موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
251

أو نحوه [1] (1).

و كذا لا ولاية للأب و الجدّ مع جنونهما و نحوه [2] (2). و إن جُنّ أحدهما دون

____________

ثمّ كان عليه (قدس سره) أن يذكر اعتبار الرشد، فإنّ السفيه محجور عليه في التصرّفات المالية أيضاً.

(1) كالسكر.

ثمّ إنّ المراد بنفي الولاية، إن كان عدم الولاية من باب السالبة بانتفاء الموضوع باعتبار أنّ الولاية عبارة عن التسلط و التمكن من التصرف في ماله أو مال غيره و هو يتوقف على الشعور و الإدراك، فهو واضح، إلّا أن مقتضاه نفي الولاية عن النائم و الغافل أيضاً، لعدم تمكّنهما من التصرف لعدم الشعور و قصورهما عن التصرّف.

و إن كان عدم الولاية بمعنى سلبها عنهما و انتقالها إلى غيرهما، كما هو الحال في الصغير و المجنون على ما هو ظاهر العبارة، فلا يمكن إثباته بدليل. و من هنا فلو أُغمي على رجل، لم يكن لأبيه أو الحاكم التصرف في أمواله بالبيع و الشراء و غيرهما.

نعم، لو كانت فترة نومه أو إغمائه طويلة إلى حد لم يتمكن معه من التصرف في ماله، و كان المال في معرض التلف، ثبتت الولاية عليه حسبة، لأنّ مال المسلم محترم و يجب حفظه. إلّا أنه أجنبي عن انتقال الولاية بالإغماء إلى غيره.

و الحاصل أن ما أفاده (قدس سره) من نفي الولاية عن المغمى عليه و من هو بحكمه و انتقالها إلى غيره، غير تامّ و لا يمكن إثباته بدليل.

(2) الكلام في هذا الفرع يقع في مقامين:

الأوّل: في ولايتهما على الصغير و الصغيرة.

الثاني: في اعتبار إذنهما في نكاح الباكر.

أمّا المقام الأوّل: فلا ينبغي الشك في عدم ثبوتها لهما، فإنهما إذا كانا محجورين عن‌

____________

[1] لا تنتقل الولاية عن المالك إلى غيره بالإغماء و نحوه.

[2] إذا كان زمان الإغماء و نحوه بل الجنون أيضاً قصيراً فالظاهر أنّ البكر البالغة لا تستقل في أمرها، بل لا بدّ لها من الانتظار حتّى يفيق أبوها أو جدّها فتستجيز منه.

252

الآخر فالولاية للآخر (1).

____________

التصرّف في أنفسهما و أموالهما، فهما أولى بالحجر عن التصرف في نفس الغير و ماله.

و يؤكِّد ذلك مضافاً إلى انصراف جملة من النصوص الواردة في المقام إلى غير المجنون قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضل بن عبد الملك المتقدِّمة: «و كان الجدّ مرضياً» (1).

و كذا ما ورد في لزوم المهر للأب إذا لم يكن للولد مال (2) فإنها مختصّة بالعاقل لا محالة، فإن المجنون لا يلزمه شي‌ء، فلا معنى لكون المهر عليه في حياته، و خروجه من تركته بعد وفاته.

و أمّا المقام الثاني: فلا إشكال في سقوط الولاية عنهما. و إنما الإشكال في استقلال البكر في تزويج نفسها، أو وجوب انتظارها إفاقة الأب من جنونه إذا كان أدوارياً أو إغمائه أو سكره، بناءً على سقوط ولايته في هاتين الحالتين.

الظاهر هو الثاني. فإن جملة من النصوص الواردة في اعتبار إذن الولي، و إن كانت قاصرة الشمول لمثلها باعتبار أنها لا ولي لها، إلّا أن بعضها الآخر و هي التي وردت بلسان اعتبار استئذان الأب غير قاصر الشمول لها، فإن استئذانها منه ممكن و ذلك بالانتظار يسيراً حتى يفيق مما هو فيه، كما هو الحال في سائر موارد الأعذار غير الجنون و الإغماء، كالنوم و الحبس و غيرهما.

نعم، لو كانت المدّة طويلة بحيث يستلزم الانتظار تضرّرها، فلا بأس بالقول باستقلالها حينئذ، إلّا أنه إنما يتمّ في الجنون حيث يمكن فرض كونه إطباقياً دون الإغماء و السكر، حيث لا يمكن فرض طول المدة فيهما، فيجب عليها الانتظار لا محالة.

(1) لعموم دليل ولايته السالم عن المعارض.

____________

(1) وسائل الشيعة 20: 290 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، باب 11 ثبوت الولاية للجدّ للأب في حياة الأب خاصّة، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 21: 287 كتاب النكاح، أبواب المهور، باب 28 إنّ من زوّج ابنه الصغير و ضمن المهر أو لم يكن للابن مال.

253

و كذا لا ولاية للمملوك و لو مبعضاً على ولده، حراً كان أو عبداً (1) بل الولاية في الأوّل للحاكم (2) و في الثاني لمولاه.

و كذا لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم (3)

____________

(1) أمّا مع حرية الولد، فلأنّ العبد حتى و لو كان مبعضاً، فهو لا يقدر على شي‌ء و ممنوع من التصرف في نفسه فضلًا عن غيره. و أما مع رقيته فالأمر أوضح، فإن أمره بيد مولاه و ليس للأب ولاية عليه حتى و لو كان حراً، فإن ولايته إنما هي بلحاظ ولده الصغير أو بنته البكر و بالنسبة إليهما خاصة، و أما بالنسبة إلى مالكهما فدليل ولايته قاصر الشمول له.

(2) تقدّم الكلام فيه في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل، و قد عرفت أن الولد إذا كان كبيراً فهو مستقل في أمره يفعل ما يشاء، و أما إذا كان صغيراً فلا ولاية للحاكم عليه، إلّا فيما تقتضيه المصلحة الملزمة و يعلم من الشارع وجوب التصدي إليه و تحقيقه، و أما في غير ذلك فلا دليل على ولاية الحاكم عليه.

(3) بلا خلاف فيه، بل الظاهر من كلماتهم أنه من الواضحات المتسالم عليها.

و قد استدلّ عليه في بعض الكلمات بجملة من الآيات الكريمة و النصوص الشريفة كقوله تعالى «لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (1). و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه» (2).

و قد تعرّض شيخنا الأعظم (قدس سره) إلى مناقشة دلالة هذه النصوص مفصّلًا و لقد أجاد (قدس سره) فيما أفاد. فإن السبيل المنفي في الآية المباركة إنما هو الحجّة لا التسلّط عليه، و لذا يثبت للكافر السلطنة على أجيره المسلم، حيث يجب عليه تنفيذ ما استأجره عليه. و علو الإسلام لا يستلزم عدم ثبوت الولاية للكافر على المسلم.

فالعمدة في الاستدلال أمران:

____________

(1) النساء 4: 141.

(2) الوسائل، ج 26 كتاب الفرائض و المواريث، أبواب موانع الإرث، ب 1 ح 11.

254

فتكون للجدّ إذا كان مسلماً (1) و للحاكم إذا كان كافراً أيضاً (2). و الأقوى (3) ثبوت ولايته على ولده الكافر [1].

____________

الأوّل: انصراف الأدلّة. فإن المتفاهم العرفي منها كون الولاية من جهة احترامهم و أداء حقوقهم، فلا تشمل الكافر الذي يجب عدم موادته و الابتعاد عنه.

الثاني: قاعدة الإلزام. فإنّ الكفار و بحسب ما هو معلوم من الخارج لا يلتزمون بجواز إنكاح الصغير مطلقاً، كما لا يلتزمون بالولاية على بناتهم الأبكار و توقف نكاحهنّ على إذنهم، و حينئذ فمقتضى هذه القاعدة سقوط الولاية عنه، و الالتزام بصحّة نكاحها من غير إذنه.

(1) لعموم أدلة ولايته.

(2) قد عرفت الكلام في ولاية الحاكم، فلا نعيد.

(3) و هو إنما يتمّ فيما إذا كان الزوج مسلماً، و كان المستند في نفي ولاية الكافر على ولده المسلم قوله تعالى «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» أو قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) : «الإسلام يَعْلو و لا يُعْلىٰ عليه» (1) فإنه حينئذ يمكن أن يقال بثبوت ولايته عليه، لعدم شمول الدليلين له.

و أمّا إذا كان الزوج كافراً، أو كان المستند في نفيها عنه انصراف أدلّة الولاية عن الكافر أو قاعدة الإلزام كما عرفت أنه هو الصحيح ففيما أفاده (قدس سره) إشكال بل منع. فإن الزوج إذا كان كافراً لم يعتبر في نكاحهما شي‌ء من شرائط الإسلام من إذن الأب أو غيره، فإنّ لكل قوم نكاحاً. و كذا لو كان مسلماً، و لكن كان المستند في النفي ما اخترناه، فإنّ مقتضاه هو الحكم بالصحّة سواء أرضي الأب أم لم يرض، لعدم الولاية له بمقتضى انصراف الأدلة و قاعدة الإلزام، فإنهما شاملان للمقام أيضاً.

____________

[1] فيه إشكال بل منع.

____________

(1) سنن البيهقي 6: 205، فيض القدير 3: 179، الفردوس بمأثور الخطاب 1: 116 ح 395.

255

و لا يصحّ تزويج الولي في حال إحرامه، أو إحرام المولى عليه (1) سواء كان بمباشرته أو بالتوكيل (2).

____________

(1) لأنّ تصرّفه مقيد بكونه مشروعاً، فإذا لم يكن كذلك لكون الولي أو المولى عليه محرّماً، لم يكن له ولاية عليه و حكم ببطلانه، لما دلّ على أن المحرّم لا يتزوّج و لا يزوّج. و ليس هذا لقصور في ولايته، و إنما القصور في الفعل الصادر منه، فهو نظير تزويج الخامسة أو ذات البعل.

(2) سواء أ كان التوكيل في حال الإحرام، أم كان في حال إحلاله، مع وقوع العقد في حال الإحرام.

و استدلّ عليه بأنّ الوكيل نائب عن الموكل، و فعله فعله لانتسابه إليه حقيقة.

و من هنا فإذا صدر العقد من الوكيل في زمان لم يكن الموكل أهلًا له لكونه محرّماً حكم ببطلانه، لانتساب العقد إليه و هو محرّم.

و قد أورد عليه بأنه لا يتمّ فيما إذا كان التوكيل قبل الإحرام، إذ لم يصدر من الموكل بعد إحرامه ما هو حرام بالنسبة إليه، و مجرد انتساب العقد إليه في ذلك الحال لا يقتضي بطلانه.

إلّا أنه مدفوع بأن العبرة في البطلان إنما هي في انتساب العقد إليه في حال كونه محرماً، و حيث إنه لا إشكال فيه في المقام، إذ لا انتساب إليه قبل الإحرام، حكم ببطلانه لا محالة. و لذا لا يحتمل الحكم بالصحّة في فرض اختصاص الوكالة بحالة الإحرام.

لكن الظاهر عدم تمامية ما استدل به على المدعى في كلا الفرضين. و ذلك لأن فعل الوكيل إنما يكون فعل الموكل فيما إذا كان العقد و الوكالة صحيحة، فإنه حينئذ ينتسب كل ما يصدر من الوكيل إلى الموكل حقيقة. و أما إذا كانت الوكالة باطلة كما هو الحال في المقام، باعتبار أنه ليس لأحد التوكيل فيما ليس له القيام به مباشرة، فلا معنى لانتساب فعل الغير إليه حقيقة و اعتباره فعلًا له.

و الحاصل أن بطلان العقد في المقام ليس من جهة أن فعل الوكيل فعل الموكل‌

256

نعم، لا بأس بالتوكيل حال الإحرام، ليوقع العقد بعد الإحلال (1).

[مسألة 17: يجب على الوكيل في التزويج أن لا يتعدى عما عيّنه الموكل]

[3880] مسألة 17: يجب على الوكيل في التزويج أن لا يتعدى عما عيّنه الموكل من حيث الشخص، و المهر، و سائر الخصوصيات، و إلّا كان فضولياً (2) موقوفاً على الإجازة. و مع الإطلاق و عدم التعيين يجب مراعاة مصلحة الموكل (3) من سائر الجهات. و مع التعدي يصير فضولياً (4).

و لو وكّلت المرأة رجلًا في تزويجها، لا يجوز له أن يزوِّجها من نفسه للانصراف عنه (5). نعم، لو كان التوكيل على وجه يشمل نفسه أيضاً، بالعموم أو الإطلاق، جاز. و مع التصريح فأولى بالجواز. و لكن ربّما يقال بعدم الجواز مع الإطلاق، و الجواز مع العموم. بل قد يقال بعدمه حتى مع التصريح بتزويجها من نفسه، لرواية عمّار (6)

____________

حقيقة و هو محرم، و إنما هو لأجل بطلان الوكالة و كون من صدر منه العقد أجنبياً بالمرة، باعتبار أن الولي لما لم يكن له القيام بالعقد في ذلك الحال مباشرة، لم يكن له تفويضه إلى غيره.

