موسوعة الإمام الخوئي - ج18

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
410 /
301

..........

____________

و عليه فامّا أن يراد بنفيه إلغاء الشكّ و فرضه كالعدم، أو يراد نفي ترتيب أحكام الشكّ كما ورد أنّه لا سهو في صلاة المغرب و لا سهو في الأولتين، أي أنّ البناء على الأكثر الذي هو حكم الشكّ لا يجري، و نتيجته البطلان.

و الظاهر هو الأوّل، لأنّ ظاهر النفي المتعلّق بشي‌ء هو نفي وجوده و لو في عالم التشريع لا نفي أحكامه، كيف و هو مناف للسياق في هذه الصحيحة، فإنّ الشكّ الصادر عن الإمام أو المأموم محكوم بالإلغاء لا البطلان. فنفيه بمعنى فرضه كالعدم. فبهذه القرينة يراد من نفيه في قوله (عليه السلام): «و ليس على السهو سهو» هو هذا المعنى أيضاً، و أنّه ملغى لا يعتنى به.

بل إنّ هذا الاستظهار جارٍ أيضاً في مثل قوله: لا سهو في المغرب و في الأولتين. فلو كنا نحن و هذا التعبير لحكمنا بالصحّة و إلغاء الشكّ، لولا قيام القرينة الخارجية على البطلان.

و يؤيّده التعبير بكلمة «على» في الصحيحة، أي لا كلفة عليك، المساوق للإلغاء، و نتيجته هو الحكم بالصحّة، فيبني على الأكثر، إلّا إذا كان الأكثر باطلًا كالشكّ بين الثنتين و الثلاث فيبني على الأقل.

ثمّ لا يخفى أنّ المراد إنّما هو نفي السهو من حيث الركعات لا من حيث الأجزاء و الأفعال، فانّ المراد بالسهو الذي لا سهو فيه هو العمل الذي أوجبه الشكّ في الركعات، فبقرينة السياق يكون المراد بالسهو المنفي هو الشكّ في الركعات، و لا يكون له إطلاق للشكّ في الأجزاء. و عليه فلا بدّ من الاعتناء بالشكّ إذا كان قبل تجاوز محلّه.

302

[مسألة 16: لو زاد فيها فعلًا من غير الأركان أو نقص فهل عليه سجدتا السهو أو لا؟]

[2078] مسألة 16: لو زاد فيها فعلًا من غير الأركان أو نقص فهل عليه سجدتا السهو أو لا؟ وجهان [1] فالأحوط الإتيان بهما (1).

____________

(1) و إن كان الأظهر عدم الوجوب، لما أسلفناه (1) من أنّ الأمر بسجود السهو تكليف جديد متعلّق به بعد الصلاة، و هو عمل مستقلّ لا يضرّ تركه بصحّة الصلاة حتّى عامداً و إن كان حينئذ آثماً. و الحكمة فيه إرغام أنف الشيطان الذي يوسوس في صدر الإنسان.

و لا إطلاق في دليله كي يقتضي وجوبه في كلّ صلاة، فإنّ دليله بين ما لا إطلاق له كرواية سفيان بن السمط المتقدّمة (2): تجب سجدة السهو لكلّ زيادة و نقيصة. حيث إنّها ناظرة إلى أصل الوجوب لا إلى محلّه، و بين ما هو وارد في خصوص الفرائض اليومية. فوجوبه لغيرها من سائر الصلوات الواجبة فضلًا عن النافلة غير ثابت.

و عليه فلو أتى بأحد الموجبات في صلاة الاحتياط فحيث يحتمل أنّها نافلة لا جزء متمّم لاحتمال تمامية الصلاة واقعاً، فيشك في تعلّق التكليف بسجود السهو، و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و ممّا ذكرنا يظهر الفرق بين سجود السهو و بين قضاء السجدة المنسية أو التشهّد المنسي في صلاة الاحتياط على القول بالقضاء في التشهّد و أنّه لا يقاس أحدهما بالآخر، فيجب القضاء في السجدة و التشهّد، و ذلك لأنّهما إنّما يجبان بنفس الأمر المتعلّق بالجزء الثابت في الصلاة، فهما من متمّمات الصلاة‌

____________

[1] أظهرهما العدم.

____________

(1) في ص 270.

(2) في ص 100.

303

[مسألة 17: لو شكّ في شرط أو جزء منها بعد السلام لم يلتفت]

[2079] مسألة 17: لو شكّ في شرط أو جزء منها بعد السلام لم يلتفت (1).

____________

و أجزائها، غاية الأمر أنّ محلّهما و ظرفهما قد تبدّل و انقلب إلى ما بعد السلام و لذا قلنا بأنّ المراد بالقضاء فيهما هو مطلق الإتيان دون القضاء بالمعنى المصطلح و عليه فيجب الإتيان بهما لو نسيهما بعد صلاة الاحتياط، خروجاً عن عهدة الجزئية المحتملة على تقدير النقص.

و أمّا سجود السهو فهو غير دخيل في الصحّة، و ليس من شؤون الجزئية بل هو تكليف مستقلّ لا يضرّ تركه في الصحّة حتّى عامداً. و حيث لا دليل على وجوبه في المقام و يشكّ في ثبوته في جزء الصلاة لاحتمال التمامية واقعاً فمقتضى الأصل البراءة عنه حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما عدا سجدة الركعة الأخيرة من صلاة الاحتياط لو كانت ركعتين و أمّا فيها فلو نسي السجدة و تذكّر بعد السلام وجب عليه الرجوع و الإتيان بها ثمّ التشهّد و السلام، و يكون التشهّد و السلام الواقعان قبل ذلك زيادة واقعة في غير محلّها، كما هو الحال فيما لو نسي السجدة من الركعة الأخيرة في الصلاة الأصلية على ما بيّناه سابقاً.

و الحاصل: أنّ حكم ركعة الاحتياط من هذه الجهة حكم الصلاة الأصلية نفسها، فيجب قضاء السجدة و كذا التشهّد على القول به فيما إذا كانت ممّا عدا الركعة الأخيرة، و أمّا فيها فيرجع و يتدارك لا أنّه يقضي. و ممّا ذكرنا يظهر الحال في المسألة التاسعة عشرة الآتية فلاحظ.

(1) لعموم قاعدة الفراغ الشامل لكافّة الصلوات.

304

[مسألة 18: إذا نسيها و شرع في نافلة أو قضاء فريضة أو نحو ذلك فتذكّر في أثنائها]

[2080] مسألة 18: إذا نسيها و شرع في نافلة أو قضاء فريضة أو نحو ذلك فتذكّر في أثنائها قطعها و أتى بها [1] ثمّ أعاد الصلاة على الأحوط. و أمّا إذا شرع في صلاة فريضة مرتّبة على الصلاة التي شكّ فيها كما إذا شرع في العصر فتذكّر أنّ عليه صلاة الاحتياط للظهر فان جاز عن محلّ العدول قطعها [2] كما إذا دخل في ركوع الثانية مع كون احتياطه ركعة أو ركوع الثالثة مع كونها ركعتين، و إن لم يجز عن محلّ العدول فيحتمل العدول إليها [3] لكن الأحوط القطع و الإتيان بها ثمّ إعادة الصلاة (1).

____________

(1) قسّم (قدس سره) مفروض المسألة إلى قسمين، فانّ التذكّر قد يكون بعد الدخول في صلاة أُخرى مستقلّة غير مرتبطة بالصلاة الأصلية، كما لو كان التذكّر بعد الدخول في نافلة أو قضاء فريضة و نحوهما، و قد يكون بعد الدخول في صلاة مترتّبة عليها كما لو تذكّر بعد الدخول في صلاة العصر أنّ عليه صلاة الاحتياط للظهر.

أمّا في القسم الأوّل: فقد حكم بالقطع و الإتيان بركعة الاحتياط ثمّ إعادة أصل الصلاة احتياطاً، لاحتمال قادحية الفصل المتخلّل.

أقول: لا وجه للجمع بين القطع و الإعادة، بل إمّا أن يتعيّن القطع أو يتعيّن الإعادة.

____________

[1] الظاهر أنّ التذكّر إذا كان بعد الدخول في الركوع فلا حاجة معه إلى القطع بل يتمّ ما بيده و يعيد أصل الصلاة، و إن كان التذكّر قبله فلا حاجة إلى الإعادة.

[2] بل يعدل بها إلى الصلاة السابقة.

[3] هذا الاحتمال هو الأظهر.

305

..........

____________

فإنّ التذكّر إن كان بعد الدخول في الركن أعني الركوع من الصلاة الثانية تعيّنت الإعادة و لا مجال للقطع، لامتناع تدارك الصلاة الأصلية و تصحيحها و تتميمها حينئذ، ضرورة أنّ زيادة الركوع مانعة عن صلاحية الالتحاق و انضمام ركعة الاحتياط بالصلاة الأصلية، فتلك الصلاة أي الأصلية محكومة بالبطلان لعدم إحراز الخروج عن عهدتها، فلا مناص من الإعادة، و لا موجب للقطع بوجه.

و إن كان قبل الدخول في الركوع فلا موجب للإعادة، بل يتعيّن عليه القطع و الإتيان بصلاة الاحتياط بناءً على حرمة قطع الفريضة كما هو المشهور، و إلّا جاز له ذلك لإمكان التتميم حينئذ من غير محذور، لعدم لزوم زيادة الركن. و زيادة التكبير أيضاً غير قادحة حتّى على القول بركنيتها و قدح زيادتها السهوية، لعدم صدق الزيادة في مثل المقام، لما مرّ غير مرّة من تقوّمها بالإتيان بشي‌ء بقصد الجزئية للعمل المزيد فيه، و في المقام إنّما قصد بالتكبير الافتتاح للصلاة الأُخرى، لا للصلاة الأصلية كي تتحقّق الزيادة فيها.

و بالجملة: ففي هذه الصورة يتعيّن القطع و لا موجب للإعادة، و في الصورة السابقة تتعيّن الإعادة و لا موجب للقطع. فالجمع بينهما كما صنعه في المتن ممّا لا وجه له إلّا على سبيل الاحتياط الاستحبابي كما لا يخفى.

و أمّا في القسم الثاني: فقد فصّل في المتن بين ما إذا جاوز محلّ العدول كما إذا دخل في ركوع الثانية مع كون احتياطه ركعة أو ركوع الثالثة مع كونها ركعتين و بين ما إذا لم يتجاوز. ففي الأوّل حكم بالقطع، و لم يذكر أنّه ماذا يصنع بعد ذلك. و الظاهر أنّ مراده (قدس سره) الإتيان بصلاة الاحتياط حينئذ ثمّ إعادة الصلاة احتياطاً كما ذكره قبل ذلك. و في الثاني احتمل العدول إلى صلاة الاحتياط و ذكر أنّ الأحوط القطع أيضاً و الإتيان بها ثمّ إعادة الصلاة.

306

[مسألة 19: إذا نسي سجدة واحدة أو تشهّداً فيها قضاهما بعدها على الأحوط]

[2081] مسألة 19: إذا نسي سجدة واحدة أو تشهّداً فيها قضاهما بعدها على الأحوط (1).

____________

أقول: أمّا في فرض التجاوز عن محلّ العدول فالظاهر أنّه لا موجب للقطع بل يعدل بها إلى الصلاة الأصلية، إذ بعد فرض عدم إمكان تتميمها و تصحيحها من أجل لزوم زيادة الركن فهي باطلة، فيكون المقام من صغريات ما لو دخل في الصلاة المترتّبة و تذكّر أثناءها عدم الإتيان بالصلاة السابقة أو بطلانها المحكوم بلزوم العدول إلى تلك الصلاة.

فلا مجال حينئذ للقطع، بل لا وجه له، إذ معه كيف تعالج زيادة الركن المتخلّل بين الصلاة الأصلية و صلاة الاحتياط، فإنّ زيادة الركوع و لو صورة و بغير قصد الجزئية موجب للبطلان، فلا يمكن التدارك إلّا بالعدول كما ذكرناه.

و أمّا في فرض عدم التجاوز فالظاهر لزوم العدول حينئذ إلى صلاة الاحتياط فانّ الواجب الإتيان بها رعاية للجزئية المحتملة على تقدير النقص، و لا مانع من الإتيان بها بالعدول، لكون المقام حينئذ من صغريات ما لو دخل في العصر و قبل الدخول في الركوع تذكّر النقص في صلاة الظهر بركعة و أنّه سلّم على الثلاث، فإنّه يجب عليه العدول تتميماً لتلك الصلاة، و لا فرق في دليل العدول من اللّاحقة إلى السابقة بين العدول إلى مجموعها أو إلى أبعاضها بمقتضى إطلاق الدليل، و اللّٰه سبحانه أعلم.

(1) تقدّم الكلام حولها في ذيل المسألة السادسة عشرة المتقدّمة فلاحظ.

