موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
201

و العم (1) و الخال (2) و أولادهم.

____________

له أحد من الأصحاب.

و من هنا فهذه الروايات مقطوعة البطلان.

على أن في المقام روايتين صحيحتين تدلّان على عدم ثبوت الولاية للأخ:

إحداهما: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سئل عن رجل يريد أن يزوج أُخته، قال: «يؤامرها، فإن سكتت فهو إقرارها، و إن أبت لا يزوّجها» (1).

ثانيتهما: صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل يريد أن يزوّج أُخته، قال: «يؤامرها، فإن سكتت فهو إقرارها، و إن أبت لم يزوِّجها، فإن قالت: زوّجني فلاناً، زوّجها ممن ترضى» (2).

فإن تلك الروايات معارضة لهاتين الصحيحتين، و لو لم نقل بترجيح هاتين، فلا أقلّ من التساقط بالمعارضة و الرجوع إلى مفهوم صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة الدالّ على عدم ثبوت الولاية لغير الأب، عدا من خرج بالدليل، أو الأصل المقتضي للفساد.

(1) و يقتضيه مضافاً إلى الأصل و مفهوم صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة خصوص رواية محمد بن الحسن الأشعري، قال: كتب بعض بني عمي إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ما تقول في صبية زوّجها عمها فلما كبرت أبت التزويج؟ فكتب لي: «لا تكره على ذلك و الأمر أمرها» (3).

و هذه الرواية و إن عبر عنها في الجواهر بالصحيحة (4) إلّا أنها ضعيفة السند، فإن محمّد بن الحسن الأشعري إنما هو محمد بن الحسن بن خالد الأشعري المعروف ب‍ (الشنبولة)، و هو ممن لم يرد فيه توثيق.

(2) إجماعاً، كما يقتضيه الأصل، و مفهوم صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة، و منه‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 4 ح 4.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 7 ح 1.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 6 ح 2.

(4) الجواهر 29: 170.

202

[مسألة 1: تثبت ولاية الأب و الجد على الصغيرين]

[3864] مسألة 1: تثبت ولاية الأب و الجد على الصغيرين (1) و المجنون المتصل جنونه بالبلوغ (2) بل و المنفصل على الأقوى (3). و لا ولاية لهما على البالغ

____________

يظهر الحال في أولادهم.

(1) بلا إشكال. و الروايات الدالّة على ثبوتها مستفيضة، بل لا خلاف فيه إلّا ما يُنسب إلى ابن أبي عقيل من إنكار ولاية الجدّ و كأنه استند في ذلك إلى النصوص الدالة على حصر الولاية في الأب. إلّا أنه لا بدّ من رفع اليد عن هذه الروايات، و ذلك للنصوص الكثيرة الدالة صريحاً على نفوذ عقد الجد على ابنه أعني والد البنت و أنه يقدم إنكاح الجد للبنت على إنكاح الأب لها، فإنها تقتضي أولوية ولاية الجد على ولاية الأب، كما لا يخفى.

و الحاصل أن إنكار ولاية الجد بعد الالتفات إلى هذه النصوص، ليس في محله و لا يمكن المساعدة عليه.

(2) بلا خلاف فيه بينهم، بل قد حكي عليه الاتفاق و الإجماع.

(3) وفاقاً للمحقق في الشرائع (1) و صاحب الجواهر (2) و شيخنا الأعظم في رسالة النِّكاح (3). و هو الصحيح، لعدم الفرق في الجنون بين المتصل بالبلوغ و المنفصل عنه فإن حالهما واحد من حيث ثبوت الولاية، فالدليل المقتضي لثبوتها في الأوّل هو بعينه يقتضي ثبوتها في الثاني.

اللّهمّ إلّا ان يثبت إجماع على الخلاف، لكنه و بالمعنى المعتبر أعني كشفه عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير ثابت جزماً، و ذلك لكونه معلوم المدرك. فإن الأصحاب إنما التزموا بثبوتها عند اتصال الجنون بالبلوغ من جهة التمسك باستصحاب بقاء الولاية، باعتبار أنها كانت ثابتة قبل البلوغ جزماً، فإذا شك حين‌

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 325.

(2) الجواهر 29: 186.

(3) رسالة النكاح 20: 177 178 طبع المؤتمر العالمي.

203

..........

____________

البلوغ في ارتفاعها كان مقتضى الاستصحاب هو الحكم باستمرارها. و هذا بخلاف صورة الانفصال، حيث إن الولاية قد ارتفعت بالبلوغ يقيناً، غاية الأمر أنه يشك في ثبوتها بعد ذلك نتيجة لطرو الجنون، فلا مجال للتمسك بالاستصحاب.

لكن لا يخفى ما في هذا الاستصحاب من خلل، فإنه من استصحاب الحكم الكلي و قد تقدّم في محلِّه عدم جريانه مفصلًا.

على أنه يعتبر في الاستصحاب اتحاد القضيتين المتيقنة و المشكوكة، و لا ينبغي الشك في فقدان هذا الشرط في المقام، فإن الصغر و الكبر كالحضر و السفر موضوعان مختلفان بنظر العرف. و من هنا فلو فرضنا ثبوت حكم الصغر للكبر، أو الحضر للسفر، فليس ذلك من استمرار ذلك الحكم و بقائه، و إنما هو حكم آخر مماثل للحكم الأوّل.

و بعبارة اخرى: إنّ الولاية المسببة عن الصغر قد زالت جزماً، و إنما الشك في ثبوت ولاية جديدة غير الولاية الاولى، فلا يفرق الحال فيها بين ما كان متصلًا بالصغر و ما كان منفصلًا عنه. و إن لم يقم الدليل عليها، فلا تثبت في كلتا الحالتين أيضاً.

هذا و قد استدل شيخنا الأعظم (قدس سره) على ثبوتها بنحو الإطلاق (1) بما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها، تبيع و تشتري و تعتق و تعطي من مالها ما شاءت، فإن أمرها جائز تزوّج إن شاءت بغير إذن وليها. و إن لم تكن كذلك، فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليها» (2) حيث إن من الواضح أن المجنونة من أظهر مصاديق التي لا تملك أمرها.

و الظاهر أنه لا وجه للمناقشة في دلالتها، من جهة أنها لم تتعرّض لإثبات من هو وليّها، و هل هو أبوها أو جدّها أو الحاكم؟ و ذلك لأن الظاهر من كلمة «وليّها» هو من يتصدّى لُامورها و شؤونها في غير النِّكاح، و من هنا فاحتمال كونه الحاكم بعيد‌

____________

(1) كتاب النكاح 20: 175 طبع المؤتمر العالمي.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 6.

204

..........

____________

جدّاً، كما استبعده شيخنا الأعظم (قدس سره) أيضاً (1). على أن الظاهر من إضافة الولي إلى الضمير العائد لها إرادة الولي المختص بها، و من الواضح أنه إنما هو الأب و الجد لأنهما اللذان يختصان بإدارة شؤونها، و أما الحاكم فليس بولي مختص لها.

و على هذا فالمناقشة في دلالة النص غير وجيهة.

نعم، الرواية ضعيفة سنداً، من جهة أن علي بن إسماعيل الميثمي و إن كان ممدوحاً من حيث إنه من أجلّاء المتكلمين، بل الظاهر أنه أوّل من كتب في الإمامة، إلّا أنه لم يرد فيه توثيق من حيث الرواية.

هذا و الذي ينبغي أن يقال: إن السيرة القطعية قائمة على قيام الأب و الجد بإدارة شؤون المجنون و المجنونة في النكاح و غيره، من دون أن يثبت عن ذلك ردع.

و من هنا فتكون ولاية النكاح لهما، حتى و إن ثبت كون الحاكم ولياً لمن لا ولي له.

على أنه لم تثبت ولاية للحاكم إلّا في الأُمور الحسبية التي ينبغي تحققها في الخارج و تقتضي الحاجة و الضرورة وجودها، و ذلك من باب أن الحاكم هو القدر المتيقن. و أما غيرها من الأُمور كتزويج المجنونة، فلا موجب للقول بثبوت ولاية الحاكم له. و من هنا فإذا انتفت ولاية الحاكم ثبتت الولاية للأب و الجد، للقطع و اليقين بانحصار الأمر فيهما. حيث إنها ليست لغيرهما جزماً.

هذا كلّه مضافاً إلى قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» (2).

فإنّ هذه الآية الكريمة و بملاحظة النصوص الكثيرة الواردة في تفسير «الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» بالأب و الجد و الأخ، ظاهرة الدلالة في ثبوت الولاية لهم عليها بقول مطلق. نعم، خرج الأخ بالدليل الخاص و الإجماع. و خرجت الثيب المالكة أمرها الباقي بالنص فيبقى بما في ذلك المجنونة تحت الإطلاق.

ثمّ إن الأصحاب و إن ذكروا خلو النصوص من حكم المسألة، و هو كذلك إن أُريد‌

____________

(1) كتاب النكاح 20: 175 طبع المؤتمر العالمي.

(2) سورة البقرة 2: 237.

205

..........

____________

بها النصوص الخاصّة، أعني ما هو وارد في الفرض بالذات، إلّا أن في النصوص ما يمكن الاستدلال به على المدعى:

كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الجارية يزوجها أبوها بغير رضاء منها، قال: «ليس لها مع أبيها أمر، إذا أنكحها جاز نكاحه و إن كانت كارهة» (1).

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها؟ قال: «نعم، ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك، فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (2).

و غيرهما مما دل على نفوذ عقد الأب على ابنته، أو الوالد على ولده. فإن مقتضى إطلاقها نفوذ عقده عليهما على الإطلاق، إلّا ما خرج بالدليل كالبنت الثيب و الولد البالغ الرشيد. و حيث إنه لا دليل على خروج الصغيرة أو المجنونة و الصغير أو المجنون فمقتضى الإطلاق ثبوت الولاية عليهم.

و أوضح من كل هذه دلالة ما ورد في باب الطلاق من أن الولي بمنزلة السلطان كصحيحة أبي خالد القماط، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه؟ قال: «و لم لا يطلق هو»؟ قلت: لا يؤمن إن طلق هو أن يقول غداً لم أُطلّق، أو لا يحسن أن يطلق، قال: «ما أرى وليّه إلّا بمنزلة السلطان» (3).

أو ما دل على أنه بمنزلة الإمام (عليه السلام)، كروايته عنه (عليه السلام) أيضاً في طلاق المعتوه، قال: «يطلق عنه وليّه، فإني أراه بمنزلة الإمام عليه» (4).

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 7.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 8.

(3) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه، ب 35 ح 1.

(4) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه، ب 35 ح 3.

206

الرشيد، و لا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيباً (1). و اختلفوا في ثبوتها على البكر الرشيدة على أقوال، و هي: استقلال الولي (2)

____________

أو ما دلّ على أن الولي إذا طلقها ثلاثاً اعتدت و بانت منه بواحدة، كرواية شهاب ابن عبد ربه، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «المعتوه الذي لا يحسن أن يطلِّق يطلِّق عنه وليِّه على السنّة». قلت: فطلقها ثلاثاً في مقعد؟ قال: «ترد إلى السنّة، فإذا مضت ثلاثة أشهر، أو ثلاثة قروء، فقد بانت منه بواحدة» (1).

فإنه لا ينبغي الشك في كون المراد بالولي في هذه النصوص هو الأب و الجد في الدرجة الأُولى، باعتبار أنهما اللذان يقومان بسائر شؤونه و في مرحلة سابقة على السلطان و الإمام (عليه السلام)، و إذا ثبتت الولاية لهما في الطلاق ثبتت في النكاح: أما بالأولوية القطعية حيث إن أمر الطلاق أعظم، و لذا ثبتت الولاية لهما على الصغير في النكاح، في حين لم تثبت لهما ذلك في الطلاق. أو تمسكاً بقوله (عليه السلام): «ما أرى وليه إلّا بمنزلة السلطان» فإنه ظاهر في كونه من باب تطبيق الكبرى على الصغرى، و جعل ما للسلطان من صلاحيات في مثل هذه القضية له، و حيث إن السلطان الذي هو الإمام المعصوم ولي بقول مطلق و من غير اختصاص بالنكاح يكون الأب أيضاً ولياً عليه كذلك.

إذن فما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) من ثبوت الولاية للأب و الجد على المجنون و المجنونة بقول مطلق، سواء اتصل جنونهما ببلوغهما أم انفصل (2) هو الصحيح.

(1) بلا خلاف فيه و فيما قبله، بل الحكم مما تسالم عليه الأصحاب، عدا ما نسب إلى ابن أبي عقيل من إثبات الولاية لهما على الثيب (3) غير أنه مما لا شاهد له من النصوص مطلقاً، بل الأخبار المستفيضة دالّة على الخلاف.

(2) كما اختاره جملة من الأصحاب، و أصرّ عليه صاحب الحدائق (قدس‌

____________

(1) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه، ب 35 ح 2.

(2) الجواهر 29: 186.

(3) انظر مختلف الشيعة 7: 118.

207

..........

____________

سره) (1). و تدلّ عليه نصوص كثيرة صحيحة السند:

منها: صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا تستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجها، هو أنظر لها. و أما الثيب فإنها تستأذن و إن كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوجاها» (2).

و منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء، إلها مع أبيها أمر؟ فقال: «ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب» (3).

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها، ليس لها مع الأب أمر» و قال: «يستأمرها كل أحد ما عدا الأب» (4).

و منها: صحيحة أُخرى للحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الجارية يزوجها أبوها بغير رضاء منها، قال: «ليس لها مع أبيها أمر، إذا أنكحها جاز نكاحه و إن كانت كارهة» (5).

