موسوعة الإمام الخوئي - ج18

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
410 /
351

سهوية، كما أنّ بعض إحدى الصيغتين كذلك (1) و إن كان يمكن دعوى إيجاب لفظ السلام للصدق، بل قيل [1] إن حرفين منه موجب، لكنّه مشكل إلّا من حيث الزيادة.

____________

ليحصل الامتياز و يحسن تخصيصه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بالذكر، فانّ السلام غير جائز على غيره في الصلاة، و من هنا يشكل التسليم على سائر الأنبياء أثناءها كما سبق في محلّه (1).

فاذا جاز السلام عليه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) حتّى عمداً جاز سهواً أيضاً بطريق أولى، فلا يوجب سجدة السهو، و بذلك يخرج عن تلك الكلّية لو سلّمت.

(1) فلا يوجب شيئاً من حيث السلام، و يوجبه من حيث الزيادة. ثمّ احتمل أن يكون لفظ السلام بمجرّده موجباً للسجود، لصدق عنوان السلام عليه فتجب له سجدة السهو من حيث إنّه سلام، بل حكى عن بعض وجوبها من هذه الناحية لما اشتمل على حرفين منه كقولنا (الس‍) و إن استشكل فيه إلّا من حيث الزيادة.

أقول: إنّ بعض إحدى الصيغتين فضلًا عمّا اشتمل على لفظ السلام فكيف بما اشتمل على حرفين منه ليس من السلام المخرج في شي‌ء، لانحصاره في الصيغة الكاملة، و لا دليل على وجوب السجدة لمطلق السلام و إن لم يكن مخرجاً فأبعاضها بعد عدم تحقّق الخروج بها في حكم العدم من هذه الناحية. كما أنّها لا توجب السجدة من حيث الزيادة أيضاً، لما أشرنا إليه من عدم الدليل على وجوبها لكلّ زيادة و نقيصة.

____________

[1] لا يبعد ذلك، لأنّه كلام بغير ذكر و دعاء و قرآن.

____________

(1) [لم نعثر عليه في مظان وجوده].

352

..........

____________

نعم، تجب سجدتا السهو لحرفين فضلًا عن بعض إحدى الصيغتين من ناحية أُخرى، و هي عنوان التكلّم سهواً، فإنّه بنفسه من الموجبات، و لا ريب في صدقه على ذلك كلّه، فانّ الخارج عنه إنّما هو عنوان الذكر أو الدعاء أو القرآن، و شي‌ء منها غير صادق على المقام، و عليه فلا يبعد وجوب السجدة لصدق التكلّم سهواً على المذكورات.

فإن قلت: أ ليس قد ذكرتم فيما مرّ (1) انصراف الكلام عن الأجزاء، و لأجله منعتم عن الاستدلال لوجوب سجدة السهو للسّلام بكونه من مصاديق الكلام.

قلت: نعم، و لكنّه منصرف عن نفس الجزء، لا عن جزء الجزء الذي هو ليس بجزء حقيقة.

و بعبارة اخرى: مورد الانصراف هو ما يكون بالفعل قابلًا للاتّصاف بالجزئية و إن لم يكن جزءاً فعلياً باعتبار عدم وقوعه في محلّه، و ليس هو إلّا التسليمة الكاملة الواقعة في غير محلّها، فإنّها بنفسها مصداق لذات الجزء بحيث لو وقعت في محلّها لاتّصفت بالجزئية الفعلية، و لأجله قلنا بانصراف الدليل عنه، و أين هذا من جزء الجزء الفاقد فعلًا لهذه القابلية رأساً كما لا يخفى. فلا مانع من شمول إطلاق الدليل لمثله.

و إن شئت فقل: لو أتى ببعض إحدى الصيغتين أو بحرفين من السلام في غير محلّه عامداً فإنّه لا يوجب البطلان و الخروج عن الصلاة بعنوان السلام لحصر المخرج في الصيغة الكاملة و عدم كون بعض الصيغة مخرجاً، و لكنّه مع ذلك موجب للبطلان، لكونه من مصاديق التكلّم المشمول لحديث: «من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة» (2). فهذا التكلّم الذي يكون عمده مبطلًا فسهوه‌

____________

(1) في ص 347.

(2) الوسائل 7: 281/ أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2.

353

[الثالث: نسيان السجدة الواحدة]

الثالث: نسيان السجدة الواحدة [1] إذا فات محلّ تداركها (1) كما إذا لم يتذكّر إلّا بعد الركوع أو بعد السلام [2]، و أمّا نسيان الذكر فيها أو بعض واجباتها الأُخر ما عدا وضع الجبهة فلا يوجب إلّا من حيث وجوبه لكلّ نقيصة.

____________

موجب لسجدة السهو بمقتضى الإطلاق في دليل موجبية التكلّم لها.

فالظاهر وجوب سجدة السهو في المقام، لا لكونه من السلام الزائد، بل لكونه من الكلام الزائد سهواً.

(1) على المشهور شهرة كادت تكون إجماعاً كما في الجواهر (1)، بل عن غير واحد دعوى الإجماع على أنّ نسيان السجدة كما يوجب القضاء يوجب سجود السهو أيضاً. أمّا القضاء فلا إشكال فيه كما سبق في محلّه (2)، و أما سجود السهو فيستدلّ له بوجوه:

منها: مرسلة سفيان بن السمط عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان» (3).

و فيه: مضافاً إلى ضعف الخبر بالإرسال المسقط عن الاستدلال، أنّه لو تمّ لعمّ كلّ نقيصة، فلا يحسن تخصيص السجدة بالذكر و عدّ نسيانها بعنوانها من أحد الموجبات.

____________

[1] على الأحوط.

[2] مرّ الكلام فيه في نسيان السجدة الأخيرة [في المسألة 2019].

____________

(1) الجواهر 12: 300.

(2) في ص 86.

(3) الوسائل 8: 251/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.

354

..........

____________

على أنّ مقتضى ذلك عدم الفرق بين نسيان وضع الجبهة و نسيان غيره ممّا يجب في السجدة كالذكر أو وضع اليدين أو الركبتين و الإبهامين، فانّ كلّ ذلك من مصاديق النقيصة المشمولة للرواية، فلا يتّجه التفكيك بينهما كما صنعه في المتن تبعاً لغيره. فهذا الاستدلال ساقط جزماً.

و منها: صحيحة جعفر بن بشير قال: «سئل أحدهم عن رجل ذكر أنّه لم يسجد في الركعتين الأولتين إلّا سجدة و هو في التشهّد الأوّل، قال: فليسجدها ثمّ لينهض، و إذا ذكره و هو في التشهّد الثاني قبل أن يسلّم فليسجدها ثمّ يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو» (1). رواها البرقي في المحاسن بطريقين في أحدهما رفع و الطريق الآخر صحيح (2).

و فيه: أنّ هذه الصحيحة لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله، إذ لا يمكن الالتزام بمفادها، و ذلك فإنّه فرض فيها أنّه لم يسجد في الركعتين الأولتين إلّا سجدة و تذكّر ذلك في التشهّد الأوّل أو في التشهّد الثاني، فإن كان التذكّر في التشهّد الأوّل فاللّازم عليه الإتيان بالسجدة الثانية من تلك الركعة و قضاء السجدة الثانية من الركعة الأُولى، و إن كان التذكّر في التشهّد الثاني فاللّازم قضاء السجدتين بعد الصلاة، و هذا مخالف لما في الصحيحة. فالرواية ساقطة و لا يمكن الاستدلال بها على شي‌ء.

و منها: مرسلة معلّى بن خنيس قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته ثمّ يسجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و إن ذكرها بعد ركوعه أعاد‌

____________

(1) الوسائل 6: 367/ أبواب السجود ب 14 ح 7.

(2) المحاسن 2: 50/ 1150.

355

..........

____________

الصلاة، و نسيان السجدة في الأولتين و الأخيرتين سواء» (1).

و لكنّها ضعيفة من جهات: أوّلًا من حيث الإرسال.

و ثانياً: أنّ سندها غير قابل للتصديق، فانّ معلى بن خنيس قتل في زمن الصادق و ترحّم (عليه السلام) عليه، فكيف يمكن أن يروي عن أبي الحسن الماضي و هو الكاظم (عليه السلام) سيما بعد توصيفه بالماضي، الظاهر في صدور الرواية عنه (عليه السلام) بعد مضيّه و وفاته.

و ثالثاً: أنّ المفروض تذكّر السجدة قبل الركوع و حصول التدارك في المحلّ فلم تترك السجدة في ظرفها، و لم يتعلّق النسيان بها كي يستوجب سجدة السهو فلو وجبت لكانت من أجل القيام الزائد أو القراءة الزائدة بناءً على القول بوجوبها لكلّ زيادة و نقيصة، فيكون خارجاً عن محلّ الكلام.

و رابعاً: أنّ ذيلها غير قابل للتصديق أيضاً، لوضوح أنّ تذكّر النسيان بعد الركوع لا يستوجب إلّا القضاء، دون البطلان و الإعادة.

و على الجملة: فليس في البين دليل يعتمد عليه في الحكم بوجوب سجدة السهو لنسيان السجدة الواحدة، فيرجع حينئذ إلى أصالة البراءة عن تعلّق الوجوب بها، لكونه شكّاً في تكليف مستقلّ غير مرتبط بالصلاة، فيدفع بالأصل.

بل لا تصل النوبة إلى الأصل، لقيام الدليل على العدم، و هي صحيحة أبي بصير قال: «سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم قال: يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته فاذا انصرف قضاها، و ليس عليه سهو» (2).

____________

(1) الوسائل 6: 366/ أبواب السجود ب 14 ح 5.

(2) الوسائل 6: 365/ أبواب السجود ب 14 ح 4.

356

[الرابع: نسيان التشهّد مع فوت محلّ تداركه]

الرابع: نسيان التشهّد مع فوت محلّ تداركه (1).

____________

فإنّها رويت بطريقين، و أحدهما و إن كان ضعيفاً من أجل محمّد بن سنان (1) لكنّ الطريق الآخر و هو طريق الصدوق إلى ابن مسكان (2) صحيح، و قد دلّت بوضوح على نفي سجود السهو.

و قد حملها الشيخ على أنّ المراد أنّ هذا خارج عن حدّ السهو، لأنّه قد ذكر السجدة الفائتة و قضاها، فلا ينافي الحكم بوجوب سجدة السهو (3).

و هو كما ترى، ضرورة أنّ كلمة «على» في قوله (عليه السلام): «و ليس عليه سهو» ظاهرة في التكليف، فيكون مفادها أنّه ليس على عهدته شي‌ء، و مقتضاه نفي سجود السهو، فكيف يجتمع مع وجوبه. فلا ينبغي التأمّل في صراحة الصحيحة في المطلوب.

و يؤيّدها رواية محمّد بن منصور: «سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شكّ فيها، فقال: إذا خفت أن لا تكون وضعت وجهك إلّا مرّة واحدة فإذا سلّمت سجدت سجدة واحدة و تضع وجهك مرّة واحدة، و ليس عليك سهو» (4).

فتحصّل: أنّ الأقوى عدم وجوب سجدة السهو في نسيان السجدة و لا يجب إلّا القضاء للأصل، مضافاً إلى النصّ، و إن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

(1) على المشهور و المعروف، حيث رتّبوا على نسيان التشهّد حكمين:

____________

(1) و هو طريق الشيخ في التهذيب 2: 152/ 598.

(2) الفقيه 1: 228/ 1008.

(3) التهذيب 2: 155 ذيل ح 608.

(4) الوسائل 6: 366/ أبواب السجود ب 14 ح 6.

357

و الظاهر أنّ نسيان بعض أجزائه أيضاً كذلك [1] (1) كما أنّه موجب للقضاء أيضاً كما مرّ.

____________

القضاء و سجدتي السهو. أمّا القضاء فقد عرفت فيما مرّ (1) عدم الدليل على وجوبه، بل يكتفى بالتشهّد الذي تشتمل عليه سجدتا السهو كما نطق به النصّ و لا نعيد.

و أمّا سجدة السهو فتدلّ عليها جملة من النصوص التي منها صحيحة سليمان ابن خالد: «عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين، فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس، و إن لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة حتّى إذا فرغ فليسلّم و ليسجد سجدتي السهو» (2)، و نحوها صحيحة ابن أبي يعفور (3)، فانّ المراد بالجلوس المنسي الجلوس للتشهّد كما لا يخفى، و هما صريحتان في الوجوب فيما إذا كان التذكّر بعد الدخول في الركوع، الذي يفوت معه محلّ التدارك.

(1) فانّ بعض النصوص و إن كان قاصر الشمول لذلك كالصحيحتين المتقدّمتين حيث إنّ ظاهرهما نسيان الجلوس من أصله الملازم لنسيان التشهّد رأساً، فلا يعمّ نسيان الأبعاض، إلّا أنّ بعضها الآخر غير قاصر الشمول، لتضمّنها الإطلاق كما في موثّقة أبي بصير قال: «سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد، قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما» (4) و نحوها صحيحة الحلبي (5).