(1) لعمومات الأدلة السالمة عن المخصص أو المعارض.

(2) لأن ما وكله فيه لم يقع في الخارج، و ما وقع منه لم يكن وكيلًا فيه.

(3) لانصراف التوكيل عرفاً إلى ما فيه مصلحة للموكل.

(4) لما تقدّم.

(5) فإن التزويج و بحسب الفهم العرفي غير التزوج، فإن الأوّل ظاهر في الإنكاح من الغير، و من هنا فلا يشمل التوكيل فيه الوكيل نفسه.

(6) قال، سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها، أ يحلّ لها أن توكل رجلًا يريد أن يتزوجها، تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟ قال: «لا». قلت له: جعلت فداك، و إن كانت أيّماً؟ قال: «و إن كانت أ أيّماً». قلت: فإن وكلت غيره بتزويجها منه؟ قال: «نعم» (1).

____________

(1) الوسائل، ج 20 كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، ب 10 ح 4.

257

المحمولة على الكراهة (1) أو غيرها من المحامل.

____________

(1) و هو بعيد جدّاً. فالصحيح أن يقال: إن الموثقة أجنبية عن محل الكلام بالمرّة فإنها غير ناظرة إلى توكيل الزوج في إجراء العقد، و إنما هي ناظرة إلى اعتبار الإشهاد في الزواج، و السؤال عن كفاية شهادة الزوج في المقام، فهو نظير ما ورد في القذف بالزنا من السؤال عن عدّ الزوج في جملة الشهود، و حيث إن هذا مما لا يقول به أحد منا، فلا بدّ من حملها على التقية لذهاب العامة إليه.

و بعبارة اخرى نقول: إنّ المشهور بين فقهاء العامّة اعتبار حضور شاهدين حال الزواج، و قد ذهب بعضهم إلى كفاية حضورهما حال الزفاف و إن لم يكونا حاضرين حال العقد، و اعتبر بعضهم كونهما غير الزوج و الزوجة، و ذكر بعضهم أنه لا بأس بكون أحدهما هو الوكيل، و أما عندنا فالإشهاد غير معتبر في صحّة النكاح إجماعاً. نعم، هو معتبر في الطلاق، و لا يجوز أن يكون الزوج هو أحد الشاهدين. و أما الوكيل فقد ذكر في المسالك وجهين: كفايته لإطلاق أدلّة اعتبار الشاهدين غير الزوج و الزوجة، و عدمها لكونه نائباً مناب الزوج فيثبت له ما ثبت له (1).

إذا عرفت ذلك فنقول: إن هذه الموثقة لما كانت دالّة على عدم كفاية شهادة الزوج الوكيل في النكاح، باعتبار أن قوله (عليه السلام): «لا» متعلق بالتوكيل بجميع شؤونه و خصوصياته، فلا بدّ من حملها على التقية، إذ قد عرفت عدم اعتبار الإشهاد في النكاح عندنا بلا خلاف، و إنما هو معتبر عندهم خاصة.

ثمّ إنّ صاحب المسالك (قدس سره) قد رمى الرواية بضعف السند (2). و هو مبني على اعتبار الإيمان بالمعنى الأخص في الرواة في صحّة الرواية، و هو مما لا نقول به، بل و لا يلتزم به هو (قدس سره) أيضاً، و إلّا فرواة الرواية ثقات جميعاً و لا خدشة في أحد منهم.

____________

(1) مسالك الأفهام 9: 115.

(2) مسالك الأفهام 7: 153.

258

[مسألة 18: الأقوى صحّة النكاح الواقع فضولًا مع الإجازة]

[3881] مسألة 18: الأقوى صحّة النكاح الواقع فضولًا مع الإجازة (1) سواء كان فضوليّاً من أحد الطرفين أو كليهما، كان المعقود له صغيراً أو كبيراً حرّا أو عبداً.

____________

و مما تقدّم يظهر الإشكال فيما أفاده صاحب الوسائل (قدس سره) في المقام، حيث أخذ (قدس سره) في عنوان الباب الذي ذكر فيه هذه الرواية: و لا يجوز أن يتولّى طرفي العقد.

فإنه مضافاً إلى كونه أخصّ من المدعى، إذ النسبة بين توليه للعقد و كونه وكيلًا عنها إنما هي العموم و الخصوص من وجه، فإن من الممكن أن يوكل هو غيره في القبول عنه، فلا يكون متولياً لطرفي العقد مردود، بأنّ الرواية غير ناظرة إلى المنع عن كونه موجباً قابلًا، و إنما هي ناظرة إلى التوكيل مع جعله شاهداً للعقد.

و الحاصل أن الصحيح في المقام هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره)، من جواز توكيلها للرجل الذي يريد تزوّجها، بل لا مانع من توليه لطرفي العقد، كما هو الحال فيما إذا كان ولياً على الطرفين، لعدم الدليل على المنع منه.

(1) و تقتضيه مضافاً إلى القاعدة، باعتبار أن مقتضى عمومات الوفاء بالعقد هو إنهاؤه و عدم جواز نقضه و هو شامل للفضولي، نظراً لعدم اعتبار مقارنة الالتزام للعقد في صدقه، بل هو صادق حتى مع تأخر الالتزام عنه، فإنه يوجب انتسابه إليه و من ثمّ يجب عليه الوفاء به و لا يجوز له نقضه النصوص الواردة في المقام:

كصحيحة أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوجهما وليان لهما و هما غير مدركين، قال: فقال: «النكاح جائز، أيهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا و رضيا». قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: «يجوز عليه ذلك إن هو رضي». قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي النكاح، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية، أ ترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه، حتى تدرك و تحلف باللّٰه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث و نصف المهر».

259

و المراد بالفضولي هو العقد الصادر من غير الولي و الوكيل (1) سواء كان قريباً كالأخ و العم و الخال و غيرهم أو أجنبياً. و كذا الصادر من العبد أو الأمة لنفسه بغير إذن الولي. و منه العقد الصادر من الولي أو الوكيل على غير الوجه المأذون فيه من اللّٰه أو من الموكل، ما إذا أوقع الولي العقد على خلاف المصلحة أو تعدّى الوكيل عمّا عيّنه الموكل.

و لا يعتبر في الإجازة الفوريّة (2) سواء كان التأخير من جهة الجهل بوقوع العقد، أو مع العلم به و إرادة التروِّي، أو عدمها أيضاً.

____________

قلت: فإن ماتت الجارية و لم تكن أدركت، أ يرثها الزوج المدرك؟ قال: «لا، لأنّ لها الخيار إذا أدركت». قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال: «يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية» (1).

فإن صدرها الدالّ على صحّة النكاح إذا تعقبته الإجازة بعد البلوغ وارد في الفضولي، حيث إن المراد بالوليين هو من يتولى أمرهما عرفاً دون الولي الشرعي كما يشهد له ذيل الصحيحة، حيث إنه (عليه السلام) حكم بلزوم العقد على الصغير أو الصغيرة و عدم ثبوت الخيار لهما لو كان العقد صادراً من أبويهما.

و يؤيده ما دلّ على صحّة نكاح العبد إذا تعقبه إذن المولى، معللًا ذلك ب‍ «أنه لم يعص اللّٰه، و إنما عصى سيِّده، فإذا أجاز جاز». فإنه و إن كان وارداً في العبد، إلّا أنه دالّ على عدم اعتبار مقارنة الرضا للعقد، و كفاية الرضا المتأخر إذا كان العقد في نفسه مشروعاً.

(1) و الجامع له، هو العقد الصادر ممن ليس له ولاية أو سلطنة عليه.

(2) فإن الإجازة بمنزلة إنشاء العقد ممن له ذلك، لأنها إنما توجب إسناد العقد الصادر إليه فيكون حكمها حكمه، له ذلك في أي زمان شاء و لا يلزمه التعجيل، كما لا يلزمه الإنشاء لو لم يكن هناك عقد فضولي.

____________

(1) الوسائل، ج 26 كتاب الفرائض و المواريث، أبواب ميراث الأزواج، ب 11 ح 1.

260

..........

____________

و لا وجه لقياس المقام بالخيارات الثابتة للبائع أو المشتري حيث يلتزم فيها بالفورية، فإن العقد في مواردها تامّ، غاية الأمر أن لأحدهما أو كليهما حق الفسخ. و هذا بخلاف المقام، فإن العقد غير تام، و لا يجب عليه إتمامه و إنما له ذلك إذا شاء.

هذا مضافاً إلى صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى في وليدة باعها ابن سيِّدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً، ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيِّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

فإنّها واضحة الدلالة في عدم لزوم الفورية، و أنه لا محذور في الفصل بين الإجازة و العقد و إن كان كثيراً.

ثمّ لو زوّجت المرأة نفسها من رجل فضولة، فهل يلزمه الإمضاء أو الردّ فوراً، أو يثبت لها الفسخ كي لا تتضرّر المرأة ببقائها معطلة، أو لا هذا و لا ذاك؟

أقوال مبنية على الالتزام بلزوم العقد الواقع بين الأصل و الفضولي بالقياس إلى الأوّل، بحيث لا يكون له التصرف على خلاف ما التزم به، كما التزم به شيخنا الأعظم (قدس سره) (2).

إلّا أنه قد تقدّم منا في مباحث المكاسب عدم تمامية هذا المبنى، باعتبار أن العقد متقوم بطرفين، و حيث إنه لم يتحقق الالتزام من الطرف الآخر، فلم يصدق العقد و من ثمّ فلا تشمله أدلة اللزوم، فهو نظير بيع البائع للمبيع قبل قبول المشتري من غيره.

و من هنا فلا يكون في تأخير الإجازة أي ضرر عليها، باعتبار أن لها التزوج من غيره.

ثمّ على تقدير تمامية هذا المبنى، فلا يمكن الحكم بلزوم الفورية و إلزام الرجل‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88 ح 1.

(2) كتاب النكاح 20: 162 طبع المؤتمر العالمي.

261

نعم، لا تصحّ الإجازة بعد الردّ [1] (1)

____________

بالإجازة أو الرد، لدليل نفي الضرر. فإنّ تضرر المرأة نتيجة لفعلها لا يوجب توجه تكليف إلى الرجل، بعد أن لم يكن قد صدر منه أي فعل و لم يكن هو سبباً في تضرّرها. كما لا موجب للالتزام بثبوت الفسخ لها، فإنه لا يرد النكاح إلّا بأُمور معينة، ليس ما نحن فيه منها.

على أنّ تضررها قد نشأ من إقدامها فإنها هي التي أقدمت على ذلك و أضرّت بنفسها، و ليس ناشئاً من الحكم الشرعي، فلا موجب لرفع ضررها بالالتزام بالفسخ.

و قد تقدّم بيان هذا مفصّلًا في الاستدلال على خيار الغبن بدليل نفي الضرر، حيث قد عرفت أنه غير شامل له، باعتبار أن الضرر إنما هو في نفس المعاملة لا الحكم باللّزوم، و شموله له يعني إثبات ما يتدارك به الضّرر، و الحال أن دليل نفي الضرر قاصر عن إفادة هذا المعنى.

و الذي يهوِّن الخطب أنّ مبنى هذا القول غير تامّ من أساسه، كما عرفت.

(1) ذهب إليه جملة من الأصحاب. منهم شيخنا الأُستاذ (قدس سره) بدعوى أن الإجازة و الردّ ضدّان، فهما ضدّان أيهما سبق لم يبق مجالًا للآخر. في حين ذهب آخرون إلى خلافه، منهم الماتن (قدس سره) في المسألة الرابعة من باب الوصيّة حيث أفاد بأن القول بعدم نفوذ الإجازة بعد الردّ مشكل إن لم يكن إجماع خصوصاً في الفضولي.

و كيف كان، فقد استدل على القول الأوّل بأُمور:

الأوّل: الإجماع، و يظهر من المصنف (قدس سره) التمسك به في باب الوصيّة.

و فيه: أنه ضعيف جدّاً، إذ لم يتعرض لهذا الفرع فيما نعلم قبل الشهيد (قدس سره) (1) أحد من الأصحاب، و معه كيف يمكن دعوى الإجماع عليه! على أننا لو‌

____________

[1] فيه إشكال، بل لا يبعد نفوذها.

____________

(1) انظر الدروس 2: 301.

262

..........

____________

سلمنا ذلك فلا مجال لإثبات كونه إجماعاً تعبدياً، إذ من الممكن استناد المجمعين إلى ما يأتي من الوجوه.

الثاني: دعوى أنّ الإجازة في العقد الفضولي بمنزلة القبول في سائر العقود، فإنّ استناد العقد إليه و تماميته إنما يكون بها. و من هنا فكما أنّ الرد قبل القبول مانع من القبول المتأخِّر عنه، فكذلك الردّ في العقد الفضولي يمنع من لحوق الإجازة و صحّتها.