و الموضوع في هاتين الصحيحتين و إن كانت هي الجارية و هي تعمّ البكر و الثيب. إلّا أنهما بعد التخصيص بما دل على لزوم استئذان الثيب تختصان بالبكر لا محالة.

و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير اذنها؟ قال: «نعم، ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك، فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (6).

إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الدالة على استقلال الولي بالأمر.

____________

(1) الحدائق 23: 211.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 6.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 11.

(4) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 4 ح 3.

(5) تقدّمت في ص 205 ه‍ 1.

(6) تقدّمت في ص 205 ه‍ 2.

208

..........

____________

و هذه النصوص لو لم يكن لها معارض، لتعين العمل بها و الالتزام بمضمونها، إلّا أن في المقام معتبرتين تدلّان على لزوم استشارة البكر و عدم استقلال الأب في أمرها و هاتان المعتبرتان هما:

أوّلًا: معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «تستأمر البكر، و غيرها و لا تنكح إلّا بأمرها» (1).

ثانياً: معتبرة صفوان، قال: استشار عبد الرحمٰن موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: «افعل و يكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها نصيباً». قال: و استشار خالد بن داود موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته علي بن جعفر، فقال: «افعل و يكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها حظاً» (2).

و من هنا فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه قواعد المعارضة. و حيث إن هاتين المعتبرتين توافقان الكتاب باعتبار أن مقتضى إطلاقاته عدم اعتبار إذن غير المرأة في العقد عليها و نفوذ عقدها مستقلة، و تخالفان المشهور من الجمهور فإن المنسوب إلى الشافعي و أحمد و مالك القول باستقلال الأب (3) تترجحان على تلك الروايات مع كثرتها. و حينئذ فلا بدّ من حمل تلك على التقية، أو عدم استقلال البكر في الزواج و اشتراط انضمام إذن الأب إلى رضاها.

ثمّ لو فرضنا عدم رجحان هاتين الروايتين على ما دلّ على استقلال الأب و التزمنا بتساقطهما جميعاً نتيجة المعارضة، فلا يخفى أن مقتضى الأصل هو عدم نفوذ تصرف أحد بالنسبة إلى غيره. و عليه فلا بدّ من اعتبار رضاهما معاً، أما رضا الأب فلما دلّ عليه من غير معارض، و أما رضاها فللقاعدة و الأصل.

و الحاصل أن الروايات التي استدلّ بها على استقلال الأب، على طوائف ثلاث:

الاولى: ما تدلّ على اعتبار رضا الأب فقط، و من دون تعرّض لاعتبار رضاها‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 10.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 2.

(3) البحر الرائق 3: 117، تحفة الفقهاء 1: 152، المجموع 16: 149.

209

و استقلالها (1)

____________

نفياً أو إثباتاً. و هذه الطائفة لا يمكنها معارضة المعتبرتين المتقدمتين معتبرة منصور ابن حازم و معتبرة صفوان لإمكان الجمع بينهما، بالقول باشتراكهما في الأمر و اعتبار رضاهما معاً.

الثانية: ما تعارض المعتبرتين السابقتين بالإطلاق، و هي ما تضمنت نفي الأمر عنها و أنه ليس لها مع أبيها أمر، فإنه أعمّ من نفي استقلالها في الأمر و نفي مشاركتها فيه. و هي أيضاً قابلة للجمع مع المعتبرتين، بالالتزام باشتراكهما في الأمر و تقييد إطلاق هذه النصوص. و لا يبعد دعوى ظهور بعض هذه الروايات في نفي استقلالها كما يظهر ذلك من مقابلتها للثيب التي لها الأمر كلّه و تتصرّف في نفسها بما شاءت مستقلة.

الثالثة: ما دلّت على استقلال الأب صريحاً، كصحيحة الحلبي الدالة على جواز إنكاحه لها و إن كانت هي كارهة. و هذه الطائفة و إن كانت تعارض المعتبرتين المتقدِّمتين، إلّا أنها ليست من الكثرة بحيث يقطع بصدورها منهم (عليهم السلام).

و من هنا تتقدّم هاتان المعتبرتان على هذه الطائفة، نظراً لموافقتهما للكتاب و السنّة، و مخالفتهما للمشهور من العامة.

و نتيجة ذلك اشتراك البنت و أبيها في الأمر، و عدم استقلال كل منهما فيه، نظراً للطائفة الأُولى و الثانية الدالتين على اعتبار إذن الأب، و المعتبرتين الظاهرتين في الاشتراك كما يظهر ذلك من التعبير بالحظ و النصيب و الصريحتين في اعتبار إذنها.

(1) على ما هو المشهور و المعروف بين القدماء و المتأخرين، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات السيد المرتضى (1).

و يقتضيه من الأدلة العامة إطلاقات الآيات و النصوص الواردة في النكاح، فإن العقد إنما هو الصيغة التي تقع بين الرجل و المرأة فيجب الوفاء به، سواء أرضي الأب‌

____________

(1) الانتصار: 286.

210

..........

____________

أو الجدّ أم لم يرضيا بذلك.

كما يقتضيه إطلاق قوله تعالى «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» (1).

و كذلك إطلاق ما دلّ على جواز نكاح المرأة بعد انقضاء عدتها، فإن مقتضاه عدم اعتبار إذن الولي من غير فرق في ذلك بين البكر و الثيب.

و ما ورد في معتبرة ميسرة، من جواز التزوج من المرأة التي تدعى خلوها من البعل (2).

فهذه الإطلاقات و غيرها تقتضي استقلال البنت مطلقاً في أمرها، بحيث لو كنا نحن و هذه الآيات و النصوص، و لم يكن هناك نص خاص يقتضي الخلاف، لكان القول باستقلالها هو المتعيّن.

و أما النصوص الخاصة، فقد استدل بجملة منها على استقلال البكر في أمرها، إلّا أن هذه النصوص لا تخلو بأجمعها من الضعف في الدلالة أو السند.

منها: صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «المرأة التي قد ملكت نفسها، غير السفيهة و لا المولى عليها، تزويجها بغير ولي جائز» (3). فإن المراد ب‍ «المولّى عليها» هي من لها ولي عن غير النكاح قطعاً، إذ لو كان المراد به الولاية في النكاح لكان الحمل ضرورياً و لم تكن هناك حاجة إلى بيانه، فإنّ من لا ولاية عليه في النكاح نكاحه جائز بغير إذن الولي.

إلّا أن المناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة تكاد أن تكون واضحة. فإن الموضوع فيها هي الجارية و هي أعمّ من البكر و الثيب، و من هنا فلا تكون هذه الصحيحة صريحة في المدعى و من النصوص الخاصة للمقام، و إنما هي مطلقة فيكون حالها حال الآيات و النصوص المتقدِّمة، لا تصلح لمعارضة ما دلّ على اعتبار إذن الولي، لو تمّت دلالة و سنداً.

____________

(1) سورة النساء 4: 24.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 5.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 1.

211

..........

____________

و منها: رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها، تبيع و تشتري و تعتق و تشهد و تعطي من مالها ما شاءت، فإن أمرها جائز تزوّج إن شاءت بغير إذن وليها. و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (1).

إلّا أنها مطلقة كالصحيحة المتقدِّمة، فحالها حالها.

هذا و قد يقال بأنها ضعيفة سنداً، من جهة جهالة طريق الشيخ إلى علي بن إسماعيل. و لكنّه لا يتم، فإنّ طريق الصدوق إليه صحيح، و طريق الشيخ إلى كتب الصدوق و رواياته صحيح، فيكون طريق الشيخ إليه صحيحاً لا محالة. نعم، الرواية ضعيفة لعدم توثيق علي بن إبراهيم الميثمي نفسه، كما تقدّم.

و منها: رواية سعدان بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن أبيها» (2).

و هي و إن كانت صريحة دلالة، إلّا أنها ضعيفة، لكن لا من جهة أن سعدان لم يرد فيه توثيق كما أفاده صاحب الحدائق (قدس سره) (3) فإنه ممن وقع في إسناد كامل الزيارات و تفسير علي بن إبراهيم، و قد عرفت أن المختار هو وثاقة كل من يقع في أسناد هذين الكتابين، و إنما من جهة أن هذه الرواية قد رويت بطريقين:

الأوّل: ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن العباس و هو العباس بن معروف عن سعدان بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4).

الثاني: ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن العباس بن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن رجل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5).

____________

(1) تقدّمت في ص 203 ه‍ 2.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 4.

(3) الحدائق.

(4) التهذيب 7: 380/ 1538.

(5) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 11 ح 4، التهذيب 7: 254/ 1095.

212

..........

____________

و حيث إن من المقطوع به أنّ النص رواية واحدة، و أن سعدان لم يروها للعباس ابن معروف مرة عن الإمام (عليه السلام) مباشرة و أُخرى عن رجل عنه (عليه السلام)، و كذا الحال بالنسبة إلى العباس بالقياس إلى محمد بن علي بن محبوب و محمد ابن أحمد بن يحيى، كانت هذه الرواية غير محرزة السند، لعدم إحراز كونها مسندة لا مرسلة، فتسقط عن الحجية لا محالة.

على أننا لو فرضنا تمامية هذه الرواية سنداً، فهي رواية شاذة لا يمكنها معارضة الأخبار الكثيرة جدّاً بحيث تكاد تبلغ حدّ التواتر، الدالّة على اعتبار رضا الأب في الجملة استقلالًا أو اشتراكاً للجزم بصدورها و لو بعضاً منهم (عليهم السلام).

و منها: معتبرة أبي مريم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «الجارية البكر التي لها الأب لا تتزوج إلّا بإذن أبيها» و قال: «إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى ما شاءت» (1). بدعوى حمل الجملة الأُولى على الصغيرة، و الثانية على البالغة الرشيدة.

إلّا أن في الاستدلال بها ما لا يخفى. فإن الموضوع فيها ليس هو الجارية فقط و من غير قيد، و إنما هو الجارية البكر، و هو مما يكشف عن وجود خصوصيّة للبكارة. و من هنا فلا يمكن حمل الجملة الأُولى على خصوص الصغيرة، و حمل الجملة الثانية على البالغة، لأنه يستلزم إلغاء خصوصيّة البكارة، باعتبار أن أمر الصبية بيد أبيها سواء أ كانت باكراً أم ثيباً.

و على هذا الأساس فلا بدّ من حمل الجملة الثانية: إما على فرض موت الأب، أو تثيب البنت بعد ذلك.

و منها: معتبرة عبد الرحمٰن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «تزوّج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها، فإن شاءت جعلت وليّاً» (2).

و فيها: أنه لو سلمنا صحّة حمل قوله (عليه السلام): «مالكة لأمرها» على البالغة فدلالتها على المدعى إنما هي بالإطلاق. و من هنا فيكون حالها حال الأخبار المطلقة‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 7.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 8.

213

و التفصيل بين الدّوام و الانقطاع باستقلالها في الأوّل دون الثاني (1) و التشريك

____________

المتقدِّمة، إنما يصحّ الاستدلال بها لو لم يثبت مخصّص.

هذه هي الأخبار التي يمكن الاستدلال بها على المدعى، و قد عرفت أنها جميعاً لا تخلو من الضعف في الدلالة، أو السند، أو هما معاً.

نعم، هي موافقة للكتاب و عمومات السنّة، حيث قد عرفت أن مقتضاها نفوذ العقد مطلقاً، و عدم ثبوت سلطنة لأحد على غيره. إلّا أن ذلك لا يكفي في المصير إلى هذا القول، لو ثبت هناك ما يدلّ على سائر الأقوال.

و قد ظهر لك الحال فيما تقدّم في التعليقة السابقة، و سنزيد ذلك وضوحاً فيما يأتي إن شاء اللّٰه.

(1) تمسكاً بإطلاقات أدلة النكاح المنقطع، بعد فرض انصراف ما دلّ على اعتبار رضا الأب إلى العقد الدائم.

و فيه ما لا يخفى. فإنّ دعوى الانصراف في غير محلّها، فإنّ المتعة نوع و قسم من النكاح، يجري عليها جميع الأحكام الثابتة لعنوان الزواج، كحرمة الأُم، أو البنت في فرض الدخول، و حرمتها هي بالزنا بها و هي ذات البعل، أو التزوج بها في أثناء العدّة مع الدخول أو العلم بالحال.

على أنه لو سلم ذلك، ففي المقام معتبرتان تدلّان على اعتبار إذن الأب في خصوص المتعة، و هما:

أوّلًا: صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام)، قال: «البكر لا تتزوج متعة إلّا بإذن أبيها» (1).

ثانياً: صحيحة أبي مريم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «العذراء التي لها أب لا تزوّج متعة إلّا بإذن أبيها» (2).

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 11 ح 5.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 11 ح 12.

214

..........

____________

و من هنا يكون حكم المتعة حكم الزواج الدائم في اعتبار رضا الأب.

نعم، في خصوص المتعة دلّت روايتان على جوازها من غير إذن الأب فيما إذا اشترطا عدم الدخول، و هما:

أوّلًا: رواية الحلبي، قال: سألته عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها، قال: «لا بأس ما لم يقتضّ ما هناك لتعفّ بذلك» (1).

ثانياً: رواية أبي سعيد القماط عمّن رواه، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سراً من أبويها، أفعل ذلك؟ قال: «نعم و اتق موضع الفرج». قال: قلت: فإن رضيت بذلك؟ قال: «و إن رضيت، فإنه عار على الأبكار» (2).