فانّ التشهّد اسم للمجموع المركّب من الشهادتين أو مع الصلاة على النبيّ‌

____________

[1] على الأحوط فيه و في إيجابه القضاء.

____________

(1) في ص 99، 310.

(2) الوسائل 6: 402/ أبواب التشهد ب 7 ح 3، 4.

(3) الوسائل 6: 402/ أبواب التشهد ب 7 ح 3، 4.

(4) الوسائل 6: 403/ أبواب التشهّد ب 7 ح 6.

(5) الوسائل 6: 406/ أبواب التشهّد ب 9 ح 3.

358

[الخامس: الشكّ بين الأربع و الخمس بعد إكمال السجدتين]

الخامس: الشكّ بين الأربع و الخمس بعد إكمال السجدتين كما مرّ سابقاً (1).

[السادس: للقيام في موضع القعود أو العكس]

السادس: للقيام في موضع القعود أو العكس [1] (2)

____________

(صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، و من المعلوم أنّ المركّب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه فعند نسيان البعض يصدق حقيقة أنّه نسي التشهّد، كما في نسيان الكلّ، و لذا لو نسي ركناً من صلاته و تذكّر بعد خروج الوقت يصح أن يقال إنّه نسي الصلاة فيشمله إطلاق النصّ المتضمّن لترتّب الحكم على نسيان التشهّد، الصادق في كلتا الصورتين. اللّٰهمّ إلّا أن يدّعى الانصراف كما لا يبعد، و من ثمّ كان الحكم مبنياً على الاحتياط.

(1) فيسجد سجدتي السهو للزيادة المحتملة، للنصوص الدالّة عليه كما مرّ التعرّض لذلك مستقصى في بحث الشكوك (1) فلاحظ.

(2) على المشهور، بل ادّعي عليه الإجماع في بعض الكلمات. و تدلّ عليه صريحاً صحيحة معاوية بن عمّار: «عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود أو يقعد في حال قيام، قال: يسجد سجدتين بعد التسليم، و هما المرغمتان، ترغمان الشيطان» (2). سمّيتا بالمرغمتين لأنّ السهو من الشيطان، و حيث إنّه امتنع من السجود فيسجد رغماً لأنفه. و كيف ما كان، فهي صريحة في المطلوب.

و ربما يستدلّ أيضاً بموثّقة عمّار: «عن السهو ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: إذا أردت أن تقعد فقمت، أو أردت أن تقوم فقعدت، أو أردت أن تقرأ‌

____________

[1] على الأحوط، و الأظهر عدم الوجوب لكلّ زيادة و نقيصة، و رعاية الاحتياط أولى.

____________

(1) في ص 198.

(2) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 1.

359

..........

____________

فسبّحت، أو أردت أن تسبّح فقرأت فعليك سجدتا السهو ...» إلخ (1).

و هي في نفسها و إن كانت صريحة في المدّعى لكن يعارضها قوله في الذيل: «و عن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام، ثمّ ذكر من قبل أن يقدم شيئاً أو يحدث شيئاً، فقال: ليس عليه سجدتا السهو حتّى يتكلّم بشي‌ء ...» إلخ، حيث دلّت على أنّ القيام في موضع القعود بمجرّده لا يوجب السجود إلّا أن يتكلّم، سواء أُريد به الكلام الخارجي كما استظهرناه سابقاً (2) أو القراءة و التسبيح كما قيل فيتنافى مع الصدر الدالّ على أنّ ذلك بمجرّده من الموجبات. فهي لا تخلو عن التشويش الموجب للإجمال، فتسقط عن صلاحية الاستدلال.

و العمدة هي الصحيحة. إلّا أنّه تعارضها روايات اخرى ظاهرة في عدم الوجوب كصحيحة الحلبي: «إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس و تشهّد و قم فأتمّ صلاتك، و إن أنت لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك حتّى تفرغ، فاذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم» (3)، و بمضمونها صحيحة الفضيل (4).

فقد فصّل (عليه السلام) بين التذكّر قبل الركوع و التذكّر بعده، و حكم في الشقّ الثاني بوجوب سجدة السهو، و من المعلوم أنّ التفصيل قاطع للشركة فيظهر من ذلك عدم الوجوب في الشقّ الأوّل، مع أنّ المفروض هناك القيام في موضع القعود سهواً، فلو كان ذلك من الموجبات و كان السجود واجباً عليه‌

____________

(1) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

(2) في ص 339.

(3) الوسائل 6: 406/ أبواب التشهد ب 9 ح 3.

(4) الوسائل 6: 405/ أبواب التشهد ب 9 ح 1.

360

..........

____________

أيضاً لما اتّجه التفصيل بينهما كما لا يخفى.

و أوضح منهما رواية أُخرى للحلبي و إن كانت ضعيفة السند بطرقها الثلاثة من أجل محمّد بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهّد، قال: يرجع فيتشهّد، قلت: أ يسجد سجدتي السهو، فقال: لا، ليس في هذا سجدتا السهو» (1).

و قد تضمّنت التصريح بنفي السجدة، مع أنّ إطلاقها يشمل ما لو كان المنسي التشهّد الأوّل و قد قام إلى الركعة الثالثة. فحكمه (عليه السلام) بالرجوع نافياً للسجدة يدلّ على عدم كون القيام في موضع القعود من الموجبات، نعم لا بدّ من تقييد الإطلاق بما إذا لم يكن التذكّر بعد الدخول في الركوع، و إلّا فلا رجوع حينئذ، بل يسجد السجدتين بعد الصلاة بمقتضى النصوص المتقدّمة و غيرها.

و أوضح منها صحيحة أبي بصير المتقدّمة سابقاً (2) التي عرفت أنّها مرويّة بطريقين أحدهما صحيح فتصلح للاستدلال و إن كان طريقها الآخر ضعيفاً بمحمّد بن سنان قال: «سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم، قال: يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته فاذا انصرف قضاها، و ليس عليه سهو» (3)، فانّ المفروض فيها القيام في موضع القعود، و قد حكم (عليه السلام) صريحاً بنفي سجدة السهو، و إن وجب عليه القضاء في إحدى الصورتين.

و على الجملة: فهذه النصوص ظاهرة بل صريحة في نفي سجدة السهو لمجرّد القيام في موضع القعود، فتكون معارضة لصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة‌

____________

(1) الوسائل 6: 406/ أبواب التشهد ب 9 ح 4.

(2) في ص 355.

(3) الوسائل 6: 365/ أبواب السجود ب 14 ح 4.

361

بل لكلّ زيادة و نقيصة لم يذكرها في محلّ التدارك (1).

____________

الظاهرة في الوجوب، و مقتضى الجمع هو الحمل على الاستحباب، فيكون الحكم مبنيّاً على الاحتياط حذراً عن مخالفة المشهور.

(1) ذكر (قدس سره) أنّ من موجبات سجود السهو كلّ ما زاد في صلاته أو نقص سهواً، و يشترط في النقيصة أن لا يذكرها في المحلّ، و إلّا فمع التذكّر و التدارك لا يجب السجود من ناحية النقص بلا إشكال.

و كيف ما كان، فعدّ ذلك من الموجبات لم يكن معروفاً بين القدماء من الأصحاب، بل لم يعرف له قائل منهم و إن نسبه الشيخ (قدس سره) إلى بعض أصحابنا (1)، و لذا اعترف الشهيد (قدس سره) في الدروس بعد نقل ذلك عنه بأنّه لم يظفر بقائله (2) نعم، ذكر ذلك جماعة من المتأخّرين كالعلّامة (3) و من تأخّر عنه و منهم الشهيد (قدس سره) نفسه في كتاب الذكرى (4).

و على أيّ حال فقد استدلّ له بما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سفيان بن السمط عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان» (5).

و نوقش في سندها تارة من حيث الإرسال، و أُخرى من حيث جهالة سفيان.

و أُجيب عن الأوّل بعدم الضير فيه بعد أن كان المرسل مثل ابن أبي عمير‌

____________

(1) الخلاف 1: 259 المسألة 202.

(2) الدروس 1: 207.

(3) التذكرة 3: 349 المسألة 360.

(4) الذكرى 4: 90.

(5) الوسائل 8: 251/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.

362

..........

____________

الذي قيل في حقّه: إنّه لا يرسل و لا يروي إلّا عن ثقة و إنّ مراسيله كمسانيد غيره.

و عن الثاني: تارة بأنّ ابن أبي عمير قد روى في موضع آخر عن سفيان نفسه بلا واسطة، و هو في كتاب الزيّ و التجمّل من الكافي (1)، و حيث إنّه لا يروي إلّا عن ثقة كما عرفت فروايته عنه توثيق له.

و أُخرى بأنّه من أصحاب الإجماع الذي ادّعى الكشي الاتّفاق على تصحيح ما يصحّ عنهم (2). فجهالته غير قادحة بعد اشتمال السند على مَن هو من أصحاب الإجماع المتّفق على العمل برواياتهم و عدم النظر في من بعدهم.

أقول: و الكلّ كما ترى. أمّا الجواب الأوّل و دعوى أنّ ابن أبي عمير لا يرسل و لا يروي إلّا عن الثقة فالأصل في هذه الدعوى هو الشيخ في كتاب العدة حيث ادّعى تسوية الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير و صفوان و أحمد بن محمّد بن أبي نصر و أضرابهم ممّن عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلّا عن ثقة، و بين ما أسنده غيرهم (3). و تبعه في ذلك من تبعه ممّن تأخّر عنه، و لم يوجد من هذه الدعوى في كلمات المتقدّمين عليه عين و لا أثر.

و الظاهر أنّ هذا اجتهاد منه استنبطه من دعوى الكشي الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، فتخيّل أنّ هذا توثيق للرواة و أنّ منشأ الإجماع هو أنّ هؤلاء لا يروون إلّا عن ثقة، و إلّا فلو كان أمراً ثابتاً في نفسه و معروفاً متسالماً عليه بين الأصحاب لذكره غيره، و لم يذكر كما مرّ.

و لكنّه بمراحل عن الواقع، و الإجماع يشير إلى معنى آخر كما ستعرف.

____________

(1) الكافي 6: 504/ 1.

(2) رجال الكشي: 556/ 1050.

(3) عدّة الأُصول 1: 58 السطر 7.

363

..........

____________

و يكشف عمّا ذكرناه من الاجتهاد أنّه (قدس سره) عطف على الثلاثة المذكورين قوله: و أضرابهم، فإلى من يشير بالإضراب غير أصحاب الإجماع؟ و لم يدّع أحد تلك الدعوى في حقّ غير هؤلاء الثلاثة، و الشيخ بنفسه أيضاً لم يدّع ذلك.

و ممّا يدلّ على أنّه اجتهاد رجوعه عنه بنفسه، حيث إنّه ناقش في رواية ابن أبي عمير في بعض الموارد (1) بقوله في كلا الكتابين: فأوّل ما فيه أنّه مرسل، و ما هذا سبيله لا يعارض به الأخبار المسندة. و كذا في رواية عبد اللّٰه بن المغيرة (2) و غيره من أصحاب الإجماع. فلو تمّت تلك الدعوى و كانت من المتسالم عليها فكيف التوفيق بينها و بين هذه المناقشة.

و يزيدك وضوحاً في بطلان الدعوى من أصلها أنّ ابن أبي عمير روى عن عدّة أشخاص ضعّفهم الشيخ بنفسه و كذا النجاشي كعلي بن أبي حمزة البطائني و الحسين بن أحمد المنقري و علي بن حديد و يونس بن ظبيان، و هكذا في صفوان و ابن أبي نصر. و ليت شعري مع تصريح الشيخ بضعف هؤلاء كيف يدّعي أنّهم لا يروون و لا يرسلون إلّا عن ثقة. فإذا ثبتت رواية ابن أبي عمير و غيره عن الضعيف و لو في مورد واحد أمّا عن المجهول فكثير جدّاً فمن الجائز عند روايته عن رجل مرسلًا أن يكون المراد به هو ذاك الضعيف، و لا دافع لهذا الاحتمال، فتكون الرواية من قبيل الشبهة المصداقية.

و بعين هذه المناقشة ناقش المحقّق في المعتبر في آداب الوضوء بالنسبة إلى مراسيل ابن أبي عمير (3)، و نعم ما تفطّن له.

____________

(1) منها ما في التهذيب 8: 257 ذيل ح 932 و الاستبصار 4: 27 ذيل ح 87.

(2) التهذيب 1: 415 ذيل ح 1309، الاستبصار 1: 7 ذيل ح 6.

(3) المعتبر 1: 165.

364

..........

____________

و على الجملة: فهذه الدعوى ساقطة جزماً و غير قابلة للتصديق. فالمناقشة الاولى متينة و في محلّها، و لا مدفع عنها.

