موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
101

و لا يبعد جواز الطّلاق أيضاً (1) بأن يأمر عبده بطلاقها، و إن كان لا يخلو من إشكال أيضاً [1].

____________

مواليه» (1).

فإنها أصرح الروايات الدالّة على أن نزع المولى للأمة و عزلها عن العبد طلاق لها.

(1) و تفصيل الكلام أن يقال: إنّ المطلق إن كان هو المولى فلا إشكال في صحته لأن العبد و الأمة لا يملكان من الأمر شيئاً، و إنما أمرهما بيد المولى.

و تدلّ عليه مضافا إلى إطلاقات أدلة الطلاق صحيحة عبد الرحمٰن بن الحجاج المتقدّمة، و صحيحة زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام)، قالا: «المملوك لا يجوز طلاقه و لا نكاحه إلّا بإذن سيده» قلت: فإنّ السيد كان زوّجه، بيد مَن الطّلاق؟ قال: «بيد السيد «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» أ فشي‌ء الطّلاق» (2).

فإنّ هاتين الروايتين و غيرهما تدلّان و بكلّ وضوح على أنّ أمر الطلاق إنما هو بيد المولى دون العبد.

نعم، في قبال هذه الروايات هناك رواية قد يتوهم دلالتها على كون أمر الطلاق بيد العبد، و هي رواية محمد بن عيسى عن علي بن سليمان، قال: كتبت إليه: رجل له غلام و جارية زوّج غلامه جاريته ثمّ وقع عليها سيِّدها، هل يجب في ذلك شي‌ء؟ قال: «لا ينبغي له أن يمسّها حتى يطلقها الغلام» (3).

إلّا أن من غير الخفي أن هذه الرواية في نفسها، و مع قطع النظر عن معارضتها للصحاح المتضافرة و الموافقة للكتاب الكريم، لا يمكن الاعتماد عليها. و ذلك فلأن عنوان الغلام و إن كان يطلق على العبد، إلّا أن من الواضح أنه من باب التطبيق لا‌

____________

[1] الإشكال ضعيف جدّاً.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 66 ح 1.

(2) الوسائل: ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته و شرائطه، ب 45 ح 1.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 66 ح 5.

102

..........

____________

الوضع، فإنّ الغلام غير موضوع للعبد بل يطلق على الشاب و الخادم أيضاً، و عليه فليس في الرواية ظهور في كون الزوج عبداً، و من هنا فمن الممكن حملها على كون الزوج حراً، فلا تكون هذه الرواية دالّة على خلاف ما دلّت عليه النصوص المعتبرة.

على أن هذه الرواية لا تخلو من الإشكال في السند. و ذلك فلأن المسمى بعلي بن سليمان في الرواة كثير، غير أنّ الثقة منهم منحصر بعلي بن سليمان الزراري الذي وثّقه النجاشي (قدس سره) (1) و أما غيره فلم يرد فيه توثيق و لا مدح، و من هنا فحيث إنّ الراوي عنه في المقام هو محمد بن عيسى و هو من أصحاب الرضا (عليه السلام)، فمن البعيد جدّاً أن يكون علي بن سليمان هو الزراري صاحب المكاتبات و التوقيعات لاختلاف الطبقة و الفصل الزمني الكثير.

إذن فعلي بن سليمان هنا إمّا هو ابن داود و إما هو ابن رشيد، اللّذان روى عنهما محمّد بن عيسى في غير هذا المورد أيضاً، و حيث إنهما لم تثبت وثاقتهما، فلا مجال للاعتماد عليها من حيث السند أيضاً.

و مع التنزّل عن ذلك كله، فلا بدّ من رفع اليد عنها، لمعارضتها للنصوص الصحيحة و الموافقة للكتاب الكريم.

و كذا الحال فيما إذا وكل المولى غيره في الطلاق.

و إن كان المطلق هو العبد بأمر المولى، فإن كان أمره على نحو التوكيل، فلا ينبغي الإشكال في صحته، إذ المطلق حينئذ هو المولى في الحقيقة.

و إن كان على نحو إرجاع الأمر إليه، فربّما يستشكل في صحته بأنّ العبد لما كان عاجزاً و غير قادر على شي‌ء لقوله تعالى «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» لا ينقلب إلى القدرة بإذن المولى، فإنّ الإذن غير قابل لجعل من ليس بقادر قادراً. نظير ما يذكر في إذن الولي للصبي في المعاملة، حيث أن إذنه لا يصحح المعاملة.

إلّا أنه مدفوع بأنّ الآية المباركة ظاهرة في عدم استقلال المملوك في شي‌ء، بحيث‌

____________

(1) رجال النجاشي: 260 ترجمة رقم 681.

103

[مسألة 18: إذا زوّج عبده أمته يستحب أن يعطيها شيئاً]

[3818] مسألة 18: إذا زوّج عبده أمته يستحب (1) أن يعطيها شيئاً [1] سواء ذكره في العقد أم لا، بل هو الأحوط. و تملك الأمة ذلك، بناءً على المختار من صحّة ملكية المملوك إذا ملّكه مولاه أو غيره.

____________

يكون أمره فعلًا أو تركاً بيده، فلا تدلّ على عجزه و عدم قدرته على الفعل حتى مع إذن المولى.

و لو سلمنا عمومها، فالروايات الصحيحة الدالة على عدم جواز نكاح العبد أو طلاقه إلّا بإذن مولاه أو بغير إذن مولاه على اختلاف التعابير مخصصة لها، فيكون الحاصل اختصاص عدم الجواز بصورة عدم إذن المولى، كصحيحة عبد الرحمٰن بن الحجاج المتقدِّمة، و صحيحة شعيب بن يعقوب العقرقوفي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سئل و أنا عنده أسمع عن طلاق العبد، قال: «ليس له طلاق و لا نكاح، أما تسمع اللّٰه تعالى يقول «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» قال: لا يقدر على طلاق و لا نكاح إلّا بإذن مولاه» (1).

و الحاصل أنّ عجز العبد عن الطلاق كعجزه عن النكاح، فكما لا يجوز للعبد أن يستقلّ بالنكاح، لا يجوز له أن يستقلّ بالطّلاق، بل لا بدّ من إذن المولى فيهما، فإذا أذن صحّ طلاقه كما يصح نكاحه بلا خلاف فيه و لا إشكال.

(1) بل يجب عليه، لعدم وجود قرينة صالحة لصرف الأوامر الواردة في المقام عن ظاهرها.

و ما ذكر في وجه الاستحباب، من التمسك بأصالة عدم الوجوب تارة، و بعدم تصور استحقاق المولى لنفسه على نفسه شيئاً باعتبار أن مهر الأمة مملوك لمولاها اخرى.

مدفوع بأنّ الأصل لا مجال للتمسك به، مع وجود النصوص الصحيحة الآمرة بإعطائها شيئاً و الظاهرة في الوجوب.

____________

[1] لا يبعد وجوبه.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 66 ح 2.

104

[مسألة 19: إذا مات المولى و انتقلا إلى الورثة]

[3819] مسألة 19: إذا مات المولى و انتقلا إلى الورثة، فلهم الأمر أيضاً بالمفارقة بدون الطّلاق (1).

____________

و الثاني يدفعه أنه لو تمّ فلا يختص بالوجوب، بل يجري حتى مع القول بالاستحباب أيضاً، فإنه كما لا يمكن تصوّر وجوب المحال لا يمكن تصوّر استحبابه.

على أننا لو التزمنا بملكية العبد أو الأمة، فلا موضوع للإشكال في المقام، إذ المولى حينئذ لا يستحق على نفسه شيئاً، و إنما الأمة تستحق على مولاها، و تملك ما أعطاها المولى تتصرّف فيه كيف شاءت. و كذا الحال لو قلنا بعدم ملكيتها، فإنّ عدم الملكية لا يلازم القول بعدم وجوب إعطائها شيئاً في الخارج، بحيث يجعل بعض أمواله تحت سلطنتها تتصرف فيه باختيارها، بل من الممكن القول بعدم ملكيتها و وجوب تسليطها على بعض ماله.

إذن فليس هناك ما يوجب رفع اليد عن ظهور النصوص في اللزوم و حملها على الاستحباب.

و أما ما في بعض الكلمات، من أن القائلين بالوجوب إنما ذهبوا إليه بدعوى كون ما يعطيها المولى مهراً لها، و الحال إنه ليس في الأخبار ظهور فيه، فيكون المدعى بلا دليل، و الدليل لا يساعد على المدعى.

ففيه: إن ما نسب إلى القائل بالوجوب لم يعرف له وجه، إذ لا ملازمة بين الوجوب و بين عدم كونه مهراً، فمن الممكن القول بعدم كونه مهراً كما يساعد عليه ظاهر النصوص و الحكم بجواز تأخيره إلى بعد العقد و القول بوجوب الإعطاء. نظير المتعة الثابتة بالتزوج من دون مهر ثمّ الطلاق قبل الدخول، فإنها لازمة و الحال إنها ليست بمهر.

و بعبارة اخرى: إنّ مجرّد عدم دلالة الروايات على كون المعطى لها مهراً، لا ينافي دلالتها على وجوب الإعطاء و لزومه.

و الحاصل أنّ رفع اليد عن ظهور الروايات في الوجوب، بمجرد فتوى جماعة من الأصحاب بالاستحباب، لا وجه له.

(1) بلا خلاف فيه. لكونه حقاً من حقوق المولى، فينتقلان إلى وارثة، باعتبار‌

105

و الظاهر كفاية أمر أحدهم [1] في ذلك (1).

____________

قيامه مقامه بما عليهما من الحق.

و تدل عليه جملة من النصوص الواردة في أن أمر المولى بالاعتزال طلاق لها المتضمنة للتعليل أو الاستشهاد بقوله تعالى «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» حيث إنّ الظاهر منها أنّ الحكم إنما هو من أحكام المولوية و العبودية، من دون وجود خصوصيّة لكونه هو المزوج لهما و عدمه. و من هنا يثبت الحكم حتى و لو انتقلا إليه بغير الإرث، كالشراء و نحوه.

(1) و هو لا يخلو من إشكال بل منع، لأنهم شركاء فيهما، لأنّ المالك إنما هو مجموع الورثة لا كل منهم مستقلا. و عليه فكما لا يجوز للشريك الاستقلال في التزويج و الطّلاق اتفاقاً، لا يجوز له الأمر بالاعتزال، و لا يتحقّق بذلك لو صدر منه الطّلاق.

و بعبارة اخرى نقول: إنّ الطلاق أو الأمر بالاعتزال إنما هو من صلاحيات المالك و أمره بيده، و حيث إن كل واحد من الورثة ليس هو المالك و إنما هو نصف المالك على تقدير كونهما اثنين، فليس له الطلاق أو الأمر بالاعتزال مستقلا و مع قطع النظر عن سائر الورثة.

نعم، ربّما يقال: إن أحد الورثة إذا نهى العبد عن الوطء و أمره بالاعتزال حرم عليه وطؤها بلا خلاف، لكونه أحد الشركاء، فإذا حرم عليه وطؤها انفسخت الزوجية لا محالة للملازمة بينهما، على ما بين ذلك في محله عند التعرض لبطلان العقد على المحارم النسبية أو السببية.

و فيه: أنه ليس للمولى نهي العبد عن الوطء دائماً و على الإطلاق، و إنما له النهي عن غير الوطء الواجب شرعاً، فإذا وجب عليه الوطء لمرور أربعة أشهر عن وطئه السابق، فليس له النهي و لا يجب عليه امتثاله حتى و لو كانت الأمة مملوكة له أيضاً و من الواضح أنه لا مجال لدعوى الملازمة بين النهي المؤقت و بطلان النكاح.

____________

[1] لا يخلو عن إشكال بل منع.

106

[مسألة 20: إذا زوّج الأمة غير مولاها من حر، فأولدها جاهلًا بكونها لغيره]

[3820] مسألة 20: إذا زوّج الأمة غير مولاها من حر، فأولدها جاهلًا بكونها لغيره، عليه العشر أو نصف العشر لمولاها، و قيمة الولد (1) و يرجع بها على ذلك الغير [1] (2) لأنه كان مغروراً من قبله.

____________

على أنه لو فرضنا أن للمولى النهي المطلق، فلا مجال للقول بإيجاب الحرمة الناشئة منه لزوال الزوجية، باعتبار أن الحرمة التي توجب زوال الزوجية إنما هي الحرمة الذاتية كحرمة المحارم النسبية مثل الأم و الأُخت، و أما الحرمة العارضية و التي تزول بزوال العارض كالحرمة الناشئة من الحيض أو المرض فلا توجب زوالها. و حيث إن الحرمة في المقام من هذا القبيل، لأنها عارضة نتيجة لنهي المولى و تزول برجوع المولى عنه، فلا توجب بطلان النكاح و زوال الزوجية.

(1) و قد تقدّم الكلام فيه مفصلًا في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل.

(2) و فيه إشكال بل منع، فإنّ قاعدة الغرور لا دليل عليها.

و ما ذكره بعضهم من أنها مستفادة من النبوي «المغرور يرجع على من غره» و التي قد عمل بها المشهور في جملة من الموارد.

ففيه: أنه لم يثبت كون الجملة المتقدِّمة رواية، ليدعى انجبار ضعفها بعمل المشهور. و على تقدير ثبوتها فلم يثبت كونها هي المستند في عمل المشهور، على أن الانجبار بعمل المشهور غير ثابت في نفسه.

نعم، ورد في جملة من النصوص ضمان شاهد الزور إذا عدل عن شهادته بعد تلف المال، إذا كانت الشهادة في غير ما يوجب الحدّ و إلّا فالاقتصاص منه.

إلّا أن هذا حكم تعبدي، و لم يظهر كون الوجه فيه هو الغرور، بل ثبوته في غير مورد الغرور أيضاً يدل على العدم. فإنه لو رجع الشاهد عن شهادته لظهور اشتباهه و تبيّن الخطأ له، فإنه يضمن بنسبته إلى عدد الشهود المعتبر في القضية المال، فيما إذا‌

____________

[1] لا دليل عليه لأنّ قاعدة الغرور غير ثابتة مطلقاً، و الرواية الدالّة على ذلك ضعيفة سنداً، بل لا يبعد أن يكون المستفاد من صحيحة الوليد عدم وجوب شي‌ء عليه غير المهر.

107

..........