و هاتان الروايتان لو تمتا سنداً فلا محيص عن الالتزام بمضمونهما، لعدم المعارض لهما، و بذلك فتكونان مخصصتين لما دل على اعتبار إذن الأب في تزويج البكر.

إلّا أنهما ضعيفتان سنداً، و لا تصلحان للاعتماد عليهما.

و ذلك أما الثانية فلوقوع محمّد بن سنان في الطريق، مضافاً إلى إرسالها.

و أمّا الاولى فقد ذكرها الشيخ بإسناده عن أبي سعيد. و قد ذكر (قدس سره) في (الفهرست) أن أبا سعيد له كتاب الطّهارة ثمّ ذكر طريقه إليه (3) غير أنه لم يذكر أنه من هو بالذات. و من هنا فتكون الرواية ضعيفة من حيث جهالة أبي سعيد، على أن طريقه (قدس سره) إليه ضعيف بأبي الفضل.

ثمّ لو فرضنا أن المراد بأبي سعيد هو أبو سعيد القماط، فلم يعلم طريق الشيخ (قدس سره) إليه. و ذلك لأن المعروف من أبي سعيد هو خالد بن سعيد القماط، و هو و إن كان من الثقات إلّا أن الشيخ (قدس سره) لم يذكر طريقه إليه بعنوانه و لعلّه غفلة منه (قدس سره) و إنما ذكر طريقه إلى أبي سعيد و قد عرفت ضعفه.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 11 ح 9.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المتعة، ب 11 ح 7.

(3) الفهرست: 184 رقم 823.

215

بمعنى: اعتبار إذنهما معاً (1). و المسألة مشكلة، فلا يترك مراعاة الاحتياط بالاستئذان منهما.

____________

(1) هذا القول هو المتعيّن في المقام، لما فيه من الجمع بين النصوص الواردة و لخصوص ظهور قوله (عليه السلام) في معتبرة صفوان: «فإنّ لها في نفسها نصيباً» أو: «فإن لها في نفسها حظاً» فإنهما ظاهران في عدم استقلالها، و كون بعض الأمر خاصّة لها.

هذا كلّه مضافاً إلى صحيحة زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا ينقض النكاح إلّا الأب» (1).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا ينقض النكاح إلّا الأب» (2).

فإنه و بعد الالتفات إلى أنه إنما يكون بالنسبة إلى الأمر المبرم، و أن المقصود من العقد المبرم في المقام لا يمكن أن يكون العقد الصحيح بالفعل، لأنه غير قابل للنقض مطلقاً إذ ليس لأحد الخيار في فسخ النكاح الصحيح جزماً و إجماعاً من المسلمين قاطبة، لا بدّ من الحمل على الإبرام الشأني و الصحّة التأهلية، أي ما يكون صادراً من أهله و واقعاً في محلِّه، بحيث له قابلية الإتمام و الصحّة عند استكمال سائر الشروط المعتبرة.

و استعمال الإبرام في هذا المعنى ثابت في غير هذا المورد أيضاً، فقد ورد في أبواب الصلاة أن من أجهر في موضع الإخفات، أو أخفت في موضع الجهر، فقد نقض صلاته (3). فإن من الواضح أنه ليس المقصود بذلك هو نقض الصلاة المحكومة بالصحّة بالفعل.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 4 ح 1.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 4 ح 5.

(3) انظر الوسائل 6: 77، أبواب القراءة في الصلاة، باب 22 ح 7393.

216

..........

____________

و على هذا الأساس تدلّ هاتان المعتبرتان على اشتراك الأمر في التزويج بين البنت و أبيها، لانحصار موردهما في تزوّج البكر بغير إذن أبيها و ذلك لأن الثيب ليس لأبيها نقض عقدها مطلقاً، و عقد الصبية محكوم بالبطلان و إن إذن الأب فإن العقد محكوم بالصحّة حينئذ، لأنه صادر من أهله و واقع في محله، غاية الأمر أن الصحّة هذه شأنية و تأهلية متوقفة على رضا الأب، فإن رضي به صح بالفعل، و إلّا انتقضت الصحّة الشأنية أيضاً.

ثمّ إن مما يدلنا على أن المراد بالنقض في هاتين المعتبرتين هو ما يقابل الإبرام الشأني لا الإبرام الحقيقي، إطلاقهما الشامل للولد و البنت البكر و الثيب. إذ لو كان المراد به الثاني، لكان مقتضاه أنّ للأب أن ينقض كل عقد صحيح و تامّ صادر من ابنه أو بنته البكر و الثيب و هو مقطوع البطلان، و لا موجب لحملهما على خصوص البكر إذ لا قرينة تساعد عليه. و هذا بخلاف ما لو كان المراد به الأوّل، فإنهما حينئذ تختصان بالبكر و لا تعمّان الولد و الثيب، لكون عقدهما محكوماً بالصحّة و الإبرام الفعليين.

و الحاصل أن الصحيح في الاستدلال على الاشتراك، هو التمسك بهاتين الصحيحتين المتضمنتين لحقّ الأب في نقض العقد و موثقة صفوان.

و أما صحيحة منصور بن حازم فلا تصلح للاستدلال بها على المدعى، لكونها مطلقة فتقيد بقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: «يستأمرها كل أحد عدا الأب».

ثمّ إن المعروف و المشهور بينهم عدم اختصاص الولاية على البنت الباكر بالأب و ثبوتها للجد أيضاً، و على هذا الأساس حكموا بصحّة عقدها لو أذن الجد في ذلك غير أن بعضهم ذهب إلى اختصاصها بالأب فقط و عدم ثبوتها للجد.

و كأن الوجه في ذلك عدم ورود ذكر للجدّ في شي‌ء من روايات المقام على اختلاف ألسنتها، عدا ما ورد في نسخة من التهذيب من إضافته إلى ذيل قوله (عليه السلام): «لا ينقض النكاح إلّا الأب» في صحيحة زرارة بن أعين المتقدِّمة، إلّا أنها نسخة لم تثبت.

لكن الظاهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور، إذ لا يبعد دعوى أن المراد‌

217

و لو تزوّجت من دون إذن الأب، أو زوّجها الأب من دون إذنها، وجب (1) أما إجازة الآخر، أو الفراق بالطلاق.

____________

بالأب ما يعم الأب بلا واسطة و الأب مع الواسطة.

و الذي يدلّنا على ذلك جملة من الروايات المعتبرة الدالة على ثبوت الولاية للجد في كل مورد ثبتت للأب، معللًا ذلك بأن فعل الجد نافذ على الأب، و بذلك تكون حاكمة على أدلة اعتبار إذن الأب في نكاح البكر، و هي كثيرة:

منها: معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه» قال: «و لابنه أيضاً أن يزوّجها، فإن هوى أبوها رجلًا و جدّها رجلًا، فالجدّ أولى بنكاحها» (1). فإنها و بإطلاقها تشمل الصغيرة و الكبيرة البكر.

و منها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوي أن يزوج أحدهما و هوى أبوه الآخر، أيّهما أحقّ أن ينكح؟ قال: «الذي هوى الجد أحق بالجارية، لأنّها و أباها للجدّ» (2).

و منها: معتبرة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إن الجد إذا زوّج ابنة ابنه، و كان أبوها حياً و كان الجد مرضياً، جاز» (3). و مقتضى إطلاقها و إن كان الجواز على الإطلاق، إلّا أنها و بقرينة الروايات السابقة تحمل على الجواز على الأب خاصة. و هي بإطلاقها تعمّ الصغيرة و الكبيرة البكر.

(1) احتياطاً، فراراً من الوقوع في الحرام.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 7.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 8.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 4.

218

نعم، إذا عضلها الولي، أي منعها من التزويج بالكف‌ء، سقط اعتبار إذنه (1).

____________

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد.

و قد يستدلّ له بقوله تعالى «فَلٰا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوٰاجَهُنَّ إِذٰا تَرٰاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ» (1).

إلّا أن فساده أوضح من أن يخفى، فإنّ الموضوع في هذه الآية الكريمة إنما هو المطلّقات المدخول بهنّ، كما يشهد لذلك قوله تعالى في صدرها «وَ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ».

و من هنا فتكون الآية الكريمة أجنبية عن محلّ كلامنا بالكلية، فإن موضوعها عدم جواز منع المطلقة المدخول بها من التزوج بغير زوجها الأوّل، أو الرجوع إليه بعد العدّة، و أين هذا من عدم ثبوت الولاية للأب على ابنته البكر في فرض عضلها و منعها من التزويج بالكف‌ء! فالصحيح في الاستدلال هو التمسّك:

أوّلًا: بمناسبات الحكم و الموضوع، فإنّ المستفاد من جملة من النصوص أن ولاية الأب ثابتة لها لا عليها، و من الواضح أن هذا إنما يقتضي النظر في أمرها و مراعاة مصلحتها في كل ما يقوم به لها.

ثانياً: ما ورد في المرأة إذا طلقها زوجها طلاقاً صحيحاً على وفق مذهبه و باطلًا عندها كتطليقها ثلاثاً من جواز تزوّج الغير لها، معللًا ذلك بأنها لا تبقى معطلة و لا تترك بلا زوج (2) حيث يعلم من هذا التعليل عدم ثبوت الولاية للأب، بمعنى منعها من التزويج بالمرّة، باعتبار أن المرأة لا تبقى معطلة و لا تترك بلا زوج.

ثالثاً: صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، إن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قال لرجل: «أنت و مالك لأبيك» ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام):

____________

(1) سورة البقرة 2: 232.

(2) الوسائل، ج 22 كتاب الطلاق، أبواب مقدماته و شروطه، ب 30 ح 3، 4.

219

و أمّا إذا منعها من التزويج بغير الكف‌ء شرعاً (1) فلا يكون عضلًا (2). بل و كذا لو منعها من التزويج بغير الكف‌ء عرفاً (3) ممن في تزويجه غضاضة و عار عليهم كان كفأً شرعياً. و كذا لو منعها من التزويج بكف‌ء معين مع وجود كف‌ء آخر (4).

____________

ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه مما لا بدّ منه، إنّ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» (1). فإن تحديد ولاية الأب إذا ثبت في المال، ثبت في العرض بطريق أولى فلا يكون للأب منعها عن التزويج بالمرة، لأنه فيه الفساد وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ.

رابعاً: دليل نفي الحرج إذا فرضنا أن في بقائها كذلك حرجاً، فإن هذا الدليل يرفع في هذه الحالة اعتبار إذن الأب و الجد على نحو الاستقلال أو الاشتراك.

و تقريب ذلك: أن المستفاد من إطلاقات الآيات الكريمة و النصوص الشريفة، أن أمر الزواج إنما هو بيد المرأة نفسها و من دون أن يكون للأب أو الجد دخل فيه، و قد رفعنا اليد عن ذلك لما دلّ على اعتبار رضاهما، فإنّ هذه النصوص تقيد تلك الإطلاقات لا محالة، لكن هذه النصوص لما كانت هي نفسها مقيدة بغير فرض الحرج لدليل نفي الحرج، كان المقيد للمطلقات هو خصوص ما لم يكن اعتبار إذنه حرجياً.

(1) و المراد به هو من ورد النهي عن التزويج بهم و لو بنحو الكراهة، كشارب الخمر، و تارك الصلاة و المتجاهر بالفسق. و ليس المراد به من يفقد الكفاءة المعتبرة شرعاً في صحّة النكاح، كالإسلام إذا كانت المرأة مسلمة، إذ إنها لا بدّ منها و بدونها يحكم ببطلان العقد، سواء أذن الأب أم لم يأذن، كانت البنت بكراً أم ثيباً.

و ليس هذا الفرض محلّاً للخلاف، من حيث كونه عضلًا و عدمه، و سقوط ولاية الأب و الجد و عدمه.

(2) لشمول أدلة الولاية بإطلاقها لهذا الفرض أيضاً.

(3) لإطلاقات أدلة اعتبار إذن الأب و ولايته، و عدم ما يقتضي الخلاف.

(4) لشمول إطلاقات أدلة اعتبار إذنه لهذه الصورة أيضاً.

____________

(1) الوسائل، ج 17 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، ب 78 ح 2.

220

و كذا يسقط اعتبار إذنه إذا كان غائباً لا يمكن الاستئذان منه، مع حاجتها إلى التزويج (1).

[مسألة 2: إذا ذهبت بكارتها بغير الوطء]

[3865] مسألة 2: إذا ذهبت بكارتها [1] بغير الوطء من وثبة و نحوها فحكمها حكم البكر (2).

____________

(1) بلا خلاف فيه. و يقتضيه ما دلّ على سقوط ولاية الأب عند العضل، فإنه بحكمه.

(2) محتملات المراد بالبكارة ثلاثة:

الأوّل: من لم تذهب عذرتها.

الثاني: من لم تتزوّج.

الثالث: من لم يدخل بها.

و الروايات الواردة في المقام على كثرتها لم تتعرّض إلى معنى البكر و الثيب بهذين العنوانين، و الذي يظهر من اللغة و يساعد عليه العرف أنّ البكر هي التي لم يدخل بها، و هو المستفاد من قوله تعالى «إِنّٰا أَنْشَأْنٰاهُنَّ إِنْشٰاءً. فَجَعَلْنٰاهُنَّ أَبْكٰاراً» (1) بضميمة قوله تعالى «فِيهِنَّ قٰاصِرٰاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لٰا جَانٌّ» (2).

فإنّ من الواضح أن الآية الثانية ناظرة للأُولى، و بصدد تفسير ما ورد فيها من وصف حور الجنة بالأبكار، كما يظهر ذلك جلياً من الآيات المتقدِّمة و المتأخرة عن الآيتين المذكورتين.

