موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
51

لها في ذمّة السيِّد بطلَ الشراء، للزوم خلو البيع عن العوض (1). نعم، لا بأس به

____________

هو الزّوج، وجب عليه دفع تمام المهر إليها. و إن كانت هي الزوجة سقط المهر أجمع. و إن كانا هما معاً انتصف المهر، فيسقط نصفه و يجب عليه دفع النصف الآخر إليها.

و لم نعرف لهذا القول وجهاً، غير دعوى استناد التفويت إلى من هو سبب البطلان فيضمنه للآخر.

إلّا أنها مما لا يمكن المساعدة عليها. و ذلك لأنّ الزوجية ليست من الماليات كي تضمن عند تفويتها، و لذا لو قتل شخص زوجة أحد لم يضمن مضافاً إلى ديتها عوض الزوجية. و كذا لو تصدى الغير للبطلان و سبب فيه، كما لو تصدّت أُم الزوجة لإرضاع الطفل عمداً فحرمت المرأة على زوجها، فلا يحتمل ثبوت المهر عليها مع أنها هي التي فوتت الزوجية و أبطلتها.

و الحاصل أنّ في موارد الفسخ أو الانفساخ لا يثبت للزوجة شي‌ء من المهر بالمرّة عدا مورد الفسخ نتيجة لعنن الزّوج حيث يثبت لها نصف المهر. و أما في موارد البطلان، ففي غير الموارد التي دلّ الدليل على سقوط النصف كالموت و الطلاق و الإبراء لا يسقط من المهر و لا جزء من الألف فضلًا عن نصفه، بل تستحق تمام ما سمِّي في العقد.

(1) لانفساخ الزوجية بمجرد شراء الزوجة زوجها، فيرجع المهر إلى السيد لا محالة، و بذلك لا يتحقق مفهوم البيع الذي هو عبارة عن مبادلة مال بمال، لأنّ تملك العبد حينئذ يكون بلا عوض. و ليس هذا تخصيصاً في أدلة البيع أو شراء الزوجة زوجها، و إنما هو خروج عنها بالتخصص، حيث لا يتحقق فيه مفهوم البيع و الشراء.

و قد خالف في ذلك شيخنا الأُستاذ (قدس سره)، حيث التزم بالصحّة. بدعوى أن سقوط المهر معلول لشراء الزوجة العبد، و إلّا فالزوجية قبل ذلك ثابتة و المهر لازم للمولى و هي تملكه بلا خلاف، و إنما يعرض البطلان في مرتبة متأخرة عن الشراء. و من هنا فحيث إن المرأة تملك المهر في رتبة الشراء، فلا وجه للحكم بالبطلان، لعدم خلو البيع عن العوض.

52

..........

____________

و قد أشكل عليه في بعض الكلمات بأنه لا فرق في البطلان بين أن يكون في مرتبة متقدمة عن الشراء، أو يكون في مرتبة لاحقة له. فإن سقوط المهر في الرتبة اللاحقة للشراء، موجب لبطلان الشراء في الرتبة اللاحقة، فيلزم نفس المحذور المذكور في المتن.

و لكنّه مندفع بأنه لا موجب للحكم ببطلان البيع فيما إذا كان سقوط المهر في مرحلة متأخرة عنه، بل لا بدّ من الحكم بالصحّة و لزوم دفع بدل المهر إلى السيِّد على الزوجة، نظراً لتلف نفس المهر حكماً بانتقاله إلى البائع في مرحلة سابقة عن انفساخ العقد، كما هو الحال في سائر موارد الفسخ أو الانفساخ بعد تلف العوض حقيقة أو حكماً بالانتقال اللّازم عن ملكه.

ففي المقام يقال: إنّ الزوجة حينما اشترت زوجها كانت مالكة للمهر، فصح البيع لتمامية الشروط. و حينما حكم ببطلان الزوجية في مرحلة متأخرة عن الشراء، وجب عليها إرجاع المهر إلى من كان المهر عليه، و حيث إنه تالف لانتقاله عنها لزمها دفع بدله، كما هو الحال في جميع موارد تأخر الفسخ عن تلف أحد العوضين، و لا موجب لدعوى البطلان في المقام.

غير أن هذا لا يعني تمامية ما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره)، فإنه مما لا يمكن المساعدة عليه.

و ذلك لما ذكرناه في كتاب الصلاة عند تعرض المصنف (قدس سره) لما إذا نسي المصلِّي التسليم حتى صدر منه الحدث، من الحكم بالصحّة بالنظر إلى أن دليل «لا تُعاد» (1) شامل للتسليم أيضاً، حيث إنه ليس من الخمسة المستثناة، فيدلّ على سقوط جزئيته عند النسيان، كما هو الحال في سائر أجزاء الصلاة التي لا تعاد منها. و من هنا يكون الحدث بعد الفراغ من الصلاة لا محالة، لسقوط جزئية التسليم فيحكم بالصحّة فيه.

و ما قيل من أنّ الخروج عن الصلاة لما كان معلولًا للحدث و في مرتبة متأخرة‌

____________

(1) الوسائل، ج 6 كتاب الصلاة، أبواب التشهد، ب 7 ح 1.

53

إذا كان الشراء بعد الدخول، لاستقرار المهر حينئذ (1).

و عن العلامة في القواعد: البطلان إذا اشترته بالمهر الذي في ذمّة العبد و إن كان بعد الدخول، لأن تملكها له يستلزم براءة ذمته من المهر، فيخلو البيع عن العوض. و هو مبني على عدم صحّة ملكية المولى في ذمّة العبد. و يمكن منع عدم الصحّة (2). مع أنه لا يجتمع ملكيتها له و لما في ذمته، بل ينتقل ما في ذمّته إلى

____________

عنه، كان الحدث في مرتبة سابقة عن الخروج و هي حالة الصلاة، و من هنا فلا محيص عن الحكم بالبطلان.

مدفوع بما ذكرناه في مبحث الترتب و مبحث الواجب المشروط من المباحث الأُصولية، من أن نسبة الأحكام الشرعية إلى تمام موضوعاتها إنما هي نسبة المعلول إلى العلة التامة في التكوينيات، فهما مختلفان رتبة و متحدان من حيث الزمان حيث لا يفصل بينهما أي فاصل زماني. و من هنا فزمان الحدث هو بعينه زمان الخروج من الصلاة و إن كان الثاني متأخراً في الرتبة عن الأوّل، إلّا أنه لا عبرة بذلك و إنما العبرة بالزمان، و حيث إنه لا زمان يقع فيه الحدث مغايراً لزمان الخروج عن الصلاة بحيث يصدر منه الحدث و هو في الصلاة، فلا موجب للحكم بالبطلان.

فإنّ هذا الكلام يجري بعينه في المقام، فيقال: إنّ الزوجة في زمان انتقال العبد إلى ملكها لم تكن مالكة للمهر، لانتقاله في ذلك الزمان إلى ملك من كان عليه المهر و إن كانا يختلفان في الرتبة، و على هذا فليس هناك زمان ينتقل فيه المهر إلى البائع كي ينتقل العبد إلى ملك الزوجة و تحصل به مبادلة المال بالمال، كي يحكم بالصحّة، بل لا محيص عن الالتزام بالبطلان، لخلو البيع عن العوض و عدم تحقق مبادلة بالمال.

(1) بلا خلاف فيه. حيث يكون ملكاً طلقاً لها تفعل به ما تشاء، فإذا اشترت به العبد من مولاه حكم بصحّة البيع، و به يسقط ما في ذمّة المولى، كما هو الحال في الشراء من المدين.

(2) بل قد عرفت أنه هو الصحيح، فإنه يضمن ما يتلفه من أموال المولى بلا خلاف، فيتبع به بعد العتق.

54

المولى بالبيع (1) حين انتقال العبد إليها.

[مسألة 8: الولد بين المملوكين رقّ]

[3808] مسألة 8: الولد بين المملوكين رقّ [1] (2) سواء كان عن تزويج مأذون فيه، أو مجاز، أو عن شبهة مع العقد أو مجرّدة (3)، أو عن زنا منهما، أو من

____________

(1) ثمناً و عوضاً لانتقاله هو إلى الزوجة.

(2) بلا إشكال و لا خلاف فيه بين المسلمين قاطبة، فإنه نماء لهما، فيتبعهما في الرقية.

و تدلّ عليه مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) فإنّ المسلمين كانوا يملكون العبيد و الإماء، و كانوا يملكون أولادهم أيضاً من غير ردع أو زجر جملة من النصوص المعتبرة الدالة على حرية المولود من أبوين أحدهما حرّ (1) فإنّ هذه الأسئلة و الأجوبة إنما تكشف عن وضوح مملوكية المولود من المملوكين لدى السائل.

و يؤيِّد ذلك خبر أبي هارون المكفوف، قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «أ يسرك أن يكون لك قائد؟» قلت: نعم، فأعطاني ثلاثين ديناراً و قال: «اشتر خادماً كسومياً» فاشتراه، فلما أن حجّ دخل عليه فقال له: «كيف رأيت قائدك يا أبا هارون»؟ قال: خيراً. فأعطاه خمسة و عشرين ديناراً و قال له: «اشتر له جارية شبانية، فإنّ أولادهنّ فره» فاشتريت جارية شبانية فزوجتها منه فأصبت ثلاث بنات، فأهديت واحدة منهنّ إلى بعض ولد أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و أرجو ان يجعل ثوابي منها الجنة، و بقيت ثنتان ما يسرّني بهن أُلوف (2).

غير أنّ هذه الرواية لا تخلو من الإشكال في السند.

(3) بلا خلاف فيه. فإنه نماء لهما و ينتتسب شرعاً إليهما، فيكون رقّاً لا محالة، كما‌

____________

[1] هذا إذا كانت الأُم أمة، و أمّا إذا كانت حرّة فلا يبعد أن يكون الولد حرّا و إن كانت زانية أو عالمة بفساد العقد، و سيأتي منه (قدس سره) في المسألة الرابعة عشرة الفرق بين الزنا و فساد العقد على خلاف ما ذكره هنا.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 30.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 42 ح 1.

55

أحدهما، بلا عقد أو عن عقد معلوم الفساد عندهما، أو عند أحدهما (1).

و أما إذا كان أحد الأبوين حراً، فالولد حر إذا كان عن عقد صحيح (2) أو شبهة

____________

هو الحال في التزويج الصحيح.

(1) كل ذلك لكونه نماءً لهما، فلا يتّصف بالحرية مع كونهما رقّين، بل يتبعهما في العبودية لا محالة.

(2) أما إذا كانت الأُم حرّة، فلا إشكال و لا خلاف في حرية الولد. و تدلّ عليه مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) جملة من النصوص الصحيحة الدالّة بإطلاقها أو نصّها على المدعى، كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال في العبد تكون تحته الحرّة، قال: «ولده أحرار، فإن أعتق المملوك لحق بأبيه» (1). و غيرها من النصوص التي يأتي ذكرها.

و أما لو كان الأب حرّا و كانت الام أمة، فالمشهور شهرة عظيمة بل ادعي عليه الإجماع أنه يلحق بالأب في الحرية، و لا عبرة بعبودية الام. و قد دلّت على ذلك جملة من النصوص الصحيحة، كمعتبرة جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل تزوّج بأمة فجاءت بولد؟ قال: «يلحق الولد بأبيه» قلت: فعبد تزوّج حرّة؟ قال: «يلحق الولد بأُمه» (2). و غيرها من الأخبار.

و لكن قد خالف في ذلك ابن الجنيد، فالتزم بتبعية الولد للأُم في الرقية إلّا إذا اشترط حريته (3).

و استدلّ عليه بعدة روايات معتبرة، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رجل زوّج أمته من رجل و شرط عليه أنّ ما ولدت من ولد فهو حرّ فطلّقها زوجها أو مات عنها فزوّجها من رجل آخر، ما منزلة ولدها؟ قال‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 30 ح 3.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 30 ح 2.

(3) المختلف 7: 168.

56

..........

____________

«منزلتها، ما جعل ذلك إلّا للأوّل، و هو في الآخر بالخيار، إن شاء أعتق، و إن شاء أمسك» (1).

و هذه المعتبرة كما تراها صريحة في لحوق الولد بالأمة في صورة عدم الاشتراط.

و من هنا فيقع التعارض بينها و بين النصوص المتقدِّمة، التي دلّت على تبعية الولد للأب في هذا الفرض صراحة. و حيث لا مجال لحملها على صورة الاشتراط نظراً إلى أنّ الظاهر منها أنه (عليه السلام) إنما هو في مقام بيان تبعية الولد للأب من حيث حرية الأب بحدّ ذاتها، و مع قطع النظر عن جهة أُخرى كالاشتراط، يتعين حمل صحيحة الحلبي على التقيّة، إذ ينسب إلى العامة القول باللحوق إلى الأم.

و إلّا فلا محيص عن الالتزام بسقوط الطائفتين معاً للتعارض، و يكون المرجع حينئذ هو عمومات أو إطلاقات الآيات الكريمة و النصوص الشريفة المثبتة للأحكام التكليفية و الوضعية، حيث إن مقتضاها ثبوت هذه الأحكام لجميع المكلفين من دون توقّف على إذن أحد أو رضاه، إلّا أنه قد خصص بالدليل المنفصل بالمملوك، حيث لا يقدر على شي‌ء و لا بدّ له في جميع تصرفاته من إذن مولاه.

و لما كان أمر المخصص يدور بين الأقل و الأكثر، إذ لا يعلم أنّ الخارج هل هو خصوص المتولد من المملوكين، أو ما يعمّ المولود من الحر و المملوكة، فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن و الرجوع في المشكوك إلى العام، حيث إن الشبهة حكمية.

و إذا ثبت وجوب التكليف عليه من دون تقيّد بإذن أحد، ثبت عدم رقيته بالدلالة الالتزامية، و قد ذكرنا في المباحث الأُصولية أن الدلالات الالتزامية حجة في الأمارات. فإنّ المولود يولد من دون أن يكون تحت سلطان أحد، أو يكون تكليفه متوقّفاً على إذن أحد، على ما تقتضيه إطلاقات و عمومات الكتاب و السنّة في الأحكام التكليفية و الوضعية.

و من هنا يمكن أن يقال: إنّه لا حاجة في الترجيح إلى القول بأنّ ما دل على‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 30 ح 13.

57

مع العقد أو مجردة (1) حتى فيما لو دلست الأمة نفسها بدعواها الحرية فتزوجها حر على الأقوىٰ [1]، و إن كان يجب

____________

اللحوق بالحر في المقام مخالف للعامّة بخلاف معتبرة الحلبي حيث إنها موافقة لهم على ما نسب إليهم ذلك فإن ما دل على اللحوق بالحر موافق للكتاب، فيترجح على الطائفة الثانية من دون أن تصل النوبة إلى المرجح الثاني، أعني مخالفة العامة.

