موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
151

و إن كان على وجه يخالف الاحتياط الاستحبابي، فمع إرادة البقاء الأحوط الاستحبابي إعادته على الوجه المعلوم صحته، و مع إرادة الفراق فاللازم الطلاق.

[مسألة 13: يشترط في العاقد المجري للصيغة الكمال بالبلوغ و العقل]

[3846] مسألة 13: يشترط في العاقد المجري للصيغة الكمال بالبلوغ و العقل، سواء كان عاقداً لنفسه أو لغيره، وكالة أو ولاية أو فضولًا.

فلا اعتبار بعقد الصبي (1)

____________

(1) بلا خلاف و لا إشكال فيه إذا كان مستقلا في التصرف.

و تدلُّ عليه، مضافاً إلى قوله تعالى «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» (1) حيث جعل اللّٰه سبحانه الغاية في دفع المال إلى الصبي بلوغه و الرشد، و من الواضح أن مقتضاه عدم جواز دفع أمواله إليه قبل البلوغ حتى و لو كان رشيداً، و عدم جواز تصرفاته فيها.

ما ورد في بعض النصوص من أن وضع القلم على الصبي إنما يكون بعد احتلامه و بلوغه، حيث إن مقتضاه كون عمله قبل ذلك كلا عمل، فلا يلزم بشي‌ء كما لا يؤاخذ على شي‌ء منها، كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن الغلام، متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصّلاة، و جرى عليه القلم، و الجارية مثل ذلك ...» (2).

و معتبرة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سأله أبي و انا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال «حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»*. قال: و ما أشدّه؟ قال: «احتلامه» (3). و هذه الرواية رواها صاحب الوسائل (قدس سره) عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ من دون ذكر ابن سنان، غير أنه من سهو القلم أو السقط في الاستنساخ قطعاً، و الصحيح ما ذكرناه على ما هو المثبت في المصدر، أعني كتاب‌

____________

(1) سورة النساء 4: 6.

(2) الوسائل، ج 1 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، ب 4 ح 12.

(3) الوسائل، ج 18 كتاب الحجر، ب 2 ح 5.

152

..........

____________

الخصال (1).

و كيف كان، فالرواية معتبرة، فإن أبا الحسين هذا هو آدم بن المتوكل الثقة. و هي دالّة على توقّف جواز أمر الغلام و مضيه على كون صدوره حال البلوغ، فلو لم يكن كذلك فلا ينفذ و لا عبرة به.

ثمّ إن مقتضى إطلاقات هذه النصوص و أدلّة رفع القلم، عدم الفرق في الحكم بين كون الفعل الصادر منه على نحو الاستقلال بإذن من الولي و عدمه، فيحكم فيهما معاً بالبطلان، و لعله متسالم عليه بينهم.

هذا كلّه في فرض استقلاله بالتصرف. و أما إذا كان الصبيّ مجرياً للصيغة خاصّة بأن كان العقد بين الولي و الطرف الآخر الكامل، فهل يحكم ببطلانه أم لا؟

قد يقال بالأوّل، بدعوى أن المستفاد من النصوص أن الصبيّ مسلوب العبارة و أنها كاللّفظ الصادر من الحيوان.

إلّا أنّ الظاهر هو الثاني، إذ ليس في المقام ما يدلّ على سلب عبارة الصبي، فإنّ النصوص المستدلّ بها كلها واردة فيما هو أمر للصبي نفسه، فلا تشمل ما إذا كان الأمر للوليّ و البالغ، غاية الأمر كان الصبي مجرياً للصيغة خاصّة.

نعم، ورد في بعض النصوص المعتبرة، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «عمد الصبي و خطأه واحد» (2) فقد يقال بأنها تدل على كون الصبي مسلوب العبارة، و إنه لا يترتب على فعله أي أثر.

و هذا المضمون و إن كان مذيلًا في بعض النصوص بقوله (عليه السلام): «تحمله العاقلة» و هو ظاهر في اختصاصه بموارد الجنايات و لا تشمل المقام، إلّا أن بعضها الآخر لما كان خالياً عن هذا الذيل، كان مقتضى إطلاقه عموم الحكم لغير مورد الجناية من أفعال الصبي. و لا وجه للقول بتقييد الإطلاق بما تقدّم، إذ لا منافاة بينهما.

لكنّه مدفوع بأنّ المذكور في هذه النصوص إنما هو: «عمد الصبي و خطأه واحد»‌

____________

(1) الخصال: 495.

(2) الوسائل، ج 29 كتاب الديات، أبواب العاقلة، ب 11 ح 2.

153

و لا المجنون و لو كان أدوارياً حال جنونه (1) و إن أجاز وليّه أو أجاز هو بعد بلوغه

____________

لا أنّ (عمد الصبي لا عمد) و بينهما بون بعيد. إذ الثاني ظاهر في المدعى بخلاف الأوّل، حيث إن ظاهره أن حكم عمل غير الصبي إذا كان ينقسم بلحاظ العمد و الخطأ فهو متّحد بلحاظ الصبي دائماً، و عليه فيختص النص بالجنايات لا محالة، لكن لا من باب التقييد و إنما من جهة أن اختلاف حكم العمد و الخطأ في غير الصبيان إنما يختص بالجنايات، و أما غيرها فليس للخطائي منها أثر كي يقال إنهما واحد بالنسبة إلى الصبي.

على أنه لا مجال للمساعدة على هذا النص بإطلاقه، فإنّ لازمه عدم قدح التكلم العمدي و الأكل العمدي في صلاة الصبيّ و صيامه، و هو مما لا يمكن الالتزام به.

إذن فهذه الروايات ناظرة إلى الجنايات خاصّة، و لا تعمّ المقام.

و من هنا فالصحيح هو الحكم بصحّة عقد الصبيّ، فيما إذا كان دوره منحصراً في إجراء الصيغة خاصّة.

و ممّا يؤيِّد ذلك رواية إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «تزوّج رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أُم سلمة، زوّجها إياه عمر بن أبي سلمة و هو صغير لم يبلغ الحلم» (1).

و هي و إن كانت دالّة على أن الصبي غير مسلوب العبارة، إلّا أننا قد جعلناها مؤيدة لما تقدّم، نظراً لضعف سندها ب‍ (سلمة بن الخطّاب) حيث لم يرد فيه توثيق.

(1) بلا خلاف فيه، لعدم تحقق القصد منه أصلًا، حيث لا يلتفت إلّا إلى اللّفظ و أما المعنى الإنشائي له فلا التفات له إليه، فيكون حاله حال سائر الحيوانات حيث لم يصدر منه عقد. و على تقدير تحقق القصد منه، فلا ينبغي الشك في انصراف أدلة نفوذ العقود عنه، إذ العقلاء انما يتعاملون معه معاملة الحيوان نظير الصبي غير المميز، فلا يترتّب على عقده أثر.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 16 ح 1.

154

أو إفاقته، على المشهور، بل لا خلاف فيه. لكنه في الصبي الوكيل عن الغير محل تأمّل [1] (1) لعدم الدليل على سلب عبارته إذا كان عارفاً بالعربية، و علم قصده حقيقة، و حديث رفع القلم منصرف عن مثل هذا. و كذا إذا كان لنفسه بإذن الولي، أو إجازته، أو أجاز هو بعد البلوغ (2).

و كذا لا اعتبار بعقد السّكران، فلا يصح و لو مع الإجازة بعد الإفاقة (3). و أما

____________

(1) بل منع، إذ غاية ما يستفاد من النصوص المتقدِّمة أن عقد الصبي لا يكون نافذاً بالنسبة إلى نفسه. و أما بالنسبة إلى غيره فلا دليل على عدم نفوذه بعد فرض أنه ليس مسلوب العبارة، فإنه حينئذ ليس من أمر الصبي الوكيل، بل العقد مستند إلى الموكل حقيقة، فيكون الأمر أمره. و معه فمقتضى عمومات أدلة الوفاء بالعقد نفوذه.

و بعبارة اخرى نقول: إنه لا دليل على اعتبار البلوغ في الوكيل، بل يجوز أن يكون صبيّاً إذا كان مميِّزاً عاقلًا، و الروايات الواردة في المقام غير شاملة للمورد، إذ الصبي حينئذ غير مأخوذ بالعقد و إنما المأخوذ به هو الموكل خاصة، فإن الأمر أمره و العقد عقده، فتشمله عمومات الوفاء بالعقد.

(2) إذ البطلان في المقام ليس بمعنى إلغائه كلية، و إنما هو بمعنى عدم التأثير ما دام متصفاً بكونه عقد الصبيّ، فإذا ارتفع الوصف و انتفى المانع بالبلوغ و الإجازة فلا مانع من الالتزام بصحّته، كما هو الحال في عقد المكره.

و كذا الحال لو أجازه الوليّ، لإضافة العقد حينئذ إليه، فيكون كأنه هو العاقد، نظير إجازة المولى لعقد عبده، أو المالك لعقد الفضولي.

(3) و محلّ الكلام هو الفاقد للشعور و العقل بحيث يكون مجنوناً مؤقتاً و بالعارض فإنّه حينئذ يحكم ببطلان عقده، لعدم تحقّق قصد المعنى و الاعتبار منه. و على تقدير تحقّقه، فالعقلاء لا يعتبرون ذلك و لا يرتبون عليه أثراً، لأنه هذيان نظير تكلّم النائم.

____________

[1] بل منع.

155

عقد السّكرى إذا أجازت بعد الإفاقة ففيه قولان، فالمشهور أنه كذلك. و ذهب جماعة إلى الصحّة (1) مستندين إلى صحيحة ابن بزيع (2) و لا بأس بالعمل بها (3)

____________

و من هنا فلا تشمله أدلة نفوذ العقود، لانصرافها عنه جزماً.

و عليه فحيث يعتبر هذا العقد كالعدم، فلا تنفعه لحوق الإجازة بعد ذلك، لأنها إنما تنفع فيما إذا لم يكن العقد قاصراً في نفسه، بحيث يكون مستجمعاً لجميع شرائط الصحّة عدا صدوره ممن له الأمر.

و كيف كان، فالحكم لا ينبغي الإشكال فيه، و إن كان يظهر من المحقق و صاحب الجواهر (قدس سرهما) وجود الخلاف فيه بين الأصحاب (1).

(1) كالشيخ (2) و أتباعه (3) و صاحب الحدائق (4) و صاحب الوسائل (5).

(2) قال، سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلًا في سكرها، ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك، ثمّ ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، إحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر و لا سبيل للزوج عليها؟ فقال: «إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها». قلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: «نعم» (6).

(3) بل هو متعين، و إن كان مضمونها مخالفاً للقاعدة. فإنها من حيث السند صحيحة، و من حيث الدلالة واضحة، و لم يثبت إعراض الأصحاب عنها كي يقال بأنه موجب لطرحها، فقد عمل بها جماعة كما عرفت.

____________

(1) شرائع الإسلام، الجواهر 29: 144.

(2) النهاية: 468.

(3) مختلف الشيعة 7: 130 131.

(4) الحدائق 23: 175.

(5) الوسائل 20: 249.

(6) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 14 ح 1.

156

و إن كان الأحوط خلافه، لإمكان حملها [1] (1) على ما إذا لم يكن سكرها بحيث لا التفات بحيث لا التفات لها إلى ما تقول. مع أن المشهور لم يعملوا بها، و حملوها على محامل، فلا يترك الاحتياط.

[مسألة 14: لا بأس بعقد السفيه إذا كان وكيلًا عن الغير في إجراء الصيغة]

[3847] مسألة 14: لا بأس بعقد السفيه إذا كان وكيلًا عن الغير في إجراء الصيغة (2) أو أصيلًا مع إجازة الولي (3). و كذا لا بأس بعقد المكره على إجراء الصيغة للغير (4) أو لنفسه إذا أجاز بعد ذلك (5).

____________

(1) ما ذكر من المحامل خلاف الفهم العرفي، فلا يصار إليها إلّا بالدليل و هو مفقود.

(2) فإن الحجر عليه إنما يختص بتصرفاته في أمواله على نحو الاستقلال، و ليس بمسلوب العبارة قطعاً.

(3) لما عرفت من اختصاص الحجر عليه بصورة الاستقلال.

(4) كما لو طلب العاقد أجراً على العقد، فأكرهه الزوجان أو أحدهما على إجرائه مجاناً.

و الوجه فيه إطلاقات نفوذ العقد بعد عدم شمول حديث نفي الإكراه له، باعتبار أن العقد لا أثر له بالنسبة إلى المكره نفسه بالمرة، إذ المعاقدة إنما هي بين شخصين غيره فيحكم بتأثير العقد و صحّة الالتزام من الطرفين و إن كان المجري للصيغة مكرهاً.

(5) على ما هو المعروف و المشهور بينهم.

و قد ناقش فيه بعضهم، بأن العقد لما كان حين وقوعه محكوماً بالفساد، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل و هو مفقود.

و لا يقاس ذلك بالبيع و النكاح الفضوليين، فإن العقد حين وقوعه فيهما لا يكون مستنداً إلى من له الأمر و الولاية، و إنما رضاه بهما و إجازته لهما بعد ذلك، يوجب استناد ذلك العقد الواقع سابقاً إليه و انتسابه له من حين الرضا و الإجازة، فيحكم‌

____________

[1] هو بعيد جدّاً، و العمدة دعوى إعراض المشهور، و هي غير ثابتة لعمل جماعة من المتقدِّمين بها، على أنّ كبرى هذه الدعوى غير ثابتة.

157

..........

____________

بصحته. و هذا بخلاف المكره، حيث يستند العقد إليه من حين وقوعه، فيقال: باع فلان داره مكرهاً، أو اشترى كذلك.

و من هنا فإذا كان العقد المنتسب إليه حين وقوعه محكوماً بالفساد، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل، و حيث لا دليل عليها في المقام يحكم بفساده لا محالة.

و فيه: أن دليل الفساد في المقام لا يدلّ عليه بنحو الإطلاق، و إنما هو يقتضيه ما دام الموضوع أعني كون العاقد مكرهاً موجوداً، فإذا ارتفع هذا العنوان و انتفى هذا الموضوع حكم بصحّة العقد لا محالة، إذ العقد ليس هو الإيجاب و القبول كي يقال إنه أمر حادث و قد انعدم فلا مجال للحكم بصحته، و إنما هو الالتزام بالاعتبار عن الرضا و الاختيار. فإذا لم يكن ذلك مشمولًا لعموم أدلة نفوذ العقد ابتداءً، لكونه مشمولًا لأدلّة فساد عقد المكره، لم يمنع ذلك من الحكم بصحته استمراراً، بعد ارتفاع العنوان الموجب لانتفاء شمول دليل الفساد له، فتشمله أدلّة النفوذ لا محالة.

توضيح ذلك: أن دليل الفساد في عقد المكره قاصر عن إثبات الفساد حتى في فرض الرضا بالعقد بعد ذلك، فإنّ حديث الرفع وارد مورد الامتنان، فلا يقتضي إلّا الحكم بفساده ما دام الإكراه باقياً، فإذا ارتفع ذلك حكم بصحته، لارتفاع المقتضي و كون بقاء الحكم بالبطلان منافياً للامتنان.