هذا كلّه مضافاً إلى صراحة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها؟

____________

[1] يعني عذرتها، و إلّا فالبكارة لا تزول بغير الوطء.

____________

(1) سورة الواقعة 56: 35 36.

(2) سورة الرحمٰن 55: 56.

221

و أمّا إذا ذهبت بالزِّنا أو الشّبهة ففيه إشكال (1).

____________

قال: «نعم، ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك، فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (1) في أن المرأة التي لا تحتاج إلى إذن أبيها في صحّة النكاح إنما هي التي دخل بها، و من هنا فتكون هذه الرواية شارحة للنصوص الكثيرة الدالة على احتياج البكر إلى إذن أبيها في نكاحها.

و على هذا الأساس يظهر صحّة ما أفاده الماتن (قدس سره)، من أن البكارة إذا ذهبت بغير الوطء فحكمها حكم البكر.

(1) بعد ما عرفت أن المراد بالبكر هي من لم يدخل بها، يقع الكلام في أنه هل لا يعتبر إذن الأب في نكاح مطلق الثيب، أو أنه يختص بالتي دخل بها دخولًا شرعياً صحيحاً؟

مقتضى إطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة هو الأوّل، فإنه (عليه السلام) لم يعتبر في اعتبار استثمار المرأة إلّا الدخول بها من غير تعرض لاعتبار كون ذلك عن زواج صحيح، إلّا أن هناك عدة روايات قد يستدلّ بها على الثاني:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنه قال في المرأة الثيب تخطب إلى نفسها، قال: «هي أملك بنفسها، تولي أمرها من شاءت إذا كان كفأً بعد أن يكون قد نكحت رجلًا قبله» (2).

و منها: رواية عبد الرحمٰن بن أبي عبد اللّٰه، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الثيب تخطب إلى نفسها، قال: «نعم، هي أملك بنفسها، تولي أمرها من شاءت إذا كانت قد تزوجت زوجاً قبله» (3) و غيرهما من الأخبار.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 8.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 4.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 12.

222

و لا يبعد الإلحاق [1]، بدعوى أن المتبادر من البكر من لم تتزوّج (1). و عليه فإذا تزوّجت و مات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها، لا يلحقها حكم البكر (2). و مراعاة الاحتياط أوْلى.

____________

إلّا أن الأخبار الواردة بهذا المضمون جميعاً باستثناء صحيحة الحلبي ضعيفة الإسناد، فإن رواية عبد الرحمٰن بن أبي عبد اللّٰه ضعيفة بالقاسم الذي يروي عن أبان فإنه مشترك بين الثقة و غيره.

و أما صحيحة الحلبي فهي قاصرة من حيث الدلالة، فإنه (عليه السلام) ليس بصدد بيان القضية الشرطية و إن النكاح معتبر في كونها «أملك بنفسها» و إنما هو (عليه السلام) بصدد تكرار الموضوع المسئول عنه أعني الثيب بلسان ذكر الوصف الغالب، باعتبار أن الثيبوبة غالباً ما تكون بالنكاح، فيكون المعنى أن المرأة أملك بنفسها إذا كانت ثيبة. و من هنا فلا تكون للرواية دلالة في تقييد الثيبوبة بالتي زالت عذرتها بالدخول بها بالنكاح الصحيح، بل التقييد بعد الروايات المطلقة و تصريح صحيحة علي بن جعفر باعتبار الدخول خاصة بعيد جدّاً.

(1) ما أفاده (قدس سره) مذكور في رواية واحدة خاصة، هي رواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، و إذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلّا برضا منها» (1).

إلّا أنها مضافاً إلى ضعف سندها بإبراهيم بن ميمون مطلقة لا تصلح لمعارضة صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة، بل المتعين رفع اليد عن إطلاقها، و حملها على الغالب في الزواج حيث يستتبع الدخول بها.

(2) ظهر الحال فيه ممّا تقدّم.

____________

[1] بل هو بعيد، و دعوى التبادر لا أساس لها.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 3.

223

[مسألة 3: لا يشترط في ولاية الجدّ حياة الأب و لا موته]

[3866] مسألة 3: لا يشترط في ولاية الجدّ حياة الأب و لا موته (1).

____________

(1) لإطلاقات الأدلّة الدالّة على ولاية الجد في النكاح، فإنها و إن كان موردها جميعاً فرض وجود الأب، إلّا أن المتفاهم العرفي منها ثبوت الولاية لكل من الأب و الجدّ على نحو الإطلاق، و من دون تقييد ولاية كل منهما بفرض وجود الآخر أو عدمه، فإنّ مجرّد فرض وجود الأب لا يوجب تقييداً في إطلاق جعل الولاية له.

ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضاً أن يزوجها». فقلت: فإن هوى أبوها رجلًا و جدّها رجلًا؟ فقال: «الجدّ أولى بنكاحها» (1). و من الواضح أن مقتضى إطلاقها كون ولاية الجدّ مطلقة و غير مقيّدة بوجود الأب، و إن فرض ذلك في فرض وجوده.

و مثلها معتبرة عبيد بن زرارة المتقدِّمة (2) فإن المستفاد منها ثبوت الولاية للجدّ على حدّ ثبوتها للأب، بل كونها أقوى من ولاية الأب.

و لعل الأوضح منهما دلالة صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة أيضاً (3) المتضمِّنة لتعليل الحكم بكون إنكاح الجد للبنت مقدماً على إنكاح الأب بقوله: «لأنها و أباها للجدّ» إذ من الواضح أنه ليس المراد كون مجموعهما بما هو مجموع للجد، و إنما المراد كون كل منهما على حدة مستقلا له، و مقتضى هذا ثبوت الولاية المطلقة على البنت سواء أ كان الأب موجوداً أم كان ميتاً.

ثمّ إنه قد يتمسك لإثبات الحكم بالمقام بالاستصحاب، بدعوى أن الولاية كانت ثابتة للجد في حياة الأب، فعند الشك في ثبوتها بعده يستصحب بقاؤها.

إلّا أنه مدفوع بما تقدّم غير مرة، من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية. على أنه لا يتمّ إلّا فيما إذا كانت هناك حالة سابقة متيقنة، فلا يتمّ في مثل ما لو كانت البنت حين موت أبيها حملًا في بطن أُمها.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 1.

(2) تقدّمت في ص 217 ه‍ 1.

(3) تقدّمت في ص 217 ه‍ 2.

224

و القول بتوقّف ولايته على بقاء الأب كما اختاره جماعة ضعيف (1). و أضعف منه القول بتوقّفها على موته (2) كما اختاره بعض العامّة.

[مسألة 4: لا خيار للصغيرة إذا زوّجها الأب]

[3867] مسألة 4: لا خيار للصغيرة إذا زوّجها الأب [1] أو الجدّ بعد بلوغها و رشدها، بل هو لازم عليها (3).

____________

(1) نسب القول به إلى جملة من الأصحاب.

و استدل عليه بصحيحة الفضل بن عبد الملك المتقدِّمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إن الجد إذا زوّج ابنة ابنه، و كان أبوها حياً و كان الجدّ مرضياً جاز» (1). فإن مقتضى مفهوم الشرط عدم ثبوت الولاية له عند عدم الأب، و إلّا لكان الشرط لغواً.

إلّا أن للمناقشة في ذلك مجالًا. فإنّ الظاهر عدم ثبوت المفهوم لهذا الشرط، و ذلك لأن المصرح به في جملة من الروايات المعتبرة، أنّ المراد بالجواز في المقام هو الجواز على الأب، بمعنى أنه ليس له معارضة الجد و نقض إنكاحه لها. و من هنا يكون ذكر الشرطية في هذه الصحيحة من قبيل القضايا التي تساق لبيان وجود الموضوع، فإنّه إذا لم يكن الأب موجوداً لم يكن موضوع لمعارضة الجد، و كون ولاية الجدّ نافذةً في حقِّه. و إذا لم يكن للشرطية مفهوم، كانت المطلقات سالمة عن المعارض و المقيّد.

إذن فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه المشهور و اختاره الماتن (قدس سره)، من ثبوت الولاية للجدّ مطلقاً.

(2) فإنّه باطل جزماً، لدلالة جملة كبيرة من النصوص على ثبوت الولاية له في حياة الأب، بل و كون ولايته أقوى من ولاية الأب، و لذا يتقدم إنكاحه على إنكاح الأب، ما لم يكن إنكاح الأب أسبق زماناً من إنكاحه.

(3) و يقتضيه مضافاً إلى إطلاقات ما دلّ على نفوذ عقد الأب و الجد خصوص‌

____________

[1] هذا هو المعروف، بل ادعي فيه عدم الخلاف، إلّا أنّ في رواية صحيحة ثبوت الخيار لها و للصغير بعد بلوغهما فيما إذا زوّجهما أبواهما حال الصِّغر، فالاحتياط في هذه الصورة لا يُترك.

____________

(1) تقدّمت في ص 217 ه‍ 3.

225

..........

____________

صحيحة عبد اللّٰه بن الصلت، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها، لها أمر إذا بلغت، قال: «لا، ليس لها مع أبيها أمر» (1).

و صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام): أ تزوّج الجارية و هي بنت ثلاث سنين، أو يزوّج الغلام و هو ابن ثلاث سنين، و ما أدنى حدّ ذلك الذي يُزوّجان فيه، فإذا بلغت الجارية فلم ترض فما حالها؟ قال: «لا بأس بذلك إذا رضي أبوها أو وليّها» (2). إلى غيرهما من النصوص التي تكاد تبلغ حد التظافر.

إلّا أن بإزائها روايتين:

الأُولى: رواية يزيد الكناسي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى يجوز للأب أن يزوِّج ابنته و لا يستأمرها؟ قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين» (3).

إلّا أن هذه الرواية لا يمكن العمل بها من جهة بُعد التفصيل المذكور فيها، فإنه لا يحتمل ثبوت الخيار للتي زوّجها الأب قبل تسع سنين، و عدم ثبوته للتي زوّجها بعد ذلك، مع معارضتها للنصوص الكثيرة الدالة على نفوذ إنكاح الأب، و أنه ليس لها من الأمر شي‌ء. و في مقام حلّ المعارضة لا ينبغي الشك في تقدّم تلك عليها.

على أنها ضعيفة السند. فإن المذكور في نسخ التهذيب و الاستبصار و إن كان يزيد الكناسي (4) إلّا أنه لم يثبت توثيقه أيضاً. و ذلك لأن النجاشي (قدس سره) ذكر يزيد أبا خالد القماط و وصفه بأنه كوفي و وثّقه (5). و الشيخ (قدس سره) ذكر يزيد الكناسي في كتابه الرجال و أفاد أنه ينتسب إلى كناسة محلة في الكوفة، من دون أن يذكر له توثيقاً (6) لكنه (قدس سره) لم يتعرض لذكر يزيد أبي خالد القماط لا في الفهرست‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 6 ح 3.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 6 ح 7.

(3) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 6 ح 9.

(4) التهذيب 7: 382/ 1544، الإستبصار 3: 237/ 855.

(5) رجال النجاشي: 452 رقم 1223.

(6) رجال الطوسي: 149 رقم 1655.

226

..........

____________

و لا في الرجال، و هو ممّا يوجب الاطمئنان بأن يزيد الكناسي هو يزيد أبو خالد القماط، و حينئذ فينفع توثيق النجاشي ليزيد أبي خالد القماط في إثبات وثاقة يزيد الكناسي.

غير أن ذلك معارض بأن البرقي الذي هو أقدم من الشيخ و أعرف منه بالرجال لقرب عهده إلى الرواة ذكر العنوانين معاً، فقد ترجم يزيد الكناسي و يزيد أبا خالد القماط كلّاً على حدة (1) و هو إنما يكشف عن عدم اتحاد الرجلين. و على هذا الأساس فلا تنفع وثاقة يزيد أبي خالد القماط في إثبات وثاقة يزيد الكناسي.

و عليه فتكون الرواية ساقطة عن الاعتبار سنداً.

الثانية: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يزوّج الصبية، قال: «إن كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم جائز، و لكن لهما الخيار إذا أدركا» (2).

و هي كما ترى واضحة الدلالة بل صريحة الدلالة في عدم لزوم العقد الصادر من الولي، و ثبوت الخيار لهما بعد البلوغ، فإن حمل الخيار على الطّلاق كما أفاده الشيخ (قدس سره)- (3) بعيد غايته، و لا وجه للمصير إليه.

و من هنا فهي صالحة لتقييد ما تقدّم من النصوص، الدالة على نفوذ عقد الأب أو الجد بغير هذا الفرض، اعني ما لو كان كل من الزوجين صغيراً. إلّا أنه لم يعلم قائل به من فقهائنا.

و عليه فإن تمّ إجماع على عدم ثبوت الخيار لها فهو، و به يتعيّن رفع اليد عن هذه الصحيحة و ردّ علمها إلى أهله، و إلّا فيتعيّن العمل بها، حيث قد عرفت مراراً أن إعراض المشهور عن الرواية المعتبرة لا يوجب وهنها و سقوطها عن الحجية.

و حينئذ فلا أقلّ من الالتزام بالاحتياط بالطلاق عند عدم رضاها بالعقد بعد البلوغ.

____________

(1) رجال البرقي: 32.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 6 ح 8.

(3) التهذيب 7: 382.

227

و كذا الصغير على الأقوى (1).

____________

(1) و هو المشهور و المعروف بين الأصحاب، و يدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.