و مع قطع النظر عن هذين المرجحين و إطلاقات و عمومات الكتاب و السنّة فالمرجع بعد تساقط الطائفتين إنما هو أصالة الحرية. و معنى هذا الأصل هو ما ذكرناه في مبحث البراءة من المباحث الأُصولية، من جريان الاستصحاب بالنسبة إلى مقام الجعل أيضاً فيما إذا تردد الحكم بين إلزامي و غيره سواء في ذلك الوضعي و التكليفي الراجع إلى التردد في الإطلاق و التقييد، إذ الذي يحتاج إلى الجعل إنما هو الإلزام و التقييد دون الإباحة و الترخيص، فإنهما ثابتان في غير ما أمر اللّٰه بفعله أو نهى عنه بالعقل و الآيات و النصوص، فإن البشر مطلق العنان في تصرفاته يفعل ما يريد و يترك ما يشاء غير ما أمر به المولى عز و جل. و من هنا فإذا شككنا في جعل التقييد كان لنا التمسّك بالأصل لنفيه.

و عليه فحيث إن مرجع الرقية إلى التقييد بخلاف الحرية حين إن مرجعها إلى الإطلاق، كان المرجع عند الشك في جعلها لفرد هو أصالة العدم، و لا يعارض ذلك بأصالة عدم جعل الحرية حيث لا أثر لهذا الجعل بالمرة، فيحكم بحرية هذا المولود لا محالة.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً، من لحوق الولد بالحر من الوالدين، سواء أ كان هو الأب أم كان الأُم.

(1) فإنّ الحر المشتبه إذا كان هو الزوج، فلا إشكال في لحوق الولد به.

و تدلّ عليه مضافاً إلى أصالة الحرية جملة من النصوص المعتبرة، كالتي وردت‌

____________

[1] فيه تفصيل يأتي.

58

..........

____________

فيمن تزوّج امرأة ادعت الحرية فأولدها، ثمّ انكشف كونها أمة، حيث حكم (عليه السلام) بتبعية الولد للأب في الحرية (1). و التي وردت فيمن يشتري الأمة من السوق فيستولدها، ثمّ يظهر كونها مغصوبة و لم يجز مالكها البيع، فحكم الإمام (عليه السلام) بحرية الولد أيضاً (2). فإن هذه النصوص تدلّ على تبعية الولد للأب الحر و حريته فيما إذا كان هو المشتبه في الوطء.

و أما إذا كان الاشتباه من جانب الأُم الحرّة، فالمشهور و المعروف بينهم هو الحكم بتبعية الولد لها في الحرية. و قد خالف في ذلك الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة و وافقه عليه الشيخ الطوسي (قدس سره)، حيث إنه (قدس سره) قد أورد كلام المفيد (قدس سره) و ذكر رواية تدلّ عليه من دون أن يعلق عليه بشي‌ء فيظهر منه الرضا بما ذكر في المتن.

و هذه الرواية هي رواية العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال في رجل دبّر غلاماً له فأبق الغلام، فمضى إلى قوم فتزوج منهم و لم يعلمهم أنه عبد فولد له أولاد و كسب مالًا، و مات مولاه الذي دبّره فجاء ورثة الميت الذي دبر العبد فطالبوا العبد، فما ترى؟ فقال: «العبد و ولده لورثة الميت». قلت: أ ليس قد دبر العبد؟ قال: «أنه لما أبق هدم تدبيره و رجع رقاً» (3).

إلّا أنّ هذه الرواية مضطربة السند إلى حد لم يعهد لها مثيل في الروايات على الإطلاق، فإنّ الشيخ (قدس سره) قد ذكرها في التهذيب في موردين.

أحدهما في باب (العقود على الإماء) و قد ورد السند هكذا: البزوفري، عن أحمد ابن إدريس، عن الحسين (الحسن) بن أبي عبد اللّٰه بن أبي المغيرة (عن ابن أبي المغيرة) عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلاء بن رزين.

و ثانيهما في (باب التدبير) و قد ورد السند هكذا: البزوفري، عن أحمد بن إدريس‌

____________

(1) الوسائل 21: 95 أبواب نكاح العبيد، باب 9 ح 26618.

(2) الوسائل 21: 94 أبواب نكاح العبيد، باب 9 ح 26616.

(3) التهذيب 7: 247 ح 1071، الاستبصار 3: 139 ح 501.

59

..........

____________

عن الحسن بن علي، عن أبي عبد اللّٰه (عبد اللّٰه) بن المغيرة (أبي المغيرة) عن الحسن بن عليّ بن فضال، عن العلاء بن رزين. هذا بحسب الطبعة القديمة.

و أمّا الطبعة الحديثة فقد ورد في المورد الأوّل هكذا: البزوفري، عن أحمد بن إدريس، عن الحسن بن أبي عبد اللّٰه بن أبي المغيرة، عن الحسن بن علي بن فضال عن العلاء بن رزين (1).

و أمّا المورد الثاني فقد ورد فيه: البزوفري، عن أحمد بن إدريس، عن الحسن بن علي بن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلاء بن رزين (2).

و قد ذكرها صاحب الوافي (قدس سره) أيضاً في موردين، ففي (باب النِّكاح) رواها عن البزوفري، عن القمي، عن الحسن بن أبي عبد اللّٰه، عن ابن المغيرة، عن ابن فضال، عن العلاء بن رزين (3) من دون تعرّض لاختلاف النسخ.

و أما في (باب التدبير) فقد ذكر أن في أكثر النسخ: الحسين بن علي أبي عبد اللّٰه بن أبي المغيرة، عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلاء بن رزين. إلّا أن في بعضها الحسن بدلًا عن الحسين، كما أن في بعضها الحسين بن علي، عن أبي عبد اللّٰه بن أبي المغيرة، عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلاء بن رزين. ثمّ استظهر بعد ذلك كلّه أنّ الصحيح هو ما ورد في المورد الثاني من الطبعة الحديثة للتهذيب (4).

ثمّ إن صاحب الوسائل (قدس سره) قد رواها أيضاً في موردين، فقد رواها في (أبواب التدبير) عن محمد بن الحسن، عن البزوفري، عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن علي، عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلاء بن رزين (5).

____________

(1) التهذيب 7: 353/ 1437.

(2) التهذيب 8: 265/ 966.

(3) الوافي 2: ج 12، ص 83، أبواب وجوه النِّكاح، باب الرّجل يدلِّس نفسه.

(4) الوافي 3: ج 6 ص 89، أبواب العتق و الانعتاق، باب التدبير.

(5) الوسائل، ج 23 كتاب التدبير و المكاتبة، ب 10 ح 2.

60

..........

____________

كما رواها في أبواب (نكاح العبيد و الإماء) عن محمد بن الحسن، عن البزوفري عن الحسين بن أبي عبد اللّٰه، عن ابن أبي المغيرة، عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلاء بن رزين (1) من دون أن يتعرض إلى اختلاف النسخ في كلام الموردين.

ثمّ لا يخفى أن السند في المورد الثاني من الوسائل لا يخلو من سقط. فإن البزوفري لا يمكنه أن يروي عن الحسين بن أبي عبد اللّٰه مباشرة و من دون واسطة، لاختلاف طبقتهما، و من هنا فمن المطمأنِّ به سقوط (أحمد بن إدريس) من القلم أو الطبع.

و على هذا فالرواية ساقطة من حيث السند، و لا مجال للاعتماد عليها.

و منه يظهر الحال فيما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره)، من أن المشهور و إن ذهبوا إلى تبعية الولد لأشرف أبويه، و هو الأُم في المقام لكونها حرّة، إلّا أنّ الرواية المعتبرة لما كانت واردة في خصوص هذا المورد و دالّة على إلحاقهم بأبيه العبد، فلا بدّ من تخصيص القاعدة (2).

فإنّ هذه الرواية غير معتبرة، كما عرفت. على أنه لو فرض تمامية سندها فهي مبتلاة بالمعارض، و هو صحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن مملوك لرجل أبق منه فأتى أرضاً فذكر لهم أنه حر من رهط بني فلان، و أنه تزوّج امرأة من أهل تلك الأرض فأولدها أولاداً، و أنّ المرأة ماتت و تركت في يده مالًا و ضيعة و ولدها، ثمّ أن سيده بعد أتى تلك الأرض فأخذ العبد و جميع ما في يديه و أذعن له العبد بالرق؟ فقال: «أما العبد فعبده، و أما المال و الضيعة فإنه لولد المرأة الميتة لا يرث عبد حراً». قلت: فإن لم يكن للمرأة يوم ماتت ولد و لا وارث، لمن يكون المال و الضيعة التي تركتها في يد العبد؟ فقال: «يكون جميع ما تركت لإمام المسلمين خاصة» (3) فإنها واردة في محل النزاع و صريحة في حرية الولد.

فلو تمّ سند تلك الرواية لكانت معارضة بهذه الرواية، فتسقطان معاً لا محالة‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 28 ح 1.

(2) الحدائق 24: 233.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب العيوب و التدليس، ب 11 ح 3.

61

عليه حينئذ دفع قيمة الولد إلى مولاها (1).

و أما إذا كان عن عقد بلا إذن مع العلم من الحر بفساد العقد، أو عن زنا من الحرّ منهما، فالولد رقّ [1] (2).

____________

و يكون المرجع حينئذٍ هو عمومات ما دلّ على تبعية الولد لأشرف أبويه، و أصالة الحرية.

و من الغريب أن الشيخ (قدس سره) و صاحب الحدائق (قدس سره) لم يلتفتا إلى هذه الرواية عند تمسكهما برواية العلاء بن رزين، مع تضلعهما في الأخبار.

(1) و سيأتي الحديث في هذا الفرع و الذي سبقه في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل إن شاء اللّٰه.

(2) فإنّ الحر الزاني ان كان هو الأب كان الولد رقّاً.

لكن لا لما قيل من انتفاء الانتساب عنه شرعاً، فيلحق بالأُم المملوكة فيكون رقاً لا محالة، فإنه مردود بأنه لم يعثر في شي‌ء من الأخبار المعتبرة منها و غير المعتبرة ما يدلّ على انتفاء النسب بين الزاني أو الزانية و الولد، إذ غاية ما ورد في النصوص إنما هو نفي التوارث بينهما، و من الواضح أنه لا يدلّ على انتفاء النسب، فإنه ثابت في القاتل و الكافر، و الحال أنه لا قائل بانتفاء النسب بينهما.

و أما قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «الولد للفراش و للعاهر الحجر» (1) فهو أجنبي عن محل الكلام بالمرة، فإن مورده إنما هو حالة الشك و فرض عدم العلم، فلا يشمل ما إذا علم تكون الولد من ماء الزاني، حيث لا يلحق الولد بالزوج بلا خلاف.

و من هنا كان التزامنا بترتّب جميع أحكام الأُبوة و البنوّة عدا الإرث عليهما فلا يجوز للزاني أن يتزوّج من البنت المخلوقة من مائه.

____________

[1] هذا إذا كانت الأُمّ أمة، و أمّا إذا كانت الأُمّ حرّة فلا يبعد أن يكون الولد حرّا و إن كانت زانية أو عالمة بفساد العقد، و سيأتي منه (قدس سره) في المسألة الرابعة عشرة الفرق بين الزِّنا و فساد العقد على خلاف ما ذكره هنا.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 74 ح 1.

62

..........

____________

بل لجملة من النصوص المعتبرة التي دلّت على الحكم بالصراحة، كصحيحة سماعة، قال: سألته عن مملوكة قوم أتت قبيلة غير قبيلتها و أخبرتهم أنها حرّة فتزوّجها رجل منهم فولدت له، قال: «ولده مملوكون إلّا أن يقيم البيِّنة أنه شهد لها شاهدان أنها حرّة، فلا يملك ولده و يكونون أحراراً» (1).

و هي و إن كانت تشمل بإطلاقها صورة الوطء شبهة أيضاً، إلّا أنه لا بدّ من تقييد الإطلاق بغير فرض الشبهة، و ذلك للنصوص المعتبرة المتقدِّمة الدالة على لحوق الولد بالحر إذا كان مشتبهاً، و بذلك تكون الرواية دالة على لحوق الأولاد بالأمة في فرض الزنا و إن كان أبوهم حراً.

و صحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رجل ظن أهله أنه قد مات أو قتل، فنكحت امرأته و تزوّجت سريته، فولدت كل واحدة منهما من زوجها ثمّ جاء الزوج الأوّل و جاء مولى السرية، فقضى في ذلك: «أن يأخذ الأوّل امرأته فهو أحقّ بها، و يأخذ السيد سريته و ولدها إلّا أن يأخذ رضاه من الثمن ثمن الولد» (2). و مثلها صحيحة محمد بن قيس عنه (عليه السلام) (3).

فإنهما ظاهرتان في الزنا، حيث إنهما واردتان فيمن ظن موت الرجل فتزوّج بامرأته أو جاريته المسراة، و من الواضح أن الظن لا يغني شيئاً فيكون الفعل زنا لا محالة.

و معتبرة حريز عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أمة أبقت من مواليها فأتت قبيلة غير قبيلتها، فادعت أنها حرّة فوثب عليها حينئذ رجل فتزوّجها، فظفر بها مولاها بعد ذلك و قد ولدت أولاداً، قال: «إن أقام البينة الزوج على أنه تزوّجها على أنها حرّة أعتق ولدها و ذهب القوم بأمتهم، و إن لم يقم البينة أوجع ظهره و استرق ولده» (4).

____________

(1) الوسائل، ج 12 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 2.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 6.

و فيه: «إلّا أن يأخذ من رضا من الثمن له ثمن الولد» و جعلت عبارة المتن نسخة بدل.

(3) الوسائل، ج 25 كتاب الغصب، ب 6 ح 1.

(4) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 3.

63

..........

____________

و هذه الرواية معتبرة سنداً، باعتبار أن عبد اللّٰه بن يحيى المذكور في سندها من جملة رواة تفسير علي بن إبراهيم، و ليس هو الكاهلي كما توهمه بعضهم.

نعم، ذكر الكليني (قدس سره) في الكافي هذه الرواية بعين هذا المتن و السند، إلّا أن فيه عبد اللّٰه بن بحر بدل عبد اللّٰه بن يحيى و هو ممن لم يوثق، و حيث أن الكليني أضبط نقلًا، يشكلُ اعتبار هذه الرواية معتبرة من جهة السند.

و خبر علي بن حديد عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل أقرّ على نفسه بأنه غصب جارية رجل فولدت الجارية من الغاصب، قال: «تردّ الجارية و الولد على المغصوب منه إذا أقرّ بذلك الغاصب» (1).