و فيه: أنّ الرد الذي يكون مانعاً من لحوق القبول، إنما هو ردّ الموجب و رفع يده عمّا التزم به، فإنه حينئذ لا يبقى مجال لصدق العقد بالتزام الآخر، إذ ليس هناك التزام ينضمّ إليه التزام القابل، ليصدق معه المعاهدة و المعاقدة.

و أما ردّ القابل مع بقاء التزام الموجب على حاله، فلا دليل على مانعيته و عدم اتصال القبول بالإيجاب، لأنه لم يحدث بذلك شيئاً، فإنّ غاية ما يفيد إنما هو إظهار عدم رضاه بالعقد، و من الواضح أنه يرتفع بالقبول المتأخر، من دون أن يضر ذلك بصدق المعاهدة و المعاقدة.

و لو تنزلنا عن ذلك، فالفرق بين الإجازة و القبول أوضح من أن يخفى. فإن الإجازة ليست قبولًا، و إنما هي إسناد للقبول المتحقق من الفضولي من غير فصل بينه و بين الإيجاب إليه. و من هنا فلا يزيد الردّ اللاحق عن النهي السابق على العقد، حيث لا يؤثر في صحته شيئاً بعد إبرازه لرضاه من غير فصل بينه و بين الإيجاب.

الثالث: إن الفضولي بإنشائه للإيجاب أو القبول، يحدث حقاً لمن قام مقامه في ماله، من حيث الإجازة أو الرد. و من هنا فإذا لم يكن رد الولي مسقطاً للعقد عن قابلية الإجازة، كان ذلك منافياً لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «الناس مسلَّطون على أموالهم».

و فيه: أنّ هذه الرواية نبوية لم تثبت، على أنها ليست مشرعة و لا تقتضي تشريع السلطنة للمالك على قطع العلقة الموجودة على تقدير ثبوتها، و إنما دالّة على عدم حجر المالك عن التصرف المشروع في ماله أو نفسه. هذا مضافاً إلى أنّ الفضولي لم يحدث‌

263

كما لا يجوز الردّ بعد الإجازة (1) فمعها يلزم العقد.

[مسألة 19: لا يشترط في الإجازة لفظ خاص]

[3882] مسألة 19: لا يشترط في الإجازة لفظ خاص، بل يقع بكل ما دلّ على إنشاء الرِّضا بذلك العقد (2) بل تقع بالفعل الدالّ عليه (3).

____________

في المال شيئاً، و إنما أحدث عقداً قابلًا للإجازة و الردّ، و إلّا فلو كان تصرفاً في المال لكان اللازم الحكم ببطلانه رأساً، لمنافاته لسلطنة المالك. إذن فهذه النبوية أجنبية عن المقام بالكلية، و لا علاقة لها به.

و ممّا تقدّم يظهر أنه لا دليل على عدم تأثير الإجازة بعد الردّ، بل من غير البعيد دعوى دلالة صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة على جوازه، فإنها تضمنت الحكم بنفوذ إجازة المالك الأوّل بعد ردّه أوّلًا.

(1) بلا خلاف فيه بينهم. فإنّ العقد بالإجازة ينتسب إلى المجيز حقيقة، و من هنا تشمله أدلّة لزوم العقد، فيحتاج فسخه بعد ذلك إلى الدليل، كما هو الحال فيما لو كان هو المباشر للعقد.

(2) إذ لا يعتبر فيها إلّا ما يكشف عن إسناد المجيز للعقد السابق إلى نفسه و إقراره به، فإنه يكفي في الحكم بصحّة ذلك العقد من دون أن تكون خصوصيّة في الكاشف. و من هنا فلا يعتبر فيها اللفظ فضلًا عن صيغة معينة، حتى و لو قلنا باعتبار اللفظ الصريح في العقد بدعوى أن العقد لا يصدق إلّا به، فإنّ العبرة في الإجازة إنما هي بانكشاف رضاه كيف اتفق، كما هو واضح.

(3) و قد ذهب جماعة إلى اعتبار اللفظ فيها، تارة بدعوى أنها بمنزلة العقد الجديد، و اخرى بدعوى أن الاستقراء يقتضي اعتبار اللفظ فيما يقتضي اللزوم.

إلّا أن للتأمل في كلا هذين الوجهين مجالًا.

أمّا الأوّل: فهو مصادرة على المدعى، فإن الإجازة ليست عقداً و لا هي بمنزلته و إنما هي إبراز للرضا به.

و بعبارة اخرى: إنّ قياس الإجازة بالعقود قياس مع الفارق. فإنّها ليست بعقد‌

264

[مسألة 20: يشترط في المجيز علمه بأنّ له أن لا يلتزم بذلك العقد]

[3883] مسألة 20: يشترط في المجيز علمه [1] بأنّ له أن لا يلتزم بذلك العقد (1). فلو اعتقد لزوم العقد عليه فرضي به، لم يكْفِ في الإجازة.

____________

و إنما هي موجبة لاستناد العقد السابق إليه. و من هنا فاعتبار اللفظ في العقود لو قيل به، لا يقتضي اعتباره في الإجازة أيضاً.

و أمّا الثاني: فهو غير ثابت و لا دليل عليه، و قد ذكرنا في محله أنّ الأظهر لزوم المعاطاة، و الحال أنها خالية من اللفظ. على أنّ الاستقراء ليس بحجة، فإنّه ليس من الأدلّة الشرعية.

إذن فلا دليل على اعتبار اللفظ في الإجازة، و إنما العبرة باستناد العقد السابق إليه كيفما اتفق، و إن كان ذلك بالفعل أيضاً.

هذا بل يمكن استفادة ما ذكرناه من بعض النصوص، كالتي دلّت على أن سكوت البكر إقرارها، إذ لا يبعد دعوى إطلاقها لفرض الفضولي أيضاً. و يؤيده ما ورد في تزويج العبد من غير إذن مولاه، حيث حكم (عليه السلام) بأنّ سكوت المولى بعد علمه إقرار منه (1).

و كيف كان، فالعمدة في المقام عدم الدليل على اعتبار اللفظ.

(1) الظاهر أنه لا دليل على هذا الاشتراط، إذ العبرة إنما هي باستناد العقد السابق إليه. و من هنا فيكون الحال في اعتقاد لزوم العقد، كالحال فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من اعتقاد لزوم الإجازة. فإنّ إجازته إذا لم تكن من جهة رضاه بالعقد، بأن كان من جهة رضاه بحكم اللّٰه سبحانه و تعالى و إن كان هو كارهاً له، فلا أثر لها لأنه في الحقيقة لم يجز العقد، فإنّ ما رضي به أعني حكم اللّٰه سبحانه غير متحقق في الخارج، و ما هو متحقق في الخارج أعني العقد لم يجزه.

____________

[1] العبرة في صحّة العقد إضافته إليه بإجازته و رضاه بذلك العقد حقيقة، و لا يعتبر في ذلك علمه بأنّ له ذلك.

____________

(1) الوسائل 21: 117، باب 26 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، ح 26671، 26673.

265

نعم، لو اعتقد لزوم الإجازة عليه بعد العلم بعدم لزوم العقد، فأجاز، فإن كان على وجه التقييد لم يكف (1) و إن كان على وجه الداعي يكون كافياً (2).

[مسألة 21: الإجازة كاشفة عن صحّة العقد من حين وقوعه فيجب ترتيب الآثار من حينه]

[3884] مسألة 21: الإجازة كاشفة عن صحّة العقد من حين وقوعه (3) فيجب ترتيب الآثار من حينه.

[مسألة 22: الرضا الباطني التقديري لا يكفي في الخروج عن الفضوليّة]

[3885] مسألة 22: الرضا الباطني التقديري لا يكفي في الخروج عن الفضوليّة (4)، فلو لم يكن ملتفتاً حال العقد، إلّا أنه كان بحيث لو كان حاضراً و ملتفتاً كان راضياً، لا يلزم العقد عليه بدون الإجازة. بل لو كان حاضراً حال العقد و راضياً به، إلّا أنه لم يصدر منه قول و لا فعل يدلّ على رضاه، فالظاهر أنه فضولي (5) فله أن لا يجيز.

____________

نعم، إذا كانت إجازته من جهة رضايته بالعقد واقعاً، و مع قطع النظر عن كونه لازماً أو غير لازم و إن كان هو يعتقد لزومه، فهي نافذة و مؤثرة باعتبار أنها غير مقيدة به.

و الحاصل أن العبرة في نفوذ الإجازة و صحتها إنما هي باستناد العقد السابق بها إليه، و أما اعتقاد اللزوم و عدمه فهو أجنبي بتمام معنى الكلمة عنها.

(1) لانتفاء المقيد بانتفاء القيد لا محالة.

(2) فإن تخلّف الداعي لا يؤثر شيئاً.

(3) تقدّم الكلام فيه مفصلًا في المسألة الثانية من فصل نكاح العبيد و الإماء، فلا نعيد.

(4) بلا خلاف فيه بين الأصحاب. فإنّ الرضا الباطني و إن كان كافياً في حلّ التصرفات الخارجية التكوينية، نظير الأكل و ما شاكله، كما يدلّ عليه السيرة العملية القطعية، إلّا أن كفايته في انتساب العقد إليه لم يدلّ عليها دليل. و من هنا فلا تشمله عمومات الوفاء بالعقد.

(5) على ما هو المشهور بين الأصحاب، باعتبار أن الذي يخرج العقد عن‌

266

..........

____________

الفضولية إما هو الإذن السابق أو الرضا المتأخر، و لا شي‌ء منهما متحقق في المقام.

إلّا أن الشيخ الأعظم (قدس سره) لم يرتض ذلك، حيث ذهب إلى كفايته في خروج العقد عن الفضولية، و استند فيه إلى ظواهر كلمات الفقهاء و جملة من النصوص.

فإنهم حكموا بعدم كفاية السكوت، معللين ذلك بأنه أعم من الرضا، فإنه إنما يكشف عن أن العبرة في صحّة العقد إنما هي بالرضا، و أن السكوت إن لا ينفع لعدم كشفه عن الرضا.

كما يقتضيه جملة من النصوص، كالتي دلّت على أن رضا البكر صماتها، و ما دلّ على نفوذ عقد العبد إذا علم به المولى و سكت، و ما ورد في السكرى إذا زوجت نفسها ثمّ أفاقت و أقامت معه كان ذلك رضا منها بالعقد، و ما ورد في الخيار من أنه إذا علم بالعيب و سكت كان رضا منه به.

على أننا لو قلنا بعدم اعتبار اللفظ، و كفاية الفعل كما هو الصحيح، فمن البعيد جدّاً أن يقال بوجود موضوعية للفعل في الحكم بالصحّة، و إنما العبرة بالمنكشف، أعني الرضا.

إلّا أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه. و ذلك أمّا كلمات الفقهاء فهي ليست بحجّة ما لم تبلغ الإجماع. على أن النسبة بين السكوت و الرضا إنما هي التباين فإنّ السكوت من الأفعال الخارجية، في حين أن الرضا صفة نفسية. و من هنا فلا يمكن أن يكون المراد من قولهم أن السكوت أعم من الرضا، كون السكوت أعم من نفس الرضا، و إنما المراد به كونه أعم منه كشفاً، بمعنى أنه قد يكون كاشفاً كما هو الحال في البكر، و قد لا يكون كذلك. و عليه فلا دلالة فيه على كفاية نفس الرضا في الحكم بالصحّة، بل الأمر على العكس من ذلك تماماً، حيث أنه يدل على اعتبار المبرز و الكاشف في الحكم، نظراً لأن السكوت أعم من الرضا كشفاً.

و أما النصوص، فأما ما دلّ على أن سكوت البكر إقرارها فالاستدلال به غير واضح، إذ لم يرد في شي‌ء منها أن سكوتها رضاها، كي يقال أنها دالّة على كفاية الرضا، و إنما الوارد أنّ سكوتها إقرارها، أو أن إذنها صماتها. و من الواضح أنّ التعبير بالإقرار أو الإذن دالّ على اعتبار المبرز و الكاشف، و عدم كفاية مجرد الرضا الباطني.

267

..........

____________

على أننا لو سلمنا ورود التعبير بالرضا في هذه النصوص، فهي لا تقتضي كفاية مجرّد الرضا الباطني، إذ يرد حينئذ ما تقدّم من أنه لا يمكن حمل الرضا على الفعل الخارجي، بل لا بدّ من كون المراد أن السكوت أعم من الرضا كشفاً.

و عليه فتكون هذه الروايات دالّة على أنّ العبرة و الملاك إنما هو بالرضا مع الكاشف، و عدم كفاية الرضا الباطني المجرد.

و من هنا يظهر الحال فيما دلّ على أن سكوت المولى مع علمه بعقد العبد إقرار منه فإنه دالّ على اعتبار الإقرار، و لا دلالة فيه على كفاية الرضا الباطني. على أنّ احتياج نكاح العبد إلى إجازة المولى أجنبي عن الفضولي تماماً، فإن العبد طرف للعقد حقيقة و هو ينتسب إليه حين صدوره بلا أي عناية، غاية الأمر أن صحته متوقفة شرعاً على إجازة المولى، و هذا نظير اعتبار إذن الزوجة في التزويج من بنت أخيها أو أُختها، بخلاف عقد الفضولي حيث إن انتساب العقد إليه إنما يكون بالإجازة.

