركعة حقيقة، غايته أنّ ظرفها و محلّها قد تأخّر عن الصلاة. فالشكّ من هذه الناحية أيضاً راجع إلى مرحلة الامتثال و السقوط دون الجعل و الثبوت، و عليه فكلا طرفي العلم الإجمالي مورد لقاعدة الاشتغال، فلا موجب للانحلال.

نعم، ينحلّ العلم بتقريب آخر مرّت الإشارة إليه في المسألة السابقة، و هو عدم كون ركعة الاحتياط نافعة في مثل المقام ممّا كانت أطراف الشكوك الصحيحة متعدّدة، من أجل تطرّق احتمال الفصل القادح بينها و بين الصلاة الأصلية، المانع عن إحراز تدارك النقص المحتمل.

و قد عرفت عدم شمول دليل حرمة القطع لمثل المقام ممّا لا يصحّ الاقتصار عليه في مقام الامتثال، و عليه فلا مانع من رفع اليد عن تلك الصلاة رأساً و الاكتفاء بالاستئناف حسبما تقدّم.

و أمّا التعليل الذي ذكره في المتن بقوله: لأنّه لم يدر كم صلّى. فغير بعيد أن يريد به الإشارة إلى الأصل الموضوعي، فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان: «إن كنت لا تدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة» (1) أنّ كلّ من لم يدر كم صلّى فصلاته باطلة، و بعد الخروج عنه في موارد الشكوك الصحيحة بمقتضى أدلّتها الموجبة لتقييد الإطلاق، ينتج أنّ موضوع البطلان من لم يدر كم صلّى و لم يكن شكّه من الشكوك الصحيحة.

____________

(1) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

243

[مسألة 13: إذا علم في أثناء الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث]

[2049] مسألة 13: إذا علم في أثناء الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث مثلًا و شكّ في أنّه هل حصل له الظنّ بالاثنتين فبنى على الاثنتين أو لم يحصل له الظنّ فبنى على الثلاث يرجع إلى حالته الفعلية (1) فإن دخل في الركعة الأُخرى يكون فعلًا شاكاً [1] بين الثلاث و الأربع، و إن لم يدخل فيها يكون شاكاً بين الاثنتين و الثلاث.

____________

و هذا الموضوع محرز في المقام بضمّ الوجدان إلى الأصل، فإنّه لم يدر كم صلّى بالوجدان أي كان شاكّاً في عدد الركعات حسب الفرض و لم يكن شكّه من الشكوك الصحيحة بمقتضى الأصل، فيلتئم الموضوع، و لأجله يحكم بالبطلان. فغرضه (قدس سره) من التعليل الإشارة إلى هذا المعنى، و لا بأس به فلاحظ.

(1) من شكّ أو ظنّ فيبني عليه، و هذا ظاهر بالنظر إلى ما قدّمناه (1) من أنّ الاعتبار في الشكّ المنقلب إلى الظنّ أو بالعكس بالمتأخّر منهما، لكون العبرة في ترتيب أحكامهما بمرحلة البقاء دون الحدوث.

إنّما الكلام فيما لو حدث الشكّ المزبور بعد دخوله في ركعة أُخرى، المستلزم لشكّه الفعلي في أنّ ما بيده هل هي الثالثة أو الرابعة، فإنّ ما طرأ سابقاً لو كان ظنا لزم ترتيب حكم الشكّ بين الثلاث و الأربع، و لو كان شكّاً لزم ترتيب حكم الشكّ بين الثنتين و الثلاث.

و لا ثمرة لهذا البحث بناءً على تساوي حكم الشكّين و اشتراك الوظيفتين‌

____________

[1] لا أثر للشك بين الثلاث و الأربع، فانّ الشك بينهما لا محالة يرجع إلى الشك بين الاثنتين و الثلاث في المقام، فلا بدّ من ترتيب أثر ذلك الشك.

____________

(1) في ص 228.

244

..........