و الحاصل أنّ الصحيح في المقام و إن كان هو ما ذهب إليه المشهور من عدم لحوق الولد بأبيه الحر، إلّا أن الوجه فيه لم يكن ما ذكروه من عدم الانتساب إليه شرعاً فإنك قد عرفت بطلانه، و إنما كان هو النصوص المعتبرة الواردة في المقام.

و من هنا يظهر اندفاع توهّم أن الولد لما كان مولوداً من الحر كان مقتضى أصالة الحرية و ما دلّ على عدم استرقاق من كان أحد أبويه حراً هو الحكم بحريته، فإنه في غاية الفساد، فإنّ النصوص التي تقدّمت تمنع من الرجوع إلى الأصل، و تخصّص عمومات ما دلّ على عدم استرقاق من كان أحد أبويه حراً.

و إن كان الحر الزاني هي الأُم، فقد يقال بأنّ الولد مملوك لمالك الأب العبد. لكنّه مدفوع بأنه لا أساس له سوى ما ذكرناه من دعوى ارتفاع النسب بالزنا، فهو حينئذ لا يكون ولداً للحرّة، فيتبع أباه في الرقية لا محالة. لكنّك قد عرفت فسادها حيث لا دليل عليها بالمرّة.

و من هنا فالقول بتبعيته للُام هو المتعين، فإنه نماء لها، و الرجل ليس إلّا لقاحاً. و يدلّ عليه ما دلّ على أنه لا يسترق من كان أحد أبويه حراً، و مع التنزل عنه تكفينا إطلاقات و عمومات الكتاب و السنّة المقتضية للحرية، حيث لا دليل على رقيته و الشبهة حكمية، و مع الإغماض عنها فأصالة الحرية هي المحكمة.

____________

(1) الكافي 5: 405.

64

ثمّ إذا كان المملوكان لمالك واحد فالولد له (1). و إن كان كل منهما لمالك فالولد بين المالكين بالسويّة [1] (2)

____________

(1) بلا خلاف و لا إشكال، لكونه نماءً لملكه، سواء أقلنا بتبعيته لأبيه أم قلنا بتبعيته لُامّه.

(2) لا نعلم لذلك وجهاً صحيحاً، كما اعترف به غير واحد من الأصحاب. فإنّ المولود إنما هو نماء المرأة، و الرجل لا يقوم إلّا بدور اللقاح كما هو الحال في سائر الحيوانات، حيث يعد المولود نتاجاً للأُنثى من دون أن يكون للذكر فيه نصيب إلّا قيامه بدور اللقاح.

و ما يقال من أن الإنسان غير الحيوان حيث إن النسب مقصود في الآدميين فيلاحظ أب المولود بخلاف الحيوانات.

مدفوع بأنه لا أثر لذلك، أعني ملاحظة النسب في كون النتاج نتاجاً للُام. فإن لحاظ اللِّقاح لبعض الأغراض، لا يوجب انقلاب النتاج و النماء عن كونه نماءً لها خاصة إلى كونه نماءً مشتركاً لهما. على أن النسب مقصود في بعض الحيوانات كالخيول العربية و بعض أصناف البقر و مع ذلك فلا يخرج المولود عن كونه نتاجاً للُام.

و بعبارة اخرى نقول: إنه سواء أقلنا بأنّ منشأ تولد المولود هو مني الأب خاصّة و إنّ الام لا تقوم إلّا بدور المحل المناسب لتربيته و تطوره، أم قلنا أنه هو مني الأُم خاصة و إن الأب لا يقوم إلّا بدور اللقاح، أم قلنا أنه هو المنيان معاً، فالولد لا يخرج عن كونه نتاجاً للأُم خاصة. و ذلك فلأن المني كما إنه ليس بمال ليس بمملوك لأحد إذ هو فضلة كسائر الفضلات، و ليس هو كالحب المملوك حيث يتبعه الزرع في الملكية فإنّ البون بينهما بعيد، فأحدهما مملوك و الآخر فضلة غير مملوكة لأحد سواء فيه الحر و العبد.

____________

[1] لا يبعد أن يكون الولد لمالك الأمة على أساس أنه نماؤها كما هو الحال في سائر الحيوانات.

65

..........

____________

و من هنا فيكون النماء من نتاج الام، حيث إنها التي تربي و بحسب الطبيعة التي خلقها اللّٰه تعالى و السر الذي أودعه فيها مني الزوج أو منيها أو منيهما معاً، و تطوي به المراحل حتى يخرج خلقاً آخر، فيكون تابعاً لها في الملكية حيث تكون رقاً، نظير ما هو الحال في سائر الحيوانات.

و لو لا هذا الذي ذكرناه من تبعية الولد لُامِّه و كونه نتاجاً لها، لم يكن وجه لاتفاقهم على أنّ العبد إذا زنى بأمة فحملت منه كان الولد لمولاها، سواء أ كانت هي زانية أيضاً أم لم تكن، إذْ لم يرد في النصوص و لا خبر ضعيف يدلّ عليه.

نعم، ورد ذلك في الحرّ إلّا أنه لا مجال لقياس العبد عليه، حيث إنّ الحرّ مالك لجميع تصرّفاته، فإذا أقدم على إلغاء احترام ماله لم يكن ماله بعد ذلك محترماً، فيلحق الولد بالأمة. و هو بخلاف العبد فإنه لا يملك شيئاً، فلو كان منيه مملوكاً و كان الولد من نتاجه أو نتاجهما معاً، لكان ينبغي القول باختصاص مولاه أو اشتراكه مع مولى الأمة في الولد، حيث لا يتأتى هنا القول بأنه قد أقدم على إلغاء احترام ماله.

هذا و يمكن الاستدلال على تبعية الولد للُام و كونه من نتاجها بطوائف من الأخبار.

منها: ما ورد في المولود من فجور الحر بالأمة، حيث دلت على كونه رقّاً لمالكها و قد تقدّمت جملة منها. فإنّه إنّما يتم بناءً على ما ذكرناه من كون الولد نتاجاً للُام، و إلّا لم يكن وجه لكونه بتمامه رقّاً لمالك الأمة، بل كان ينبغي أن يكون نصفه حراً و نصفه الآخر مملوكاً له.

و منها: ما دلّ على أنّ الأمة إذا دلست نفسها و ادعت الحرية فتزوّجها حرّ، كان الأولاد أحراراً و كان على الأب أن يدفع قيمته إلى مولاها يوم سقط حيّاً، كصحيحة سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً و زعمت أنها حرّة، فتزوجها رجل منهم و أولدها ولداً، ثمّ إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة و أقرّت الجارية بذلك، فقال: «تدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على‌

66

..........

____________

مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه» (1).

فإنه لو كان الولد نتاجاً للأبوين، لكان ينبغي أن يدفع إلى مولاها نصف قيمته خاصّة، فالحكم بضمانه لتمام القيمة دليل على كونه من نتاج الأمة خاصة.

و منها: ما دلّ على أن حمل المدبرة إن كان بعد التدبير فهو مدبر كالأُم، و إلّا فلا يتبع الأُم في التدبير، كموثقة عثمان بن عيسى الكلابي عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة دبّرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة فلم تدرِ المرأة حال المولودة هي مدبّرة أو غير مدبّرة؟ فقال لي: «متى كان الحمل بالمدبرة، أقَبْلَ ما دبّرت أو بعد ما دبّرت»؟ فقلت: لست أدري، و لكن أجبني فيهما جميعاً؟ فقال: «إن كانت المرأة دبّرت، و بها حبل و لم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبّرة و الولد رقّ، و إن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبّر في تدبير أُمّه» (2).

و كذلك ما ورد في أولاد المدبرة بعد التدبير، كصحيحة أبان بن تغلب، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل دبّر مملوكته، ثمّ زوّجها من رجل آخر فولدت منه أولاداً، ثمّ مات زوجها و ترك أولاده منها، قال: «أولاده منها كهيئتها، فإذا مات الذي دبّر أُمهم فهم أحرار» (3).

و عنوان الرجل في هذه الرواية و إن كان أعمّ من الحر و المملوك إلّا أنه لا بدّ من حمله على المملوك، إذ لو كان الأب حراً لم يكن وجه للسؤال عن كون الأولاد مدبرين أم لا، لكونهم حينئذ أحراراً تبعاً لأشرف أبويهم. و على هذا فالرواية غير شاملة في نفسها لما إذا كان الزوج حراً، و على فرض شمولها له فهو خارج بما دلّ من النصوص على حرية الولد إذا كان أحد أبويه حراً.

و من هنا فقد أطلق صاحب الشرائع (قدس سره)، حيث ذكر أن المدبرة لو حملت بمملوك، سواء كان عن عقد أو زنا أو شبهة، كان مدبراً. و لم يقيده بما إذا كان المملوك‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 5.

(2) الوسائل، ج 23 كتاب التدبير و المكاتبة، أبواب التدبير، ب 5 ح 2.

(3) الوسائل، ج 23 كتاب التدبير و المكاتبة، أبواب التدبير، ب 5 ح 1.

67

إلّا إذا اشترطا [1] التفاوت أو الاختصاص بأحدهما (1).

____________

متولِّداً من عبد له، فيعمّ الحكم ما إذا كان من عبد لغيره، و نعم ما صنع (1).

و على كل فمقتضى إطلاق هذه الرواية أن الولد يكون لمالك الأمة و يكون مدبّراً بتبعها، سواء أ كان الأب مملوكاً له أم كان مملوكاً لغيره، بل إن إطلاق رواية الحمل يشمل ما إذا كان الزوج حراً و كان التزويج فاسداً، فيلحق الولد بامه و يكون مدبّراً و هو يدلّ على كونه من نتاجها خاصة.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه أبو الصلاح و جماعة، من تبعية الولد لُامِّه فيكون رقاً لمالكها (2) على ما تقتضيه القواعد.

(1) و كأنه لعموم قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» حيث إن مقتضاه نفوذ كل شرط لا يخالف الكتاب أو السنّة.

إلّا أنه لا يمكن المساعدة على ذلك. و الوجه فيه ما بيناه في مبحث الشروط مفصّلًا من أنّ دليل نفوذ الشرط ليس بمشرع بحيث يقتضي شرعية ما هو غير مشروع، و إن غاية ما يقتضيه هو إلزام المؤمن بالوفاء بما هو مشروع في نفسه و مع قطع النظر عن الاشتراط، بحيث يكون للمشروط عليه أن يفعله من دون الاشتراط. و أما ما ليس للمكلّف أن يفعله فلا أثر لاشتراطه، و لا يقتضي ذلك لزومه و نفوذه، باعتبار أنه شرط مخالف للكتاب و السنّة و مستلزم لتغيير حكم اللّٰه تبارك و تعالى. و حيث إنّ المقام من هذا القبيل، باعتبار أن الولد حينما يولد مملوك لمالك الأُم خاصة على ما اخترناه، أو مشترك بينه و بين مولى العبد على ما اختاروه، كان اشتراط الزيادة أو الاختصاص مخالفاً لكتاب اللّٰه و سنّة نبيِّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) (3).

و الحاصل أنّ كل أمر لم يكن، مع قطع النظر عن الشرط، مشروعاً لا يتصف نتيجة الشرط بالمشروعية، و لا يلزم العمل به.

____________

[1] الظاهر أنه لا أثر لهذا الاشتراط إذا كان على نحو شرط النتيجة، و بذلك يظهر حال ما بعده.

____________

(1) شرائع الإسلام.

(2) الكافي في الفقه: 315.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 20 ح 4.

68

هذا إذا كان العقد بإذن المالكين (1)

____________

و على هذا الأساس لم يلتزم فقيه بصحّة هذا الاشتراط في غير النكاح من العقود اللّازمة كأن يبيع داره و يشترط في ضمنه على المشتري أن يكون نتاج مملوكية له على نحو شرط النتيجة، لكونه شرطاً مخالفاً لكتاب اللّٰه و سنّة نبيِّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

نعم، لو كان أمر النتيجة مما للمشترط عليه أن يفعله قبل الشرط، و لم يكن لتحقّقه سبب خاص، صح اشتراطه و لزم، كما لو اشترى داراً و اشترط في ضمن العقد أن يكون جميع أثاث البيت له، حيث لا مانع منه لأنه لا يحتاج إلّا إلى الاعتبار النفسي و إبرازه في الخارج بمبرز، و المفروض تحققهما معاً بالعقد.

و بالجملة فكل أمر كان للمكلف أن ينشئه بالفعل، أو فعل كان له أن يفعله كذلك و لم يكن له سبب خاص، يصح اشتراطه و يلزم به. و أما ما ليس للمكلف أن يفعله أو ينشئه بالفعل، أو كان متوقفاً على سبب معين، فلا مجال لاشتراطه لكونه مخالفاً للكتاب و السنّة.

ثمّ إنّ بطلان شرط النتيجة يتوقف على أن يكون لدليل الحكم إطلاق يشمل فرض الاشتراط أيضاً، فإنه حينئذ يكون اشتراط خلافه مخالفاً للكتاب و السنة. و أما إذا لم يكن لدليل الحكم إطلاق يشمل فرض الاشتراط، و إنما كان مقيداً بفرض عدم الاشتراط كما هو الحال في الإرث في الزوجية المنقطعة، فلا يكون اشتراطه مخالفاً للكتاب.

و من هنا يظهر أنه لو التزمنا بما ذهب إليه ابن الجنيد من رقية المولود من حر و أمة إلّا إذا اشترط حريته، لم يكن هذا الاشتراط مخالفاً للكتاب أو السنة، إذ لو عملنا بالنصوص التي استدل بها على هذا المدعى، لم يبق هناك إطلاق للكتاب و السنة يقتضي الرقية حتى في فرض الاشتراط.

(1) فيكون الولد مشتركاً بينهما، لوحدة النسبة على ما اختاروه، و مملوكاً لمالك الأُم خاصة على ما اخترناه.

69

أو مع عدم الإذن من واحد منهما [1] (1).

____________

(1) ما ذكره (قدس سره) لم يظهر له وجه، إذ قد تقدّم في جملة من النصوص المتقدِّمة التصريح بأن المملوك إذا تزوّج بغير إذن مولاه كان زانياً، فلا ينسجم حكمه (قدس سره) هذا مع ما يذكره (قدس سره) صريحاً في ذيل هذه المسألة و عليه إجماع الأصحاب من أن العبد إذا كان زانياً لحق المولود بالأمة، سواء أ كانت هي زانية أيضاً أم لم تكن.

و من هنا يظهر الحال فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من اشتراك الموليين فيه، فيما إذا كان النكاح عن إذن من أحدهما خاصة.

و من غير البعيد أنه (قدس سره) يريد بذلك فرض الشبهة و عدم العلم بفساد العقد، لاعتقادهما معاً الإذن، أو اعتقادهما عدم اعتباره، فإنه حينئذ يتمّ ما ذكره (قدس سره) من إلحاق الفرض بالزواج الصحيح.