و من هنا فلا مجال للاستدلال بهذه النصوص في المقام.

و أمّا التمسّك بما ورد في الخيار و عقد السكرى، فيرد عليه أنهما خارجان عن الفضولي موضوعاً، فإنّ العقد في مورد الخيار صحيح و مستند إليه حقيقة، غاية الأمر أنّ له رفعه أو الالتزام به. و كذا الحال في السكرى، فإنّ العقد منتسب إليها واقعاً غاية الأمر أنه لا يحكم بصحّته إلّا بعد إجازتها. فكفاية الرضا الباطني فيهما، لا تقتضي كفايته في الفضولي أيضاً. على أن كفايته فيهما أيضاً محل منع، و ذلك لما تقدّم من أن الرِّضا أمر باطني، فلا يمكن حمله على الفعل الخارجي، إلّا باعتبار كاشفيته و كونه إمضاءً عملياً.

إذن فما أفاده شيخنا الأعظم (قدس سره) غير تامّ، و لا مجال للمساعدة على شي‌ء منه.

و من هنا فالحقّ في المقام هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره)، من عدم كفاية الرِّضا الباطني و اعتبار المبرز له في الخارج، نظراً لعدم استناد العقد إليه بدونه.

268

[مسألة 23: إذا كان كارهاً حال العقد]

[3886] مسألة 23: إذا كان كارهاً حال العقد، إلّا أنه لم يصدر منه ردّ [1] له (1) فالظاهر صحّته بالإجازة (2).

نعم، لو استؤذن فنهى و لم يأذن، و مع ذلك أوقع الفضولي العقد، يشكل صحته بالإجازة، لأنه بمنزلة الردّ بعده. و يحتمل صحته [2] (3) بدعوى الفرق بينه و بين الردّ بعد العقد، فليس بأدون من عقد المكره، الذي نقول بصحّته إذا لحقه الرضا، و إن كان لا يخلو ذلك أيضاً من إشكال (4).

____________

(1) بل حتى و لو صدر منه ردّ، فإنه لا أثر له، على ما عرفته في المسألة الثامنة عشرة من هذا الفصل.

(2) أما بناءً على ما اخترناه من عدم تأثير الردّ بعد العقد، فالأمر أوضح، فإنّ الكراهية قبل العقد لا تزيد عن الردّ اللاحق له.

و أما بناءً على ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) من منع الردّ اللاحق عن لحوق الإجازة به، فالأمر كذلك أيضاً. فإنّ العمدة في الدليل على منع الردّ اللاحق إنما كانت دعوى سلطنة المالك على إسقاط قابلية العقد عن لحوق الإجازة به، و هي لا تجري في المقام، لأن الردّ إنما يتوسط بين العقد و الإجازة. و من هنا فقد يقال إنّه يوجب الانقطاع، و أما مع الكراهة السابقة أو المقارنة فليس هناك ما يوجب الانقطاع، إذ ليس هناك عقد في حينها. و من هنا فلو تحققت الإجازة بعد ذلك، كانت هي ملحقة بالعقد مباشرة.

(3) هذا الاحتمال هو المتعيّن، إذ يجري فيه ما تقدّم في الفرع السابق بعينه، فإنه لم يصدر من المالك ما يوجب قطع الإجازة عن العقد، فإنّ النهي لا يزيد العقد ما كان يقتضيه قبل ذلك من عدم التأثير، نظراً لكونه فضولياً.

(4) إلّا أنه ضعيف جدّاً، و الصحيح هو الالتزام بالصحّة، على ما هو المشهور‌

____________

[1] تقدّم أن الرد لا أثر له.

[2] هذا الاحتمال هو الأظهر، حتى على القول بكون الرد بعد العقد مانعاً عن الإجازة.

269

..........

____________

بينهم. و ذلك أما مع مقارنة الرضا للإكراه فالأمر واضح، لأن التجارة حينئذ تجارة عن تراضٍ و الإقدام عليها إقدام مع الرضا، فإنّه الذي يدعوه نحو الفعل، و الإكراه ليس إلّا داعياً آخر منضماً إلى الداعي الأوّل.

و أما مع تأخره عنه، فلأن العقد حين صدوره لم يكن فاقداً لشي‌ء غير الرضا فإذا لحقه حكم بصحته.

و ما استدل به لبطلان عقد المكره، من قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (1) بناءً على كون المراد بالتراضي هو ما يقابل الإكراه لا ما يقابل القصد و حديث نفي الإكراه، فغير شامل للمقام.

أمّا الأوّل: فلأن المعلوم أن المراد بالتجارة ليس هو مجرد اللفظ و الإنشاء الذي يوجد في الخارج و ينعدم، فإنه ليس إلّا مبرزاً لها في الخارج، و إنما المراد بها هو المنشأ و المعتبر في الخارج.

و من هنا فحيث إنّ للتجارة بهذا المعنى بقاءً و استمراراً، فلا مانع من القول بعد لحوق الرضا بها أنها تجارة عن تراض.

و أمّا الثاني: فلأن حديث الرفع إنما هو وارد في مقام الامتنان كما هو معلوم، و من هنا فلا بدّ في الحكم بالرفع من ملاحظة ما يقتضيه الامتنان، و لذا لا يحكم بفساد بيع المضطر. و حيث إنه في المقام إنما يقتضي رفع الحكم حدوثاً لا استمراراً و بقاءً، فلا محالة يختص الرفع به دون البقاء، لأن رفعه ينافي الامتنان.

و الحاصل أنّ الامتنان إنما يكون في رفع الحكم ما دام الإكراه باقياً، و أما رفعه بعد ارتفاع الإكراه و رضا المكره به فليس فيه أي امتنان عليه. و بذلك يظهر أن صحّة عقد المكره لا تتوقف على الإجازة، بل يكفي فيها مجرد الرضا الباطني.

ثمّ هل يكفي مجرّد الرضا الباطني للمولى في الحكم بصحّة نكاح العبد و نفوذه، أم لا؟

____________

(1) سورة النساء 4: 29.

270

[مسألة 24: لا يشترط في الفضولي قصد الفضولية و لا الالتفات إلى ذلك]

[3887] مسألة 24: لا يشترط في الفضولي قصد الفضولية (1) و لا الالتفات إلى ذلك. فلو تخيّل كونه ولياً أو وكيلًا و أوقع العقد، فتبين خلافه، يكون من

____________

اختار شيخنا الأعظم (قدس سره) الأوّل (1) حتى بناءً على القول باعتبار الإذن في نفوذ نكاح الفضولي، و ذلك لما يستفاد من صحيحة زرارة الواردة في نفوذ عقد العبد إذا لحقه إذن المولى، معلّلًا ذلك بقوله (عليه السلام): «إنه لم يعص اللّٰه، و إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز» (2) من أنّ العبرة في عدم النفوذ إنما هي معصية السيد، و حيث إن مع الرضا الباطني للمولى و علم العبد به لا يكون عاصياً له، يحكم بصحّة عقده من دون حاجة إلى الإجازة.

إلّا أن ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه. و ذلك لأن المستفاد من قوله تعالى «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» (3) و النصوص الكثيرة، اعتبار إذن المولى في نفوذ نكاح المملوك، و عدم كفاية مجرد الرضا الباطني فيه.

و أما الصحيحة المتقدِّمة فالمراد بالعصيان فيها ليس هو العصيان التكليفي، أعني المخالفة في التكليف و ارتكابه المحرم على ما صرح بذلك في بعض النصوص و إنما المراد به صدور العقد عن عدم الإذن، و تصرف العبد في نفسه من غير إذن المولى و لذا اعتبر (عليه السلام) في جوازه إجازة المولى، و لم يقل إذا رضي فهو له جائز.

إذن فالمستفاد من الآية الكريمة و النصوص الكثيرة لا سيما ذيل هذه الصحيحة اعتبار الإذن و الإجازة في الحكم بالصحّة و نفوذ العقد، و عدم كفاية مجرّد الرِّضا الباطني.

و من هنا فيكون الحال في تزويج العبد من غير إذن مولاه كالحال في نكاح الفضولي، و إن كان بينهما فرق من حيث انتساب العقد و عدمه.

(1) إذ لا خصوصيّة لعنوان الفضولية كي يعتبر قصده، فإنّ العبرة إنما هي بالواقع‌

____________

(1) انظر كتاب النكاح 20: 184 طبع المؤتمر العالمي.

(2) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 1.

(3) سورة النساء 4: 25.

271

الفضولي (1) و يصحّ بالإجازة (2).

[مسألة 25: لو قال في مقام إجراء الصيغة: (زوّجت موكِّلتي فلانة) مثلًا]

[3888] مسألة 25: لو قال في مقام إجراء الصيغة: (زوّجت موكِّلتي فلانة) مثلًا، مع أنه لم يكن وكيلًا عنها، فهل يصح و يقبل الإجازة، أم لا؟ الظاهر الصحّة (3).

نعم، لو لم يذكر لفظ: (فلانة) و نحوه، كأن يقول: (زوّجت موكلتي) و كان من قصده امرأة معينة، مع عدم كونه وكيلًا عنها، يشكل صحّته [1] بالإجازة (4).

____________

و الملاك في صحّة العقد إنما هو باستناد العقد بالإجازة إلى المجيز، و أما العاقد فهو أجنبي عنه، و لا يقوم إلّا بدور إنشاء العقد و التلفظ بالصيغة.

(1) لعدم انتساب العقد إلى من له الأمر.

(2) لاستناده إليه حينئذ، فتشمله عمومات الوفاء بالعقد، و لا أثر لما قصده الفضولي، بل ربّما يستفاد ذلك من صحيحة أبي عبيدة المتقدِّمة في المسألة الثامنة عشرة من هذا الفصل، حيث حكم (عليه السلام) بصحّة نكاح الغلام و الجارية غير المدركين اللذين زوجهما ولياهما إذا أدركا و أجازا العقد.

حيث إنّ المراد بالولي فيها ليس هو الولي الشرعي جزماً، فإنه (عليه السلام) قد حكم في ذيلها بنفوذ نكاحهما إذا كان المزوج لهما هو الأب، و إنما المراد به الولي العرفي كالأخ و العم، فإن مقتضى إطلاق الحكم بالصحّة حينئذ هو الحكم بالصحّة، سواء اعتقد العاقد ولايته و نفوذ عقده أم اعتقد كونه فضولياً، بل لا يبعد أن يكون الغالب في هؤلاء اعتقاد ولايتهم على القصر و نفوذ تصرفاتهم في حقهم.

(3) فإنّ كلمة (موكلتي) بعد ذكر اسمها تكون زائدة لا محالة، حيث إن العقد يتعلق حينئذ بما ذكر من الاسم.

(4) فإنّ التزويج إنما وقع بعنوان الموكلة، و حيث إنه ليس وكيلًا عنها و لم يذكر اسمها، فيحكم بفساده لا محالة.

____________

[1] لا إشكال فيها إذا كانت المرأة معيّنة بالقرينة.

272

[مسألة 26: لو أوقع الفضولي العقد على مهر معين]

[3889] مسألة 26: لو أوقع الفضولي العقد على مهر معين، هل يجوز إجازة العقد دون المهر، أو بتعيين المهر على وجه آخر، من حيث الجنس، أو من حيث القلّة و الكثرة؟ فيه إشكال، بل الأظهر عدم الصحّة في الصورة الثانية [2] (1) و هي ما إذا عيّن المهر على وجه آخر. كما أنه لا تصح الإجازة مع شرط لم يذكر في العقد، أو مع إلغاء ما ذكر فيه من الشرط (2).

____________

ثمّ إنه ربّما يعلل ذلك بأنه من قبيل العقد بالمجازات البعيدة، إذ لا يقع العقد عليها صريحاً و لا ظاهراً، و لا دليل على صحّة العقد بها.

إلّا أنه مدفوع بأن الذي ذكره الأصحاب في باب العقود، من اعتبار كون اللفظ صريحاً أو ظاهراً، إنّما هو في مفاهيم العقود نفسها لا متعلقاتها. فلو قال: (وهبتك الدار) و قصد به البيع لم يصح، لعدم ظهوره فيه فضلًا عن الصراحة. و أما بالنسبة إلى المتعلقات فلا يعتبر ذلك فيه، لعدم الدليل عليه.

على أن المقام ليس من الإنشاء بالمجاز، فضلًا عن كونه من المجازات البعيدة، فإن اللفظ (موكلتي) مستعمل في معناه الحقيقي، غاية الأمر أنه قد كذب في تطبيقه على الخارج، و ادعائه أنها وكلته في ذلك.

و من هنا فلو نصب قرينة على إرادة المرأة المعينة، كالعهد و ما شاكله، صحّ العقد.