____________

و أنّه مخيّر على التقديرين في كيفية الإتيان بركعة الاحتياط بين ركعة قائماً أو ركعتين جالساً كما هو المشهور، أو قلنا بالتخيير في أحدهما دون الآخر كما كان هو الأحوط عندنا من تعيّن اختيار الركعة قائماً في الشكّ بين الثنتين و الثلاث كما تقدّم، فإنّه يأتي حينئذ بالركعة قائماً و تبرأ ذمّته على التقديرين.

نعم، تظهر الثمرة بناءً على تباين الوظيفتين و تخالفهما، و أنّه تتعيّن الركعة من قيام في الشكّ بين الثنتين و الثلاث، و الركعتان من جلوس في الشك بين الثلاث و الأربع كما حكي القول به عن بعضهم حسبما مرّ في محلّه (1)، فإنّ الوظيفة الفعلية اللّازمة تتردّد حينئذ بين الأمرين.

فقد يقال بلزوم الجمع بينهما رعاية للعلم الإجمالي بأحد التكليفين من دون أصل يعيّن أحدهما بخصوصه.

لكن الظاهر عدم الحاجة إلى الجمع، لوجود الأصل الموضوعي المنقّح الذي به ينحلّ العلم الإجمالي، و هو أصالة عدم حصول الظنّ، و ذلك لما عرفت سابقاً (2) من أنّ الموضوع للبناء على الأكثر هو التردّد مع عدم وقوع الوهم على شي‌ء و لا خصوصية للاعتدال و تساوي الوهم و نحوهما من العناوين الوجودية و إن كان مأخوذاً في ظاهر بعض النصوص، فإنّه لدى التحليل راجع إلى العنوان العدمي كما أسلفناك فيما مرّ.

و عليه فكون الحالة السابقة تردّداً محرز بالوجدان، و عدم كونه ظنّاً ثابت بمقتضى الأصل، فيلتئم جزءا الموضوع و يرتّب عليه الأثر، أعني البناء على الأكثر و لازمه إجراء حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث.

____________

(1) في ص 183.

(2) في ص 230 233.

245

[مسألة 14: إذا عرض له أحد الشكوك و لم يعلم حكمه من جهة الجهل بالمسألة أو نسيانها]

[2050] مسألة 14: إذا عرض له أحد الشكوك و لم يعلم حكمه من جهة الجهل بالمسألة أو نسيانها فان ترجّح له أحد الاحتمالين عمل عليه [1] و إن لم يترجّح أخذ بأحد الاحتمالين مخيّراً (1) ثمّ بعد الفراغ رجع إلى المجتهد فإن كان موافقاً فهو، و إلّا أعاد الصلاة (2)، و الأحوط الإعادة في صورة الموافقة أيضاً (3).

[مسألة 15: لو انقلب شكّه بعد الفراغ من الصلاة إلى شكّ آخر]

[2051] مسألة 15: لو انقلب شكّه بعد الفراغ من الصلاة إلى شكّ آخر (4)

____________

(1) إذ بعد البناء على حرمة القطع و وضوح تعذّر الاحتياط امتنع الامتثال الجزمي، فلا محالة يستقلّ العقل حينئذ بالتنزّل إلى الامتثال الظنّي إن أمكن و إلّا فالاحتمالي.

(2) إذ لا يسوّغ العقل الاقتصار على مثل هذا الامتثال بعد إمكان الفحص و السؤال، لاستقلاله بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني عن اشتغالٍ مثله، و لا دليل على حجّية الظنّ في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم فضلًا عن الاحتمال، فلا مناص من الرجوع إلى المجتهد و الإعادة على تقدير المخالفة.

(3) لاحتمال عدم كفاية الإطاعة الاحتمالية مع التمكّن من الإطاعة الجزمية و لا بأس بهذا الاحتياط و إن لم يكن لازماً كما لا يخفى.

(4) حاصله: أنّه لو عرض للمصلّي أحد الشكوك الصحيحة ثمّ انقلب بعد الفراغ من الصلاة إلى شكّ آخر لم يجب عليه شي‌ء، و لا أثر لشي‌ء من الشكّين أمّا الأوّل فلأنّ تأثيره منوط ببقائه و المفروض زواله، و أمّا الثاني فلأنه شكّ‌

____________

[1] و يجوز له قطع الصلاة و إعادتها من رأس، و كذلك فيما إذا لم يترجّح أحد الاحتمالين.