و عليه فإن كانت الشبهة من الطرفين، كان الولد مشتركاً بينهما على ما اختاروه و لمالك الأمة على ما اخترناه. و إن كانت الشبهة من أحدهما خاصة و كان الآخر مأذوناً، كان الولد لمالك المشتبه، باعتبار أن الإذن يقتضي تنازل الآذن عن حقه و إقدامه على فوات الولد منه، باعتبار أن الإذن في التزويج مطلقاً يستلزم جواز تزويج المملوك من الحر فينعقد الولد حراً، فيكون حال هذا الفرع كصورة اشتراط أحد الموليين و هو في المقام من لم يأذن الاختصاص بالولد.

غير أنك قد عرفت أنه لا أثر لاشتراط الاختصاص، نظراً لكونه من شرط النتيجة، فيكون الإذن من أحدهما مثله بطريق أولى، باعتبار أنه لا يملك الولد حين الإذن و إنما سيملكه حين التولد.

و كيف كان، فالعبارة لا تخلو من تشويش و غموض، و إن ذكرت في كلمات غيره أيضاً.

____________

[1] لعلّه يريد بذلك و بما بعده عدم العلم بفساد العقد ليكون الوطء شبهة، و إلّا فهو داخل في ذيل المسألة و هو قول الماتن: «و أمّا لو كان الولد عن زنا من العبد ... إلخ».

70

و أما إذا كان بالإذن من أحدهما، فالظاهر أنه كذلك (1). و لكن المشهور أن الولد حينئذ لمن لم يأذن. و يمكن أن يكون مرادهم في صورة إطلاق الإذن، بحيث يستفاد منه إسقاط حق نمائية الولد، حيث إن مقتضى الإطلاق جواز التزويج بالحر أو الحرّة، و إلّا فلا وجه له.

و كذا لو كان الوطء شبهة (2) منهما، سواء كان مع العقد أو شبهة مجردة، فإن الولد مشترك (3).

و أما لو كان الولد عن زنا من العبد، فالظاهر عدم الخلاف في أن الولد لمالك الأمة، سواء كان من طرفها شبهة أو زنا (4).

[مسألة 9: إذا كان أحد الأبوين حراً فالولد حرّ]

[3809] مسألة 9: إذا كان أحد الأبوين حراً فالولد حرّ (5) لا يصح اشتراط رقِّيّته على الأقوى (6) في ضمن عقد التزويج، فضلًا عن عقد خارج لازم. و لا

____________

(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم، فراجع.

(2) بلا خلاف فيه بينهم، حيث يجري على المولود من الشبهة أحكام المولود من الزواج الصحيح.

(3) على ما اختاروه، و مختص بمالك الأمة على ما اخترناه.

(4) و هو إنما يتمّ على ما اخترناه من تبعية المولود للأب، و أما على ما اختاره الماتن تبعاً للمشهور من الاشتراك فلا وجه له، بل لا بدّ من الحكم باشتراك المالكين في المولود، فإنّ زنا العبد لا يوجب سقوط حق المولى عن نمائه. و أما النص الوارد في زنا الحر بالأمة و أنّ الولد حينئذٍ لمالك الأمة، فلا يمكن التعدِّي عن موضوعه إلى العبد، و لا سيما مع وضوح الفارق بينهما، فإنّ الزاني إذا كان حراً فقد أقدم على إلغاء احترام مائه، و أما العبد فليس له ذلك فإنّه هو و نماءه مملوك لغيره.

(5) لجملة من النصوص المعتبرة، على ما تقدّم بيانها مفصلًا.

(6) خلافاً للمشهور، حيث التزموا بصحّة الشرط و نفوذه، مستدلين له:

تارة بعمومات أدلة نفوذ الشرط، كقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم».

71

..........

____________

و اخرى برواية إبراهيم بن هاشم، عن أبي جعفر، عن أبي سعيد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لو أن رجلًا دبّر جارية ثمّ زوجها من رجل فوطئها كانت جاريته و ولدها مدبّرين، كما لو أن رجلًا أتى قوماً فتزوج إليهم مملوكتهم كان ما ولد لهم مماليك» (1).

بدعوى أنها و إن كانت مطلقة من حيث الاشتراط و عدمه، إلّا أنه لا بدّ من الحمل على صورة الاشتراط، جمعاً بينها و بين ما دلّ على حرية المتولد من أبوين أحدهما حرّ.

غير أن الصحيح هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره)، فإنّ الاستدلال بالعمومات لا يمكن المساعدة عليه، لما عرفته من أنها ليست مشرعة و إنّما هي تقتضي نفوذ الشرط المشروع خاصّة، فلا توجب لزوم الحكم المخالف للكتاب و السنّة.

و لو تنزّلنا عن ذلك و قلنا بصحّة شرط النتيجة، فلا مجال للقول بلزوم الشرط في المقام. و ذلك لأن دليل لزوم الوفاء بالشرط، إنما يقتضي إثبات لزوم الوفاء بالنسبة إلى المشروط عليه بحيث يلزمه ما لم يكن لازماً له، و أما إثبات لزوم الوفاء بالنسبة إلى الأجنبي عنه فلا دليل عنه. و من هنا فحيث إن الحرية من صفات المولود و قائمة به، و ليست هي من الأحكام المتوجهة إلى المشروط عليه، فلا مجال للقول بلزوم اشتراط عدمها.

و أما الرواية فالكلام فيها من مقامين: السند، و الدلالة.

أمّا المقام الأوّل: فلا يخفى أنها ضعيفة من حيث السند، باعتبار أن المكنى ب‍ (أبي جعفر) مشترك بين كثيرين، و المعروف منهم هو أحمد بن محمد بن عيسى، و هو ثقة. إلّا أنه لم يعهد و لا في رواية واحدة رواية إبراهيم بن هاشم عنه، على أنّ لإبراهيم بن هاشم رواية عن أبي جعفر عن أبي بصير مباشرة، مع أن من غير المحتمل رواية أحمد ابن محمد بن عيسى عن أبي بصير بلا واسطة.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 30 ح 10.

72

..........

____________

و من هنا فليس (أبو جعفر) في المقام هو أحمد بن محمد بن عيسى، و حيث لا يدرى من هو فلا يمكن الاعتماد عليها. و احتمال كونه هو أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، في غاية الضعف، لأنه و إن كان يكنى بهذه الكنية على إشكال فإنّ النجاشي (قدس سره) قد كنّاه بأبي جعفر، ثمّ ذكر أنه قيل أنّ كنيته (أبو علي) (1) إلّا أنّ الظاهر أنه غير معروف بهذه الكنية على ما يظهر ممّا ذكره النجاشي. على أنه لو فرض اشتهاره بذلك، فلا نعهد في النصوص رواية يرد في سندها عنوان (أبي جعفر) و يراد به البزنطي، و هذا يعني أنه و إن كان مشتهراً في غير النصوص بذلك إلّا أنه لم يعرف في النصوص بذلك، و إنما يعبر عنه بالبزنطي و أحمد بن محمد بن أبي نصر و غير ذلك من العناوين.

هذا كله من جهة، و من جهة أُخرى فإنّ (أبا سعيد) أو (أبا سعد) على ما في بعض النسخ، مجهول و لم يرد فيه توثيق.

و من هنا فلا مجال للاعتماد عليها من حيث السند.

و أمّا المقام الثاني: فالرواية أجنبية بحسب الدلالة عن محلّ الكلام، لأنّها كالصريحة إن لم تكن صريحة بالفعل في أنّ تبعية الولد للأُم إنما هي من جهة مملوكية الام، بحيث تكون رقية الولد ناشئة من نفس رقية الأُم مع قطع النظر عن سائر الجهات على الإطلاق، فلا تكون دليلًا على اقتضاء الاشتراط لرقيته، على ما هو محل الكلام.

فلو تمّ سند هذه الرواية لكانت من النصوص الدالّة على مدعى ابن الجنيد، من الحكم برقية الولد إذا كانت امه مملوكة و إن كان أبوه حراً، و لا ترتبط بما نحن فيه بشي‌ء.

و من هنا فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) و غيره، من إلغاء هذا الشرط و اعتباره كالعدم، لكونه مخالفاً للكتاب و السنة، و إن ذهب المشهور إلى خلافه.

____________

(1) رجال النجاشي: 81 رقم 198.

73

يضرّ بالعقد إذا كان في ضمن عقد خارج (1).

و أمّا إن كان في ضمن عقد التزويج، فمبنيّ على فساد العقد بفساد الشرط و عدمه، و الأقوى عدمه (2). و يحتمل الفساد و إن لم نقل به في سائر العقود إذا كان من له الشرط جاهلًا بفساده، لأنّ في سائر العقود يمكن جبر تخلّف شرطه [1]

____________

(1) كما لو زوج المولى أمته من حر من غير اشتراط، ثمّ باعه شيئاً و اشترط عليه أن يكون الولد رقّاً له، فإنه حينئذٍ لا مجال للقول بسراية فساد الشرط إلى عقد التزويج الذي وقع مطلقاً و من غير تقييد.

(2) باعتبار أن الشرط أجنبي عن العقد و لا يوجب تقييده بوجه، فلا مجال لأنّ يقال: إنّ المنشأ لما كان هو المقيد كان فاسداً بفساد القيد، إذ الدليل على الصحّة منحصر بعموماتها، كقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1). فإذا لم يمض المقيد شرعاً لفساد القيد، و غير المقيد لم ينشأ، فلا محيص عن الحكم بفساده.

و ذلك لما ذكرناه في محلِّه من أن الشروط في باب العقود لا تكون قيداً لها، و لا يكون العقد مقيداً بالشرط كي يكون فساد الشرط موجباً لفساد العقد نفسه، فإنّ للشرط في باب العقود معنى غير ما يذكر في الفلسفة أو في باب الأحكام، حيث يفسر في الأوّل بجزء العلة و في الثاني بالقيد للموضوع أو متعلق الحكم، و قد تقدّم ذلك مفصلًا.

و ملخصه أنّ معنى الشرط في العقد لا يخلو من أحد معنيين على نحو منع الخلو فإنهما قد يجتمعان و هما:

أوّلًا: تعليق العقد على التزام الطرف الآخر بشي‌ء، بحيث يكون المنشأ هو الحصة المقيدة بالتزام الطرف الآخر. و هذا المعنى يرد في الشروط التي تذكر في التزويج و غيره من العقود و الإيقاعات التي لا تقبل التزلزل و الخيار، فإنّ فيها لا بدّ من تفسير‌

____________

[1] الشرط الفاسد لا يوجب الخيار في سائر العقود أيضاً.

____________

(1) المائدة 5: 1.

74

..........

____________

الشرط بهذا المعنى أعني تعليق المنشأ على التزام الآخر إذ المورد غير قابل للمعنى الآخر الذي نذكره للشرط، و من هنا فلا محالة يكون نفس الالتزام قيداً للمنشإ دون الملتزم به. فلو قالت المرأة: زوجتك نفسي على أن لا تخرجني من هذا البلد مثلًا فقبل الرجل أصل الزواج من دون التزام بالشرط، بطل العقد، لأن ما أنشأته المرأة إنما هي الزوجية المقيدة بالالتزام، فإذا لم يلتزم الزوج بذلك انتفى المقيد كلياً و حكم ببطلان العقد، لعدم تحقق ما علق الإنشاء عليه.

و قد عرفت في محله أنّ مثل هذا التعليق لا يضرّ بصحّة العقد، لكونه تعليقاً على أمر حاصل و معلوم بالفعل. نعم، لو فرضنا تعليق الزوجية على نفس السكنى في البلد المعين دون الالتزام به، لكان من التعليق الباطل.

ثانياً: تعليق الالتزام بالعقد على تحقق المشروط في الخارج و وجوده. و هذا المعنى يرد فيما إذا كان المشروط أمراً خارجاً عن إرادة المشروط عليه و اختياره، كما هو الحال في اشتراط الكتابة في العبد عند شرائه، فإنّ مثل هذه الشروط لا يمكن أن يرجع إلى المعنى الأوّل، إذ ليس للمشروط عليه الالتزام بما هو خارج عن اختياره فالعقد غير معلق على شي‌ء و إنما المعلّق هو الالتزام بالعقد، بحيث لو لم يوجد فلا التزام للشارط بالعقد و له رفع اليد عنه، و هو ما يعبّر عنه بالخيار.

هذا و قد يجتمع المعنيان في عقد واحد، كما لو اشترى قماشاً و اشترط على البائع أن يخيطه. فإنّ أصل العقد معلق على التزام البائع بالخياطة، كما أن التزامه بالعقد معلق على تحقّق الخياطة في الخارج، فيكون المورد مجمعاً لكلا المعنيين.

إذا عرفت هذا كله يتضح لك أنّ فساد الشرط لا يوجب فساد العقد. إذ على المعنى الأوّل يكون العقد مقيداً بالالتزام، و المفروض أنه قد تحقق من قبل الطرف الآخر، فلا وجه للقول بفساد إنشاء العقد. و على المعنى الثاني فالعقد أجنبي عن جعل الخيار للشارط و إن كان الأوّل ظرفاً للثاني، بمعنى أنه إنما يجعل في ضمن الأوّل.

و عليه فإذا فرض فساد الثاني بحكم الشارع، لكونه مخالفاً للكتاب و السنّة، لم يكن وجه للقول ببطلان الأوّل، لأنه يحتاج إلى الدليل و هو مفقود، بل المستفاد من بعض النصوص خلافه.

75

..........

____________

و هذه النصوص عديدة:

منها: ما هو صريح في عدم فساد العقد بفساد الشرط.

و منها: ما هو ظاهر الدلالة فيه، كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّٰه فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب اللّٰه عزّ و جلّ» (1).

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنه سئل عن رجل قال لامرأته: إن تزوجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق، فقال: «إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قال: من شرط شرطاً سوى كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، لم يجز ذلك عليه و لا له» (2).

و هما ظاهرتان في إلغاء الشرط خاصة و أنه يفرض كالعدم، إذ لو كان أصل العقد فاسداً لم يكن وجه لنفي نفوذ الشرط خاصة، حيث لا موضوع له مع فساد العقد.

و أوضح منهما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه قضى في رجل تزوّج امرأة و أصدقته هي و اشترطت عليه أن بيدها الجماع و الطلاق، قال: «خالفت السنّة، و وليت حقاً ليست بأهله، فقضى أن عليه الصداق و بيده الجماع و الطلاق و ذلك السنّة» (3).

و صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً، أنه قال: «قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة، و شرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك أن شرط اللّٰه قبل شرطكم، فإن شاء وفىٰ لها بالشرط، و إن شاء أمسكها و اتخذ عليها و نكح عليها» (4).

و هذه كما تراها صريحة في صحّة العقد و بطلان الشرط خاصة.