كصحيحة الحلبي، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الغلام له عشر سنين فيزوّجه أبوه في صغره، أ يجوز طلاقه و هو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: «أما تزويجه فهو صحيح، و أما طلاقه فينبغي أن تحبس امرأته حتى يدرك» (1).

و صحيحة عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج ابنه و هو صغير، قال: «إن كان لابنه مال فعليه المهر، و إن لم يكن للابن مال فالأب ضامن المهر، ضمن أو لم يضمن» (2). فإن تفصيله (عليه السلام) في المهر دالّ على المفروغية عن صحّة النكاح.

و صحيحة الفضل بن الملك، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج ابنه و هو صغير، قال: «لا بأس» (3). و غيرها من النصوص المعتبرة.

فإن مقتضى إطلاق الصحيحة في هذه النصوص، هو النفوذ حتى بعد بلوغ الطفل و فسخه للعقد.

و دعوى أن الصحّة لا تنافي عدم اللزوم و ثبوت الخيار، نظراً إلى أن موضوع الخيار هو العقد المحكوم بالصحّة، إذ لا مجال للبحث عن الخيار في العقد المحكوم بالبطلان.

مدفوعة بأن موضوع الخيار إنما هو نفس الصحّة، و عدم الخيار مستفاد من إطلاقها لا منها بنفسها، فلا يكون هناك أي محذور.

ثمّ إن هذه النصوص و إن كانت بأجمعها واردة في الأب، إلّا أنه لا بدّ من التعدي إلى الجدّ، و ذلك لما ذكرناه في إثبات الولاية للجد على البنت الباكر، فإنّ تلك الوجوه‌

____________

(1) الوسائل، ج 26 كتاب الفرائض و المواريث، أبواب ميراث الأزواج، ب 11 ح 4.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 28 ح 1.

(3) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 28 ح 2.

228

و القول بخياره في الفسخ و الإمضاء (1) ضعيف.

____________

تأتي بعينها في المقام.

(1) نسب هذا القول إلى الشيخ (1) و ابن البراج (2) و ابن حمزة (3) و ابن إدريس (4) (قدس سرهم).

و ذكر في وجهه مضافاً إلى التمسك بصحيحة محمد بن مسلم و خبر يزيد الكناسي المتقدِّمتين أن الحال في الابن يختلف عن البنت من حيث احتمال تطرّق الضّرر عليهما، فإنّ الابن يجب عليه بدل المهر و النفقة دون مقابل، بخلاف البنت حيث إنها تأخذهما دون أن تخسر شيئاً. و من هنا لا بدّ من جعل الخيار للابن، لكي يتمكن من دفع الضرر عن نفسه، دون البنت حيث إنها ليست بحاجة إليه.

و فيه: أن ما ذكروه لا يرجع إلى محصل، فإنه وجه اعتباري صرف لا يمكن إثبات الحكم الشرعي به. على أن النكاح و إن كان من الأُمور الاعتبارية، إلّا أنه أشبه الأُمور بالمعاوضة. و من هنا فلا يكون بذل الرجل للمهر و النفقة بإزاء لا شي‌ء، فإنه إنما يملك الزوجية بإزاء ما يبذله، كما إن المرأة لا تحصل عليهما بإزاء لا شي‌ء، فإنها إنما تفقد حريتها و تكون تحت سيطرة الغير و في حبالته بإزاء ما تقبضه، فكل منهما يحصل على شي‌ء و يفقد بإزائه شيئاً.

و عليه فإن كان في المقام خيار وجب أن يثبت لهما، و إن لم يكن فهو غير ثابت لهما أيضاً.

و أمّا خبر يزيد الكناسي، فقد عرفت الحال فيه فلا نعيد.

نعم، صحيحة محمد بن مسلم دالّة على ثبوت الخيار، و بذلك تكون مقيّدة لما تقدّم من المطلقات. إلّا أنها و كما عرفت تختص بما إذا كان الزوجان معاً صغيرين، فلا‌

____________

(1) النهاية: 467.

(2) المراسم: 148.

(3) الوسيلة: 300.

(4) السرائر 2: 562 و 563.

229

و كذا لا خيار للمجنون بعد إفاقته (1).

[مسألة 5: يشترط في صحّة تزويج الأب و الجدّ و نفوذه عدم المفسدة]

[3868] مسألة 5: يشترط في صحّة تزويج الأب و الجدّ و نفوذه عدم المفسدة (2) و إلّا يكون العقد فضوليّاً كالأجنبي، و يحتمل عدم الصحّة [1] بالإجازة

____________

تشمل ما لو زوّج الأب الصغير من المرأة البالغة.

(1) يظهر الحال فيه ممّا تقدّم، فإنّ مقتضى إطلاق صحّة العقد الصادر من وليِّه و نفوذه، هو عدم ثبوت الخيار له بعد إفاقته.

(2) اتفاقاً بل لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد.

و يدلّنا عليه، مضافاً إلى عموم صحيحة أبي حمزة الثمالي المتقدِّمة المتضمنة لقوله تعالى «وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» حيث إن مقتضاه عدم الفرق بين المال و النكاح.

و قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضل بن عبد الملك المتقدِّمة أيضاً: «و كان الجدّ مرضياً» حيث إن ظاهر التقييد و بملاحظة مناسبات الحكم و الموضوع، هو اعتبار كونه مرضياً بلحاظ تصرفاته الصادرة تجاه البنت، و إلّا فكونه مرضياً بالنسبة إلى سائر تصرّفاته أجنبي عن ولايته على البنت.

و صحيحة عبيد بن زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، و يريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر، فقال: «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضاراً» (1). فإنّ التقييد بعدم كونه مضاراً، إنما يدلّ على عدم ثبوت الولاية للجد إذا كان في مقام الإضرار بها.

دليل نفي الضرر، فإنه و بحكم كونه حاكماً على جميع الأدلة، يقتضي نفي جعل الولاية للأب و الجد فيما إذا كان في إنكاحهما لها ضرر عليها، و بذلك فتختص ولايتهما عليها و على الصبي بفرض عدم المفسدة لا محالة.

____________

[1] لكنّه بعيد، و كذلك الحال في المسألة الآتية.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 2.

230

أيضاً (1) بل الأحوط مراعاة المصلحة (2). بل يشكل الصحّة إذا كان هناك خاطبان أحدهما أصلح من الآخر بحسب الشرف، أو من أجل كثرة المهر أو قلته بالنسبة

____________

(1) و الوجه فيه هو اعتبار وجود مجيز حال العقد في الحكم بصحّة العقد الفضولي على ما ذكره الماتن (قدس سره) في المسألة الآتية. و حيث إن الصبي و الصبية فيما نحن فيه ليسا أهلين للإجازة و الإمضاء حين صدور العقد، فيحكم ببطلانه من رأس لا محالة.

إلّا أن هذا الكلام مبني على عدم الالتزام بكون صحّة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة على القاعدة، و اختيار كونها نتيجة للنصوص الخاصّة الدالّة عليها. فإنه حينئذ يمكن أن يقال: بأن النصوص الخاصة و بأجمعها واردة في فرض وجود المجيز، فلا وجه للتعدِّي منه إلى فرض عدم وجوده.

لكنّك قد عرفت منّا مراراً، عدم تمامية هذا المبنى و كون صحّة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة على القاعدة، باعتبار أن الإجازة توجب انتساب الأمر الاعتباري الصادر من الغير إلى المجيز من حينها، فيكون العقد من ذلك الحين عقداً له، و من هنا فتشمله أدلة وجوب الوفاء بالعقود.

و على هذا الأساس فلا وجه لاعتبار وجود مجيز حال العقد، فإنه يكفي في الحكم بصحّته كون المجيز أهلًا لها في حينها، و من دون أن يكون لأهليته حين صدور العقد و عدمه دخل في الصحّة أو الفساد.

(2) نسب القول باعتبارها في الولاية على مال الطفل إلى المشهور من الأصحاب و استدلوا عليه بقوله تعالى «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»* (1).

و ذكر الشيخ (قدس سره) أنها و إن لم تكن تشمل الأب، باعتبار أنه مع وجوده لا يكون ابنه يتيماً، إلّا أنها تشمل الجد. و حينئذ فيثبت الحكم للأب، بالقطع بعدم الفصل.

____________

(1) سورة الانعام 6: 152.

231

إلى الصغير، فاختار الأب غير الأصلح لتشهي نفسه (1).

[مسألة 6: لو زوّجها الولي بدون مهر المثل]

[3869] مسألة 6: لو زوّجها الولي بدون مهر المثل، أو زوّج الصغير بأزيد منه، فإن كان هناك مصلحة تقتضي ذلك صحّ العقد و المهر و لزم (2). و إلّا ففي صحّة العقد و بطلان المهر و الرجوع إلى مهر المثل، أو بطلان العقد أيضاً، قولان (3) أقواهما الثاني. و المراد من البطلان عدم النفوذ، بمعنى توقفه على إجازتها بعد

____________

إلّا أننا لم نرتض هذا القول في محله. و على تقدير القول به فلا نقول به في النكاح و ذلك لإطلاقات الأدلة الواردة في المقام السالمة عن المقيد، حيث لم يرد في شي‌ء من النصوص اعتبار وجود المصلحة في إنكاح الأب أو الجد.

نعم، الاحتياط في محلِّه حتى و إن كان الظاهر عدم الاعتبار.

(1) ظهر الحال فيه ممّا تقدّم، فإنّ مقتضى إطلاقات الأدلة السالمة من المقيد و الشاملة للفرض، هو الحكم بالصحّة و النفوذ.

نعم، الاحتياط على كل حال حسن.

(2) لإطلاقات الولاية السالمة عن المقيد.

(3) بل أقوال ثلاثة، ثالثها ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من الحكم بالصحّة فيهما معاً (1) و كأن الوجه فيه إطلاقات أدلة الولاية.

إلّا أن ضعفه أظهر من أن يخفى، و لعلّه لذلك أهمل الماتن (قدس سره) ذكره، فإنّ أدلة الولاية قاصرة عن شمول ما كان فيه ضرر و مفسدة على المولى عليه، كما عرفت في المسألة السابقة.

و أمّا القول الأوّل فهو منسوب إلى شيخنا الأعظم (قدس سره) (2). بدعوى أن العقد الصادر من الولي إنما ينحل إلى أمرين: التزويج و المهر، و حيث إن الضرر في الثاني خاصّة يحكم ببطلانه مع بقاء التزويج على حاله، و حينئذ فينتقل إلى مهر المثل لا محالة.

____________

(1) كتاب الخلاف 4: 392 المسألة 37.

(2) كتاب النكاح: 170.

232

البلوغ. و يحتمل البطلان و لو مع الإجازة، بناءً على اعتبار وجود المجيز في الحال (1).

[مسألة 7: لا يصحّ نكاح السّفيه المبذِّر]

[3870] مسألة 7: لا يصحّ نكاح السّفيه المبذِّر [1] (2) إلّا بإذن الولي (3)

____________

و فيه: أنه إنما يتم فيما إذا كان المنشأ هو التزويج المطلق، و حيث إن الأمر ليس كذلك باعتبار أن المنشأ انما هو التزويج المقيد بالمقدار المعين من المهر، فلا محيص عن الحكم ببطلان التزويج أيضاً لما فيه من الضرر على المولى عليه، و سقوط ولاية المزوج لكونه مضاراً.

على أن لازم ما أفاده (قدس سره) من بطلان المهر عدم التطابق بين الإيجاب و القبول حتى و لو قلنا بتعدد الإنشاء، فإن الزوج إنما قبل العقد بالمهر المعين و لم يقبل التزويج الخالي عن المهر، و هذا نظير أن ينشئ البائع بيع شي‌ء و يقبل المشتري شراء شي‌ء آخر. و حيث أن تطابق الإيجاب و القبول في المتعلق معتبر في صحّة العقد بلا خلاف، كان فقده في المقام موجباً للبطلان.

و من هنا فالصحيح هو ما اختاره الماتن (قدس سره) من الحكم ببطلانهما معاً وفاقاً لكثير من الأصحاب.

ثمّ لا يخفى أن محلّ البحث في تزويج الولي للصغير بأكثر من مهر المثل إنما هو فيما إذا كان للصغير مال حيث يكون المهر حينئذ عليه، لا ما إذا لم يكن له مال لأن المهر حينئذ على الأب، و معه لا مجال للحكم بالبطلان، لعدم ترتب أي ضرر على الطفل.

(1) و قد عرفت ما فيه مفصلًا في المسألة السابقة فلا نعيد.

(2) المراد بالقيد إن كان من لا يعرف مصالحه و مفاسده فهو قيد توضيحي، و إن كان غير ذلك فلا دليل عليه، و لا نعلم لاعتباره وجهاً.

(3) استدلّ عليه في بعض الكلمات، بأن الزواج لما كان من الأُمور المالية لاستلزامه ثبوت المهر و النفقة على الزوج، و كان السفيه ممنوعاً من التصرفات المالية‌

____________

[1] الظاهر أنه أراد بهذا القيد من لا يعلم صلاحه و فساده، و لأجل ذلك يكون القيد توضيحيّاً لا احترازيّاً حيث إنّ ذلك معنى السفيه في الماليات، و إلّا فلا يكاد يظهر وجه للتقييد.

233

..........

____________

بلا خلاف، كان اللازم الحكم بالفساد في المقام.

و فيه مضافاً إلى اختصاصه بالولد دون البنت-: أنه إنما يتم فيما إذا كان المهر عيناً معيّنة من أمواله الموجودة بالفعل، دون ما إذا كان كلياً في الذمّة، فإنه لا إجماع على منعه منه أيضاً. على أنه قد يفرض كون المهر من غيره، و من دون أي تصرف في شي‌ء من أمواله.