307

[فصل في حكم قضاء الأجزاء المنسيّة]

فصل في حكم قضاء الأجزاء المنسيّة

[مسألة 1: إذا ترك سجدة واحدة و لم يتذكّر إلّا بعد الوصول إلى حدّ الركوع يجب قضاؤها بعد الصلاة]

[2082] مسألة 1: قد عرفت سابقاً (1) أنّه إذا ترك سجدة واحدة و لم يتذكّر إلّا بعد الوصول إلى حدّ الركوع يجب قضاؤها بعد الصلاة، بل و كذا إذا نسي السجدة الواحدة من الركعة الأخيرة و لم يتذكّر إلّا بعد السلام على الأقوى، و كذا إذا نسي [1] التشهّد أو أبعاضها و لم يتذكّر إلّا بعد الدخول في الركوع، بل أو التشهّد الأخير و لم يتذكّر إلّا بعد السلام على الأقوى، و يجب مضافاً إلى القضاء سجدتا السهو أيضاً لنسيان كلّ من السجدة و التشهّد.

[مسألة 2: يشترط فيهما جميع ما يشترط في سجود الصلاة و تشهّدها]

[2083] مسألة 2: يشترط فيهما جميع ما يشترط في سجود الصلاة و تشهّدها من الطهارة و الاستقبال و ستر العورة و نحوها و كذا الذكر و الشهادتان و الصلاة على محمّد و آل محمّد، و لو نسي بعض أجزاء التشهّد وجب قضاؤه فقط [2] نعم لو نسي الصلاة على آل محمّد فالأحوط إعادة الصلاة على محمّد بأن يقول: «اللّٰهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» و لا يقصر على قوله:

____________

(1) ذكر (قدس سره) في مطاوي هذه المسألة و ما بعدها إلى نهاية المسألة‌

____________

[1] مرّ الكلام في نسيان السجدة و التشهّد من الركعة الأخيرة، و كذا في نسيان التشهّد الأوّل، و كذا في وجوب سجدتي السهو في نسيان السجدة الواحدة.

[2] على الأحوط.

308

«و آل محمّد» و إن كان هو المنسي فقط. و يجب فيهما نيّة البدلية عن المنسي و لا يجوز الفصل بينهما و بين الصلاة بالمنافي كالأجزاء في الصلاة. أمّا الدعاء و الذكر و الفعل القليل و نحو ذلك ممّا كان جائزاً في أثناء الصلاة فالأقوى جوازه، و الأحوط تركه. و يجب المبادرة إليهما بعد السلام، و لا يجوز تأخيرهما عن التعقيب و نحوه.

[مسألة 3: لو فصل بينهما و بين الصلاة بالمنافي عمداً و سهواً]

[2084] مسألة 3: لو فصل بينهما و بين الصلاة بالمنافي عمداً و سهواً كالحدث و الاستدبار فالأحوط استئناف الصلاة بعد إتيانهما، و إن كان الأقوى جواز الاكتفاء [1] باتيانهما، و كذا لو تخلّل ما ينافي عمداً لا سهواً إذا كان عمداً، أمّا إذا وقع سهواً فلا بأس.

[مسألة 4: لو أتى بما يوجب سجود السهو قبل الإتيان بهما أو في أثنائهما]

[2085] مسألة 4: لو أتى بما يوجب سجود السهو قبل الإتيان بهما أو في أثنائهما فالأحوط فعله بعدهما.

____________

الرابعة ما حاصله: أنّه إذا نسي سجدة واحدة أو التشهّد الأوّل و لم يتذكّر إلّا بعد الوصول إلى حدّ الركوع، أو نسي السجدة الواحدة من الركعة الأخيرة أو التشهّد الأخير و لم يتذكّر إلّا بعد السلام وجب قضاؤهما، و كذا سجدة السهو لنسيان كلّ منهما.

ثمّ ذكر أنّه يشترط فيهما جميع ما يشترط في سجود الصلاة و تشهّدها من الطهارة الحدثية و الخبثية و لاستقبال و الستر و نحوها.

و ذكر أيضاً أنّه تجب المبادرة إليهما بعد السلام تكليفاً، فلا يجوز الفصل بينهما‌

____________

[1] فيه إشكال بل منع، و كذا فيما بعده.

309

..........

____________

و بين الصلاة بالمنافي كما في أجزاء الصلاة، دون غيره كالدعاء و الذكر و الفعل القليل ممّا كان جائزاً في أثناء الصلاة، نعم لو حصل الفصل بالمنافي عمداً و سهواً كالحدث و الاستدبار، أو عمداً فقط كالتكلّم جاز الاكتفاء باتيانهما على الأقوى، و إن كان الأحوط الاستئناف. فالمبادرة إليهما واجبة تكليفاً لا وضعاً.

ثمّ ذكر أنّه لو أتى بما يوجب سجود السهو قبل الإتيان بهما أو في أثنائهما فالأحوط فعله بعدهما.

أقول: يقع الكلام تارة في السجدة المنسية من الركعة الأخيرة أو نسيان التشهّد الأخير، و أُخرى في نسيانها من بقية الركعات أو التشهّد الأوّل.

أمّا في الأوّل: فقد مرّ في مبحثي التشهّد (1) و السجود (2) أنّ مقتضى القاعدة حينئذ هو الرجوع و التدارك ثمّ الإتمام دون القضاء، و ذلك لانكشاف وقوع السلام في غير محلّه، فانّ السلام المأمور به هو المسبوق بالتشهّد و السجدتين و لم يتحقّق، فهو عمل زائد لم يحصل به الخروج و الفراغ، بل المصلّي بعد في الصلاة و المحلّ باق فيجب عليه التدارك لا محالة.

و ليس في أدلّة القضاء ما ينافي هذه القاعدة، فإنّها ناظرة أو منصرفة إلى السجدة المنسية من بقيّة الركعات أو التشهّد الأوّل حسبما بيّناه في محلّه.

و عليه فيجب الإتيان بهما بنفس دليل الجزئية، و تجري عليهما الأحكام المذكورة من اشتراط ما يشترط في سجود الصلاة و تشهّدها، و الإتيان بسجود السهو لو تحقّق موجبه قبلهما أو أثناءهما، و عدم جواز التأخير و الفصل بالمنافي وضعاً، و لو قلنا بحرمة القطع فتكليفاً أيضاً.

____________

(1) [لم يمر ذلك في المبحث المذكور، نعم أُشير إليه في ص 98 من هذا المجلّد].

(2) شرح العروة 15: 165.

310

..........

____________

نعم، لا تجب سجدة السهو من أجلهما، لعدم تعلّق النسيان بهما بعد بقاء المحلّ و حصول التدارك فيه، و إنّما تجب من أجل السلام الزائد الواقع في غير محلّه كما عرفت (1). و على الجملة: لم يتحقّق الترك في هذه الصورة كي يحتاج إلى القضاء بل المأتي به هو نفس الجزء حقيقة، فتترتّب عليه كافّة الأحكام المترتّبة على الجزء.

و أمّا في الثاني: فقد مرّ (2) أيضاً أنّ التشهّد المنسي لا يجب قضاؤه، و لا أثر لنسيانه عدا سجدتي السهو، و أنّه يكتفي فيه بالتشهّد الذي تشتمل عليه سجدتا السهو كما في بعض النصوص. و عرفت أنّ صحيح ابن مسلم «في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهّد حتّى ينصرف، فقال: إن كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهّد، و إلّا طلب مكاناً نظيفاً فتشهّد فيه ...» إلخ (3) ظاهر بقرينة قوله: «حتّى ينصرف» أي يسلّم، في التشهّد الأخير كما استظهره أيضاً في الحدائق (4).

و كيف ما كان، فالمستفاد من الأدلّة عدم وجوب القضاء في نسيان التشهّد و إنّما الواجب فيه سجدتا السهو، على عكس السجدة المنسية فانّ الواجب فيها القضاء دون سجدتي السهو كما مرّ كل ذلك في محلّه (5) مستقصى.

و على تقدير تسليم وجوب القضاء في التشهّد المنسي فحكمه حكم السجدة المنسيّة التي يجب فيها القضاء بلا إشكال فنقول: هل المستفاد من الدليل المتكفّل للأمر بالقضاء فيهما أنّ ذاك واجب مستقلّ و تكليف جديد حادث بعد الصلاة، نظير الأمر المتعلّق بسجدة السهو التي هي عمل مستقلّ غير مرتبط‌

____________

(1) في المصدر المتقدم آنفاً، و في ص 103 من هذا المجلّد.

(2) في ص 99 و ما بعدها.

(3) الوسائل 6: 401/ أبواب التشهّد ب 7 ح 2.

(4) الحدائق 9: 154.

(5) في ص 86 101.

311

..........

____________

بأصل الصلاة، أو أنّ المستفاد منه أنّ المأتي به بعد الصلاة هو نفس الجزء الذي كان واجباً في الأثناء و واجب بعين ذلك الوجوب الضمني، غاية الأمر أنّ ظرفه و محلّه قد تغيّر و تبدّل؟

فعلى الأوّل: و إن كان يعتبر في كلّ من السجدة و التشهّد المقضيّين كلّ ما يشترط في السجود و التشهّد الصلاتي كما هو الحال في الأمر بالقضاء خارج الوقت من الدلالة على مشاركة القضاء مع الفائت فيما له من الأحكام إلّا أنّه لا دليل على وجوب المبادرة إليهما حينئذ لا تكليفاً و لا وضعاً، فانّ ذاك واجب مستقلّ غير مرتبط بالصلاة الأصلية حسب الفرض، فيجوز التأخير، و لا يقدح ذلك في صحّة الصلاة و إن ارتكب المنافي، كما هو الحال في سجدة السهو.

و على الثاني: فحيث إنّ المقضي حينئذ جزء متمّم من العمل لحقه حكم الجزء، فلا يجوز تخلّل المنافي وضعاً، كما هو الحال في سائر الأجزاء، و على القول بحرمة القطع لا يجوز ذلك تكليفاً أيضاً، و لو أتى بموجب السهو وجب السجود له، بخلاف الأوّل.

و عليه فما صنعه في المتن من التفكيك و التفصيل بين الحكم التكليفي و الوضعي حيث جمع بين وجوب المبادرة و عدم جواز الفصل و بين الاكتفاء باتيانهما لو تخلّل المنافي في غير محلّه، بل لا بدّ إمّا من الحكم بالجواز وضعاً و تكليفاً أو المنع كذلك كما عرفت، هذا.

و حيث إنّ الظاهر هو الثاني كما مرّ سابقاً (1) حيث قلنا إنّ القضاء المأمور به هنا ليس بمعناه الاصطلاحي، بل بمعنى الإتيان به بعد السلام، فالمأتي به هو نفس ذاك الجزء قد تغيّر ظرفه و محلّه.

و بعبارة اخرى: مقتضى الارتكاز و مناسبة الحكم و الموضوع و خصوصية‌

____________

(1) في ص 95، 271.

312

..........

____________

السؤال و الجواب أنّ المقضي هو نفس الجزء المنسي الفائت في ظرفه، و أنّه واجب بنفس الأمر الصلاتي، لا بتكليف جديد حادث بعد الصلاة كما في سجدة السهو.

و عليه فيلحقه حكم الجزء من عدم جواز تخلّل المنافي وضعاً، و كذا تكليفاً على القول بحرمة القطع، و لو أتى بموجب السهو أتى بسجدتي السهو لوقوعه في الأثناء، إذ بعد وجوب الإتيان بجزء من الصلاة لم يكن بعد فارغاً عنها و إن صدر عنه السلام، و نتيجة ذلك ارتكاب التخصيص في دليل مخرجية التسليم في خصوص ما نحن فيه.

ثمّ إنّا أشرنا فيما مرّ إلى أنّ التشهّد المنسي ممّا عدا الركعة الأخيرة لا يجب قضاؤه و إن ذهب إليه المشهور، لعدم الدليل عليه، بل يقتصر فيه على سجدتي السهو، و يجتزئ بالتشهّد الذي تشتمل عليه السجدتان. و ذكرنا أنّ صحيحة ابن مسلم (1) منصرفة إلى التشهّد الأخير كما استظهره في الحدائق.

و توضيحه: أنّ السائل فرض نسيان التشهّد بمثابة لا يمكن التدارك، و لذا قيّده بقوله: «حتّى ينصرف» بزعم أنّ الانصراف و هو التسليم مانع عن التدارك. و هذا إنّما يستقيم لو كان المراد التشهّد الأخير، إذ لو أُريد به الأوّل كان المتعيّن أن يقول: حتّى يركع، بدل قوله: «حتّى ينصرف»، إذ المانع عن إمكان التدارك حينئذ هو مجرّد الدخول في الركوع، سواء تحقّق الانصراف و فرغ عن الصلاة أم لا. فالصحيحة بلحاظ هذه القرينة ظاهرة في التشهّد الأخير، و لا وجه لاستظهار الإطلاق منها و إن ادّعاه المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)، هذا.

و ربما يستدلّ للإطلاق بصحيحة حكم بن حكيم: «عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشي‌ء منها ثمّ يذكر بعد ذلك، فقال: يقضي ذلك‌

____________

(1) الوسائل 6: 401/ أبواب التشهد ب 7 ح 2.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 551 السطر 32.

313

..........