____________

(1) الوسائل، ج 18 كتاب التجارة، أبواب الخيار، ب 6 ح 1.

(2) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه، ب 18 ح 1.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 29 ح 1.

(4) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه، ب 13 ح 2.

76

بالخيار (1) بخلاف المقام حيث إنه لا يجري خيار الاشتراط في النِّكاح (2). نعم، مع العلم بالفساد لا فرق، إذ لا خيار في سائر العقود أيضاً.

[مسألة 10: إذا تزوّج حر أمة من غير إذن مولاها، حرم عليه وطؤها]

[3810] مسألة 10: إذا تزوّج حر أمة من غير إذن مولاها، حرم عليه وطؤها (3)

____________

(1) و هو غريب منه (قدس سره)، إذ لا قائل بثبوت الخيار عند تخلف الشرط الفاسد، و إنما هو فرع إمضاء الشارع للشرط، فإذا لم يكن كذلك فلا يفرق الحال فيه بين النكاح و غيره.

(2) على ما هو المشهور شهرة عظيمة، بل إن اشتراطه مبطل للعقد، حتى و إن لم نقل باقتضاء فساد مطلق الشرط لفساد العقد.

و الوجه في ذلك أن جعل الخيار في العقد لا ينفك عن تقييد العقد بزمان فسخ من له الخيار، فيكون المنشأ محدوداً بعدم الفسخ لا محالة، إذ إن إطلاق المنشأ لما قبل الفسخ و بعده كالإهمال ممتنع، فإنه بعد الفسخ يرجع كل شي‌ء إلى مالكه. و حيث إن النِّكاح إمّا أبدي و إمّا مؤقّت مع لابدّيّة تعيين الوقت على ما دلّت عليه النصوص فلا مجال للالتزام بالصحّة في المقام، نظراً لعدم معلومية وقت الفسخ، بل إن أصل تحققه غير محرز، فإنّ من له الخيار قد يفسخ و قد لا يفسخ بالمرة.

و هذه خصوصيّة في النِّكاح توجب فساد العقد عند اشتراط الخيار فيه، نظير فساد البيع عند اشتراط أمر مجهول لكونه غررياً. و ليس هذا من باب اقتضاء فساد الشرط لفساد العقد، إذ النزاع في كبرى اقتضاء فساد الشرط لفساد العقد إنما هو في العقد الجامع لجميع شرائط الصحّة، فلا يشمل مثل المقام، حيث إن الفساد من ناحية عدم تعيين الوقت أو الغرر.

(3) بلا خلاف فيه. و لا يختص الحكم بالمقام، بل يعمّ كل عقد يتوقّف على إجازة من له الإجازة، سواء أ كان هو السيد أم كان غيره، كالتزوّج ببنت الأخ أو بنت الأُخت قبل إجازة العمّة أو الخالة، أو التزوّج بالبكر قبل إذن أبيها.

77

و إن كان بتوقّع الإجازة (1). و حينئذٍ فإنْ أجاز المولى كشف عن صحته، على الأقوى من كون الإجازة كاشفة (2). و عليه المهر، و الولد حر (3). و لا يحدّ حد الزنا و إن كان عالماً بالتحريم، بل يعزر. و إن كان عالماً بلحوق الإجازة، فالظاهر عدم

____________

(1) إذ لا أثر لمجرّد توقّعها، و إنما المعتبر في الحل هو تحقّقها في الخارج.

(2) هذا إذا التزمنا بالكشف الحقيقي كما اختاره الماتن (قدس سره)، حيث ينكشف صحّة العقد من حين وقوعه و كون الوطء حلالًا في حينه، و إن كان حراماً ظاهراً لاستصحاب عدم تحقّق سبب الزوجية في فرض الشك في لحوق الإجازة، و لذا يحكم بتعزيره. و أما إذا علم حين الوطء بأن المولى سيجيزه بعد ذلك و قد تحقّقت الإجازة بالفعل، لم يثبت حتى التعزير حيث يعلم بحصول الزوجية، فلا يكون في الفعل مخالفة للحكم الواقعي أو الظاهري.

و أمّا إذا التزمنا بالكشف الحكمي كما اخترناه، فالأمة محكومة بعدم الزوجية إلى ما قبل الإجازة، و عندها يحكم بكونها زوجة من حين العقد.

و من هنا فلا فرق بين العالم بلحوق الإجازة و الشاكّ فيه، فيحكم بكونه زانياً مطلقاً باعتبار أنه قد وطئ أجنبية من غير استحقاق أو شبهة، و من ثمّ فيحدّ حدّ الزنا.

نعم، لو لحقت الإجازة قبل إجراء الحدّ سقط لا محالة، إذ بها تجري عليه أحكام الزوجية، فلا يعتبر الوطء السابق فعلًا زنا و إن كان كذلك إلى ما قبل الإجازة. إلّا أن هذا لا يعني سقوط التعزير أيضاً، فإنّ الحرمة و المبغوضية لا تنقلبان بالإجازة إلى الإباحة، و من هنا فيعزر على فعله حتى مع علمه بلحوق الإجازة، بل و حتى مع تحققها في الخارج أيضاً.

(3) لانكشاف صحّة العقد من حينه، فيكون ولداً للحر، فيحكم بحريته من هذه الجهة.

78

الحرمة [1] (1) و عدم التعزير أيضاً.

و إن لم يجز المولى كشف عن بطلان التزويج. و يحدّ حينئذ حدّ الزنا إذا كان عالماً بالحكم، و لم يكن مشتبهاً من جهة أُخرى، و عليه المهر بالدخول، و إن كانت الأمة أيضاً عالمة على الأقوى [2] (2). و في كونه المسمّى، أو مهر المثل، أو العشر إن كانت بكراً و نصفه إن كانت ثيّباً، وجوه، بل أقوال، أقواها الأخير (3).

____________

(1) بل الظاهر هو التحريم. فإنّ الفعل على ما اخترناه من الكشف الحكمي محرم قبل تحقق الإجازة في الخارج واقعاً، و لا ينافيه الحكم بحليته بعد الإجازة، إذ لا مانع من اعتبارين لأمرين متضادّين أو متناقضين في زمانين مختلفين، كما عرفته مفصلًا. و كذلك الحال في التعزير، إلّا إذا فرض كونه مشتبهاً.

(2) و هو مناقض لما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الخامسة عشرة من فصل عدم جواز التزويج في عدّة الغير، حيث اختار هناك عدم استحقاق مولاها للمهر فيما إذا كانت الأمة عالمة، و قد عرفت أنه الصحيح، فما ذكره (قدس سره) هنا مضافاً إلى كونه غير تام في نفسه مناقض لما تقدّم منه (قدس سره).

(3) و ذلك فلأن الأوّل لا وجه له مطلقاً بعد فرض فساد العقد.

و الثاني و إن كان على طبق القاعدة، إلّا أنه إنما يتمّ فيما إذا لم يكن دليل على الخلاف، و حيث إنّ النصوص الخاصة دالّة على القول الأخير، فلا مجال للعمل بمقتضى القاعدة.

و ليست من هذه النصوص صحيحة الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة حرّة فوجدها أمة قد دلست نفسها له، قال: «إن كان الذي‌

____________

[1] بل الظاهر هو التحريم، و لا ينافي ذلك الحكم بعدم الحرمة بعد الإجازة، و كذلك الحال في التعزير إلّا إذا فرض أنه كان مشتبهاً.

[2] في ثبوت المهر في هذا الفرض إشكال بل منع كما تقدّم منه أيضاً في المسألة الخامسة عشرة من فصل عدم جواز التزويج في عدّة الغير.

79

..........

____________

زوّجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد». قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: «إن وجد مما أعطاها شيئاً فليأخذه، و إن لم يجد شيئاً فلا شي‌ء له، و إن كان زوّجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه، و لمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكراً، و إن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها» (1).

بدعوى أنها لا تختص بالتدليس، بل تعمّ و بمقتضى التعليل المذكور في ذيلها كل مورد يستحل الرجل فرج الأمة.

فإنه مدفوع بأنها واردة في الوطء بعقد صحيح، غاية الأمر أن للزوج حق الفسخ من جهة التدليس، فلا مجال للتعدي عن موردها إلى فرض الزنا الذي هو محل الكلام.

و لا صحيحة الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): جعلت فداك، إنّ بعض أصحابنا قد روى عنك أنك قلت: «إذا أحل الرجل لأخيه فرج جاريته فهي له حلال»؟ فقال: «نعم يا فضيل». قلت: فما تقول في رجل عنده جارية له نفيسة و هي بكر أحل لأخيه ما دون فرجها، إله أن يقتضها؟ قال: «لا، ليس له إلّا ما أحل منها، و لو أحلّ له قبلة منها لم يحل له ما سوى ذلك». قلت: أ رأيت إن أحلّ له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فاقتضها؟ قال: «لا ينبغي له ذلك». قلت: فإن فعل أ يكون زانياً؟ قال: «لا، و لكن يكون خائناً، و يغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكراً، و إن لم تكن فنصف عشر قيمتها» (2).

فإنها واردة في مورد خاص و ليس فيها تعليل كي يتعدى به، و من هنا فإثبات حكمها في مورد الزنا يحتاج إلى الدليل.

و إنما هي صحيحة طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «إذا اغتصب أمة فاقتضها فعليه عشر قيمتها، و إن كانت حرّة فعليه الصِّداق» (3). فإنّها واردة في البكر و واضحة دلالة.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 35 ح 1.

(3) الوسائل، ج 28 كتاب الحدود، أبواب حد الزنا، ب 39 ح 5.

80

و يكون الولد لمولى الأمة (1).

و أمّا إذا كان جاهلًا بالحكم، أو مشتبهاً من جهة أُخرى، فلا يحدّ. و يكون الولد حرّا (2). نعم، ذكر بعضهم أنّ عليه قيمته يوم سقط حيّاً [1]، و لكن لا دليل عليه في المقام (3). و دعوى أنه تفويت لمنفعة الأمة، كما ترى، إذ التفويت إنما

____________

و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حبلى لم يعلم بحبلها فوطئها، قال: «يردّها على الذي ابتاعها منه، و يردّ معها نصف عشر قيمتها لنكاحه إياها» (1).

و موردها و إن كان وطء ما يملكه الإنسان لا الزنا، إلّا أن التعليل المذكور في ذيلها أعني قوله (عليه السلام): «لنكاحه إياها» يدلّ على اقتضاء مطلق النكاح و طبيعيه لثبوت نصف العشر في الثيب التي هي موردها، باعتبار أن الحبل لا يكون غالباً إلّا بالوطء. و على فرض تسليم إطلاقها، فهي مخصصة بالنصوص الدالة على ثبوت العشر بتمامه عند وطء الباكر.

إذن فالنتيجة في المقام هو القول بثبوت تمام العشر عند زنا الحرّ بالأمة البكر لصحيحة طلحة بن زيد، و نصفه عند الزنا بالثيب لصحيحة عبد اللّٰه بن سنان.

(1) و قد تقدّم الكلام فيه مفصلًا في المسألة الثامنة من هذا الفصل، حيث قد عرفت أن فرض زنا الأب مستثنى من عموم حرية الولد، فيما إذا كان أحد أبويه حرّا.

(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب، و قد تقدّم الكلام فيه أيضاً.

(3) ما أفاده (قدس سره) غريب منه، إذ الروايات الواردة في تدليس الأمة و تزوّجها بدعوى الحرية، غير قاصرة الشمول للمقام.

كموثقة سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً‌

____________

[1] هذا هو الصحيح لمعتبرة سماعة و غيرها، و عليه فمن الغريب من الماتن (قدس سره) حيث إنه نفى الدليل عليه في المقام، و ذلك لأنّ مورد الروايات هو هذا المقام و هو ما إذا كان الواطئ جاهلًا بالحكم أو مشتبهاً.

____________

(1) الوسائل، ج 18 كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، ب 5 ح 1.

81

جاء من قبل حكم الشارع بالحرية. و على فرضه فلا وجه لقيمة يوم التولد، بل مقتضى القاعدة (1) قيمة يوم الانعقاد، لأنه انعقد حرّا، فيكون التفويت في ذلك

____________

و زعمت أنها حرّة فتزوجها رجل منهم و أولدها ولداً، ثمّ إنّ مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة و أقرّت الجارية بذلك، فقال: «تدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمة يوم يصير إليه» (1).

إذ من الظاهر أنه لا اعتبار بالخصوصيات المذكورة فيها من التدليس و غيره في الحكم، و إنما المدار على جهل الزوج بالحرمة، سواء أ كان ذلك ناشئاً من جهله بالموضوع أم جهله بالحكم خاصة، فيشمل الحكم كلتا الصورتين و إن كان موردها هو الأوّل خاصة.

و مما يؤكد ذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة في جواب السؤال عما لو امتنع الأب عن السعي في ثمن ولده: «فعلى الإمام أن يفتديه و لا يملك ولد حر».

فإنه واضح الدلالة على عدم اختصاص الحكم بفرض الشبهة الموضوعية، و إن العبرة إنما هي بكون الوطء شبهة، بحيث ينتسب الولد إليه شرعاً و يتّصف بكونه ولداً للحرّ، من دون فرق بين أن يكون ذلك من جهة التدليس أو من جهة أُخرى غيره. و من هنا فيحكم بحرية الولد مع لزوم دفع قيمته إلى مولاها، جمعاً بين الحقّين.

و مع قطع النظر عن ذلك، فمن البعيد جدّاً أن يكون حكم الجهل بالحكم لا سيما إذا كان عن تقصير أهون من حكم الجهل بالموضوع، فيجب في الثاني مضافاً إلى دفع العشر أو نصفه قيمة الولد، في حين يكون الولد له في الأوّل من دون دفع شي‌ء.

و كيف كان، فما ذكره جماعة من المحققين من وجوب دفع قيمة الولد يوم يسقط حياً الذي هو يوم يصير الولد إلى أبيه لمولاها، هو الصحيح على ما تقتضيه نصوص التدليس.

(1) لكن العمل بها يتوقّف على عدم النص، و حيث قد عرفت وجوده فلا مجال‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 5.

82

الوقت.

[مسألة 11: إذا لم يجز المولى العقد الواقع على أمته و لم يردّه أيضاً حتى مات]

[3811] مسألة 11: إذا لم يجز المولى العقد الواقع على أمته و لم يردّه أيضاً حتى مات، فهل يصح إجازة وارثه له، أم لا؟ وجهان، أقواهما العدم، لأنها على فرضها كاشفة، و لا يمكن الكشف هنا، لأنّ المفروض أنها كانت للمورث، و هو نظير من باع شيئاً ثمّ ملك [1] (1).

____________

للعمل بها.

(1) الكلام تارة يقع في غير النكاح من العقود كالبيع و نحوه، و أُخرى في النكاح بخصوصه.