و لأجل هذا ذكرنا في محله أن هذا الحكم لا يجري في مورد الاضطرار، فيحكم بصحّة عقد المضطر و ترتب جميع الأحكام الوضعية عليه، نظراً إلى أن الحكم بالبطلان لحديث الرفع موجب لوقوع المكلف في المشقة الشديدة، و هو منافٍ للامتنان.

لا يقال: إنّ هذا الكلام و إن تمّ في الزواج و نحوه، حيث كان الدليل على فساده في صورة الإكراه هو حديث نفي الإكراه، إلّا أنه لا يتمّ في مثل البيع و نحوه، مما يكون الدليل على فساده قصور دليل الصحّة من الأوّل لكونه مقيداً بالتراضي، على ما دلّت عليه الآية المباركة (1) بناءً على كون الاستثناء فيها متصلًا، فإنّ مقتضاه هو الحكم‌

____________

(1) سورة النساء 4: 29.

158

..........

____________

ببطلان كل عقد إلّا الذي كان عن تراضٍ. و حيث إن العقد في المقام لم يكن عن تراضٍ حين صدوره، يحكم بفساده حتى و إن رضي به بعد ذلك.

فإنه يقال: إن المراد بالتجارة ليس هو اللفظ الإيجاب و القبول و إنما المراد بها الالتزام بالمبادلة نفساً، و هو و إن لم يكن عن الرضا حدوثاً، إلّا أنه بقاءً لما كان يصدق عليه التجارة عن تراضٍ حكم بصحته.

و يؤكد ذلك: أن المستثنى منه أكل المال بالباطل بجميع أقسامه باطل، و الحال أن هذا الفرد ليس بباطل عند العقلاء جزماً. نظير ما لو غصب متاعاً ثمّ رضي مالكه، فإنه ينقلب الغصب إلى الأمانة و نحوها.

إذن فالصحيح في المقام أن الحكم بالصحّة لا يختص بالزواج و نحوه، بل هو عام لمثل البيع أيضاً، باعتبار أن قصور العقد إنما هو من جهة الرضا خاصة، فإذا تحقق بعد ذلك حكم بصحته. نظير التزوج ببنت أُخت الزوجة أو بنت أخيها من دون إذنها فإنها لو أذنت حكم بصحّة العقد كما تقدّم، لانتفاء المانع.

و بعبارة اخرى: إن الأمر في المقام دائر بين رفع اليد عن عموم أدلّة صحّة العقد و نفوذه، و الالتزام ببطلان عقد المكره مطلقاً، فيكون ذلك تخصيصاً لها. و بين رفع اليد عن إطلاقات تلك الأدلّة المقتضية لثبوت الحكم من الأوّل مستمراً، و الالتزام بالبطلان ما دام الإكراه متحققاً. فيتقدم الثاني لكونه الموافق للامتنان دون الأوّل.

ثمّ إن هذا كله مبني على الالتزام بالنقل في الرضا المتأخر، و إن الحكم بالصحّة إنما يكون من حين الرضا، كما ذهب إليه الشيخ (قدس سره). و أما بناءً على ما اخترناه من الكشف، فحديث الرفع غير شامل لمثل هذا العقد المتعقب للإجازة من الأوّل لكونه منافياً للامتنان.

و عليه فلا موجب للحكم بالبطلان، بل ينبغي الحكم بصحّة العقد من حين وقوعه، غاية الأمر أن الرضا يكون شرطاً متأخِّراً فيه.

و من هنا فلا يكون في المقام تخصيص و لا تقييد، حيث لا حكم بالفساد عند لحوق الرضا واقعاً، و إن حكمنا به قبل لحوق الرضا ظاهراً.

159

[مسألة 15: لا يشترط الذكورة في العاقد]

[3848] مسألة 15: لا يشترط الذكورة في العاقد، فيجوز للمرأة الوكالة عن الغير في إجراء الصيغة (1) كما يجوز إجراؤها لنفسها (2).

[مسألة 16: يشترط بقاء المتعاقدين على الأهلية إلى تمام العقد]

[3849] مسألة 16: يشترط بقاء المتعاقدين على الأهلية إلى تمام العقد (3). فلو أوجب، ثمّ جنّ أو أُغمي عليه قبل مجي‌ء القبول، لم يصحّ. و كذا لو أوجب ثمّ نام، بل أو غفل عن العقد بالمرّة. و كذا الحال في سائر العقود. و الوجه عدم صدق المعاقدة و المعاهدة، مضافاً إلى دعوى الإجماع و انصراف الأدلّة.

____________

(1) لإطلاقات أدلّة التوكيل، حيث لا دليل على اعتبار الرجولية في الوكيل.

(2) و يدلّ عليه مضافاً إلى عمومات و إطلاقات أدلّة النكاح قوله (عليه السلام) في صحيحة أبان بن تغلب: «فإذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك، و أنت أولى الناس بها» (1).

(3) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات:

الجهة الأُولى: فيما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) من اعتبار أهلية القابل للقبول حين الإيجاب (2).

الجهة الثانية: في اعتبار اتصاف الموجب بالأهلية حين صدور القبول من القابل.

الجهة الثالثة: في اعتبار استمرار أهلية الموجب من حين الإيجاب إلى حين صدور القبول، بحيث لا تتوسط بينهما حالة عدم الأهلية له.

أمّا الجهة الأُولى: فما أفاده (قدس سره) مما لا دليل عليه، لأن عنواني المعاهدة و المعاقدة المعتبرين في العقود إنما يتوقفان على أهلية القابل للقبول حين القبول خاصة، و لا يتوقفان على أهليته له حين الإيجاب، فإنه إذا كان القابل حينه أهلًا له صدقت المعاهدة و المعاقدة و إن لم يكن كذلك حال الإيجاب، لأنهما ليسا إلّا ضمّ عهد إلى عهد آخر و عقد التزام إلى نظيره كعقدة أحد الحبلين إلى آخر و هما صادقان‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 18 ح 1.

(2) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20: 90 طبع المؤتمر العالمي.

160

..........

____________

مع أهلية القابل له حين القبول خاصة أيضاً، فيقال إنهما تعاقدا و تعاهدا ما لم يرجع الأوّل عن التزامه.

و دعوى اعتبار ما أفاده (قدس سره) لا من جهة دخله في عنوان المعاهدة و المعاقدة، بل من جهة الإجماع أو التعبد.

مدفوعة بأنه لا دليل عليها، و عهدتها على مدعيها.

و من هنا يظهر أنه لا وجه لدعوى انصراف الأدلة عن مثل هذا العقد، فإنه كيف يمكن قبول هذه الدعوى بعد صدق المعاهدة و المعاقدة عليه، كما عرفت! بل الحكم كذلك حتى و لو كان القابل غير أهل للتخاطب حال الإيجاب، كما لو كان مجنوناً أو نائماً، لصدق المعاقدة و المعاهدة عليه عند ضمّه لالتزامه في حال أهليته إلى التزام الطرف الأوّل، و بذلك تشمله عمومات و إطلاقات أدلّة الصحّة و النفوذ، بعد أن لم يثبت إجماع على الخلاف أو انصراف.

و الحاصل أنه تكفي أهلية القابل عند القبول خاصة و إن لم يكن كذلك عند الإيجاب، لصدق المعاهدة و المعاقدة، و عدم الدليل على اعتبارها حال الإيجاب.

و أمّا الجهة الثانية: فالظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في اعتبار بقاء الموجب على أهليته حين صدور القبول من الطرف الآخر، باعتبار أن ارتفاع أهليته يستلزم سقوط التزامه و زواله. و به لا يتحقق عنوان المعاهدة و المعاقدة، فإنّ تحققه كما عرفت يتوقّف على انضمام أحد الالتزامين بالآخر، فإذا فرض ارتفاع التزام الطرف الأوّل نتيجة عدم أهليته له حين صدور الالتزام من الآخر، لم يكن لالتزام الآخر أثر بالمرة. و من هنا فإذا مات الموجب قبل صدور القبول ممن له القبول، لم تصدق المعاقدة و لم يكن لقبوله بعد ذلك أثر.

بل الحال كذلك لو نام الموجب، أو غفل عن التزامه بالكلية، أو حكم عليه بالحجر، لعدم تحقّق المعاهدة، نظراً لعدم انضمام أحد الالتزامين إلى الآخر.

و أمّا الجهة الثالثة: فالظاهر أنه كالأوّل في عدم الدليل على اعتباره، فإنّ توسط حالة عدم الأهلية بين حالتي الأهلية في حين الإيجاب و القبول، لا يضرّ بصدق‌

161

[مسألة 17: يشترط تعيين الزّوج و الزّوجة على وجه يمتاز كل منهما عن غيره بالاسم، أو الوصف الموجب له، أو الإشارة]

[3850] مسألة 17: يشترط تعيين الزّوج و الزّوجة (1) على وجه يمتاز كل

____________

المعاقدة و المعاهدة، إذ العبرة في صدقهما إنما هي بانضمام أحد الالتزامين إلى الآخر، كما عرفت. و حيث إن هذا متحقق في المقام، نظراً لبقاء التزام الموجب بعد حالة عدم الأهليّة و حين القبول، فلا وجه للقول بعدم صدق المعاقدة مع وجود الحالة المتخللة.

هذا و مما يعضد ما ذكرناه السيرة العقلائية خارجاً، حيث نرى أنهم يلتزمون بصحّة البيع أو الهبة أو ما شاكلهما من العقود، حتى مع تخلل حالة عدم الأهلية للموجب بين حالتي أهليته حين الإيجاب و أهليته حين القبول، كما لو كان البائع في بلد و المشتري في آخر فكتب إليه بالبيع أو ما شاكله، فإنه يلتزم بالصحّة فيه فيما إذا تعقب القبول ممن له ذلك، و الحال إنه لا تخلو هذه الحالات من عروض عدم الأهلية للموجب و لا أقلّ من النوم.

نعم، في مثل الجنون لا يبعد القول بأنه مزيل للالتزام، فلا يؤثر القبول في الصحّة بعد ذلك، و ذلك لأنّ المجنون لا التزام له، و على فرض وجوده فهو في حكم العدم بلا خلاف، فلا ينفع فيه القبول المتأخر.

ثمّ إن الظاهر أن الإغماء ملحق بالنوم دون الجنون، فإنه نوم حقيقة، غاية الأمر أنه مرتبة قوية منه. و عليه فيحكم بصحّة العقد عند القبول بعد ذلك، لبقاء الالتزام الأوّل.

و الحاصل أن طرو ما يزيل الأهلية عن الموجب قبل تحقق القبول، لا يؤثر شيئاً في صحّة العقد عند تحقق القبول، فيما إذا فرض بقاء الالتزام الأوّل و عدم زواله بعد زوال الأمر الطارئ.

نعم، لو فرض ارتفاع الالتزام الأوّل نتيجة طرو ما يزيل الأهلية، لم يكن للقبول المتأخر أثر في صحّة العقد.

(1) بلا خلاف فيه.

و الوجه فيه أن الزوجية إنما تقوم بالأفراد الخارجية من الرجال و النساء، كما يظهر ذلك من جملة من الآيات الكريمة، كقوله تعالى:

162

منهما عن غيره بالاسم، أو الوصف الموجب له، أو الإشارة.

فلو قال: (زوجتك إحدى بناتي) بطل (1). و كذا لو قال: (زوجت بنتي أحد ابنيك) أو: (أحد هذين). و كذا لو عيّن كل منهما غير ما عيّنه الآخر (2).

بل و كذا لو عيّنا معيّناً من غير معاهدة بينهما، بل من باب الاتفاق صار ما قصده أحدهما عين ما قصده الآخر (3). و أما لو كان ذلك مع المعاهدة، لكن لم يكن هناك دالّ على ذلك من لفظ أو قرينة خارجية مفهمة، فلا يبعد الصحّة (4) و إن كان الأحوط خلافه.

____________

«وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ» (1) و قوله «فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (2) و غيرها. فإنّ مقتضى انحلال العموم فيها، جواز النكاح لكل فرد فرد من الإماء و النساء. و كذلك النصوص و السيرة العقلائية.

(1) لعدم وجود تعيين حتى في الواقع و علم اللّٰه. و الجامع بينهما و إن كان موجوداً إلّا أنه لا يصلح لترتب آثار الزوجية عليه، كوجوب المجامعة في كل أربعة أشهر أو الإنفاق، و ما شاكلهما.

(2) لعدم تحقق المعاهدة، إذ لم ينضم التزام الموجب إلى التزام القابل، لعدم التطابق بينهما، نظراً لتعلّق كل منهما بغير ما تعلّق به الآخر.

(3) و الوجه فيه يظهر مما تقدّم، إذ لم ينضمّ الالتزام من أحدهما إلى الالتزام من الآخر، لعدم التطابق بينهما، نظراً لاعتقادهما خلاف ذلك. و من هنا فلا تتحقق المعاهدة بالنسبة إلى الشخص المعيّن، و مجرد الانطباق الخارجي لا يكفي في تحقق المعاهدة و صدقها، بعد عدم الانطباق بين الاعتقادين و الالتزامين.

(4) بل لم يظهر وجه للبطلان في المقام، فإن العبرة في صحّة العقد كما عرفت غير مرّة إنما هي بانضمام أحد الالتزامين بالآخر و وقوعهما لشخص واحد، مع إبراز ذلك بمبرز من دون اعتبار لاتحاد المبرزين. و هذا المعنى لما كان متحققاً في المقام، حيث إن‌

____________

(1) سورة النور 24: 32.

(2) سورة النساء 4: 3.

163

و لا يلزم تمييز ذلك المعيّن عندهما حال العقد (1) بل يكفي التميز الواقعي مع إمكان العلم به بعد ذلك، كما إذا قال: (زوّجتك بنتي الكبرى) و لم يكن حال العقد عالماً بتاريخ تولّد البنتين، لكن بالرجوع إلى الدفتر يحصل له العلم.

نعم، إذا كان مميزاً واقعاً، و لكن لم يمكن العلم به ظاهراً كما إذا نسي تاريخ ولادتهما و لم يمكنه العلم به فالأقوى البطلان [1]، لانصراف الأدلّة عن مثله (2). فالقول بالصحّة و التشخيص بالقرعة، ضعيف.

[مسألة 18: لو اختلف الاسم و الوصف أو أحدهما مع الإشارة أخذ بما هو المقصود]

[3851] مسألة 18: لو اختلف الاسم و الوصف أو أحدهما مع الإشارة أخذ بما هو المقصود (3) و الغي ما وقع غلطاً.

____________

كلّاً من الالتزامين مرتبط و منضمّ إلى الآخر و هما معاً لشخص واحد، غاية الأمر أن المبرز لكل من الالتزامين يختلف عن المبرز للآخر، حكم بصحته، فإن ذلك غير ضائر حتى مع عدم القرينة بعد علمهما بالاتحاد فلا وجه لتوهم البطلان فيه بالمرة.