____________

كانت الشهادة على غير ما يوجب الحدّ و إلّا فالدية، و الحال إنه ليس فيه أي غرور. فيكشف ذلك عن أن الحكم ليس من هذه الجهة، و إنما هو من جهة فرض الشارع المقدّس للشاهد هو المتلف، فيضمن و إن لم يكن هو المباشر، لأقوائية السبب عن المباشر حينئذ.

ثمّ إنه قد يستدلّ على الحكم بروايات ثلاث:

الاولى: خبر رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إلى أن قال-: و سألته عن البرصاء، فقال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوّجها وليها و هي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها، و أن المهر على الذي زوّجها، و إنما صار المهر عليه لأنه دلسها. و لو أن رجلًا تزوّج امرأة، و زوّجها إياه رجل لا يعرف دخيلة أمرها، لم يكن عليه شي‌ء، و كان المهر يأخذه منها» (1).

بدعوى أن المستفاد من التعليل، أعني قوله (عليه السلام): «لأنه دلسها» عموم الحكم لجميع موارد التدليس، و عدم اختصاصه بموردها.

و فيه: أن أصل الحكم في مورد الرواية و إن كان مسلماً لدلالة جملة من النصوص المعتبرة عليه، إلّا أنه لا مجال للتعدي عن موردها إلى غيره، لقصورها دلالة و سنداً.

أمّا الأوّل: فلأن غاية ما تفيده هو الرجوع على الذي قد دلّس بالمهر خاصة، و أما الرجوع بكل ما يخسره الزوج نتيجة للزواج و التدليس فلا دلالة لها عليه، و حيث إن كلامنا في المقام إنما هو في قيمة الولد لا المهر، تكون الرواية أجنبية عن محلّ الكلام و لا تصلح للاستدلال.

و أمّا الثاني: فلكونها ضعيفة سنداً لوقوع سهل بن زياد في طريقه، و هو ممن لم تثبت وثاقته.

الثانية: رواية إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته، فسأل عنها فقيل: هي ابنة فلان، فأتىٰ أباها فقال: زوّجني ابنتك، فزوّجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد أنها غير ابنته و أنها أمة، قال: «تردّ‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب العيوب و التدليس، ب 2 ح 2.

108

..........

____________

الوليدة على مواليها و الولد للرجل، و على الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة، كما غرّ الرجل و خدعه» (1).

و لا بأس بدلالتها على المدعى. فإن قوله (عليه السلام): «كما غرّ الرجل و خدعه» بمنزلة التعليل، و كأنه (عليه السلام) قال: لأنه غارّ و خادع للرجل، فيمكن التعدي عن موردها.

إلّا أنها ضعيفة من حيث السند، لوقوع محمد بن سنان في طريقها، و هو ممّن لم تثبت وثاقته، لتعارض الروايات الواردة في توثيقه بما اشتمل على ذمه و جرحه (2).

الثالثة: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثمّ يجي‌ء مستحق الجارية، قال: «يأخذ الجارية المستحق، و يدفع إليه المبتاع قيمة الولد، و يرجع على من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد التي أُخذت منه» (3).

و هي و إن كانت واضحة الدلالة على رجوع مالك الأمة على المشتري بالجارية و قيمة الولد و ضمان البائع لقيمة الولد، إلّا أنها واردة في خصوص البيع، فالتعدي عن موردها يحتاج إلى الدليل، لا سيما و إن مقتضاها رجوع المشتري على البائع عند رجوع المالك عليه مطلقاً، حتى و لو لم يكن البائع غارّاً له، كما لو كان البائع جاهلًا بالحال أيضاً، فمن المحتمل قوياً أن يكون ثبوت الضمان عليه من جهة ترتب يده عليها الموجب للضمان، فتكون الرواية أجنبية عن محل الكلام، فلا بدّ من الاقتصار على موردها و لا مجال للتعدي عنه إلى غيره.

و الحاصل أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من رجوع الزوج على الذي زوّجه الأمة بقيمة الولد، لا دليل عليه لعدم ثبوت قاعدة الغرور مطلقاً، و ضعف الروايات التي استدلّ بها على المدعى سنداً أو دلالة.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب العيوب و التدليس، ب 7 ح 1.

(2) راجع معجم رجال الحديث 17: 160.

(3) الوسائل، 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88 ح 5.

109

كما أنه إذا غرّته الأمة بتدليسها و دعواها الحرية، تضمن القيمة (1) و تتبع به بعد العتق [1]. و كذا إذا صار مغروراً من قبل الشاهدين على حريتها.

[مسألة 21: لو تزوّج أمة بين شريكين بإذنهما، ثمّ اشترى حصة أحدهما، أو بعضها]

[3821] مسألة 21: لو تزوّج أمة بين شريكين بإذنهما، ثمّ اشترى حصة أحدهما، أو بعضها، أو بعضاً من حصة كل منهما بطل نكاحه، و لا يجوز له بعد ذلك وطؤها (2).

____________

(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم هنا و في المسألة الثانية عشرة، و منه يظهر الحال فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك.

(2) على ما هو المشهور شهرة عظيمة، بل كاد أن يكون إجماعاً. فإنّ البضع لا يتبعّض، فلا يجوز له أن يستحلّها بالملكية و الزوجية، بحيث يكونان معاً سبباً لحليتها.

و يدلّ عليه قوله تعالى «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»* (1). فإن مقتضاها انحصار سبب جواز الوطء بأحد الأمرين التزويج أو ملك اليمين، و قد أُضيف إليهما التحليل بمقتضى النصوص الخاصة، فتبقى الملفقة منهما خارجة عنها، لأنّها ليست بزوجية و لا ملك يمين.

و النصوص الدالّة على أن المولى إذا أراد أن يتزوج أمته كان عليه أن يعتقها، ثمّ يتزوّجها بما يتّفقان عليه من المهر، أو يجعل عتقها مهرها (2).

و موثقة سماعة الواردة في خصوص المقام، أعني شراء الزوج لبعض حصّة أحدهما قال: سألته عن رجلين بينهما أمة فزوّجاها من رجل، ثمّ إن الرجل اشترى بعض السهمين، فقال: «حرمت عليه باشترائه إياها، و ذلك أن بيعها طلاقها إلّا أن‌

____________

[1] لا دليل على ذلك، و تقدّم الكلام في نظير ذلك [في المسألة 3812].

____________

(1) سورة المعارج 70: 29 30.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 11.

110

..........

____________

يشتريها من جميعهم» (1).

فإنها صريحة في عدم جواز وطئها، لا بالزوجية لارتفاعها، و لا بملك اليمين لعدم استقلاله في ملكيتها، و كونها مشتركة بينه و بين غيره.

و كيف كان، فالحكم مما لا خلاف فيه بين الأصحاب، إلّا ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من الالتزام بالجواز إذا رضي الشريك بالعقد، و قد تبعه على ذلك القاضي (2).

قال في النهاية على ما حكاه عنه في الجواهر ما لفظه: إذا تزوّج الرجل أمة بين شريكين، ثمّ اشترى نصيب أحدهما، حرمت عليه إلّا أن يشتري النصف الآخر، أو يرضى مالك نصفها بالعقد، فيكون ذلك عقداً مستأنفاً (3).

و الذي يظهر من عبارته (قدس سره) أن المراد بالعقد إنما هو عقد التزويج الذي كان قبل البيع.

غير أن صاحب الجواهر (قدس سره) قد نقل عن المحقق (قدس سره)، أن «أو» المذكور في الجملة من غلط النساخ، و الصحيح هو «الواو» فيكون المراد بالعقد هو شراء الزوج للنصف الآخر (4). لكنه (قدس سره) استبعد ذلك إلّا أنه اعتبره أقرب من الاحتمال الأوّل، نظراً إلى أن رضا الشريك بعقد التزويج لا أثر له، فإنّ الزوجية إذا أمكن اجتماعها مع الملك فلا حاجة إلى رضاه لوقوع العقد في وقته صحيحاً، و أما إذا لم يمكن اجتماعهما فلا أثر لرضاه، فإنه لا يجعل الممتنع ممكناً. فما ذكر لا يمكن نسبته إلى من له أدنى معرفة بالفقه، فضلًا عن شيخ الطائفة (قدس سره).

ثمّ احتمل (قدس سره) أن يكون المراد به هو عقد التحليل، فتكون الحلية من هذه الجهة (5).

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 46 ح 2.

(2) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20: 233 طبع المؤتمر العالمي.

(3) الجواهر 30: 239، النهاية: 480.

(4) الجواهر 30: 240، نكت النهاية 2: 350.

(5) الجواهر 30: 240.

111

و كذا لو كانت لواحد و اشترى بعضها (1).

و هل يجوز له وطؤها إذا حلّلها الشريك؟ قولان، أقواهما نعم، للنص (2).

____________

و على كل حال، فلو ثبت ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من جواز وطئه لها برضا الشريك بعقد النكاح السابق، فهو مما لا يمكن المساعدة عليه، لعدم الدليل، بل لدلالة موثقة سماعة المتقدِّمة بإطلاقها على خلافه.

(1) لما تقدّم من عدم جواز التبعيض في البضع.

(2) و هو صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن جارية بين رجلين دبّراها جميعاً ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لشريكه؟ قال: «هو له حلال، و أيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حراً من قبل الذي مات و نصفها مدبّراً». قلت: أ رأيت إن أراد الباقي منهما أن يمسّها، إله ذلك؟ قال: «لا، إلّا أن يثبت عتقها و يتزوّجها برضى منها مثل ما أراد». قلت له: أ ليس قد صار نصفها حراً قد ملكت نصف رقبتها و النصف الآخر للباقي منهما؟ قال: «بلى». فقلت: فإن هي جعلت مولاها في حلّ من فرجها و أحلّت له ذلك؟ قال: «لا يجوز له ذلك». قلت: لم لا يجوز لها ذلك كما أجزت للذي كان له نصفها حين أحلّ فرجها لشريكه منها؟ قال: «إنّ الحرّة لا تهب فرجها و لا تعيره و لا تحلّله، و لكن لها من نفسها يوم، و للذي دبّرها يوم، فإن أحب أن يتزوجها متعة بشي‌ء في اليوم الذي تملك فيه نفسها فيتمتع منها بشي‌ء قل أو كثر» (1).

و هذه الرواية صحيحة سنداً و صريحة دلالة، و قد عمل بها جماعة من الأصحاب فلا موجب لرفع اليد عنها، بدعوى إعراض الأصحاب أو غيرها.

و من الممكن حمل كلام الشيخ (قدس سره) على هذا المعنى، كما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره).

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 41 ح 1.

112

و كذا لا يجوز وطء من بعضه حر إذا اشترى نصيب الرقية، لا بالعقد، و لا بالتحليل منها (1). نعم، لو هايأها، فالأقوى جواز التمتع بها في الزمان الذي لها عملًا بالنص الصحيح (2) و إن كان الأحوط خلافه.

[فصل في الطوارئ]

فصل في الطوارئ و هي العتق و البيع و الطلاق.

أما العتق، فإذا أُعتقت الأمة المزوّجة كان لها فسخ نكاحها إذا كانت تحت عبد (3).

____________

و من هنا يظهر أنه لا مجال للتمسك بالقاعدة لإثبات الحرمة، بدعوى أن الملفق من التحليل و الملك لا يشمله شي‌ء من أسباب الحل المذكورة في الآية و النصوص فيبقى على أصل المنع، فإنه مردود بأنّ الصحيحة مخصصة لعموم الحرمة.

(1) على ما صرحت به صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة.

(2) و هو صحيح محمد بن قيس المتقدم، حيث ورد في ذيلها التصريح بجواز التمتع بها في اليوم الذي تملك فيه نفسها، فيتعيّن العمل بها و رفع اليد عن القاعدة المقتضية لعدم قابلية سبب الحلية للتبعيض، على ما هو ظاهر الآية الكريمة و جملة من النصوص.

فصل في الطوارئ

(3) بلا خلاف و لا إشكال فيه بين الأصحاب، و تدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة:

كصحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أمة كانت تحت عبد فأُعتقت الأمة، قال: «أمرها بيدها، إن شاءت تركت نفسها مع زوجها، و إن شاءت نزعت نفسها منه». قال: «و ذكر أنّ بريرة كانت عند زوج لها و هي مملوكة فاشترتها عائشة و أعتقتها، فخيّرها رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و قال: إن شاءت أن‌

113

بل مطلقاً و إن كانت تحت حرّ على الأقوىٰ [1] (1).

____________

تقرّ عند زوجها، و إن شاءت فارقته» الحديث (1).

و صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المملوكة تكون تحت العبد ثمّ تعتق، فقال: «تُخيّر، فإن شاءت أقامت على زوجها، و إن شاءت فارقته» (2).

و موثقة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنه كان لبريرة زوج عبد، فلما اعتقت قال لها النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): اختاري» (3). و غيرها من الأخبار.

(1) و استدلّ له بجملة من النصوص تدلّ على المدعى بالصراحة أو بالإطلاق منها:

رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «أيما امرأة أُعتقت فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت معه، و إن شاءت فارقته» (4).

فإنها بإطلاقها تدلّ على ثبوت الخيار للمعتقة، سواء أ كان زوجها عبداً أم حرّا.

و لا تنافي بين هذه الرواية و الروايات المتقدِّمة، حيث إن تلك الروايات و إن كان موردها العبد، إلّا أنه لا دلالة فيها على اختصاص الحكم بما إذا كان زوجها عبداً و نفي الحكم عن غيره، و تكون غاية دلالتها هو ثبوت الحكم فيما إذا كان زوجها عبداً من دون تعرض للنفي عن غيره، فلا تعارض ما دلّ على ثبوت الخيار للمعتقة مطلقاً حتى و إن كان زوجها حرّا.

____________

[1] فيه إشكال بل منع.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 2.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 7.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 9.

(4) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 8.

114

..........

____________

لكن هذه الرواية ضعيفة من حيث السند و إن عبّر عنها في الجواهر بالصحيحة (1) و كذا نقل في الحدائق عن الشهيد (قدس سره) في المسالك (2). إذ إن محمد بن الفضيل الواقع في سندها مشترك بين الثقة و غير الثقة، و لم يثبت كونه محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة، و إن أصرّ الأردبيلي (قدس سره) في جامع الرواة عليه (3).

و منها: رواية عبد اللّٰه بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل حر نكح أمة مملوكة ثمّ اعتقت قبل أن يطلقها، قال: «هي أملك ببضعها» (4).

و هي و إن كانت صريحة في المدعى، إلّا أنها مرسلة لا مجال للاعتماد عليها.