____________

بعينه، فقلت: أ يعيد الصلاة؟ فقال، لا» (1) بدعوى أنّ مقتضى إطلاق الشي‌ء وجوب قضاء كلّ جزء منسي، خرج ما خرج بالدليل، لقيام الإجماع على عدم وجوب قضاء ما عدا التشهّد و السجدة الواحدة كالقراءة و أبعاضها و التسبيحة و نحوها، فيبقى الباقي تحت الإطلاق الشامل للتشهّد الأوّل و الأخير.

و قد تعرّضنا للجواب عن هذه الصحيحة سابقاً (2) و قلنا: إنّ المراد بالركعة بقرينة المقابلة مع السجدة إنّما هو الركوع، كما تطلق عليه كثيراً في لسان الأخبار و قد صرّح به في صحيحة ابن سنان المتّحدة مع هذه الصحيحة في المضمون «قال: إذا نسيت شيئاً من الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً ثمّ ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء» (3).

و عليه فالصحيحة أجنبية عمّا نحن فيه، و ناظرة إلى ما إذا نسي جزءاً و تذكّر قبل فوات محلّه الذكري، كما لو نسي الركوع و تذكّر قبل الدخول في السجدة الثانية، أو السجود و تذكّر قبل الدخول في ركوع الركعة اللّاحقة و هكذا، و أنّه يقضيه أي يأتي بذلك الجزء بعينه لفرض بقاء محلّه، لا إلى ما إذا كان التذكّر بعد السلام الذي هو محلّ الكلام، كيف و نسيان الركوع حينئذ موجب للبطلان دون القضاء.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ التشهّد المنسي لا يجب قضاؤه، و يختصّ القضاء بالسجدة الواحدة المنسيّة، و أنّها واجبة بنفس الأمر الصلاتي لا بتكليف جديد، فلا يجوز تخلّل المنافي بينهما كما في نفس الأجزاء، و لو تخلّل بطلت الصلاة. و معلوم أنّه لا مجال حينئذ للتمسّك بحديث لا تعاد، لاختصاصه بما إذا لم يكن ملتفتاً إلى الترك حال صدور المنافي كما هو ظاهر.

____________

(1) الوسائل 8: 200/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 6.

(2) في ص 96.

(3) الوسائل 8: 244/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 26 ح 1.

314

[مسألة 5: إذا نسي الذكر أو غيره ممّا يجب ما عدا وضع الجبهة في سجود الصلاة]

[2086] مسألة 5: إذا نسي الذكر أو غيره ممّا يجب ما عدا وضع الجبهة في سجود الصلاة لا يجب قضاؤه (1).

[مسألة 6: إذا نسي بعض أجزاء التشهّد القضائي و أمكن تداركه فعله]

[2087] مسألة 6: إذا نسي بعض أجزاء التشهّد القضائي و أمكن تداركه فعله، و أمّا إذا لم يمكن كما إذا تذكّره بعد تخلّل المنافي عمداً و سهواً فالأحوط إعادته ثمّ إعادة الصلاة، و إن كان الأقوى كفاية إعادته (2).

____________

(1) لعدم تقوّم السجدة بما عدا وضع الجبهة، و إنّما هي واجبات حالها و اختصاص دليل القضاء بنسيان السجدة نفسها لا ما يجب حالها.

(2) قد عرفت عدم وجوب قضاء التشهّد المنسي و أنّه مبنيّ على الاحتياط فلو بنينا على الوجوب و بنينا على شموله لأبعاض التشهّد المنسية كما اختاره الماتن، الذي هو احتياط في احتياط، لعدم مساعدة الدليل على التعميم كما لا يخفى و بنينا أيضاً على انسحاب الحكم إلى التشهّد القضائي إلحاقاً للقضاء بالأداء، و هو أيضاً لا دليل عليه، فحينئذ لو نسي بعض أجزاء التشهّد القضائي فقد ذكر الماتن أنّه لو أمكن التدارك فعله، و إلّا كما إذا تذكّره بعد فعل المنافي عمداً و سهواً فالأحوط إعادته ثمّ إعادة الصلاة.

أقول: لم يظهر وجه للاحتياط بإعادة الصلاة، فإنّ التذكّر لو كان قبل حصول المنافي ثمّ أحدث مثلًا فالاحتياط المزبور حسن و في محلّه بدعوى إلحاق القضاء بالأداء، بل الإعادة حينئذ هي الأقوى بناءً على الجزئية.

و أمّا لو كان التذكّر بعد حصول المنافي كما هو مفروض كلامه (قدس سره) فلا مقتضي حينئذ للإعادة حتّى فيما إذا كان ذلك في نفس التشهّد المنسي فضلًا عن التشهّد المقضي، و ذلك لجريان حديث لا تعاد حينئذ، النافي للإعادة عمّا عدا الخمسة و منها التشهّد.

315

[مسألة 7: لو تعدّد نسيان السجدة أو التشهّد]

[2088] مسألة 7: لو تعدّد نسيان السجدة أو التشهّد [1] أتى بهما واحدة بعد واحدة، و لا يشترط التعيين على الأقوى، و إن كان أحوط، و الأحوط ملاحظة الترتيب معه (1).

____________

و لا يقاس ذلك بالفرض المتقدّم، لحصول المنافي هناك بعد التذكّر و الالتفات المانع عن جريان الحديث ثمّة، بخلاف ما نحن فيه كما هو ظاهر، نعم الاحتياط لمجرّد إدراك الواقع و إن لم تساعده الصناعة لا بأس به.

(1) قد يكون المنسي جزءاً واحداً كسجدة واحدة أو تشهّد كذلك، و أُخرى جزأين. و على الثاني فقد يكونان من سنخ واحد كسجدتين من ركعتين، و اخرى من سنخين كسجدة و تشهّد. فالصور ثلاث:

أمّا الاولى: فلا موضوع للبحث فيها عن اعتبار التعيين أو الترتيب، فإنّه فرع التعدّد المنفي حسب الفرض، و إنّما المعتبر حينئذ نيّة البدلية عن المنسي كما تقدّم التصريح به في كلام الماتن في مطاوي المسألة الثانية.

على أنّ هذا الاعتبار إنّما يتّجه بناءً على أن يكون القضاء بأمر جديد حادث بعد الصلاة متعلّق بعنوان القضاء كما في قضاء الفوائت، إذ عليه لا مناص من مراعاة هذا العنوان في مرحلة الامتثال المتقوّم بنيّة البدلية عن الفائت.

و أمّا بناءً على ما هو الصحيح كما مرّ (1) من أنّ المأتي به هو نفس الجزء قد تغيّر ظرفه و تأخّر، و أنّ إطلاق اسم القضاء عليه ليس بمعناه المصطلح في شي‌ء، و أنّه واجب بنفس الوجوب السابق المتحقّق أثناء الصلاة لا بأمر آخر‌

____________

[1] لا يتصوّر التعدّد فيه بناءً على ما ذكرناه من لزوم الرجوع و تدارك التشهّد إذا كان المنسي التشهّد الأخير.

____________

(1) في ص 95 271.

316

[مسألة 8: لو كان عليه قضاء سجدة و قضاء تشهّد]

[2089] مسألة 8: لو كان عليه قضاء سجدة و قضاء تشهّد فالأحوط تقديم السابق منهما [1] في الفوات على اللّاحق (1). و لو قدّم أحدهما بتخيّل أنّه

____________

حادث، فيكفي حينئذ في مرحلة الامتثال مجرّد الإتيان بقصد الأمر الصلاتي كما في سائر الأجزاء، و لا حاجة معه إلى نيّة البدلية.

و أمّا في الصورة الثانية: أعني تعدّد المنسي مع الاتّحاد في السنخ، فالظاهر عدم اعتبار الترتيب، لعدم نهوض دليل يدلّ عليه فيما نحن فيه، و إنّما الثابت اعتباره بين الأجزاء المأتي بها في محالّها الأصلية من أجل ترتّب الأجزاء بعضها على بعض بحسب الطبع و تقرّر كلّ منها في محلّ مختص، و أمّا المأتي منها في خارج المحلّ الأصلي تداركاً للمنسي في ظرفه فيحتاج اعتبار الترتيب بينها إلى دليل آخر، لقصور الدليل الأوّل عن التعرّض لذلك، و حيث إنّه مفقود فالمرجع أصالة البراءة.

كما لا يعتبر التعيين أيضاً، بل لا مقتضي له بعد عدم الميز و فقد التعيّن الواقعي الذي هو لازم فرض الاتّحاد في الماهية و السنخ كما لا يخفى، هذا.

و لو بنينا على وجوب القضاء بالأمر الجديد و سقوط الأمر الأوّل فعدم اعتبار الأمرين حينئذ أوضح، إذ لم يتقيّد الأمر الجديد بشي‌ء من التعيين و الترتيب فيدفع احتمال الاعتبار بأصالة الإطلاق.

و أمّا الصورة الثالثة: فسيأتي الحال فيها في المسألة الآتية.

(1) كأنّ الوجه فيه سبق الأمر بالقضاء بالنسبة إلى السابق فواتاً، فيتعيّن السبق و مراعاة الترتيب في مرحلة الامتثال تبعاً للترتيب الحاصل في مرحلة حدوث الأمر و تعلّقه بالقضاء.

____________

[1] و إن كان الأظهر عدم وجوبه.

317

السابق فظهر كونه لاحقاً فالأحوط الإعادة على ما يحصل معه الترتيب (1) و لا يجب إعادة الصلاة معه و إن كان أحوط (2).

[2090] مسألة 9: لو كان عليه قضاؤهما و شكّ في السابق و اللّاحق (3) احتاط بالتكرار [1] فيأتي بما قدّمه مؤخّراً أيضاً، و لا يجب معه إعادة الصلاة و إن كان أحوط، و كذا الحال لو علم نسيان أحدهما و لم يعلم المعيّن منهما.

____________

لكن الظاهر عدم اعتبار الترتيب سواء قلنا بأنّ القضاء بأمر جديد أم بنفس الأمر السابق، لما عرفت من عدم الدليل. و اعتباره في المحلّ لا يستلزم الاعتبار في خارجه. و مجرّد سبق الأمر بأحد القضاءين حدوثاً لا يستدعي أن يكون كذلك امتثالًا كما هو ظاهر جدّاً.

(1) رعاية لاحتمال اعتباره المتقدّم وجهه آنفاً.

(2) لم يظهر وجه لهذا الاحتياط، فإنّ الإخلال بالترتيب سهواً غير قادح حتّى في نفس الأجزاء الأصلية بمقتضى حديث لا تعاد، فضلًا عن قضائها خارج الصلاة.

(3) احتاط (قدس سره) في هذا الفرض بالتكرار بأن يأتي بما قدّمه مؤخّراً أيضاً، فلو قضى التشهّد مثلًا ثمّ السجدة أعاد قضاء التشهّد، لاحتمال أن يكون السجود هو السابق في الفوت، و كذا الحال لو علم نسيان أحدهما و لم يعلم المعيّن منهما فإنّه يحتاط في القضاء بالجمع بينهما.

أقول: أمّا في الصورة الأخيرة فالاحتياط في محلّه، بل لا مناص منه‌

____________

[1] لا حاجة إليه على ما مرّ، و على تقدير وجوب تقديم السابق فالأحوط تقديم التشهّد ثمّ الإتيان به بعد قضاء السجدة، و منه يظهر الحال فيما إذا علم نسيان أحدهما من غير تعيين.

318

[مسألة 10: إذا شكّ في أنّه نسي أحدهما أم لا لم يلتفت]

[2091] مسألة 10: إذا شكّ في أنّه نسي أحدهما أم لا لم يلتفت (1) و لا

____________

خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم الدائر بين المتباينين، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، المتوقّفة في المقام على الجمع بين قضاءي التشهّد و السجود اللّذين هما طرفان للعلم الإجمالي كما هو ظاهر.

و أمّا في الصورة الاولى فلا حاجة إلى التكرار بناءً على ما عرفت من عدم اعتبار الترتيب، نعم بناءً على الاعتبار لا مناص منه، إذ لم تحرز مراعاة الترتيب إلّا بذلك كما عرفت.

لكن عليه ينبغي تقديم التشهّد ثمّ الإتيان به بعد قضاء السجدة، إذ معه يقطع بالفراغ و لا عكس، لأنّه لو قدّم السجود فمن الجائز أن يكون السابق في الفوات هو التشهّد، و عليه فتكون السجدة المتقدّمة زيادة في المكتوبة قادحة بصحّة الصلاة و إن كانت الزيادة صورية و أتى بعنوان الرجاء دون الجزئية، إذ مجرّد ذلك كافٍ في البطلان في مثل الركوع و السجود، و لأجل ذلك يمنع من سجدتي الشكر و التلاوة أثناء الصلاة و إن لم يقصد بهما الجزئية. و حيث إنّه لم يفرغ بعدُ عن الصلاة لما عرفت من أنّ المقضي جزء متمّم على الأصح، لا أنّه واجب مستقل فتقع الزيادة العمدية في الأثناء الموجب للفساد.

و هذا بخلاف ما لو قدّم التشهّد، فانّ زيادته لا تقدح لو كان السابق هو السجود، فإنّه ذكر و تهليل لا مانع من الإتيان به رجاءً بعد أن لم يقصد به الجزئية كما هو المفروض، و لا مجال للرجاء في مثل السجود كما عرفت.