(1) فإنّ الذي تعلقت به الإجازة غير الذي تعلّق العقد به، فلا تنفع الإجازة لأنها إنما تصحِّح العقد الواقع في الخارج و تنسبه إلى المجيز. و حيث إنّ المفروض في المقام أنّ ما وقع في الخارج لم تتعلق به الإجازة، و ما تعلقت به لم يقع في الخارج حكم ببطلانه لا محالة، لعدم التطابق بينهما.

(2) إذ يعتبر التطابق بين الإيجاب و القبول، و الإجازة بمنزلة القبول من حيث إيجابها استناد العقد إلى المجيز حقيقة، فمع اختلافهما لم يصدق العقد، لأنّ ما أوجبه الأوّل لم يقبله الثاني، و ما قبله لم يوقعه الأوّل. و معه فلا يستند ذلك العقد الصادر فضولة إليه.

____________

[2] بل في الصورة الأُولىٰ أيضاً.

273

[مسألة 27: إذا أوقع العقد بعنوان الفضولية، فتبين كونه وكيلًا فالظاهر صحته]

[3890] مسألة 27: إذا أوقع العقد بعنوان الفضولية، فتبين كونه وكيلًا فالظاهر صحته (1) و لزومه إذا كان ناسياً لكونه وكيلًا. بل و كذا إذا صدر التوكيل ممّن له العقد و لكن لم يبلغه الخبر، على إشكال فيه [1] (2). و أما إذا أوقعه

____________

و من هنا يظهر الحال فيما استشكل فيه الماتن (قدس سره) في صدر المسألة، أعني الصورة الأُولى و هي إجازة العقد دون المهر، فإنّ الحال فيها كالحال في سائر صور المسألة، لأن ذكر المهر في العقد لا يقلّ عن الاشتراط، بمعنى كون التزامه بالعقد معلقاً على الالتزام بذلك المهر. و حينئذ فيجري فيها ما تقدّم في الاشتراط، من عدم التطابق بين الإيجاب و القبول، و عدم استناد العقد إلى المجيز، لأن ما أنشأه هو النكاح بمهر معلوم، و ما قبله المجيز إنما هو طبيعي النكاح. و معه فلا مجال للحكم بالصحّة.

و الحاصل أنه يعتبر التطابق بين المجاز و الإجازة، كما يعتبر ذلك في الإيجاب و القبول.

(1) إذ لا يعتبر فيما يصدر عن الوكيل الالتفات إلى الوكالة و إيقاع العقد بعنوان أنه وكيل، فإنه ليس كالعبادات المتوقفة على النية، و إنما العبرة في الحكم بالصحّة بالواقع أعني صدوره ممن هو أهل له و مفوض فيه، و هو متحقق في المقام.

(2) الإشكال قوي جدّاً، فإن قياس هذه الصورة على الصورة السابقة قياس مع الفارق. فإن المجري للصيغة في الأوّل وكيل حقيقة، و الفعل الصادر منه صادر ممن له السلطنة واقعاً، فيحكم بصحته على القاعدة و ينتسب إلى الموكل لا محالة. و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإن من صدر منه العقد ليس بوكيل و ليس له السلطنة على ذلك فإنّ الوكالة ليست من الإيقاعات، و إنما هي من العقود المتوقفة صحتها على الإيجاب و القبول. و من هنا فلا ينفع في الحكم بصحّة ما صدر مجرد إنشاء التوكيل، ما لم يصل ذلك إلى المباشر و يقبله.

و الحاصل أنّ الفعل في المقام صادر من غير الوكيل، و لم يتحقق هناك ما يوجب انتسابه إلى من له الأمر، فيحكم بفساده لا محالة.

____________

[1] بل لا يبعد عدم اللّزوم.

274

بعنوان الفضوليّة، فتبيّن كونه ولياً، ففي لزومه بلا إجازة منه، أو من المولى عليه إشكال [1] (1).

____________

و توهّم أن الفعل محكوم بالصحّة، نظراً لتضمن إنشاء الوكالة للإذن فيه و إن لم تتحقق الوكالة في الخارج.

مدفوع بأن الإذن متوقف على العلم به أيضاً، فإنه لا يصدق أن من له الأمر قد أذن له و أنه مأذون في الفعل بمجرد إنشاء الإذن، ما لم يصل ذلك إلى المباشر فيعلم به فإنه ليس إلّا إبرازاً للرضا الباطني.

إذن فتدخل هذه المسألة في المسألة الثانية و العشرين، أعني عدم كفاية الرضا الباطني في الحكم بصحّة العقد الصادر من الفضولي، و احتياج ذلك العقد إلى الإجازة.

(1) لم يظهر لنا وجه التفرقة بين الوكيل و الولي، فإن لكل منهما السلطنة على الفعل.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إن الولي بمنزلة المالك المباشر للعقد. و حيث إن المالك المباشر إذا كان ناسياً لملكه أو غافلًا عنه حين العقد، فأوقع العقد على أنه للغير ثمّ بان أنه له كما لو باع الولد مال أبيه معتقداً أنه ملك أبيه، ثمّ انكشف موت أبيه في ذلك الحين و انتقال المال بالإرث إليه، لم يحكم بصحته إذ لم يصدق عليه التجارة عن تراض و بيع ماله بطيبة نفسه، فإنه لم يبع ماله و إنما باع مال غيره و أنشأ ملكية مال الغير، ففي المقام يكون الحال كذلك.

إلّا أن الفرق بين الولي و المالك لا يكاد يخفى، إذ لا يعتبر في الولي إلّا رضاه بالعقد، لغرض أنه يعلم أن المال ليس له و أنه لغيره، و لا يقاس بالأصيل حيث إنه يعتقد خلاف الواقع و لا يقصده.

إذن فالصحيح في الولي هو الحكم بالصحّة، كما التزمنا بها في الوكيل.

____________

[1] أظهره اللّزوم و عدم الحاجة إلى الإجازة.

275

[مسألة 28: إذا كان عالِماً بأنه وكيل أو ولي]

[3891] مسألة 28: إذا كان عالِماً بأنه وكيل أو ولي، و مع ذلك أوقع العقد بعنوان الفضولية، فهل يصح و يلزم أو يتوقف على الإجازة، أو لا يصح؟ وجوه [1]، أقواها عدم الصحّة (1) لأنه يرجع إلى اشتراط كون العقد الصادر من وليه جائزاً، فهو كما لو أوقع البالغ العاقل بقصد أن يكون الأمر بيده في الإبقاء و العدم. و بعبارة اخرى: أوقع العقد متزلزلًا.

____________

(1) و تفصيل الكلام في هذه المسألة أن يقال:

أن العقد الصادر من الولي أو الوكيل بعنوان الفضولية، مع العلم بكونه ولياً أو وكيلًا: تارة يكون منجزاً و غير معلق على شي‌ء، غاية الأمر أنه يقرنه بادعاء كاذب و يبني عليه، و هو أنه ليس بوكيل أو ولي. و أُخرى يكون معلقاً على إجازة الموكل، أو هو نفسه.

فإن كان من قبيل الأوّل حكم بصحته لا محالة، إذ لا قصور في الإنشاء أو المنشأ أو شي‌ء آخر مما يعتبر في صحّة العقد، و مجرد كونه مقروناً ببناء كاذب لا يضرّ بعد تمامية أركان العقد و ما يعتبر في صحته.

و من هنا يظهر الحال فيما لو كان المنشئ هو المالك الأصيل بانياً على الفضولية، مع التفاته إلى كونه مالكاً، فإنه يحكم بصحته، لعدم القصور فيما يعتبر في صحّة العقد.

و إن كان من قبيل الثاني فالحكم بصحته أو بطلانه، مبني على الخلاف في اقتضاء التعليق للبطلان و عدمه، و قد تقدّم الحديث فيه مفصلًا.

نعم، لو أوقع العقد متزلزلًا، بأن أنشأه منجزاً و من غير تعليق، لكن جعل الخيار فيه لنفسه، حكم ببطلانه، لأن النكاح لا يقبل جعل الخيار فيه، على ما تقدّم الكلام فيه فيما تقدّم.

إلّا أنّ الظاهر من عبارة الماتن (قدس سره) إرادة التعليق لا جعل الخيار فيه.

____________

[1] أقواها الصحّة، نعم لو علّق عقده على رضائه أو رضاء موكله متأخِّراً جاء فيه إشكال التعليق، و لعلّ مراده (قدس سره) هو هذه الصورة.

276

[مسألة 29: إذا زوّج الصغيرين وليهما، فقد مر أنّ العقد لازم عليهما]

[3892] مسألة 29: إذا زوّج الصغيرين وليهما، فقد مر أنّ العقد لازم عليهما [1] (1) و لا يجوز لهما بعد البلوغ ردّه أو فسخه. و على هذا (2) فإذا مات أحدهما قبل البلوغ أو بعده ورثه الآخر (3).

و أمّا إذا زوّجهما الفضوليان، فيتوقف على إجازتهما بعد البلوغ (4) أو إجازة وليهما قبله. فإن بلغا و أجازا ثبتت الزوجية، و يترتّب عليها أحكامها من حين العقد، لما مرّ من كون الإجازة كاشفة. و إن ردّا، أو ردّ أحدهما، أو ماتا أو مات أحدهما قبل الإجازة، كشف عن عدم الصحّة من حين الصّدور (5).

و إن بلغ أحدهما و أجاز، ثمّ مات قبل بلوغ الآخر، يعزل ميراث الآخر على تقدير الزوجيّة. فإن بلغ و أجاز، يحلف على أنه لم يكن إجازته للطمع في الإرث

____________

(1) مرّ الكلام فيه في المسألة الرابعة من هذا الفصل، و قد عرفت أن مقتضى صحيحة محمد بن مسلم هو ثبوت الخيار لهما بعد البلوغ.

(2) لا يخفى عدم تمامية ما أفاده (قدس سره)، من تفرع ثبوت الإرث على لزوم العقد، و عدم ثبوت الخيار لهما بعد البلوغ. فإنه ثابت حتى مع القول بثبوت الخيار لهما كما اخترناه، و ذلك لأنّ منشأ التوارث إنّما هو صحّة العقد و ثبوت الزوجية بينهما، لا لزومه.

(3) على ما تقتضيه القاعدة، و يدلّ عليه غير واحد من النصوص الصحيحة صريحاً.

(4) على ما تقتضيه القاعدة في عقد الفضولي.

(5) و تقتضيه مضافاً إلى القاعدة صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوّجهما وليان لهما و هما غير مدركين، قال: فقال: «النكاح جائز، أيهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث‌

____________

[1] مرّ الاشكال فيه، و لكنّه مع ذلك يثبت بينهما التوارث، لأنّ المفروض صحّة العقد و إن ثبت لهما الخيار بعد البلوغ.

277

فإن حلف يدفع إليه (1). و إن لم يجز، أو أجاز و لم يحلف، لم يدفع (2) بل يرد إلى الورثة. و كذا لو مات بعد الإجازة و قبل الحلف (3).

هذا إذا كان متهماً بأنّ إجازته للرغبة في الإرث. و أما إذا لم يكن متّهماً بذلك، كما إذا أجاز قبل أن يعلم موته، أو كان المهر اللّازم عليه أزيد مما يرث أو نحو ذلك، فالظاهر عدم الحاجة إلى الحلف (4).

____________

بينهما و لا مهر، إلّا أن يكونا قد أدركا و رضيا». قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: «يجوز عليه ذلك إن هو رضي». قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي النكاح، ثمّ مات قبل ان تدرك الجارية، أ ترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك و تحلف باللّٰه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث و نصف المهر». قلت: فإن ماتت الجارية و لم تكن أدركت، أ يرثها الزوج المدرك؟ قال: «لا، لأن لها الخيار إذا أدركت». قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل ان تدرك؟ قال: «يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية» (1).

(1) على ما دلّ عليه صريحاً الصحيح المتقدِّم.

ثمّ إن مورد الصحيحة و إن كان هو موت الزوج و بقاء الزوجة، إلّا أن الظاهر أنه لا خصوصيّة لذلك كما عليه معظم الأصحاب، فإنّ موت الزوج إنما ذكر في كلام السائل خاصة. و الظاهر أنّ الحلف إنما هو للاحتياط في المال بالنسبة إلى الوارث و هو لا يختص بفرض موت الزوج و بقاء الزوجة، بل يثبت الحكم مع موت الزوجة و بقاء الزوج أيضاً.

(2) لأنّ ظاهر الصحيحة ترتب الإرث على الإجازة و الحلف معاً.

(3) لما تقدّم آنفاً.

(4) لأنّ الظاهر من النص أنّ الحلف ليس تعبّداً محضاً، و إنما هو طريق لدفع‌

____________

(1) الوسائل، ج 26 كتاب الفرائض و المواريث، أبواب ميراث الزوج، ب 11 ح 1.