و أما وجوب الإنفاق، فهو حكم شرعي متفرع على التزويج و ليس من مصاديق التصرف المالي، فلا وجه لاستلزام الحجر عنه للحجر بالنسبة إليه.

و من هنا فالصحيح في الاستدلال هو التمسك بالنسبة إلى منع الولد بصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال «حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»*. قال: و ما أشده؟ قال: «احتلامه». قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر و لم يحتلم؟ قال: «إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء جاز أمره، إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (1).

و هذه الرواية و إن رواها صاحب الوسائل (قدس سره) عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) مباشرة، إلّا أن الصحيح وساطة عبد اللّٰه بن سنان في البين، على ما هو مذكور في الخصال (2)، و لعل عدم ذكره في الوسائل من سهو القلم عند النسخ.

و كيف كان، فهي واضحة الدلالة على عدم جواز أمر السفيه و بقاء الولاية عليه.

و أما بالنسبة إلى منع البنت فبالتمسك بصحيحة الفضلاء المتقدِّمة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «المرأة التي قد ملكت نفسها، غير السفيهة و لا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائز» (3). حيث قيد (عليه السلام) استقلالها في النكاح بعد بلوغها المعبّر عنه بملك الأمر بعدم كونها سفيهة.

____________

(1) الوسائل، ج 18 كتاب الحجر، ب 2 ح 5.

(2) الخصال: 495.

(3) تقدّمت في ص 210 ه‍ 3.

234

و عليه أن يعيّن المهر و المرأة (1). و لو تزوّج بدون إذنه وقف على إجازته، فإن رأى المصلحة و أجاز صحّ، و لا يحتاج إلى إعادة الصيغة، لأنه ليس كالمجنون و الصبي مسلوب العبارة (2) و لذا يصح وكالته عن الغير في إجراء الصيغة و مباشرته لنفسه بعد إذن الولي.

[مسألة 8: إذا كان الشخص بالغاً رشيداً في الماليات]

[3871] مسألة 8: إذا كان الشخص بالغاً رشيداً في الماليات، لكن لا رشد له بالنسبة إلى أمر التزويج و خصوصيّاته من تعيين الزوجة و كيفيّة الإمهار و نحو ذلك، فالظاهر كونه كالسّفيه في الماليّات في الحاجة إلى إذن الولي (3) و إن لم أر من تعرّض له.

[مسألة 9: كل من الأب و الجدّ مستقل في الولاية]

[3872] مسألة 9: كل من الأب و الجدّ مستقل في الولاية (4) فلا يلزم الاشتراك، و لا الاستئذان من الآخر، فأيهما سبق مع مراعاة ما يجب مراعاته

____________

(1) على ما يقتضيه قانون الولاية، فإنّ معناها رجوع الزواج بتمام شؤونه و مقتضياته إلى نظره.

(2) فإنه لا قصور في إنشائه، و إنما القصور في النفوذ خاصة.

(3) كما يقتضيه قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضلاء المتقدِّمة: «غير السفيهة و لا المولى عليها» إذ المتيقن و بملاحظة خصوصيّة المورد أعني كون الصحيحة واردة في الزواج هو السفيهة فيه. و إذا ثبت الحكم بالنسبة إلى السفيهة ثبت في السفيه بالقطع بعدم الفرق بينهما.

و يؤيده إطلاق صحيحة عبد اللّٰه بن سنان المتقدِّمة.

(4) بلا خلاف فيه، و يقتضيه إطلاق النصوص.

نعم، لصاحب الجواهر (قدس سره) عبارة ربّما تشعر بتوقفه فيه، حيث قال في شرح قول المحقق (قدس سره): (فمن سبق عقده صح): بناء على استقلال كل منهما بالولاية (1).

____________

(1) الجواهر 29: 208.

235

لم يبق محل للآخر (1). و لو زوّج كلّ منهما من شخص، فإن علم السابق منهما فهو المقدم و لغي الآخر، و إن علم التقارن قدّم عقد الجدّ (2). و كذا إذا جهل التاريخان.

____________

غير أن مما يقطع به أنه ليس مراده (قدس سره) منها اشتراك الأب و الجد في الولاية، بمعنى اعتبار رضاهما معاً، و ذلك لاختياره (قدس سره) بعد أسطر من هذه العبارة تقديم إنكاح الجدّ لها على إنكاح الأب فيما لو أوقعاه دفعة، مدعياً الإجماع عليه. فإنه واضح الدلالة على عدم اختياره (قدس سره) القول باشتراكهما معاً في الولاية، و إنما مراده (قدس سره) منها هو الاحتراز عن تزويج البكر، حيث إنّ كلّاً منهما يشترك حينئذ في الولاية معها من دون أن يكون له حق الاستقلال.

و على هذا فيكون معنى ما أفاده (قدس سره) هو: أنّ السبق في إيقاع العقد إنما يكون له أثر، فيما إذا كانت المولى عليها صغيرة أو كانت كبيرة بكراً، و قلنا باستقلال الأب و الجد في إنكاحها. و أما إذا قلنا باعتبار استئذانها، باعتبار أنّ «لها في نفسها نصيباً» (1) فلا أثر للسبق، بل الخيار لها تجيز من العقدين ما شاءت.

(1) إجماعاً و من غير الخلاف فيه، و تدلّ عليه جملة من النصوص المتقدِّمة كصحيحة عبيد بن زرارة و غيرها، فراجع.

(2) و تدلّ عليه مضافاً إلى التسالم و عدم الخلاف فيه عدّة من النصوص المعتبرة الدالّة على تقديم عقد الجدّ.

كصحيحة هشام بن سالم و محمد بن حكيم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا زوّج الأب و الجد كان التزويج للأوّل، فإن كان جميعاً في حال واحدة فالجد أولى» (2).

و صحيحة عبيد بن زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الجارية يريد‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 9 ح 2.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 3.

236

و أمّا إذا علم تاريخ أحدهما دون الآخر، فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجدّ قدم أيضاً. و إن كان المعلوم تاريخ عقد الأب احتمل تقدّمه (1). لكن الأظهر تقديم عقد الجد، لأنّ المستفاد من خبر عبيد بن زرارة أولوية الجدّ ما لم يكن الأب زوّجها قبله، فشرط تقديم عقد الأب كونه سابقاً (2) و ما لم يعلم ذلك يكون عقد الجد أولىٰ.

فتحصّل أنّ اللّازم تقديم عقد الجدّ في جميع الصور، إلّا في صورة معلوميّة سبق عقد الأب.

____________

أبوها أن يزوّجها من رجل، و يريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر، فقال: «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضارّاً، إن لم يكن الأب زوّجها قبله، و يجوز عليها تزويج الأب و الجدّ» (1).

فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام): «إن لم يكن الأب زوّجها قبله» هو تقديم عقد الجدّ في فرض التقارن، نظراً لعدم صدق ما اعتبر في تقديم عقد الأب، فتكون مقيدة لأدلّة ولاية الأب لا محالة. و بها نخرج عن القاعدة المقتضية للبطلان، حيث إن الجمع بينهما غير ممكن، و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح.

(1) لأصالة عدم وقوع العقد من الجد إلى حين وقوع العقد من الأب، فيحكم بصحته لعدم المعارض.

(2) و توضيح ذلك: أن مقتضى صحيحة عبيد بن زرارة هو تقديم عقد الجد مطلقاً، و من دون فرق بين جميع الصور باستثناء ما إذا كان عقد الأب سابقاً، فإنّ هذه الصورة هي المستثناة من ولاية الجد و نفوذ عقده و خارجة منها خاصّة.

و من هنا ففي جميع هذه الصور يجري استصحاب عدم سبق عقد الأب على عقد الجدّ، من غير فرق بين العلم بالتاريخ أو الجهل به، و القول بجريان الاستصحاب في معلوم التاريخ و عدمه. و لا يعارضه استصحاب عدم وقوع العقد من الجد إلى زمان وقوع العقد من الأب، لأنه لا يثبت السبق.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 2.

237

و لو تشاحّ الأب و الجدّ، فاختار كل منهما واحداً، قدّم اختيار الجدّ (1).

____________

و بعبارة اخرى نقول: إنّ صحيحة عبيد و إن لم تكن تتضمن لفظ السبق، و إنما المذكور فيها عنوان القبلية، فما أفاده الماتن (قدس سره) لا يخلو من التسامح في التعبير. و مع ذلك فالمراد به ليس هو تقديم عقد الجد ما لم يسبقه عقد الأب، بمعنى لحوق عقد الجد له، كي يتمسك باستصحاب عدم وقوعه إلى حينه، فإنه غير معتبر جزماً و لذا يحكم بصحّة عقد الأب حتى و لو لم يقع عقد من الجد بالمرة، مع أنه لم يتحقق السبق بهذا المعنى لعدم تحقق اللحوق، فإنهما من العناوين المتضايفة لا يمكن تحقق أحدهما من دون تحقق الآخر. و إنما المراد منها الحكم بصحّة عقد الجد على الإطلاق ما لم يكن عقد الأب سابقاً عليه، كما يظهر ذلك من الالتفات إلى أن الكلام إنما هو في المزاحمة و حيث إن هذا العنوان عنوان وجودي، فلا يمكن إحرازه باستصحاب عدم عقد الجد إلى زمان عقد الأب.

و من هنا فيحكم بصحّة عقد الجد في جميع هذه الصور، لعدم إحراز شرط تقديم عقد الأب.

و بالجملة: إنّ المعتبر في تقديم عقد الجدّ قيد عدمي، فيمكن إحرازه عند الشك فيه بالأصل. و هو بخلاف القيد المعتبر في تقديم عقد الأب فإنه وجودي، فلا ينفع في إحرازه التمسك باستصحاب عدم تقدّم عقد الجد عليه، فإنه لا يثبت كون عقده قبل عقد الجدّ.

(1) و تدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، و لابنه أيضاً أن يزوجها». فقلت: فإن هوى أبوها رجلًا و جدّها رجلًا؟ فقال: «الجدّ أولى بنكاحها» (1).

و قوله (عليه السلام) في صحيحة عبيد اللّٰه بن زرارة: «فإنّ هوى أبوها رجلًا و جدّها رجلًا فالجدّ أولى بنكاحها» (2) و معتبرته الثانية المتقدِّمة.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 1.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 7.

238

و لو بادر الأب فعقد، فهل يكون باطلًا، أو يصح؟ وجهان، بل قولان (1) من كونه سابقاً فيجب تقديمه، و من ان لازم أولوية اختيار الجد [1] عدم صحّة خلافه. و الأحوط مراعاة الاحتياط.

و لو تشاح الجد الأسفل و الأعلى، هل يجري عليهما حكم الأب و الجد، أوْ لا؟ وجهان، أوجههما الثاني، لأنهما ليسا أباً و جدّاً بل كلاهما جدّ، فلا يشملهما ما دلّ على تقديم الجد على الأب (2).

____________

(1) كما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره)، حيث ذكر بعد القول بالصحّة أنه: قد يقال ببطلان عقده حينئذ (1) فإنه ظاهر في كونه قولًا و إن كان نادراً.

و كيف كان، فالصحيح هو الثاني.

و الوجه فيه أن أوْلوية عقد الجد في هذه الموارد كما دلّت عليه النصوص المعتبرة ليست هي بمعنى الأفضلية، و إنما هي بمعنى ثبوت الولاية له دون الأب، و من هنا فتكون هذه النصوص مقيدة لأدلّة ولاية الأب، بغير فرض هوى الجدّ رجلًا آخر، و معه فلا مجال للقول بالصحّة في المقام.

و منه يظهر الحال في التمسك بإطلاق صحيحة هشام بن سالم و محمّد بن حكيم فإنه لا مجال للتمسك به بعد ثبوت المقيد له.

و أما حمل الأولوية على الأولوية الاستحبابية أو الوجوبية التكليفية، فهو على خلاف الظاهر جدّاً، كما يشهد له ورود عين هذا التعبير في فرض تقارن عقديهما.

و الحاصل أن هذا القول و إن كان نادراً بل لم يعلم القائل به، إلّا أنه هو المتعيّن بحسب الأدلّة و النصوص.

(2) إلّا أنه قد يشكل على ما أفاده (قدس سره)، بأنّ النصوص الواردة في المقام و إن كانت كلّها تختص بالأب و الجدّ، غير أن مقتضى التعليل المذكور في روايتين هو‌

____________

[1] لا يبعد أن يكون هذا هو الأظهر.

____________

(1) الجواهر 29: 209.

239

..........

____________

التعدِّي إلى الجدّ الأسفل مع الجدّ الأعلى، و هاتان الروايتان هما:

أوّلًا: رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إني لذات يوم عند زياد بن عبد اللّٰه إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح اللّٰه الأمير إن أبي زوّج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاحه باطل. قال: ثمّ أقبل عليّ فقال: ما تقول يا أبا عبد اللّٰه؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: أ ليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أن رجلًا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال له رسوله اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): أنت و مالك لأبيك؟ قالوا: بلى. فقلت لهم: كيف يكون هذا و هو و ماله لأبيه و لا يجوز نكاحه؟! قال: فأخذ بقولهم، و ترك قولي» (1).

فإنّ التعليل بقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «أنت و مالك بفتح اللام كما يقتضيه استشهاده (عليه السلام) بهذه الكلمة في النكاح لأبيك» يقتضي عدم اختصاص الحكم بالأب بلا واسطة مع الجد، و عموم الحكم للجد الأسفل مع الجد الأعلى، فإنه و ماله له.