و هكذا الحال في الصورة السابقة أعني ما لو علم نسيان أحدهما من غير تعيين، فانّ اللّازم حينئذ تقديم التشهّد على السجود أيضاً، لعين ما عرفت.

(1) لقاعدة الفراغ فيما لو كان الشكّ بعد الفراغ من الصلاة، أو قاعدة التجاوز فيما لو طرأ الشكّ في الأثناء بعد تجاوز المحلّ، و هذا ظاهر.

319

شي‌ء عليه، أمّا إذا علم أنّه نسي أحدهما و شكّ في أنّه هل تذكّر قبل الدخول في الركوع أو قبل السلام و تداركه أم لا (1) فالأحوط [1] القضاء.

____________

(1) للمسألة صورتان:

إحداهما: أن يعلم بالتذكّر قبل تجاوز المحلّ الذكري و يشكّ في حصول التدارك فله علمان علم بالنسيان و علم بالتذكّر، و شكّ في الإتيان بالوظيفة بعد ما تذكّر لاحتمال غفلته عن العمل بها.

و لا ينبغي الإشكال في جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في هذه الصورة فلا يعتني بالشكّ. و الظاهر أنّ كلام الماتن منصرف عن هذه الصورة و ناظر إلى الصورة الآتية، بل لا ينبغي التأمّل فيه.

الصورة الثانية: ما لو شكّ في أصل التذكّر فأحتمل استمرار النسيان إلى أن دخل في الركوع و تجاوز عن محلّ التدارك، كما أنّه يحتمل التذكّر و حصول التدارك بعده.

و الظاهر عدم جريان القاعدة حينئذ، و ذلك لما هو المقرّر في محلّه (1) من أنّ هذه ليست قاعدة تعبّدية، و إنّما هي إمضاء لما استقرّ عليه بناء العقلاء من عدم الالتفات بالشكّ الحادث بعد الانتهاء من العمل، و لا سيما بملاحظة التعليل الوارد في بعض نصوص الباب من قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» (2) و قوله (عليه السلام): «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق» (3).

____________

[1] بل الأظهر ذلك.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 321، 362 363.

(2) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

(3) الوسائل 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

320

[مسألة 11: لو كان عليه صلاة الاحتياط و قضاء السجدة أو التشهّد]

[2092] مسألة 11: لو كان عليه صلاة الاحتياط و قضاء السجدة أو التشهّد فالأحوط تقديم الاحتياط [1] (1) و إن كان فوتهما مقدّماً على موجبه لكن الأقوى التخيير، و أمّا مع سجود السهو فالأقوى تأخيره عن قضائهما كما يجب تأخيره عن الاحتياط أيضاً.

____________

فإنّ الخلل المحتمل إمّا أن يستند إلى العمد و هو خلاف فرض كون المكلّف بصدد الامتثال، أو يستند إلى الغفلة و هي مدفوعة بالأصل محكومة بعدم الالتفات، فانّ كلّ عامل حينما يعمل ملتفت غالباً إلى خصوصيات عمله و يراعي ما يعتبر فيه، و إن كان قد يذهل عمّا فعل فيما بعد، فهو آن ذاك أذكر منه حينما يشكّ، و أقرب إلى الحقّ كما في النصّ. و التعليل المزبور يشير إلى هذا المعنى الارتكازي.

و عليه فمورد القاعدة ما إذا احتمل الخطأ و الغفلة و أنّه لا يعتني بهذا الاحتمال أمّا إذا كان عالماً بخطئه و غفلته و تحقّق النسيان منه كما هو المفروض في المقام فلا تكاد تجري القاعدة لعلاج غفلته المحقّقة و تصحيحها بالبناء على التذكّر و التدارك، بل مقتضى الاستصحاب استمرار النسيان و عدم عروض الذكر.

و بعبارة اخرى: إنّما تجري القاعدة مع احتمال طروء الغفلة لا مع احتمال طروء الالتفات بعد العلم بالغفلة.

(1) بل هو الأقوى، لما استفيد من الأخبار من أنّ المقضي إنّما يؤتى به خارج الصلاة و بعد استكمالها و الانتهاء منها بما لها من الأجزاء، و حيث يحتمل النقص و أن تكون ركعة الاحتياط جزءاً متمّماً فلم يحرز معه الاستكمال و الفراغ عن الصلاة، فلا مناص من تأخير القضاء عن صلاة الاحتياط رعاية لإحراز‌

____________

[1] بل الأظهر ذلك.

321

..........

____________

الخروج عن الصلاة و إن كان فوت السجدة أو التشهّد مقدّماً على موجب الاحتياط. فما قوّاه في المتن من التخيير في غير محلّه.

و منه تعرف لزوم تأخير سجدة السهو عن ركعة الاحتياط، لصراحة الأخبار في أنّ محلّ هذه السجدة إنّما هو بعد الانصراف و التسليم، و لم يحرز الانصراف بعد الفراغ من الركعة البنائية ما لم تتعقّب بركعة الاحتياط.

و بعين هذا البيان يجب تأخير سجود السهو عن قضاء السجدة أو التشهّد لما عرفت من أنّ المقضي هو نفس الجزء قد تغيّر ظرفه و محلّه و تبدّل بوقوعه بعد السلام، فما لم يؤت به لم يتحقّق الفراغ عن تمام الأجزاء، و قد عرفت أنّ موطن سجود السهو هو بعد الانصراف و الانتهاء عن تمام الأجزاء، هذا.

و قد يقال بأنّ المستفاد من بعض النصوص عكس ذلك و أنّه يجب تأخير قضاء التشهّد عن سجود السهو، فامّا أن يقتصر على مورد النصّ أو يتعدّى عن التشهّد إلى السجدة المنسية بعدم القول بالفصل، و هي رواية علي بن أبي حمزة الواردة في من نسي التشهّد، قال: «... فاذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثمّ تشهّد التشهّد الذي فاتك» (1)، فانّ المراد بسجدتين لا ركوع فيهما هو سجود السهو، و قد أمر (عليه السلام) بالإتيان بالتشهّد الفائت مؤخّراً بمقتضى العطف ب‍ «ثمّ».

و فيه أوّلًا: أنّ الرواية ضعيفة السند، فانّ الظاهر أنّ علي بن أبي حمزة الذي يروي عنه القاسم بن محمّد الجوهري هو البطائني، و لم يوثق، بل قد ضعّفه العلّامة صريحاً (2)، و قال ابن فضال: إنّه كذّاب متّهم (3).

____________

(1) الوسائل 8: 244/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 26 ح 2.

(2) الخلاصة: 362/ 1426.

(3) معجم رجال الحديث 12: 237/ 7846.

322

[مسألة 12: إذا سها عن الذكر أو بعض ما يعتبر فيها ما عدا وضع الجبهة في سجدة القضاء]

[2093] مسألة 12: إذا سها عن الذكر أو بعض ما يعتبر فيها ما عدا وضع الجبهة في سجدة القضاء فالظاهر عدم وجوب إعادتها، و إن كان أحوط (1).

____________

و ثانياً: أنّ الرواية لا دلالة لها على قضاء التشهّد فضلًا عن تأخّره عن سجود السهو، فانّ المراد بالتشهّد المذكور فيها هو التشهّد الذي تشتمل عليه سجدة السهو، لا تشهّد آخر وراء ذلك يؤتى به بعنوان القضاء. و توصيفه بقوله: «الذي فاتك» إشارة إلى الاجتزاء به عن ذاك الفائت و لو بقرينة الروايات الأُخرى الصريحة (1) في أنّه يجتزي عن المنسي بهذا التشهّد.

و على الجملة: لو كان التشهّد معطوفاً على سجدتي السهو بهذا العنوان أمكن أن يراد به تشهّد آخر، لكنّه معطوف على ذات السجدتين، و حينئذ فالمراد به نفس التشهّد الذي تشتمل عليه سجدتا السهو. فلا دلالة فيها بوجه على الإتيان بتشهّد آخر معنون بالقضاء وراء ذاك التشهّد.

و من هنا أنكرنا وجوب قضاء التشهّد رأساً، لقصور هذه الرواية و غيرها من الروايات عن الدلالة عليه و إن ذهب إليه المشهور، و بنينا كما سبق في محلّه (2) على أنّه لا أثر لنسيان التشهّد عدا سجدة السهو، و أنّه يجتزي في قضائه بالتشهّد الذي تشتمل عليه السجدة كما نطقت به النصوص.

(1) تقدّم في المسألة الثامنة عشرة من فصل الخلل (3) أنّه لو نسي بعض ما يجب في السجود كالذكر أو وضع اليدين أو الإبهامين و نحوها ما عدا وضع الجبهة الذي به قوام السجدة، و تذكّر بعد رفع الرأس، فمقتضى القاعدة حينئذ‌

____________

(1) لاحظ الوسائل 6: 401/ أبواب التشهد ب 7، 9.

(2) في ص 94 و ما بعدها.

(3) في ص 104 105.

323

..........

____________

و إن كان لزوم إعادة السجود، لعدم تحقّق المأمور به على وجهه، فلا مناص من التدارك الذي لا محذور فيه في حدّ نفسه بعد فرض بقاء المحلّ، إلّا أنّا قد استفدنا من الروايات كصحيحة حماد و غيرها (1) أنّ تلك الأُمور لم تعتبر في مطلق السجود و طبيعيّه، و إنّما هي واجبات في خصوص السجدة الأُولى بعنوان كونها اولى، و كذا السجدة الثانية بعنوانها.

و عليه فالسجدة الصادرة الفاقدة لتلك الأُمور يستحيل تداركها، لامتناع إعادة المعدوم، و الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه و لا يتغيّر عمّا وقع. فلو أتى بسجدة أُخرى فهي سجدة ثانية لا اولى، و لو كان الخلل في الثانية و كرّرها فهي سجدة ثالثة لا ثانية، و المفروض اعتبار تلك الأُمور في خصوص الأُولى أو الثانية بعنوانهما لا في طبيعي السجود، فلا يعقل التدارك إلّا بإعادة الصلاة و استئنافها المنفية بحديث لا تعاد بعد كون المنسي ممّا عدا الخمسة.

فبما أنّ محلّ التدارك لم يكن باقياً و لم تجب إعادة الصلاة يحكم بالصحّة و عدم إعادة السجدة.

و هذا البيان بعينه جار فيما نحن فيه بناءً على ما عرفت من أنّ السجدة المقضية جزء متمّم، و هي نفس السجدة الصلاتية بعينها قد تأخّر ظرفها و تبدّل محلّها فيلحقها حكم السجدة المنسية بعينه.

و أمّا بناءً على المسلك الآخر من كونها واجباً مستقلا قد تعلّق بها تكليف جديد فيشكل الحال حينئذ، بل مقتضى القاعدة المتقدّمة لزوم إعادتها بعد عدم وقوعها على وجهها. و عنوان الاولى و الثانية إنّما اعتبر في السجود الصلاتي الأدائي دون القضائي. و معلوم أنّ فسادها لا يستوجب إعادة الصلاة كي تنفى بحديث لا تعاد.

____________

(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1 و غيره.

324

[مسألة 13: لا يجب الإتيان بالسلام في التشهّد القضائي]

[2094] مسألة 13: لا يجب الإتيان بالسلام في التشهّد القضائي، و إن كان الأحوط في نسيان التشهّد الأخير إتيانه بقصد القربة من غير نيّة الأداء و القضاء مع الإتيان بالسلام بعده، كما أنّ الأحوط في نسيان السجدة من الركعة الأخيرة أيضاً الإتيان بها بقصد القربة مع الإتيان بالتشهّد و التسليم لاحتمال كون السلام في غير محلّه [1] و وجوب تداركهما بعنوان الجزئية للصلاة و حينئذ فالأحوط سجود السهو أيضاً في الصورتين لأجل السلام في غير محلّه (1).

____________

و دعوى ظهور دليل القضاء في مشاركة المقضي مع الفائت في جميع الخصوصيات غير مسموعة إلّا بالإضافة إلى الخصوصيات التي تتقوّم بها ذات العمل من الأجزاء و الشرائط دون الأحكام كما في المقام، فانّ محكومية السجدة المنسية بالصحّة من أجل حديث لا تعاد لا تستوجب الحكم بالصحّة في السجدة المقضية كما لا يخفى. فلا مناص من الإعادة.

(1) أمّا إذا كان المنسي التشهّد الأخير فقد عرفت (1) أنّ اللّازم على ما تقتضيه القاعدة الأوّلية السليمة عن المعارض هو الرجوع و التدارك بعنوان الجزئية للصلاة ثمّ التسليم بعده، لوقوع السلام الأوّل في غير محلّه، و يسجد سجدتي السهو لزيادته. و كذا الحال في السجدة المنسيّة من الركعة الأخيرة، لعين ما ذكر، فيتداركها مع التشهّد و التسليم، و يأتي بسجود السهو لزيادة السلام.

____________

[1] هذا الاحتمال هو المتعيّن، و عليه فاللّازم الإتيان بسجود السهو في الصورتين.