278

[مسألة 30: يترتب على تقدير الإجازة و الحلف جميع الآثار المترتبة على الزوجية]

[3893] مسألة 30: يترتب على تقدير الإجازة و الحلف جميع الآثار المترتبة على الزوجية (1) من المهر، و حرمة الام و البنت [1] (2) و حرمتها إن كانت هي الباقية على الأب و الابن، و نحو ذلك. بل الظاهر ترتب هذه الآثار بمجرد الإجازة، من غير حاجة إلى الحلف (3). فلو أجاز و لم يحلف مع كونه متهماً لا يرث، و لكن يترتّب سائر الأحكام.

[مسألة 31: الأقوى جريان الحكم المذكور في المجنونين]

[3894] مسألة 31: الأقوى جريان الحكم المذكور في المجنونين، بل الظاهر التعدي إلى سائر الصور (4). كما إذا كان أحد الطرفين الولي و الطرف الآخر الفضولي، أو كان أحد الطرفين المجنون و الطرف الآخر الصغير، أو كانا بالغين كاملين، أو أحدهما بالغاً و الآخر صغيراً أو مجنوناً، أو نحو ذلك.

____________

التهمة، فمع العلم بعدمها يكون لغواً.

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب، و يقتضيه صحيح أبي عبيدة المتقدِّم.

(2) ذكر البنت من سهو القلم جزماً، فإنّ البنت لا تحرم إلّا بعد الدخول بأُمِّها و حيث إن مفروض كلامنا أن إجازته للعقد إنما كانت بعد وفاتها، فلا مجال لتصوّر الدخول بالأُم كي تثبت حرمة البنت. على أن الكلام إنما هو في الصغيرة، و معه لا مجال لفرض البنت لها كي يبحث في حرمتها و عدمها.

(3) فإن الحكم على طبق القاعدة. و ذلك لما عرفت من أن الإجازة توجب الحكم بصحّة العقد و انتسابه إلى المجيز من حين صدوره، لكن بالكشف الحكمي بالمعنى الذي ذكرناه، و مقتضى عمومات الصحّة ترتب جميع الآثار بلا استثناء.

نعم، خرجنا عن هذه العمومات في خصوص الإرث، لصحيحة أبي عبيدة الحذاء المتقدِّمة، حيث دلّت صريحاً على اعتبار الحلف في ثبوته، و لو لا هذه الصحيحة لقلنا بثبوته بمجرد الإجازة أيضاً.

(4) نظراً لكون الحكم على طبق القاعدة، فلا يختص بفرض معين.

____________

[1] هذه الكلمة من سهو القلم أو غلط النسّاخ.

279

ففي جميع الصور إذا مات من لزم العقد بالنسبة إليه لعدم الحاجة إلى الإجازة، أو لإجازته بعد بلوغه أو رشده و بقي الآخر، فإنه يعزل حصة الباقي من الميراث إلى أن يرد أو يجيز.

بل الظاهر عدم الحاجة إلى الحلف في ثبوت الميراث في غير الصغيرين من سائر الصور، لاختصاص الموجب له من الأخبار بالصغيرين (1). و لكن الأحوط الإحلاف في الجميع [1] بالنسبة إلى الإرث، بل بالنسبة إلى سائر الأحكام أيضاً.

[مسألة 32: إذا كان العقد لازماً على أحد الطرفين من حيث كونه أصيلًا أو مجيزاً]

[3895] مسألة 32: إذا كان العقد لازماً على أحد الطرفين من حيث كونه أصيلًا أو مجيزاً، و الطرف الآخر فضولياً و لم يتحقق إجازة و لا ردّ، فهل يثبت على الطرف اللازم تحريم المصاهرات (2)، فلو كان زوجاً يحرم عليه نكاح أُم المرأة و بنتها و أُختها و الخامسة، و إذا كانت زوجة يحرم عليها التزويج بغيره؟ و بعبارة اخرى: هل يجري عليه آثار الزوجية و إن لم تجر على الطرف الآخر أوْ لا؟.

____________

(1) ما أفاده (قدس سره) لا يتم بعد التعدي عن وفاة الزوج و بقاء الزوجة، إلى فرض وفاة الزوجة و بقاء الزوج. فإن الملاك المصحح له، أعني الاحتياط في المال بالنسبة إلى الوارث، بعينه موجود في جميع هذه الصور، و لا يختص هذا بالإرث، بل يجري في أخذ الزوجة المهر أيضاً، نظراً للتهمة. و أما دفع الزوج للمهر، فلا حاجة فيه إلى الحلف، نظراً لكونه عليه لا له.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في نقاط:

النقطة الاولى: في لزوم العقد بالنسبة إلى الأصيل أو المجيز، بحيث لا يكون له رفع اليد عنه ما لم يرد الطرف الآخر. و عدمه، كما هو الحال في رفع اليد عن الإيجاب قبل القبول.

____________

[1] لا يترك الاحتياط بالإضافة إلى الإرث و إلى أخذ المهر، و أما بالإضافة إلى بقيّة الأحكام فالظاهر عدم الحاجة إلى الحلف، مع أنه أحوط.

280

..........

____________

الذي يظهر من كلمات بعضهم، و اختاره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1) بل يظهر من كلمات الشيخ (قدس سره) (2) هو الأوّل.

و استدلّ عليه بقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بدعوى أنه انحلالي بالنسبة إلى طرفي العقد، فيجب على الطرف الأوّل الالتزام به، حتى و لو لم يجب ذلك على الطرف الآخر لعدم صدور القبول منه.

و فيه: أن موضوع الأمر بالوفاء و الحكم باللزوم إنما هو العقد، و هو على ما تقدّم غير مرّة عبارة عن ربط التزام بالتزام آخر، كما هو الحال في عقد الحبل و شدّه بآخر. و من هنا فمع عدم التزام الطرف الآخر لا يصدق العقد، و لا يكون موضوع الأمر بالوفاء و اللّزوم، الذي هو بمعنى عدم قابليته للنقض و الانحلال، متحقِّقاً.

و عليه فيكون حاله حال رفع اليد عن الإيجاب قبل القبول، بل يكون هو من مصاديقه، فإن قبول الفضولي لا يعتبر التزاماً كي ينضم إلى التزام الأصيل، فإنه لا يلتزم بشي‌ء و إنما ينشئ أمراً يتعلّق بالغير.

ثمّ إن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) قد استدل على اللزوم، بأن الأصيل بنفس الإنشاء قد ملك التزامه للطرف الآخر، و من هنا فليس له أن يرجع فيه، نظراً لكونه مملوكاً للغير.

و فيه: أن الالتزام ليس متعلقاً للتمليك و إنما هو التزام به، فليس هو مملوكاً للغير بل لم يتحصل لنا معنى معقول لملكية الالتزام و إن كانت الاعمال قابلة للملك. على أن لازم ذلك بقاء الملك بلا مالك، فإن الأصيل لا يملكه لأن المفروض أنه قد ملكه للغير، و الفضولي أجنبي عنه بالمرة فلا معنى لكونه هو المالك، و لا يملكه من له الإجازة لعدم صدور القبول منه، و الملكية لا تكون قهرية بل تحتاج إلى الإيجاب و القبول، فلا معنى لحصولها قبل القبول. فيبقى الملك بلا مالك، و هو محال.

إذن فلا دليل على لزوم هذا الالتزام و عدم جواز رفع اليد عنه، لعدم صدق العقد‌

____________

(1) كتاب النكاح 20: 110 طبع المؤتمر العالمي.

(2) انظر النهاية: 466.

281

..........

____________

في المقام، و إن عبر عنه بالعقد الفضولي مسامحة. و يترتب على ذلك صحّة جميع التصرفات المنافية له و نفوذها، و يكون ذلك فسخاً فعلياً للإنشاء الأوّل، و معه فلا يبقى أثر للقبول اللاحق. و منه يظهر ما في صدر عبارة الماتن (قدس سره) من التعبير ب‍ (إذا كان العقد لازماً) فإنه لا وجه له، اللّهمّ إلّا أن يحمل على المسامحة.

النقطة الثانية: في جواز التصرفات المنافية للإنشاء و عدمه من حيث الحكم التكليفي، بعد البناء على لزوم الالتزام من طرف الأصيل و المجيز.

اختار شيخنا الأنصاري (قدس سره) الأوّل بناءً على القول بالنقل، و الثاني بناءً على القول بالكشف. و استدل عليه بالأمر بالوفاء بالعقد، حيث إن مقتضاه ترتيب آثاره عليه، و هو يعني عدم جواز التصرف المنافي له (1). و هذا منه (قدس سره) يبتني على ما ذكره في مبحث أصالة اللزوم في المعاطاة، من أن المراد من الوفاء بالعقد هو ترتيب آثاره عليه. إلّا أننا قد ذكرنا في محله، أن معنى الوفاء إنما هو إنهاء الالتزام و استمراره، فصرفه عن معناه و الالتزام بأن المراد به هو ترتيب الآثار عليه، يحتاج إلى القرينة و هي مفقودة.

إذن فالوفاء الذي تعلق به الأمر، يدور أمره بين أن يكون حكماً تكليفياً، أو يكون إرشاداً إلى عدم تحقق نقضه في الخارج، نظير قوله (عليه السلام): «دعي الصلاة أيام أقرائك» (2). و حيث إن الأوّل غير محتمل، لأن لازمه نفوذ الفسخ و إن كان محرماً من حيث الحكم التكليفي، و ذلك لأن الحكم لا يتعلق إلّا بأمر مقدور إذ لا معنى لوجوب الممتنع أو حرمته، و عليه فيكون معنى حرمة الفسخ هو نفوذه و تأثيره و هذا ممّا لا يقول به أحد، فيتعيّن الثاني.

و لو تنزّلنا عن هذا كلّه، و قلنا بأن معنى الوفاء بالعقد هو ترتيب الآثار، و أن الآية الكريمة تتضمن حكماً تكليفياً، إلّا أن ذلك لا ينفع فيما ذكره (قدس سره) من اللزوم في المقام. و الوجه فيه أن موضوع الأمر بالوفاء إنما هو العقد، و قد عرفت أنه غير‌

____________

(1) كتاب النكاح 20: 110 طبع المؤتمر العالمي.

(2) الوسائل 2: 287 أبواب الحيض باب (7) ح 2156.

282

..........

____________

متحقِّق في الخارج، لعدم تحقق الالتزام من الطرف الآخر.

و من هنا يظهر أنه لا وجه لتقييد الماتن (قدس سره) للجواز بما إذا لم يعلم لحوق الإجازة من الآخر بعد ذلك، حتى بناءً على القول بالكشف، إذ ليس بالفعل حكم بالملكية أو الزوجية، نظراً لعدم تحقق العقد كما عرفت، فيكون تصرفه فيه تصرفاً في ملكه.

نعم، قد يقال بذلك بناءً على الكشف الحقيقي، لانكشاف وجود الزوجية حين العقد واقعاً بعد ذلك.

إلّا أنه أيضاً قابل للدفع، باعتبار أن الكشف الحقيقي أيضاً إنما يكون مع استمرار الطرف الأصيل على التزامه و بقائه إلى حين الإجازة، و أما بعد رفع اليد عنه فلا مجال للكشف بالإجازة من الطرف الثاني عن وجود الزوجية آن ذاك.

النقطة الثالثة: في نفوذ تصرفات الأصيل المنافية لالتزامه قبل الإجازة و عدمه على تقدير لحوق الإجازة و القول بأنها كاشفة.

ذهب الماتن (قدس سره) إلى الثاني مع التزامه بالجواز تكليفاً، بدعوى أن الإجازة لما كانت كاشفة عن صحّة العقد من حينه و إن كان الاعتبار من حينها، كان لازم ذلك بطلان جميع التصرفات المنافية له و المتأخرة عنه زماناً. فلو تزوّج إحدى الأُختين فضولًا، ثمّ تزوّج الأُخرى برضاها، ثمّ أجازت الأُولى العقد، كانت هذه الإجازة كاشفة عن زوجية الاولى له من حين العقد، و لازم ذلك هو بطلان عقد الثانية، نظراً لحرمة الجمع بين الأُختين.

و التحقيق: أنّ الحكم في هذه النقطة مبني على المختار في النقطة الأُولى. فإن قلنا فيها بلزوم العقد، كما اختاره شيخنا الأنصاري (قدس سره)، كان الأمر كما ذكره الماتن (قدس سره)، من نفوذ العقد الفضولي بالإجازة، و بطلان التصرف المنافي له. و إن قلنا بما اخترناه من عدم اللّزوم لعدم تحقق مفهوم العقد، فالظاهر هو الحكم بصحّة العقد الثاني و نفوذه، و بطلان الالتزام الأوّل لرفع اليد عنه بالتصرف المنافي له فإنه يعد فسخاً و رداً له، و معه فلا يبقى مجال للحوق الإجازة و انضمامها إليه كي يتحقّق به مفهوم العقد.

283

قولان، أقواهما الثاني، إلّا مع فرض العلم بحصول الإجازة بعد ذلك [1] الكاشفة عن تحقّقها من حين العقد (1). نعم، الأحوط الأوّل، لكونه في معرض ذلك بمجي‌ء الإجازة. نعم، إذا تزوّج الأم أو البنت مثلًا، ثمّ حصلت الإجازة كشف عن بطلان ذلك [2] (2).