و منه تعرف ما في الجواب الأوّل عن المناقشة الثانية، فإنّه لم يثبت أنّ ابن أبي عمير لا يروي إلّا عن ثقة، بل ثبت عدمه بشهادة الشيخ و النجاشي كما عرفت. إذن فروايته عن سفيان بلا واسطة لا تدلّ على توثيقه بوجه.

و أمّا الجواب الثاني: أعني كونه من أصحاب الإجماع الذي ادّعاه الكشي على تصحيح ما يصحّ عنهم، ففيه: أنّه لم يثبت أنّ معقد الإجماع تصحيح الرواية عن المعصوم (عليه السلام) و توثيق كلّ من وقع في السند كما صرح به غير واحد من علمائنا.

بل مرجع الإجماع إلى دعوى الاتّفاق على أنّ هؤلاء الجماعة البالغ عددهم ثمانية عشر، بعضهم من أصحاب الباقر، و بعضهم من أصحاب الصادقين، و بعضهم من أصحاب من بعدهما، و هم في طبقات ثلاث كلّ طبقة ستة لمكان جلالتهم و عظم شأنهم و معلومية وثاقتهم بل عدالتهم مصدّقون فيما يخبرون و لا يغمزون فيما يدّعون، و أنّ السند متى بلغ إليهم فلا يتأمّل في تصديقهم في الإخبار عن الراوي الذي ينقلون عنه، لا في الإخبار عن المعصوم (عليه السلام).

فالرواية صحيحة عنهم لا عن المعصومين (عليهم السلام) بحيث لو رووا عن معلوم الكذب يؤخذ بالرواية، إذ من الواضح أنّ روايتهم عن مثله لا تزيد على العلم الوجداني، فلو سمعناها من نفس الكاذب مباشرة لا نأخذ بها، أ فهل ترى جواز الأخذ عنه بمجرّد توسط هؤلاء، و هل يحتمل أن يكون التعبّد أعظم شأناً من العلم الوجداني.

و بالجملة: لا ينبغي التأمّل في عدم كون المراد من تصحيح ما يصحّ عن الجماعة تصحيح الرواية إلى الصادق (عليه السلام) ليدلّ على توثيق من وقع في‌

365

..........

____________

السند أو عدم النظر إلى من بعدهم من ضعيف أو مجهول، بل المراد تصديقهم بأنفسهم لرفعة شأنهم و علوّ مقامهم، و أين هذا من لزوم غضّ النظر عمّن يروون عنه.

و ممّا يؤكِّد ذلك أنّه لم يوجد في كلام أي فقيه من القدماء أو المتأخّرين الحكم بصحّة الرواية لمجرّد أنّ في سندها ابن أبي عمير أو صفوان أو غيرهما من أصحاب الإجماع.

و يؤكِّده أيضاً أنّ هذه الرواية أعني رواية سفيان بن السمط لو كانت معتبرة من أجل اشتمال السند على ابن أبي عمير فلما ذا لم يوجد قائل بمضمونها من القدماء، حتّى أنّ الشهيد نفى الظفر على القائل المجهول الذي حكى عنه الشيخ كما سمعت، فلو كانت موصوفة بالصحّة بمقتضى تصحيح ما يصحّ عن جماعة لأفتى على طبقها و لو فقيه واحد من أصحابنا الأقدمين. فالرواية مهجورة غير معمول بها، و ليس السرّ إلّا ما عرفت من عدم وزن لها في سوق الاعتبار.

و مع الغضّ عن كلّ ذلك و تسليم تفسير الإجماع المدّعى في كلام الكشي على تصحيح ما يصحّ عن جماعة بإرادة التوثيق لمن يقع في السند و تصحيح الرواية نفسها حسبما يراه القوم، فغايته أنّه إجماع منقول بخبر الواحد، و ليس بحجّة.

فالإنصاف: أنّ هذه الرواية محكومة بالضعف، لقوّة المناقشتين، و عدم المدفع عنهما. فلا تصلح للاستدلال.

و ربما يستدلّ أيضاً بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً، أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلم، و اسجد سجدتين بغير ركوع ...» إلخ (1)، فانّ المراد تعلّق النقص أو الزيادة بالأفعال دون‌

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

366

..........

____________

الركعات، و إلّا فهي محكومة بأحكام الشكوك كما هو ظاهر.

و غير خفي أنّ الاستدلال بها يتوقّف على أحد أمرين:

أحدهما: أن تكون جملة «أم نقصت ...» إلخ عطفاً على فعل الشرط أعني «لم تدر» فيكون المعنى هكذا: إذا نقصت أم زدت ... إلخ، و تكون النتيجة وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة.

ثانيهما: أن تكون الجملة عطفاً على المعمول أعني «أربعاً» ليرد عليها فعل الشرط و يكون طرف احتمال النقصان عدمه، كما أنّ طرف الزيادة عدمها، فيرجع المعنى إلى قولنا: إذا لم تدر نقصت أم لا، أو لم تدر زدت أم لا، فعليك سجدتا السهو.

فتكون الصحيحة حينئذ ناظرة إلى صورة الشكّ في كلّ من الزيادة و النقيصة فاذا ثبت وجوب السجدة في صورة الشكّ ثبت في صورة العلم بالسهو بطريق أولى. إذن فكلّ واحد من الأمرين كافٍ في إثبات المطلوب، هذا.

و لكن في البين احتمالًا ثالثاً لعلّه الأظهر بحسب المتفاهم العرفي، و هو أن تكون الجملة عطفاً على المعمول، و يكون طرف احتمال النقصان هو الزيادة، لا عدمه كما كان في الاحتمال الثاني، فتكون الصحيحة ناظرة إلى فرض العلم الإجمالي و الدوران بين الزيادة و النقيصة لا إلى صورة الشكّ، و ستعرف أنّ العلم بأحدهما إجمالًا من موجبات سجود السهو كما تضمّنته النصوص الآتية.

و حينئذ فلا موجب للتعدّي إلى صورة العلم التفصيلي الذي هو محلّ الكلام فإنّه قياس محض، و الأولوية ممنوعة هنا كما لا يخفى، فتدبّر جيّداً.

و هذا الاحتمال هو الأظهر، حيث إنّ لفظة «أم» لا تستعمل غالباً إلّا في موارد العلم الإجمالي كما مرّ سابقاً (1)، و لا أقلّ من تكافئه مع الاحتمالين المتقدّمين‌

____________

(1) لاحظ ما ذكره في ص 173.

367

..........

____________

فيورث الإجمال المسقط عن الاستدلال.

و قد يستدلّ أيضاً بقوله (عليه السلام) في موثّقة عمّار: «إذا أردت أن تقعد فقمت، أو أردت أن تقوم فقعدت، أو أردت أن تقرأ فسبّحت، أو أردت أن تسبّح فقرأت فعليك سجدتا السهو ...» إلخ (1).

فإنّها و إن كانت بالإضافة إلى القراءة و التسبيح معارضة مع الذيل المتضمّن لعدم السجود ما لم يتكلّم، فلم تكن خالية عن التشويش من هذه الناحية، إلّا أنّها بالنسبة إلى القيام و القعود صريحة في المطلوب، و يتمّ فيما عداهما من سائر الزيادات بعدم القول بالفصل.

و فيه: أنّه بعد تسليم الدلالة فهي كالصحيحة المتقدّمة، معارضتان بما ورد في نسيان السجدة كصحيحة أبي بصير (2) و في نسيان التشهّد كصحيحتي الحلبي (3) من أنّه يرجع و يتدارك المنسي لو كان التذكّر قبل الركوع و ليس عليه سجود السهو، مع أنّ لازم الرجوع زيادة القيام في موضع القعود سهواً.

و تعارضهما أيضاً عدّة من النصوص المتضمّنة أنّ من أتمّ سهوه فليس عليه سهو، أي من تذكّر و تدارك النقص الناشئ من السهو فليس عليه سجدتا السهو مع أنّ التدارك لا ينفكّ عن الزيادة في القيام، كقوله (عليه السلام) في موثّق عمّار: «و ليس في شي‌ء ممّا يتمّ به الصلاة سهو» (4) و صحيحة الفضيل بن يسار: «من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو، و إنّما السهو على من لم يدر أزاد‌

____________

(1) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

(2) الوسائل 6: 365/ أبواب السجود ب 14 ح 4، و قد تقدمت في ص 355.

(3) الوسائل 6: 406/ أبواب التشهد ب 9 ح 3، 4، و قد تقدّمتا في ص 359، 360 [لكن الثانية منهما ضعيفة السند كما صرّح به هناك فلاحظ].

(4) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

368

و أمّا النقيصة مع التدارك فلا توجب (1). و الزيادة أعمّ من أن تكون من الأجزاء الواجبة أو المستحبّة (2) كما إذا قنت في الركعة الأُولى مثلًا أو في غير محلّه من الثانية، و مثل قوله: «بحول اللّٰه» في غير محلّه، لا مثل التكبير أو

____________

في صلاته أم نقص منها» (1)، و نحوها موثّقة سماعة (2).

و قد دلّت الأخيرتان على وجوب السجدة على من علم إجمالًا بالزيادة أو النقيصة، و من هنا نلتزم بذلك في هذا المورد لصراحة النصّ، دون العلم التفصيلي لعدم الدليل على التعدّي فإنّه قياس، و الأولوية ممنوعة كما مرّ.

نعم، الحصر المستفاد منهما إضافي أي بالنسبة إلى مَن تذكّر و أتمّ سهوه و ليس بحقيقي، فلا ينافي وجوب السجود في مورد آخر كما في نسيان السلام أو التشهّد.

و كيف ما كان، فهذه النصوص تعارض الموثّقة و الصحيحة المتقدّمتين، و مقتضى الجمع هو الحمل على الاستحباب. فما عليه المشهور من نفي وجوب السجدة لكلّ زيادة و نقيصة هو الأظهر، و إن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

(1) لا من ناحية النقص إذ لا موضوع له بعد حصول التدارك، و لا من ناحية الزيادة الناشئة من قبل التدارك، لما مرّ قريباً من دلالة جملة من النصوص على أنّه لا سهو على من أتمّ السهو، الظاهرة في النفي المطلق، مع وضوح عدم انفكاك الإتمام و التدارك عن نوع من الزيادة فلاحظ.

(2) أفاد (قدس سره) أنّ الزيادة الموجبة لسجود السهو عامّة للأجزاء الواجبة و المستحبّة فيما إذا صدق على الجزء الاستحبابي عنوان الزيادة، كما في القنوت و ذكرِ «بحول اللّٰه» الواقعين في غير المحلّ، دون مثل التكبير أو التسبيح‌

____________

(1) الوسائل 8: 238/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 6، 8.

(2) الوسائل 8: 238/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 6، 8.

369

التسبيح إلّا إذا صدق عليه الزيادة كما إذا كبّر بقصد تكبير الركوع في غير محلّه، فانّ الظاهر صدق الزيادة عليه، كما أنّ قوله: «سمع اللّٰه لمن حمده» كذلك. و الحاصل: أنّ المدار على صدق الزيادة. و أمّا نقيصة المستحبّات فلا توجب حتّى مثل القنوت، و إن كان الأحوط عدم الترك في مثله إذا كان من عادته الإتيان به دائماً

____________

و نحوهما من مطلق الذكر، إلّا إذا اقترن بخصوصية أوجبت صدق الزيادة كما لو كبّر بقصد تكبير الركوع في غير محلّه. و أفاد أخيراً أنّ نقيصة المستحبّات لا توجب شيئاً.

أقول: أمّا ما أفاده أخيراً في النقص فظاهر الوجه، فانّ المستفاد من الأدلّة و لو بمناسبات الحكم و الموضوع سيما بملاحظة ما دلّ على كون الحكمة في تشريع السجدة إرغام أنف الشيطان أنّ النقص السهوي إنّما يوجب السجود فيما إذا كان عمده مبطلًا، فلا يشمل مثل المستحبّات التي يجوز تركها عامداً، و هذا واضح.

و أمّا ما أفاده (قدس سره) من ناحية الزيادة فإنّما يتّجه بناءً على ما سلكه (قدس سره) من معقولية الجزء الاستحبابي كما يظهر من غير واحدة من كلماته إذ لو سلّمنا وجوب السجدة لكلّ زيادة و نقيصة استناداً إلى مرسلة سفيان بن السمط المتقدّمة (1) فلا قصور في شمول الإطلاق للأجزاء الواجبة و المستحبّة فإنّ زيادة الجزء الاستحبابي عمداً مبطلة حينئذ كالوجوبي، أخذاً بإطلاق قوله (عليه السلام): من زاد في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة (2)، فاذا كان عمده مبطلًا كان سهوه موجباً للسجود.

____________

(1) في ص 361.

(2) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

370

و الأحوط عدم تركه في الشكّ [1] في الزيادة أو النقيصة (1).