246

فالأقوى عدم وجوب شي‌ء عليه [1] لأنّ الشكّ الأوّل قد زال، و الشكّ الثاني بعد الصلاة فلا يلتفت إليه، سواء كان ذلك قبل الشروع في صلاة الاحتياط أو في أثنائها أو بعد الفراغ منها، لكن الأحوط عمل الشكّ الثاني ثمّ إعادة الصلاة، لكن هذا إذا لم ينقلب إلى ما يعلم معه بالنقيصة كما إذا شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ بعد الصلاة انقلب إلى الثلاث و الأربع، أو شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع مثلًا ثمّ انقلب إلى الثلاث و الأربع، أو عكس الصورتين. و أمّا إذا شكّ بين الاثنتين و الأربع مثلًا ثمّ بعد الصلاة انقلب إلى الاثنتين و الثلاث فاللّازم أن يعمل عمل الشكّ المنقلب إليه الحاصل بعد الصلاة لتبيّن كونه في الصلاة و كون السلام في غير محلّه، ففي الصورة المفروضة يبني على الثلاث و يتمّ و يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس و يسجد

____________

[1] الظاهر أنّ للمسألة صوراً عديدة: منها ما إذا انقلب الشك في النقيصة إلى الشك في الزيادة أو بالعكس، كما إذا شكّ بين الثلاث و الأربع فانقلب شكّه بعد السلام إلى الشكّ بين الأربع و الخمس أو بعكس ذلك، ففي مثله يحكم بصحّة الصلاة و لا يجب عليه شي‌ء. و منها ما إذا شكّ في النقيصة و كان الشكّ مركّباً ثمّ انقلب إلى البسيط، كما إذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع ثمّ انقلب شكّه بعد السلام إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع ففي مثله يجري حكم الشكّ الفعلي، لأنّه كان حادثاً من الأوّل، غاية الأمر أنّه كان معه شكّ آخر قد زال، و من ذلك يظهر حكم انقلاب الشك البسيط إلى المركب بعد السلام و أنّه لا يجب فيه إلّا ترتيب أثر الشك السابق دون الحادث بعد السلام. و منها ما إذا انقلب الشكّ البسيط في النقيصة إلى شك مثله مغاير له كما إذا شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ انقلب شكّه بعد السلام إلى الشك بين الثلاث و الأربع أو بالعكس، ففي مثله لا بدّ من الحكم ببطلان الصلاة، فإنّ الشك الأوّل لا يمكن ترتيب الأثر عليه و الشكّ الثاني لا تشمله أدلّة الشكوك، فلا مناص من الإعادة تحصيلًا للفراغ اليقيني. و بما ذكرناه يظهر الحال في انقلاب الشك بعد صلاة الاحتياط.

247

سجدتي السهو للسّلام في غير محلّه، و الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة [1].

____________

حادث بعد الفراغ، و مثله محكوم بعدم الاعتناء، إلّا إذا كان الشكّ المنقلب إليه ممّا يعلم معه بالنقيصة كما لو شكّ بين الثنتين و الأربع فبنى على الأربع و أتمّ، ثمّ انقلب إلى الثنتين و الثلاث، فانّ اللّازم حينئذٍ عمل الشك المنقلب إليه الحاصل بعد الصلاة، لتبيّن كونه بعد في الصلاة و أنّ السلام قد وقع في غير محلّه، فيبني حينئذٍ على الثلاث و يتمّ، و بعد ما يأتي بصلاة الاحتياط يسجد سجدتي السهو للسلام الزائد.

أقول: أمّا الحكم في صورة الاستثناء فظاهر جدّاً، لما ذكره في المتن من تبيّن كونه في الصلاة، فكأنّ الشكّين المنقلب أحدهما إلى الآخر كلاهما عارضان في أثناء الصلاة، و قد مرّ (1) أنّ الاعتبار في مثله بالمتأخّر منهما.