____________

(1) في ص 98، 309.

325

..........

____________

و أمّا التشهّد المنسي غير الأخير فقد عرفت (1) أنّ الأقوى عدم وجوب قضائه و أنّه لا أثر لنسيانه عدا سجدة السهو، و على تقدير تسليم القضاء فغايته قضاء نفس التشهّد المشتمل على الشهادتين و ما يلحق بهما من الصلاة على محمّد و آله (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين)، و أمّا التسليم فلا يجب الإتيان به، لخروجه عن حقيقة التشهّد، و المفروض الإتيان به في محلّه.

و أمّا السجدة المنسيّة من سائر الركعات فلا إشكال في وجوب قضائها، لكن عرفت (2) أنّ إطلاق القضاء إنّما هو باعتبار وقوعها في غير ظرفها الأصلي، و إلّا فهي نفس الجزء المنسي و واجب بالأمر الصلاتي، و ليست من القضاء المصطلح في شي‌ء.

نعم، لو كان التذكّر بعد ارتكاب المنافي بحيث لا تصلح للالتحاق و الانضمام و الاتصاف بالجزئية وجب تداركها حينئذ أيضاً بمقتضى إطلاق بعض النصوص المعتبرة (3)، و كان ذلك من القضاء المصطلح لا محالة، لوجوبها عندئذ بوجوب مستقلّ كما في قضاء الفوائت، لامتناع بقاء الأمر الصلاتي الضمني بعد فرض تخلّل المنافي كما عرفت. فتداركها قضاء بالمعنى الاصطلاحي في صورة، و بالمعنى الآخر في صورة أُخرى، و يلحقها حكم الجزء في الصورة الثانية دون الاولى. و لا مانع من التفكيك بعد مساعدة الدليل كما لا يخفى.

____________

(1) في ص 99 و ما بعدها، 310.

(2) في ص 95، 271.

(3) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 2.

326

[مسألة 14: لا فرق في وجوب قضاء السجدة و كفايته عن إعادة الصلاة بين كونها من الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين]

[2095] مسألة 14: لا فرق في وجوب قضاء السجدة و كفايته عن إعادة الصلاة بين كونها من الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين، لكن الأحوط إذا كانت من الأوّلتين إعادة الصلاة أيضاً، كما أنّ في نسيان سائر الأجزاء الواجبة منهما أيضاً الأحوط استحباباً بعد إتمام الصلاة إعادتها و إن لم يكن ذلك الجزء من الأركان، لاحتمال اختصاص اغتفار السهو عمّا عدا الأركان بالركعتين الأخيرتين كما هو مذهب بعض العلماء (1) و إن كان الأقوى كما عرفت عدم الفرق.

____________

(1) نسب ذلك إلى المفيد (1) و الشيخ (2) و ابن أبي عقيل (3) استناداً إلى ما ورد في بعض النصوص كصحيحة زرارة و غيرها (4) من أنّه لا سهو في الأولتين.

لكن المراد به هو الشكّ، لقرائن في نفس النصوص دلّت على لزوم سلامة الأولتين لكونهما فرض اللّٰه عن الشكّ في عدد الركعات، و أنّ حكم الشكّ فيها خاصّ بالأخيرتين، و قد أُطلق السهو على الشكّ كثيراً كما مرّ التعرّض لذلك في أحكام الخلل (5).

و عليه فإطلاق دليل القضاء الشامل للأولتين كالأخيرتين كالإطلاق في حديث لا تعاد هو المحكّم.

____________

(1) المقنعة: 145 [لكن لاحظ ص 138، 147 منها].

(2) التهذيب 2: 154 ذيل ح 604.

(3) حكاه عنه في المختلف 2: 372 المسألة 262 [لكن المحكي عنه تعميم البطلان لترك السجدة الواحدة حتّى من الأخيرتين كما صرّح في ص 86 من هذا المجلّد].

(4) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1.

(5) [بل أشير إلى ذلك في بحث الشك ص 223، راجع المصدر المتقدم آنفاً أيضاً].

327

[مسألة 15: لو اعتقد نسيان السجدة أو التشهّد مع فوت محلّ تداركهما]

[2096] مسألة 15: لو اعتقد نسيان السجدة أو التشهّد مع فوت محلّ تداركهما ثمّ بعد الفراغ من الصلاة انقلب اعتقاده شكّاً فالظاهر عدم وجوب القضاء (1).

____________

على أنّ في جملة من نصوص القضاء التصريح بأنّه نسي السجدة حتّى ركع (1). و من الواضح أنّ هذا غير شامل للركعة الأخيرة، إذ لا ركوع بعدها، فلو بني على عدم الشمول للأولتين لزم تخصيصه بالركعة الثالثة من الصلوات الرباعية و هو كما ترى، إذ مضافاً إلى أنّه من حمل المطلق على الفرد النادر لا وجه لتقييدها بالصلوات الرباعية بعد إطلاقها الشامل لها و للثنائية و الثلاثية كما لا يخفى.

فما عليه المشهور من إطلاق الحكم لكافّة الركعات هو الصحيح، و إن كان الأحوط استحباباً لو نسي السجدة أو غيرها من الأجزاء الواجبة من الأولتين إعادة الصلاة، خروجاً عن شبهة الخلاف.

(1) فانّ الاعتقاد المزبور إنّما يؤثّر ببقائه لا بمجرّد الحدوث، و لذا لو زال أثناء الصلاة و تبدّل شكّاً أو تذكّراً لم يؤثّر في القضاء جزماً، فإنّ العبرة بوجوده حدوثاً و بقاءً، و المدار على الحالة الفعلية لا السابقة، و المفروض زوال ذاك الاعتقاد بعد الصلاة. و أمّا الشكّ المنقلب إليه فهو شكّ حادث بعد تجاوز المحلّ فلا يعتنى به، لقاعدة التجاوز.

و أمّا قاعدة الفراغ فلا مسرح لها في المقام، لا لأنّ المعتبر فيها الفراغ البنائي و هو غير حاصل فيما نحن فيه كما قيل، إذ لا أساس لاعتبار الفراغ البنائي في‌

____________

(1) منها ما في الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 1.

328

..........

____________

جريان القاعدة على ما حقّقناه في محلّه (1)، و إنّما العبرة بالفراغ الواقعي و المضيّ الحقيقي المتعلّق بنفس الشي‌ء الأعم من أن يكون ما مضى صحيحاً أو فاسداً بحيث لا يكون قابلًا للتدارك إلّا بالإعادة، و هو حاصل فيما نحن فيه بالضرورة لصدق المضيّ الحقيقي على وجه لا يمكن التدارك في المحلّ إلّا بالإعادة.

بل الوجه في عدم الجريان أنّ مورد القاعدة هو الشكّ في الصحّة و الفساد، لما عرفت من أنّ المضيّ حينئذ مستند إلى نفس الشي‌ء حقيقة، لكون الفراغ عنه محرزاً واقعاً، فلا محالة يكون الشكّ في صحّته و فساده، بخلاف قاعدة التجاوز فانّ الشكّ فيها متعلّق بأصل وجود الشي‌ء، و من ثمّ كان إطلاق التجاوز عنه باعتبار التجاوز عن محلّه المبني على ضرب من المسامحة و العناية التي لا مناص منها بعد تعذّر المعنى الحقيقي.

و على الجملة: فمورد قاعدة الفراغ هو الشكّ في الصحّة و الفساد، و هذا غير منطبق على المقام، إذ لا شكّ في صحّة الصلاة، و لم يتطرّق احتمال الفساد، و إنّما الترديد في تحقّق النسيان و حصول موجب القضاء و عدمه، فيجب القضاء على تقدير و لا يجب على تقدير آخر، و الصلاة صحيحة على التقديرين. و معه لا موضوع لإجراء تلك القاعدة.

فالمرجع الوحيد في نفي القضاء إنّما هي قاعدة التجاوز لا غير، إذ يشكّ حينئذ في تحقّق السجدة أو التشهّد في ظرفهما و قد تجاوز محلّهما بالدخول في الجزء المترتّب، فيبني على التحقّق بهذه القاعدة.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 293.

329

[مسألة 16: لو كان عليه قضاء أحدهما و شكّ في إتيانه و عدمه وجب عليه الإتيان]

[2097] مسألة 16: لو كان عليه قضاء أحدهما و شكّ في إتيانه و عدمه وجب عليه الإتيان [1] به ما دام في وقت الصلاة، بل الأحوط استحباباً ذلك بعد خروج الوقت أيضاً (1).

____________

(1) فصّل (قدس سره) في مفروض المسألة بين ما إذا كان الشكّ حادثاً في الوقت أو في خارجه، فعلى الأوّل يجب الإتيان، لأصالة عدمه المطابقة لقاعدة الاشتغال. و على الثاني لا يجب، لقاعدة الحيلولة الحاكمة على القاعدة المزبورة و كذا الأصل، و إن كان الأحوط استحباباً الإتيان حينئذ أيضاً، لاحتمال اختصاص القاعدة بالشكّ في أصل الصلاة.

أقول: للنظر فيما أفاده (قدس سره) من التفصيل مجال واسع، فانّا إذا بنينا على أنّ السجدة المقضية و كذا التشهّد على القول بوجوب قضائه هو نفس الجزء المنسي قد تأخّر ظرفه و تبدّل محلّه، و أنّه واجب بالأمر الصلاتي لا بتكليف آخر مستقلّ كما هو الصحيح على ما عرفت، فحكمه حكم الشكّ في الجزء الأخير من العمل، فانّ الجزء الأخير في الصلاة المتعارفة هو السلام، و في هذه الصلاة هو السجود أو التشهّد.

و حكمه أنّه إن كان الشكّ قبل ارتكاب المنافي بحيث يصلح المشكوك للانضمام و الالتحاق بالصلاة وجب الاعتناء بمقتضى قاعدة الشكّ في المحلّ، و إن كان بعده بحيث لا يمكن التدارك إلّا بالإعادة لم يجب بمقتضى قاعدة الفراغ، و هذا من غير فرق بين عروض الشكّ في الوقت أو في خارجه كما لا يخفى.

و أمّا إذا بنينا على أنّ المقضي عمل مستقل غير مرتبط بالصلاة و قد سقط أمرها و تعلّق تكليف جديد بالقضاء كما في قضاء الفوائت، فالظاهر وجوب‌

____________

[1] هذا فيما إذا أمكن الالتحاق، و إلّا فلا يجب الإتيان به بلا فرق بين الوقت و خارجه.

330

[مسألة 17: لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة واحدة أو سجدتان من ركعتين]

[2098] مسألة 17: لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة واحدة أو سجدتان من ركعتين بنى على الاتّحاد (1).

____________

الاعتناء بالشكّ و إن كان حاصلًا في خارج الوقت، لعدم كون هذا التكليف موقّتاً بوقت خاصّ كما كان كذلك في أصل الصلاة. فلا يقاس أحدهما بالآخر بل المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال، للشكّ في الامتثال بعد العلم بالتكليف.

و بعبارة اخرى: فرق واضح بين الأمر بنفس الصلاة و بين الأمر بقضائها أو قضاء الجزء المنسي، فإنّ الأمر بالصلاة ساقط عند خروج الوقت جزماً إمّا بالامتثال أو بانتهاء أمده، غاية الأمر عند فوت الفريضة في وقتها يتعلّق أمر آخر بالقضاء موضوعه الفوت.

فلو شكّ فيه بعد الوقت لا يعتني به، لقاعدة الحيلولة المطابقة لمقتضى القاعدة الأوّلية، حيث إنّ القضاء موضوعه الفوت كما عرفت، و هو غير محرز حسب الفرض، و أصالة عدم الإتيان في الوقت لا يثبته كما مرّ مراراً، فمرجع الشكّ إلى الشكّ في حدوث تكليف جديد متعلّق بالقضاء، و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و هذا بخلاف قضاء الجزء المنسي أو قضاء نفس الصلاة، فإنّ الأمر المتعلّق به غير محدود بحدّ و لا موقّت بوقت. و إن قلنا بوجوب المبادرة إليه فإنّ ذلك لا يجعله من الموقّتات كما لا يخفى.

و عليه فمع الشكّ في الإتيان لا مناص من الاعتناء عملًا بقاعدة الاشتغال إذ لا موضوع حينئذ لقاعدة الحيلولة، و لا لأصل البراءة بعد كون الشكّ في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم.

فتحصّل: أنّ المتعيّن هو التفصيل حسب اختلاف المباني، و لا فرق في ذلك بين الوقت و خارجه.

(1) إذ الأمر دائر حينئذ بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين، و معه كان الشكّ‌

331

[مسألة 18: لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة أو غيرها من الأجزاء الواجبة التي لا يجب قضاؤها]

[2099] مسألة 18: لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة أو غيرها من الأجزاء الواجبة التي لا يجب قضاؤها و ليست ركناً أيضاً لم يجب عليه القضاء بل يكفيه سجود السهو [1] (1).

____________

بالإضافة إلى الزائد بمثابة الشكّ في أصل تحقّق الفوت، و قد عرفت (1) أنّ المرجع في مثله قاعدة التجاوز.