____________

و أمّا بناءً على عدم المعقولية، لمنافاة الجزئية مع الاستحباب، سواء أُريد به الجزء من الماهية أو من الفرد كما تكرّر منّا في مطاوي هذا الشرح (1) و في المباحث الأُصولية (2) و أنّ ما يتراءى منه ذلك فهو لدى التحليل مستحبّ ظرفه الواجب من دون علاقة بينهما و ارتباط عدا علاقة الظرفية، غايته أنّه يوجب فضيلة و مزيّة للطبيعة المشتملة عليه، كما في الأدعية الواردة في نهار شهر رمضان فبناءً على هذا المبنى و هو الصحيح لا يصدق على ذاك المستحبّ عنوان الزيادة في الصلاة، لاقتضاء هذا الوصف مشاركة الزائد مع المزيد عليه في الجزئية كما لا يخفى، فلا يكون سهوه موجباً للسجود حتّى بناءً على وجوبه لكلّ زيادة و نقيصة، لانتفاء الموضوع حسبما عرفت. كما أنّ عمده أيضاً لا يوجب البطلان إذا كان واقعاً في غير المحلّ، غايته أن يكون حينئذ من التشريع المحرّم، فلا يترتّب عليه إلّا الإثم.

(1) نسب إلى الصدوق في الفقيه (3) و العلّامة في المختلف (4) و الشهيد في الروض (5) و غيرهم وجوب سجدة السهو لمجرّد الشكّ في الزيادة أو الشكّ في النقيصة، خلافاً للمشهور المنكرين للوجوب حيث لم يعدّوا ذلك من موجبات السجود.

____________

[1] و إن كان الأظهر جوازه.

____________

(1) منها ما تقدّم في ص 3.

(2) مصباح الأُصول 3: 300.

(3) الفقيه 1: 225 ذيل ح 993.

(4) المختلف 2: 421 المسألة 297.

(5) الروض: 354 السطر 1.

371

..........

____________

و يستدلّ للوجوب بطائفة من الأخبار فيها الصحيح و الموثّق، و قد تقدّمت هذه الروايات سابقاً و لا بأس بإعادتها.

فمنها: صحيحة زرارة «إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس، و سمّاهما رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) المرغمتين» (1).

و صحيحة الحلبي: «إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً، أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلم، و اسجد سجدتين بغير ركوع ...» إلخ (2). و قد مرّ سابقاً (3) أنّ الظاهر من الصحيحة أن يكون قوله: «أم نقصت» عطفاً على المعمول أعني أربعاً، لا على فعل الشرط كي تكون أجنبية عمّا نحن فيه.

و صحيحة الفضيل بن يسار: «من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو، و إنّما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها» (4).

و موثّقة سماعة قال «قال: من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو إنّما السهو على من لم يدر أزاد أم نقص منها» (5).

و هذه الأخبار المتّحدة في المفاد مطلقة من حيث تعلّق الشكّ بالأفعال أو بأعداد الركعات فقالوا: إنّها تدلّ على وجوب السجود لمجرّد الشكّ في أنّه زاد أم لا، أو الشكّ في أنّه نقص أم لا.

أقول: إن أُريد دلالة هذه الأخبار على وجوب السجدة لمجرّد الشكّ البحت‌

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 2.

(2) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

(3) في ص 366.

(4) الوسائل 8: 238/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 6.

(5) الوسائل 8: 239/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 8.

372

..........

____________

المتعلّق بأصل الزيادة أو المتعلّق بأصل النقيصة، بحيث يكون طرف الشكّ في الزيادة عدمها كما في النقيصة، من دون علم بأحد الأمرين.

ففيه: أنّ المقتضي في نفسه قاصر، لقصور هذه الروايات عن الدلالة على ذلك، فانّ ظاهرها التردّد بين الأمرين، و فرض شكّ وحداني تعلّق أحد طرفيه بالزيادة و الآخر بالنقيصة، فهي ناظرة إلى صورة الشبهة المقترنة بالعلم الإجمالي لا الشبهة المحضة و فرض شكّين بدويين أحدهما في الزيادة و عدمها و الآخر في النقص و عدمه كما هو مبنى الاستدلال، هذا.

مضافاً إلى أنّ صحيحة الحلبي صريحة في نفي الوجوب، قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل سها فلم يدر سجدة سجد أم ثنتين، قال: يسجد اخرى، و ليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو» (1)، فانّ موردها الشكّ في السجدة الثانية قبل تجاوز المحلّ، و قد حكم (عليه السلام) بالتدارك و الإتيان بسجدة أُخرى، غير المنفكّ حينئذ عن احتمال الزيادة و الشكّ فيها كما لا يخفى، فإنّه إن لم يتدارك فهو شاكّ في النقيصة، و إن تدارك فهو شاكّ في الزيادة و مع ذلك فقد صرّح (عليه السلام) بنفي سجود السهو بعد انقضاء الصلاة. فيكشف عن أنّ مجرّد الشكّ ليس من الموجبات.

و نحوها رواية محمّد بن منصور: «إذا خفت أن لا تكون وضعت وجهك إلّا مرّة واحدة فإذا سلّمت سجدت سجدة واحدة و تضع وجهك مرّة واحدة، و ليس عليك سهو» (2)، فانّ الخوف مرتبة راقية من الاحتمال، و لا يخرج عن الشكّ، و قد حكم (عليه السلام) بالقضاء المحمول على فرض عروض الشكّ بعد تجاوز المحلّ بالدخول في الركوع، و إلّا فقبله يجب التدارك في المحلّ، و المحمول أيضاً‌

____________

(1) الوسائل 6: 368/ أبواب السجود ب 15 ح 1.

(2) الوسائل 6: 366/ أبواب السجود ب 14 ح 6.

373

..........

____________

على الاستحباب، و إلّا فلا يجب القضاء لدى الشكّ عملًا بقاعدة التجاوز.

و كيف ما كان، فاقتصاره (عليه السلام) على القضاء نافياً لسجود السهو مع فرض الشكّ في النقص صريح في المطلوب، هذا.

مع أنّ جميع الروايات الواردة في باب الشكّ في السجود المتضمّنة لعدم الاعتناء فيما إذا عرض الشكّ بعد التجاوز أو الفراغ دليل على المطلوب، إذ هي في مقام البيان، فلو كانت السجدة واجبة لزم التنبيه عليه، فمن عدم التعرّض و إطلاق الحكم بعدم الاعتناء بالشكّ يستكشف عدم الوجوب، هذا.

مع أنّ جميع الروايات الواردة في باب قاعدتي الفراغ و التجاوز دليل آخر على المطلوب، بناءً على ما هو الصحيح من كون القاعدتين من الأمارات، إذ عليه يكون الشاكّ المزبور عالماً في نظر الشارع و مأموراً بإلغاء احتمال الخلاف فلا موضوع للشكّ بعدئذ كي يكون موجباً للسجدة.

و إن أُريد دلالة هذه الأخبار على الوجوب في مورد الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي كما لا يبعد أن يكون مراد القائلين بالوجوب هو ذلك فحقّ لا محيص عنه حسبما عرفت، غير أنّه لا بدّ من تقييد الأخبار حينئذ بما إذا لم يكن الشكّ متعلّقاً بالأعداد و لا بالأركان، لبطلان الصلاة حينئذ، من جهة العلم الإجمالي بزيادة ركعة أو ركن أو نقيصتهما.

و من المعلوم أنّ سجدة السهو المجعولة لإرغام الشيطان إنّما تشرع في صلاة محكومة بالصحّة دون البطلان، فهي محمولة على ما إذا كان الشكّ متعلّقاً بزيادة جزء غير ركني أو نقيصته كالسجدة الواحدة، أو زيادة جزء ركني أو نقص غير الركن أو العكس، كما لو علم إجمالًا أنّه إمّا زاد ركوعاً أو نقص قراءة و نحو ذلك، بحيث تكون الصلاة محكومة بالصحّة بمقتضى قاعدة الفراغ.

و على الجملة: فهذه الروايات بعد التقييد المزبور ظاهرة الدلالة على الوجوب‌

374

[مسألة 2: يجب تكرّره بتكرر الموجب سواء كان من نوع واحد أو أنواع]

[2103] مسألة 2: يجب تكرّره بتكرر الموجب سواء كان من نوع واحد أو أنواع. و الكلام الواحد موجب واحد و إن طال، نعم إن تذكّر ثمّ عاد تكرّر. و الصيغ الثلاث للسّلام موجب واحد، و إن كان الأحوط التعدّد. و نقصان التسبيحات الأربع موجب واحد، بل و كذلك زيادتها و إن أتى بها ثلاث مرّات (1).

____________

في الفرض المذكور، قويّة السند كما عرفت، فلا مانع من الأخذ بها و الحكم بوجوب سجدة السهو لدى العلم الإجمالي بالزيادة أو النقص، عدا إعراض المشهور عنها.

فان بنينا على أنّ الإعراض مسقط للصحيح عن الاعتبار كما هو المعروف عند القوم اتّجه القول بعدم الوجوب الذي عليه المشهور، و إلّا كان العمل بها متعيّناً. و حيث إنّ المختار هو الثاني كما بيّناه في الأُصول (1) فالأقوى وجوب سجدة السهو لذلك.

(1) لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى القاعدة تكرار السجود بتكرار الموجب سواء أ كان من نوع واحد كما لو تكلّم ساهياً في الركعة الاولى ثمّ تكلّم ساهياً أيضاً في الركعة الثانية، أو من نوعين كما لو سلّم سهواً في غير محلّه و شكّ أيضاً بين الأربع و الخمس.

و ذلك لأصالة عدم التداخل المستفادة من إطلاق دليل السبب، إلّا أن يقوم دليل من الخارج على جواز التداخل كما ثبت في باب الأغسال، و إلّا فمقتضى القاعدة الأوّلية عدم التداخل، المستلزم لتكرار السجدة في المقام بتكرار أسبابه كما عرفت.

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 203.

375

..........

____________

و هذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في بعض خصوصيات المطلب و تطبيقاته فنقول: لا ريب في تعدّد الموجب إذا كان فردين من نوعين كالكلام و السلام، أو فردين من نوع واحد كما لو سلّم سهواً في الركعة الأُولى و في الركعة الثالثة كما مرّ.

و أمّا إذا كان فرداً واحداً من نوع واحد مع تعدّد السهو بأن سها ثانياً بعد الالتفات فأتمّ كلامه السابق على نحو يعدّ المجموع كلاماً واحداً كما لو قال: زيد، فأتى بالمبتدإ ساهياً و تذكّر، ثمّ سها ثانياً و أتى بخبره فقال: قائم، و هكذا في الفعل و معموله، بحيث يعدّ المجموع فرداً واحداً من الكلام، فهل هو من تعدّد الموجب نظراً إلى تعدّد السهو فيتكرّر السجود، أم من وحدته باعتبار وحدة الكلام الذي تعلّق به السهو فلا يتكرّر؟ ظاهر عبارة المتن بل صريحه هو الأوّل.

و هذا هو الصحيح، فانّ المستفاد من الأدلّة أنّ العبرة في وجوب السجدة بنفس السهو، أو فقل التكلّم ساهياً، فإنّه المأخوذ في لسان الأخبار، و لا اعتبار بما تعلّق به السهو أعني ذات التكلّم، لعدم كونه موضوعاً للحكم.

فمتى تكرّر السهو تكرّر الموجب و إن اتّحد المتعلّق، لصدق التكلّم ساهياً مرّتين، فلا بدّ لكلّ منهما من سجدتين، بحيث لو لوحظ كلّ منهما مستقلا و كان وحده مجرّداً عن الآخر لكان سبباً مستقلا للسجود، فلدى انضمام السهوين وجب السجود مرّتين لا محالة.

كما أنّه مع اتّحاد السهو لم يكن ثمّة عدا وجوب واحد، و إن تكرّر أفراد متعلّقه كما في الكلام الطويل الذي تعلّق به سهو واحد مستمرّ من غير تخلّل ذكر في البين، فانّ مجموعة يعدّ موجباً واحداً، لصدوره عن منشأ واحد.

376

..........

____________

و يرشدك إلى ما ذكرناه إضافة السجدتين إلى السهو، و توصيفهما بالمرغمتين في غير واحد من الأخبار باعتبار إرغام أنف الشيطان الكاره للسجود، مجازاة له على فعل السهو و إلقاء المصلّي فيه، فإنّها تكشف عن أنّ السببية إنّما تناط بنفس السهو، و أنّه المدار في مراعاة وحدة السجود و تعدّده، فلا اعتبار باتّحاد متعلّقه و عدمه.

و منه تعرف أنّ الصيغ الثلاث للسلام موجب واحد، لصدور الكلّ عن سهو واحد و إن تعدّد المتعلّق و تكثّرت الأفراد، فلا يقسّط السبب عليها.