و أمّا الاحتياط بالإعادة الذي ذكره (قدس سره) في هذه الصورة فلم يعرف وجهه، إذ المقام داخل حينئذ في من تذكّر النقص بعد السلام، الذي لا خلاف ظاهراً في كونه محكوماً بالتدارك ما لم يأت بالمنافي كما هو المفروض و في اتّصاف السلام الواقع في غير محلّه بالزيادة. و كيف ما كان، فالحكم في هذه الصورة ظاهر لا سترة عليه.

و أمّا فيما عدا ذلك فالتعليل الذي ذكره (قدس سره) لعدم الاعتناء بشي‌ء من الشكّين من أنّ الأوّل قد زال و الثاني شكّ حادث بعد الصلاة بظاهره كلام جيّد، لكنّه لدى التحليل لا يستقيم على إطلاقه.

و تفصيل الكلام يستدعي استقصاء صور الانقلاب فنقول:

قد يكون الشكّان متباينين بحيث لا يشتركان في جامع أصلًا، كما إذا انقلب‌

____________

[1] لم يظهر لنا وجهه.

____________

(1) في ص 228.

248

..........

____________

الشكّ في النقيصة إلى الشكّ في الزيادة أو بالعكس، و قد يكونان مشتركين في احتمال النقص، و على الثاني فامّا أن ينقلب الشكّ المركّب إلى البسيط، أو البسيط إلى المركّب، أو ينقلب الشكّ البسيط إلى بسيط مثله مغاير معه. فهذه صور أربع:

أمّا الصورة الأُولى: فمثالها ما لو انقلب الشكّ بين الثلاث و الأربع إلى الأربع و الخمس، فأحتمل أوّلًا نقصان الصلاة ثمّ زال هذا الاحتمال و أيقن بالتمام بعد السلام، و تبدّل باحتمال الزيادة المباين للاحتمال الأوّل، أو انعكس ذلك بأن انقلب احتمال الزيادة إلى النقيصة كالشكّ بين الأربع و الخمس المنقلب إلى ما بين الثلاث و الأربع.

ففي هذه الصورة لا ينبغي الإشكال في صحّة الصلاة و عدم وجوب شي‌ء عليه، لما ذكره في المتن من أنّ الشكّ الأوّل قد زال، و الثاني حادث بعد الصلاة فلا أثر لشي‌ء من الشكّين. فالتعليل المذكور في المتن متّجه في هذه الصورة.

و أمّا الصورة الثانية: أعني انقلاب الشكّ المركّب إلى البسيط و نعني بالمركّب كون طرف الشكّ أكثر من اثنين، الراجع إلى تركيبه من شكّين كما إذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع ثمّ انقلب شكّه بعد السلام إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع، فحكمها العمل على طبق الشكّ الفعلي، لوضوح عدم كونه شكاً جديداً حادثاً بعد السلام، بل هو نفس الشكّ العارض في الأثناء غير أنّه كان آن ذاك مقروناً بشكّ آخر قد زال، فلا أثر للزائل، و لا موجب لرفع اليد عن أثر الباقي.

و على الجملة: احتمال النقص بركعة موجود سابقاً و لاحقاً، و لم ينقلب هذا الاحتمال عمّا كان، غاية ما هناك أنّ هذا الاحتمال كان مقروناً سابقاً باحتمال آخر و هو النقص بركعتين و قد زال ذاك و انعدم مع بقاء الاحتمال الأوّل بحاله فلا مانع من شمول الإطلاق في موثّقة عمّار: «فأتمّ ما ظننت أنّك قد نقصت» (1)

____________

(1) الوسائل 8: 212/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1.

249

..........

____________

لمثل المقام، و لازمه إجراء حكم الشكّ الفعلي كما عرفت.

و منه يظهر حكم الصورة الثالثة أعني انقلاب الشكّ البسيط إلى المركّب كما لو شكّ بين الثلاث و الأربع ثمّ انقلب بعد السلام إلى الشكّ بين الثنتين و الثلاث و الأربع، و أنّ اللّازم حينئذ إجراء حكم الشكّ السابق دون الحادث، فانّ ترديده بعد السلام ينحلّ إلى الشك بين الثلاث و الأربع و الشكّ بين الثنتين و الأربع، و الأوّل منهما كان بعينه موجوداً سابقاً و قد أُضيف إليه الشكّ الثاني لاحقاً فيلغى الزائد المتّصف بالحدوث، و يعمل بالأوّل غير المتّصف به، فالتعليل المذكور في المتن غير متّجه في هاتين الصورتين كي لا يرتّب الأثر على شي‌ء من الشكّين.