(1) لإطلاق الأدلّة، على ما سيأتي توضيحه في التعليقة الآتية.

(2) لم يظهر لنا وجه ذلك. فإن المرأة معينة واقعاً و العقد واجد لجميع شروط الصحّة المعتبرة فيه، و لا دليل على اعتبار التمييز في مقام الإثبات، فإنه لا قائل ببطلان العقد فيما إذا حصل الاشتباه في الزوجة أو الزوج فور تمامية العقد بعد ما كان معيناً بالذات، كما لو دخلت المرأة بعد العقد إلى مكان فيه أقرانها ثمّ ادعت كل واحدة منهن أنها هي المعقود عليها، بل لا يعرف لذلك موجب بعد أن كان مقتضى إطلاقات الأدلّة هو الصحّة، إذ لم يرد على شي‌ء منها تقييد بالمعلومية في مقام الإثبات.

نعم، لا بدّ من رفع الاشتباه و تعيين المعقود عليها، لترتب آثار الزوجية عليه، إذ الجامع لا يصلح لذلك. و حيث إن الترجيح بلا مرجح لا مجال للقول به، يتعيّن المصير إلى القرعة، لأنها لكل أمر مشكل، و ما نحن فيه منه.

(3) لأنه الملاك في تطابق الالتزامين و عدمه، فإذا اتحد صح العقد، لتحقّق المعاهدة‌

____________

[1] في القوّة إشكال، بل الصحّة غير بعيدة.

164

مثلًا لو قال: (زوجتك الكبرى من بناتي فاطمة) و تبين أن اسمها خديجة، صحّ العقد على خديجة التي هي الكبرى.

و لو قال: (زوّجتك فاطمة و هي الكبرى) فتبيّن أنها صغرى، صحّ على فاطمة، لأنها المقصود، و وصفها بأنها كبرى وقع غلطاً فيلغى.

و كذا لو قال: (زوّجتك هذه و هي فاطمة) أو (و هي الكبرى) فتبين أن اسمها خديجة أو أنها صغرى، فإن المقصود تزويج المشار إليها، و تسميتها بفاطمة أو وصفها بأنها الكبرى وقع غلطاً فيلغى.

[مسألة 19: إذا تنازع الزوج و الزوجة في التعيين و عدمه]

[3852] مسألة 19: إذا تنازع الزوج و الزوجة في التعيين و عدمه، حتى يكون العقد صحيحاً أو باطلًا، فالقول قول مدعي الصحّة [1] (1) كما في سائر الشروط إذا اختلفا فيها، و كما في سائر العقود.

____________

من دون أن يؤثر الاشتباه في الاسم أو الوصف أو الإشارة في الصحّة.

(1) و الدليل عليها هو أصالة الصحّة في العبادات و المعاملات غير أنه قد تقدّم الكلام في هذا الأصل في المباحث الأُصولية و بعض المباحث الفقهية المتقدِّمة مفصّلًا و قد عرفت بما لا مزيد عليه أن هذا الأصل لم يدل عليه دليل لفظي من الكتاب أو السنّة، و إنما الدليل عليه منحصر بسيرة المتشرعة المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام).

و من هنا فمع الشك في ضيق هذه القاعدة و سعتها بحسب الموارد، لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن فيها، و هو ما إذا كان الشك في الصحّة و البطلان من جهة عدم إحراز بعض الشروط، أو الشك في اقترانه بمانع من الموانع الشرعية، بعد إحراز أركان العقد و ما يعتبر في أصل تحققه.

و أمّا مع الشك في تحقق الأركان نفسها، فلا مجال للحكم بالصحّة تمسكاً بأصالة الصحّة، لعدم ثبوت السيرة و البناء على الصحّة في مثل المقام، كما لو شككنا في كون‌

____________

[1] إذا كان النزاع في وقوع العقد على المعين و عدمه كما هو ظاهر العبارة لم يكن مجال للتمسّك بأصالة الصحّة.

165

و إن اتّفقا الزّوج و وليّ الزّوجة على أنهما عيّنا معيناً، و تنازعا فيه أنها فاطمة أو خديجة، فمع عدم البيِّنة المرجع التحالف [2] (1) كما في سائر العقود.

____________

المبيع خلّاً أو خمراً، فإنه لا تنفع أصالة الصحّة في إثبات كونه خلّاً و من ثمّ إلزام البائع بدفع الخل.

و على هذا ففي المقام حيث إن الشك في ركن من أركان العقد أعني التعيين، فلا مجال لتقديم قول الزوج و إثبات كون المرأة المعينة هي الزوجة تمسّكاً بأصالة الصحّة بل لا بدّ على مدعي الزوجية و التعيين من البيّنة و الإثبات على وفق الموازين المبيّنة في مباحث القضاء.

و من هنا يظهر الحال في سائر العقود غير النكاح، فإنّ الحال فيها هو الحال فيه.

(1) فإنّ كلّاً منهما يدّعي شيئاً و ينكر ما يدعيه الآخر، فالزوج مثلًا يدّعي زوجية فاطمة و ينكر زوجية خديجة التي يدعيها وليّها، و الوليّ يدعي زوجية خديجة و ينكر زوجية فاطمة التي يدعيها الزوج، فيكون المقام من التداعي. و مقتضى القاعدة فيه أنه إن كانت لأحدهما بيّنة أُخذ ببيّنته و قُدِّم قوله، و إن لم يكن لهما بيّنة وصلت النوبة إلى التحالف، فإن حلف أحدهما خاصّة ثبت مدعاه، و إن حلفا معاً أو نكلا معاً سقطت الدعويان لعدم المرجح.

و هذا كله مما لا إشكال فيه. إنما الإشكال فيما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) و ادعى عليه الإجماع، من انفساخ الزوجية في فرض حلفهما معاً أو نكولهما كذلك و كأنه لم يكن عقد في البين (1). فإنّ إثبات ذلك مشكل جدّاً، فإنه و إن لم يكن لأحدهما إلزام الآخر بلوازم الزوجية ظاهراً، فليس للزوج إلزام المرأة التي يدعي زوجيتها بالتمكين، كما أنه ليس للمرأة الأُخرى إلزام الزوج بالنفقة و ما شاكلها من لوازم الزوجية، إلّا أن ذلك كله لا يعني انفساخ الزوجية واقعاً على ما هو ظاهر‌

____________

[2] و يترتّب عليه سقوط الدعوى فقط، فليس لكل من طرفي الدعوى إلزام الآخر بما يدّعيه و أمّا كون التحالف موجباً لانفساخ العقد كما في الجواهر فمحل منع، بل اللّازم على كل منهما أن يعمل بما هو وظيفته في الواقع.

____________

(1) الجواهر 29: 153 156.

166

نعم، هنا صورة واحدة اختلفوا فيها، و هي ما إذا كان لرجل عدة بنات فزوّج واحدة، و لم يسمِّها عند العقد، و لا عيّنها بغير الاسم، لكنه قصدها معينة، و اختلفا فيها. فالمشهور على الرجوع إلى التحالف (1) الذي هو مقتضى قاعدة الدعاوي.

____________

كلماتهم، فإنه لا دليل عليه بالمرّة.

و من هنا فلا بدّ لكل منهما من ترتيب آثار الزوجية على نفسه في فرض العلم بصدق مدعاه واقعاً. فلو كان الزوج عالماً بصدق مدعاه من زوجية المرأة المعينة له واقعاً، فلا بدّ من معاملتها معاملة الزوجة فليس له أن يتزوج بأُمها أو أُختها أو الخامسة، و إن لم يمكنه إثبات مدعاه ظاهراً. و هكذا بالنسبة إلى المرأة التي تدعى زوجيتها للرجل.

و هذا الحكم لا يختص بباب النكاح، بل يجري في جميع أبواب العقود.

نعم، في خصوص البيع قد يستدلّ على الانفساخ الواقعي بالنبوي: «إذا اختلف المتبايعان ترادا» (1). إلّا أنها نبوية لم تثبت من طرقنا الخاصة، فلا تصلح للاستدلال. على أنها غير مختصّة بالاختلاف من هذه الجهة، بل هي مطلقة، و هذا مما لا يمكن الالتزام به.

(1) الظاهر أن الأمر قد اشتبه على الماتن (قدس سره)، فإن في المقام مسألتين تُشبه إحداهما الأُخرى لكنهما تختلفان في الحكم.

أُولاهما: ما إذا وقع الخلاف بين الزوج و الأب في المعيّنة، بعد اتفاقهما على وقوع العقد على واحدة معينة بالاسم أو الوصف أو الإشارة، فادعى الزوج أنّ المعيّنة كانت هي الصغيرة، و ادعى الأب أنها هي الكبيرة.

و فيها لا خلاف و لا إشكال بينهم في الرجوع إلى التحالف، كما لو كان الخلاف مع غير الأب من الأولياء، حيث إن المقام من باب التداعي كما هو واضح، و لم يذكر في المقام قول بالتفصيل بين رؤيته لهنّ و عدمها فيما نعلم، بل و لم ينسب الخلاف في ذلك إلى أحد.

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 737 ح 2186.

167

..........

____________

ثانيتهما: أن لا تكون المعقودة عليها معيّنة بحسب الخارج بالاسم أو الوصف أو الإشارة بالنسبة إلى الزوج و الشهود، و إنما تكون هي متعيّنة لدى الأب خاصّة حيث قصد هو واحدة بعينها فأجرى العقد عليها و قَبِل الزوج ذلك، ثمّ وقع الخلاف بينهما، فقال الأب: إنما زوجتك ابنتي الكبرى، و قال الزوج: إنما قبلت زوجية بنتك الصغرى، و من ثمّ لم يحصل التطابق بين الإيجاب و القبول.

و فيها فالأصحاب على قولين:

التفصيل بين رؤية الزوج لهن أجمع، فيكون القول قول الأب. و عدمها، فيحكم ببطلان النكاح، لصحيحة أبي عبيدة الحذاء.

و البطلان تمسكاً بالقاعدة، حيث عرفت أن أصالة الصحّة لا أثر لها في مثل المقام بعد اطراح صحيحة أبي عبيدة بدعوى إعراض الأصحاب عنها، أو لكونها من أخبار الآحاد كما عن ابن إدريس.

و ليس فيها قول بالتحالف لأحد على الإطلاق، بل لا موضوع له في المقام، فإنه إنما يكون في فرض وجود مدعيين و منكرين و ليس المقام منه، فإنّ كلّاً منهما إنما يخبر عمّا في نفسه و ما نواه في إيجابه أو قبوله، من دون أن يكون هناك إنكار لدعوى الآخر.

فما أفاده (قدس سره) من ذهاب المشهور في المسألة إلى التحالف من خلط هذه المسألة بالمسألة السابقة.

و كيف كان، فالصحيح في هذه المسألة هو القول الأوّل، أعني التفصيل بين رؤيته لهنّ و عدمها. فإنّ رواية الحذاء صحيحة سنداً و واضحة دلالة، و قد عمل بها جملة من الأصحاب، كالشيخ (1) و أتباعه (2) و العلّامة (3) و المحقِّق (4) بل نسب في الرياض العمل بها إلى الأكثر (5). و حملها على بعض المحامل تعسف محض.

____________

(1) النهاية: 468.

(2) انظر السرائر 2: 573.

(3) قواعد الاحكام 2: 4.

(4) شرائع الإسلام 2: 323.

(5) رياض المسائل 2: 70.

168

و ذهب جماعة إلى التفصيل بين ما لو كان الزوج رآهن جميعاً فالقول قول الأب و ما لم يرهن فالنكاح باطل. و مستندهم صحيحة أبي عبيدة الحذاء (1) و هي و إن كانت صحيحة إلّا أن إعراض المشهور عنها، مضافاً إلى مخالفتها للقواعد، مع إمكان حملها على بعض المحامل، يمنع عن العمل بها. فقول المشهور لا يخلو عن قوّة [1] (2)،

____________

فالمتعيّن هو الحكم بالتفصيل تعبداً، و رفع اليد عن القاعدة للنص.

(1) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل كنّ له ثلاث بنات أبكار فزوّج إحداهن رجلًا و لم يسمِّ التي زوّج للزوج و لا للشهود، و قد كان الزوج فرض لها صداقها، فلما بلغ إدخالها على الزوج بلغ الزوج أنها الكبرى من الثلاثة، فقال الزوج لأبيها: إنما تزوّجت منك الصغيرة من بناتك، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إن كان الزوج رآهن كلهن، و لم يسمِّ له واحدة منهن، فالقول في ذلك قول الأب، و على الأب فيما بينه و بين اللّٰه أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح. و إن كان الزوج لم يرهن كلّهنّ، و لم يسمَّ له واحدة منهنّ عند عقدة النكاح، فالنكاح باطل» (1).

(2) قد عرفت أن في القوة إشكالًا بل منعاً، و مع ذلك فالاحتياط في محلِّه.

____________

[1] إنّ هنا مسألتين قد خلط الماتن (قدس سره) بينهما: الأُولىٰ ما إذا اتّفق الزّوج و أبو البنات على وقوع العقد على بنت معيّنة ثمّ اختلفا فادّعى الأب أنها الكبرى مثلًا و ادّعى الزّوج أنها الصغرىٰ، ففي هذه المسألة ينتهي الأمر مع عدم البيِّنة إلى التحالف لا محالة بلا فرق بين رؤية الزّوج إيّاهنّ و عدم رؤيته، و لم ينسب القول بالبطلان فيها في فرض عدم الرؤية و بتقديم قول الأب في فرض الرؤية إلى أحد. الثانية ما إذا لم يتّفقا على وقوع العقد على امرأة معيّنة و اتّفقا على عدم التسمية و التعيين حال العقد فادّعى الأب أنه نوىٰ تزويج الكبرى و ادّعى الزّوج أنه نوى التزويج بالصغيرة، ففي هذه الصورة حكم الشيخ و أتباعه و جملة من المتأخِّرين بل قيل: إنه الأشهر؛ بتقديم قول الأب فيما إذا رآهنّ الزّوج و بالبطلان فيما إذا لم يرهن عملًا بصحيحة أبي عبيدة الواردة في هذا الموضوع، و هذا هو الصحيح، و خالف في ذلك الحلي فحكم بالبطلان على الإطلاق فإنه مقتضى القاعدة و هو لا يعمل بأخبار الآحاد، و اختاره جماعة ممّن تأخّر عنه، و لم ينسب القول بالتحالف في هذه المسألة إلى أحد بل لا معنىٰ له إذ لا تداعي في المقام حتى ينتهي الأمر إلى التحالف.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 15 ح 1.

169

و مع ذلك الأحوط مراعاة الاحتياط. و كيف كان، لا يتعدّىٰ عن موردها.

[مسألة 20: لا يصحّ نكاح الحمل و إنكاحه و إن علم ذكوريته أو أُنوثيته]

[3853] مسألة 20: لا يصحّ نكاح الحمل و إنكاحه و إن علم ذكوريته أو أُنوثيته، و ذلك لانصراف الأدلّة [1] (1). كما لا يصحّ البيع أو الشراء منه و لو بتولِّي الوليّ، و إن قلنا بصحّة الوصيّة له عهدية، بل أو تمليكية أيضاً (2).