و منها: رواية محمد بن آدم عن الرضا (عليه السلام)، أنه قال: «إذا أُعتقت الأمة و لها زوج خيّرت، إن كانت تحت عبد أو حرّ» (5).

و هي و إن كانت صريحة في المدعى أيضاً، إلّا أنها ضعيفة السند من جهتين، فإنها مرسلة لعدم ذكر الواسطة بين الشيخ (قدس سره) و محمد بن آدم الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام)، على أن محمد بن آدم نفسه لم يثبت توثيقه.

و منها: رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا أُعتقت الأمة و لها زوج، خيّرت، إن كانت تحت عبد أو حرّ» (6).

و هي ضعيفة السند من جهة أن أبا جميلة المفضل بن صالح ممن ضعّفه النجاشي (7) فلا مجال للاعتماد عليها.

____________

(1) الجواهر 30: 244.

(2) الحدائق 24: 249، مسالك الافهام 8: 33.

(3) جامع الرواة 2: 177.

(4) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 11.

(5) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 12.

(6) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 13.

(7) رجال النجاشي: 128، (332) في ترجمة جابر بن يزيد.

115

..........

____________

إذن فجميع الروايات الدالّة على ثبوت الخيار للمعتقة فيما إذا كان زوجها حرّا ضعيفة السند، و لا مجال للاعتماد عليها.

و من هنا فيتعيّن الاقتصار في الحكم بثبوت الخيار على خصوص مورد الروايات المعتبرة، أعني ما لو كان زوجها عبداً، فإن التعدي عنه يحتاج إلى الدليل و هو مفقود كما عرفت، و مقتضى إطلاقات أدلّة نفوذ العقد و الإمضاء هو بقاء الزوجية و عدم ثبوت الخيار عند عتقها فيما إذا كان زوجها حراً.

و الحاصل أن ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) و غيره، من عموم الحكم لما إذا كان زوجها حراً، مشكل جدّاً بل ممنوع.

ثمّ هل يثبت الخيار لها لو أعتقت هي و زوجها معاً، أم لا؟

الظاهر هو الثبوت. و ذلك لأن القاعدة و إن كانت تقتضي عدم الخيار لها، باعتبار أنه ليس في المقام زمان تكون الزوجة فيه حرّة و الزوج عبداً، فإنهما يعتقان في زمان واحد و يتصفان معاً بالحرية، و من هنا فلا تشمله نصوص الخيار لاختصاصها على ما عرفت بما إذا أُعتقت الزوجة و كان الزوج عبداً، و هو غير صادق في المقام.

إلّا أن صحيحة عبد اللّٰه بن سنان دالّة على ثبوت الخيار لها في الفرض، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «إذا أعتقت مملوكيك رجلًا و امرأته فليس بينهما نكاح» و قال: «إن أحبّت أن يكون زوجها كان ذلك بصداق» (1).

فإنها دالّة على ثبوت الخيار للأمة المعتقة حتى و لو أُعتق زوجها معها، فمن هنا فلا محيص عن رفع اليد عن القاعدة و الالتزام بما تضمّنه النص الصحيح.

نعم، أورد صاحب الحدائق على الاستدلال بهذا النص، بأنه دال على بطلان النكاح بينهما عند انعتاقهما معاً و ارتفاع الزوجية قهراً (2).

إلّا أنه مدفوع بالقطع بعدم بطلان الزوجية في الفرض، فإنه لا يخلو إما من الإلحاق بصورة كون الزوج حين عتقها عبداً، و أما بالإلحاق بصورة كونه حراً.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 53 ح 1.

(2) الحدائق 24: 254.

116

..........

____________

فيثبت لها الخيار في الأوّل إجماعاً، و في الثاني على ما ذهب إليه المشهور و على ما اخترناه فلا خيار لها. و أما الحكم بالبطلان قهراً فلا وجه له و لم ينسب القول به إلى أحد، و مجرد التعبير بأنه «ليس بينهما نكاح» لا يقتضي ذلك. فإنه قد ورد نظير ذلك في تأخير المشتري للثمن، حيث ذكر (عليه السلام) أنه لا بيع بينهما (1) و الحال أنه لم يحتمل أحد الحكم بالبطلان، و إنما التزموا بثبوت الخيار للبائع خاصة.

و الحاصل أنه لا بدّ من حمل التعبير في الصحيحة ب‍ «فليس بينهما نكاح» على نفي لزوم العقد السابق و ثبوت الخيار لها، دون بطلان أصل العقد.

و يدلّ على ما ذكرناه أمران:

الأوّل: قوله (عليه السلام): «إن أحبت أن يكون زوجها كان ذلك بصداق». فإنه ظاهر في ثبوت الخيار لها، و إلّا فلو كان النكاح باطلًا لم تكن محبتها خاصة كافية في ثبوت الجواز، بل كان ينبغي تعليق الحكم على محبتهما معاً و التراضي من الطرفين فكفاية محبتها خاصّة إنما تكشف عن كون المراد بقوله (عليه السلام): «ليس بينهما نكاح» هو نفي اللّزوم و ثبوت الخيار لها.

الثاني: ذيل الحديث، حيث ورد فيه: قال: سألته عن الرجل ينكح عبده أمته ثمّ يعتقها، تخيّر فيه أم لا؟ قال: «نعم، تخيّر فيه إذا أُعتقت» (2).

فإنّ سؤال ابن سنان عن عتقها وحدها بعد سماعه لحكم عتقهما معاً، شاهد على فهمه لثبوت الخيار لها عند عتقهما معاً، بحيث كان السؤال الثاني عن اختصاص الحكم بصورة عتقهما معاً أو عمومه لعتقها خاصة أيضاً.

ثمّ لو شرط المولى عليها عدم فسخ النكاح بعد عتقها، فلا شك و لا إشكال في نفوذه، لكونه أمراً سائغاً فيشمله عموم ما دلّ على لزوم الوفاء بالشرط، بلا فرق بين أن يكون الاشتراط في ضمن العتق أو في ضمن عقد لازم غيره، و سيأتي من المصنف (قدس سره) التعرض له في المسألة العاشرة من هذا الفصل.

____________

(1) الوسائل، ج 18 كتاب التجارة، أبواب الخيار، ب 9.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 52 ح 1.

117

و الظاهر عدم الفرق بين النِّكاح الدائم و المنقطع (1). نعم، الحكم مخصوص بما إذا أُعتق كلّها، فلا خيار لها مع عتق بعضها على الأقوىٰ (2). نعم، إذا أُعتق البعض

____________

نعم، لو اشترط عليها أن لا يكون لها خيار، فقد يقال بالبطلان، لكونه شرطاً على خلاف السنّة و شرط اللّٰه قبل شرطهم.

إلّا أنه مدفوع بأنّ صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل كان له أب مملوك، و كانت لأبيه امرأة مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن أُعينك في مكاتبتك حتى تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك، قال: «لا يكون لها الخيار المسلمون عند شروطهم» (1) دالّة صريحاً على الجواز.

فينكشف من ذلك أنّ سلب الخيار عنها ليس من الحكم المخالف لحكم اللّٰه على الإطلاق، و إنما هو مخالف في خصوص فرض عدم اشتراطه في ضمن العقد. نظير اشتراط الإرث في عقد المتعة و نذر الإحرام قبل الميقات، فإنه بأدلّة جوازه بالاشتراط أو النذر يفهم أن عدم مشروعيته مختص من الأوّل بصورة عدم الاشتراط أو النذر و إلّا فمع الاشتراط أو النذر فمشروع من الأوّل.

و حيث إنّ الرواية صحيحة من حيث السند و واضحة دلالة، فلا محيص عن العمل بها و الحكم بمقتضاها، و إن كان مقتضى القاعدة هو البطلان.

(1) لإطلاق الأدلة، حيث لم يرد في شي‌ء منها التقييد بالدوام، فما عن بعضهم من القول باختصاص الحكم به لا وجه له، لا سيما مع التعبير في صحيحة الحلبي بأن «أمرها بيدها».

(2) فإنّ موضوع النصوص هو الأمة المعتقة و هو غير صادق على المبعضة، لأنها مملوكة في الجملة. بل إن قوله (عليه السلام): «أمرها بيدها» يدلّ على اختصاص الحكم بالتي قد أُعتق كلها، باعتبار أن أمر المبعضة ليس بيدها، كما هو واضح.

____________

(1) الوسائل، ج 23 كتاب التدبير و المكاتبة، أبواب المكاتبة، ب 11 ح 1.

118

الآخر أيضاً و لو بعد مدّة، كان لها الخيار (1).

[مسألة 1: إذا كان عتقها بعد الدخول ثبت تمام المهر]

[3822] مسألة 1: إذا كان عتقها بعد الدخول ثبت تمام المهر (2). و هل لمولاها، أو لها؟ تابع للجعل في العقد، فإن جعل لها فلها و إلّا فله (3). و لمولاها في الصورة الأُولى تملّكه كما في سائر الموارد، إذ له تملك مال مملوكه، بناءً على القول بالملكية، لكن هذا إذا كان قبل انعتاقها، و أما بعد انعتاقها فليس له ذلك (4).

و إن كان قبل الدخول، ففي سقوطه، أو سقوط نصفه، أو عدم سقوطه أصلًا وجوه، أقواها الأخير (5)

____________

(1) لشمول النصوص لها، فإن أمرها بعد انعتاق البعض الآخر بيدها.

(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب، و تدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.

(3) و قد تقدّم الحديث فيه مفصلًا في المسألة الرابعة و الخامسة من الفصل المتقدِّم فراجع.

(4) فإنّ سلطانه على مالها إنما يختص بما إذا كانت مملوكة له، فإذا خرجت عن ملكه فليس له سلطان عليها أو على أموالها، كما هو واضح.

(5) و قد تقدّم الكلام في نظير هذا الفرع في المسألة السابعة من الفصل السابق، فيما إذا ملكت المرأة زوجها قبل الدخول بها. و قد عرفت أن القول بسقوط المهر كلّاً لا وجه له، إذ لا دليل على كون المانع الطارئ من الملك فسخاً للعقد، بحيث يرتفع من الأوّل و يفرض كأن لم يكن. كما لا دليل على التنصيف و سقوط نصف المهر، فإن الزوجة بمجرد العقد تملك تمام المهر، و سقوط النصف في الطلاق كان للدليل الخاص فالتعدي عنه إلى غيره من موارد ارتفاع الزوجية لا وجه له و قياس محض.

و هذا الكلام بعينه يجري في المقام، فإنه لا دليل على كون بطلان الزوجية بنزع الأمة نفسها منه فسخاً للعقد كي يبطل أصل المهر، و دليل التنصيف مختص بالطلاق و لا مجال للتعدي عنه. فمن هنا يكون الصحيح هو ما اختاره الماتن (قدس سره)، من ثبوت تمام المهر و عدم سقوط شي‌ء منه على الإطلاق.

119

و إن كان مقتضى الفسخ الأوّل (1) و ذلك لعدم معلومية كون المقام من باب الفسخ لاحتمال كونه من باب بطلان النكاح مع اختيارها المفارقة، و القياس على الطّلاق في ثبوت النصف، لا وجه له.

[مسألة 2: إذا كان العتق قبل الدخول و الفسخ بعده]

[3823] مسألة 2: إذا كان العتق قبل الدخول و الفسخ بعده، فإن كان المهر جعل لها فلها.

و إن جعل للمولى، أو أطلق، ففي كونه لها أو له قولان، أقواهما الثاني، لأنه ثابت بالعقد (2) و إن كان يستقر بالدخول، و المفروض أنها كانت أمة حين العقد (3).

[مسألة 3: لو كان نكاحها بالتفويض، فإن كان بتفويض المهر]

[3824] مسألة 3: لو كان نكاحها بالتفويض، فإن كان بتفويض المهر فالظاهر أنّ حاله حال ما إذا عيّن في العقد (4).

و إن كان بتفويض البضع، فإن كان الانعتاق بعد الدخول و بعد التعيين [1] (5)

____________

(1) في غير العنن، و أما فيه فقد دلّ الدليل الخاصّ على ثبوت نصف المهر، خلافاً لما تقتضيه القاعدة.

(2) على الأصح، كما تقتضيه جملة من النصوص.

(3) فيكون المهر للمولى لا محالة. نعم، إذا قلنا أنّ المهر إنما يثبت بالدخول كان المهر لها قهراً، لأن المولى قبل الدخول لم يكن مالكاً لشي‌ء، و حين الدخول فهي حرّة تملك ما يثبت به، إلّا أن هذا المبنى لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

(4) فإن جعل المهر لها كان لها، و إن جعل للمولى أو أطلق فهو له.

(5) الظاهر أن «الواو» من غلط النساخ أو سهو القلم، و الصحيح هو «أو» حيث يكفي كل من الدخول أو التعيين في ثبوت حكم المهر المعيّن في أصل العقد للمقام.

____________

[1] لا يبعد أن يكون المراد أحدهما بمعنى أنه مع الدخول أو مع التعيين قبل الدخول يكون حال المهر حاله مع التعيين حال العقد.

120

فحاله حال ما إذا عيّن حال العقد (1). و إن كان قبل الدخول، فالظاهر أن المهر لها (2) لأنه يثبت حينئذ بالدخول، و المفروض حريتها حينه.

[مسألة 4: إذا كان العتق في العدّة الرجعية، فالظاهر أن الخيار باق]

[3825] مسألة 4: إذا كان العتق في العدّة الرجعية، فالظاهر أن الخيار باق (3) فإن اختارت الفسخ لم يبق للزوج الرجوع حينئذ، و إن اختارت البقاء بقي له حق الرجوع. ثمّ إذا اختارت الفسخ لا تتعدد العدّة، بل يكفيها عدّة واحدة (4)

____________

(1) بلا خلاف فيه، فيكون المهر لها أو له على اختلاف الجعل في العقد.

(2) فيما إذا تحقق الدخول بعد الانعتاق و قبل الفراق.

و أما إذا لم يتحقق الدخول بعد الانعتاق، فلا شي‌ء على الزوج لها و لا للسيد، لأن التعيين لم يحصل بحسب الفرض و الدخول لم يتحقق، و المهر إما يثبت بالتعيين أو الدخول، فإذا لم يتحققا كان حكم النزع حكم الفسخ في عدم ثبوت شي‌ء بالمرّة.

(3) و هو بناءً على ما اخترناه، من كون المطلقة رجعية زوجة حقيقة حيث إنها لا ترتفع إلّا بالطلاق و انقضاء العدة، نظير باب السلم حيث لا يحصل الملك إلّا بالعقد و القبض، واضح.