أمّا المقام الأوّل: فقد يفرض أنّ العقد قد صدر ممن قد انتقل إليه المال بعد ذلك و قد يفرض صدوره من غيره.

أمّا الفرض الأوّل، كما لو باع الوارث المنحصر مالًا لمورثه في حياته ثمّ مات مورثه فانتقل المال إلى البائع، فالأقوال فيه مختلفة، حيث ذهب جماعة إلى النفوذ مطلقاً، و ذهب آخرون إلى العدم مطلقاً، و فصّل ثالث بين الإجازة بعد الملك فيحكم بالنفوذ، و عدمها فيحكم بالبطلان.

و قد تقدّم منا في محلِّه من مباحث المكاسب اختيار القول الأخير إذ لا أثر لرضاه بالبيع في ذلك الحين، فلا يكون مشمولًا لدليل المستثنى في قوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (1) فإذا ملكه و رضي به بعد ذلك كان مصداقاً للمستثنى.

و العمدة في صحّة هذا العقد ما ورد في الزكاة من أن المالك إذا باع تمام النصاب بعد‌

____________

[1] ليس المقام نظير ذلك، بل هو نظير ما إذا بيع دار زيد فضولًا من عمرو، ثم انتقلت الدار منه إلى بكر ببيع أو نحوه، فأجاز بكر ذلك العقد الواقع فضولًا، هذا مضافاً إلى أنه قد ثبت صحّة العقد فيمن باع شيئاً ثمّ ملك بالنص، و أمّا المقام فلا نصّ فيه، و مقتضى القاعدة فيه هو البطلان.

____________

(1) سورة النساء 4: 29.

83

..........

____________

تعلق الزكاة به و قبل إخراجها، وجب على المشتري أداؤها و يرجع به على البائع، إلّا إذا أخرجها المالك الأوّل بعد البيع من ماله الخاص، فإنه حينئذ لا يجب على المشتري شي‌ء و يصح البيع. فإنّ من الواضح أن مورد هذه الروايات إنما هو بيع شي‌ء لم يملكه أعني حصة الزكاة ثمّ ملكه بعد ذلك بالأداء من ماله الخاص، فتكون دليلًا على صحّة مثل هذا البيع.

و أما الفرض الثاني، كما لو باع ثالث مال المورث فضولة فمات المورث قبل أن يمضيه أو يرده، فانتقل المال إلى وارثه فأجاز العقد، فهل يحكم بالصحّة أم لا؟

فيه خلاف، اختار الماتن (قدس سره) الثاني باعتبار أن الإجازة كاشفة و الكشف غير معقول في المقام، و اختار جماعة الأوّل.

و قد تعرض شيخنا الأنصاري (قدس سره) إلى هذه المسألة مفصلًا، و اختار فيها الصحّة. و قد أجاب عمّا ذكره الماتن (قدس سره)، بأنّ الكشف إنما يكون في الزمان القابل لا مطلقاً، و من هنا فعند الإجازة ينكشف انتقال المال إلى المشتري من حين انتقاله إلى ملك المالك الثاني (1).

و ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح، و ليس المقام من قبيل من باع شيئاً ثمّ ملك فإنّ الفرق بينهما واضح، و من هنا فيحكم بصحّته عند إجازة المالك الثاني له، و تفصيل الكلام في محلِّه.

و أمّا المقام الثاني: فلا يخفى أنه لا مجال للالتزام بالصحّة فيه، و إن قلنا بها في غيره من العقود الفضولية.

و الوجه فيه أنّ الصحّة في غير النكاح لم تكن تحتاج إلى الدليل الخاص و إنما كانت على وفق القاعدة، حيث إن العقد كان مستجمعاً للشرائط غير الانتساب، فإذا أجاز من له الأمر و الولاية استند العقد إليه و حكم بصحته.

بخلاف النِّكاح، حيث إن مقتضى القاعدة فيه هو البطلان، غاية الأمر أننا التزمنا بالصحّة فيه لقوله (عليه السلام): «إنه لم يعص اللّٰه، و إنما عصى سيِّده، فإذا أجاز فهو‌

____________

(1) كتاب النكاح 20: 246 247 طبع المؤتمر العالمي.

84

[مسألة 12: إذا دلّست أمة فادعت أنها حرّة، فتزوّجها حرّ و دخل بها ثمّ تبين الخلاف]

[3812] مسألة 12: إذا دلّست أمة فادعت أنها حرّة، فتزوّجها حرّ و دخل بها ثمّ تبين الخلاف، وجب عليه المفارقة (1). و عليه المهر لسيدها، و هو العشر و نصف العشر على الأقوى (2) لا المسمّى، و لا مهر المثل. و إن كان أعطاها المهر

____________

له جائز» (1). و لما كان هذا التعليل لا يشمل المقام، نظراً إلى أن الحر حينما تزوّج بالأمة كان العقد باطلًا، لكونها عاصية لسيدها و هو لم يجز حتى مات و انتقلت هي عن ملكه إلى ملك غيره، و المالك الجديد ليس له صلاحية إجازة العقد المتقدم، لأنها لم تكن عاصية له حين العقد باعتبار أنه لم يكن مولاها. و من هنا فيحكم بالبطلان لا محالة، حتى و إن قلنا بصحّة البيع و نحوه.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال.

(2) و قد تقدّم الحديث فيه مفصلًا، حيث قد عرفت أنه مقتضى صحيحة الوليد بن صبيح و موثقة سماعة المتقدِّمتين.

ثمّ إن الحكم مما لا إشكال فيه، فيما إذا كانت الأمة جاهلة بالحال و مشتبهة أيضاً. و أما إذا كانت عالمة بالحال فربّما يتوقّف في ثبوتهما، لما تقدّم من أنه «لا مهر لبغي» إذ قد عرفت أن هذا التعبير و إن لم يرد في شي‌ء من النصوص المروية عن طرقنا، إلّا أن مضمونه قد ورد في جملة من النصوص المعتبرة، كالتي دلت على أن اجرة الفاجرة سحت.

إلّا أنه مدفوع بأنّ المهر الذي يثبت بالتقاء الختانين كالتعبير بالأجر، ظاهر في المسمى أو المثل فيما إذا لم يكن هناك تعيين، و من الواضح أنه لا منافاة بين نفي هذا و بين ثبوت العشر أو نصفه بحكم تعبدي و لأمر خاص، هو استحلال الرجل لفرج أمة الغير و وطؤها بعنوان أنه حلال له.

و مع الإغماض عن هذا، فلا ينبغي الشك في أن حمل هذه النصوص على فرض كون الأمة مشتبهة أيضاً، حمل على فرد نادر جدّاً باعتبار أنها واردة في التي تدلس نفسها. و عجز العبد و الأمة عن كل شي‌ء و عدم جواز تزوجهما بغير إذن مولاهما‌

____________

(1) راجع ص 18 ه‍ 1.

85

استرد منها إن كان موجوداً، و إلّا تبعت به بعد العتق [1] (1).

____________

ليس من الأُمور التي تخفى على أحد إلّا الشاذ، و لذا ضرب اللّٰه به مثلًا، فإنه إنما يكشف عن وضوح ذلك لدى الكلّ.

و من هنا فتكون الرواية شاملة لمورد علمها أيضاً، فيثبت الحكم من ناحية النص الصحيح.

(1) على ما تقتضيه القواعد، فإنها هي التي أتلفت المال، فيثبت في ذمتها ما دامت مملوكة و عليها الأداء بعد الانعتاق.

غير أن رواية صحيحة واردة في المقام، قد دلّت على التفصيل بين ما إذا كان الذي زوجها إياه ممن له ولاية عليها، و بين ما إذا كان الذي زوجها إياه غيره. حيث يرجع في الأوّل على وليها، في حين لا شي‌ء له في الثاني.

و هذه الصحيحة هي ما رواه الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل تزوّج امرأة حرّة فوجدها أمة قد دلست نفسها له، قال: «إن كان الذي زوّجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد». قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال: «إن وجد مما أعطاها شيئاً فليأخذه، و إن لم يجد شيئاً فلا شي‌ء له، و إن كان زوّجها إياه وليّ لها ارتجع على وليّها بما أخذت منه» (1).

فإنّ مقتضاها عدم ثبوت شي‌ء في ذمتها عند تلف المسمّى في يدها مطلقاً، سواء في ذلك زمان الرقية و بعده. و حيث إنها صحيحة السند، فلا محيص من العمل بها و رفع اليد عما تقتضيه القاعدة، و إن كان القول به مشهوراً بين الفقهاء بل أرسلوه إرسال المسلّمات.

____________

[1] هذا الحكم و إن كان مشهوراً بين الفقهاء بل أرسلوه إرسال المسلّمات إلّا أنه مشكل جدّاً، بل لا يبعد عدمه بمقتضى قوله (عليه السلام) في صحيحة الوليد بن صبيح: «و إن لم يجد شيئاً فلا شي‌ء له عليها» فإنه ينافي ثبوت شي‌ء عليها في ذمّتها.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 1.

86

و لو جاءت بولد، ففي كونه حراً، أو رقّاً لمولاها، قولان (1). فعن المشهور أنه رقّ، و لكن يجب على الأب فكّه بدفع قيمته يوم سقط حيّاً، و إن لم يكن عنده ما يفكّه به سعى في قيمته، و إن أبى وجب على الإمام (عليه السلام) دفعها من سهم الرقاب أو من مطلق بيت المال.

____________

(1) و الصحيح هو التفصيل بين إقامة الزوج البيّنة على قيام البيّنة على حريتها حين تزوّجه منها، فيحكم بكون ولده أحراراً.

و عدمه، فيحكم بكونهم مملوكين لمولاها. لكن لا على نحو الملك المطلق كما هو الحال في سائر أرقّائه و عبيده، و إنما على نحو الملك المتزلزل و غير المستقر، حيث لا يجوز له بيعهم و لا غيره من التصرفات، بل يجب عليه دفعهم إلى أبيهم و له مطالبته بقيمتهم يوم سقطوا أحياء، فيكون ملكه لهم أشبه الأشياء بملك الرجل أحد عموديه أو محارمه من النساء، حيث إن ملكيته لهم لا تكون مستقرة، فلا يجوز له المعاملة عليهم ببيع أو غيره، و إنما ينعتقون عليه بمجرّد دخولهم في ملكه آناً ما.

و الوجه فيما اخترناه هو النصوص الواردة في المقام، فإنّ بعضها صريح الدلالة في رقيتهم مطلقاً.

كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرأة أتت قوماً فخبرتهم أنها حرّة، فتزوّجها أحدهم و أصدقها صداق الحرّة ثمّ جاء سيدها، فقال: تردّ إليه و ولدها عبيد» (1).

و صحيحة الوليد بن صبيح المتقدِّمة، حيث ورد في ذيلها: قلت: فإن جاءت منه بولد؟ قال: «أولادها منه أحرار إذا كان النِّكاح بغير إذن الموالي» (2).

إذ إن حمل هذه الجملة على الخبرية لا يستقيم، باعتبار أن مراده (عليه السلام) منها لو كان بيان حرية الولد لما كان هناك حاجة إلى ذكر الشرطية، أعني قوله (عليه السلام): «إذا كان النكاح بغير إذن الموالي». على أن هذه الشرطية مما لا يمكن‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 4.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 1.

87

..........

____________

الالتزام بها في نفسها، نظراً إلى أن مفهومها هو رقية الأولاد إذا كان النكاح بإذن مواليها، و هو فاسد قطعاً.

فمن هنا يتعيّن حملها على الاستفهام الاستنكاري، فتكون هذه الصحيحة موافقة في المدلول لصحيحة محمد بن قيس.

و على كل فلا يهمنا كون الجملة خبرية أو استفهامية، لأنهما معاً مقيدتان بموثقة سماعة، قال: سألته عن مملوكة قوم أتت قبيلة غير قبيلتها و أخبرتهم أنها حرّة فتزوجها رجل منهم فولدت له، قال: «ولده مملوكون إلّا أن يقيم البيّنة أنه شهد له شاهدان أنها حرّة، فلا يملك ولده و يكونون أحراراً» (1).

فإنها تقيّد صحيحة محمد بن قيس بما إذا لم يكن للزوج بيّنة على حريتها عند تزوجه منها، كما تقيّد صحيحة الوليد بن صبيح على التقديرين: فتقيد بما قيدت به صحيحة محمد بن قيس لو حملت الجملة على الاستفهامية، في حين تقيد بخلافه أعني ما لو كانت للزوج بيّنة لو حملت على الخبرية.

ثمّ إن ظاهر المملوكية في فرض عدم قيام البيّنة و إن كان هو الرق المطلق بحيث لمولاها أن يتصرف فيهم كيف يشاء، إلّا أن موثقة سماعة الثانية تدلّ على أنه ليس لمولاها هذا الاختيار، و إنّ رقيتهم إنما هي غير مستقرة، فلا بدّ له من دفعهم إلى أبيهم و مطالبته بثمنهم، فإن لم يكن لأبيه ما يأخذهم به كان عليه السعي، فإن أبى فعلى الإمام أن يفتديه.

و هذه الموثقة هي ما رواها سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً و زعمت أنها حرّة فتزوجها رجل منهم و أولدها ولداً، ثمّ إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البيّنة أنها مملوكة و أقرّت الجارية بذلك، فقال: «تدفع إلى مولاها هي و ولدها، و على مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمة يوم يصير إليه». قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: «يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه و يأخذ ولده». قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال: «فعلى الإمام أن يفتديه و لا‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 2.

88

..........

____________

يملك ولد حر» (1).

و الاحتمالات في هذه الموثقة ثلاثة:

الأوّل: أن تحمل على صورة قيام البيّنة لدى الزوج حين التزويج على كونها حرّة.

الثاني: أن تحمل على صورة عدم قيام البيّنة على حرِّيّتها لديه.

الثالث: أن تحمل على ما يعمّ كلتا الصورتين.

و الاحتمال الأوّل مندفع، بأنه مضافاً إلى استلزامه للتقييد بغير موجب تقييد بفرد نادر جدّاً، و خلاف ظاهر صدرها، إذ الظاهر منه أن إقدام الرجل على التزويج منها كان مستنداً و متفرعاً على زعمها الحرية و إخبارها بذلك.

على أن هذا الاحتمال غير سليم في نفسه. فإنه لو قامت البيّنة على حريتها، فلا مجال لتسليمها إلى مدعي مالكيتها حتى و لو أقام البيِّنة، فإنّ البيِّنتين تتعارضان و تتساقطان حيث لا مرجح لإحداهما على الأُخرى، و معه فلا مجال لتسليمها إليه.

و دعوى أن إقرارها يعضد بيّنة المدعي و يجعل الترجيح لها.