____________

(1) الصحيح في التعليل أن يقال: إنّ أدلّة المقام لا إطلاق لها يشمل الحمل، فإنّ الآيات الكريمة و النصوص الواردة في النكاح جوازاً و منعاً، واردة في الإنسان الخارجي، أعني ما هو بالفعل متصف بالإنسانية كالرجل و المرأة و الصغير و البالغ و العبد و الأمة، و من الواضح عدم صدق شي‌ء من هذه العناوين على الحمل.

إذن فليس هناك إطلاق يشمل الحمل، كي يدعى انصرافه عنه. و من هنا فيحكم بالبطلان، لعدم الدليل عليه من الكتاب أو السنة، و عدم جريان بناء العقلاء على إنكاح الحمل.

(2) فإنه لا يمكن قياس التزويج بالوصيّة، حيث إن المعتبر في الوصيّة لما كان هو وجود الموصى له، وقع الخلاف بينهم في كفاية الوجود في بطن الام حملًا، و عدمها و اعتبار وجوده في الخارج. فمنهم من ذهب إلى الأوّل، لإطلاقات أدلّة الصحّة. و منهم من ذهب إلى الثاني، لاعتبار كون المالك إنساناً خارجياً، فلا ينفع كونه حملًا. و هذا بخلاف التزويج، حيث قد عرفت أن أدلّة النكاح قاصرة الشمول للحمل نكاحاً و إنكاحاً.

ثمّ إنّ الفرق بين الوصيّة العهدية و التمليكية في الأثر، إنما يظهر فيما إذا حكمنا ببطلانها.

ففي الأوّل يحكم بلزوم صرف المبلغ الموصى به في أقرب الأُمور بالفعل المعيّن و ذلك لعدم انتقاله إلى ملك الورثة حيث إن الإرث إنما يكون بعد الوصيّة، بل يبقى على ملك الميت بحكم قانون الوصيّة، فإذا لم يمكن صرفه في المورد المعيّن صرف في أقرب الموارد بالقياس إليه.

____________

[1] الظاهر أنه لا يوجد إطلاق يعم نكاح الحمل حتى يدّعي انصرافه.

170

[مسألة 21: لا يشترط في النِّكاح علم كل من الزوج و الزوجة بأوصاف الآخر ممّا يختلف به الرغبات]

[3854] مسألة 21: لا يشترط في النِّكاح علم كل من الزوج و الزوجة بأوصاف الآخر (1) ممّا يختلف به الرغبات، و تكون موجبة لزيادة المهر أو قلّته فلا يضرّ بعد تعيين شخصها الجهل بأوصافها. فلا تجري قاعدة الغرر هنا (2).

____________

و هذا بخلاف الثانية، حيث يرجع الموصى به إلى الورثة، نظراً لبطلان التمليك الذي حققه الميت فلم يكن قد خرج عن ملكه بذلك التصرف، و حيث إنه لم يبقه في ملكه و لم يحبسه لنفسه لعدم وجود وصيّة اخرى، يكون حاله حال سائر أمواله ينتقل على حد باقي أمواله إلى ورثته.

(1) بلا خلاف فيه و لا إشكال بين الأصحاب، بل ادعى في الجواهر الضرورة عليه (1). و تدلّ عليه السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام)، فإنها قائمة على الجواز من دون ردع.

(2) هذه القاعدة ثابتة في البيع بلا خلاف فيه، سواء تمّ النبوي المشهور (نهى النبيّ عن بيع الغرر) أم لم يتمّ. و أما شمولها لغيره من المعاملات، فهو مورد بحث و كلام بين الأصحاب، و لا دليل عليه سوى ما ذكره العلامة (قدس سره) في التذكرة من (أن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) نهى عن الغرر) (2) لكنه لم يثبت.

و كيف كان، فلا مجال للتعدي إلى النكاح، لأنه ليس من العقود المعاوضية التي يراد منها تبديل الأعيان مع الاحتفاظ على المالية، و إنما هو علقة خاصة قائمة بين الرجل المعيّن و المرأة المعيّنة، و لذا يصح العقد من غير مهر على الإطلاق. نعم، يثبت مهر المثل عند الدخول بها، إلّا أنه غير العقد، فإنه يصحّ من دونه.

و على هذا الأساس لم يلتزم أحد بثبوت الخيار في المهر له أو لها، فيما إذا تبين زيادة المسمّى عن مهر المثل أو نقصانه عنه، بدعوى الغبن.

____________

(1) الجواهر 29: 157.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 584 587.

171

[فصل في مسائل متفرِّقة]

فصل في مسائل متفرِّقة

[الأُولىٰ: لا يجوز في النِّكاح دواماً أو متعة اشتراط الخيار في نفس العقد]

[3855] الأُولىٰ: لا يجوز في النِّكاح دواماً أو متعة اشتراط الخيار في نفس العقد، فلو شرطه بطل (1).

____________

فصل في مسائل متفرقة

(1) بلا خلاف فيه، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب. و قد نسب إلى بعضٍ القول بجوازه، إلّا أنه لم يعرف قائله. و يدلّ عليه:

أوّلًا: أن جعل الخيار إنما يصحّ فيما إذا كان اللّزوم من حقوق المتعاقدين أو أحدهما. و أما إذا كان ذلك من الأحكام الشرعية، فليس لهما اشتراط الخيار، لأنه من تغيير الحكم الشرعي و أمره بيد الشارع، و ليس للمكلف فيه صلاحية نفياً أو إثباتاً نظير اشتراط اللّزوم في العقود الجائزة. و حيث إن اللّزوم في النكاح من الأحكام الشرعية، فإن الزواج مستمر إلى تحقق ما يرفعه من الموت أو الطلاق أو انقضاء المدّة أو الإبراء في العقد المنقطع، فلا يرتفع باشتراط الخيار فيه. و الذي يكشف عن كون اللزوم في النكاح من الأحكام، أنه لو كان من الحقوق لهما لوجب الالتزام بصحّة الإقالة فيه كما هو الحال في البيع، و الحال أنها غير جائزة فيه بلا خلاف.

ثانياً: أن جعل الخيار لما كان يرجع إلى تحديد المنشأ و توقيته بعدم الفسخ لامتناع الإهمال و عدم معقولية الإطلاق و الشمول لما بعد الفسخ على ما تقدّم بيانه مفصلًا في كتاب البيع كانت الزوجية مقيدة و مؤقتة بقبل الفسخ لا محالة، و إذا كانت كذلك حكم ببطلانه، لأن تحديد الأجل بنحو لا يقبل الزيادة و النقصان من أركان العقد المنقطع، و هو مفقود في المقام بحسب الفرض، حيث إن تاريخ الفسخ مجهول.

172

و في بطلان العقد به قولان. المشهور على أنه باطل [1]. و عن ابن إدريس أنه لا يبطل ببطلان الشرط المذكور. و لا يخلو قوله عن قوّة (1) إذ لا فرق (2) بينه و بين سائر الشروط الفاسدة فيه، مع أن المشهور على عدم كونها مفسدة للعقد. و دعوى كون هذا الشرط منافياً لمقتضى العقد، بخلاف سائر الشروط الفاسدة التي لا يقولون بكونها مفسدة، كما ترى.

____________

و بعبارة اخرى: إن عقد الزواج لا يخلو بحسب ما يستفاد من الأدلة من قسمين: دائم، و منقطع، و لا ثالث لهما. و الأوّل غير متصوَّر في المقام، لاستلزام جعل الخيار التقييد. و الثاني يقتضي البطلان، لفقده ركناً من أركانه، و هو تحديد الأجل بنحو لا يقبل الزيادة أو النقصان.

(1) في القوة إشكال بل منع، و الصحيح ما ذهب إليه المشهور.

و الوجه فيه يظهر مما تقدّم في الوجه الثاني من وجهي بطلان الشرط نفسه، فإن الزوجية حينئذ ليست بدائمة، لمكان جعل الخيار و ليس الأجل فيها محدوداً بحد معلوم و مضبوط، فيحكم بفسادها، نظير ما لو قالت: زوّجتك نفسي إلى مجي‌ء ولدي من السفر.

(2) الفرق بين النكاح و غيره يظهر مما قدمناه. فإن هذا الشرط موجب لبطلانه من جهة استلزامه لفقد ركن من أركان العقد، و هذا لا يأتي في سائر العقود، حيث قد عرفت فيما تقدّم أنه إنما يرجع إلى تعليق الالتزام بترتيب الآثار على العقد على وجود الشرط و تحققه، فلا يوجب فساده فساد العقد.

____________

[1] و هو الصحيح، و الفرق بينه و بين سائر الشروط الفاسدة هو أنّ اشتراط الخيار يرجع إلى تحديد الزوجية بما قبل الفسخ لا محالة، و هو ينافي قصد الزواج الدائم أو المؤجّل إلى أجل معلوم، و هذا بخلاف سائر الشروط الفاسدة، فإنها بحسب الارتكاز العرفي لا ترجع في خصوص النكاح إلى جعل الخيار على تقدير التخلّف، و إنما ترجع إلى تعليق الالتزام بترتيب الآثار على وجود الشرط، ففسادها لا يسري إلى العقد.

173

و أمّا اشتراط الخيار في المهر فلا مانع منه (1) و لكن لا بدّ من تعيين مدّته [1] (2). و إذا فسخ قبل انقضاء المدّة، يكون كالعقد بلا ذكر المهر، فيرجع إلى مهر المثل (3). هذا في العقد الدائم الذي لا يلزم فيه ذكر المهر. و أما في المتعة حيث أنها لا تصحّ بلا مهر، فاشتراط الخيار في المهر فيها مشكل (4).

[الثانية: إذا ادعى رجل زوجية امرأة فصدّقته]

[3856] الثانية: إذا ادعى رجل زوجية امرأة فصدّقته، أو ادعت امرأة زوجية رجل فصدّقها، حكم لهما بذلك في ظاهر الشرع، و يترتب جميع آثار الزوجية بينهما، لأنّ الحق لا يعدوهما (5)

____________

(1) بلا خلاف فيه. و الوجه فيه أن المهر ليس بركن في العقد، و لذا يصحّ من دونه ابتداءً، فلا محذور في جعل الخيار فيه.

(2) لم يظهر لنا وجه هذا الاشتراط، فإنه لا فرق بين النكاح و غيره من العقود حيث يصحّ جعل الخيار فيه من غير اشتراط لتعيين المدة.

نعم، يعتبر فيه أن لا يكون مجهولًا مطلقاً و مبهماً من جميع الوجوه، بأن يجعل لنفسه الخيار في ساعة ما فقط من غير تعيين لتلك الساعة، فإنه يبطل لعدم قابليته للجعل، باعتبار أنه لا واقع له و لا تعيين حتى في علم اللّٰه سبحانه. و أما لو كان معيناً نوع تعيين و لو بجعله إلى الأبد و ما داما حيين، فلا مانع من الالتزام بصحته من دون اعتبار لتحديده زماناً بحدّ معين و مضبوط. و لعل هذا هو مقصود الماتن (قدس سره) في المقام.

(3) فيما إذا دخل بها و لم يتراضيا على مسمّى غير الأوّل.

(4) بل ممنوع، لأن مرجعه إلى دوران العقد بين وجود المهر فيه و خلوه عنه، و هو موجب للبطلان فيه، لاعتبار ذكر المهر و الأجل فيه إجماعاً.

(5) كما تقتضيه السيرة العقلائية القطعية من جميع الطوائف و المذاهب بلا خلاف فيه، كما هو الحال في دعوى النسب.

____________

[1] فيه إشكال بل منع.

174

و لقاعدة الإقرار (1). و إذا مات أحدهما ورثه الآخر. و لا فرق في ذلك بين كونهما بلديين معروفين أو غريبين.

و أما إذا ادعى أحدهما الزوجية و أنكر الآخر، فيجري عليهما قواعد الدعوى فإن كان للمدعي بيّنة، و إلّا فيحلف المنكر أو يردّ اليمين، فيحلف المدعي و يحكم له بالزوجية، و على المنكر ترتيب آثاره في الظاهر (2). لكن يجب على كلّ منهما

____________

(1) التمسك بهذه القاعدة لإثبات الزوجية في المقام غير واضح، فإنها إنما تختص بما يكون على المقرّ و يعتبر ضرراً عليه، و لا تشمل ما لا يكون كذلك أو يكون فيه نفع له. و من هنا فحيث إنَّ للزوجية نوعين من الأثر ما يكون على الزوج أو الزوجة، و ما يكون لهما بالقياس إلى الآخر، فلا مجال لإثباتها بالإقرار، و إنما يثبت بإقرارهما ما يكون عليهما خاصة من دون ما يكون لهما.

فبإقرار الزوج يثبت منعه من التزوج بأُمها و أُختها و بنتها و تلزمه نفقتها، إلى غير ذلك مما يكون عليه من الآثار. و أما جواز وطئه لها فلا يثبت بإقراره، لأنه ليس من الإقرار على نفسه.

و هكذا بالنسبة إلى الزوجة، فإنه إنما يؤثر في منعها من التزوج بغيره و السفر أو الخروج بغير إذنه و يلزمها تمكينه من نفسها، إلى غير ذلك من الآثار التي تكون عليها. و أما ما يكون لها من الآثار، كالدخول عليه من غير ساتر أو مطالبتها له بالنفقة، فلا يمكن إثباتها بهذه القاعدة.

و الحاصل أنه لا مجال لإثبات عنوان الزوجية بالإقرار، حيث إنه يشتمل على ما يكون للمقرّ، و إذا لم يثبت ذلك فلا مجال لترتيب جميع الآثار كالإرث و نحوه عليه و إنما يثبت به خصوص ما يكون على المقرّ. و من هنا فالصحيح في إثبات الزوجية في المقام، هو الاستدلال بأن الحق لا يعدوهما، على ما تقتضيه السيرة العقلائية في التزويج و النسب.

(2) فإنّ حكم الحاكم لا يبدل من الواقع شيئاً، على ما تدلّ عليه جملة من النصوص، فلا يكون غير الزوج بموجب حكم الحاكم زوجاً و لا غير الزوجة زوجة، و إنما القضاء لفصل الخصومة ظاهراً مع بقاء الواقع على حاله.

175

العمل على الواقع فيما بينه و بين اللّٰه (1).

و إذا حلف المنكر حكم بعدم الزوجية بينهما، لكن المدّعى مأخوذ بإقراره المستفاد من دعواه (2). فليس له إن كان هو الرجل تزويج الخامسة، و لا أُم المنكرة و لا بنتها مع الدخول بها، و لا بنت أخيها أو أُختها إلّا برضاها، و يجب عليه إيصال المهر إليها (3). نعم، لا يجب عليه نفقتها، لنشوزها بالإنكار (4).

و إن كانت هي المدعية لا يجوز لها التزويج بغيره إلّا إذا طلّقها [1] (5) و لو بأن

____________

(1) لما عرفت في التعليقة المتقدِّمة، من أن حكم الحاكم لا يغير و لا يبدل من الواقع شيئاً.