و أما بناءً على ما ذهب إليه المشهور، فللإجماع على ثبوت جميع أحكام الزوجة لها، أو للأولوية القطعية على ما ذكر في بعض الكلمات، فإن الزوجة المعتقة إذا جاز لها فسخ نكاحها المستقر، جاز لها فسخ نكاحها المتزلزل بطريق أولى.

(4) الظاهر أن المراد من العبارة ليس هو تعدّد العدّة و من ثمّ تداخلهما بحيث تصبحان عدّة واحدة، و إنما هو ثبوت عدّة واحدة لها هي عدّة الطلاق خاصة، غاية الأمر أنها تنقلب من عدّة الأمة إلى عدّة الحرّة.

و الوجه فيما ذكرناه عدم الدليل على ثبوت العدّة للفسخ إذا كان في أثناء العدّة و حينئذ فلا وجه لتعدّد العدّة كي يبحث في تداخلهما و عدمه، و إنما السبب منحصر في الطلاق فتثبت عدّة واحدة خاصة.

و ذلك لأن ثبوت العدّة، إما من جهة الدخول و التقاء الختانين على ما دلّ عليه‌

121

و لكن عليها تتميمها عدّة الحرّة (1).

و إن كانت العدّة بائنة فلا خيار لها، على الأقوى (2).

____________

النص الصحيح مطلقاً حتى و لو كان الوطء شبهة، و إما من جهة خصوص ما ورد في الفسخ بالعيب بعد دخوله بها مع عدم علمه بالعيب. و الأوّل لا يقتضي إلّا العدّة الأُولى، فإنّ الزوجة تعتدّ من دخول الزوج، و هو لا يوجب إلّا عدّة واحدة هي التي بدأتها عند الطلاق. و أما الثاني فهو لا يقتضي ثبوت عدّة اخرى، نظراً إلى أن موردها هو الفسخ و هي زوجة غير معتدّة، فلا تشمل المقام أعني الفسخ و هي في أثناء عدّة الطّلاق.

و من هنا فلا يبقى دليل على ثبوت عدة ثانية، كي يبحث في تداخلهما و عدمه.

(1) لما دلّ على أن المطلقة رجعية إذا أُعتقت أثناء عدّتها، انقلبت عدّتها عدّة حرّة (1).

و هذه النصوص و إن لم تكن تشتمل على التصريح بكون العدة التي أُعتقت الأمة فيها عدة رجعية، إلّا أن القرينة قائمة على إرادتها.

و كيف كان، فالحكم متسالم عليه و لا خلاف فيه.

(2) و ظاهره وجود قول بثبوت الخيار لها في الفرض. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك حيث لا قائل بثبوت الخيار لها في الفرض مطلقاً، بل لا وجه متحصل للقول بثبوته. فإنه إنما يفيد اختيار المرأة في بقائها على الزوجية، أو نزع نفسها منه، و الأوّل لا معنى له، لفرض انفصالها عنه بالطلاق البائن. و الثاني تحصيل للحاصل.

و الظاهر أن قوله (قدس سره): على الأقوى، من سهو قلمه الشريف.

و كيف كان، فعدم ثبوت الخيار لها عند عتقها و فسخها للزوجية في فترة العدة البائنة، ممّا لا خلاف فيه و لا إشكال، بل أرسله صاحب الجواهر (قدس سره) إرسال المسلّمات (2).

____________

(1) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب العدد، ب 50.

(2) الجواهر 30: 247.

122

[مسألة 5: لا يحتاج فسخها إلى إذن الحاكم]

[3826] مسألة 5: لا يحتاج فسخها إلى إذن الحاكم (1).

[مسألة 6: الخيار على الفور على الأحوط]

[3827] مسألة 6: الخيار على الفور على الأحوط [1] (2) فوراً عرفيّاً. نعم لو كانت جاهلة بالعتق، أو بالخيار، أو بالفورية، جاز لها الفسخ بعد العلم، و لا يضرّه التأخير حينئذ.

[مسألة 7: إن كانت صبيّة أو مجنونة، فالأقوى أنّ وليّها يتولّى خيارها]

[3828] مسألة 7: إن كانت صبيّة أو مجنونة، فالأقوى أنّ وليّها يتولّى خيارها (3).

____________

(1) بلا خلاف فيه بيننا. فإنه من حقوقها، نظير اعتبار إذنها في التزويج من بنت أخيها أو أُختها، و لا دخل للحاكم فيه. نعم، نسب ذلك إلى بعض الشافعية، لكن وجهه غير واضح.

(2) لشبهة الإجماع على الفورية، على ما ادعي في بعض الكلمات.

لكن الأظهر عدم الاعتبار، و ذلك لا للتمسك باستصحاب حكم المخصص الزماني في الأزمنة المتأخِّرة، فيما إذا لم يكن للدليل الأوّل عموم أو إطلاق من حيث الزمان بل للتمسّك بعموم المخصّص أعني قوله (عليه السلام): «أمرها بيدها» في الزمان المشكوك، فإنه مقدّم على عموم الدليل الأوّل، فيعمل به من دون أن يكون هناك مجال للتمسك بالاستصحاب، كما هو واضح.

إذن فإن ثبت هناك إجماع تعبدي على الفورية فهو لكنه في حيز المنع جدّاً و إلّا فالمتعيِّن هو الرجوع إلى عموم المخصص أو إطلاقه، و مقتضاه ثبوت الخيار لها مطلقاً و من غير تقييد بالزمان الأوّل.

(3) خلافاً لما يظهر من جماعة من الأصحاب، بل يظهر من كلمات بعضهم أنه لا خلاف في عدم ثبوت الخيار للولي.

و كيف كان، فالذي ينبغي أن يقال في المقام: هو التفصيل بين ما إذا لم يترتب على عدم الفسخ مفسدة أو فوات مصلحة لها، و بين ما إذا ترتب على ذلك فوات مصلحة أو مفسدة.

____________

[1] و إن كان الأظهر عدم فوريّته.

123

[مسألة 8: لا يجب على الزوج أعلامها بالعتق أو بالخيار إذا لم تعلم]

[3829] مسألة 8: لا يجب على الزوج أعلامها بالعتق أو بالخيار إذا لم تعلم، بل يجوز له إخفاء الأمر عليها (1).

____________

ففي الصورة الاولى، لا يثبت خيار للولي، كما لو كان جنون الزوجة أدوارياً و كان زمان إفاقتها قريباً، أو كانت الصبية قريبة البلوغ، فإنه لا بدّ من انتظار رشدها أو بلوغها من دون أن يكون لوليها الخيار، لعدم الدليل على ذلك، لأن الولي إنما جعل ولياً للتحفظ على مصالح المولى عليه و دفع المفاسد عنه، فإذا فرض عدمهما فلا وجه لإثبات الولاية عليها في المقام.

و الظاهر أن الماتن و كلّ من حكم بثبوت الولاية عليها في المقام غير ناظر إلى هذه الصورة.

و أما الصورة الثانية، فالأقوى فيها ثبوت الولاية له.

و الوجه في ذلك أنه و إن لم يرد نصّ يدلّ على ثبوت الولاية في المقام بخصوصه، إلّا أن حق المسلم في ماله و دمه و عرضه لما كان محترماً، إذ «لا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم» على ما في صحيحة يزيد الكناسي (1) و «لا يصلح ذهاب حق أحد» على ما في صحيحة الحلبي (2) كان لا بدّ من تداركها. و حيث إن من الواضح أن الحق العرضي لا يقلّ حرمة عن الحق المالي و قد ورد فيه أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا بدّ من احترامه، و لما كان صاحب الحق عاجزاً عن استيفائه و غير قادر عليه لصغر أو جنون، كان من مقتضى طبيعة الحال انتقاله إلى الولي خاصة إذ ليس لكل مسلم القيام بتحصيله، بلا خلاف.

و الحاصل أنه و إن لم يرد في هذه الصّورة نصّ خاص يدلّ على ثبوت الولاية لوليها، إلّا أن في الأدلّة العامّة ما يكفي.

(1) لعدم الدليل على الوجوب، فيكون مقتضى الأصل هو العدم.

____________

(1) الوسائل، ج 28 كتاب الحدود، أبواب مقدمات الحدود، ب 6 ح 1.

(2) الوسائل، ج 27 كتاب الشهادات، ب 40 ح 1.

124

[مسألة 9: ظاهر المشهور عدم الفرق في ثبوت الخيار لها بين أن يكون هو المباشر لتزويجها]

[3830] مسألة 9: ظاهر المشهور عدم الفرق في ثبوت الخيار لها بين أن يكون هو المباشر لتزويجها، أو آذنها فاختارت هي زوجاً برضاها. و لكن يمكن دعوى انصراف الأخبار [1] إلى صورة مباشرة المولى بلا اختيار منها (1).

[مسألة 10: لو شرط مولاها في العتق عدم فسخها، فالظاهر صحّته]

[3831] مسألة 10: لو شرط مولاها في العتق عدم فسخها، فالظاهر صحّته [2] (2).

____________

(1) و لم يعلم وجه لهذا الانصراف. فإنّ المذكور في بعض روايات المقام و إن كانت الأمة المزوجة من قبل المولى، إلّا أن الموضوع في جملة منها هو الأمة المزوجة من دون تعيين لمن هو المزوج لها، و قد حكم الإمام (عليه السلام) فيها بثبوت الخيار لها بعنوان أن أمرها أصبح بيدها، و من الواضح أنه صادق في فرض تزويجها هي، على حد صدقه في فرض تزويج المولى لها.

ثمّ لو سلم الانصراف، فلا يخفى أنه بدوي لا يلتفت إليه.

إذن فالصحيح هو ما اختاره المشهور من عدم الفرق بين الفرضين.

(2) تقدّم الكلام فيه في ذيل التعليقة الثانية من هذا الفصل، و قد عرفت أن الشرط سواء أ كان شرط فعل أم كان شرط نتيجة نافذ و صحيح، فلا يجوز لها الفسخ بعد ذلك.

نعم، لو كان الشرط شرط عدم الفسخ و خالفت الشرط و ارتكبت محرماً نفذ فسخها، باعتبار أن الاشتراط لا يوجب سلب القدرة على الفعل، و إنما يوجب لزوم الوفاء به تكليفاً خاصة.

ثمّ هل يعتبر رضا الأمة بالشرط، أم لا؟

فيه خلاف، منشأه الاختلاف في جواز جعل المولى ذمّة مملوكه مشغولة بشي‌ء‌

____________

[1] لا وجه لهذه الدعوى.

[2] هذا الشرط و إن كان صحيحاً و يجب عليها العمل به إلّا أنها إذا فسخت كان فسخها مؤثراً و موجباً لبطلان العقد.

125

[مسألة 11: لو أُعتق العبد لا خيار له]

[3832] مسألة 11: لو أُعتق العبد لا خيار له (1)

____________

يتبع به بعد العتق، كأن يستدين على ذمّة العبد، و قد تقدّم الكلام في هذا الفرع و قد عرفت أنه ليس للمولى مثل هذه الولاية، و إنما له التصرف في نفس المملوك أو ما يتعلق به من المنافع خاصة.

و عليه فمقتضى القاعدة في المقام، هو اعتبار رضا الأمة بالشرط كي تدخل بذلك تحت عموم «المؤمنون عند شروطهم» فيصبح الشرط لازماً.

نعم، نسب إلى العلامة (قدس سره) التفصيل بين اشتراط الخدمة و غيرها، فاعتبر رضا المملوك في الثاني دون الأوّل (1). و هو متين، فإن العتق مع اشتراط الخدمة يكون من عتق العين مسلوبة المنفعة، فإنّ كلّاً منهما مملوك له فلا يعتبر رضاه بالشرط، نظير وقف العين مسلوبة المنفعة، و هذا بخلاف اشتراط غيرها كالمال حيث لا يكون مملوكاً له.

هذا و يدلّنا على عدم اعتبار رضا المملوك في اشتراط الخدمة عليه، صحيحة أبان ابن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قال: غلامي حرّ و عليه عمالة كذا و كذا سنة؟ قال: «هو حر و عليه العمالة». قلت: إن ابن أبي ليلىٰ يزعم أنه حر و ليس عليه شي‌ء، قال: «كذب، إن علياً (عليه السلام) أعتق أبا نيزر و عياضاً و رباحاً و عليهم عمالة كذا و كذا سنة، و لهم رزقهم و كسوتهم بالمعروف في تلك السنين» (2).

فإنها مطلقة من حيث جعل المولى الخدمة عليه و من دون تقييد برضا المملوك فتكون دليلًا على ما ذكرناه.

(1) لفقدان الدليل. على أنه لم يفت من العبد شي‌ء، حيث إنه إذا لم يرض ببقاء الأمة زوجة له فله التخلص بالطلاق، من دون أن يتوقف دفع مذمّة كون زوجته أمة‌

____________

(1) جامع المقاصد في شرح القواعد 13: 101 و 102.

(2) الوسائل، ج 23 كتاب العتق، ب 10 ح 3، عن أبان، عن أبي العباس، و كذا في التهذيب 8: 238/ 857، و الفقيه 3: 75/ 262.

126

و لا لزوجته (1).

[مسألة 12: لو كان عند العبد حرّة و أمتان، فأُعتقت إحدى الأمتين، فهل لها الخيار]

[3833] مسألة 12: لو كان عند العبد حرّة و أمتان، فأُعتقت إحدى الأمتين، فهل لها الخيار أوْ لا؟ وجهان [1] (2). و على الأوّل إن اختارت البقاء، فهل

____________

على ثبوت الخيار له و الفسخ.

و ما نسب إلى بعضهم من القول بثبوت الخيار له، فيما إذا استمرت الكراهة إلى حالة الاختيار.

مدفوع بأن الإكراه في زمن العبودية لا يقتضي الفساد لأنه إكراه بالحق لا الباطل و الإكراه في زمن الحرية لو تحقق فهو يقتضي البطلان لا الخيار.

(1) فإن الأمر فيها أوضح إذ لم يفت عليها شي‌ء، بل زيد في مقامها و شرفها حيث أصبحت زوجة للحر.

هذا مضافاً إلى دلالة معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في العبد يتزوج الحرّة ثمّ يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال: «لا يرجم حتى يواقع الحرّة بعد ما يعتق». قلت: فللحرّة الخيار عليه إذا أُعتق؟ قال: «لا، قد رضيت به و هو مملوك، فهو على نكاحه الأوّل» (1).