على أنّ النصوص الدالّة على سجود السهو للسلام الزائد (1) ظاهرة في ذلك حيث إنّ الواقع منه في غير محلّه إنّما يقع على حدّ وقوعه في المحلّ، الذي هو مشتمل حينئذ على الصيغ الثلاث غالباً، بل و مع التشهّد أحياناً كما لو سلّم ساهياً في الركعة الأُولى أو الثالثة من الرباعية، فيكتفى عن الكلّ بسجود واحد بمقتضى إطلاق تلك النصوص.

كما تعرف أيضاً أنّ نقصان التسبيحات الأربع موجب واحد، كما أنّ زيادتها كذلك و إن أتى بها ثلاث مرّات، فإنّه سهو واحد تعلّق بالنقص أو بالزيادة و إن كانت أفراد المتعلّق متعددة بل مؤلفاً من عناوين متباينة كالتسبيح و التحميد و التهليل و التكبير، فلا يعدّ ذلك زيادات عديدة بعد وحدة السهو المتعلّق بها الذي هو مناط الحكم كما مرّ.

و ممّا ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده (قدس سره) في المسألة اللّاحقة من أنّه إذا سها عن سجدة واحدة من الركعة الأُولى مثلًا، و قام و قرأ الحمد و السورة و قنت و كبّر للركوع فتذكّر قبل أن يدخل في الركوع وجب العود للتدارك، و عليه سجود السهو ست مرّات لتلك الزيادات حسبما فصّله في المتن.

____________

(1) و قد تقدم بعضها في ص 347.

377

[مسألة 3: إذا سها عن سجدة واحدة من الركعة الأُولى مثلًا و قام و قرأ الحمد و السورة و قنت و كبّر للركوع]

[2104] مسألة 3: إذا سها عن سجدة واحدة من الركعة الأُولى مثلًا و قام و قرأ الحمد و السورة و قنت و كبّر للركوع فتذكّر قبل أن يدخل في الركوع وجب العود للتدارك، و عليه سجود السهو ستّ مرّات [1] (1)، مرّة لقوله: بحول اللّٰه، و مرّة للقيام، و مرّة للحمد، و مرّة للسورة، و مرّة للقنوت، و مرّة

____________

فانّ مقتضى ما ذكرناه من كون المعيار وحدة السهو و تعدّده وجوب السجدتين مرّة واحدة، لأنّ الكلّ قد نشأ عن سهو واحد، و إلّا فلو كان المدار على لحاظ المتعلّق و تقسيط السبب حسب تعدّده وجب لحاظ تعدّد السبب حينئذ بعدد الآيات، بل الكلمات، بل الحروف على المختار أو كلّ حرفين على المعروف من اعتبار الاشتمال عليهما في صدق التكلّم السهوي الموجب للسجدة على الخلاف المتقدّم في محلّه (1) و الكلّ كما ترى.

و على الجملة: إن كان المدار على ملاحظة السهو نفسه لم يجب في البين عدا السجدتين مرّة واحدة، لنشئ المجموع عن سهو واحد، فلم يكن ثمّة إلّا زيادة واحدة، و هذا هو الصحيح. و إن كان المدار على ملاحظة المتعلّق لزم التقسيط حسب التفصيل المتقدّم. فالتفكيك الذي صنعه في المتن غير ظاهر الوجه.

هذا كلّه بناءً على تسليم وجوب السجود لكلّ زيادة و نقيصة، و إلّا فالأمر أوضح، فإنّه لا يجب عليه حينئذ إلّا مرّة واحدة لأجل القيام في موضع القعود الذي هو بنفسه سبب مستقلّ على القول به، و لا يجب لما عداه على كلّ تقدير.

(1) قد مرّ ما فيه آنفاً فلاحظ.

____________

[1] على الأحوط فيه و فيما بعده كما مرّ.

____________

(1) في ص 344.

378

لتكبير الركوع، و هكذا يتكرّر خمس مرّات لو ترك التشهّد و قام و أتى بالتسبيحات و الاستغفار بعدها و كبّر للركوع فتذكّر.

[مسألة 4: لا يجب فيه تعيين السبب و لو مع التعدّد]

[2105] مسألة 4: لا يجب فيه تعيين السبب و لو مع التعدّد (1)، كما أنّه لا يجب الترتيب فيه بترتيب أسبابه على الأقوى، أمّا بينه و بين الأجزاء المنسية و الركعات الاحتياطية فهو مؤخّر عنها كما مرّ.

[مسألة 5: لو سجد للكلام فبان أنّ الموجب غيره]

[2106] مسألة 5: لو سجد للكلام فبان أنّ الموجب غيره فان كان على

____________

(1) لخروجه عن ماهية السجود المأمور به، إذ الفعل الخاصّ الواقع في حيّز الطلب عند تحقّق السبب لا يتقيّد بسببه كي يعتبر قصده، و يكفي في حصول الطاعة إيجاده بداعي الأمر المتعلّق بالطبيعة.

و منه تعرف أنّ في فرض تعدّد السبب قد تعلّقت أوامر عديدة بأفراد من تلك الطبيعة من غير تقيد أيّ فرد بأيّ سبب، فلا مقتضي لاعتبار قصد التعيين و منه يظهر عدم وجوب الترتيب بترتيب حدوث الأسباب، فله تقديم ما تسبّب عن موجب متأخّر.

نعم، يعتبر الترتيب بينه و بين الأجزاء المنسية و الركعات الاحتياطية، فيجب تأخير سجدتي السهو عنها، لما عرفت سابقاً من أنّ ظرف السجدتين إنّما هو بعد الفراغ و الانتهاء عن الصلاة بجميع أجزائها و متعلّقاتها على ما دلّت عليه النصوص حسبما مرّ (1).

____________

(1) في ص 321.

379

وجه التقييد وجبت الإعادة [1] و إن كان من باب الاشتباه في التطبيق أجزأ (1).

____________

(1) قد سبق الكلام حول نظائر المقام، و قلنا إنّه لا أثر للتقييد في أمثال هذه الموارد، فإنّه إنّما يؤثّر فيما إذا كان ثمّة كلّي منقسم إلى قسمين قد تعلّق الأمر بحصّة خاصّة فنوى في مرحلة الامتثال الحصّة الأُخرى بخصوصها، كما لو كان مأموراً بالأداء و لم يدر فقصد القضاء، أو بالظهر فنوى العصر بخصوصه و هكذا فإنّه للحكم حينئذ بالبطلان إذا كان بنحو التقييد مجال، بمناط أنّ ما قصد لم يقع و ما هو الواقع غير مقصود.

و أمّا إذا تعلّق الأمر بالطبيعي لأجل قيام سبب خاصّ من غير تقييده بذلك السبب كما في المقام حسبما مرّ آنفاً فلا أثر للتقييد في مثل ذلك، إذ قد تحقّق المأمور به على وجهه فحصل الامتثال بطبيعة الحال و إن نوى خصوص ما تسبّب عن السبب الخاصّ بزعم تحقّقه فانكشف خلافه، و أنّ هناك موجباً آخر لتعلّق الأمر بالطبيعة و هو جاهل به.

و هذا نظير ما لو اغتسل للجنابة بزعم حصولها عن الاحتلام فبان أنّ موجبها المجامعة، أو توضّأ المحدث بتخيّل أنّ سببه البول فانكشف أنّه النوم و هكذا فانّ جميع ذلك إنّما هو من باب الاشتباه و الخطأ في التطبيق، سواء كان قاصداً للأمر الفعلي على واقعة أم قصد خصوص السبب الخاصّ على نحو التقييد، فانّ التقييد في مثل ذلك لغو محض، و هو في حكم الحجر في جنب الإنسان.

نعم، لو كان مشرّعاً في قصد السبب الخاصّ الذي لا واقع له بطل من ناحية التشريع، و هو أمر آخر أجنبي عمّا نحن بصدده كما لا يخفى.

____________

[1] الظاهر أنّها لا تجب، و لا أثر للتقييد هنا.

380

[مسألة 6: يجب الإتيان به فوراً]

[2107] مسألة 6: يجب الإتيان به فوراً فإن أخّر عمداً عصى و لم يسقط، بل وجبت المبادرة إليه [1] و هكذا (1).

____________

(1) المشهور بين الأصحاب كما في الحدائق (1) و غيره أنّ وجوب سجدة السهو فوري، فلو أخّر عامداً عصى و لم يسقط، بل تجب المبادرة فوراً ففوراً، نظير صلاة الآيات في غير الموقّتات كالزلزلة التي يجب الإتيان بها ما دام العمر و تقع أداءً. فإن تمّ إجماع على ذلك فهو، و إلّا فإثباته بحسب الصناعة مشكل جدّاً.

و يقع الكلام تارة في أصل ثبوت الفورية، و أُخرى في أنّه على تقدير الثبوت لو أخّر عمداً هل تجب المبادرة و الإتيان فوراً ففوراً، أم أنّ التكليف ساقط حينئذ رأساً.

أمّا الجهة الأُولى: فإن أريد بالفورية الفورية الحقيقية أي الإتيان بعد التسليم بلا فصل فهذا لا دليل عليه بعد وضوح عدم اقتضاء الأمر للفور كما حقّق في الأُصول (2)، و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و إن أُريد بها الفورية العرفية أي الإتيان بعد التسليم و قبل ارتكاب المنافيات حتّى مثل الفصل الطويل الماحي للصورة، فهذا يمكن أن يستدلّ له بجملة من النصوص:

منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ...» إلخ (3)، فانّ المنسبق إلى الذهن من البعديّةِ‌

____________

[1] على الأحوط.

____________

(1) الحدائق 9: 344.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 2: 213.

(3) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1.

381

..........

____________

البعديّةُ القريبة المساوقة للفورية العرفية في قبال الإتيان قبل التسليم، لا ما يشمل البعيدة و الفترة الطويلة كشهر مثلًا، فإنّه مخالف للمتفاهم العرفي عند إطلاق هذا اللفظ كما لا يخفى.

و أوضح منها صحيحة أبي بصير: «إذا لم تدر خمساً صلّيت أم أربعاً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس، ثمّ سلّم بعدهما» (1)، ضرورة أنّ السجود لا يتحقّق حال الجلوس، فإنّه هيئة خاصّة مباينة للجلوس و للقيام و نحوهما، فالمراد المبادرة إليهما حال الجلوس بعد السلام و قبل أن يتحوّل من مكانه أو يشتغل بفعل آخر منافٍ للصلاة، و هو كما ترى مساوق للفورية العرفية كما ذكرنا.

و نحوهما صحيحة القدّاح: «سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام» (2)، فانّ الظاهر من هذا التحديد بعد وضوح عدم خصوصية للكلام، و إنّما ذكر من باب المثال لمطلق المنافيات التي أدناها التكلّم مع الغير، إنّما هو إرادة التضييق المتّحد بحسب النتيجة مع الفورية العرفية.

و على الجملة: فظهور هذه النصوص في إرادة الفورية بالمعنى المزبور غير قابل للإنكار.

إلّا أنّه ربما يعارض بما ورد في ذيل موثّقة عمّار «... و عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر حتّى يصلّي الفجر كيف يصنع؟ قال: لا يسجد سجدتي السهو حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ...» إلخ (3)، فإنّ التأخير إلى ما بعد طلوع الشمس ظاهر في عدم وجوب الفورية.

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 3.

(2) الوسائل 8: 208/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 3.

(3) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

382

..........

____________

و ناقش فيها في الحدائق (1) و كذا غيره بعدم القول بمضمونها من الأصحاب فكأنّ المانع عن التعويل عليها إعراض الأصحاب عنها المسقط لها عن الحجّية و إلّا فهي في نفسها صالحة للمعارضة مع ما تقدّم.

و لكنّ الظاهر أنّ الموثّقة أجنبية عن محلّ الكلام بالكلّية فضلًا عن صلوحها للمعارضة، إذ ليست هي بصدد التعرّض لموطن سجود السهو بالإضافة إلى الصلاة التي سها فيها.

كيف و حكم ذلك مذكور في الفقرة المتقدّمة على هذه الفقرة، التي ذكرها صاحب الوسائل بعد تقطيعه لهذا الحديث الطويل و ذكر كلّ فقرة في الباب المناسب، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل صلّى ثلاث ركعات و هو يظنّ أنّها أربع فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث، قال: يبني على صلاته متى ما ذكر و يصلّي ركعة و يتشهّد و يسلِّم و يسجد سجدتي السهو، و قد جازت صلاته» (2) حيث يستفاد منها أنّ السجدتين يؤتى بهما بعد التسليم.

فهذا الحكم معلوم من نفس هذه الموثّقة، فلا مجال بعدئذ للسؤال ثانياً بقوله: «و عن الرجل يسهو في صلاته ...» إلخ و أنّه كيف يصنع، إذ قد علم حكمه ممّا مرّ.