(2) فإنه نافذ في حقه و إن لم يتمكن من إثباته خارجاً.

(3) في العبارة مسامحة أو غفلة واضحة. فإن الزوج غير ملزم بالمهر بموجب إقراره، لأن إقراره بكونه مديناً للمرأة بالمهر معارض بإقرارها بعدم استحقاق شي‌ء عليه، و بذلك يسقط الإقراران و لا يثبت عليه شي‌ء.

نعم، لو علم الرجل فيما بينه و بين اللّٰه ثبوت الزوجية و صدق مدعاه، وجب عليه إيصال المهر إليها، باعتبار أنها مالكة له بالعقد، إلّا أن هذا غير الثبوت بالإقرار، كما هو أوضح من أن يخفى.

و الحاصل أن ذكر وجوب إيصال المهر في عداد ما يلزم الرجل بإقراره، مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنه غير ملزم به بمجرد الإقرار، و إن كان يجب عليه ذلك إذا علم فيما بينه و بين اللّٰه بزوجيتها له.

(4) حيث إنّ المستفاد من جملة من النصوص، أنّ الملاك في ثبوت النفقة إنما هو كون المرأة في بيت الزوج و تحت سلطانه، فإذا خرجت عن ذلك و لو بإنكارها للزوجية لم تستحق النفقة.

(5) أو طلقها الحاكم الشرعي بعد رفعها لأمرها إليه و امتناع الرجل عن الطّلاق و ذلك لكونه ممتنعاً عن الإنفاق، و المرأة لا تبقى بلا زوج على ما ورد في بعض النصوص.

____________

[1] و أمّا إذا امتنع عن الطّلاق فللحاكم الشرعي أن يطلِّقها.

176

يقول: (هي طالق إن كانت زوجتي) (1). و لا يجوز لها السفر [1] من دون إذنه (2). و كذا كلّ ما يتوقف على إذنه.

و لو رجع المنكر إلى الإقرار، هل يسمع منه و يحكم بالزوجية بينهما؟ فيه قولان، و الأقوى السماع [2] (3) إذا أظهر عذراً لإنكاره، و لم يكن متهماً، و إن

____________

(1) إذ قد عرفت فيما تقدّم أن مثل هذا التعليق لا يضرّ بصحّة العقد.

(2) فيه إشكال، بل منع.

فإن عدم جواز ذلك للزوجة إنما هو من جهة مزاحمته لحق، و لذا فلو لم تكن هناك مزاحمة لحقه كما لو كان مسافراً لم يتوقف جواز سفر المرأة على إذنه. و حيث إنه لا مزاحمة في المقام، باعتبار أن الرجل لا يرى حقاً لنفسه فيها، فلا وجه للحكم بتوقف جوازه على إذنه.

و مما تقدّم يظهر الحال فيما أفاده (قدس سره) بعد هذا، من عدم جواز كل ما يتوقّف على إذنه بالنسبة إليها.

(3) في إطلاقه إشكال، بل منع.

فإن الإقرار بعد الإنكار و إن كان مسموعاً باعتبار أنه حجة مطلقاً فيتقدم على حكم الحاكم و البيّنة، إلّا أن ذلك لا يعني ثبوت الزوجية بجميع ما لها من الآثار في المقام، و إنما يثبت به خصوص الآثار التي تكون عليه دون ما يكون له، نظراً إلى أنه بإنكاره الأوّل قد اعترف بعدم استحقاقه على الآخر، فإذا رجع عن إنكاره كان ذلك بالنسبة إلى ما اعترف بعدم استحقاقه، رجوعاً عن الإنكار و ادعاءً محضاً فلا يسمع كما هو مقرر في باب القضاء بلا فرق بين أن يكون قد أظهر عذراً و أن يكون‌

____________

[1] فيه و فيما بعده إشكال.

[2] هذا بالإضافة إلى الحقوق التي ادعيت عليه، و الظاهر أنه لا يعتبر في سماعه حينئذ أن يظهر عذراً لإنكاره و أن لا يكون متّهماً، و أمّا بالإضافة إلى حقوقه على المدّعى ففي سماعه إشكال و كذلك الحال فيما إذا رجع المدّعى عن دعواه و كذب نفسه، بلا فرق بين الرجوع قبل إقامة البيِّنة و الرجوع بعدها.

177

كان ذلك بعد الحلف. و كذا المدّعى إذا رجع عن دعواه و كذّب نفسه (1). نعم يشكل السماع منه إذا كان ذلك بعد إقامة البيّنة منه على دعواه (2) إلّا إذا كذبت البيّنة أيضاً نفسها.

[الثالثة: إذا تزوّج امرأة تدعي خلوّها عن الزوج]

[3857] الثالثة: إذا تزوّج امرأة تدعي خلوّها عن الزوج، فادعى زوجيتها رجل آخر، لم تسمع دعواه إلّا بالبيِّنة [1] (3). نعم، له مع عدمها على كلّ منهما

____________

متّهماً أم لا.

نعم، لو قامت القرينة الخارجية على أن إنكاره الأوّل كان صورياً من دون أن يكون له واقع، ففي قبول إقراره بعد ذلك خلاف بينهم، و قد تقدّم مثله في مدعي الإقرار مواطاة.

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

فإن ادعاء الرجل مثلًا لزوجية امرأة، يشتمل على اعتراف منه بعدم جواز تزوجه من أُمّها، و أُختها، و بنتها إذا كان قد دخل بها. و معه كيف يمكن أن يقال بجواز ذلك بمجرّد إنكاره و رجوعه عن اعترافه، فإن الإقرار حجة عليه في جميع التقادير و لا مجال لرفع اليد عنه. و هكذا بالنسبة إلى المرأة لو كانت هي المدعية.

فالصحيح هو التفصيل بين ما يكون عليه و ما يكون له، فيثبت الأوّل خاصة لأن الإقرار حجة على جميع التقادير، دون الثاني لكونه دعوى بعد الإقرار فلا أثر له و لا يسمع.

(2) ظهر مما تقدّم أنه لا فرق في الحكم بين رجوعه قبل إقامة البينة و بعدها، فإنّ سماعة إنما يختص بما يكون عليه دون ما له.

(3) على ما تقتضيه إطلاقات و عمومات القضاء. فإن مقتضاها عدم قبول قول‌

____________

[1] و الظاهر أنه حينئذ ليس له إحلاف الزوج و لا الزوجة، أما الزوج فيكفي له عدم علمه بالحال، و أما الزوجة فلأنّ اعترافها بالزوجية لا أثر له حتى يكون لحلفها أثر، و بذلك يظهر الحال في بقيّة المسألة.

178

اليمين (1).

____________

المدّعى من غير بيِّنة، لا سيما بعد كون المرأة مصدقة في دعواها، كما دلّت عليه جملة من النصوص (1).

مضافاً إلى مكاتبة الحسين بن سعيد الواردة في خصوص المقام، أنه كتب إليه يسأله: عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان، فسألها: لك زوج؟ فقالت: لا فتزوّجها ثمّ إن رجلًا أتاه فقال: هي امرأتي، فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج؟ فقال: «هي امرأته إلّا أن يقيم البيّنة» (2).

(1) و للنظر في ذلك مجال واسع، فإن الظاهر من مكاتبة الحسين بن سعيد المتقدِّمة أن القضاء في المقام منحصر بالبيّنة، بحيث لا يمكن الحكم بزوجيتها للمدعى إلّا بها.

و الوجه فيه أنه لا مجال لوصول النوبة في المقام إلى اليمين، إذ الزوج ليس منكراً لما يدعيه الآخر كي يتوجه إليه اليمين، فإنه لا يدعي إلّا زوجية المرأة له استناداً إلى العقد عليها و المحكوم بالصحّة بحسب الظاهر، لدعواها خلوها من البعل مع كونها مصدقة في ذلك شرعاً، و من دون أن ينفي ما يدعيه الآخر واقعاً.

و من هنا فليس هو بمنكر كي يلزمه الحلف بمقتضى قواعد القضاء، بل يكفيه في ترتيب آثار الزوجية عليها مجرد جهله بالحال و الواقع، كما هو مفروض الكلام.

و كذا الحال بالنسبة إلى المرأة. فإن اليمين إنما يتوجه على المنكر فيما إذا كان لاعترافه أثر، بحيث لو أقرّ لكان إقراره مسموعاً، فإذا لم يكن كذلك فلا وجه لتحليفه عند الإنكار. و حيث إنه لا أثر لاعتراف المرأة في المقام على ما سيأتي بيانه فلا معنى لتكليفها باليمين عند إنكارها.

و بعبارة اخرى: إنّ المرأة في المقام لو لم تحلف و ردّت اليمين إلى المدعي فحلف، لم يكن للحاكم الحكم بزوجيتها للمدعي، نظراً لكونها زوجة للغير ظاهراً، فلا يسمع‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 10.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 23 ح 3.

179

فان وجّه الدعوى على الامرأة فأنكرت و حلفت، سقط دعواه عليها (1). و إن نكلت أو ردّت اليمين عليه فحلف، لا يكون حلفه حجة على الزوج، و تبقى على زوجية الزوج مع عدمها (2) سواء كان عالماً بكذب المدّعى أو لا، و إن أخبر ثقة واحد بصدق المدّعى، و إن كان الأحوط حينئذ طلاقها (3).

فيبقى النزاع بينه و بين الزوج، فإن حلف سقط دعواه بالنسبة إليه أيضاً. و إن نكل أو ردّ اليمين عليه فحلف، حكم له بالزوجية إذا كان ذلك بعد أن حلف في الدعوى على الزوجية بعد الردّ عليه، و إن كان قبل تمامية الدعوى مع الزوجة. فيبقى النزاع بينه و بينها، كما إذا وجّه الدعوى أوّلًا عليه.

____________

إقرارها المنافي لذلك، و بهذا الملاك ليس للحاكم تحليفها باعتبار أنه ليس لها الإقرار بذلك.

و الحاصل أن مثل هذه الدعوى لا تنفصل إلّا بالبيّنة، فإن أقامها المدعي فهو، و إلّا فلا أثر لإقرارها أو يمينها.

و من هنا يظهر الحال فيما رتبه (قدس سره) من الفروع على هذا الحكم.

(1) يظهر من عبارته (قدس سره) هذه و ما يأتي في جانب النزاع مع الزوج، أن في المقام دعويين، إحداهما متوجهة نحو الزوج و الأُخرى نحو الزوجة، و إنّ لكل دعوى حكمها. إلّا أنّ الحال في ذلك يظهر مما تقدّم في التعليقة المتقدِّمة.

(2) أي عدم البيّنة للمدعي.

(3) استدلّ عليه في الكلمات بموثقة سماعة، قال: سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه امرأتي و ليست لي بيّنة، فقال: «إن كان ثقة فلا يقربها، و إن كان غير ثقة فلا يقبل منه» (1).

إلّا أن هذه الموثقة أجنبية عن محلّ الكلام، و لا دلالة لها على المدعى، فإنها إنما تتضمّن لزوم المفارقة فيما إذا كان المدعي هو ثقة، و الحال إن المدعى استحباب الطلاق‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 23 ح 2.

180

و الحاصل أن هذه الدعوى على كل من الزّوج و الزّوجة، فمع عدم البيّنة إن حلفا سقط دعواه عليهما، و إن نكلا أو ردّ اليمين عليه فحلف ثبت مدعاه.

و إن حلف أحدهما دون الآخر، فلكلٍّ حكمه. فإذا حلف الزوج في الدعوى عليه فسقط بالنسبة إليه. و الزوجة لم تحلف بل ردت اليمين على المدعي أو نكلت و ردّ الحاكم عليه فحلف، و إن كان لا يتسلط عليها لمكان حق الزوج، إلّا أنه لو طلقها أو مات عنها ردّت إليه، سواء قلنا أن اليمين المردودة بمنزلة الإقرار، أو بمنزلة البيّنة، أو قسم ثالث. نعم، في استحقاقها النفقة و المهر المسمّى على الزوج إشكال (1) خصوصاً إن قلنا أنه بمنزلة الإقرار أو البيّنة.

هذا كلّه إذا كانت منكرة لدعوى المدعي. و أما إذا صدقته و أقرّت بزوجيّته فلا يسمع بالنسبة إلى حق الزوج (2) و لكنّها مأخوذة بإقرارها، فلا تستحق

____________

فيما إذا كان للمدعي شاهد ثقة.

و كيف كان، فهذه الرواية و إن كانت موثقة من حيث السند، إلّا أنه لا بدّ من رد علمها إلى أهله، و ذلك للقطع ببطلان مضمونها.

إذ المراد من قوله (عليه السلام): «فلا يقربها» إن كان هو ترتب جميع آثار الزوجية عليها ما عدا وطأها، فمقطوع البطلان من جهة استلزامه الأمر بترك الواجب، أعني وطأها كل أربعة أشهر مرّة. و إن كان هو بطلان الزوجية و تقديم قول المدعي، كما يشهد له قوله (عليه السلام) في فرض عدم كون المخبر ثقة: «فلا يقبل منه» فمقطوع البطلان من جهة أن الدعاوي لا تثبت إلّا بالبيّنة أو اليمين، إذ القضاء لا يكون إلّا بهما كما تدلّ عليه جملة من النصوص، فلا فرق بين كون المدعي ثقة و عدمه.

و الحاصل أنه لا مجال للمساعدة على ظاهر الرواية و لا بدّ من ردّ علمها إلى أهله للقطع ببطلانه، و لأجل هذا حملها غير واحد من الأصحاب على الاستحباب و لا بأس به احتياطاً و رجاءً.

(1) يظهر الحال فيه أيضاً مما تقدّم في توجه اليمين عليها و قبول إقرارها.

(2) لكونها إقراراً و اعترافاً في حق الغير، فلا يسمع و لا يثبت به بطلان الزوجية‌

181

النفقة [1] على الزوج، و لا المهر المسمّى (1) بل و لا مهر المثل إذا دخل بها، لأنها بغية بمقتضى إقرارها، إلّا أن تظهر عذراً في ذلك. و تردّ على المدعي بعد موت الزوج أو طلاقه إلى غير ذلك.

[الرابعة: إذا ادعى رجل زوجية امرأة و أنكرت]

[3858] الرابعة: إذا ادعى رجل زوجية امرأة و أنكرت، فهل يجوز لها أن تتزوّج من غيره قبل تمامية الدعوى مع الأوّل، و كذا يجوز لذلك الغير تزويجها أوْ لا إلّا بعد فراغها من المدعي؟

____________

المحكومة بالصحّة ظاهراً.

(1) إن كان المراد بذلك أنه ليس للمرأة مطالبة الزوج بالمهر و النفقة، فهو صحيح و لا بأس به. و أما إذا كان المراد به عدم ثبوت المهر و النفقة واقعاً، بحيث يكون للزوج الامتناع عن إعطائها ذلك كما هو ظاهر عبارته (قدس سره)، فهو في غاية الإشكال و لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

و السر فيه أن الزوج حينئذ يعلم إجمالًا بحرمة الوطء أو وجوب دفع النفقة و المهر، و هو يمنع من وطئها من دون المهر و النفقة، لاستلزامه المخالفة القطعية و القطع بارتكابه المحرم، و من هنا فلا يجوز له وطؤها إلّا بدفع المهر و النفقة.