و رواية علي بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل زوّج أُم ولد له من عبد فأُعتق العبد بعد ما دخل بها، هل يكون لها الخيار؟ قال: «لا، قد تزوجته عبداً و رضيت به، فهو حين صار حراً أحق أن ترضى به» (2).

و كيف كان، فالحكم مما لا خلاف فيه.

(2) أظهرهما الأوّل لعموم أدلّة الخيار، على ما اعترف به (قدس سره) في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم.

____________

[1] الأظهر هو الوجه الأوّل، و عليه فإن اختارت الفسخ بطل نكاحها فحسب، و إن اختارت البقاء فالأظهر رجوع الزوج إلى القرعة كما مرّ نظيره سابقاً.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 54 ح 1.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 54 ح 2.

127

يثبت للزوج التخيير أو يبطل نكاحها؟ وجهان (1). و كذا إذا كان عنده ثلاث [1] (2) أو أربع إماء [2]، فأُعتقت إحداها (3). و لو أعتق في هذا الفرض

____________

(1) أما احتمال البطلان، فهو ضعيف جدّاً و لا وجه له بعد الحكم بصحته، إذ الممنوع إنما هو الجمع بينهنّ لا التزوج بكل واحدة منهنّ على حدة. و أما احتمال التخيير، فقد عرفت فيما تقدّم أن دليله يختص بإسلام المجوسي على سبع زوجات، و لا مجال للتعدِّي عنه. فمن هنا فلا محيص عن الالتزام بالقرعة، فإنها لكل أمر مشكل و المقام منه.

و لا يقاس ذلك بالتزويج بالأُختين أو حرّتين و أمة في زمان واحد، حيث يحكم فيه بالبطلان، فإن مقتضي الصحّة في المثالين من الأوّل قاصر، بخلاف المقام حيث لا مانع من زوجية كل واحدة منهنّ مستقلا، و إنما المانع في الجمع بينهن خاصة.

(2) و ذكره من سهو القلم، حيث لا مانع من الجمع بين الحرّة و الأمتين، و يحتمل أن يكون في العبارة سقط، و يكون الصحيح: فأعتقت اثنتان منهن، كما ذكره (قدس سره) في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم. و حينئذ فيكون المثال من مصاديق المقام، حيث إنه إذا أُعتقت اثنتان من الإماء الثلاث كان من الجمع بين حرتين و أمة و هو غير جائز على ما تقدّم، أو أُعتقت أمة من الأربع حيث يكون من الجمع بين الحرّة و ثلاث إماء.

(3) احتمال البطلان في المقام، منافٍ لما ذكره (قدس سره) في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم، حيث بنى فيها على عموم أدلة الخيار لها، و احتمل فيها القرعة، و قد عرفت أن القول بها هو المتعين و الصحيح، لاحتياج التعدي عن مورد النص الدالّ على التخيير إلى غيره إلى الدليل، و هو مفقود.

____________

[1] هذا من سهو القلم، فإنه إذا أعتقت واحدة منها فلا مانع من الجمع بينها و بين الأمتين الباقيتين حيث إنه من الجمع بين حرّة و أمتين.

[2] يظهر حكم ذلك ممّا تقدّم.

128

جميعهنّ دفعة، ففي كون الزوج مخيّراً و بعد اختياره يكون التخيير للباقيات، أو التخيير من الأوّل للزوجات، فإن اخترن البقاء فله التخيير، أو يبطل نكاح الجميع، وجوه [1] (1). و لا الإيجاب و القبول الفعليين.

[فصل في العقد و أحكامه]

فصل في العقد و أحكامه

[مسألة 1: يشترط في النكاح الصيغة]

[3834] مسألة 1: يشترط في النكاح الصيغة، بمعنى الإيجاب و القبول اللّفظيين (2) فلا يكفي التراضي الباطني، و لا الإيجاب و القبول الفعليين. و أن يكون

____________

(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم.

فصل في العقد و أحكامه

(2) و هو مما لا خلاف فيه، بل عليه إجماع علماء المسلمين على ما في كلمات بعضهم.

____________

[1] قد عرفت أن الأظهر هو ثبوت الخيار لهنّ جميعاً، فإن اخترن البقاء فالأظهر رجوع الزوج إلى القرعة، و إن اخترن الفسخ بطل نكاحهنّ جميعاً، و بذلك يظهر حال التبعيض.

تتمّة: إنّ الماتن (قدس سره) لم يتعرّض لحكم البيع و الطّلاق، فالمناسب أن نتعرّض له فنقول: إذا باع المالك أمته المزوّجة كان ذلك طلاقاً سواء كان زوجها حرّا أم كان عبداً و لكن يتخيّر المشتري بين إمضاء عقد النكاح و فسخه، و المشهور على أنّ خياره فوري و فيه إشكال بل منع، نعم إذا أمضى المشتري العقد و لم يفسخه سقط خياره و ليس له الفسخ بعد ذلك، و كذلك العبد المزوّج من أمته، فإذا بيع كان ذلك طلاق زوجته و كان للمشتري الخيار و أمّا لو كانت زوجته حرّة فبيع فالمشهور أنّ بيعه أيضاً طلاق زوجته إلّا أنه لا يخلو عن إشكال بل منع، و إذا زوّج المولى عبده من أمته كان الطّلاق بيد المولى، بل له أن يفرِّق بينهما بلا طلاق كما مرّ، و أمّا إذا زوّجه من أمة لغيره أو حرّة أو تزوّج العبد بإذنه فالطّلاق بيد العبد و ليس للمولىٰ إجباره على الطّلاق، و لو بيعت الأمة المطلّقة أثناء عدّتها أتمّت العدّة، و هل عليها الاستبراء زائداً على ذلك؟ قيل: نعم، و لكن الأظهر عدم لزومه.

129

..........

____________

و استدل عليه شيخنا الأعظم (قدس سره) بأنه الفارق بين السفاح و النكاح، إذ الأوّل بحسب الغالب يقع بالتراضي بين الطرفين، فإذا كان هو بوحدة كافياً و لم يعتبر اللفظ لم يبق فارق بينه و بين النكاح (1).

و ما أفاده يعد غريباً منه (قدس سره)، فإن الفارق بين النكاح و السفاح لا يكمن في اللفظ فإنه أجنبي عن ذلك، إذ قد يكون السفاح مع اللفظ و قد يكون النكاح بغيره.

و إنما الفرق بينهما يكمن في أن النكاح أمر اعتباري، حيث يعتبر الرجل المرأة زوجة له و تعتبر المرأة الرجل زوجاً لها، في حين إن السفاح هو الوطء الخارجي المجرد عن اعتبار الزوجية بينهما.

نعم، يمكن الاستدلال عليه بجملة من النصوص الدالّة على اعتبار اللّفظ في المتعة بل يظهر من بعضها مفروغية اعتباره لدى السائل، و إنّما السؤال عن كيفياته و خصوصياته (2). فإنه إذا كان اعتباره في المتعة معلوماً و مفروغاً عنه، فاعتباره في الدوام يكون بطريق أَولى.

على أن في بعض هذه النصوص أنها: «إذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها» و هو ظاهر الدلالة في عدم كفاية الرضا الباطني و اعتبار اللّفظ بحيث لولا قولها: «نعم» لما تحقّقت الزوجية و لما كان الرجل «أولى الناس بها».

هذا كلّه مضافاً إلى صحيحة بريد العجلي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ «وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثٰاقاً غَلِيظاً» فقال: «الميثاق هو الكلمة التي عقد بها النكاح، و أما قوله «غَلِيظاً» فهو ماء الرجل يفضيه إليها» (3).

فإنها واضحة الدلالة على اعتبار التلفّظ، و عدم كفاية مجرد الرضا الباطني، بل و إظهاره بغير اللّفظ المعين.

____________

(1) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20: 77 طبع المؤتمر العالمي.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 18.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 1 ح 4.

130

الإيجاب بلفظ النكاح أو التزويج على الأحوط [1]، فلا يكفي بلفظ المتعة في النِّكاح الدائم (1)

____________

و كيف كان، فاعتبار الصيغة في إنشاء النكاح و عدم كفاية المعاطاة مما لا خلاف فيه بينهم و لا إشكال.

(1) و ذلك فلأن المذكور في النصوص الدالّة على اعتبار اللفظ إنما هو التزويج و مشتقّاته، لكن حيث علمنا أنه لا خصوصيّة لهذا اللفظ بعينه، جاز استعمال لفظ النكاح في إنشاء العقد الدائم، لوروده في جملة من الآيات الكريمة و النصوص الشريفة.

و أمّا لفظ المتعة، فلا ينبغي الإشكال في صحّة إنشاء العقد المنقطع به، فإنه حقيقة فيه. و أما إنشاء العقد الدائم به فلا يخلو من إشكال بل منع، حيث لم نظفر بآية أو رواية قد استعمل فيها هذا اللفظ في الزواج الدائم، فيكون استعماله فيه استعمالًا مجازياً لا محالة، و من هنا فالاكتفاء به في إنشائه يحتاج إلى الدليل، و هو مفقود.

و بعبارة اخرى: إن استعمال لفظ المتعة في الزواج الدائم و إن كان صحيحاً على نحو المجاز، إلّا أن كفايته في إنشائه بعد اعتبار لفظ خاص فيه تحتاج إلى الدليل. و الماتن (قدس سره) و غيره ممن يلتزم بالكفاية في المقام، لا يكتفون بالاستعمالات المجازية في إنشاء العقود حتى مع نصب القرينة عليه في غير المقام كالبيع و الإجازة، لعدم الدليل عليه.

و بالجملة فلو كنا نحن و لم يكن دليل على اعتبار لفظ خاص، لكان حال النكاح حال العقود التي يكتفى في إنشائها بكل مبرز، إلّا أن مقتضى هذه الأدلة هو الاقتصار على لفظ خاص، و المذكور فيها و إن كان هو التزويج إلّا أننا قد تعدينا عنه إلى لفظ النكاح أيضاً، للقطع. و أما غيره فالتعدي إليه يحتاج إلى الدليل، و حيث إنه مفقود فالأحوط لزوماً إن لم يكن الأقوى هو الاقتصار في إنشاء النكاح الدائم على لفظي الزواج و النكاح خاصة.

____________

[1] هذا الاحتياط لا يُترك.

131

..........

____________

نعم، في بعض الكلمات الاستدلال على جواز إنشاء النكاح الدائم به، بما ورد من انقلاب المنقطع دائماً إذا لم يذكر فيه الأجل نسياناً.

و فيه: أنه لم ترد و لا رواية واحدة تدلّ على انقلاب العقد المنقطع دائماً في فرض النسيان، فإن الأخبار خالية عن ذلك بالمرة، و إنما ورد ذلك في بعض كلمات الأصحاب.

نعم، وردت جملة من النصوص تدلّ على انقلاب المنقطع دائماً فيما إذا تعمد ترك الأجل، على ما ورد التصريح بذلك في بعضها، حيث ورد فيها: (إني أستحي أن أذكر شرط الأيام) (1). إلّا أنها أجنبية عن جواز إنشاء النكاح الدائم بلفظ التمتع، فإنها ناظرة إلى خصوصيّة ذكر الأجل و عدمه خاصة، من دون أن يكون لها نظر إلى بقية الشرائط المعتبرة في العقد الدائم.

و على هذا فهي إنما تتضمّن الانقلاب عند عدم ذكر الأجل، فيما إذا كان العقد قابلًا لأنّ يكون زواجاً دائماً.

فإذا لم يكن العقد كذلك، فلا يوجب ترك الأجل عمداً أو نسياناً انقلابه دائماً، كما لو كانت لديه أربع زوجات دائمات فتزوج بالخامسة متعة و لم يذكر الأجل، أو تزوّج بالكتابية متعة و من دون ذكر الأجل بناءً على عدم جواز تزوّج الكتابية بالعقد الدائم أو تزوّج بالبكر كذلك من دون إذن أبيها بناءً على اختصاص اعتبار الإذن في نكاح البكر دائماً و عدم اعتباره في المتعة، كما هو أحد الأقوال في المسألة.

فإنه حينئذ لا مجال للقول بالانقلاب و شمول تلك الأخبار لها، فإنها إنما تنظر إلى خصوص العقد القابل للانقلاب، و ليس لها نظر إلى فقدان شرط معتبر في النكاح الدائم.

و من هنا يظهر ما في استدلال شيخنا الأعظم (قدس سره) على عدم اعتبار الماضوية في الصيغة بهذه الروايات حيث ورد فيها: (أتزوّجك)، و هو بضميمة انقلابه إلى النكاح الدائم عند عدم ذكر الأجل، يدلّ على إمكان إنشاء النكاح الدائم بغير‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 20 ح 2.

132

و إن كان لا يبعد (1) كفايته مع الإتيان بما يدلّ على إرادة الدوام.

و يشترط العربية مع التمكّن منها (2) و لو بالتوكيل على الأحوط. نعم، مع عدم

____________

صيغة الماضي، و عدم اعتبارها فيه (1).

إذ يرد عليه ما قد عرفت، من أن هذه النصوص ليست بصدد بيان جميع الشرائط المعتبرة في النكاح الدائم.

و الحاصل أنه لا يجوز إنشاء العقد الدائم بلفظ المتعة، لعدم الدليل عليه بعد أن كان استعماله فيه مجازياً، و لا أقلّ من كون ما ذكرناه هو الأحوط.

(1) قد عرفت أنه بعيد، و لا يساعد عليه دليل.

(2) على ما هو المعروف بينهم، و استدلّ له:

أوّلًا: بما في كلمات المحقق الثاني (قدس سره)، من عدم صدق العقد على غير العربي مع التمكن منه (2).

و فيه: أنه من غرائب ما صدر منه (قدس سره)، فإنّ العقد من الأُمور القائمة بالنفس لا اللّفظ، و إنما اللفظ هو المبرز خاصّة. و من هنا فكما أنّ للعرب عقوداً فلغيرهم عقود أيضاً، و قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (3) خطاب لهم و لغيرهم على حدٍّ سواء، و ليس للعربية دخل في مفهوم العقد.

ثمّ لو كان مفهوم العقد متقوماً بالعربية، لم يكن وجه للفرق بين القدرة عليها و عدمها، فإنه ليس لهما دخل في المفهوم، و إنما هما يرتبطان بمقام التكليف خاصّة حيث يصحّ مع القدرة و يقبح بدونه.

فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه.

____________

(1) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20: 78 طبع المؤتمر العالمي.

(2) جامع المقاصد 12: 74.

(3) سورة المائدة: 5: 1.

133

التمكّن منها و لو بالتوكيل على الأحوط يكفي غيرها من الألسنة (1) إذا أتى بترجمة اللّفظين من النكاح و التزويج.

____________

ثانياً: أنّ العقد بالعربية هو القدر المتيقن من العقد الصحيح، لورودها في القرآن الكريم و ألسنة النصوص الشريفة، و كفاية غيرها تحتاج إلى الدليل و هو مفقود و مقتضى الأصل هو الفساد.

و فيه: أن القرآن الكريم قد نزل بالعربية، و النصوص كانت خطاباً و جواباً لأسئلة وجّهها أُناس يتكلّمون بالعربية إليهم (عليهم السلام)، فمن هنا يكون من الطبيعي أن لا ترد فيهما صيغة غير عربية، و هذا لا يدلّ على الاختصاص بها.

ثمّ إن عمومات النكاح و مطلقاته، كقوله تعالى «وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ» (1) و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «النِّكاح سنّتي» (2) تمنع من الرجوع إلى الأصل و التمسّك بالقدر المتيقّن.

و الحاصل أنّ مقتضى عمومات النكاح و مطلقاته، هو الاكتفاء بغير العربية في إنشاء النكاح، و إن كان الأحوط الاقتصار عليها مع الإمكان.

(1) و استدلّ عليه في بعض الكلمات بما ورد في طلاق الأخرس، من كفاية وضع القناع على رأسها (3). بدعوى أن المستفاد منها هو كفاية غير اللفظ العربي عند العجز عنه مطلقاً.

إلّا أنه واضح الفساد، باعتبار أن هذه النصوص واردة في خصوص طلاق الأخرس، فالتعدي عنه إلى كل عاجز غيره يحتاج إلى الدليل و هو مفقود، و لذا لم يلتزم المشهور بهذا الحكم في العاجز عن التكلم من غير الخرس، كالوارم لسانه إلى حدّ يمنعه من التكلّم.

____________

(1) سورة النور 24: 32.

(2) الوسائل 20: 15 كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح، باب 1 ح 24903.

(3) الوسائل، ج 22 كتاب الطّلاق، أبواب مقدماته و شروطه، ب 19.

134

و الأحوط اعتبار الماضوية (1)

____________

و من هنا فقد استشكل صاحب المستند فيه، و استظهر عدم كفاية الإنشاء بغير العربية حتى مع العجز عنها (1).

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه، للقطع بعدم إمكان الالتزام بتعطيل النكاح الذي عليه نظام العالم، فلا مجال للقول بتعطيل النكاح في البقاع التي لا يعلمون العربية من العالم، و بقاء الرجال و النساء من غير تزويج بحيث ينحصر أمر المقاربة بالزنا، لا سيما مع ما ورد في جملة من النصوص من ان المرأة لا تبقى معطلة (2).

و الحاصل أنه بناءً على اعتبار العربية في إنشاء النكاح و قد عرفت ما فيه فهو إنما يختص بحالة القدرة على الإنشاء بالعربية و لو بالتوكيل فيه. و أما مع العجر عنها فمقتضى عمومات النكاح و إطلاقاته السليمة عن المعارض، هو الاكتفاء في إنشائه بأي لغة كانت.

(1) كما ذهب إليه المشهور من الأصحاب، و استدلّ عليه:

تارة بأنه القدر المتيقن من العقد الصحيح.

و أُخرى بأنّ صيغة الماضي صريحة في الإنشاء، بخلاف غيرها.

و فيهما معاً نظر. فإنّ الأوّل يدفعه أن مجرّد كونها القدر المتيقن، لا يقتضي لزوم الاقتصار عليها في مقام الإنشاء، و رفع اليد عن المطلقات و العمومات.

على أن مقتضى النصوص الواردة في كيفية عقد المتعة و المتضمنة إنشاءها بغير صيغة الماضي، هو جواز إنشاء العقد الدائم بغير صيغة الماضي و عدم انحصاره بها لوضوح عدم الفرق بين العقد المنقطع و العقد الدائم.

و من هنا يظهر الجواب عن الثاني، فإن مجرد كونها صريحة فيه لا يكفي في لزوم الاقتصار عليها و القول بعدم كفاية غيرها، إذ يكفي ظهور غيرها فيه حيث لا تعتبر‌

____________

(1) مستند الشيعة 2: 477.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح، ب 84.

135

و إن كان الأقوى عدمه (1) فيكفي المستقبل، و الجملة الخبريّة، كأن يقول: (أُزوّجك) أو (أنا مُزوّجك فلانة).

كما أن الأحوط تقديم الإيجاب على القبول، و إن كان الأقوى جواز العكس أيضاً (2).

____________

الصراحة، كما يؤكده ما ورد في المتعة من الإنشاء بغيرها.

على أن دعوى كون صيغة الماضي صريحة في الإنشاء، باطلة من أساسها، فإنها مشتركة بينه و بين الإخبار، و لا بدّ في التعيين من القرينة.

و من هنا فهي لا تختلف عن غيرها من هذه الجهة، و ليست هي صريحة فيه كما ادعيت.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه جملة من الأصحاب من جواز الإنشاء بغيرها.

(1) على ما اختاره جملة من الأصحاب و استظهرناه.

(2) فيقول الرجل: (أتزوّجك على كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ... إلخ) فتقول المرأة: (زوجتك نفسي).

و يدلّنا عليه عدم الدليل على اعتبار تقدّم الإيجاب على القبول، بعد صدق العقد و المعاقدة مع العكس أيضاً، إذ لا يعتبر في مفهومه كون الإيجاب متقدماً على القبول.

هذا مضافاً إلى إطلاقات أدلّة النكاح، و ما ورد في بيان كيفية صيغة المتعة من أن يقول الرجل لها: «أتزوّجك متعة على كتاب اللّٰه تعالىٰ و سنّة نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لا وارثة و لا مورثة، كذا و كذا يوماً» إلى أن قال: «فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها» (1).

فإن موردها ليس هو قيام الرجل بدور الإيجاب و الإنشاء و قيام المرأة بدور القبول كما توهمه بعضهم، و إنما موردها تقديم القبول على الإيجاب، فإن صيغة (أتزوّجك) من باب التفعل فلا يكون إنشاءً، و إنما يكون قبولًا متقدِّماً. و من هنا فقد‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 18 ح 1.

136

و كذا الأحوط أن يكون الإيجاب من جانب الزوجة، و القبول من جانب الزّوج، و إن كان الأقوى جواز العكس (1).

____________

مثّل المحقق (قدس سره) في الشرائع لتقديم القبول على الإيجاب، بما إذا قال الرجل: (تزوّجت) فقالت المرأة: (زوّجتك نفسي) (1). فلا فرق بين التعبير ب‍ (أتزوّجك) و (قبلت) فإن المفاد فيهما واحد تماماً من دون أي فارق، باستثناء أن القبول في الأوّل مستفاد من الهيئة، في حين إنه في الثاني مستفاد من المادة.

ثمّ إن هذا كله فيما إذا كان القبول المتقدم بلفظ (أتزوّجك) و ما شابهه. و أما إذا كان بلفظ (قبلت) أو (رضيت) فإن لم يذكر المتعلق، فلا إشكال في عدم كفايته في إنشاء الزوجية. و إن ذكر المتعلق، فالظاهر أنه لا مانع من الالتزام بصحته و كفايته، لما عرفت من أنه لا فرق بين صيغة (قبلت) و صيغة (أتزوّجك) إلّا أن القبول في الأوّل مستفاد من المادة، في حين إنه في الثاني مستفاد من الهيئة، فيكون حاله حاله.

(1) و ذلك لكون الزوجية من المفاهيم المتضايفة المتشابهة الطرفين، بحيث يكون المضاف إلى كل منهما عين المضاف إلى الآخر. نظير الاخوة المضافة إلى الطرفين على حد سواء، فكما أن هذا أخ لذاك فذاك أخ لهذا بلا اختلاف في النسبة، و ليست هي كالأُبوة و البنوّة.

و من هنا فكما أنّ الرجل زوج للمرأة هي زوج له، كما استعمل ذلك في جملة من الآيات الكريمة.

قال تعالى «وَ قُلْنٰا يٰا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ» (2).

و قال تعالى «وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ» (3).

و قال تعالى:

____________

(1) راجع شرائع الإسلام 1: 322.

(2) سورة البقرة 2: 35.

(3) سورة النساء 4: 12.

137

و أن يكون القبول بلفظ: (قبلت) و لا يبعد كفاية (رضيت) (1). و لا يشترط ذكر المتعلِّقات (2) فيجوز الاقتصار على لفظ: (قبلت) من دون أن يقول: (قبلت

____________

«يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا» (1).

و قال تعالى «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ» (2).

و قال تعالى «وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» (3).

و قال تعالى «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ» (4)، إلى غير ذلك من الآيات.

فالزوجية مفهوم في مقابل الفردية، و هي عبارة عن انضمام أحدهما إلى الآخر مع وحدة علاقتها إليهما.

و عليه فلكل منهما إنشاؤها و اعتبار الآخر زوجاً له أو لها، فإذا تحقّق ذلك من أحدهما و تحقّق القبول من الآخر صدق العقد و المعاهدة، و من ثَمَّ شملته أدلّة اللّزوم.

و الحاصل أنه لا موجب للقول بلزوم كون الإيجاب من الزوجة خاصة و القبول منه، فإنه لا دليل عليه و إن كان هو الغالب خارجاً.

(1) بل الأقوى كفايته، لعدم الدليل على اعتبار لفظ معين في القبول أو وجود خصوصيّة له، و مقتضى الإطلاقات الاكتفاء بكل لفظ يدل على رضاه بالزوجية كي تصدق به المعاقدة و المعاهدة.

و ممّا يدلّ على ما ذكرناه الصحيحة الواردة في المتعة: «فإذا قالت: نعم، فقد رضيت» فإنها دالة على جواز القبول بلفظ: (أتزوّجك) على ما تقدّم الحديث فيها.

(2) إذ العبرة بمعلومية المتعلقات، و هي تحصل بذكرها في ضمن إيجاب الزوجة و لا حاجة إلى إعادتها في ضمن القبول ثانياً.

____________

(1) سورة الأحزاب 33: 28.

(2) سورة الأحزاب 33: 59.

(3) سورة الأحزاب 33: 37 و 50.

(4) سورة الأحزاب 33: 37 و 50.

138

النِّكاح لنفسي أو لموكِّلي بالمهر المعلوم).

و الأقوى كفاية الإتيان بلفظ الأمر (1) كأن يقول: (زوِّجني فلانة) فقال: (زوّجتكها) و إن كان الأحوط [1] خلافه.

____________

و تدلّ عليه الصحيحة المتقدِّمة الواردة في المتعة، حيث حكم (عليه السلام) بتحقق الزوجية بمجرّد قولها: «نعم» متفرِّعاً على قول الزوج: «أتزوّجك متعة على كتاب اللّٰه و سنّة نبيِّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ...»‌

فإنّه سواء جعلنا قولها: «نعم» قبولًا كما ذهب إليه بعضهم، أو إيجاباً كما اخترناه فهي دالّة على عدم ذكر المتعلقات، أما على ما ذكروه فواضح. و أما على ما اخترناه فلعدم الفرق بين الإيجاب و القبول من هذه الناحية، حيث إن العبرة إنما هي بالمعلومية، فإذا جاز عدم ذكر المتعلقات في الإيجاب لتحقق المعلومية من جهة أُخرى، جاز عدم ذكرها في القبول أيضاً.

(1) كما ذهب إليه جماعة. و المبنى فيه أحد أمرين:

الأوّل: دعوى أنّ الأمر بالتزويج من قبل الزوج قبول منه، و بذلك فيكون من مصاديق المبحث المتقدِّم، أعني تقدّم قبول الزوج على إيجاب المرأة، على ما صرح به بعضهم في ذلك المبحث حيث ذكر الأمر بالتزويج مثالًا له.

و فيه: أنه بعيد عن المتفاهم العرفي جدّاً، فإن الأمر إنما هو إنشاء لطلب التزويج و هو و إن كان يكشف عن رضاه به إلّا أنه غير إنشائه لاعتبار الزوجية و التزويج و لا ظهور له فيه، و من هنا فلا مجال للاكتفاء به في المعاقدة.

و بعبارة اخرى: إنّ الأمر بالتزويج و إن كان دالّاً على الرضا الباطني به، إلّا أنه لا يجدي شيئاً ما لم يستتبع إبرازه بمبرز دالّ بظاهره عليه، و هو غير حاصل في المقام فإنّ الأمر به غير إنشائه للقبول، كما هو واضح.

الثاني: دعوى أنّ أمره لها أو لغيرها لما كان توكيلًا في التزويج، كفى إيجابها‌

____________

[1] لا يُترك الاحتياط.

139

..........

____________

خاصّة، لما تقدّم من أنّ الإيجاب و القبول إذا كان لشخص واحد بالولاية أو الوكالة أو بالتفريق بينهما و بين الأصالة، كفى الإيجاب من دون أن تكون هناك حاجة إلى القبول.

و فيه: أنه قد تقدّمت في محلِّه المناقشة في الكبرى، لأنه من قبيل استعمال اللّفظ في أكثر من معنى، و هو على تقدير إمكانه خلاف الظاهر في مقام الاستعمال، بل يعدّ من الأغلاط.

على أن في كون المقام من صغريات هذه الكبرى إشكالًا. و ذلك فلأن الأمر بالتزويج لا يعدّ عرفاً توكيلًا لها فيما هو فعله، و إنما الظاهر منه أنه طلب لما هو فعلها خاصة. نظير ما لو قال: (هبني ما عندك) فإنّه لا يعتبر توكيلًا له في قبول الهبة أو قبضه، كي يقال بكفاية إيجابها عن القبول.

و لا يرد علينا أنا التزمنا بأن الزوجية من الأُمور المتضايفة المتشابهة الطرفين فيكون أمره لها أمراً بإنشاء ذلك الأمر الواحد.

إذ يرد عليه أن كون الزوجية من الأُمور المتضايفة المتشابهة الطرفين و النسبة و إن كان تامّاً، إلّا أن الظاهر العرفي من الأمر ليس إلّا طلب ما هو فعلها خاصّة، فلا يعتبر توكيلًا أو قبولًا فيما هو فعله.