إذن فهذه الفقرة ناظرة إلى السؤال عن فرض آخر، و هو من سها في صلاة فنسي السجدتين بعدها و لم يذكرهما إلّا بعد الدخول في صلاة أُخرى، كما لو سها في صلاة المغرب أو العشاء و لم يتذكّر حتّى صلّى الفجر، فأجاب (عليه السلام) بعدم الإتيان بالسجدتين حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها.

و لا مانع من الالتزام بذلك في خصوص موردها، كما قد تساعده الروايات‌

____________

(1) الحدائق 9: 339.

(2) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

383

و لو نسيه أتى به إذا تذكّر و إن مضت أيّام (1)

____________

المستفيضة الناهية عن الصلاة في هذا الوقت (1) لما فيها من التشبّه بعبدة الشمس حيث يسجدون لها في هذا الوقت، و قد أُشير في بعض تلك الأخبار إلى هذه العلّة (2)، فيحمل النهي على ضرب من التنزيه و الكراهة.

و على الجملة: هذه الفقرة من الموثّقة أجنبية سؤالًا و جواباً عن محلّ الكلام أعني تأخير سجدتي السهو اختياراً عن الصلاة الأصلية التي وقع السهو فيها فلا يحسن عدّها معارضاً لما سبق من النصوص الظاهرة في الفورية العرفية كما عرفت. فلا مناص من العمل بها بعد سلامتها عن المعارض.

إذن فالأقوى أنّ وجوب سجدتي السهو فوري بالمعنى المزبور، الذي هو الظاهر من كلام المشهور أيضاً كما لا يخفى.

و أمّا الجهة الثانية: أعني وجوب المبادرة فوراً ففوراً، فهذا لا دليل عليه بوجه، بل لا دليل على بقاء أصل الوجوب فضلًا عن كونه فوراً ففوراً، فإنّ غاية ما دلّت عليه تلك النصوص هو لزوم الإتيان بهما و هو جالس و قبل أن يتكلّم و يرتكب المنافي، الذي استفدنا منه الفورية العرفية حسبما مرّ، و أنّ ظرف الإتيان موقّت و مقيّد بتلك الحالة، و أمّا أنّه لو أخّر عامداً و عصى فهل التكليف باقٍ بعد و يجب الإتيان فوراً ففوراً أو أنّه ساقط، فهي ساكتة و لا إشعار فيها فضلًا عن الدلالة، فإن قام إجماع على هذا الحكم، و إلّا فمقتضى الأصل البراءة عنه. إذن فالحكم المزبور مبنيّ على الاحتياط.

(1) لموثّقة عمّار المتقدّمة، قال فيها: «... و عن الرجل إذا سها في الصلاة‌

____________

(1) الوسائل 4: 234/ أبواب المواقيت ب 38 ح 1، 2 و غيرهما.

(2) الوسائل 4: 235/ أبواب المواقيت ب 38 ح 4 و غيره.

384

و لا يجب إعادة الصلاة، بل لو تركه أصلًا لم تبطل على الأقوى (1).

____________

فينسى أن يسجد سجدتي السهو، قال: يسجد متى ذكر ...» إلخ (1).

(1) وقع الكلام في أنّ وجوب السجدتين هل هو نفسيّ و تكليف مستقلّ فلو تركهما عامداً لم تبطل صلاته و إن كان آثماً، أو أنّه غيريّ يوجب الإخلال بهما بطلان الصلاة؟

المشهور بين الأصحاب كما في الجواهر (2) و غيره هو الأوّل، و أنّ هذا حكم تكليفيّ مستقلّ و إن نشأ الوجوب عن خلل في الصلاة.

و لكن قد يقال بالثاني، نظراً إلى ظواهر النصوص المستفاد منها الشرطية في أمثال المقام.

و الصحيح ما عليه المشهور، فانّ ظاهر الأمر عند الإطلاق هو الوجوب النفسي، و هو الأصل الأوّلي الذي يعوّل عليه كلّما دار الأمر بينه و بين الغيري. نعم، في باب المركّبات ينقلب هذا الظهور إلى ظهور ثانوي، أعني الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطية، و في النهي إلى المانعية كما هو محرّر في محلّه (3).

و لكنّه مقصور على ما إذا تعلّق الأمر بما يرتبط بالمركّب و يعدّ من قيوده و خصوصياته، فينتزع منه الجزئية أو الشرطية تارة و المانعية اخرى، كما في قوله: صلّ مع السورة أو إلى القبلة أو مع الطهارة، أو لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه و نحو ذلك ممّا يتعلّق بنفس المركّب و يعدّ من كيفياته و ملابساته، دون مثل المقام ممّا هو عمل مستقلّ واقع خارج الصلاة قد شرّع بعد الانصراف عنها، و إن كان موجب التشريع محقّقاً من ذي قبل و هو السهو الصادر في الأثناء، لكن‌

____________

(1) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

(2) الجواهر 12: 457.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 4: 156، 145.

385

..........

____________

شأنه ليس إلّا الموجبية فحسب، من غير ظهور له في الإناطة و الارتباط بينهما بوجه. و عليه فيبقى الظهور الأوّلي في النفسية على حاله من غير معارض.

و يؤيِّد هذا و يؤكِّده إطلاق ما دلّ على تحقّق الانصراف بالتسليم، و أنّ به يتحقّق الفراغ و الخروج عن الصلاة. فإنّ هذا الإطلاق هو المحكّم ما لم يثبت خلافه بدليل قاطع كما ثبت في الركعات الاحتياطية و في الأجزاء المنسيّة، فيقيّد و يحكم بالجزئية في أمثال ذلك، و أمّا فيما عداها كالمقام فالمرجع هو الإطلاق المزبور.

و يؤكِّده أيضاً تسميتهما بالمرغمتين في غير واحد من النصوص (1)، فإنّها تكشف عن أنّ الوجوب إنّما نشأ عن مصلحة أُخرى مغايرة لمصلحة أصل الصلاة، و هي إرغام أنف الشيطان المبغض للسجود، مجازاة له على إلقاء المصلّي في السهو. و على الجملة: فظواهر النصوص تدلّنا بوضوح على نفسية الوجوب.

نعم، ربما تستشعر الغيرية من رواية واحدة و هي موثّقة عمّار: «عن رجل صلّى ثلاث ركعات و هو يظنّ أنّها أربع فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث، قال: يبني على صلاته متى ما ذكر، و يصلّي ركعة و يتشهّد و يسلّم و يسجد سجدتي السهو و قد جازت صلاته» (2)، حيث فرّع جواز الصلاة و صحّتها على مجموع ما سبق الذي منه الإتيان بسجدتي السهو.

و لكنّه مجرّد إشعار محض لا يمكن أن يعتمد عليه في مقابل الظهورات، و لم يبلغ حدّ الدلالة، فإنّ الإمام (عليه السلام) إنّما هو في مقام بيان الوظيفة الفعلية و أنّ الصلاة لا تبطل بمجرّد نقصها بركعة و التسليم في غير محلّه، بل عليه أن يأتي بتلك المذكورات، و أمّا أنّ جميعها دخيل في الصحّة فلا دلالة لها عليه بوجه.

____________

(1) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 1 و غيره.

(2) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

386

[مسألة 7: كيفيته أن ينوي و يضع جبهته على الأرض]

[2108] مسألة 7: كيفيته أن ينوي و يضع جبهته على الأرض أو غيرها ممّا يصحّ السجود عليه (1)

____________

نعم، لو كان الجواز مذكوراً بصيغة التفريع بأن كان العطف في قوله (عليه السلام): «و قد جازت ...» بالفاء بدل الواو لتمّ ما أُفيد، و لكنّه ليس كذلك.

فالصحيح ما عليه المشهور من نفسية الوجوب، و أنّ سجدتي السهو عمل مستقلّ لا يوجب الإخلال بهما عمداً فضلًا عن السهو قدحاً في صحّة الصلاة.

(1) أمّا النيّة فلا إشكال في اعتبارها، سواء فسّرت بقصد عنوان العمل أم بقصد التقرّب، لاعتبار كلا الأمرين في المقام.

أمّا الأوّل: فلأنّ سجود السهو يمتاز في حقيقته عن بقيّة السجدات مثل السجود الصلاتي و القضائي و سجدتي الشكر و التلاوة، و مباين معها في مقام الذات، لتعنونه بعنوان خاصّ و تسميته باسم مخصوص، فلا بدّ من تعلّق القصد به بخصوصه تحقيقاً لامتثال الأمر المتعلّق به لكي يمتاز عن غيره، فلا يكفي من غير قصد.

و أمّا الثاني: فلأنه عبادة قطعاً فيعتبر فيه ما يعتبر في سائر العبادات من قصد التقرّب و الإضافة إلى المولى نحو إضافة، و هذا واضح.

و أمّا وضع الجبهة على الأرض فأصل الوضع ممّا لا ينبغي التأمّل فيه، لتقوّم حقيقة السجود بوضع الجبهة كما مرّ في بحث السجود (1)، بل قد مرّ ثمّة (2) أنّه لا بدّ فيه من الإحداث و لا يكفي الإبقاء، فلو كان في سجود التلاوة مثلًا و قصد‌

____________

(1) شرح العروة 15: 84.

(2) في ص 114، 131 من المصدر المتقدم.

387

و يقول: «بسم اللّٰه و باللّٰه [1] و صلّى اللّٰه على محمّد و آله»، أو يقول: «بسم اللّٰه و باللّٰه، اللّٰهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» أو يقول: «بسم اللّٰه و باللّٰه السلام عليك أيُّها النبيّ و رحمة اللّٰه و بركاته» (1).

____________

ببقائه سجود السهو لم يكن مجزياً، للزوم إحداث الوضع و إيجاده بعد أن لم يكن.

و أمّا اعتبار أن يكون الوضع على الأرض أو ما يصحّ السجود عليه فلأنه و إن لم يرد في نصوص المقام ما يدلّ عليه إلّا أنّه يكفينا الإطلاق في بعض النصوص الواردة في السجود مثل قوله (عليه السلام): لا تسجد على القير أو على الزفت و نحو ذلك (1)، فإنّ إطلاقه غير قاصر الشمول لمثل المقام و لكلّ سجود مأمور به، و لا سيما بلحاظ التعليل الوارد في بعض النصوص المانعة عن السجود على المأكول و الملبوس من أنّ الناس عبيد ما يأكلون و يلبسون (2) الكاشف عن اطّراد ذلك في مطلق السجود.

(1) هل يعتبر الذكر في سجدتي السهو؟ و على تقديره فهل يعتبر فيه ذكر خاصّ؟

المشهور بين الأصحاب كما في الحدائق (3) و غيره هو الوجوب، و أن يكون بالكيفية الخاصّة المذكورة في المتن، فلا يجزي مطلق الذكر.

و نسب إلى جماعة إنكار الوجوب رأساً فضلًا عن اعتبار ذكر خاصّ، استناداً إلى أصالة البراءة أوّلًا، و إلى إطلاق الأمر بالسجود في غير واحد من النصوص‌

____________

[1] الأحوط الاقتصار على الصيغة الأخيرة.

____________

(1) الوسائل 5: 353/ أبواب ما يسجد عليه ب 6 ح 1 و غيره.

(2) الوسائل 5: 343/ أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1.

(3) الحدائق 9: 333.

388

..........

____________

ثانياً كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك، ثمّ سلّم بعدهما» (1)، و نحوها صحاح زرارة و أبي بصير و الحلبي (2).

و على تقدير النقاش في انعقاد الإطلاق في هذه الروايات بدعوى كونها مسوقة لبيان حكم آخر، و ليست بصدد التعرّض لكيفية سجود السهو و ما يعتبر فيه أو لا يعتبر كي ينعقد الإطلاق، فيكفينا ما تقدّم من أصالة البراءة فإنّ الوجوب يحتاج إلى الدليل دون العدم. فلو كنّا نحن و هذه الروايات لقلنا بعدم الوجوب إمّا للإطلاق أو للأصل، هذا.

و لكن بإزاء هذه الروايات صحيحة الحلبي الظاهرة في اعتبار ذكر خاصّ و المقيّدة لتلك المطلقات بمقتضى صناعة الإطلاق و التقييد على تقدير تحقّق الإطلاق فيها، و معلوم أنّه لا مجال للتمسك بالأصل بعد قيام الدليل، و هي ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «أنّه قال: تقول في سجدتي السهو: بسم اللّٰه و باللّٰه، اللّٰهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. قال: و سمعته مرّة أُخرى يقول: بسم اللّٰه و باللّٰه، السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّٰه و بركاته» (3).

و لكن متن الصحيح مختلف في كتب الحديث، ففي الكافي ما أثبتناه، و كذا في الفقيه، غير أنّ أغلب نسخ الفقيه و أصحّها بدل قوله: «اللّٰهمّ صلّ ...» إلخ هكذا: «و صلّى اللّٰه على محمّد و آل محمّد». و الشيخ أيضاً رواها مثل الفقيه، لكن فيه «و السلام» بإضافة الواو. فالفقيه يطابق الكافي في ترك الواو و يخالفه في كيفية‌

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1، 2، 3، 4.