نعم، لا أثر لهذا العلم الإجمالي من جهة بطلان العقد و عدم جواز وطئه لها، إذ المفروض أن العقد محكوم بالصحّة ظاهراً، فيجوز له وطؤها، غاية الأمر أنه ملزم بدفع المهر و النفقة إليها و إن لم يكن لها هي المطالبة بهما.

و الحاصل أن المرأة حينئذ إنما لا تستحق المطالبة بهما، و إلّا فالزوج ملزم بتسليمها إليها، فراراً من المخالفة القطعية للمعلوم إجمالًا.

____________

[1] لعلّه يريد بذلك أنها لا تستحق مطالبة النفقة و المهر لاعترافها بأنها بغية، و أما الزوج فيجب عليه النفقة و المهر، فإن الحكم بجواز الوطء مع عدم وجوب النفقة و المهر مخالف للتكليف المعلوم إجمالًا، لكن قيام الحجّة على صحّة العقد يوجب انحلال العلم، فإذا صحّ العقد وجبت النفقة و المهر لا محالة.

182

وجهان: من أنها قبل ثبوت دعوى المدعي خلية و مسلطة على نفسها. و من تعلق حق المدعي بها، و كونها في معرض ثبوت زوجيتها للمدعي. مع أن ذلك تفويت حق المدعي إذا ردّت الحلف عليه و حلف، فإنه ليس حجة على غيرها (1) و هو الزوج. و يحتمل التفصيل (2) بين ما إذا طالت الدعوى فيجوز، للضرر عليها بمنعها حينئذ، و بين غير هذه الصورة. و الأظهر الوجه الأوّل (3).

و حينئذ فإنْ أقام المدعي بيِّنة و حكم له بها، كشف عن فساد العقد عليها.

____________

(1) لكونه إقراراً في حق الغير فلا يسمع، فإن اليمين المردودة إنما تؤثر بالنسبة إلى المنكر خاصة، و لا تزاحم حق الغير.

(2) الظاهر أن مفروض كلامهم فيما إذا لم يكن الرجل مماطلًا و ممتنعاً من القضاء بحيث تطول الدعوى، و إلّا فلا ينبغي الشك في الجواز، فإن المرأة لا تبقى معطلة و بلا زوج على ما دلّت عليه النصوص.

(3) لبطلان الوجوه التي استدلّ بها على المنع. فإنّ مانعية الوجه الأوّل و الثاني مصادرة على المدّعى، فإنها أوّل الكلام و عين محل النزاع. و الوجه الثالث لم يظهر له معنى محصل، فإنّ دعوى المدعي لا تسقط بالتزويج جزماً، بل له الترافع إلى الحاكم حتى بعد تزويجها من غيره.

نعم، تزوّجها من غيره يوجب عجزه عن إثبات مدعاه فيما إذا لم تكن له بيّنة، لأنه حينئذ ليس له إحلافها على ما اخترناه، باعتبار أن توجّه اليمين فرع قبول الإقرار فإذا لم يكن إقرارها مسموعاً لم يكن معنى لتوجه اليمين إليها. و كذا بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من توجه اليمين إليها، فإنها إن حلفت انفسخت دعواه، و إن نكلت وردت اليمين إليه فحلف لم يقتض ذلك بطلان الزوجية الثابتة ظاهراً، لأنه من قبيل الإقرار من حق الغير.

إلّا أن ذلك لا محذور فيه، لعدم الدليل على عدم جواز تعجيز المدعي عن إثبات دعواه، و كون الدعوى مانعاً من تصرف المكلف في ماله أو نفسه.

183

و إن لم يكن له بيّنة و حلفت، بقيت على زوجيتها [1]. و إن ردت اليمين على المدعى و حلف، ففيه وجهان (1): من كشف كونها زوجة للمدعي فيبطل العقد عليها. و من أن اليمين المردودة لا يكون مسقطاً لحق الغير و هو الزوج. و هذا هو الأوجه فيثمر فيما إذا طلّقها الزوج أو مات عنها، فإنها حينئذ تردّ على المدعي. و المسألة سيالة تجري في دعوى الأملاك و غيره أيضاً (2)، و اللّٰه أعلم.

____________

و من هنا فالظاهر أنه لا مانع من تزوّجها من غيره و تزوّج الغير منها، نظراً إلى حجية قولها في كونها خلية كما دلّت عليه جملة من النصوص، فيصح و إن أوجب ذلك عجز المدعي عن إثبات مدعاه باليمين المردودة.

(1) قد عرفت فيما تقدّم أنه لا وجه لتوجه اليمين عليها، كما لا أثر لحلف المدعي بعد ردّها اليمين عليه.

(2) إلّا أن بين الزوجية و غيرها فرقاً واضحاً. فإن في غير الزوجية يمكن للمدعي عند عدم البيّنة إثبات دعواه باليمين المردودة، و هذا بخلاف الحال في الزوجية، حيث قد عرفت أنه لا مجال لإثباتها بها.

و من هنا فلو فرضنا أن من بيده الدار مثلًا قد باعه، حكم بصحته لقاعدة اليد.

إلّا أن ذلك لا يوجب سقوط دعوى المدّعى، بل له الترافع لدى الحاكم. و حينئذ فإنّ أقام بيّنة على مدعاه حكم ببطلان البيع، لظهور عدم كون البائع مالكاً، و إلّا كان له إحلاف المنكر البائع فإن حلف سقطت دعواه و إلّا كان له ردّ اليمين على المدعي، فإن حلف كان أثره تغريم البائع قيمة الدار لإتلافه عليه فيكون ضامناً له دون شخص العين المبيعة إذ لا أثر لاعترافه بالنسبة إليها، لكونه من الاعتراف في حق الغير المشتري.

____________

[1] تقدّم أنّ الحلف لا يتوجّه على الزوجة بعد التزويج كما هو المفروض هنا حيث لا موضوع لحلفها، فإنّ موضوعه إنما هو فيما إذا كان لاعترافها أثر و لا أثر له في المقام، و بذلك يظهر حال اليمين المردودة.

184

[الخامسة: إذا ادعى رجل زوجية امرأة فأنكرت، و ادعت زوجيته امرأة أُخرى]

[3859] الخامسة: إذا ادعى رجل زوجية امرأة فأنكرت، و ادعت زوجيته امرأة أُخرى، لا يصحّ شرعاً زوجيتها لذلك الرجل مع الامرأة الأُولى، كما إذا كانت أُخت الأُولى أو أُمها أو بنتها.

فهناك دعويان، إحداهما: من الرجل على الامرأة، و الثانية: من الامرأة الأُخرى على ذلك الرجل. و حينئذ فإما أن لا يكون هناك بيّنة لواحد من المدعيين، أو يكون لأحدهما دون الآخر، أو لكليهما.

فعلى الأوّل يتوجّه اليمين على المنكر في كلتا الدعويين، فإن حلفا سقطت الدعويان (1). و كذا إن نكلا، و حلف كل من المدعيين اليمين المردودة (2). و إن حلف

____________

و هذا بخلاف الزوجية، حيث لا أثر لاعتراف المنكر المرأة بالنسبة إلى الزوجية الفعلية، سواء أ كان الاعتراف صريحاً أم من جهة ردّها اليمين على المدّعى، لكونه اعترافاً في حق الغير فلا يسمع.

نعم، ذكر أن أثره يظهر فيما لو مات الزوج الظاهري أو طلقها حيث ترجع إلى المدعي، إلّا أن ذلك مسألة أُخرى غير ما نحن فيه. بخلاف الأموال، حيث يُسمع فيها إقرار المنكر، و في حكمه حلف المدعي عند رده عليه، لكن لا أثر له بالنسبة إلى العين المنتقلة إلى الغير، و إنما يثبت له بذلك المثل أو القيمة.

(1) على ما تقتضيه قواعد القضاء.

(2) و ذلك لأنه لو نكل الرجل عن أداء اليمين و ردّها إلى المدعي المرأة التي ادعت زوجيتها له فحلف، و نكلت المرأة الأُولى التي ادعى الرجل زوجيتها عن أداء اليمين و ردّتها إلى المدعي الرجل فحلف، كان مقتضى القاعدة ثبوت مدعى كلّ من المدعيين.

لكن في خصوص المقام لما لم يمكن الجمع بينهما، لاستلزامه الجمع بين الأُختين أو الأُم و البنت و هو ممنوع، و لم يكن مرجح لإحدى الزوجتين على الأُخرى، تعيّن تساقطهما لا محالة.

185

أحدهما، و نكل الآخر و حلف مدعية اليمين المردودة، سقطت دعوى الأوّل و ثبت مدعى الثاني (1).

____________

فإن قلت: إنّ حلف المدعي الأوّل اليمين المردودة عليه، يمنع من ردّ المنكر الثاني اليمين على المدعي الآخر. فإن الرجل مثلًا بعد أدائه لليمين المردودة من المرأة التي يدعي هو زوجيتها، لم يكن له ردّ اليمين المتوجه إليها نتيجة لإنكاره دعوى المرأة الثانية التي تدعى هي زوجيتها له، و ذلك لأنه لا أثر لهذه اليمين المردودة غير تساقط الدعويين، و من الواضح أنه لا معنى للحلف من أجل تساقط الدعويين.

و على هذا فلا تصل النوبة في المقام إلى التساقط، بل تثبت الدعوى الأُولى خاصة و هي ما يدعيه الرجل في المثال دون الثانية.

قلت: إن هذه الدعوى من البعد بمكان، فإن نسبة الأدلّة الدالّة على أنّ للمدعي في فرض عدم البينة إحلافَ المنكر، و له ردّ اليمين عليه إليهما سواء، و شمولها لكلتا الدعويين على حدّ واحد، و مجرّد تقدّم إحداهما زماناً لا يوجب سقوط الحكم بالنسبة إلى الدعوى المتأخرة، بل الحكم ثابت لها حتى و إن كانت نتيجة ذلك هو التساقط، فإنّ كلّاً من الدعويين مورد للحكم و مشمول للدليل. لكن حيث لا يمكن الجمع بينهما، و لا ترجيح إحداهما على الأُخرى، تعين الالتزام بتساقطهما.

و نظير المقام ما لو ادعى اثنان مالًا في يد ثالث. فإنّ إقامة أحدهما البيّنة قبل الآخر لا يوجب سقوط دعواه و لا يمنعه من إقامة البيّنة، و ليس ذلك إلّا لكون حجية البينة بالنسبة إليهما على حد سواء، فلا وجه لأن يقال بتقديم الدعوى الاولى على الثانية، لأنه بلا مرجح إذ لا أثر لمجرّد السبق الزماني، بل تسمعان معاً و تتعارضان و نتيجة لذلك تتساقطان لا محالة.

و الحاصل أن ما أفاده الماتن (قدس سره) في المقام من التساقط هو الصحيح.

(1) على ما تقتضيه قواعد القضاء. فإن دعوى الأوّل تسقط نتيجة لعدم البينة كما هو المفروض و أداء المنكر اليمين على خلافها، و دعوى الثاني تثبت نتيجة لأداء المدعي اليمين المردودة عليه من قبل المنكر.

186

و على الثاني و هو ما إذا كان لأحدهما بينة يثبت مدعى من له البيّنة. و هل تسقط دعوى الآخر، أو يجري عليه قواعد الدعوى من حلف المنكر أو ردّه؟ قد يدعى القطع بالثاني، لأنّ كل دعوى لا بدّ فيها من البيّنة أو الحلف. و لكن لا يبعد تقوية الوجه الأوّل، لأنّ البيّنة حجّة شرعية، و إذا ثبت بها زوجية إحدى الامرأتين لا يمكن معه زوجية الأُخرى، لأن المفروض عدم إمكان الجمع بين الامرأتين، فلازم ثبوت زوجية إحداهما بالأمارة الشرعية عدم زوجية الأُخرى (1).

و على الثالث فإما أن يكون البينتان مطلقتين، أو مؤرختين متقارنتين، أو تاريخ أحدهما أسبق من الأُخرى.

فعلى الأوّلين تتساقطان، و يكون كما لو لم يكن بينة أصلا (2).

____________

(1) و الأمارات الشرعية حجة في لوازمها، سواء أ كان الشاهد و المخبر ملتفتاً إلى الملازمة أم لم يكن.

هذا و قد يقال: إن حجية البيّنة بالنسبة إلى الدعوى الثانية مبنية على الالتزام بحجية البيّنة من المنكر أيضاً، كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب و استظهرناه في محله، باعتبار أن قولهم (عليهم السلام): «و اليمين على المدعى عليه» لا يعني عدم قبول البيّنة منه، بل إنما يعني أنه ليس مطالباً بها كالمدعي، و إنما هو مطالب باليمين خاصّة، و إلّا فلو أقام هو البيّنة باختياره فهي مسموعة لإطلاقات أدلّة حجيتها. و أما بناءً على عدم قبولها منه كما عليه المشهور، فلا مجال لقبولها بالنسبة إليها، بل لا بدّ من الرجوع إلى يمين المنكر، أو اليمين المردودة منه على المدعي.

و فيه: أنّ المقام ليس من مصاديق النزاع المتقدم. فإن البيِّنة هذه ليست بيِّنة للمنكر كي يبحث في حجيتها و عدمها، و إنما هي بينة خارجية قامت على عدم مشروعية زوجية المرأة الثانية له، فلا تسمع دعواها من هذه الجهة، سواء أقلنا بحجية بيّنة المنكر أم لم نقل.

(2) لعدم إمكان الجمع بينهما، لتعارضهما و تكاذبهما، و عدم وجود مرجح لإحداهما على الأُخرى.

187

و على الثالث ترجّح الأسبق (1) إذا كانت تشهد بالزوجية من ذلك التاريخ إلى زمان الثانية. و إن لم تشهد ببقائها إلى زمان الثانية فكذلك إذا كانت الامرأتان الام و البنت مع تقدّم تاريخ البنت، بخلاف الأُختين و الأُم و البنت مع تقدّم تاريخ الام، لإمكان صحّة العقدين، بأن طلق الاولى و عقد على الثانية في الأُختين

____________

(1) و الذي ينبغي أن يقال في المقام: إن البيّنتين قد تشهدان بالعقد المجرّد خاصة من دون تعرض لاستمرار الزوجية و عدمه. و قد تشهدان بالزوجية الفعلية، بأن تشهد الاولى بالزوجية حدوثاً و استمراراً، و تشهد الثانية بها فعلًا.

ففي الفرض الأوّل حيث لا تعارض بينهما لإمكان صدقهما معاً، بأن يكون الرجل قد تزوّج من إحدى الأُختين أوّلًا ثمّ طلقها و تزوّج من الثانية، فلا محالة تترجح الثانية لأصالة الصحّة من دون معارض لها، و بذلك فيترتب على تلك المرأة جميع آثار الزوجية، كما هو واضح.