[مسألة 33: إذ ردّ المعقود أو المعقودة فضولًا العقد و لم يجزه]

[3896] مسألة 33: إذ ردّ المعقود أو المعقودة فضولًا العقد و لم يجزه لا يترتّب عليه شي‌ء من أحكام المصاهرة، سواء أجاز الطرف الآخر أو كان أصيلًا أم لا، لعدم حصول الزوجية بهذا العقد الغير المجاز، و تبين كونه كأنه لم يكن.

____________

و الحاصل أن العقد الثاني محكوم بالصحّة لصدوره من أهله و وقوعه في محلّه، فإن الإجازة لا محل لها لارتفاع الالتزام الأوّل، و معه فلا مجال للكشف عن صحّة العقد الأسبق المقتضية لبطلان العقد الثاني لا محالة.

نعم، بناءً على القول بالكشف الحقيقي بحيث تكون الإجازة مجرّد معرف فقط، ربّما يقال ببطلان العقد الثاني، لانكشاف كون الأُخت الاولى زوجة له من حين العقد واقعاً و إن لم يكن هو عالماً به، و معه تبطل زوجية الثانية لا محالة.

إلّا أنك قد عرفت فيما تقدّم، أن القائلين بالكشف الحقيقي إنما يقولون به مع بقاء الأوّل على التزامه، و أما مع رفع اليد عنه فلم يعرف منهم قائل به.

(1) عرفت فيما تقدّم أنه لا أثر للعمل بحصول الإجارة بعد ذلك و عدمه، في جواز التصرف المنافي للالتزام الأوّل و نفوذه، فإن للأصيل ذلك ما لم يتحقق مفهوم العقد بإجازة الطرف الآخر فعلًا و يؤمر بالوفاء.

(2) ما أفاده (قدس سره)، حتى على تقدير تسليم ما تقدّم منه (قدس سره) من كشف الإجازة عن صحّة العقد الأوّل من حينه، إنما يتمّ في الأُختين و البنت و الأُم، مع فرض تقدّم عقد البنت دون العكس.

و أما فيه، كما لو تزوّج الام فضولة ثمّ تزوّج بنتها قبل إجازتها هي العقد ثمّ‌

____________

[1] بل مع هذا الفرض أيضاً.

[2] فيه منع، نعم يتم ذلك على الكشف الحقيقي ببعض معانيه، على إشكال فيه أيضاً.

284

و ربّما يستشكل في خصوص نكاح أُم المعقود عليها (1). و هو في غير محله بعد أن لم يتحقق نكاح، و مجرد العقد لا يوجب شيئاً، مع أنه لا فرق بينه و بين نكاح البنت [1] (2). و كون الحرمة في الأوّل غير مشروطة بالدخول، بخلاف الثاني، لا ينفع في الفراق.

____________

أجازت العقد، فالحكم بالبطلان و إن كان هو المشهور و المعروف بينهم، و إن لم يكن قد دخل بها كما صرح به بعضهم، إلّا أننا لم نعثر على دليل له، فإنه لم يرد في شي‌ء من النصوص حرمة الجمع بينهما كما هو الحال في الأُختين، و إنما المذكور في الآية الكريمة و النصوص الشريفة حرمة الربيبة إذا دخل بأُمها، فإذا فرض عدم الدخول بها كانت الربيبة داخلة في عنوان «مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ» الذي تضمّنت الآية المباركة حلِّيّته و مقتضى حلّ نكاحها هو صحّة العقد عليها كما هو واضح، و حينئذ تحرم الام لقوله تعالى «وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ» و معه فلا يبقى مجال لإجازتها للعقد السابق.

و الحاصل أنّ البطلان إنما يكون في عقد الام دون عقد البنت، كما هو الحال في الرضاع و ما شاكله من الأسباب الموجبة لبطلان عقد الام قبل الدخول بها.

نعم، لو ثبت ما يدلّ على حرمة الجمع بين الام و البنت بهذا العنوان، تم ما أفاده (قدس سره) من بطلان عقد البنت، بناءً على تسليم ما أفاده (قدس سره) من كشف الإجازة عن صحّة العقد من حينه، إلّا أن مثل هذا الدليل مفقود.

(1) و كأن وجهه كفاية العقد الفضولي و المتحقِّق من جانب واحد فقط و الربط الحاصل به، في حرمة أُمها و إن لم تحصل الزوجية.

(2) الأمر و إن كان كما ذكره (قدس سره) في المقام، فإنّ مجرّد العقد لا يوجب شيئاً، إلّا أن ما أفاده (قدس سره) من النقض و عدم الفرق بين نكاح الام و نكاح البنت لا يمكن المساعدة عليه، حتى بناءً على ما ذهب إليه المشهور من حرمة الجمع بينهما.

____________

[1] الأمر و إن كان كذلك في المقام حيث لم يتحقّق عقد قبل الإجازة إلّا أنّ بين نكاح الأُم و نكاح البنت فرقاً من جهة أخرى، و هي أنّ مجرّد نكاح الأُم لا يوجب بطلان العقد على البنت، فلو عقد على البنت و الحال هذه بطل عقد الأُم، و هذا بخلاف عقد البنت فإنه بمجرّده يوجب بطلان العقد على الأُم.

285

[مسألة 34: إذا زوّجت امرأة فضولًا من رجل و لم تعلم بالعقد فتزوّجت من آخر]

[3897] مسألة 34: إذا زوّجت امرأة فضولًا من رجل و لم تعلم بالعقد فتزوّجت من آخر، ثمّ علمت بذلك العقد، ليس لها أن تجيز لفوات محل الإجازة (1). و كذا إذا زوج رجل فضولًا بامرأة، و قبل أن يطلع على ذلك تزوّج أُمها أو بنتها أو أُختها، ثمّ علم.

و دعوى أن الإجازة حيث إنها كاشفة إذا حصلت، تكشف عن بطلان العقد الثاني، كما ترى.

____________

و ذلك لأنّ الموجب لحرمة البنت ينحصر في أحد أمرين: الدخول بالأُم، أو الجمع بينهما في الزوجية على ما اختاره المشهور و إن لم نرتضه و لا شي‌ء من هذين العنوانين متحقق في المقام. فإن الأوّل مفروض العدم، نظراً لعدم إجازتها للعقد. و الثاني متوقف على تحقق العقد، و هو غير صادق بمجرّد الالتزام من طرف واحد و لا قائل بكفاية مثل هذا الالتزام الصادر من جانب الرجل في حرمة البنت، و إن قيل بها في حرمة الأُم.

و إذن فيصحّ عقد البنت بلا محذور، و معها لا يبقى مجال لإجازة الام للعقد السابق حيث إنها أصبحت أُم الزوجة.

و الحاصل فما أفاده (قدس سره) من النقض غير تامّ، و لا يمكن المساعدة عليه لوجود الفرق بين المقامين.

(1) وفاقاً للشيخ الأعظم (قدس سره) في مبحث ثمرات القول بالكشف أو النقل من المكاسب (1).

و هو بناءً على ما اختاره المشهور من عدم تأثير الإجازة بعد الردّ واضح، فإنها و إن لم تكن ملتفتة إلى ذلك، إلّا أن التزامها بالعقد الثاني لما كان التزاماً منها بجميع خصوصياته و لوازمه و منها عدم كونها زوجة لغيره، كان ذلك ردّاً للعقد السابق و رفضاً له و إن لم تكن هي عالمة به.

____________

(1) المكاسب: 134.

286

[مسألة 35: إذا زوّجها أحد الوكيلين من رجل، و زوّجها الوكيل الآخر من آخر]

[3898] مسألة 35: إذا زوّجها أحد الوكيلين من رجل، و زوّجها الوكيل الآخر من آخر، فإن علم السابق من العقدين فهو الصحيح (1). و إن علم الاقتران بطلا معاً (2). و إن شك في السبق و الاقتران فكذلك، لعدم العلم بتحقق عقد صحيح، و الأصل عدم تأثير واحد منهما (3).

و إن علم السبق و اللّحوق، و لم يعلم السابق من اللّاحق، فإن علم تاريخ أحدهما

____________

و أما بناءً على ما اخترناه، من عدم مانعية الرد عن لحوق الإجازة، فالأمر كذلك أيضاً، باعتبار أنها تخرج بالعقد الثاني عن قابلية الإجازة.

و الوجه فيه ما تقدّم مراراً من أن العقد إنما يكون عقداً لها و ينتسب إليها بعد الإجازة، و أما قبلها فلا انتساب إليها و ليست هي بزوجة لذلك الرجل.

و من هنا فحين التزويج الثاني تكون المرأة خلية من البعل، فيحكم بصحّة هذا العقد لا محالة لصدوره من أهله و وقوعه في محله، و بذلك تصبح المرأة ذات بعل فلا يصحّ لها أن تتزوج لفوات المحل، بلا فرق في ذلك بين كون زمان الزوجية بالفعل أو السابق، فإنه الآن لا يمكن الحكم بتلك الزوجية السابقة.

نعم، بناءً على الكشف الحقيقي قد يقال بذلك. لكنك قد عرفت فيما سبق أنه لا يتمّ أيضاً، لأنه إنما يتمّ فيما إذا كان العقد قابلًا للاستناد بالإجازة إلى المجيز. و حيث إنه لا قابلية في المقام، لأن الزوجة لا تتزوج ثانياً، فلا مجال للإجازة كي يقال إنها تكشف عن وجود الزوجية في ذلك الزمان حقيقة.

(1) بلا خلاف فيه، و يقتضيه إطلاقات و عمومات أدلة نفوذ العقد.

(2) لعدم إمكان الجمع بينهما، و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح.

(3) ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ بناء على ما سلكناه في الاستصحاب، من جريانه في كلا الطرفين المعلوم التاريخ و مجهوله، فإنّ أصالة عدم زوجية أُختها في زمان العقد عليها معارضة بمثلها في الأُخرى، و حيث لا يمكن الجمع بينهما يتساقطان لا محالة، حتى مع العلم بتاريخ أحدهما دون الآخر. فإن معلوم التاريخ و إن لم يجر فيه‌

287

حكم بصحّته [1] (1) دون الآخر. و إن جهل التأريخان، ففي المسألة وجوه: أحدهما: التوقيف حتى يحصل العلم (2)، الثاني: خيار الفسخ للزوجة، الثالث: أن الحاكم يفسخ، الرابع: القرعة.

____________

الاستصحاب بالنسبة إلى عمود الزمان، إلّا أنه بالنسبة إلى الزماني أعني عقد الأُخت الثانية يجري بلا محذور، حيث يشكّ في وقوع العقد على الأُخت قبل ذلك الزمان، فيجري الاستصحاب.

و أمّا على مبنى الماتن (قدس سره) و المشهور من عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ، فلا يتمّ ما ذكره (قدس سره) على إطلاقه، بل لا بدّ من التفصيل بين كونهما معاً مجهولين، و كون أحدهما معلوماً و الآخر مجهولًا.

(1) و هو إنما يتمّ على مسلكه (قدس سره) من عدم جريان الأصل في معلوم التاريخ.

و أمّا بناءً على ما اخترناه من جريان الأصل في كلا الطرفين، بلا فرق في ذلك بين معلوم التاريخ و مجهوله، باعتبار أن الأصل و إن لم يكن جارياً بالنسبة إلى عمود الزمان، إلّا أنه لا محذور في جريانه فيه بلحاظ الحدث الآخر عقد الأُخت الثانية فلا فرق في الحكم بين الصورتين، بمعنى كون حكم معلوم التاريخ هو حكم مجهوله.

(2) الظاهر أن هذا القول لا يعتبر تفصيلًا في المقام، لأن مفروض الكلام عدم إمكان تحصيل العلم، إذ مع إمكانه لا تكون هناك شبهة أو مشكلة في المقام. و لا يحتمل فيه القول بثبوت الخيار لها أو للحاكم أو القرعة، كما لو عقد الوكيل عن الزوج على إحدى ابنتي زيد معينة و كان الزوج جاهلًا بها، أ فيحتمل القول بثبوت الخيار له أو للحاكم أو القرعة، مع تمكنه من السؤال من الوكيل؟! نعم، لو كان تحصيل العلم من الصعوبة بمكان بحيث يلحق بعدمه، كما لو توقّف على الانتظار خمسين سنة مثلًا المستلزم لبقاء المرأة معطّلة، لم يكن به اعتبار.

____________

[1] الظاهر أنّ حكم المعلوم تاريخه حكم مجهوله.

288

و الأوفق بالقواعد هو الوجه الأخير [1] (1).