مدفوعة بأنه منافٍ لحقّ الزوج و إقرار في حقه فلا يسمع، نظير إقرار المرأة بعد التزويج أنها ذات بعل.

و أما الاحتمال الأخير، ففيه: أن الحكم لو كان عاما، لبطلت فائدة التفصيل بين قيام البيّنة و عدمه في صحيحة سماعة الاولى و كان لغواً.

إذن فيتعين الاحتمال الثاني، و هو الذي استظهرناه، و يساعد عليه ظاهر صدرها حيث قد عرفت أن ظاهره هو الاعتماد على إخبارها دون البيّنة.

و الحاصل فالصحيح في المقام هو التفصيل بين وجود البيّنة للأب، فيكون ولده أحراراً. و عدمه، فيكونوا أرقاء، لكن لا على نحو الرق المطلق، بل تكون رقيتهم رقية غير مستقرة، فيجب على مولاها أن يدفعهم إلى أبيهم و له أن يأخذ ثمنهم منه فإن لم يكن له ما يأخذ ابنه به كان عليه السعي، فإن أبى كان على الإمام دفع قيمتهم و فكّهم.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 5.

89

و الأقوى كونه حرّا (1) كما في سائر موارد اشتباه الحرّ، حيث إنه لا إشكال في كون الولد حرّا، فلا خصوصيّة لهذه الصورة. و الأخبار الدالّة على رقيته [1] منزَّلة على أنّ للمولى أخذه ليتسلم القيمة (2) جمعاً بينها و بين ما دلّ على كونه حرّا. و على هذا القول أيضاً يجب عليه ما ذكر، من دفع القيمة، أو السعي، أو دفع الإمام (عليه السلام)، لموثقة سماعة.

هذا كلّه إذا كان الوطء حال اعتقاده كونها حرّة. و أما إذا وطئها بعد العلم بكونها أمة، فالولد رقّ (3) لأنه من زنا حينئذ. بل و كذا لو علم سبق رقيتها

____________

و الحاصل فالصحيح في المقام هو التفصيل بين وجود البيّنة للأب، فيكون ولده أحراراً. و عدمه، فيكونوا أرقاء، لكن لا على نحو الرق المطلق، بل تكون رقيتهم رقية غير مستقرة، فيجب على مولاها أن يدفعهم إلى أبيهم و له أن يأخذ ثمنهم منه فإن لم يكن له ما يأخذ ابنه به كان عليه السعي، فإن أبى كان على الإمام دفع قيمتهم و فكّهم.

(1) بل الأقوى هو التفصيل، كما عرفت.

(2) و هو في غاية البعد. فإنّه إنما يتمّ في خصوص ما دلّ على أنّ لمولاها أن يأخذهم، و لا يتمّ فيما ورد فيه التصريح بكونهم أرقاء و عبيد كصحيحة محمّد بن قيس المتقدِّمة، إذ لا مجال لحملها على أخذه لهم مقدّمة لاستلام قيمتهم.

(3) بلا خلاف فيه و لا إشكال. إذ يكون الفعل حينئذ زنا، فيجري عليه جميع‌

____________

[1] الصحيح في المقام أن يُقال: إنّ مقتضى عدّة من الروايات العامّة أنّ الولد حر إذا كان أحد أبويه حرّا فيما إذا كان الوطء صحيحاً و لو كان شبهة، و لكن لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق تلك الروايات بالروايات الواردة في المقام المفصّلة بين ما إذا كان الوطء بالشبهة مستنداً إلى بيِّنة شرعيّة و ما إذا لم يكن مستنداً إليها، فعلى الأوّل الولد حر و على الثاني رق، فهذه الصورة بمقتضى هذه الروايات خارجة عن تلك المطلقات رغم أنّ الوطء فيها كان بشبهة، نعم يجب على أبيه أن يفكّه عن الرقية بإعطاء قيمته لمولى الأمة يوم سقط حيّاً، و هو اليوم الذي يصير إليه كما في موثّقة سماعة، و إن لم يكن عند الأب ما يفكّه به سعىٰ في قيمته، و إن أبى فعلى الإمام (عليه السلام) أن يفديه، و بذلك يظهر الحال فيما بعده.

90

فادعت أنّ مولاها أعتقها، و لم يحصل له العلم بذلك و لم يشهد به شاهدان، فإنّ الوطء حينئذ أيضاً لا يجوز، لاستصحاب بقائها على الرقية [1] (1).

نعم، لو لم يعلم سبق رقيتها، جاز له التعويل على قولها، لأصالة الحرية (2).

____________

أحكام الزنا، من إجراء الحدّ، و كون الولد رقاً لمالكها.

(1) و لعدم حجية قول المملوك. و من هنا فيكون الفعل زنا، فيجري عليه جميع أحكامه.

نعم، لا بدّ من تقييد ذلك بما إذا لم تحصل شبهة في البين، و إلّا كما لو اعتقد حجية قولها فلا وجه لإجراء أحكام الزنا عليه.

و لعلّ و اللّٰه العالم على هذا الفرض، أعني الاستناد إلى قولها في العتق من دون حصول قطع أو قيام بيّنة، تحمل موثقة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أمة أبقت من مواليها فأتت قبيلة غير قبيلتها فادعت أنها حرّة، فوثب عليها حينئذٍ رجل فتزوّجها، فظفر بها مولاها بعد ذلك و قد ولدت أولاداً، قال: «إنّ أقام البيِّنة الزّوج على أنه تزوّجها على أنها حرّة أعتق ولدها، و ذهب القوم بأمتهم، و إن لم يقم البيّنة أوجع ظهره و استرق ولده» (1).

فإنها تحمل على علم الرجل الذي وثب عليها برقيتها قبل ذلك، و تزوجه منها من دون قيام بيّنة على حريتها أو حصول قطع من دعواها، و إلّا فالحكم بإجراء الحدّ عليه و رقية أولاده بلا موجب.

(2) المستفادة من صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: الناس كلهم أحرار، إلّا من أقرّ على نفسه بالعبودية و هو مدرك من عبد أو أمة، و من شهد عليه بالرق صغيراً كان أو‌

____________

[1] هذا إذا لم تكن شبهة، و إلّا كما إذا اعتقد أنّ قولها حجّة فتزوّجها ثمّ وطئها كان الوطء وطء شبهة، و حكمه ما عرفت بالإضافة إلى الولد، يعني أن الولد رق، و لكن يجب على أبيه فكّه على ما تقدّم.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 67 ح 3.

91

فلو تبيّن الخلاف لم يحكم برقِّيّة الولد. و كذا مع سبقها مع قيام البيّنة على دعواها (1).

[مسألة 13: إذا تزوّج عبد بحرّة من دون إذن مولاه و لا إجازته كان النكاح باطلًا]

[3813] مسألة 13: إذا تزوّج عبد بحرّة من دون إذن مولاه و لا إجازته كان النكاح باطلًا (2) فلا تستحق مهراً (3) و لا نفقة (4) بل الظاهر أنها تحدّ حدّ الزنا (5) إذا كانت عالمة بالحال، و أنه لا يجوز لها ذلك.

نعم، لو كان ذلك لها بتوقع الإجازة و اعتقدت جواز الإقدام حينئذ، بحيث تكون شبهة في حقها، لم تحدَّ. كما أنه كذلك إذا علمت بمجي‌ء الإجازة [1] (6). و أما إذا كان بتوقع الإجازة، و علمت مع ذلك بعدم جواز ذلك، فتحدّ مع عدم حصولها، بخلاف ما إذا حصلت، فإنها تعزّر حينئذ، لمكان تجرُّئِها [2] (7).

____________

كبيراً» (1).

(1) أو حصول القطع له بصدقها، لاستناده حينئذٍ إلى الحجة الشرعية.

(2) بلا خلاف فيه، على ما تقدّم بيانه مفصلًا.

(3) لكونها زانية و «لا مهر لبغي».

(4) لأنها فرع الزوجية، و مع فرض بطلانها فلا موضوع لها.

(5) لعموم أدلّته.

(6) و قد تقدّم الإشكال فيه في المسألة العاشرة، فراجع.

(7) بناءً على ما اختاره (قدس سره) من الكشف الحقيقي، فإنها كانت معتقدة بالحرمة و أقدمت على الفعل مع جهلها بالحلية. و أما بناء على ما اخترناه من الكشف الحكمي تعزّز، لارتكابها المحرّم الواقعي، حيث إنّ الفعل إنّما يتّصف بالحلِّيّة من حين‌

____________

[1] مجرّد العلم بتحقّق الإجازة فيما بعد لا يوجب سقوط الحد عنها ما لم تتحقّق في الخارج إلّا إذا كانت مشتبهة و كانت معتقدة بالجواز في هذا الفرض.

[2] بل لارتكابها المحرّم واقعاً في ظرفه.

____________

(1) الوسائل، ج 23 كتاب العتق، ب 29 ح 1.

92

و إذا جاءت بولد فالولد لمولى العبد (1). مع كونه مشتبهاً، بل مع كونه زانياً

____________

الإجازة، و إلّا فهو قبلها حرام واقعاً، و قد عرفت فيما تقدّم من الكلام في المسألة العاشرة أنه لا مانع من اعتبار الحرمة لفعل في زمان و اعتبار الحلية له في زمان آخر.

(1) فيه إشكال بل منع. فإنّ قاعدة النمائية غير ثابتة في جانب الأب، إذ قد عرفت أنّ الولد من نتاج الأُم خاصة، و أنّ الأب لا يقوم إلّا بدور اللقاح. و على تقدير ثبوتها، فلا وجه لتفصيله (قدس سره) بين الزنا المقرون بالعقد الفاسد الذي هو محل كلامنا في هذه المسألة، و بين الزنا المجرّد عنه الذي هو موضوع المسألة الآتية.

فإنّ الوجه في إلحاق الولد بالأب في المقام، إن كان هو نفي انتساب الولد إلى الزاني من الأبوين و هو في الفرض الام، فيكون نماءً للآخر أي الأب قهراً، فهو بعينه جار في الزنا المجرد عن العقد الفاسد، فلا بدّ من الحكم بلحوقه بالأب، كما صرح به في المسألة الثامنة.

و إن كان هو رواية العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال في رجل دبّر غلاماً له، فأبق الغلام فمضى إلى قوم فتزوج منهم و لم يعلمهم أنه عبد فولد له أولاد و كسب مالًا، و مات مولاه الذي دبّره فجاء ورثة الميت الذي دبّر العبد فطالبوا العبد فما ترى؟ فقال: «العبد و ولده لورثة الميت». قلت: أ ليس قد دبّر العبد؟ قال: «لأنه لما أبق هدم تدبيره و رجع رقّاً» (1) على ما يظهر ذلك من صاحب الجواهر (قدس سره) حيث دلّت على لحوق الولد بالعبد في العقد الفاسد، فيبقى غيره أعني فرض عدم وجود العقد خالياً من الدليل، فلا يلحق الولد به.

فهي مضافاً إلى كونها مضطربة السند إلى حد لم يعهد لها مثيل في جميع النصوص على ما عرفت تقتضي عدم الفرق بين علمها بالحال و جهلها به، إذ إن موردها إن لم يكن هو فرض جهل المرأة كما يظهر ذلك من قوله (و لم يعلمهم أنه عبد) فلا أقل من شمولها له. و حينئذ فلا وجه للتفصيل بين علم المرأة و جهلها، بل ينبغي الحكم بلحوق‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 28 ح 1.

93

أيضاً، لقاعدة النمائية [1] بعد عدم لحوقه بالحرّة.

و أمّا إذا كانت جاهلة بالحال، فلا حدّ. و الولد حرّ (1). و تستحق عليه المهر يتبع به بعد العتق (2).

[مسألة 14: إذا زنى العبد بحرّة من غير عقد، فالولد حرّ]

[3814] مسألة 14: إذا زنى العبد بحرّة من غير عقد، فالولد حرّ (3). و إن كانت الحرّة أيضاً زانية. ففرق (1) بين الزنا المجرّد

____________

الولد بأبيه في فرض وجود العقد الفاسد مطلقاً، مع أنه (قدس سره) قد حكم بحرية الولد في فرض جهل المرأة.

و الحاصل أن كلام الماتن (قدس سره) هنا مضافاً إلى عدم التئامه مع ما ذكره هو (قدس سره) في المسألة الثامنة غير تامّ في نفسه.

فالصحيح هو ما ذكرناه في المسألة الثامنة، من تبعية الولد لُامه مطلقاً، سواء أ كانت عالمة بالحال أو جاهلة، فإنّ الولد من نمائها، و لا دليل على نفي النسب بين الزاني و بين المولود منه شرعاً، إذ غاية ما دلّ عليه الدليل هو نفي التوارث، و من الواضح أنه لا يقتضي نفي الانتساب.

(1) لانتساب الولد إليها شرعاً حينئذ، بلا خلاف أو إشكال، فيتبعها في الحرية لكونها أشرف أبويه.

(2) لعدم إمكان الاستيفاء منه في حال الرقية.

(3) على ما تقدّم بيانه في المسألة الثامنة.

(4) لكنك قد عرفت أنه لا وجه للتفريق.

____________

[1] لم تثبت هذه القاعدة في طرف العبد، و إنّما هي ثابتة من طرف الأمة، و على تقدير ثبوتها فلا فرق بين الزنا المجرّد عن العقد الفاسد و الزنا المقرون به و لا دليل على هذا الفرق أصلًا، و أما إذا كان المدرك لذلك رواية العلاء بن رزين فهي ضعيفة سنداً، و لو تمّت الرواية لم يختص الحكم بصورة العلم، بل يعم صورة الجهل أيضاً مع أن الماتن (قدس سره) قد حكم في صورة جهل المرأة بكون الولد حرّا.

94

عن عقد [1] و الزنا المقرون به مع العلم بفساده، حيث قلنا إنّ الولد لمولى العبد.

[مسألة 15: إذا زنى حر بأمة، فالولد لمولاها]

[3815] مسألة 15: إذا زنى حر بأمة، فالولد لمولاها (1) و إن كانت هي أيضاً زانية. و كذا لو زنى عبد بأمة الغير، فإن الولد لمولاها (2).

[مسألة 16: يجوز للمولى تحليل أمته لعبده]

[3816] مسألة 16: يجوز للمولى تحليل أمته لعبده (3).

____________

(1) تقدّم الكلام في هذا الفرع في المسألة الثامنة، و قد عرفت أن عموم أدلّة حرية المتولد من حر و مملوك و إن كان يقتضي حرية الولد هذا، إلّا أن مقتضى بعض النصوص المعتبرة الواردة في خصوص هذا الفرض هو رقيته، فتكون مخصصة للعمومات لا محالة.