(1) ما أفاده (قدس سره) مبنيّ على أمرين قد التزم (قدس سره) بكلّ منهما: أحدهما: أنّ السجدة المنسيّة يجب قضاؤها و سجود السهو لها. ثانيهما: أنّ سجدة السهو تجب لكلّ زيادة و نقيصة، فحينئذ يتمّ ما أفاده (قدس سره)، فإنّ سجدة السهو واجبة على التقديرين فلا مجال لنفيها بالأصل، و أمّا القضاء فهو منفي بقاعدة التجاوز السليمة عن المعارض من هذه الجهة، فلا أثر للعلم الإجمالي بفوات أحدهما من ناحية القضاء بعد عدم كون التكليف منجّزاً على كلّ تقدير.

و أمّا لو أنكرنا الأمر الثاني و قلنا بعدم وجوب سجدة السهو إلّا في موارد خاصّة كما هو الصحيح على ما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى (2)، فلو كان طرف العلم الإجمالي من غير تلك الموارد كالقراءة مثلًا لم يجب عليه حينئذ لا القضاء و لا سجود السهو، لجريان قاعدة التجاوز بالإضافة إلى السجود (3)، النافية لكلا الأثرين، السليمة عن المعارض، إذ لا أثر لنسيان الطرف الآخر رأساً حسب الفرض. و هذا لا يفرق فيه بين ما إذا التزمنا بالأمر الأوّل أو أنكرناه أيضاً كما هو المختار.

____________

[1] على الأحوط.

____________

(1) في ص 327 328.

(2) في ص 361.

(3) [أي السجدة].

332

[مسألة 19: لو نسي قضاء السجدة أو التشهّد و تذكّر بعد الدخول في نافلة]

[2100] مسألة 19: لو نسي قضاء السجدة أو التشهّد و تذكّر (1) بعد الدخول في نافلة جاز له قطعها [1] و الإتيان به، بل هو الأحوط، بل و كذا لو دخل في فريضة.

____________

و لو أنكرنا الأمر الأوّل فقط دون الثاني، و بنينا على أنّ نسيان السجدة لا أثر له إلّا القضاء، و لا يوجب سجود السهو كما هو الصحيح على ما نطقت به النصوص الصريحة في نفي السهو على ما سبق (1)، فحينئذ ينعكس الأمر فيجب الجمع بين القضاء و سجدة السهو، عملًا بالعلم الإجمالي بأحد التكليفين بعد تعارض القاعدة و تساقطها من الجانبين.

فما أفاده (قدس سره) وجيه على مسلكه في الأمرين المتقدّمين، و لا يتمّ بانتفاء واحد منهما، بل يختلف الحكم حينئذ باختلاف المباني حسبما عرفت. و قد عرفت أنّ الأظهر عدم وجوب القضاء و لا سجدة السهو.

(1) قد يكون التذكّر بعد الدخول في النافلة، و أُخرى بعد الدخول في الفريضة.

أمّا في الأوّل: فلا ينبغي الإشكال في جواز القطع، لجواز قطع النافلة حتّى اختياراً فضلًا عن قطعها لتدارك سجدة واجبة، و إنّما الكلام في أنّه هل يتعيّن عليه القطع أو يجوز له الإتمام بعد تدارك الجزء المنسي، فنقول:

قد يكون التذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة الاولى من النافلة، و أُخرى قبل الدخول فيه.

أمّا بعد الدخول فحيث إنّ الركوع حينئذ مانع عن صلاحية التحاق السجدة المنسية بالصلاة الأصلية و انضمامها إليها فتلك السجدة ساقطة عندئذ عن الجزئية‌

____________

[1] بل هو المتعيّن فيه و فيما بعده.

____________

(1) في ص 101 [حيث تقدمت صحيحة أبي بصير، و ستأتي أيضاً في ص 355].

333

..........

____________

و إنّما يجب قضاؤها حينئذ بالمعنى المصطلح بمقتضى قوله (عليه السلام) في الموثّق: «يقضي ما فاته إذا ذكره» (1)، لا بمعنى تأخّر الجزء عن ظرفه و التبدّل في محلّه كما كان كذلك لو كان التذكّر في وقت صالح للانضمام على ما سبق. فهو عمل مستقلّ غير مرتبط بالصلاة يجب قضاؤه في نفسه.

و بعبارة اخرى: تخلّل الركوع من مصاديق المنافي بالإضافة إلى الصلاة الأصلية المانع من صلاحية انضمام السجدة بها، لأنّه مصداق للزيادة القادحة، فإنّه و إن لم يقصد به الجزئية لتلك الصلاة بل قصد به الجزئية للنافلة، إلّا أنّه يكفي في صدق الزيادة القادحة في باب الركوع و السجود الزيادة الصورية كما استفيد ممّا دلّ على المنع عن قراءة سور العزائم في الصلاة معلّلًا بأنّ السجدة زيادة في المكتوبة (2) كما مرّ في محلّه (3).

فتذكّر النسيان بعد الدخول في الركوع بمثابة التذكّر بعد ارتكاب المنافي من حدث أو استدبار و نحوهما، و قد عرفت أنّ الإتيان بالسجدة حينئذ قضاء بالمعنى الاصطلاحي و ليس جزءاً متأخّراً، بل قد سقط الأمر بالصلاة و حدث تكليف جديد بالقضاء، و حينئذ فكما يجوز له قطع النافلة يجوز له الإتيان بالسجدة أثناءها ثمّ إتمام النافلة، و لا مانع من زيادة السجدة في هذه الصلاة فإنّ الممنوع من زيادتها و لو صورة إنّما هو في أثناء الفريضة المكتوبة كما في النص (4) لا في النافلة، و لذا لو أصغى إلى آية العزيمة و هو في النافلة سجد في تلك الحالة بلا إشكال.

و أمّا لو تذكّر قبل الدخول في الركوع، فحيث إنّ السجدة حينئذ صالحة‌

____________

(1) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 2.

(2) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1، 4.

(3) شرح العروة 15: 132.

(4) تقدّم مصدره آنفاً.

334

..........

____________

للانضمام فهي باقية على الجزئية، و لم يتحقّق الفراغ عن الصلاة الأُولى، لبقاء جزئها الأخير، فهو بعد في الأثناء و قد شرع في النافلة ناسياً تدارك السجدة و حينئذ فان قلنا بجواز إقحام الصلاة في الصلاة جاز له الإتيان بالسجدة أثناء النافلة ثمّ إتمامها، لعدم كون السجدة الزائدة قادحة في النافلة كما عرفت، و إلّا تعيّن عليه القطع لتدارك السجدة ثمّ يستأنف النافلة إن شاء.

و أمّا في الثاني: أعني ما لو تذكّر بعد ما دخل في الفريضة فليس له الإتيان بالسجدة أثناءها، سواء كان التذكّر قبل الدخول في الركوع أم بعده، فإنّه زيادة في المكتوبة حسبما عرفت. فيدور الأمر بين قطع الفريضة الذي هو محرّم على المشهور أو أنّه مخالف للاحتياط، و بين تأخير السجدة.

أمّا إذا كان التذكّر قبل الدخول في الركوع فحيث إنّ السجدة حينئذ صالحة للانضمام و باقية على الجزئية تعيّن عليه الإتيان بها و رفع اليد عن الصلاة الثانية لكونه بعد غير فارغ عن الاولى، و ما لم يفرغ عنها بتمام أجزائها ليس له الدخول في الثانية، لعدم الأمر بها حينئذ، و لأجله لم يكن المقام مشمولًا لدليل حرمة القطع جزماً.

و أمّا لو تذكّر بعد الدخول في الركوع فالسجدة حينئذ قضاء بالمعنى الاصطلاحي كما مرّ، و ليست جزءاً من الصلاة الأصلية، فلا مانع من تأخير الإتيان بها بعد الصلاة الثانية.

نعم، بناءً على وجوب المبادرة إليها كما اختاره في المتن و هو الظاهر من قوله (عليه السلام) في موثّق عمّار: «يقضي ما فاته إذا ذكره» (1) تعيّن القطع و الإتيان بها ثمّ استئناف الصلاة. و دليل حرمة القطع لا يشمل صورة المزاحمة مع واجب فوري كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 2.

335

[مسألة 20: لو كان عليه قضاء أحدهما في صلاة الظهر و ضاق وقت العصر]

[2101] مسألة 20: لو كان عليه قضاء أحدهما في صلاة الظهر و ضاق وقت العصر فإن أدرك منها ركعة وجب تقديمهما و إلّا وجب تقديم العصر و يقضي الجزء بعدها، و لا يجب عليه إعادة الصلاة و إن كان أحوط [1] (1)

____________

(1) ذكر (قدس سره) في مفروض المسألة أنّه إن تمكّن من إدراك العصر و لو ركعة منها وجب تقديم الجزء المنسي رعاية للترتيب، لعدم المزاحمة بعد توسعة الوقت بدليل من أدرك، و إن لم يتمكّن من ذلك أيضاً وجب تقديم العصر لأهميتها أو لاختصاص الوقت حينئذ بالعصر، بمعنى عدم مزاحمة الظهر معها في هذا الوقت.

و تفصيل الكلام في المقام أنّ التذكّر إن كان قبل فوات الموالاة بحيث يصلح المنسي للالتحاق و تتّصف السجدة بالجزئية لدى الانضمام، فلا ينبغي الإشكال في لزوم تقديمها على العصر، للزوم تقديم الظهر بتمام أجزائها على العصر و المفروض أنّه لم يفرغ بعد عن الظهر، لبقاء جزئها الأخير و هي السجدة و يسع الوقت له و للعصر بمقتضى التوسعة التعبدية الثابتة بدليل من أدرك (1)، و لذا لو بقي من الوقت مقدار خمس ركعات وجب صرف أربع منها للظهر و الركعة الباقية للعصر، و هذا ظاهر.

و إن كان التذكّر بعد فوات الموالاة بحيث سقط المنسي عن الجزئية و تمحّض في القضاء المصطلح، فحيث إنّ هذا القضاء فوري تجب المبادرة إليه كما أشرنا إليه آنفاً وجب تقديمها أيضاً على العصر، إذ لا فرق في وجوب تقديم ما يجب‌

____________

[1] لا يترك الاحتياط.

____________

(1) الوسائل 4: 217/ أبواب المواقيت ب 30.

336

..........

____________

على المكلّف إتيانه فعلًا بين الأداء و القضاء، بعد عدم المزاحمة و إمكان الجمع بينه و بين العصر و لو ببركة التوسعة المستفادة من حديث من أدرك.

هذا كلّه مع بقاء وقت العصر و لو بمقدار ركعة، و أمّا لو لزم من التقديم فوات وقت العصر رأساً فالمتعيّن حينئذ تقديم العصر، سواء كانت الموالاة باقية أم فائتة، لاختصاص الوقت حينئذ بها بمعنى عدم جواز مزاحمة الغير معها، بل لو تذكّر في هذه الحالة عدم الإتيان بالظهر رأساً وجب تقديم العصر فضلًا عن نسيان جزئها أو وجوب قضائه عليه، لما عرفت من الاختصاص و عدم جواز المزاحمة، هذا.

و قد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه يقضي الجزء بعد ذلك، و احتاط استحباباً بإعادة الظهر أيضاً.

و الصحيح هو التفصيل في الإعادة بين ما إذا كان التذكّر قبل فوات الموالاة و ما إذا كان بعده.

ففي الأوّل حيث إنّه ترك الجزء عالماً عامداً و إن كان معذوراً فيه من أجل ضيق وقت العصر، فهو بمثابة ترك الظهر رأساً، إذ الإخلال بالجزء إخلال بالكلّ فيجب عليه إعادة الظهر بعد العصر. و لا مجال حينئذ للتمسّك بحديث لا تعاد لكونه تاركاً للجزء عن عمد و التفات و إن كان معذوراً فيه، و مثله غير مشمول للحديث.

و في الثاني لا يجب إلّا قضاء الجزء المنسي، و لا وجه للاحتياط بإعادة الظهر و لو استحباباً، لصحّتها في ظرفها و سقوط أمرها بعد عدم إمكان التحاق المنسي بها و كونه من القضاء المصطلح كما عرفت.

337

و كذا الحال لو كان عليه صلاة الاحتياط للظهر و ضاق وقت العصر، لكن مع تقديم العصر يحتاط بإعادة الظهر أيضاً [1] بعد الإتيان باحتياطها (1).

____________

(1) الاحتياط المذكور و هو الجمع بين إعادة الظهر و بين الإتيان بركعة الاحتياط مبنيّ على الترديد في أنّ صلاة الاحتياط هل هي جزء متمّم على تقدير النقص أو أنّها صلاة مستقلّة.

إذ على الأوّل تجب الإعادة، لعدم إحراز براءة الذمّة عن الظهر بعد احتمال نقصها بركعة. و لا تكفي صلاة الاحتياط حينئذ، لعدم صلاحيتها للانضمام على تقدير النقص بعد تخلّل العصر بينها و بين الصلاة الأصلية.