إلّا أن هذا إنما يتمّ في غير الام و البنت إذا كان عقد البنت هو الأسبق بحسب البيّنة. و أما في هذا الفرض فيحكم بفساد العقد الثاني، نظراً لخروج المرأة الثانية الأُم عن قابليتها للزوجية لذلك الرجل بمجرد العقد على المرأة الأُولى البنت فتترجح البيّنة الأولى، بل لا أثر للبينة الثانية، باعتبار أن العقد الثاني قد وقع على المرأة المحرمة أبداً.

و في الفرض الثاني تسقط البينتان بالنسبة إلى الزوجية الفعلية، نظراً لتعارضهما و تكاذبهما و عدم إمكان الجمع بينهما. و أما بالنسبة إلى الزمان السابق، فحيث إنه لا تنافي و لا تكاذب بينهما، حيث إن إحداهما تشهد بالزوجية في ذلك الزمان خاصة دون الأُخرى، يتعين العمل بمقتضاها، فتثبت زوجية تلك الأُخت في ذلك الزمان. و عليه فعند الشك في بقائها و استمرارها إلى الزمان الحالي، يستصحب بقاؤها لا محالة، و به تثبت زوجية تلك الأُخت دون الثانية.

و الحاصل أن زوجية إحدى الأُختين و إن ثبتت في المقام، إلّا أن ذلك ليس من أجل ترجح بيّنتها على بيّنة الأُخرى، لما قد عرفت من سقوطهما بالتعارض بالنسبة‌

188

و طلّق الام مع عدم الدخول بها. و حينئذ ففي ترجيح الثانية أو التساقط وجهان [1].

____________

إلى الزمان الفعلي، و إنما هو من جهة ثبوت زوجية تلك المرأة في الزمان السابق بالبينة من غير معارض، و من ثمّ استصحابها إلى زمان الشك.

لكن هذا أيضاً إنما يتم في غير الام و البنت مع كون عقد البنت هو السابق. و أما فيه فلا، نظراً لمعارضة البينة الثانية للأُولى حدوثاً و بقاءً، فإنه كما لا يمكن الجمع بين الزوجية الفعلية للأُم مع الزوجية الفعلية للبنت، لا يمكن الجمع بين زوجية الام فعلًا و زوجية البنت سابقاً.

و من هنا تكون بيّنة زوجية الام فعلًا معارضة لبينة زوجية البنت فعلًا و في السابق أيضاً، لعدم إمكان اجتماعهما، فينتهي الأمر إلى التساقط لا محالة. و بذلك يكون حكم هذه الصورة حكم الصورة الاولى من المسألة، أعني عدم وجود البيّنة لكلتا‌

____________

[1] تارة يفرض شهادة البيِّنتين على العقد و أخرى يفرض شهادتهما على الزوجية، فعلى الأوّل لا تنافي بينهما إلّا في الأُم و البنت و كان تاريخ عقد البنت مقدّماً على تاريخ عقد الأُم، و في مثله تتقدّم البيِّنة الأُولىٰ على البيِّنة الثانية لأنها ترفع موضوعها، و أما في غير الأُم و البنت كما في الأختين أو فيهما إذا كان تاريخ عقد الأُم متقدِّماً على عقد البنت، فعندئذ لا تنافي بين البيِّنتين لإمكان صحّة كلا العقدين معاً إذ من المحتمل أن يطلِّق الأُولى و يتزوّج بالأُخرى، و عليه فيؤخذ على طبق البيِّنة الثانية فيحكم بصحّة العقد على المرأة الأُخرى لأصالة الصحّة، و على الثاني فإن كانت البيِّنة الأُولى قائمة على زوجية المرأة الأُولى فعلًا فعندئذ تسقط من جهة المعارضة مع البيِّنة الثانية التي تدلّ على زوجيّة المرأة الأُخرى، فيكون المرجع في المسألة هو استصحاب بقاء زوجيّة الأُولى إلّا فيما كانت المعارضة بينهما في الأُم و البنت و كانت زوجيّة البنت متقدِّمة على زوجية الأُم، فإنّه حينئذ كما أنّ البيِّنة الثانية تعارض البيِّنة الأُولى في البقاء كذلك تعارضها في الحدوث، و عليه فبعد سقوطهما لا يمكن الرجوع إلى استصحاب بقاء زوجية الأُولى، و أمّا الرواية الواردة في المسألة فهي ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها، و بذلك يظهر ما في قول الماتن قبل أسطر: «ترجّح الأسبق إذا كانت تشهد ... إلخ»، و إن كانت البيِّنة الأُولى قائمة على زوجيّة المرأة الأُولى فحسب من دون دلالتها على أنها زوجته فعلًا فعندئذ حال هذا الفرض حال الفرض الأوّل.

189

هذا و لكن وردت رواية (1) تدلّ على تقديم بيِّنة الرجل، إلّا مع سبق بيِّنة الامرأة المدعية أو الدخول بها في الأُختين، و قد عمل بها المشهور في خصوص الأُختين، و منهم من تعدى إلى الأُم و البنت أيضاً. و لكن العمل بها حتى في موردها مشكل، لمخالفتها للقواعد، و إمكان حملها على بعض المحامل التي لا تخالف القواعد.

____________

الدعويين.

و مثله في الحكم ما لو شهدت البينة الأُولى بحدوث الزوجية للبنت في السابق و شهدت البينة الثانية بالزوجية الفعلية للُام، و ذلك لعدم إمكان الجمع بينهما كما عرفت، فينتهي الأمر إلى التساقط لا محالة.

نعم، في غير هذه الصورة أعني الأُم و البنت مع سبق عقد الثانية من فروض شهادة إحدى البيّنتين بالحدوث خاصة و شهادة الأُخرى بالزوجية الفعلية، تترجح البيّنة الثانية لا محالة، لعدم المعارضة و المنافاة بينهما فيحكم بثبوت الزوجية الفعلية التي شهدت البينة لها بذلك. و لا يعارضه استصحاب زوجية الأُولى بعد ثبوتها بالبينة في السابق، لسقوط الاستصحاب بالبينة الدالّة على ثبوت الزوجية الفعلية للثانية.

و مما ذكرنا كله يتضح الحال في الفروع التي ذكرها الماتن (قدس سره) بعد هذا.

(1) و هي ما رواها محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، و عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن علي بن الحسين (عليه السلام)، في رجل ادعى على امرأته أنه تزوّجها بولي و شهود و أنكرت المرأة ذلك، فأقامت أُخت هذه المرأة على هذا الرجل البينة أنه تزوّجها بولي و شهود و لم يوقتا وقتاً، فكتب: «إن البيّنة بيّنة الرجل، و لا تقبل بيّنة المرأة، لأن الزوج قد استحق بضع هذه المرأة، و تريد أُختها فساد النكاح، فلا تصدق و لا تقبل بيّنتها إلّا بوقت قبل وقتها أو بدخول بها» (1).

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 22 ح 1.

190

[السادسة: إذا تزوّج العبد بمملوكة ثمّ اشتراها بإذن المولى]

[3860] السادسة: إذا تزوّج العبد بمملوكة ثمّ اشتراها بإذن المولى، فإن اشتراها للمولى بقي نكاحها [1] على حاله (1).

____________

و قد رواها الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن محمّد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن عبد الوهاب بن عبد الحميد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1).

إلّا أن هذه الرواية بطريقيها ضعيفة سنداً. فإنّ علي بن محمّد القاساني ممّن ضعّفه الشيخ (قدس سره)، و محمّد بن القاسم مشترك بين الثقة و الضعيف، و عيسى بن يونس لم يوثق، و الأوزاعي و الزهري ضعيفان، و عبد الوهاب بن عبد الحميد لم يرد فيه توثيق.

و من هنا فمثل هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها بوجه، لكن لا من جهة مخالفتها للقاعدة حيث إنها ليست من الأحكام العقلية كي لا تقبل التخصيص، و إنما من جهة ضعفها سنداً.

و دعوى انجبارها بعمل المشهور، فقد عرفت عدم تماميتها كبرى غير مرّة.

هذا مضافاً إلى اختصاص الرواية بالأُختين، فلا مجال للتعدي عنها بعد كونها مخالفة للقاعدة.

(1) هذا الحكم ذكره غير واحد، منهم المحقِّق (قدس سره) في الشرائع (2). و لم يذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في شرحه خلافاً من أحد، و علل ذلك بالأصل (3). و أرسله بعضهم إرسال المسلمات.

____________

[1] تقدّم أنّ بيع الأمة طلاقها و على هذا فيثبت الخيار للمولى على أساس أنه المشتري لها فإن أجاز بقي النكاح، و إلّا انفسخ، و عليه فلا يجوز للعبد وطؤها إلّا بإجازة المولى.

____________

(1) الوسائل، ج 27 كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، ب 12 ح 13، التهذيب 6: 236/ 581.

(2) شرائع الإسلام 1: 324.

(3) الجواهر 29: 168.

191

..........

____________

إلّا أن في ذلك إشكالًا، بل منعاً. و ذلك لما أجمعوا عليه بغير خلاف بينهم في باب الطوارئ، من أن بيع الأمة بمنزلة الطلاق بل هو طلاق لها على ما دلّت عليه جملة من النصوص المعتبرة، من دون أن يستثني منه هذه الصورة أعني شراء العبد زوجته لمولاه فإن معه كيف يمكن أن يقال بقي على نكاحها! بل لا بدّ أن يقال إنّ مولاها الجديد بالخيار، فإن أجاز فهو، و إلّا انفسخ لا محالة.

و الحاصل ان ما أفاده (قدس سره) في المقام بل نسب ذلك إلى الأصحاب، لا يجتمع مع ما ذكر في باب الطوارئ و لا يمكن المساعدة عليه.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) بعد أن اختار في هذه المسألة بقاء النكاح على حاله (1) ذكر في مسألة ما لو بيعت الأمة المزوجة ما ملخصه، أن فيها وجهين: بطلان النكاح، لكون بيعها طلاقاً لها حقيقة، فيحصل الفراق بينها و بين الزوج، غاية الأمر أن للمشتري إرجاع الزوجية فيكون نظير رجوع الزوج بزوجته المطلقة في أثناء العدّة، بناءً على مسلك المشهور من أنه إرجاع للزوجية بعد ارتفاعها. و بقاء النكاح، مع ثبوت حق الفصل بينهما للمشتري.

ثمّ ذكر (قدس سره) أن الوجه الأوّل هو الأقوى إن لم يثبت إجماع على خلافه باعتبار أنه هو الذي تقتضيه النصوص المعتبرة الدالة على أن صفقتها طلاقها (2).

بل حسنة حسن بن زياد، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية يطأها فلبغه أن لها زوجاً، قال: «يطأها، فإن بيعها طلاقها، و ذلك أنهما لا يقدران على شي‌ء من أمرهما إذا بيعا» (3).

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «طلاق الأمة بيعها أو بيع زوجها» و قال في الرجل يزوج أمته رجلا حراً ثمّ يبيعها، قال: «هو فراق بينهما، إلّا أن يشاء المشتري أن يدعهما» (4) كالصريحتين في المدعى.

____________

(1) الجواهر 29: 168.

(2) الجواهر 30: 263.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 47 ح 2.

(4) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 47 ح 1.

192

و لا إشكال في جواز وطئها (1). و إن اشتراها لنفسه بطل نكاحها (2) و حلّت له بالملك، على الأقوى من ملكية العبد.

____________

أقول: إن ما أفاده (قدس سره) و إن كان مناقضاً لما أفاده أوّلًا، إلّا أنه هو الصحيح، حيث لم يثبت إجماع على الخلاف.

ثمّ كان عليه (قدس سره) التنبيه على رواية معتبرة معارضة لما تقدّم من النصوص، حيث تدلّ بالصراحة على الوجه الثاني، و هي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل تحته مملوكة بين رجلين فقال أحدهما: قد بدا لي أن أنزع جاريتي منك و أبيع نصيبي فباعه، فقال المشتري: أُريد أن أقبض جاريتي، هل تحرم على الزوج؟ قال: «إذا اشتراها غير الذي كان أنكحها إياه فإن الطلاق بيده، إن شاء فرّق بينهما، و إن شاء تركها معه، فهي حلال لزوجها، و هما على نكاحهما حتى ينزعها المشتري» الحديث (1).

و هذه الرواية و إن كانت صحيحة سنداً و واضحة دلالة، إلّا أنها لما كانت معارضة للنصوص الصحيحة الصريحة و المستفيضة، فلا بدّ من رد علمها إلى أهله، حيث لا يمكن حمل هذه على محمل آخر لصراحتها، و لا رفع اليد عن تلك الروايات لصحّة سندها و استفاضتها.

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) بلا خلاف فيه بينهم.

إلّا أنّ المستند فيه ليس هو عدم اجتماع الزوجية و الملكية المستفاد من الآية الكريمة و النصوص المعتبرة على ما ذكر في بعض الكلمات، كي يرد عليه بأن استحالة الجمع لا تقتضي حدوث الملك و زوال الزوجية إذ من الممكن الحكم بالعكس، باعتبار أن صحّة البيع تحتاج إلى الدليل، و مع عدمه يكون البناء على بطلان البيع و بقاء الزوجية عملًا بالاستصحاب أولى.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 48 ح 2.

193

و هل يفتقر وطؤها حينئذ إلى الإذن من المولى أوْ لا؟ وجهان، أقواهما ذلك (1) لأنّ الإذن السابق إنما كان بعنوان الزوجية و قد زالت بالملك (2) فيحتاج إلى الإذن الجديد [1].

و لو اشتراها لا بقصد كونها لنفسه أو للمولى، فإن اشتراها بعين مال المولى كانت له و تبقى الزوجية (3). و إن اشتراها بعين ماله كانت له و بطلت الزوجية. و كذا إن اشترها في الذمّة، لانصرافه إلى ذمّة نفسه (4). و في الحاجة إلى الإذن الجديد و عدمها، الوجهان.

____________

و إنما المستند فيه ما أشرنا إليه في التعليقة السابقة، من أن بيع الأمة بعضاً أو كلّاً طلاق لها، على ما تدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة، و منها ما هو وارد في خصوص المقام كموثقة سماعة، قال: سألته عن رجلين بينهما أمة فزوّجاها من رجل اشترى بعض السهمين، فقال: «حرمت عليه باشترائه إياها، و ذلك أن بيعها طلاقها إلّا أن يشتريها من جميعهم» (1).

(1) ما أفاده (قدس سره) و إن كان متيناً في نفسه، إلّا أن الظاهر كفاية الإذن في الشراء لنفسه عن ذلك، فلا يحتاج إلى إذن آخر في الوطء. و ذلك لأن الإذن في الشراء لنفسه، إذن منه في الانتفاع بها بما هو المتعارف، بمقتضى الفهم العرفي و مناسبات الحكم و الموضوع.

(2) لتحقّق الطلاق بمجرد البيع، كما عرفت.

(3) تقدّم ما فيه فلا نعيد.

(4) حيث لم تقم قرينة على الخلاف، فإن كونه في ذمّة الغير يحتاج إلى مئونة زائدة و خلاف ظاهر الشراء.