(2) بلا خلاف فيه بينهم. إلّا أنه إنما يتم بناءً على ما اخترناه من كون الولد من نماءات الأُم خاصة. و أما بناء على ما ذهب إليه المشهور و اختاره الماتن (قدس سره) من كونه نماء للعبد و الأمة، فاللازم هو الحكم بكونه مشتركاً بين مولييهما، و قد تقدّم الكلام فيه في المسألة الثامنة.

و كيف كان، فإجماعهم هنا على كون الولد لمولاها خاصة، خير مؤيد لما اخترناه من كونه من نماءات الأمة فقط.

(3) على ما هو المشهور بينهم. و قد خالف فيه بعضهم مستدلًا عليه:

أوّلًا: بأن التحليل نوع من التمليك، و العبد غير قابل لأن يملك.

و ثانياً: بصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، أنه سئل عن المملوك يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحلّ له مولاه؟ قال: «لا يحلّ له» (1).

و في الاستدلال بهما نظر.

____________

[1] تقدّم أنه لا فرق بينهما و أن الولد حر على التقديرين، كما أنه تقدّم منه (قدس سره) عدم الفرق بينهما و أن الولد رق على التقديرين في المسألة الثامنة من هذا الفصل.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 33 ح 2.

95

..........

____________

أمّا الأوّل: فلأن التحليل ليس بتمليك و لا تزويج، و إنما هو إباحة يشبه العارية في غير مورد التحليل و بذلك يكون مخصصاً لقوله تعالى «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»* (1).

على أنه لا دليل على عدم أهلية العبد للملك، بل الدليل ثابت على خلافه، غاية الأمر أنه محجور عليه، حيث لا يجوز له التصرف إلّا بإذن مولاه.

و أما الثاني، فلمعارضتها بما ورد في تفريق المولى بين العبد و زوجته الأمة، من أنه يأمره بالاعتزال و تعتدّ من العبد، ثمّ له أن يطأها بعد ذلك إن شاء، و إن شاء ردّها إلى العبد بغير تزويج.

كصحيحة محمد بن مسلم، قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» قال: «هو أن يأمر الرجل عبده و تحته أمته، فيقول له: اعتزل امرأتك و لا تقربها، ثمّ يحبسها عنه حتى تحيض ثمّ يمسّها، فإذا حاضت بعد مسّه إياها ردّها عليه بغير نكاح» (2). فإنها ظاهرة في كون ردّها إليه بالتحليل، إذ إن النكاح الأوّل قد بطل بأمره باعتزالها و الذي هو بمنزلة الطلاق، و المفروض أنه لا نكاح جديد، فينحصر الأمر بالتحليل لا محالة. و بذلك تتساقطان، و يكون المرجع بعد ذلك هو إطلاقات ما دلّ على جواز التحليل من غير تقييد.

هذا و قد حمل بعض الأصحاب صحيحة علي بن يقطين على التقية، و هو غير بعيد، باعتبار أن العامّة لا يرون جواز التحليل مطلقاً.

ثمّ أنّ في المقام رواية تتضمن التفصيل بين تعيين المحلّلة و عدمه، هي رواية الفضيل مولى راشد، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): لمولاي في يدي مال، فسألته أن يحلّ لي ما اشتري من الجواري، فقال: إن كان يحلّ لي أن أحلّ لك فهو لك حلال فقال: «إن أحلّ لك جارية بعينها فهي لك حلال، و إن قال: اشتر منهنّ ما شئت، فلا‌

____________

(1) سورة المؤمنون: 23: 5 6.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 45 ح 1.

96

و كذا يجوز أن ينكحه إيّاها (1). و الأقوى أنه حينئذ نكاح لا تحليل (2). كما أن الأقوى كفاية أن يقول له: (أنكحتك فلانة) و لا يحتاج إلى القبول منه أو من

____________

تطأ منهنّ شيئاً إلّا ما يأمرك، إلّا جارية يراها فيقول: هي لك حلال. و إن كان لك أنت مال فاشتر من مالك ما بدا لك» (1).

فربّما يقال: إنه وجه جمع بين صحيحة علي بن يقطين و بين ما دلّ على الجواز فتحمل الاولى على عدم التعيين، و تحمل الثانية على فرض تعيين المحلِّلة.

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه، نظراً إلى أنّ هذا الجمع بعيد في نفسه، لمخالفته لظاهر صحيحة علي بن يقطين. مع كون الرواية ضعيفة السند و إن عبّر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة، فإنّ فضيل مجهول و لم يرد فيه توثيق فلا مجال للاعتماد عليها حتى و إن كان الراوي عنه هو ابن أبي عمير، لما قد عرفت غير مرة من أنه لا مجال للقول بوثاقة كل من يروي عنه ابن أبي عمير، فإنه غير ثابت بل الثابت في بعض الموارد خلافه.

(1) بلا خلاف فيه بينهم. و تدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة، كصحيحة عليّ ابن يقطين المتقدِّمة، حيث إن ظاهرها المفروغية عن جواز التزويج و مشروعيته.

(2) و تشهد له جملة من النصوص، كصحيحة علي بن يقطين المتقدِّمة. و ما ورد في طلاق العبد، و أنه ليس له أن يطلق زوجته إذا كانت مملوكة لمولاه (2). أو الواردة في كيفية نكاح المولى عبده من أمته (3) و غيرها. فإنها بأجمعها ظاهرة في ثبوت النكاح و التزويج في العبد على حد ثبوته في الأحرار.

و قد ذهب بعض إلى الثاني، مستدلّاً عليه بما دلّ على جواز تفريق المولى بينهما بالأمر بالاعتزال، حيث يظهر منه أنه تحليل، إذ لو كان تزويجاً حقيقة لما ارتفع إلّا بالطّلاق.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 33 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 66.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 43.

97

العبد (1) لإطلاق الأخبار (2). و لأنّ الأمر بيده، فإيجابه مغنٍ عن القبول. فإيجابه

____________

و فيه: أن الزوجية من الأُمور التعبدية الاعتبارية التي أمرها بيد الشارع، فلا محذور في التعبد بارتفاعها بالأمر بالاعتزال كالطلاق.

(1) على ما تقتضيه القاعدة.

إذ العقد إنما هو عبارة عن ربط التزام بالتزام آخر. و هو في غير المقام واضح حيث يعتبر الإنشاء و الإبراز من كلّ من الطرفين، لعدم كفاية مجرد الرضا القلبي في صدق العقد، لأنه إنما يصدق فيما إذا كان كل من الالتزامين مبرزاً في الخارج، و إلّا فلا يصدق عقد الالتزامين و ربط أحدهما بالآخر، كما هو واضح.

و أما في المقام، فالزوجية و إن كانت قائمة بالعبد و الأمة، إلّا أنهما لما كانا بالنظر إلى مملوكيتهما غير قادرين على شي‌ء بحيث لم يكن لرضاهما أو عدمه أثر، بل أمرهما بيد المولى يتصرف كيف يشاء، فلا حاجة إلى وجود التزامين في المقام، لأن المولى شخص واحد فيكفي التزامه خاصة.

و من هنا فيكون المقام من الإيقاع لا العقد، كي يحتاج إلى التزام آخر يرتبط مع التزامه.

و مجرّد قيام الزوجية في العبد و الأمة لا يعني كونهما طرفي العقد كي يعتبر قبولهما بل الإنشاء ليس له إلّا طرف واحد هو المولى، فيكون التزامه بزوجية العبد لها التزاماً منه بزوجية الأمة له أيضاً، و عليه فيكتفى بمجرد إنشائه من دون حاجة إلى القبول منه أو من العبد.

(2) كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل، كيف ينكح عبده أمته؟ قال: «يجزئه أن يقول: قد أنكحتك فلانة، و يعطيها ما شاء من قبله أو من مولاه، و لا بدّ من طعام أو درهم أو نحو ذلك» (1).

و صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً، في المملوك يكون لمولاه أو مولاته أمة فيريد أن يجمع بينهما، أ ينكحه نكاحاً أو يجزئه أن يقول: قد أنكحتك فلانة‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 43 ح 1.

98

..........

____________

و يعطي من قبله شيئاً أو من قبل العبد؟ قال: «نعم، و لو مدّاً» و قد رأيته يعطي الدراهم (1).

و عبد اللّٰه بن محمد المذكور في سند هذه الرواية و الذي يروي عنه محمّد بن يحيى هو عبد اللّٰه أخو محمّد بن عيسى الملقب ب‍ (بنان) و هو ثقة، فالرواية معتبرة.

و صحيحة الحلبي، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل، كيف يُنكح عبده أمته؟ قال: «يقول: قد أنكحتك فلانة، و يعطيها ما شاء من قبله أو من قبل مولاه، و لو مدّاً من طعام أو درهماً أو نحو ذلك» (2).

فإنّ هذه الروايات المعتبرة ظاهرة و واضحة الدلالة على كفاية إنشاء المولى، و من غير حاجة إلى اعتبار القبول.

هذا و قد ناقش صاحب الجواهر في دلالة هذه الروايات بوجهين (3):

الأوّل: أنها واردة لبيان كيفية قيام المولى مقام العبد في الإنشاء، و ليس لها نظر إلى ما به تمام العقد، فلا تدلّ على كفاية إنشاء المولى خاصة في تحقّق التزويج.

و فيه: أنه خلاف ظاهر هذه الروايات و لا سيما صحيحة محمد بن مسلم الثانية حيث إن الظاهر منها هو كونها في مقام بيان تمام العقد، لا خصوص قيام المولى في الإنشاء مقام العبد.

الثاني: ما عن كشف اللِّثام من أن الاكتفاء بقوله: (أنكحتك فلانة) ليس من جهة عدم اعتبار القبول في نكاح العبد و الأمة، بحيث يكون تخصيصاً في أدلّة اعتبار الإيجاب و القبول في التزويج، و إنما هو من جهة دلالة قول المولى هذا على قبوله أيضاً، فيكون إنشاؤه إيجاباً و قبولًا في آن واحد.

و فيه: أنه إن أُريد بدلالة إنشاء المولى على القبول استكشاف رضاه من طرف الأمة أيضاً فهو تامّ، إلّا أنك قد عرفت أن مجرّد الرضا لا يكفي، بل لا بدّ من إبرازه و إنشائه. و إن أُريد به أنّ إنشاءه إنشاء من طرف العبد و الأمة معاً، فهو مما لا يمكن‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 43 ح 2.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 43 ح 1.

(3) الجواهر 30: 229 و 230.

99

مغنٍ عن القبول. بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك [1] في سائر المقامات (1) مثل الولي و الوكيل عن الطرفين.

____________

المساعدة عليه، لأنه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى الإيجاب و القبول و هو و إن كان ممكناً، إلّا أنه خلاف الاستعمال العرفي بلا إشكال، بل يعد من الأغلاط.

فالصحيح هو ما اخترناه من كفاية مجرد إنشاء المولى، من غير حاجة إلى القبول منه أو من العبد.

(1) بل هو في غاية البعد، فإنّ الفرق بين المقام و سائر المقامات واضح.

ففي المقام حيث لا يوجد هناك التزام ينضم إلى التزام آخر، باعتبار أن طرف العقد منحصر بالمولى خاصة إذ العبد و الأمة مملوكان لا أثر لرضاهما و عدمه، يكتفى بإنشائه و لا يعتبر في صحّته قبوله أو قبول العبد.

و هذا بخلاف سائر المقامات كالبيع و الإجارة و ما شاكلهما، حيث لا يوجد مورد يخلو من الالتزامين، فإنّ لكل من الطرفين البائع و المشتري التزاماً مستقلا عن التزام الآخر، غاية الأمر أنهما لا يقومان بأنفسهما بإبراز التزامهما، و إنما يقوم الوكيل عنهما بهذا الدور. فينشئ و به يبرز التزام موكله الأوّل البائع، ثمّ يقبل و به يبرز التزام موكله الثاني المشتري و لا يمكن له أن يبرز بإنشائه الأوّل كلا الاعتبارين و الالتزامين معاً، لأنه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، و هو على تقدير القول بإمكانه مخالف للسيرة العرفية في مقام الاستعمال قطعاً، بل لا يبعد عدّه من الأغلاط.

و من هنا يظهر الحال في الولي أيضاً، إذ الالتزام في الحقيقة قائم بالمولى عليهما و العقد بينهما، غاية الأمر أنه حيث لا عبرة بإنشائهما مباشرة، يقوم الولي مقامهما في الإبراز و الإنشاء.

فالولي إنما يلتزم من قبل المولى عليه، في حين إن السيد إنما يلتزم من قبل نفسه لا من قبل العبد أو الأمة.

____________

[1] بل هو بعيد.

100

و كذا إذا وكّل غيره في التزويج (1) فيكفي قول الوكيل: أنكحت أمة موكلي لعبده فلان، أو: أنكحت عبد موكلي أمته.

و أما لو أذن للعبد و الأمة في التزويج بينهما، فالظاهر الحاجة إلى الإيجاب و القبول (2).

[مسألة 17: إذا أراد المولى التفريق بينهما، لا حاجة إلى الطلاق]

[3817] مسألة 17: إذا أراد المولى التفريق بينهما، لا حاجة إلى الطلاق، بل يكفي أمره إياهما بالمفارقة (3).

____________

فالفرق بين المقامين واضح. و معه لا مجال للتعدي عن مورد تزويج المولى أمته من عبده إلى مثل مورد الوكالة من قبل الطرفين أو الولاية عليهما، بل لا بدّ فيهما من ضم قبوله إلى إيجابه، كي يكون بذلك مبرزاً لالتزام الطرف الآخر أيضاً.

(1) لأنّ الوكيل كالأصيل و فعله فعله، من دون فرق بين أن يكون الوكيل عبده أو أمته اللّذين يريد تزويجهما أو غيرهما، و يكون إنشاء الوكيل إنشاء للسيد، فيكتفىٰ به و لا يحتاج إلى القبول.

(2) إذ الظاهر من هذا الإذن كونه قائماً بهما معاً، بحيث يكون كل منهما مأذوناً فيما يخصه و يرتبط به، فتكون الأمة مأذونه في الإيجاب و العبد مأذوناً في القبول، و من هنا فلا بدّ من صدور الصيغة منهما معاً.

و لا يقاس هذا بتوكيل السيد لشخص واحد، حيث ينزل الوكيل منزلة السيد و يكتفى بإنشائه خاصة، فإن الفرق بينهما لا يكاد يخفى.

(3) و تدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة الدالة على أن أمره بالاعتزال طلاق للأمة:

كصحيحة محمد بن مسلم التي تقدّمت في المسألة السابقة.

و صحيحة عبد الرحمٰن بن الحجّاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يزوّج عبده أمته ثمّ يبدو له فينزعها منه بطيبة نفسه، أ يكون ذلك طلاقاً من العبد؟ فقال: «نعم، لأن طلاق المولى هو طلاقها، و لا طلاق للعبد إلّا بإذن‌