و على الثاني لا موجب للإعادة، لسقوط الأمر بالظهر و حصول امتثالها و صحّتها على كلّ تقدير، و إنّما الواجب حينئذ الإتيان بصلاة الاحتياط فحسب. فرعاية لكلا المبنيين حكم بالاحتياط بالجمع بين الأمرين.

و حيث قد عرفت (1) أنّ الأظهر كون الركعة جزءاً متمّماً فالأقوى جواز الاكتفاء بإعادة الظهر، و لا حاجة إلى ضمّ ركعة الاحتياط.

____________

[1] الظاهر جواز الاكتفاء بإعادتها.

____________

(1) في ص 280.

338

[فصل في موجبات سجود السهو و كيفيته و أحكامه]

فصل في موجبات سجود السهو و كيفيته و أحكامه

[مسألة 1: يجب سجود السهو لأُمور]

[2102] مسألة 1: يجب سجود السهو لأُمور:

[الأوّل: الكلام سهواً]

الأوّل: الكلام سهواً (1)

____________

(1) المعروف و المشهور وجوب سجود السهو لمن تكلّم في صلاته ساهياً، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، و لم ينسب الخلاف إلّا إلى الصدوق (1) و والده (2) و مال إليه السبزواري في الذخيرة (3)، بل قد ناقش صاحب الحدائق في صحّة النسبة إلى الصدوق (4).

و كيف ما كان، فالمتبع هو الدليل. و يدلنا على الوجوب طائفة من الروايات:

منها: صحيحة عبد الرحمٰن بن الحجّاج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يتكلّم ناسياً في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: يتمّ صلاته ثمّ‌

____________

(1) [الفقيه 1: 225 ذيل ح 993، حيث قال: و لا تجب سجدتا السهو إلّا على من قعد في حال قيامه، أو قام في حال قعوده، أو ترك التشهد، أو لم يدر زاد أو نقص. لكنه ذكر في ص 231 ذيل ح 1028 ما لفظه: و إن تكلمت في صلاتك ناسياً فقلت: أقيموا صفوفكم. فأتم صلاتك و اسجد سجدتي السهو. و هكذا قال في المقنع: 106].

(2) حكاه عنه في المختلف 2: 418 المسألة 297.

(3) الذخيرة: 379 السطر 32.

(4) الحدائق 9: 314.

339

..........

____________

يسجد سجدتين ...» إلخ (1)، فإنّها ظاهرة في أنّ الموجب للسجود إنّما هو التكلّم ناسياً، و أنّ قول: «أقيموا صفوفكم» إنّما ذكر من باب المثال.

و منها: صحيحة ابن أبي يعفور: «عن الرجل لا يدري ركعتين صلّى أم أربعاً إلى أن قال (عليه السلام) في ذيلها: و إن تكلّم فليسجد سجدتي السهو» (2) دلّت بمقتضى الإطلاق على أنّ التكلّم السهوي متى ما تحقّق سواء أ كان في الصلاة الأصلية أم في ركعتي الاحتياط أم ما بينهما فهو موجب لسجود السهو.

و منها: موثّقة عمّار قال: «... و عن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ثمّ ذكر من قبل أن يقدّم شيئاً أو يحدث شيئاً، فقال: ليس عليه سجدتا السهو حتّى يتكلّم بشي‌ء ...» إلخ (3).

و ناقش فيها غير واحد بأنّ المراد بالتكلّم هو القراءة أو التسبيح الواقعان في غير محلّهما، المشار إليهما في كلام السائل بقوله: «من قبل أن يقدّم شيئاً ...» إلخ أي من قبل أن يقرأ، كما لو كان في الثانية و كانت وظيفته القعود للتشهّد فتخيّل أنّها الاولى و قام إلى الثانية، أو من قبل أن يسبّح كما لو تخيّل في الفرض أنّه في الثالثة و قام إلى الرابعة. فالتكلّم إشارة إلى هذين الجزأين الزائدين.

و عليه فالموثّق من أدلّة وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة، لا للتكلّم السهوي بما هو تكلّم الذي هو محلّ الكلام.

و لكن الظاهر أنّ المراد بالتكلّم هو الكلام العادي.

أمّا أوّلًا: فلأنّ القراءة و التسبيح و إن كانا من مصاديق التكلّم إلّا أنّه لم يعهد إطلاقه عليهما في شي‌ء من الأخبار، بل لم نجد لذلك و لا مورداً واحداً‌

____________

(1) الوسائل 8: 206/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 4 ح 1.

(2) الوسائل 8: 219/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

(3) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

340

..........

____________

فلو كان المراد ذلك كان حقّ العبارة هكذا: حتّى يقرأ أو يسبّح، أو حتّى يقول شيئاً، لا حتّى يتكلّم كما لا يخفى.

و ثانياً: أنّه لو أُريد ذلك لزم اللغوية و الخروج عن مفروض كلام السائل لأنّه فرض التذكّر قبل أن يقدم [شيئاً] أي قبل أن يقرأ أو يسبّح، فحكمه (عليه السلام) بوجوب سجدة السهو للقراءة أو التسبيح غير منطبق على السؤال كما لا يخفى.

و هذا بخلاف ما لو كان المراد التكلّم العادي، فإنّ الاستثناء حينئذ بقوله: «حتّى يتكلّم» في محلّه، و يكون حاصل الجواب: أنّ في مفروض السؤال لا شي‌ء عليه إلّا أن يتكلّم سهواً بكلام الآدميين.

فالإنصاف: ظهور الموثّق فيما نحن فيه و صحّة الاستدلال به. و على أيّ حال ففي الصحيحتين المتقدّمتين غنى و كفاية لصراحتهما في المطلوب، هذا.

و ربما يستدلّ أيضاً بجملة من الروايات الواردة في سهو النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) في صلاة الظهر و تسليمه على الركعتين المشتملة على قصة ذي الشمالين و أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بعد أن سأل القوم و تثبّت من سهوه تدارك الركعتين ثمّ سجد سجدتين للسهو (1)، و في بعضها كصحيح الأعرج التصريح بأنّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) سجد سجدتين لمكان الكلام (2).

و فيه أوّلًا: أنّ هذه الروايات في أنفسها غير قابلة للتصديق و إن صحّت أسانيدها، لمخالفتها لأُصول المذهب. على أنّها معارضة في موردها بموثّقة زرارة المصرّحة بأنّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لم يسجد للسهو، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل سجد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) سجدتي‌

____________

(1) الوسائل 8: 198/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3.

(2) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 16.

341

..........

____________

السهو قط؟ قال: لا، و لا يسجدهما فقيه» (1). فلا بدّ من ارتكاب التأويل أو الحمل على التقية أو الضرب عرض الجدار.

و ثانياً: على تقدير التسليم فهي حكاية فعل، و هو مجمل من حيث الوجوب و الاستحباب، فإنّ غاية ما يثبت بفعل المعصوم (عليه السلام) هي المشروعية و الرجحان، و لا يكاد يدلّ على الوجوب بوجه، إذ الحكاية في مقام التشريع لا تستدعي أكثر من ذلك.

و ثالثاً: مع الغضّ عن كلّ ذلك فمن الجائز أن يكون سجوده (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) للسهو من أجل السلام الزائد الواقع في غير محلّه الذي هو من موجباته بلا إشكال كما ستعرف (2)، لا من أجل التكلّم السهوي، فإنّ صحيحة الأعرج و إن تضمّنت التصريح بذلك فلا بأس بالاستدلال بها، إلّا أنّ بقية النصوص مهملة لم يتعرّض فيها أنّه للسلام أو للكلام، فلا تصلح للاستدلال لها على المقام.

و على الجملة: فهذه الروايات غير صالحة للاستدلال، و العمدة هي الروايات الثلاث المتقدّمة، و عمدتها الصحيحتان كما عرفت.

و لكن بإزائها عدّة روايات قد يستدلّ بها على عدم الوجوب، و بذلك يجمع بين الطائفتين بالحمل على الاستحباب.

منها: صحيحة الفضيل بن يسار قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أكون في الصلاة فأجد غمزاً في بطني أو أذى أو ضرباناً، فقال: انصرف ثمّ توضّأ و ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّداً، و إن تكلّمت‌

____________

(1) الوسائل 8: 202/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 13.

(2) في ص 347.

342

..........

____________

ناسياً فلا شي‌ء عليك، و هو بمنزلة من تكلّم في صلاته ناسياً ...» إلخ (1).

و فيه: مضافاً إلى أنّها غير معمول بها في موردها كما لا يخفى، أنّها قاصرة الدلالة على ما نحن فيه، فانّ الظاهر من الشي‌ء المنفي هو الإعادة، و أنّ التكلّم خارج الصلاة بمثابة التكلّم أثناءها ناسياً في أنّه لا يوجب البطلان، و أمّا أنّه هل يوجب سجود السهو أم لا فالصحيحة غير متعرّضة لذلك رأساً.

و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلّم، فقال: يتمّ ما بقي من صلاته تكلّم أو لم يتكلّم، و لا شي‌ء عليه» (2).

و نحوها صحيح ابن مسلم: «في رجل صلّى ركعتين من المكتوبة فسلّم و هو يرى أنّه قد أتمّ الصلاة و تكلّم، ثمّ ذكر أنّه لم يصلّ غير ركعتين، فقال: يتمّ ما بقي من صلاته و لا شي‌ء عليه» (3).

و قد ذكر في سند الصحيحة الثانية في الطبعة الجديدة من الوسائل القاسم بن القاسم بن بريد، و هو غلط، إذ لا وجود له في كتب الرجال، و الصحيح القاسم ابن بريد، و هو الذي يروي عنه فضالة.

و كيف ما كان، فقد صرّح غير واحد بظهور الصحيحتين في عدم وجوب سجود السهو للتكلّم ساهياً، و عدّوهما معارضتين للنصوص المتقدّمة بتقريب أنّ المنفي في قوله (عليه السلام): «و لا شي‌ء عليه» لا يحتمل أن يكون هو الإثم لعدم احتماله في مورد السهو، و لا الإعادة، لاستفادة عدمها من قوله (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل 7: 235/ أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 9.

(2) الوسائل 8: 200/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 5.

(3) الوسائل 8: 200/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 9.

343

..........

____________

«يتمّ ما بقي ...» إلخ، إذ الأمر بالإتمام ملازم للصحّة فيلزم التكرار، و الحمل على التأكيد خلاف الأصل، و ليس ثمّة أثر يتوهّم ترتّبه كي يتصدّى لنفيه عدا سجدتي السهو.

و بعبارة اخرى: بعد وضوح عدم احتمال العقاب فيما يصدر سهواً يدور الأمر بين أن يكون المراد نفي الإعادة المستلزم للتأكيد، أو نفي سجود السهو الملازم للتأسيس، و كلّما دار الأمر بينهما فالتأسيس أولى، هذا.

و للنظر في ذلك مجال واسع، فانّ المنسبق إلى الذهن و المتفاهم العرفي من مثل هذه العبارة هو التأكيد، كما لعلّه الدارج المتعارف في الاستعمالات في عصرنا الحاضر، فنجيب عن نظير المسألة بأنّه يتمّ صلاته و لا شي‌ء عليه، و نعني به نفي الإعادة تأكيداً لما ذكر أوّلًا.

و أولوية التأسيس من التأكيد ليست قاعدة مطّردة و ضابطاً كلّياً، بل يختلف ذلك حسب اختلاف الموارد و خصوصياتها و مناسبات الحكم و الموضوع، فربما يكون التأكيد هو الظاهر من الكلام كما في المقام.

و مع الغضّ عن ذلك فلا أقلّ من الإجمال المسقط للاستدلال، و لا بدّ في رفع اليد عن ظهور تلك النصوص في الوجوب و الحمل على الاستحباب من ظهور أقوى بحيث يصلح للقرينية كما لا يخفى.

و الذي يكشف عمّا ذكرناه من استظهار التأكيد و كون المنفي هو الإعادة قوله (عليه السلام) في الصحيحة الاولى (1): «تكلّم أو لم يتكلّم»، إذ في فرض عدم التكلّم لا موجب لسجود السهو كي يتصدّى لنفيه، فلا بدّ و أن يكون المنفي شيئاً يتّجه نفيه على التقديرين كي تصحّ التسوية بين الأمرين، و ليس هو إلّا الإعادة.

____________

(1) من الصحيحتين الأخيرتين.

344

بغير قرآن و دعاء و ذكر (1)، و يتحقّق بحرفين أو بحرف واحد مفهم [1] (2) في أيّ لغة كان.

____________

فتحصّل: أنّ الأظهر وجوب سجود السهو للتكلّم سهواً كما عليه المشهور عملًا بالنصوص المتقدّمة السليمة عمّا يصلح للمعارضة.

(1) لانصراف التكلّم المأخوذ موضوعاً للحكم في النصوص عن مثل ذلك بل لم يعهد إطلاقه عليها في لسان الأخبار و إن كانت من مصاديق التكلّم لغة هذا.

مضافاً إلى جواز الإتيان بها في الصلاة عامداً، و ظاهر نصوص المقام أنّ الكلام الموجب لسجود السهو هو الذي لا يجوز فعله عمداً و يكون مبطلًا، فلا يعمّ تلك الأُمور كما لا يخفى.