____________

[1] نعم إلّا أنّ الإذن في الشراء لنفسه إذن له فيه فلا يحتاج إلى إذن آخر.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 46 ح 2.

194

[السابعة: يجوز تزويج امرأة تدعي أنها خلية من الزّوج من غير فحص]

[3861] السابعة: يجوز تزويج امرأة تدعي أنها خلية من الزّوج من غير فحص (1) مع عدم حصول العلم بقولها، بل و كذا إذا لم تدع ذلك (2) و لكن دعت الرجل إلى تزويجها، أو أجابت إذا دعيت إليه. بل الظاهر ذلك و إن علم كونها ذات بعل سابقاً، و ادعت طلاقها أو موته (3).

____________

(1) على ما هو المعروف و المشهور بينهم، بل لم يظهر الخلاف فيه من أحد.

و تدلّنا عليه مضافاً إلى السيرة القطعية، حيث يتزوج الرجل الغريب في غير بلده معتمداً على دعواها أنها خلية من غير فحص، من دون أن يظهر التوقف في صحّة عقده من أحد معتبرة ميسر، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول لها: أ لك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوّجها؟ قال: «نعم هي المصدقة على نفسها» (1).

و يؤيده خبر محمد بن عبد اللّٰه الأشعري، قال: قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يتزوج بالمرأة فيقع في قلبه أن لها زوجاً؟ فقال: «و ما عليه، أ رأيت لو سألها البيّنة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج» (2).

و هي بحسب الدلالة و إن كانت لا بأس بها، إلّا أنها من حيث السند ضعيفة، حيث إن محمّد بن عبد اللّٰه الأشعري لم يوثق، و من هنا جعلناها مؤيدة.

(2) للسيرة و معتبرة ميسر المتقدمتين، إذ لا فرق في كونها مصدقة على نفسها بين قولها و عملها، فإنّ دعوتها للرجل أو إجابتها له، إخبار منها بخلوها عن البعل و المانع.

(3) ظهر وجهه مما تقدّم، حيث لم يرد تقييد لإطلاق قوله (عليه السلام) في معتبرة ميسر: «هي المصدقة على نفسها». و كذا السيرة، فإنّ الرجال يتزوجون من الثيبات‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 25 ح 2.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 10 ح 5.

195

نعم، لو كانت متهمة في دعواها، فالأحوط الفحص [1] عن حالها (1).

و من هنا ظهر جواز تزويج زوجة من غاب غيبة منقطعة و لم يعلم موته و حياته، إذا ادعت حصول العلم لها بموته من الأمارات و القرائن أو بإخبار مخبرين، و إن لم يحصل العلم بقولها. و يجوز للوكيل أن يجري العقد عليها ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم، و لكن الأحوط الترك، خصوصاً إذا كانت متّهمة.

____________

من غير فحص، مع ظهور الثيبوبة في سبق الزوجية غالباً.

(1) بل مقتضى صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه سئل عن المتعة، فقال: «إنّ المتعة اليوم ليست كما كانت قبل اليوم، إنّهنّ كنّ يومئذ يؤمن، و اليوم لا يؤمنَّ، فاسألوا عنهنّ» (1) هو وجوب الفحص.

فإنها صحيحة سنداً، و واضحة دلالة، و مقتضى القاعدة تخصيص ما دلّ على أنها مصدقة على نفسها بغير صورة التهمة.

إلّا أن المشهور لم يذهبوا إلى ذلك، و التزموا باستحباب الفحص عند التهمة، و هو الصحيح.

و الوجه فيه أن المراد بالتهمة و عدم المأمونية في رواية أبي مريم ليست هي التهمة الشخصية، بمعنى أن تكون المرأة المعيّنة التي يريد الرجل تزوّجها متهمة و غير مأمونة كما هو واضح، و إنما المراد بها هي التهمة النوعية، نظراً لتفشي الفساد و كثرة الفجور.

و من هنا فحيث إن هذه التهمة كانت موجودة في عصر الإمام أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أكثر مما كانت عليه في زمان أبي جعفر (عليه السلام) كما يشهد لذلك نمو الفساد و تكثره يوماً بعد يوم و مع ذلك فقد حكم (عليه السلام) لميسر بجواز التزوج من غير فحص، فلا بدّ من حمل صحيحة أبي مريم على الاستحباب، جمعاً بينهما.

و من هنا يظهر الحال فيما أفاده الماتن (قدس سره) بعد هذا من الفروع.

____________

[1] لا بأس بتركه فيما إذا لم يكن اطمئنان بكذبها.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 6 ح 1.

196

[3862] الثامنة: إذا ادعت امرأة أنها خلية فتزوجها رجل، ثمّ ادعت بعد ذلك كونها ذات بعل، لم تسمع دعواها (1).

نعم، لو أقامت البيّنة على ذلك فُرِّق بينها و بينه (2) و إن لم يكن هناك زوج معين، بل شهدت بأنها ذات بعل على وجه الإجمال.

[التاسعة: إذا وكلّا وكيلًا في إجراء الصيغة في زمان معين، لا يجوز لهما المقاربة]

[3863] التاسعة: إذا وكلّا وكيلًا في إجراء الصيغة في زمان معين، لا يجوز لهما المقاربة بعد مضي ذلك الزمان (3) إلّا أن يحصل لهما العلم بإيقاعه. و لا يكفي الظن بذلك، و إن حصل من إخبار مخبر بذلك، و إن كان ثقة [1] (4).

____________

(1) فإنّ المستفاد من النصوص المتقدِّمة، إنما هو حجية إخبارها بالنسبة إلى جواز التزويج. و أما بالنسبة إلى إبطال زوجية محكومة بالصحّة ظاهراً، فلا دليل على حجية إخبارها فيه، بل مقتضى كونه إقراراً في حق الغير عدم السماع.

نعم، إخبارها هذا حجة بالنسبة إلى نفسها، فلا تستحق المطالبة بالمهر و النفقة لاعترافها بكونها بغية، و إن وجب على الزوج دفعهما إليها، للعلم الإجمالي بوجوبهما أو حرمة الوطء، على ما تقدّم بيانه مفصلًا في المسألة الثالثة من هذا الفصل، فراجع.

(2) عملًا بأدلّة حجية البيّنة المحكمة في المقام من غير معارض.

(3) لاحتمال عدم وقوعه لنسيان أو غيره، و حيث لم يحرز وقوعها فلا مجال لترتيب آثارها.

(4) على خلاف بينهم، منشأه الخلاف في أن الأصل هل هو حجية خبر الثقة في الموضوعات إلّا ما خرج بالدليل، أو عدمها إلّا ما خرج بالدليل؟

و قد عرفت في الأبحاث الماضية أن الصحيح هو الأوّل، باعتبار أن السيرة العقلائية التي هي عمدة الدليل على حجية خبر الثقة، قائمة على الحجية في الشبهات الموضوعية و الحكمية على حد سواء، من دون أن يرد دليل على خلاف ذلك.

و أما خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول:

____________

[1] لا يبعد حجية قول الثقة و إن لم يحصل الظن منه.

197

نعم، لو أخبر الوكيل بالإجراء كفى إذا كان ثقة (1) بل مطلقاً (2) لأن قول الوكيل حجّة فيما وُكِّلَ فيه.

____________

«كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك. و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة» (1).

فليس المراد بالبيّنة فيها هو المعنى الاصطلاحي في باب القضاء من الشاهدين أو الأربعة الشهداء أو الشاهد و اليمين، و إنما المراد بها مطلق ما يتبيّن به الأمر و يتضح به الحال، و ذلك لوضوح أنه لا ينحصر طريق الاستبانة بشهادة عدلين أو أربعة عدول فإن التبين يحصل بالإقرار و قول ذي اليد و الاستصحاب و نحوها، فلا دليل على اختلاف الحال في الشبهات الموضوعية عن الشبهات الحكمية، باعتبار التعدّد في الأُولى دون الثانية.

و الحاصل أنّ الصحيح هو كفاية اخبار الثقة الواحد و إن لم يكن وكيلًا، لأن الأصل حجية خبره إلّا ما ثبت بالدليل، كما هو الحال في باب القضاء.

(1) بلا إشكال فيه للأولوية بعد أن كان قول غيره حجة.

(2) كما ذهب إليه جماعة، باعتبار أنه من مصاديق القاعدة المعروفة «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» و المدعى عليها الإجماع، بل أرسلها جماعة إرسال المسلمات.

إلّا أن إثباتها بالإجماع التعبدي على إطلاقها و كلّيتها بعيد غاية البعد، فإنّ جملة من الأصحاب لم يتعرّض إليها، بل لم تذكر في كلمات من تقدّم على الشيخ (قدس سره). على أنّ الصبي مالك للوصيّة، لكن لا يسمع إقراره بها.

فالذي ينبغي أن يُقال: إنّ ما يكون إقراراً على النفس لا حاجة في إثبات حجيته إلى هذه القاعدة، فإنه يكفينا فيه ما دلّ على نفوذ الإقرار على النفس، من غير حاجة إلى إثبات الإجماع و نحوه.

____________

(1) الوسائل، ج 17 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، ب 4 ح 4.

198

[فصل في أولياء العقد]

فصل في أولياء العقد و هم الأب، و الجدّ من طرف الأب (1)، بمعنى: أب الأب فصاعداً، فلا يندرج

____________

و هكذا الحال بالنسبة إلى ما كان الإقرار بنفسه مصداقاً للإنشاء، كما لو أخبر من له الفسخ بالفسخ، أو أخبر الزوج في أثناء العدة عن الرجوع بزوجته، فإنه خارج عن محل الكلام أيضاً، حيث إنّ هذا الإخبار بنفسه يعتبر فسخاً و رجوعاً، لأنه يبرز الاعتبار النفساني من غير حاجة إلى ثبوت رجوع سابق.

هذا و قد نسب شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسالته في قاعدة «من ملك» إلى الشهيد (قدس سره) أنه استشكل في سماع إخبار الزوج عن الرجوع في أثناء العدّة (1) لكننا لم نعرف لذلك وجهاً.

و أما في غير هذين الموردين، فالظاهر هو السماع أيضاً، لكن لا لما ذكروه، بل للسيرة القطعية على عدم مطالبة الوكيل بالإثبات إذا أخبر عن العمل بوظيفته، فإنه تسمع دعواه و يقبل قوله من دون أن يطالب بالبيِّنة.

و من هنا يظهر الحال في الأولياء، فإنه تسمع دعواهم في ما لهم الولاية من دون أن يطالبوا بالإثبات.

فصل في أولياء العقد

(1) ثبوت الولاية لهما و للوصي و السيد و الحاكم في الجملة من القطعيّات التي لا ينبغي الشك فيها، و تدلّ عليه من النصوص جملة متضافرة نتعرض إليها في ضمن المسائل القادمة.

____________

(1) انظر كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20: 167 168 طبع المؤتمر العالمي.

199

فيه أب أُم الأب (1) و الوصي لأحدهما مع فقد الآخر، و السيد بالنسبة إلى مملوكه و الحاكم. و لا ولاية للأُم (2) و لا الجد من قبلها، و لو من قبل أُم الأب،

____________

(1) و يقتضيه مضافاً إلى أصالة عدم ثبوت ولاية لأحد على غيره إلّا من خرج بالدليل، باعتبار أن نفوذ العقد يحتاج إلى الدليل، و إلّا فهو محكوم بالبطلان مفهوم صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ فقال: «إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم» (1). فإن مقتضاه انحصار الولاية فيهما، و عدم ثبوتها لغيرهما على الإطلاق.

و كيف كان، فالحكم مما لا خلاف فيه، إلّا ما ينسب إلى ابن الجنيد (قدس سره) من الالتزام بثبوت الولاية له أيضاً، مستدلًا ببعض النصوص الواردة في ولاية الأم (2) و ستعرف الحال فيها عند التعرض لها في التعليقة الآتية.

(2) كما يقتضيه الأصل، بل الإجماع المحكي في كلمات غير واحد، حيث لم يخالف فيه إلّا ابن الجنيد، و قد يستدل له برواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، و إذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلّا برضا منها» (3) حيث إن ظاهرها عدم اختصاص الولاية للأب و ثبوتها للُام أيضاً.

إلّا أنه مندفع بأنها مضافاً إلى معارضتها للروايات الصحيحة المستفيضة الدالة بمجموعها على دوران أمر الجارية بين أن يكون بيدها مستقلة، أو يكون بيد أبيها مستقلا، أو يكون بيدهما معاً، حيث إن المستفاد منها أنه ليس للُام من أمرها شي‌ء لا دلالة لها على انفراد الأُم في الولاية عليها، بل غاية ما تدلّ ثبوت الولاية لها منضمة إلى الأب، و هو مخالف للإجماع المحقق القائم على استقلال الأب في الولاية و عدم وجود ضميمة في ولايته.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 12 ح 1.

(2) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 252 مسألة 2.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 3.

200

و لا الأخ (1)

____________

و الذي يهون الخطب أن هذه الرواية ضعيفة سنداً، و إن عبر عنها في بعض الكلمات بالموثقة، فإن إبراهيم بن ميمون لم يرد فيه مدح فضلًا عن التوثيق.

فالرواية ساقطة من هذه الجهة، و لا تصلح للاستناد إليها.

(1) بلا خلاف فيه، و يقتضيه الأصل.

نعم، ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن «الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» قال: «هو الأب و الأخ و الرجل يوصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها و يشتري، فأي هؤلاء عفا فقد جاز» (1). و قد عبّر عنها بالخبر، و هو مشعر بضعف سندها. ثمّ ناقشها بلزوم تأويلها أو حملها على التقيّة، حيث ذهب العامّة إلى ثبوت الولاية له عند عدم الأب (2).

إلّا أنه قد ورد التعبير عنها في كلمات بعضهم بالصحيحة.

و الصحيح هو ما يظهر من كلام صاحب الجواهر (قدس سره)، فإن هذه الرواية ضعيفة، فإن أحمد بن محمد بن عيسى يرويها عن البرقي أو غيره، و حيث لم يعرف ذلك الغير تكون الرواية ضعيفة.

و كيف كان، فلا أثر لهذا النص بالخصوص، إذ قد ورد مضمونها في جملة كبيرة من الأخبار المعتبرة، بل في بعضها التصريح بثبوت الولاية له (3).

غير أن هذه الروايات على كثرتها لا بدّ من تأويلها و التصرف فيها، بحملها على ما إذا كان الأخ وكيلًا عنها، أو إلغائها و حملها على التقية، للإجماع و القطع بعدم ثبوت الولاية له عليها. إذ كيف يمكن أن تكون للأخ ولاية عليها، و لو في خصوص فرض عدم وجود الأب، مع عدم ذهاب أحد منا إلى ذلك على الإطلاق! فإنّ فرض تصدي الأخ لشؤون أُخته خارجاً ليس بفرض نادر، و الحال أنه لم يذهب إلى ثبوت الولاية‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 8 ح 4.

(2) الجواهر 29: 171.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 8.