ثانياً: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته، فهوي أن يزوّج أحدهما و هوى أبوه الآخر، أيهما أحق أن ينكح؟ قال: «الذي هوى الجد أحقّ بالجارية، لأنها و أباها للجد» (2).

فإنها و بعموم التعليل تدلّ على ثبوت الحكم للجدين الأسفل و الأعلى.

لكن في الاستدلال بكلتا الروايتين نظر:

أما الأُولى: فهي مضافاً إلى ضعف سندها بسهل بن زياد لا دلالة فيها على تقدّم هوى الجد على هوى الأب عند التشاح، أو عقد الجد على عقده عند التقارن‌

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 5.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 11 ح 8.

240

[مسألة 10: لا يجوز للولي تزويج المولى عليه بمن به عيب]

[3873] مسألة 10: لا يجوز للولي تزويج المولى عليه بمن به عيب، سواء كان من العيوب المجوزة للفسخ أوْ لا، لأنه خلاف المصلحة (1). نعم، لو كان هناك مصلحة لازمة المراعاة جاز.

____________

بل غاية دلالتها هو ثبوت الولاية للجد، و أنّ له أن يفعل كل ما كان للأب أن يفعله. و من هنا فلا يمكن التمسك بهذه الرواية لإثبات المدعى.

و أما الثانية: فهي لو تمّت دلالتها فإنما تدل على تقديم هوى الجد الأعلى على هوى الجد الأدنى، و أما تقديم عقد الأعلى على عقد الأدنى في فرض التقارن فلا دلالة لها عليه. على أن دلالتها على الأوّل محل نظر أيضاً، و ذلك لما ذكرناه فيما تقدّم من أنّ محل الكلام إنما هو في فرض استقلال الأب و الجد في الولاية، كما هو الحال في الولاية على الصغيرة، و أما الكبيرة الرشيدة فالأمر بيدها تختار من العقدين ما شاءت. نعم، يأتي قريباً إن شاء اللّٰه أنه يستحب لها أن ترضى بما رضي به الجدّ.

و حيث إنّ الظاهر أنّ مورده هذه الصحيحة هو فرض كونها كبيرة، كما يظهر ذلك من قول السائل: (رجلان يخطبان ابنته) فإنّ ذلك إنما يكون بالنسبة إلى الكبيرة غالباً، تكون الصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام.

و ممّا يؤيِّد ما ذكرناه، أنه (عليه السلام) إنما حكم بأحقيّة الرجل الذي هواه الجدّ و لم يحكم بأحقيّة الجد نفسه، فإنه إنما ينسجم مع ما ذكرناه من استحباب الرضا بما رضي به الجدّ، من دون أن يكون له دلالة على سلب الولاية عن الأب.

و من هنا فلا مجال للتمسك بهذه الصحيحة لإثبات تقدّم عقد الجدّ على عقد الأب عند التشاح، فضلًا عن التعدي منهما إلى الجد الأعلى مع الجد الأدنى.

إذن فالصحيح في المقام هو ما اختاره الماتن (قدس سره)، من اختصاص الحكمين بالأب بلا واسطة مع الجد، و عدم ثبوته في الجدين الأعلى و الأدنى.

(1) في التعبير مسامحة واضحة و المراد به وجود المفسدة، كما يقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع.

241

و حينئذ لا خيار له و لا للمولى عليه إن لم يكن من العيوب المجوّزة للفسخ. و إن كان منها، ففي ثبوت الخيار للمولى عليه بعد بلوغه أو إفاقته، و عدمه لأن المفروض إقدام الولي مع علمه به، وجهان. أوجههما الأوّل، لإطلاق أدلّة تلك العيوب، و قصوره بمنزلة جهله (1) و علم الولي و لحاظه المصلحة لا يوجب سقوط الخيار للمولى عليه، و غاية ما تفيد المصلحة إنما هو صحّة العقد، فتبقى أدلّة الخيار بحالها.

بل ربّما يحتمل ثبوت الخيار للولي أيضاً، من باب استيفاء ما للمولى عليه من الحق، و هل له إسقاطه أم لا؟ مشكل (2) إلّا أن يكون هناك مصلحة ملزمة

____________

(1) استشكل فيه بعضهم بأنّ علم الولي و الوكيل لما كان بمنزلة علم المولى عليه و الموكل، خرج المورد عن منصرف أدلّة الخيار.

و فيه: أنّ التوكيل أو الولاية لا يقتضيان إلّا كون الفعل الصادر من الوكيل أو الولي، بمنزلة الفعل الصادر من الموكل أو المولى عليه. و أما كون علمهما بمنزلة علمهما فهو مما لا يمكن إثباته بدليل، و لا موجب لتقييد المطلقات الدالّة على ثبوت الخيار عند ظهور العيوب المعينة.

نعم، في خصوص ما إذا اشترى الوكيل أو الولي بأغلى من ثمن المثل لمصلحة تقتضي صحّة العقد، يمكن القول بعدم ثبوت خيار الغبن للمولى عليه و الموكل، و ذلك لأنّ منشأ هذا الخيار إنما هو الاشتراط الضمني بمبادلة كل من المتبايعين ماله بما يساويه في المالية من الآخر، و من الواضح أنّ هذا الشرط الضمني يتوقّف على الجهل بالغبن، إذ مع العلم به لا يمكن القول باشتراط التساوي في المالية.

إلّا أنّ هذا أجنبي عن محلّ الكلام. فإنّ عدم ثبوت الخيار فيه إنما هو من جهة فقد المقتضي، أعني الاشتراط الضمني بالتساوي في المالية، فلا يمكن التعدي إلى المقام حيث إن تقييد المطلقات يحتاج إلى الدليل، و لا دليل على كون علم الولي بمنزلة علم المولى عليه.

(2) لا وجه للاستشكال، بل ينبغي الجزم بعدم الثبوت، فيما إذا لم يكن هناك‌

242

لذلك (1).

و أما إذا كان الولي جاهلًا بالعيب و لم يعلم به إلّا بعد العقد، فإن كان من العيوب المجوزة للفسخ، فلا إشكال في ثبوت الخيار له (2) و للمولى عليه إن لم يفسخ، و للمولى عليه فقط إذا لم يعلم به الولي إلى أن بلغ أو أفاق.

و إن كان من العيوب الأُخر، فلا خيار للولي (3). و في ثبوته للمولى عليه و عدمه وجهان، أوجههما ذلك [1]، لأنه يكشف عن عدم المصلحة في ذلك التزويج. بل يمكن أن يقال أن العقد فضولي حينئذ لا أنه صحيح، و له الخيار (4).

____________

مصلحة ملزمة، و ذلك لما فيه من تفويت حق الصغير و الإفساد في أمره.

(1) و حينئذ فلا ينبغي الإشكال في ثبوت الولاية له، فإنه من الأُمور الراجعة إلى المولى عليه، فيكون له التصرف فيه.

(2) لعدم المقتضي، لسقوطه، و تقييد إطلاقات أدلّة الخيار.

(3) بما هو عاقد و مزوج للصغير أو المجنون، و ذلك لعدم ثبوته للزوج إذا كان هو المباشر للعقد، فلا يثبت لمن هو فرع له. إلّا أن هذا لا ينافي ثبوته له من جهة ثبوته للمولى عليه، باعتبار أن العقد الواقع خارجاً على خلاف مصلحته، لو قيل به.

(4) و الذي ينبغي أن يقال: إنّ العقد إذا كان خالياً عن المفسدة بالنسبة إلى الصغير و إن لم تكن فيه مصلحة له أيضاً، فلا بدّ من الحكم بصحته من دون ثبوت الخيار للولي أو المولى عليه. أما الصحّة، فلما عرفت من كفاية عدم وجود المفسدة في الحكم بها. و أما عدم ثبوت الخيار، فلاختصاص أدلتها بعيوب معينة.

و أمّا إذا كان فيه مفسدة له، فينبغي الحكم بالبطلان رأساً، و لا وجه للحكم بالصحّة و ثبوت الخيار.

____________

[1] فيه إشكال بل منع، فإنّ تزويج الأب إن كان نافذاً في حقّه على أساس أنّ المعتبر في ولايته عليه عدم المفسدة فلا يكون عدم المصلحة مانعاً عن نفوذ تصرّفه في حقّه كما مرّ سابقاً و عليه فلا خيار له، و إن لم يكن نافذاً فالعقد فضولي تتوقّف صحّته على إجازة المولى عليه بعد البلوغ.

243

[مسألة 11: مملوك المملوك كالمملوك في كون أمر تزويجه بيد المولى]

[3874] مسألة 11: مملوك المملوك كالمملوك في كون أمر تزويجه بيد المولى (1).

[مسألة 12: للوصي أن يزوِّج المجنون المحتاج إلى الزواج]

[3875] مسألة 12: للوصي أن يزوِّج المجنون المحتاج إلى الزواج (2)، بل

____________

و الحاصل أنه لا وجه للجمع بين الحكم بالصحّة و ثبوت الخيار في المقام، فإن الصحّة متوقفة على عدم المفسدة، و معه يكون العقد نافذاً من دون أن يكون لأحد الخيار فيه. و أما مع وجود المفسدة، فالعقد فضولي و غير محكوم بالصحّة، إلّا مع التعقيب بالإجازة.

(1) سواء التزمنا بقابلية العبد للملك كما هو المختار، أم قلنا بعدمها.

و الوجه فيه أن المولى مالك للعبد و لما يملكه، فلا يجوز نكاحه من غير إذنه. و قد تقدّم البحث في هذه المسألة مفصلًا في نكاح العبيد و الإماء، فراجع.

(2) بلا خلاف فيه في الجملة، و تقتضيه إطلاقات أدلّة نفوذ الوصيّة، كقوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1).

فإنّ صدرها و إن كان يقتضي نفوذ الوصيّة المالية خاصة بالنسبة إلى خصوص الوالدين و الأقربين، إلّا أن المستفاد من قوله تعالى «فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً» نفوذها مطلقاً و لزوم العمل بمقتضاها دائماً باستثناء ما خرج، أعني ما كان فيها جنف أو إثم أو ضرر على الوارث على ما دلّت عليه النصوص فإنه لا يجب العمل بها.

و من هنا فتكون الآية المباركة شاملة للوصيّة بالمجنون، فيجب العمل على وفق‌

____________

(1) سورة البقرة 2: 180 182.

244

..........

____________

الوصيّة، لأنّ في مخالفتها تبديلًا لها، فيكون «إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ».

و توهّم أنّ الآية المباركة و جميع النصوص الواردة في الاستدلال بها مختصة بالوصيّة المالية، فلا دليل على نفوذ الوصيّة في نكاح المجنون أو المجنونة.

مدفوع بأنّ صدر الآية الكريمة و إن كان موردها الوصيّة بالمال، إلّا أنه غير ضارٍّ بإطلاق الآية المباركة. على أنه يكفي في إثبات عدم اختصاص نفوذ الوصيّة بالأُمور المالية، ما دلّ على نفوذ الوصيّة بالمضاربة بمال اليتيم، مع أنه وصيّة بالاتجار لا المال.

كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده و بمال لهم، و أذن عند الوصيّة أن يعمل بالمال و أن يكون الريح بينه و بينهم، فقال: «لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك و هو حي» (1). و قريب منها خبر خالد الطويل (2).

فإنّ مقتضى عموم التعليل بقوله (عليه السلام): «إن أباه قد أذن له في ذلك و هو حي» نفوذ الوصيّة بكل ما كان للأب في حياته.

و يؤيِّد ما ذكرناه ما ورد في تفسير من «بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ» (3) حيث اشتملت جملة منها على الوصي أيضاً، فإنّ المراد به و بملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع، هو من أوصى إليه بالنكاح دون من كان وصياً في إدارة شؤونه العامة.

و بالجملة لا ينبغي الإشكال في نفوذ الوصيّة بالنكاح بالنسبة إلى المجنون.

ثمّ إن الحكم بنفوذ الوصيّة مطلقاً إنما يتم في المقام بناءً على ما اخترناه، من عدم اختصاص ولاية الأب أو الجد على المجنون بما إذا كان الجنون متصلًا بالصغر. و أما لو قلنا بذلك، كان اللازم اختصاص نفوذ الوصيّة بذلك الفرض أيضاً و عدم تماميته في الجنون المنفصل، إذ ليس للأب أو الجد الإيصاء لغيره بما ليس له.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 92 ح 1.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 92 ح 2.

(3) سورة البقرة 2: 237.

245

الصّغير أيضاً لكن بشرط نصّ الموصي عليه [1] (1) سواء عيّن الزّوجة أو الزّوج أو أطلق. و لا فرق بين أن يكون وصياً من قبل الأب أو من قبل الجدّ، لكن

____________

(1) أمّا مع النص عليه، فيقتضيه جميع الوجوه المتقدِّمة في المجنون، من الآية المباركة، و صحيحة محمد بن مسلم، و ما ورد فيمن بيده عقدة النِّكاح.

إلّا أنه قد يستدلّ على عدم النفوذ في المقام بصحيحتين هما:

أوّلًا: صحيحة ابن بزيع، قال: سأله رجل عن رجل مات و ترك أخوين و ابنة و البنت صغيرة، فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه ثمّ مات أبو الابن المزوج، فلما أن مات قال الآخر: أخي لم يزوّج ابنه فزوج الجارية من ابنه، فقيل للجارية: أيّ الزوجين أحب إليك الأوّل أو الآخر؟ قالت: الآخر، ثمّ إنّ الأخ الثاني مات و للأخ الأوّل ابن أكبر من الابن المزوج فقال للجارية: اختاري أيهما أحب إليك الزوج الأوّل أو الزوج الآخر؟ فقال: «الرواية فيها أنها للزوج الأخير، و ذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها، و ليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها» (1).