(2) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1، 2، 3، 4.

(3) الوسائل 8: 234/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 1، الكافي 3: 356/ 5 الفقيه 1: 226/ 997، التهذيب 2: 196/ 773.

389

..........

____________

الصلاة، و بالإضافة إلى التهذيب على العكس من ذلك.

و منه تعرف مدرك الصيغ الثلاث المذكورة في المتن، غير أنّ الصيغة الأُولى مذكورة في روايتي الفقيه و التهذيب بصورة «بسم اللّٰه و باللّٰه، و صلّى اللّٰه على محمّد و آل محمّد» (1)، و الماتن ذكرها بصورة «بسم اللّٰه و باللّٰه، و صلّى اللّٰه على محمّد و آله» بإبدال الظاهر بالضمير، و لم يعرف له مأخذ. و الظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف أو من النسّاخ، و سنتعرّض لحكم هذه الصيغ من حيث التعيين أو التخيير.

و كيف ما كان، فهذه الصحيحة ظاهرة في اعتبار الذكر الخاصّ. غير أنّه يعارضها موثّقة عمّار الظاهرة في عدم الاعتبار، قال: «سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: لا، إنّما هما سجدتان فقط ...» إلخ (2).

و دعوى أنّ المنفي إنّما هو التسبيح فلا ينافي اعتبار الذكر الخاصّ الذي تضمّنه الصحيح بعيدة جدّاً، لمخالفتها لقوله: «فقط» الظاهر في عدم اعتبار أيّ شي‌ء ما عدا ذات السجدتين كما لا يخفى.

و ربما يتصدّى للجمع بالحمل على الاستحباب. و فيه ما لا يخفى، لعدم كونه من الجمع العرفي في مثل المقام، بل يعدّان من المتعارضين، فإنّه لو كان مدلول الموثّقة نفي الوجوب لتمّ ما أُفيد، كما هو الشائع المتعارف في كلّ دليلين تضمّن أحدهما الأمر بشي‌ء و الآخر نفي البأس بتركه، فيرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بنصوصية الآخر في العدم و يحمل على الاستحباب.

إلّا أنّ الموثّقة ظاهرة في عدم التشريع (3) لا عدم الوجوب، لقوله (عليه‌

____________

(1) [الموجود في التهذيب: بسم اللّٰه و باللّٰه و صلّى اللّٰه على محمّد و على آل محمّد].

(2) الوسائل 8: 235/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 3.

(3) لما كان الظاهر من السؤال الاستعلام عن الوظيفة المقرّرة زائداً على نفس السجدتين كان النفي في الجواب المعتضد بقوله (عليه السلام) في الذيل: «و ليس عليه أن يسبّح» ظاهراً في نفي التوظيف لا نفي التشريع.

390

..........

____________

السلام): «لا» في جواب قوله: «هل فيهما ...» إلخ، أي ليس فيهما تسبيح، الظاهر في أنّه ليس بمشروع، لا أنّه لا يجب. و صحيحة الحلبي ظاهرة (1) في الوجوب، و من المعلوم أنّ الوجوب و عدم المشروعية من المتعارضين بحسب الفهم العرفي، بحيث لا يتيسّر التوفيق و لا يمكن الجمع بينهما بوجه.

و عليه فان ثبت ما نسب إلى العامّة (2) من عدم وجوب شي‌ء في سجدتي السهو حملت الموثّقة على التقية لموافقة العامّة، و إلّا فلا ينبغي الشكّ في ترجيح الصحيحة عليها، فإنّها من الروايات المشهورة المعروفة رواية و عملًا قديماً و حديثاً، قد رواها المشايخ الثلاثة في الكتب الأربعة بأسانيد عديدة، فلا تعارضها الموثّقة، و لا سيما و في روايات عمّار كلام، حيث إنّه على ما قيل كثير الخطأ و الاشتباه، فتطرح و يردّ علمها إلى أهله. فيتعيّن العمل بالصحيحة.

و هل يقتصر على مضمونها من الذكر الخاصّ أو يتعدّى إلى مطلق الذكر كما عن جماعة؟ الظاهر هو الأوّل، لعدم الدليل على الثاني، إذ لم يثبت الاجتزاء بالمطلق و لا برواية ضعيفة، و مقتضى ظهور الأمر الوارد في الصحيح هو التعيّن فرفع اليد عنه و التعدّي يحتاج إلى دليل مفقود، فلا مناص من الاقتصار [عليه] جموداً على ظاهر النصّ.

بقي الكلام حول هذه الأذكار نفسها و أنّه هل يجزي أحدها من باب التخيير أو يتعيّن الذكر الأخير مع الواو في «السلام عليك» أو بدونه فنقول: قد عرفت أنّ الحلبي رواها عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) تارة بصيغة الصلاة و سمعه مرّة أُخرى يقولها بصيغة التسليم، لا بمعنى مباشرته (عليه السلام) لها في سجود‌

____________

(1) الظهور مبنيّ على ثبوت نسخة الفقيه بصورة «تقول»، و هو غير واضح بعد اختلاف النسخ و عدم الجزم بالصحيح منها كما لا يخفى.

(2) [ذهب إلى الوجوب بعض العامة، لاحظ المجموع 4: 161، فتح العزيز 4: 179، الفتاوى الهندية 1: 125].

391

..........

____________

السهو كي يخدش في صحّة الحديث بمنافاته مع ما استقرّت عليه أُصول المذهب من تنزّه المعصوم (عليه السلام) من السهو، بل بمعنى سماع الفتوى منه و أنّه سمعه يقول في حكم المسألة كذا، بشهادة صدر الحديث، حيث قال: تقول في سجدتي السهو كذا، و هذا استعمال دارج في لسان الأخبار و غيرها، حيث يعبّر عند حكاية رأي أحد بالسماع عنه أنّه يقول كذا، نظير ما ورد من أنّه سمعته يقول: في القتل مائة من الإبل، كما مثّل به صاحب الوسائل (1). فهو من باب حكاية القول، لا حكاية الفعل كما لا يخفى.

و على الجملة: فقد تضمّنت الصحيحة حكاية صيغتين للذكر. و عرفت أيضاً أنّ صورة الصيغة الأُولى مختلفة في كتب الحديث، فرواها الكافي بصورة: «اللّٰهمّ صلّ ...» إلخ، و الفقيه و التهذيب بصورة «و صلّى اللّٰه ...» إلخ.

و من المعلوم عدم احتمال تعدّد الرواية بتعدّد الواقعة، بأن سمعه عن الإمام (عليه السلام) تارة بهذه الصورة و أُخرى بتلك، فرواها مرّتين وصلت إحداهما بطريق إلى الكليني و الأُخرى بنفس الطريق إلى الصدوق، فانّ هذا غير محتمل لبعد تعدّد الواقعة في صيغة واحدة، كبعد تفرّد كلّ منهما برواية لا يرويها الآخر في موضوع واحد مع اتّحاد الطريق و الراوي و المروي عنه كما لا يخفى.

و عليه فالصادر عن المعصوم (عليه السلام) بحسب الواقع إنّما هو إحدى صورتي الصيغة الأُولى، و حيث لا يمكن تمييز الواقع و تشخيصه عن غيره، لأنّ كلا من الكليني و الصدوق معروف بدقّة الضبط و الإتقان في النقل، فهو من باب اشتباه الحجّة باللّاحجّة، لا من باب تعارض الحجّتين ليجري عليه حكم تعارض الأخبار، لاختصاصه بصورة تعدّد الرواية، و قد عرفت اتّحادها في المقام و أنّ التعدّد إنّما نشأ من اختلاف النسخ.

____________

(1) الوسائل 8: 234/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ذيل ح 1.

392

..........

____________

و عليه فلا يمكن الاجتزاء بإحداهما و التخيير في مقام العمل كما هو ظاهر المتن، لتردّد الصادر الواقعي بين النسختين من غير ترجيح في البين، بل لا بدّ إمّا من الجمع بينهما أو تركهما و اختيار الصيغة الأخيرة أعني التسليم لتطابق النسخ عليها، و اتفاق المشايخ الثلاثة على نقلها.

و أمّا الاختلاف الواقع في صورة الصيغة الأخيرة من حيث الاشتمال على الواو في «السلام عليك» الذي اختصّت به نسخة التهذيب و عدمه فلا ينبغي الإشكال في أنّ الترجيح مع رواية الكافي، و لا سيما مع اعتضادها برواية الفقيه الموافقة لها في ترك الواو، لقوّة ضبطهما و لا سيما الكليني.

فلا تقاومهما رواية التهذيب غير الخالي عن الاشتباه غالباً حتّى طعن فيه صاحب الحدائق (قدس سره) (1) بعدم خلوّ رواياته غالباً عن الخطأ و الخدش في السند أو المتن، لعدم محافظته على ضبط الأخبار، الناشئ من كثرة الاشتغال و التسرّع في التأليف. و عليه فيطمأنّ بأنّ هذه زيادة من التهذيب أو من النسّاخ فلا يمكن الإتيان بالواو بقصد الأمر و بعنوان سجود السهو.

و هذا هو الوجه فيما ذكره بعض الأعاظم في تعليقته على نجاة العباد من أنّ الأحوط حذف الواو، لما عرفت من أضبطيّة الكافي و الفقيه بمثابة يطمأنّ بالزيادة في نسخة التهذيب، و لأجله كان الحذف هو مقتضى الاحتياط و قاعدة الاشتغال.

و من جميع ما ذكرنا تعرف أنّ من أراد الاقتصار على صيغة واحدة فالأحوط اختيار الصيغة الأخيرة أعني التسليم بدون ذكر الواو، فانّ ظاهر الصحيحة و إن كان هو التخيير بين الصيغتين إلّا أنّ صورة الصيغة الاولى أعني الصلاة غير ثابتة بعد تعارض نسختي الكافي و الفقيه، و فقد التمييز و تشخيص ما نقله‌

____________

(1) في الحدائق 9: 334.

393

ثمّ يرفع رأسه و يسجد مرّة أُخرى (1) و يقول ما ذكر و يتشهّد و يسلِّم (2) و يكفي في تسليمه: «السلام عليكم».

____________

الحلبي و صدر عن المعصوم (عليه السلام)، فلا يحصل الفراغ اليقيني إلّا باختيار التسليم الذي اتّفق الكلّ على روايته.

(1) بلا إشكال، لتقوّم مفهوم التعدّد المأمور به بذلك، إذ لا تتحقّق الاثنينيّة و السجود مرّتين إلّا برفع الرأس و السجود ثانياً.

(2) المعروف و المشهور وجوب التشهّد و التسليم في سجدتي السهو، و ذهب جماعة إلى استحبابهما، و الكلام في ذلك هو الكلام في الذكر بعينه، إذ قد ورد الأمر بهما في بعض النصوص.

ففي صحيحة الحلبي الأمر بالتشهّد، قال: «إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلم، و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة، تتشهّد فيهما تشهّداً خفيفاً» (1).

و في صحيح ابن سنان الأمر بالتسليم، قال: «إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك، ثمّ سلّم بعدهما» (2) و نحوهما غيرهما. و ظاهر الأمر فيهما هو الوجوب.

و ليس بإزاء ذلك عدا موثّقة عمّار المتقدّمة المصرّحة بأنّه ليس فيهما إلّا السجدتان فقط (3).

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4، 1.

(2) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4، 1.

(3) الوسائل 8: 235/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 3، و قد تقدّمت في ص 389.

394

و أمّا التشهّد فمخيّر بين التشهّد المتعارف و التشهّد الخفيف و هو قوله: «أشهد أنّ لا إلٰه إلّا اللّٰه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّٰه، اللّٰهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» و الأحوط الاقتصار على الخفيف [1]. كما أنّ في تشهّد الصلاة أيضاً مخيّر بين القسمين، لكن الأحوط هناك التشهّد المتعارف كما مرّ سابقاً (1).

____________

و قد عرفت امتناع الجمع بالحمل على الاستحباب، لظهور تلك الأخبار في الوجوب، و ظهور الموثّقة في عدم المشروعية، و لا سبيل للتصرّف في كلا الظهورين بحمل الأمر على الاستحباب و حمل نفي المشروعية على نفي الوجوب، فانّ ذلك ليس من الجمع العرفي في شي‌ء كما لا يخفى، فتستقرّ المعارضة بينهما لا محالة.

و لا ريب أنّ الترجيح مع تلك النصوص، لكونها أشهر قديماً و حديثاً، سيما و روايات عمّار لا تخلو عن نوع من الاشتباه كما مرّ، فتطرح الموثّقة و يردّ علمها إلى أهله.