و من هنا فيشكل ما أفاده (قدس سره) تبعاً لجماعة، من كفاية الإتيان بلفظ الأمر.

و أمّا النص الذي استدلّ به على الكفاية، أعني صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «جاءت امرأة إلى النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، زوِّجْنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شي‌ء، قال: لا. فأعادت، فأعاد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) الكلام فلم يقم أحد غير الرجل، ثمّ أعادت فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في المرّة الثالثة: أ تحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إيّاه» (1).

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 2 ح 1.

140

[مسألة 2: الأخرس يكفيه الإيجاب و القبول بالإشارة]

[3835] مسألة 2: الأخرس يكفيه الإيجاب و القبول بالإشارة [1] مع قصد الإنشاء و إن تمكن من التوكيل على الأقوى (1).

____________

بدعوى أنه لم يرد في شي‌ء من طرق هذه الصحيحة قبول الرجل بعد إيجاب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، فيكشف ذلك عن الاكتفاء بأمره بالتزوج المتقدم على الإيجاب.

فالاستدلال به مشكل، فإن دعوى كون أمر الرجل توكيلًا للنبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بعيدة، لأنه و بحسب المتفاهم العرفي ليس إلّا طلباً في التزويج.

و أبعد منها دعوى كونه قبولًا متقدماً و إنشاءً للتزويج، إذ ليس للطلب ظهور في التزويج لا سيّما في المقام، حيث فصلت جملات عديدة صدرت من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و أجوبة صدرت من الرجل بين أمره و الإيجاب، و الحال أن المعروف و المشهور بين الأصحاب اعتبار التوالي بين الإيجاب و القبول.

على أنّ المهر إنما ذكر في الإيجاب خاصة، و لم يكن له في الأمر ذكر، فلا يمكن جعله قبولًا سابقاً، لاستلزامه عدم تطابقه مع الإيجاب.

و من هنا، فإما أن تحمل هذه الصحيحة على أن الراوي لم يكن بصدد بيان جميع الخصوصيات و إنما هو بصدد بيان جهة خاصة، هي عدم لزوم كون المهر درهماً أو ديناراً بل يكفي كونه قرآناً، و لذا لم يذكر قبول الرجل. أو يقال بأن ذلك من خصوصيات النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، حيث يكتفى بإيجابه خاصة، و لا يعتبر فيه القبول مع رضا الرجل أو حتى مع عدمه، لولايته (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) العامة، و معه فلا مجال للتعدي عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الاستدلال بها على الجواز في غير إيجابه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

و على كل، فما أفاده الماتن (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، و لا أقل من كون خلافه هو الأحوط لزوماً.

(1) بل لم يظهر الخلاف فيه من أحد. و استدلّ عليه بأن دليل اعتبار اللفظ لما كان‌

____________

[1] و بتحريك لسانه أيضاً.

141

..........

____________

هو التسالم بين المسلمين و هو دليل لبي، فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن و هو غير الأخرس، و أما هو فيُكتفىٰ بإشارته، لإطلاقات أدلّة النكاح و عموماته.

إلّا أن لازم ذلك عدم اختصاص الحكم بالأخرس، بل لا بدّ من الالتزام بعمومه لكل عاجز عن التكلم، سواء أ كان ذلك بالأصالة و هو المسمّى بالأخرس، أم كان لعارض كالمقطوع لسانه.

نعم، لو كان اعتبار اللفظ مستفاداً من الأدلّة اللّفظية كما استظهرناه، كان مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين القادر على التكلم و العاجز عنه مطلقاً، إذ الأحكام الوضعية لا تختلف بالقدرة و عدمها، و حينئذ فلا بدّ من التماس دليل على صحّة عقد الأخرس بالإشارة.

و يدلّ عليه ما ورد في طلاق الأخرس، من الاكتفاء بالكتابة أو الإشارة على النحو الذي يعرف به سائر أفعاله و مقاصده، مثل حبه أو كراهته (1). فإنه إذا جاز الطلاق بالإشارة، جاز النكاح بها بطريق أولى، إذ الطلاق أشدّ حالًا من النكاح.

و ما ورد في قراءته في الصلاة أو تشهده أو تلبيته «و ما أشبه ذلك» على حد التعبير الوارد في معتبرة مسعدة بن صدقة (2) من أنها بتحريك لسانه و إشارته بإصبعه (3). و من الواضح أن المراد من «ما أشبه ذلك» هو كل ما يعتبر فيه التلفظ شرعاً.

و من هنا تكون هذه الروايات شاملة للمقام و دالّة على المدعى، أعني جواز إنشاء الأخرس للنكاح بإشارته.

غير أن مقتضى هذه النصوص لزوم إضافة تحريك اللسان إلى الإشارة بإصبعه و عدم الاكتفاء بالإشارة المجردة، كما ورد ذلك في معتبرة مسعدة بن صدقة المتقدِّمة و يظهر من روايات الطلاق، حيث قيد الحكم بكون إبرازه للنكاح بالإشارة كإبراز سائر مقاصده و أُموره، و من الواضح أن المتعارف عند الأخرس في مقام بيان مقاصده هو تحريك لسانه مضافاً إلى الإشارة بإصبعه أو يده أو غيرهما، و من هنا فلا محيص‌

____________

(1) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدماته و شروطه، ب 19.

(2) الوسائل، ج 6 كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، ب 59 ح 1، 2.

(3) الوسائل، ج 6 كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، ب 59 ح 1، 2.

142

[مسألة 3: لا يكفي في الإيجاب و القبول الكتابة]

[3836] مسألة 3: لا يكفي في الإيجاب و القبول الكتابة (1).

[مسألة 4: لا يجب التطابق بين الإيجاب و القبول في ألفاظ المتعلقات]

[3837] مسألة 4: لا يجب التطابق بين الإيجاب و القبول في ألفاظ المتعلقات (2). فلو قال: (أنكحتك فلانة) فقال: (قبلت التزويج) أو بالعكس، كفى. و كذا لو قال: (على المهر المعلوم) فقال الآخر: (على الصداق المعلوم). و هكذا في سائر المتعلقات.

[مسألة 5: يكفي على الأقوى في الإيجاب لفظ (نعم) بعد الاستفهام]

[3838] مسألة 5: يكفي على الأقوى في الإيجاب لفظ (نعم) (3) بعد الاستفهام، كما إذا قال: (زوّجتني فلانة بكذا)؟ فقال: (نعم) فقال الأوّل: (قبلت). لكن الأحوط عدم الاكتفاء [1].

____________

عن اشتراط تحريك اللِّسان في إنشاء الأخرس للنكاح بالإشارة.

(1) لعدم الدليل على الاكتفاء بها، بعد ما دلّ على اعتبار اللفظ في الإنشاء.

(2) و ذلك لعدم الدليل على اعتبار تطابق الإيجاب و القبول من حيث المادة، إذ إن دليل اعتبار اللفظ لا يقتضي إلّا لزوم كون الدالّ على إنشاء التزويج لفظاً، و أما اتحادهما من حيث المادة فلا دليل عليه. و مقتضى الإطلاق كفاية غير المتطابق أيضاً.

(3) الاكتفاء ب‍ (نعم) في مقام الإيجاب في حدّ نفسه مما لا ينبغي الإشكال فيه، إذ تدلّ عليه مضافاً إلى ما تقدّم من أنّ المعتبر في اللّفظ كونه مبرزاً للاعتبار بنظر العرف من دون وجود خصوصيّة للفظ معين صحيحة أبان بن تغلب المتقدِّمة، حيث ورد فيها: «فإذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك» بناءً على ما تقدّم بيانه مفصلًا من أن كلمة (نعم) إيجاب منها، حيث لا يمكن أن تكون كلمة (أتزوّجك) هو الإيجاب.

نعم، ما أفاده (قدس سره) من كفايته في جواب الاستفهام مشكل جدّاً، حيث إن جواب الاستفهام إنما يكون إخباراً لا إنشاءً، فاستعماله في مكانه يكون من الإنشاء بالمجاز المستنكر و غير المعهود و المتعارف لدى العرف، و من هنا فلا مجال للاكتفاء به.

____________

[1] بل لا يبعد أن يكون هو الأظهر.

143

[مسألة 6: إذا لحن في الصّيغة، فإن كان مغيِّراً للمعنى لم يكف]

[3839] مسألة 6: إذا لحن في الصّيغة، فإن كان مغيِّراً للمعنى لم يكف (1). و إن لم يكن مغيِّراً، فلا بأس به إذا كان في المتعلّقات (2). و إن كان في نفس اللّفظين كأن يقول: (جوّزتك) بدل (زوّجتك) فالأحوط عدم الاكتفاء به (3). و كذا اللّحن في الإعراب.

[مسألة 7: يشترط قصد الإنشاء في إجراء الصيغة]

[3840] مسألة 7: يشترط قصد الإنشاء في إجراء الصيغة (4).

____________

(1) لعدم صلاحيته لإبراز المعنى و الاعتبار النفساني بحسب المتفاهم العرفي.

(2) لكونه مبرزاً للاعتبار لدى العرف.

(3) و إن كان الأقوى الاكتفاء به، إذ العبرة إنما هي بكون اللّفظ مفهماً و مبرزاً للاعتبار بنظر العرف، من دون أن يكون لموازين اللغة و الإعراب دخل، فإذا كان اللفظ كذلك صح إنشاء العقد به و إن كان غلطاً بحسب اللغة.

و من هنا يظهر الفرق بين إنشاء العقود و القراءة في الصلاة. فإن المعتبر في الثاني هو اللفظ الخاص النازل من اللّٰه تبارك و تعالى، فإذا وقع فيه تحريف لم يجز لعدم كونه النازل منه تعالى، و هذا بخلاف العقود حيث لا يعتبر فيها لفظ خاص، و إنما المعتبر فيها هو اللفظ المفهم للمعنى و المبرز للاعتبار بنظر العرف.

و من هنا فالظاهر هو الاكتفاء بالملحون حتى و لو كان الغلط في نفس اللفظين فيما إذا كان اللحن نوعياً، بحيث يكون مبرزاً للاعتبار بنظر العرف، نعم، إن الاحتياط في عدم الاكتفاء به.

و مما تقدّم يظهر الحال في اللحن في الإعراب، فإن الحال فيه ما تقدّم.

(4) و ذلك لأن اللافظ لصيغة العقد: إما أن لا يستعملها في معنى بحيث يكون قصده إيجاد اللفظ خاصة، و إما أن يكون قصده في استعمالها الإخبار عمّا مضى أو عمّا يأتي، و إما أن يكون قصده في استعمالها إنشاء الزوجية. و لا رابع لهذه الاحتمالات.

و الأولان لا يتحقق بهما عنوان التزويج، لخلو الأوّل من إرادة المعنى، و قصد الإخبار في الثاني، فينحصر أمر الإنشاء في الثالث لا محالة. و لا يختص هذا بباب‌

144

[مسألة 8: لا يشترط في المجري للصيغة أن يكون عارفاً بمعنى الصيغة تفصيلًا]

[3841] مسألة 8: لا يشترط في المجري للصيغة أن يكون عارفاً بمعنى الصيغة تفصيلًا (1) بأن يكون مميِّزاً للفعل و الفاعل و المفعول، بل يكفي علمه إجمالًا بأن معنى هذه الصيغة إنشاء النكاح و التزويج. لكن الأحوط العلم التفصيلي.

[مسألة 9: يشترط الموالاة بين الإيجاب و القبول]

[3842] مسألة 9: يشترط الموالاة بين الإيجاب و القبول (2). و تكفي العرفية منها، فلا يضرّ الفصل في الجملة، بحيث يصدق معه أن هذا قبول لذلك الإيجاب. كما لا يضر الفصل بمتعلقات العقد، من القيود و الشروط و غيرها و إن كثرت.

____________

النكاح، بل يجري في إنشاء جميع العقود بلا اختلاف بينها.

(1) لأن المعاقدة إنما تتقوم بالاعتبار النفساني و إبرازه بمبرز في الخارج، فإذا كان المجري للصيغة عالماً بأنها تبرز هذا الاعتبار النفساني، كفى ذلك و إن لم يكن عالماً بخصوصياتها، و لعل أكثر العرب فضلًا عن غيرهم لا يدركون ذلك، بل غاية ما يدركونه إنما هو معنى الجملة من حيث المجموع، دون كل جزء جزء هيئة و مادة.

(2) على ما ذكره غير واحد من الأصحاب، و ذكروا أن الأصل في ذلك إنما هو ارتباط المستثنى بالمستثنى منه، حيث إنه إذا فصل بينهما لم يكن أحدهما مرتبطاً بالآخر، و من ثمّ فلا يعدان جملة واحدة.

فلو قال اللافظ (لا إلٰه) ثمّ ذكر بعد فصل طويل (إلّا اللّٰه) لما اعتبر ذلك شهادة بوحدانية اللّٰه تبارك و تعالى، بل يحكم بكفره لنفي الإلٰه. و كذا الحال في الإقرار، فلو أقرّ لشخص بمائة دينار مثلًا، و بعد فصل طويل استثنى منه خمسين، فإنه يؤخذ بإقراره الأوّل و يعتبر استثناء الخمسين من الإنكار فلا يلتفت إليه. و لا يختص هذا بباب الاستثناء، بل يجري في كل أمرين مرتبطين كالقرينة و ذيها.

و العقود حيث تتركب من الإيجاب و القبول، فلا بدّ من عدم الفصل بينهما، كي تتحقق المعاقدة و المعاهدة.

و ما أفادوه بالنسبة إلى الاستثناء و القرينة و ذيها واضح. فإن المتكلم إذا فرغ من كلامه و لم ينصب قرينة على مراده، انعقد لكلامه ظهور لا محالة، فيؤخذ بمقتضى ظهور كلامه. و على هذا الأساس كان ما ذكرناه في محله، من أن القرينة المنفصلة‌

145

[مسألة 10: ذكر بعضهم أنه يشترط اتحاد مجلس الإيجاب و القبول]

[3843] مسألة 10: ذكر بعضهم أنه يشترط اتحاد مجلس الإيجاب و القبول. فلو كان القابل غائباً عن المجلس، فقال الموجب: (زوّجت فلاناً فلانة) و بعد بلوغ الخبر إليه قال: (قبلت) لم يصح.