و أمّا الصورة الرابعة: أعني انقلاب الشكّ البسيط إلى مثله المغاير معه في الجملة و المشارك معه في النقيصة كالصورتين السابقتين كما إذا شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ انقلب شكّه بعد السلام إلى الشكّ بين الثلاث و الأربع أو بالعكس، ففي مثله لا مناص من الحكم بالبطلان.

فانّ شكّه الفعلي الراجع إلى احتمال النقص و عدم إتمام الرابعة لم يكن شكاً حادثاً طارئاً بعد السلام كي يحكم عليه بعدم الالتفات، بل كان موجوداً أثناء الصلاة، غاية الأمر أنّ طرف الشكّ قد تغيّر و تبدّل، فكان طرفه سابقاً الثنتين فانقلب إلى الثلاث أو بالعكس. فذات الشكّ محفوظ في كلتا الحالتين و لم ينقلب عمّا هو عليه، و إنّما الانقلاب في طرفه و متعلّقه، فلا يمكن الحكم بعدم الاعتناء بالشكّ الفعلي.

كما لا يمكن ترتيب الأثر و البناء على الأكثر على الشكّ السابق، لانصراف النصوص إلى ما إذا كان ذاك الشكّ بما له من الطرفين باقياً و مستمرّاً إلى ما بعد الصلاة، و المفروض تخلّفه عمّا كان و لو في الجملة، باعتبار التخلّف في أحد طرفيه.

فاذن لا يمكن تصحيح الصلاة بوجه بعد وضوح عدم جريان قاعدة الفراغ في المقام، لاختصاصها بالشكّ الحادث بعد السلام، المنفي فيما نحن فيه كما عرفت‌

250

[مسألة 16: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع أو بين الاثنتين و الأربع]

[2052] مسألة 16: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع أو بين الاثنتين و الأربع ثمّ بعد الفراغ انقلب شكّه إلى الثلاث و الخمس و الاثنتين و الخمس وجب عليه الإعادة، للعلم الإجمالي إمّا بالنقصان أو بالزيادة (1).

____________

كوضوح عدم جريان الاستصحاب في باب الركعات.

فنبقى نحن و الإطلاق في صحيحة صفوان (1) السليم عن التقييد في مثل المقام لدلالتها على البطلان في كلّ شكّ عارض أثناء الصلاة عدا ما خرج بالدليل و قد عرفت أنّ دليل الخارج غير شامل للمقام، لاختصاصه بما إذا كان الشكّ بين الاثنتين و الثلاث مثلًا مستمرّاً إلى ما بعد الصلاة، المفقود فيما نحن فيه.

و مع الغض عن الإطلاق فتكفينا قاعدة الاشتغال الحاكمة بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم، المتوقّف في المقام على الإعادة.

(1) غرضه (قدس سره) من التعليل بالعلم الإجمالي هو إبداء الفارق بين هذه المسألة و بين المسألة السابقة، باعتبار أنّ احتمال الصحّة كان محفوظاً هناك فكان بالإمكان التمسّك بقاعدة الفراغ، بخلاف المقام الذي لم يتطرّق فيه هذا الاحتمال، لفرض الجزم بالخلل، و عدم وقوع التسليم في المحلّ، و أنّه إمّا زاد أو نقص، المانع عن الرجوع إلى القاعدة حينئذ.

و ليس مراده من العلم الإجمالي العلم ببطلان الصلاة على كلّ من تقديري الزيادة أو النقيصة ليورد عليه بمنع العلم بعد إمكان التدارك على التقدير الثاني بالإتمام بركعة متّصلة.

و كيف ما كان، فما أفاده (قدس سره) من الحكم بالبطلان هو الصحيح‌

____________

(1) المتقدمة في ص 242.