(1) تقدّم في محلّه (1) أنّ نسيان التشهّد موجب لسجود السهو و أنّه يتشهّد فيه، و يكتفى به عن التشهّد الفائت للنصوص الدالّة عليه، فلو كنّا نحن و تلك النصوص لحكمنا بعدم وجوب التشهّد فيما عدا سجود السهو المسبّب عن نسيان التشهّد، لإطلاق الأمر بالسجدتين في غير واحد من نصوص الباب، إلّا أنّ هناك روايات اخرى دلّتنا على وجوب التشهّد فيما عدا ذاك الموجب أيضاً كما مرّت آنفاً، و لأجله حكمنا باعتباره في مطلق سجود السهو كما عرفت.

غير أنّ في بعض تلك النصوص التقييد بالتشهّد الخفيف كما في صحيحة الحلبي المتقدّمة و غيرها، و قد جعله في المتن قبالًا للتشهّد المتعارف و فسّره بقول:

____________

[1] بل الأحوط الإتيان بالتشهّد المتعارف كما كان هو الحال في أصل الصلاة.

____________

(1) في ص 357، 98.

395

..........

____________

أشهد أن لا إلٰه إلّا اللّٰه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّٰه، اللّٰهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. و لأجله حكم بالتخيير بينه و بين المتعارف، جمعاً بين هذه الصحيحة و بين غيرها ممّا أُطلق فيه الأمر بالتشهّد المنزّل على المتعارف، و ذكر أخيراً أنّ الأحوط الاقتصار عليه حملًا على المقيّد، هذا.

و لكنّه لم يثبت اصطلاح للشارع في الخفيف كي يفسّر بما ذكر و يحكم بمقابلته مع التشهّد المتعارف، لعدم الشاهد عليه بوجه، بل الظاهر أنّ المراد به هو ذلك بعينه، و إنّما قيّده بالخفيف في مقابل التشهّد الطويل المشتمل على الأذكار المستحبّة المفصّلة، إيعازاً إلى اختصاص تلك الأذكار بالتشهّد الصلاتي و عدم انسحابها إلى هذا التشهّد، و إلّا فنفس التشهّد لا يراد به في كلا الموردين إلّا ما هو المتعارف الذي ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق.

و يكشف عمّا ذكرناه مضافاً إلى ما ذكر موثّقة أبي بصير، قال: «سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد، قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما» (1)، فانّ الظاهر منها بمقتضى اتّحاد السياق أنّ هذا التشهّد هو ذاك التشهّد المنسي، و لا يراد به معنى آخر وراء ذلك.

و أصرح منها رواية علي بن أبي حمزة قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا قمت في الركعتين الأولتين و لم تتشهّد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهّد و إن لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثمّ تشهّد التشهّد الذي فاتك» (2)، فإنّها و إن لم تصلح للاستدلال لضعف علي بن أبي حمزة البطائني إلّا أنّها صالحة للتأييد.

و على الجملة: فلم يثبت الاكتفاء بالخفيف بالمعنى الذي ذكره، لعدم ثبوت اصطلاح خاصّ لهذا اللفظ كما عرفت. فالأقوى هو الإتيان بالتشهّد المتعارف‌

____________

(1) الوسائل 6: 403/ أبواب التشهد ب 7 ح 6.

(2) الوسائل 8: 244/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 26 ح 2.

396

و لا يجب التكبير للسجود و إن كان أحوط (1)، كما أنّ الأحوط مراعاة جميع ما يعتبر في سجود الصلاة [1] فيه من الطهارة من الحدث و الخبث و الستر و الاستقبال و غيرها من الشرائط و الموانع التي للصلاة كالكلام و الضحك في الأثناء و غيرهما فضلًا عمّا يجب في خصوص السجود من الطمأنينة و وضع

____________

كما كان هو الحال في أصل الصلاة.

(1) نسب إلى الشيخ في المبسوط القول بوجوب التكبير (1)، و لعلّ المشهور هو الاستحباب. و الظاهر عدم ثبوت شي‌ء منهما، لاحتياج كلّ منهما إلى الدليل و لا دليل، فانّ مدرك المسألة روايتان:

إحداهما: قوله (عليه السلام) في موثّقة عمّار المتقدّمة: «فإن كان الذي سها هو الإمام كبّر إذا سجد ...» إلخ (2)، حيث أمر (عليه السلام) بتكبير الإمام ليعلم من خلفه.

و فيه: أمّا بناءً على إلغاء الموثّقة و حملها على التقيّة أو ردّ علمها إلى أهله لتضمّنها عدم اعتبار شي‌ء عدا ذات السجدتين فقط، المنافية للنصوص الكثيرة المشهورة الدالّة على اعتبار الذكر و غيره كما سبق، فلا كلام.

و أمّا بناءً على الأخذ بها في هذه الفقرة أعني التكبير فهي لا تدلّ على الاستحباب فضلًا عن الوجوب إلّا بالإضافة إلى الإمام لغرض الإعلام، و لم يعلم الغاية منه إلّا على القول بوجوب سجدة السهو للمأموم أيضاً عند سهو‌

____________

[1] بل الأظهر ذلك في اعتبار وضع سائر المساجد و في وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه.

____________

(1) المبسوط 1: 125.

(2) الوسائل 8: 235/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 3.

397

سائر المساجد و وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه و الانتصاب مطمئناً بينهما، و إن كان في وجوب ما عدا ما يتوقّف عليه اسم السجود و تعدّده نظر (1).

____________

الإمام كما ورد ذلك في بعض الأخبار (1)، فيتّجه التكبير للإعلام حينئذ.

و كيف ما كان، فهي لا تدلّ على الاستحباب و لا الوجوب في المنفرد و لا في المأموم عند سهوه نفسه، و قد صرّح في صدرها بأنّه لا تكبيرة في سجدتي السهو.

الثانية: موثّقة زيد بن علي الواردة في سهو النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في صلاة الظهر و الإتيان بها خمس ركعات، و فيها «... فاستقبل القبلة و كبّر و هو جالس، ثمّ سجد سجدتين ...» إلخ (2).

و فيه أوّلًا: معارضتها بما ورد في غير واحد من الأخبار من تكذيب نسبة السهو إلى النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أنّه لم يسهُ في صلاته قط، و لم يسجد سجدتي السهو قط (3). فهي محمولة على التقية لا محالة.

و ثانياً: أنّها مقطوعة البطلان في نفسها، ضرورة أنّ زيادة الركعة في الصلاة تستوجب البطلان لا سجود السهو ليحكم بصحّتها. فلا يمكن الاعتماد عليها.

و على الجملة: فلا دليل على استحباب التكبير فضلًا عن الوجوب، و لكن حيث إنّ الشيخ (قدس سره) ذهب إلى الوجوب فلا بأس بالإتيان به احتياطاً و بقصد الرجاء دون الأمر.

(1) هل يعتبر في سجدتي السهو جميع ما يعتبر في سجود الصلاة، أو لا يعتبر شي‌ء منها؟

____________

(1) الوسائل 8: 241/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 7.

(2) الوسائل 8: 233/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 9.

(3) الوسائل 8: 202/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 13 و غيره.

398

..........

____________

الظاهر هو التفصيل بين ما اعتبر فيه بما أنّه جزء من الصلاة كالاستقبال و الستر و الطهارة عن الحدث و الخبث و طهارة المسجد و نحو ذلك، و بين ما اعتبر في نفس السجود بما أنّه سجود كالسجود على سبعة أعظم و على ما يصحّ السجود عليه.

فلا يعتبر الأوّل، لما عرفت من خروج سجدتي السهو عن حقيقة الصلاة و عدم كونهما من الأجزاء، بل هما عمل مستقلّ شرّع خارج الصلاة لإرغام الشيطان، و تركهما عمداً لا يوجب البطلان فضلًا عن السهو، فلا تعمّهما الشرائط المعتبرة في نفس الصلاة، لوضوح عدم شمولها لما هو أجنبي عنها.

و يعتبر الثاني، إذ لا قصور في أدلّتها عن الشمول للمقام، بل و لكلّ سجود مأمور به، فانّ ما دلّ على المنع عن السجود على المأكول و الملبوس أو على القير، أو الأمر بالسجود على المساجد السبعة ظاهر في اعتبار ذلك في طبيعي السجود. و لا دليل على انصراف مثل قوله (عليه السلام): إنّما السجود على سبعة أعظم (1) إلى خصوص السجود الصلاتي، بل هو عام بمقتضى الإطلاق لكلّ سجدة واجبة.

فالصحيح هو هذا التفصيل الذي هو حدّ وسط بين إطلاق القول بعدم اعتبار ما عدا ما يتوقّف عليه اسم السجود و تعدّده الذي مال إليه الماتن، و بين إطلاق القول باعتبار جميع ما يعتبر فيه في سجود الصلاة، لعدم نهوض الدليل على شي‌ء من الإطلاقين، بل يلتزم باعتبار شرائط السجود نفسه دون شرائط الصلاة كما عرفت.

نعم، لا مناص من اعتبار فعلهما قبل ارتكاب منافيات الصلاة من التكلّم‌

____________

(1) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2.

399

[مسألة 8: لو شكّ في تحقّق موجبه و عدمه لم يجب عليه]

[2109] مسألة 8: لو شكّ في تحقّق موجبه و عدمه لم يجب عليه (1)، نعم لو شكّ في الزيادة أو النقيصة فالأحوط إتيانه كما مرّ [1] (2).

____________

و نحوه، لما مرّ من النصوص الدالّة على أنّ سجدتي السهو بعد السلام و قبل الكلام، و قد عرفت (1) عدم خصوصية للكلام، و إنّما ذكر من باب المثال لمطلق المنافيات.

و يستفاد من ذلك اعتبار خلوّهما نفسهما أيضاً عن المنافيات و عدم تخلّلها بينهما، فانّ ما دلّ على لزوم فعل السجدتين قبل المنافي (2) ظاهر في ذلك، و إلّا فمع التخلّل لم يصدق وقوع السجدتين بما هما سجدتان قبل المنافي كما لا يخفى.

و منه تعرف أنّ سجود السهو مشترك مع الصلاة في موانعها دون شرائطها.

(1) لأصالة عدم التحقّق، المطابقة لأصالة البراءة عن الوجوب بناءً على ما عرفت من كونه وجوباً نفسياً مستقلا، فيدفع بالأصل لدى الشكّ.

(2) و قد مرّ (3) أنّ الأقوى عدمه، لما عرفت من أنّ مجرّد الشكّ في أحدهما ليس من الموجبات إلّا إذا كان مقروناً بالعلم الإجمالي، بأن علم إجمالًا إمّا بالزيادة أو النقيصة، فانّ الأحوط لزوماً (4) حينئذ الإتيان بالسجدتين، لدلالة النصوص عليه كما سبق.

____________

[1] لا بأس بتركه كما مرّ.

____________

(1) في ص 381.

(2) الوسائل 6: 402/ أبواب التشهد ب 7 ح 4، 8: 208/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 3 و غيرهما.

(3) في ص 371 372.

(4) [تقدّم في ص 374 أنّه الأقوى].

400

[مسألة 9: لو شكّ في إتيانه بعد العلم بوجوبه وجب (1) و إن طالت المدّة]

[2110] مسألة 9: لو شكّ في إتيانه بعد العلم بوجوبه وجب (1) و إن طالت المدّة، نعم لا يبعد البناء [1] على إتيانه بعد خروج وقت الصلاة (2) و إن كان الأحوط عدم تركه خارج الوقت أيضاً.

____________

(1) عملًا بقاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الامتثال.

(2) إلحاقاً للسجدة بنفس الصلاة، نظراً إلى كونها من توابعها و متعلّقاتها فيشملها حكمها من عدم الاعتناء، استناداً إلى قاعدة الحيلولة. فكأنه (قدس سره) فصّل بين عروض الشكّ في الوقت أو في خارجه، فيعتني به في الأوّل دون الثاني.

و لكنّه كما ترى، فانّا إذا بنينا على أنّ سجود السهو من الموقّتات، و أنّه محدود بما أسميناه بالفورية العرفية كما استفدناه من النصوص الدالّة على أنّه بعد السلام و قبل الكلام، و في حال الجلوس و نحو ذلك ممّا هو ظاهر في التوقيت فالشكّ العارض بعد مضيّ هذا الوقت محكوم بعدم الاعتناء بمقتضى الإطلاق في قوله (عليه السلام): «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (1) من غير فرق بين عروض الشكّ المزبور في وقت الصلاة أم في خارجه.

بل قد عرفت (2) عدم الدليل على لزوم الإتيان حتّى مع العلم بتركه في ظرفه عصياناً فضلًا عن الشكّ، لاختصاص الدليل بتلك الحالة، و عدم نهوض ما يصلح لبقاء الوجوب فيما بعدها، فلا أثر عندئذ للشكّ المذكور.

و إذا بنينا على عدم التوقيت و أنّ وجوبه ثابت ما دام العمر كما في صلاة‌

____________

[1] بل هو بعيد.

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

(2) في ص 383.