و فيه: أنه لا دليل على اعتباره (1) من حيث هو. و عدم الصحّة في الفرض المذكور، إنما هو من جهة الفصل الطويل، أو عدم صدق المعاقدة و المعاهدة، لعدم التخاطب. و إلّا فلو فرض صدق المعاقدة و عدم الفصل مع تعدّد المجلس صحّ، كما إذا خاطبه و هو في مكان آخر لكنّه يسمع صوته و يقول: (قبلت) بلا فصل مضر

____________

لا توجب خللًا في ظهور الكلام و رفعه، و إنما توجب رفع حجية الظهور خاصة.

إلّا أن هذا لا يجري في محل كلامنا، فإن المعاقدة ليست هي بين اللفظين كي يقال إنها معنى واحد قائم بهما فلا بدّ من ارتباطهما، و إنما هي قائمة بين الالتزامين و الاعتبارين النفسيين، و إطلاقها على اللفظين إنما هو باعتبار إبرازهما للاعتبارين.

و من هنا فلا عبرة بالفصل بين اللفظين و عدمه، و إنما العبرة بارتباط الالتزامين. فإذا كان الالتزام الأوّل باقياً على حاله من دون أن يعرض الملتزم عنه إلى حين تحقق الالتزام من الثاني، بحيث تحقق الارتباط بين الالتزامين، صحت المعاقدة حتى و لو كان الفصل بين اللفظين طويلًا.

نعم، لو أعرض الطرف الأوّل عن التزامه قبل التزام الطرف الآخر، لم يكن لالتزامه بعد ذلك أثر، لعدم تحقق الارتباط بينهما. فإنه حين وجود الالتزام من الأوّل لم يكن الالتزام من الثاني متحققاً، و حين تحقق الالتزام من الثاني لم يكن التزام الأوّل موجوداً.

و بعبارة اخرى: إن اعتبار التوالي من حيث الزمان لا دليل عليه و لا عبرة به، و إنما العبرة بصدق المعاقدة. و لما كانت هي قائمة بين الالتزامين، كفى تحقّق الثاني في حين بقاء الأوّل و قبل رفع اليد عنه، حيث يتحقق الارتباط بينهما.

(1) كما يظهر ذلك جلياً مما تقدّم في المسألة السابقة.

146

فإنّه يصدق عليه المعاقدة (1).

[مسألة 11: و يشترط فيه التنجيز كما في سائر العقود]

[3844] مسألة 11: و يشترط فيه التنجيز (2) كما في سائر العقود، فلو علّقه على شرط أو مجي‌ء زمان بطل. نعم، لو علّقه على أمر محقق معلوم كأن يقول: (إن كان هذا يوم الجمعة زوجتك فلانة) مع علمه بأنّه يوم الجمعة صحّ، و أمّا مع عدم علمه فمشكل.

____________

(1) بل قد عرفت أن صدق المعاقدة لا يتوقف على عدم الفصل بين الإيجاب و القبول، و إنما يكفي تحقق الالتزام من الطرف الآخر في زمن وجود الالتزام من الأوّل.

(2) و تفصيل الكلام أن يقال: إن التعليق قد يكون على أمر يكون إنشاء ذلك العقد معلّقاً عليه قهراً، سواء أذكره المنشئ أم لم يذكره، كالزوجية في الطلاق و الملكية في البيع. فهو لا يضر بالإنشاء جزماً، فإن وجوده و عدمه سيان.

و قد يكون على أمر معلوم الحصول فعلًا، أو معلوم الحصول في المستقبل، لكن على نحو الواجب المشروط بالشرط المتأخر، كما لو علّق الزوجية على حصول النهار غداً. و هو كالسابق لا يضرّ بصحّة العقد و وجوده كعدمه، فإن اعتبار الزوجية حاصل من دون تعليق على شي‌ء، باعتبار أن المعلّق عليه حاصل و معلوم بالوجدان. و لا يحتمل تحقق الإجماع المدعى على البطلان فيه.

و قد يكون على أمر معلوم العدم، أو مشكوك العدم، مع كونه حين الإنشاء معدوماً واقعاً. و فيه لا ينبغي الشك في بطلانه، سواء اعتبرنا التنجيز أم لم نعتبره، لعدم تحقّق المعلّق عليه على الثاني.

و قد يكون على أمر متأخِّر معلوم الحصول في المستقبل، على نحو الواجب المشروط بالشرط المقارن، بحيث تكون الزوجية أو الملكية من حين حصول المعلق عليه. و هذا هو الذي قد ادعي في الكلمات التسالم على عدم صحته بعد استثناء الوصيّة و التدبير منه، حيث لا تحصل الملكية فيهما إلّا متأخراً عن الإنشاء و بعد الموت.

147

..........

____________

هذا و قد يتوهّم أنّ الإجازة المتأخرة، بأن يؤجر الإنسان فعلًا داره من بعد شهر مثلًا، من هذا القبيل.

إلّا أنه واضح الفساد. فإن الإجازة بالنسبة إلى المنافع الآتية إنما هي أشبه شي‌ء بالواجب المعلق، حيث إن التمليك فيها إنما يكون من الآن، غاية الأمر أن متعلق الملكية و المملوك متأخر عن الإنشاء زماناً.

و قد يكون على أمر مشكوك الحصول، سواء أ كان أمراً فعلياً أم متأخراً. و قد حكم الأصحاب فيه بالبطلان أيضاً، بلا فرق بين أن يكون التعليق من قبيل الشرط المتأخر أو الشرط المقارن.

هذا و قد ذكر في وجه البطلان في الأوّل: أن الوجود و الإيجاد و إن كانا أمرين متغايرين بحسب الاعتبار، لكنهما في الواقع أمر واحد و حقيقة واحدة، و إن الاختلاف بينهما إنما ينشأ من حيث إضافة هذا الأمر الواحد، فإنه إن أُضيف إلى الماهية عبّر عنه بالوجود، و إن أُضيف إلى الفاعل عبّر عنه بالإيجاد، فاختلافهما إنما هو بالاعتبار خاصة، و إلّا فهما عنوانان لشي‌ء واحد و متّحدان واقعاً.

و من هنا فلا مجال للفصل بينهما، بحيث يقال بتحقق الإيجاد دون تحقّق الوجود فإنه أمر ممتنع لاستلزامه الخلف.

و فيه: مضافاً إلى أنه لو تمّ فهو إنما يختص بالأُمور الحقيقية و لا يأتي في شي‌ء من الأُمور الاعتبارية التي منها المقام، حيث إن الأمر فيها سهل المئونة فلا مانع من اعتبار الإيجاد بالفعل و الوجود متأخراً عنه، أنه مبني على كون الإنشاء إيجاداً للمعنى باللفظ. لكنك قد عرفت بطلانه مفصلًا في المباحث الأُصولية، و أن الإنشاء إنما هو إبراز لما في النفس على حد الإخبار، و إن اختلفا في قصد الحكاية و عدمه. و عليه فكما يصح تعلق الإخبار بأمر متأخر يصحّ إنشاء الأمر المتأخر أيضاً، فيعتبر بالفعل الزوجية غداً و هو أمر معقول و ممكن، و أدلّ دليل على إمكانه هو وقوعه في الخارج كما هو الحال في الوصيّة و التدبير على ما عرفت.

هذا بالنسبة إلى البطلان في التعليق على أمر متأخر معلوم الحصول على نحو الشرط المقارن. و أما بالنسبة إلى البطلان في التعليق على أمر مشكوك الحصول، فقد‌

148

..........

____________

قيل في وجهه بأن الإيجاد لما كان هو الوجود بعينه في الحقيقة، فلا معنى للتعليق فيه فإنّ الشي‌ء إمّا هو موجود و إمّا هو معدوم، و لا يمكن فرضه موجوداً على تقدير و غير موجود على تقدير.

و بعبارة اخرى: إنه لا وجه لإيجاد القيام مثلًا على تقدير دون تقدير، و إنما هو إمّا متحقق على كل تقدير، و إمّا غير متحقِّق كذلك.

إلّا أنّ جوابه قد ظهر مما تقدّم، إذ لا إيجاد في المقام كي يرد ما قيل، و إنما هو إبراز للاعتبار النفساني، و هو كما يتعلق بأمر على كل تقدير يتعلق بأمر على تقدير دون تقدير، فيكون المعتبر هو الحصة الخاصة، و هو متحقق في الإخبار أيضاً، فترى أنه يخبر عن طلوع الشمس فيما إذا كانت الساعة السادسة صباحاً مثلًا.

و من هنا فما ذكر من الدليل لا يكفي في القول بعدم إمكان هذا النحو من التعليق و اقتضائه للبطلان، بل لا بدّ في إثباته من التماس دليل غيره.

هذا و يمكن أن يستدل على اعتبار هذا الشرط مضافاً إلى دعوى الإجماع على اعتباره، و هو ليس ببعيد أن مقتضى أصالة الفساد و عدم نفوذ العقد بعد كون مثل هذا العقد المعلّق غير متعارف لدى عامة الناس بل كونه مستنكراً لديهم، و دعوى انصراف أدلة العقود إلى المتعارف فلا تشمله، هو اعتباره في الصحّة.

و لو أغمضنا النظر عن ذلك، فيمكن الاستدلال عليه بجملة من النصوص الواردة في النكاح و البيع و غيرهما من العقود، الظاهر في لابدّية ترتّب أثر العقد عليه بالفعل و بلا فصل، إلّا ما خرج بالدليل كبيع الصرف، حيث يتوقّف ترتّب الأثر عليه فيه على القبض.

و هذه النصوص كقوله (عليه السلام) في صحيحة أبان بن تغلب: «فإذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك، و أنت أولى الناس بها» (1). فإنها ظاهرة في أن الزوجية و ترتب الأثر على عقد النكاح، إنما يكون بمجرد قولها: «نعم» من دون أن ينتظر تحقق شي‌ء آخر.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 18 ح 1.

149

..........

____________

و ما ورد في شراء الأمة، من أن البائع إذا أخبر عن استبرائها أو كان البائع امرأة جاز وطؤها (1). فإنها ظاهرة في أن الحكم مترتب على مجرد شرائها و ملكيته لبضعها من دون توقف على شي‌ء آخر.

و لا يبعد أن يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي، الواردة فيمن قال لامرأته إن تزوجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق: «أن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قال: من شرط شرطاً سوى كتاب اللّٰه عز و جل، لم يجز ذلك عليه و لا له» (2). إذ من غير البعيد أن يكون المراد به هو الطلاق الشرطي بحيث تشترط المرأة الطلاق عند تحقق الشرط، لا توكيلها في الطلاق بحيث يكون أمر الطلاق بيده، غاية الأمر تكون المرأة وكيلة عنه في إجزائه.

و الحاصل أن المستفاد من هذه النصوص، كون ترتب الأثر على العقد فعلياً و بمجرّد تماميته من دون انتظار لشي‌ء آخر، و من هنا فيعتبر التنجيز في العقود مراعاة لظهور النصوص المتقدِّمة.

و كيف كان، فاعتبار التنجيز متسالم بين الأصحاب، لكن من غير الخفي أن اعتباره إنما يختص بالعقود المعاوضية و ما يشبهها.

و أما العقود الإذنية كالوكالة و ما شابهها، فالظاهر أنه لا مانع من تعليقها على الأُمور الفعلية و الآتية، معلومة الحصول أو مشكوكته، كاشتراط الزوجة الوكالة في الطّلاق عند تزوّج الرجل بغيرها، أو التوكيل في بيع الدار إذا صادف له السفر، أو غير ذلك من القيود. فإنه أمر متعارف بل واقع في الخارج كثيراً و لا يعتبر من المستنكرات لدى العرف، فترى أن الصديق يقول لصديقه: أنا مسافر غداً مثلًا فإن لم أرجع إلى شهر فأنت وكيلي في بيع داري، و ما شاكل ذلك.

و لعلّ الوجه فيه أن الوكالة لا تحتاج إلّا إلى رضا المالك خاصة، و هو متحقق مع التعليق على حد تحققه مع التنجيز.

____________

(1) الوسائل، ج 18 كتاب التجارة، أبواب بيع الحيوان، ب 11.

(2) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدماته و شروطه، ب 18 ح 1.

150

[مسألة 12: إذ أوقعا العقد على وجه يخالف الاحتياط اللازم مراعاته]

[3845] مسألة 12: إذ أوقعا العقد على وجه يخالف الاحتياط اللازم مراعاته، فإن أراد البقاء فاللازم الإعادة على الوجه الصحيح (1) و إن أراد الفراق فالأحوط الطلاق [1] (2) و إن كان يمكن التمسك بأصالة عدم التأثير في الزوجية (3).

____________

و لا نظنّ فضلًا عن القطع قيام الإجماع على بطلانه، بل قد صرح المحقق القمي (قدس سره) في جامع الشتات بصحّة التوكيل المعلق في طلاق زوجته، و نسب ذلك إلى السبزواري و الملّا أحمد و الظاهر أنه الأردبيلي (قدس سره)- (1).

(1) إذ ليس لهما ترتيب آثار الزوجية ما لم يحرزا الصحّة، فراراً من الوقوع في المخالفة الاحتمالية من غير عذر.

(2) كي يحصل اليقين بانتفاء الزوجية بينهما.

(3) ما أفاده (قدس سره) ينافي كون الاحتياط لزومياً. فإن الاحتياط قد يكون حكماً ظاهرياً للمجتهد، كما في موارد العلم الإجمالي، أو موارد الشبهة قبل الفحص و فيهما لا يمكن الرجوع إلى أصالة العدم، لاختصاصها بغيرهما، فالرجوع إليها و التمسك بها يخرج المورد عن كونه من موارد الاحتياط اللزومي.

و قد لا يكون الاحتياط كذلك، بأن يعلم المجتهد بالحكم إلّا أنه لا يريد إبداءه و إظهاره للناس لمانع خارجي، كحفظ المصالح العامّة أو ما شابهه. و حينئذ فتكون وظيفة العامي هو الاحتياط لا محالة، لتنجز الواقع في حقه، باعتبار أنه يعلم بالتكاليف إجمالا أيضاً، و لا طريق له إلى فتوى المجتهد كما هو المفروض. و ليس له الرجوع إلى أصالة عدم تأثير العقد، باعتبار أن إجراء الأُصول في الشبهات الحكمية إنما هو من وظيفة المجتهد خاصة.

و من هنا فينحصر أمر الفراق بينهما بالطلاق لا غير، لعدم انسجام التمسك بالأصل مع كونه من موارد الاحتياط اللزومي، من دون أن يمكن الجمع بينهما.

____________

[1] هذا الاحتياط لا يُترك.

____________

(1) جامع الشتات 2: 453.