و فيه: أنها أجنبية عن محل الكلام، إذ لم يفرض فيها كون الوصي وصياً في التزويج فلا تعارض ما تقدّم، لما عرفت من ورودها و لو بملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع في التزويج، بل لا بدّ من حملها على الوصي في غير النكاح كادارة شؤونها العامة، كما هو الغالب في الوصيّة.

ثانياً: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ قال: «إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم» (2). فإنها و بإطلاقها تدلّ على نفي التوارث فيما إذا زوجهما الوصي، و عدم التوارث يدلّ على بطلان النكاح.

و فيه: أن المتفاهم العرفي من هذه الصحيحة أنه لا خصوصيّة للأبوين جزماً، و إنما‌

____________

[1] إذا لم ينص الموصي على الزواج و لكن كان للوصي التصرّف في مال الصغير بالبيع و الشراء فالاحتياط بالجمع بين إذنه و إذن الحاكم لا يُترك.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 8 ح 1.

(2) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 12 ح 1.

246

..........

____________

ذكرا من جهة أنهما أظهر مصداق للولي، و لذا يثبت التوارث بلا خلاف فيما إذا زوجهما الجد أو الوكيل باعتبار أن فعله فعل الموكل.

و من هنا فليس فيها أي دلالة على بطلان العقد الصادر من غير الأبوين، و إنما هي دالّة على اعتبار صدور العقد ممن بيده الأمر، سواء أ كان هو الأب أم غيره.

إذن فلا مناص من الالتزام بنفوذ نكاح الوصي، فيما إذا كان الأب قد نصّ عليه بالخصوص.

و أما مع عدم النص عليه بخصوصه، فإن كانت الوصاية أجنبية عن الصغير و خارجة عن شؤونه، كما لو أوصى لشخص بصرف ثلثه أو تكفينه و دفنه، فلا ينبغي الإشكال في عدم ثبوت وصاية للوصي على الطفل مطلقاً، لا في النكاح و لا في غيره إذ لا يحتمل أن يكون هذا مصداقاً للوصي المذكور في عداد من بيده عقدة النكاح.

و إن كانت الوصاية راجعة إلى الطفل، فإن لم تكن هناك مصلحة ملزمة للزواج و لو لأمر غير الحاجة إليه، فلا شك في عدم ثبوت الولاية له على النكاح، لعدم المقتضي له. و لعل صحيحة ابن بزيع المتقدِّمة محمولة على هذه الصورة.

و إن كانت هناك مصلحة ملزمة له كما لو توقف حفظ حياته أو حياتها على التزويج، فالذي ذهب إليه المشهور و اختاره الماتن (قدس سره) كما يأتي التصريح به في المسألة القادمة هو ثبوت الولاية للحاكم الشرعي، إذ لا دليل على ثبوتها للوصي.

إلّا أنه مشكل، باعتبار أنّ ولاية الحاكم لم تثبت بدليل لفظي خاص، كي يؤخذ بإطلاقه في مثل هذه الصور. فإن التمسك بالنبوي: «السلطان ولي من لا ولي له» أو معتبرة أبي خديجة لإثباتها لا يخلو من إشكال بل منع. فإنّ الأوّل مضافاً إلى كونه رواية نبوية مختص بالسلطان و هو الإمام المعصوم (عليه السلام)، فلا مجال للتعدي عنه إلى الحاكم. و الثاني وارد في الترافع و القضاء، و إنّ قضاءه نافذ و حكمه لا يجوز نقضه، فالتعدي عنه إلى مثل الولاية على اليتيم و المجنون يحتاج إلى الدليل.

و إنما هي ثابتة له من باب أنه القدر المتيقن ممن يجوز له التصدي له، إذ لا احتمال‌

247

بشرط عدم وجود الآخر (1) و إلّا فالأمر إليه.

[مسألة 13: للحاكم الشرعي تزويج من لا ولي له]

[3876] مسألة 13: للحاكم الشرعي تزويج من لا ولي له (2) من الأب و الجدّ و الوصي، بشرط الحاجة إليه، أو قضاء المصلحة اللّازمة المراعاة.

____________

لثبوتها لغيره دونه، و إذا كان الأمر كذلك فلا مجال لثبوتها في المقام لاحتمال ثبوتها للوصي، فإنّ نفس هذا الاحتمال يكفي في نفيها عن الحاكم، إذ به يخرج عن كونه القدر المتيقن.

و بعبارة اخرى: إنّ تزويج اليتيم أو المجنون في فرض وجود مصلحة ملزمة لهما لما كان مما لا بدّ من وقوعه خارجاً، و كان لا بدّ من تصدي شخص معين له، ثبتت الولاية للحاكم في فرض عدم وجود الوصي، لكونه هو القدر المتيقن ممن له التصدِّي للتزويج. و أما مع فرض وجود الوصي، فحيث لا يكون الحاكم هو القدر المتيقن، فلا مجال للقول بثبوتها له.

و على هذا فمقتضى الاحتياط هو الجمع بين رضا الحاكم و الوصي، فإنّ الأمر لا يعدوهما.

و من هنا يظهر الحال في المجنون، فإنّ الكلام فيه عين الكلام في الصغير. فإنّ التفاصيل المتقدِّمة من النص على النكاح و عدمه، و وجود مصلحة ملزمة و عدمه كلّها آتية فيه أيضاً.

(1) بلا خلاف فيه بينهم، بل و عليه التسالم.

و يقتضيه قوله تعالى «فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً» فإن مقتضاه عدم نفوذ الوصيّة التي فيها إثم أو جنف، و حيث إنّ في نفوذ هذه الوصيّة جنفاً على الولي الآخر، فلا يثبت.

و بعبارة اخرى: إنّ وصيّة الولي إنما تنفذ بالنسبة إلى المولى عليه، فإنه الذي يلزم بما فعله الوصي. و أما بالنسبة إلى الولي الآخر فلا دليل على نفوذها، بل تقييد ولايته بما إذا لم يسبقه الوصي تعدٍّ عليه و جنف في حقه فلا تنفذ.

(2) قد عرفت الحال في هذه المسألة و ما يمكن أن يستدلّ به و مناقشته في ذيل المسألة السابقة، فلا نعيد.

248

[مسألة 14: يستحب للمرأة المالكة أمرها أن تستأذن أباها أو جدّها]

[3877] مسألة 14: يستحب للمرأة المالكة أمرها أن تستأذن أباها أو جدّها (1). و إن لم يكونا فتوكل أخاها، و إن تعدّد اختارت الأكبر.

____________

(1) لا يخفى اختصاص مورد الكلام بالثيب، و عدم شموله للبكر لأنها لا تملك أمرها، لما عرفت من اعتبار انضمام رضا أبيها أو جدها إلى رضاها.

نعم، لو قلنا باستقلالها في النكاح، فلا بأس في القول باستحباب استئذانها لهما. و ذلك لما ورد من أن البكر لا تتزوج إلّا بإذن أبيها، فإنّ ظاهره توقّف صحّة عقدها عليه، فإذا فرض رفع اليد عن هذا الظهور، تعيّن حملها على الاستحباب لا محالة.

و كيف كان، ففي مورد الكلام لا يمكن إثبات استحباب الاستئذان بعنوانه الخاص نظراً لعدم الدليل عليه.

و دعوى أن الروايات الدالة على اعتبار استئذانها إذا سقطت عن ظهورها في الوجوب، حملت على الاستحباب لا محالة.

مدفوعة بأنه لم يرد في المقام و لا رواية واحدة تدل على اعتبار استئذان الثيب لأبيها في النكاح، كي تحمل على الاستحباب بعد رفع اليد عن ظهورها في الوجوب.

نعم، ورد ذلك في البكر، و قد عملنا بظاهرها كما عرفت فيما تقدّم. كما وردت روايات مطلقة تدلّ على اعتبار استئذان الجارية، من غير تقييد بالبكر أو الثيب، إلّا أنها محمولة على البكر جمعاً بين الأخبار، و بعد تقييدها لا وجه لحمل الأمر على الاستحباب.

و أما الاستدلال على المدعى برواية سعيد بن إسماعيل عن أبيه، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوّج ببكر أو ثيب لا يعلم أبوها و لا أحد من قراباتها، و لكن تجعل المرأة وكيلًا فيزوّجها من غير علمهم، قال: «لا يكون ذا» (1).

فمردود بأنها أجنبية عما نحن فيه، فإنها دالّة على وجوب الإعلام، و لذا لم يذكر فيها الأب خاصّة و إنما ذكر الأقرباء أيضاً، فلا دلالة لها على استحباب الاستئذان.

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 3 ح 15.

249

[مسألة 15: ورد في الأخبار أن إذن البكر سكوتها عند العرض عليها]

[3878] مسألة 15: ورد في الأخبار أن إذن البكر سكوتها عند العرض عليها، و أفتى به العلماء، لكنها محمولة على ما إذا ظهر رضاها، و كان سكوتها لحيائها عن النطق بذلك (1).

____________

و بعبارة اخرى: إنّ الرواية دالّة على وجوب الإعلام و اعتباره في صحّة النكاح فلا بدّ من حملها على التقية لذهاب العامة إليه، و وضوح عدم اعتباره عندنا. و على كل تقدير فهي أجنبية عن محل الكلام.

نعم، لا بأس بإثبات الاستحباب في المقام، من جهة كون الاستئذان من أظهر مصاديق احترام الأب و الجد و تجليلهما، إلّا أنه حينئذ لا يختص الحكم بالمذكورين في المتن، بل يعمّ مثل الام و العم بل و كل كبير للُاسرة.

(1) ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في المقام صوراً: سكوتها مقروناً بقرائن تدلّ على رضاها بالعقد جزماً أو اطمئناناً، و الشك في رضاها مع عدم وجود قرينة تدلّ على رضاها أو عدمه، و قيام قرينة ظنِّيّة تدلّ على رضاها، و قيام قرينة تدلّ على عدم رضاها بالعقد جزماً أو اطمئناناً، و قيام قرينة ظنِّيّة تدل على عدم رضاها به و قيام القرينتين معاً. و قد حكم (قدس سره) بالصحّة في الصور الثلاث الاولى و البطلان في الثلاث الباقية.

أمّا الصحّة في الأُولى و البطلان في الرابعة فوجههما واضح، فإنهما خارجتان عن مورد النص بلا إشكال. أما الاولى فلأنّ العبرة إنما هي بإحراز رضاها كيف اتفق و بأي مبرز كان، من دون حاجة إلى بيان أن سكوتها رضاها. و أما الثانية فلأنّ السكوت في النصوص منزل منزلة الإذن اللفظي، في كونه كاشفاً عن الرضا الباطني و أمارة عليه.

و من هنا فلا يبقى مجال لحمل النصوص على بيان حكم تعبدي، و لا تكون الرواية شاملة للفرض، إذ مع العلم بعدم الكشف و عدم رضاها لا أثر للسكوت، كما لا أثر لإذنها الصريح.

و بعبارة اخرى: إنّ النصوص إنما دلت على تنزيل السكوت منزلة الإذن اللفظي‌

250

[مسألة 16: يشترط في ولاية الأولياء المذكورين البلوغ، و العقل و الحرية، و الإسلام]

[3879] مسألة 16: يشترط في ولاية الأولياء المذكورين البلوغ، و العقل و الحرية، و الإسلام إذا كان المولى عليه مسلماً.

فلا ولاية للصغير و الصغيرة على مملوكهما (1) من عبد أو أمة، بل الولاية حينئذ لوليهما. و كذا مع فساد عقلهما (2) بجنون (3) أو إغماء

____________

في كونه أمارة كاشفة عن الرضا الباطني، و لم تدلّ على تنزيله منزلة الرضا نفسه، كي يكون حكماً تعبدياً و يكون له موضوعية، بحيث يكتفى به حتى مع العلم بعدم الرضا. و حينئذ فحيث إنه مع العلم بعدم الرضا يسقط عن الكاشفية، فلا وجه للاستناد إليه و الاكتفاء به.

و أما التفصيل في باقي الصور فلم يظهر له وجه.

و الذي يظهر بالتأمل في هذه النصوص أن السكوت إنما هو منزل منزلة الإذن الذي هو أمارة و كاشف عن الرضا الباطني، و لذا عرفت خروج فرض الاطمئنان بعدم رضاها قلباً، و من هنا تكون حجية السكوت على حدّ حجية الإذن الصريح. و حيث إنه حجة ما لم يعلم عدم رضاها، يكون الأمر في السكوت كذلك أيضاً، من غير فرق بين قيام الظن بالوفاق أو الخلاف و عدمه، فإن الأمارات كاشفة كشفاً نوعياً و حجة بقول مطلق ما لم يحصل العلم بالخلاف، على ما هو محرر في محلِّه.

(1) بلا خلاف فيه، للحجر عليهما في التصرف فيما يملكانه، فتكون الولاية لوليهما لا محالة.

(2) العبارة لا تخلو من قصور، فإن ظاهرها رجوع الضمير إلى الصغير و الصغيرة إلّا أنه غير مراد جزماً، فإن الجنون مانع عرضي فلا يكون له أثر مع وجود المانع الذاتي أعني الصغر بل المراد به المالكان الكبير و الكبيرة إذا عرض عليهما الجنون كما يشهد له عدم تعرضه (قدس سره) لحكمهما بعد ذلك.

(3) لأنه محجور عليه، فيكون تصرّفه بمنزلة العدم، و حينئذ فتنتقل ولايته إلى وليِّه لا محالة.