(2) كما هو المشهور و المعروف بين الفقهاء، حيث إنّ كلّ من تعرّض للمسألة عنونها بالكلام سهواً، المفسّر بما يشتمل على حرفين فصاعداً و لو تقديراً فيشمل الحرف الواحد المفهم كالأمر من (وقى) و (وعى)، دون غير المفهم، لعدم صدق الكلام عليه.

و لا يخفى أنّ الكلام بعنوانه لم يرد في شي‌ء من النصوص المعتمد عليها، و إنّما الوارد عنوان التكلّم كما في الصحيحتين و الموثّق حسبما مرّ، و لا ريب في صدقه حتّى على الحرف الواحد و إن لم يكن مفهماً، و لذا لو تلفّظ به الصبيّ أو الميّت يقال إنّه تكلّم، من غير أيّة عناية. فيفرق بين الكلام و التكلّم، فإنّ الأوّل و إن لم يصدق على الحرف الواحد غير المفهم لكن العبرة بالثاني، و هو صادق كما عرفت، و من هنا كان الأحوط سجود السهو له أيضاً.

____________

[1] بل مطلقاً على الأحوط.

345

و لو تكلّم جاهلًا بكونه كلاماً بل بتخيّل أنّه قرآن أو ذكر أو دعاء لم يوجب سجدة السهو [1]، لأنّه ليس بسهو (1). و لو تكلّم عامداً بزعم أنّه خارج عن الصلاة يكون موجباً، لأنّه باعتبار السهو عن كونه في الصلاة يعدّ سهواً، و أمّا سبق اللسان فلا يعدّ سهواً [2].

____________

(1) فانّ معناه الغفلة إمّا عن الدخول في الصلاة كما هو مورد صحيح ابن الحجاج (1)، أو عن عدم الخروج كما هو مورد صحيح ابن أبي يعفور (2) و غيره. فمورد النصوص ما إذا تكلّم ساهياً أي غافلًا عن كونه في الأثناء، و الجاهل المزبور ملتفت إلى كونه في الأثناء غير أنّه يزعم جواز ذاك التكلّم، لاعتقاده أنّه من القرآن فينكشف الخطأ في اعتقاده، فالجهل هو الخطأ في الاعتقاد لا الغفلة عمّا يعتقد، فليس هو من السهو في شي‌ء.

و كذا الحال في سبق اللسان، فإنّه خارج عن الاختيار، و السهو هو الفعل الاختياري الناشئ عن الغفلة في مبادئه.

أقول: ما أفاده (قدس سره) من منع الصغرى و عدم صدق السهو على شي‌ء من الجهل و السبق وجيه كما ذكرناه، لكن الشأن في الكبرى أعني تخصيص الموجب بالتكلّم السهوي، فإنّ التقييد بالسهو و إن ورد في بعض النصوص لكنّه مذكور في كلام السائل كما في صحيحتي ابن الحجاج و زرارة المتقدّمتين (3)، و مثله لا يدلّ على الاختصاص، بل غايته عدم الدلالة على الإطلاق لا الدلالة على التخصيص، لعدم كون المورد مخصّصاً.

____________

[1] فيه إشكال بل منع.

[2] نعم، إلّا أنّ الظاهر وجوب سجدة السهو معه.

____________

(1) المتقدّمتين في ص 338، 339.

(2) المتقدّمتين في ص 338، 339.

(3) في ص 338، 342.

346

و أمّا الحرف الخارج [1] من التنحنح و التأوّه و الأنين الذي عمده لا يضرّ فسهوه أيضاً لا يوجب السجود (1)

____________

إذن لا مانع من التمسّك بإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح ابن أبي يعفور: «و إن تكلّم فليسجد سجدتي السهو» (1) و قوله (عليه السلام) في موثّق عمّار: «حتّى يتكلّم بشي‌ء» (2) المتقدّمين، فانّ المستفاد منهما أنّ مطلق التكلّم موجب للسجدة، خرج عن ذلك التكلّم العمدي الموجب للبطلان بمقتضى النصوص الدالّة على أنّ من تكلم في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة (3) فيبقى الباقي تحت الإطلاق.

و نتيجة ذلك أنّ الموضوع لوجوب سجدة السهو هو التكلّم غير العمدي الشامل بإطلاقه للسهو و الجهل و سبق اللسان.

و التعبير عن هذه السجدة بسجود السهو لا يقتضي التخصيص به، فإنّه من باب التسمية المبني على الغلبة، و إلّا فلا يدور الوجوب مداره قطعاً، و لذا يجب عند الشكّ بين الأربع و الخمس مع أنّه لا سهو ثمّة أصلًا، و إنّما هناك احتمال الزيادة. و بالجملة: فالسهو اسم لهذه السجدة كما في ركعة الاحتياط، و مثله لا يدلّ على الاختصاص.

(1) إذ هو صوت محض لا يضرّ عمده فضلًا عن السهو، و ليس من التكلّم الذي هو الموضوع لوجوب السجود في شي‌ء.

____________

[1] ما يخرج من التنحنح و التأوّه و الأنين لا يعدّ حرفاً، بل هو مجرّد صوت.

____________

(1) الوسائل 8: 219/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

(2) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

(3) الوسائل 7: 281/ أبواب قواطع الصلاة ب 25.

347

[الثاني: السلام في غير موقعه ساهياً]

الثاني: السلام في غير موقعه ساهياً (1)

____________

(1) كما هو المشهور بين المتأخّرين، بل ادّعي عليه إجماعهم، و إن كانت المسألة خلافية عند القدماء، و لعلّ الأشهر بينهم أيضاً هو الوجوب. و كيف ما كان، فقد استدلّ للوجوب بأُمور:

أحدها: أنّ السلام من مصاديق الكلام، و من ثمّ قد ورد في بعض النصوص أنّ اختتام الصلاة بالكلام (1)، فيشمله كلّ ما دلّ على وجوب السجود للتكلّم سهواً.

و فيه: أنّه و إن كان من مصاديقه لغة إلّا أنّ أدلّة وجوب السجود لعنوان الكلام منصرفة إلى ما عدا أجزاء الصلاة، و السلام من الأجزاء، فلا يكون مشمولًا لتلك الأدلّة.

الثاني: أنّ السلام في غير موقعه زيادة فيشمله ما دلّ على وجوب السجود لكلّ زيادة و نقيصة.

و فيه: أنّه مبنيّ على تسليم الكبرى، و هي في حيّز المنع. بل قد ناقش بعضهم في الصغرى أيضاً بدعوى قيام النصّ على عدم وجوب السجود لخصوص السلام الزائد، و بعد التخصيص لا يكون السلام في غير موقعه من صغرياتها. لكنّه في غير محلّه كما سيجي‌ء، و العمدة منع الكبرى.

الثالث و هو العمدة-: الأخبار، و عمدتها روايتان:

إحداهما: موثّقة عمّار: «عن رجل صلّى ثلاث ركعات و هو يظنّ أنّها أربع فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث، قال: يبني على صلاته متى ما ذكر، و يصلّي ركعة‌

____________

(1) الوسائل 6: 417/ أبواب التسليم ب 1 ح 10.

348

..........

____________

و يتشهّد و يسلّم و يسجد سجدتي السهو، و قد جازت صلاته» (1).

و نوقش فيها بعدم وضوح كون السجدة لأجل السلام الزائد، فلعلّه لأجل التشهّد أو القعود في موضع القيام الزائدين، فقد صدرت منه زيادات، و لم يعلم كون السجود لخصوص السلام.

و يدفعه: أنّ الأمر بالسجود للسهو ظاهر في الوجوب، و لا مقتضي لرفع اليد عن هذا الظهور، و حيث لم يثبت وجوب السجدة للتشهّد و لا للقعود في موضع القيام فيتعيّن أن يكون للسلام.

و بعبارة اخرى: قد صدرت عنه أفعال ثلاثة: التشهّد و القعود و السلام و حيث بنينا على عدم وجوب سجدة السهو للأوّلين و المفروض ظهور الأمر في الوجوب، فضمّهما إلى السلام بعد عدم دخلهما في الوجوب كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، فينحصر أن يكون الموجب للسجود هو السلام.

الثانية: صحيحة العيص: «عن رجل نسي ركعة من صلاته حتّى فرغ منها ثمّ ذكر أنّه لم يركع، قال: يقوم فيركع و يسجد سجدتين» (2).

و نوقش فيها أيضاً بمثل ما مرّ، و مرّ جوابه. و تزيد هذه بمناقشة اخرى و هي أنّه لم يعلم أنّ المراد بالسجدتين سجدتا السهو، و من الجائز أن يراد بهما سجدتا الركعة الأخيرة المتداركة بعد ركوعها.

و تندفع: بأنّ الصحيحة قد وردت بسندين و متنين، أحدهما ما عرفت و الثاني ما أثبته في الوسائل (3)، و قد صرّح هناك بسجدتي السهو، فيكون ذلك قرينة على أنّ المراد بالسجدتين في هذه الصحيحة أيضاً هو ذلك، و يرتفع بها‌

____________

(1) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

(2) الوسائل 8: 200/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 8.

(3) الوسائل 6: 315/ أبواب الركوع ب 11 ح 3.

349

سواء كان بقصد الخروج كما إذا سلّم بتخيّل تمامية صلاته أو لا بقصده (1).

____________

الإجمال (1)، هذا.

و قد يعارض الصحيح و الموثّق بصحيحة ابن مسلم المتقدّمة الواردة في من سلّم ساهياً و تكلّم، حيث قال (عليه السلام): «يتمّ ما بقي من صلاته و لا شي‌ء عليه» (2). لكنّك عرفت أنّ المنفي في قوله (عليه السلام): «و لا شي‌ء عليه» هي الإعادة لا سجدة السهو، و أنّ أولوية التأسيس من التأكيد لا أساس لها كما مرّ، فلا تصلح للمعارضة.

نعم، يعارضهما صحيح الأعرج المصرّح فيه بقول الصادق (عليه السلام): «و سجد سجدتين لمكان الكلام» (3) الظاهر في عدم كون السلام الزائد الصادر منه (صلى اللّٰه عليه و آله) موجباً لسجدتي السهو.

و لكنّك عرفت (4) أنّ الصحيحة غير قابلة للتصديق في نفسها. على أنّها معارضة في موردها بموثّق زرارة المتضمّن لعدم سجود النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) للسهو قط، فلا تنهض للمقاومة مع الروايتين. فالأقوى ما عليه المشهور من الوجوب للسلام الزائد.

(1) فإنّ مورد النصّ و هو الموثّق و الصحيح و إن كان هو التسليم بقصد الخروج لكنّ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي التعميم له و لغيره، أعني ما لو‌

____________

(1) لا يبعد القول بأنّ الروايتين بعد اشتراكهما سنداً في الراوي و المروي عنه، و الاتّحاد في المتن ما عدا كلمة واحدة، و عدم احتمال تعدّد الواقعة، يكونان من قبيل المتباينين لا المجمل و المبيّن.

(2) الوسائل 8: 200/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 9، و قد تقدّمت في ص 342.

(3) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 16.

(4) في ص 340.

350

و المدار على إحدى الصيغتين الأخيرتين، و أمّا «السلام عليك أيّها النبيّ ...» إلخ فلا يوجب شيئاً من حيث إنّه سلام (1)، نعم يوجبه [1] من حيث إنّه زيادة

____________

سلّم غافلًا عن الخروج أو لغاية أُخرى سهواً، إذ أنّ مقتضى المناسبة المزبورة أنّ كلّ سلام يكون عمده مبطلًا فسهوه لا يوجب إلّا سجدة السهو إرغاماً لأنف الشيطان، و لا فرق في السلام العمدي المبطل بين قصد الخروج به و عدمه فكذا في حالة السهو. فلا موجب للاختصاص.

(1) لاختصاص النصّ بالسلام المخرج المنحصر في الصيغتين الأخيرتين. و أمّا الأُولى فهي من توابع التشهّد، و لا يتحقّق به الخروج، فلا يوجب شيئاً من حيث إنّه سلام، بل و لا من حيث إنّه زيادة سهوية، و إن اختار الماتن الوجوب من هذه الناحية.

إذ فيه أوّلًا: أنّ المبنى غير تامّ، و لا نقول بوجوب سجدة السهو لكلّ زيادة و نقيصة كما ستعرف (1).

و ثانياً: مع التسليم فهو مخصّص بالسلام على النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بمقتضى ما ورد من أنّه «كلّ ما ذكرت اللّٰه عزّ و جلّ به و النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فهو من الصلاة» (2) إذ المراد من ذكر النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ليس خصوص الدعاء أو الصلاة عليه، لعدم اختصاص ذلك به (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ضرورة جواز الدعاء لكافّة المؤمنين، و كذا الصلاة على جميع الأوصياء و المرسلين، بل يجوز الدعاء لنفسه و لكلّ شي‌ء، فلا يبقى امتياز له (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) عن غيره، فلا بدّ و أن يراد به ما يعمّ السلام‌

____________

[1] على الأحوط، و الأظهر عدم الوجوب.

____________

(1) في ص 361.

(2) الوسائل 7: 263/ أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2.