و كذا الكلام إذا زوّجه أحد الوكيلين برابعة و الآخر بأُخرى، أو زوّجه أحدهما

____________

(1) بل هو المتعين. و ذلك لأن الضرر المتوجه إليها لم ينشأ من الزوجية أو آثارها كي يقال بثبوت الخيار لها أو للحاكم في فسخها، فإنه لا ضرر في الزوجية نفسها أو في آثارها المترتبة عليها كلزوم التمكين و غيره، و لذا لو كان الزوج معلوماً لم يكن فيهما أي ضرر، و إنما الضرر ناشئ من الجهل بالزوج، و حكم العقل بلزوم الاحتياط و عدم تمكنها من تمكين نفسها لزوجها الواقعي. فغاية ما يقتضيه دليل نفي الضرر، هو عدم لزوم الاحتياط و البناء على زوجية نفسها لأحد الرجلين، و هو يحصل بالقرعة. و أما ثبوت الفسخ لها، أو للحاكم، فلا مبرر له.

على أننا قد ذكرنا في مبحث خيار الغبن حيث تمسكوا لإثباته بدليل نفي الضرر أن الضرر إنما هو في نفس العقد. فلو كان دليل نفي الضرر شاملًا له للزم الحكم ببطلانه رأساً، لا القول بصحته مع ثبوت الخيار للمتضرر، إذ الذي يظهر من دليل نفي الضرر أن الحكم الضرري غير مجعول في الشريعة المقدسة لا أنه مجعول، غاية الأمر أنه يتكفل إثبات ما يتدارك به.

إذن فلا وجه لإثبات الخيار للزوجة، فضلًا عن الحاكم حيث لا دليل على ولايته. و عليه فيدخل المقام تحت قولهم (عليهم السلام): «القرعة لكل أمر مشكل» (1) حيث إنه لا طريق لتخلصها و المرأة لا تبقى معطلة.

ثمّ لا يخفى أن مقتضى الاحتياط هو أن يطلقها أحدهما فيتزوجها الآخر بعقد جديد إن شاء و إلّا فيطلقها هو أيضاً، كي يجوز لها جزماً التزوج من ثالث غيرهما.

____________

[1] و إن كان الأحوط أن يطلِّقها أحد الرجلين فإن شاء الآخر تزوّجها بعقد جديد، و إلّا فالأحوط أن يطلِّقها هو أيضاً، و كذلك يُراعى الاحتياط في الفروع الآتية.

____________

(1) انظر الوسائل 26: 290 كتاب الفرائض و المواريث.

289

بامرأة و الآخر ببنتها [1] (1) أو أُمها أو أُختها. و كذا الحال إذا زوّجت نفسها من رجل و زوجها وكيلها من آخر، أو تزوّج بامرأة و زوّجه وكيله بأُخرى لا يمكن الجمع بينهما.

و لو ادّعى أحد الرّجلين المعقود لهما السبق، و قال الآخر: لا أدري من السابق و صدقت المرأة المدعي للسبق، حكم بالزوجية بينهما لتصادقهما عليها (2).

____________

(1) و هو إنما يتم بناءً على ما ذهب إليه المشهور و اختاره الماتن (قدس سره) من حرمة الجمع بين الام و البنت. و أما بناءً على ما اخترناه، من اختصاص حرمة البنت بفرض الدخول بالأُم، فالمتعين هو الحكم بصحّة عقد البنت و بطلان عقد الام، سواء أ كان عقدها متقدماً أم مقارناً أم متأخراً.

(2) و الحق لا يعدوهما، فيؤخذ كل منهما بإقراره بالنسبة إلى ما للآخر عليه من حقوق، بل تقتضيه السيرة القطعية حيث يحكم بزوجية كل متصادقين عليها من دون أن يطالبا بالبينة أو اليمين، بل لا يبعد كونه من مصاديق كبرى تصديق المدعي إذا لم يكن له معارض.

و اللّٰه ولي العصمة.

إلى هنا انتهى ما أفاده سماحة آية اللّٰه العظمى الإمام الوالد أدام اللّٰه ظله العالي على رؤوس المسلمين مناراً للإسلام و ذخراً لهم، في مجلس درسه الشريف شرحاً على كتاب النكاح من العروة الوثقى.

و الحمد للّٰه على توفيقه لي في الحضور و الكتابة، و أسأل اللّٰه عزّ و جلّ أن يطيل عمر سيِّدنا (دام ظلّه) لإحياء فقه آل محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و تراثهم الخالد و أن يوفقني للحضور و الفهم و الكتابة، إنه سميع مجيب.

و كان الفراغ من تسويده في اليوم الحادي و العشرين من شهر محرم الحرام سنة أربعمائة و ثلاث بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفة، و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

____________

[1] الظاهر أنّ عقد البنت صحيح و عقد الأُم باطل كما تقدّم.

290

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

291

[كتاب الوصيّة]

كتاب الوصيّة

292

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

293

كتاب الوصيّة

[فصل في معنى الوصيّة و أقسامها و شرائطها]

[فصل في معنى الوصيّة و أقسامها و شرائطها] و هي إما مصدر: وَصَى يَصِي، بمعنى الوصل (1) حيث إن الموصي يصل تصرفه بعد الموت بتصرفه حال الحياة. و أما اسم مصدر، بمعنى العهد من: وصّى يُوصِّي تَوصية (2) أو: أوصى يوصي إيصاء.

____________

[فصل في معنى الوصيّة و أقسامها و شرائطها]

(1) كذا ذكر جماعة من الأصحاب، و لعل الأصل فيه ما ذكره الشيخ (قدس سره) في المبسوط (1).

إلّا أنه ضعيف جدّاً، حيث لم يعلم و لا مورد واحد لاستعمالها فيه، كما لم يذكر في شي‌ء من كتب اللغة ذلك، فهذا الاحتمال بعيد بل مقطوع البطلان، كما نبّه عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) في رسالته (2).

(2) و هذا الاحتمال هو المتعين، كما يشهد له استعمالها فيه في الآيات الكريمة و عرف المتشرعة.

كقوله تعالى «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» (3).

و قوله تعالى «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» (4).

____________

(1) المبسوط 4: 3.

(2) الوصايا و المواريث للشيخ الأنصاري 21: 23 طبع المؤتمر العالمي.

(3) سورة النساء 4: 11.

(4) سورة النساء 4: 12.

294

و هي أما تمليكية أو عهدية (1). و بعبارة اخرى (2): أما تمليك عين، أو منفعة

____________

و قوله تعالى «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» (1).

و قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ» (2). إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

فإنّ الكلمة في جميع هذه الموارد مستعملة في العهد و اسم المصدر لوصّي يوصي توصية.

ثمّ لا يخفى أنّ المراد بها في عرف المتشرعة إنما هو قسم خاص و حصة معينة من العهد، و هي ما يتعلق بما بعد الموت فحسب.

(1) الفرق بين القسمين يكمن في أن الاولى إنما تتعلق بالأُمور الاعتبارية التي هي نتيجة للفعل الخارجي، و تتضمن تمليك الموصى له شيئاً من العين أو المنفعة، و يلحق بها كل وصيّة لم يكن متعلقها فعلًا خارجياً، كالوصيّة بفك الملك كالتدبير و إبراء المديون، فإنها و إن لم تكن تمليكية بالمعنى الذي ذكرناه حيث إنها لا تتضمّن تمليك أحد شيئاً، إلّا أنها تلحق بها لكون متعلقها نتيجة الفعل نفسه. و هذا بخلاف الثانية حيث إنها تتعلق بالأفعال الخارجية، كتغسيله و كفنه و دفنه و غيرها.

و بعبارة اخرى: إنّ الاولى تصرف اعتباري من الموصي نفسه فيما يتعلّق بما بعد وفاته، مستتبع لتحقق النتيجة قهراً بالموت. في حين إن الثانية عهد إلى الغير بأن يتولى بعد موته فعلًا خارجياً من تجهيز أو زيارة أو إطعام و نحوهما، أو اعتبارياً من تمليك أو عتق أو إيقاف أو نحوها.

(2) لا يخفى أن ما ذكره (قدس سره) لا يتضمن الفرق بين الوصيتين التمليكية و العهدية، بل لا يخلو من الإجمال من حيث كون ما ذكره (قدس سره) من الأمثلة‌

____________

(1) سورة النساء 4: 12.

(2) سورة البقرة 2: 180.

295

أو تسليط على حق (1) أو فكّ ملك، أو عهد متعلق بالغير، أو عهد متعلق بنفسه كالوصيّة بما يتعلق بتجهيزه. و تنقسم انقسام الأحكام الخمسة.

[مسألة 1: الوصيّة العهديّة لا تحتاج إلى القبول]

[3899] مسألة 1: الوصيّة العهديّة لا تحتاج إلى القبول (2). و كذا الوصيّة بالفك، كالعتق (3).

____________

غير الأوّلين و غير ما ذكره أخيراً من العهد المتعلق بنفسه أو بغيره من القسم الأوّل أو الثاني.

نعم، يظهر من قوله (قدس سره) في المسألة الاولى من أن: الوصيّة العهدية لا تحتاج إلى القبول و كذا الوصيّة بالفك كالعتق، أنها من الوصيّة التمليكية، إذ لو كانت عهدية لما كان هناك حاجة إلى قوله (قدس سره): و كذا.

(1) في العبارة مسامحة واضحة، فإن التسليط لا يتعلّق بالحق و إنما يتعلّق بالتصرف، إذ الحق هو السلطنة بعينها. فالأنسب تبديل العبارة بالقول: أو تسليط على التصرف.

(2) و هو إنما يتمّ على إطلاقه بالنسبة إلى الموصى إليه الوصي فإنّه لا يعتبر قبوله، بلا خلاف فيه بين الأصحاب. نعم، له الردّ ما دام الموصي حيّاً بشرط إبلاغه بذلك، و إلّا فلا أثر لردّه أيضاً.

دون الموصى له، فإنه و بالنسبة إليه لا بدّ من ملاحظة متعلق الفعل الذي تعلقت به الوصيّة. فإن كان مما يحتاج إلى القبول كالبيع و الإجارة و نحوهما اعتبر قبوله جزماً و إلّا كالوقف و العتق و نحوهما فالأمر كما ذكره (قدس سره) من عدم الحاجة إلى القبول.

و كأن نظره (قدس سره) في نفي الحاجة إلى القبول في الوصيّة العهدية إلى الموصى إليه خاصة.

(3) بلا خلاف فيه و في الإبراء، فإنّهما من الإيقاع غير المحتاج إلى القبول إذا وقعا حال الحياة منجزين، فيكونان كذلك إذا وقعا معلقين على الموت على وجه الوصيّة.

296

و أمّا التمليكية فالمشهور على أنه يعتبر فيها القبول جزءاً، و عليه تكون من العقود (1).

____________

(1) كما ادعي عليه الإجماع في بعض الكلمات، و يشهد له ذكر الفقهاء (قدس سرهم) لها في أبواب العقود.

و كيف كان، فالقائلون به على مذهبين:

الأوّل: ما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) من كونه جزءاً ناقلًا (1).

الثاني: كونه جزءاً كاشفاً.

و استدل الشيخ الأعظم (قدس سره) على مختاره بوجوه، عمدتها عدم الإطلاق في أدلة الوصيّة كي يستكشف منه عدم الحاجة إلى القبول، و الأصل عدم انتقال المال إلى الموصى له قبل القبول.

و لا يخفى عدم تمامية كلا هٰذين المذهبين، و المناقشة فيهما تكون من ناحيتين: الثبوت، و الإثبات.

أمّا الأُولى: فالظاهر أنه لا مجال للالتزام بكون الوصيّة من العقود.

و الوجه فيه ما تقدّم مراراً من أن العقد إنما هو عبارة عن ضم التزام بالتزام و ربط أحدهما بالآخر، كما هو الحال في عقد حبل بحبل آخر. و هو غير متحقق في المقام، إذ لا يبقى التزام للموصي بعد وفاته كي ينضم إليه التزام الموصى له، فإن الميت لا التزام له.

و من هنا فلو اعتبر القبول، فلا بدّ من جعله شرطاً كشفاً أو نقلًا لا محالة لاستحالة القول بكون الوصيّة عقداً.

و أمّا الثانية: فبناءً على النقل كما اختاره (قدس سره)، لا تشمله أدلّة الوفاء بالعقد.

____________

(1) الوصايا و المواريث للشيخ الأنصاري 21: 27 طبع المؤتمر العالمي.

297

..........

____________

و ذلك فلأن الذي أنشأه الموصي، أعني الملكية بعد الموت، لم يمض من قبل الشارع. و ما يدعى إمضاؤه له، أعني الملكية بعد القبول، لم ينشئه الموصي. فيكون من قبيل ما وقع لم يقصد، و ما قصد لم يقع.

و دعوى أن الاختلاف و التفاوت بين المنشأ و الممضى واقع في موارد من الأبواب الفقهية، نظير الهبة حيث أن المنشأ فيها هو التمليك الفعلي، في حين أنّ الإمضاء متعلق بالتمليك بعد القبض.

مدفوعة بأنّ ذلك و إن كان ممكناً في نفسه إلّا أنه يحتاج إلى دليل خاص، لعدم شمول الأمر بالوفاء له، لما عرفت من أن المنشأ لم يمضه الشارع و ما يدعى إمضاؤه له لم ينشأ، و هو مفقود.

فما أفاده (قدس سره) لا يمكن الالتزام به ثبوتاً و إثباتاً.

و توهّم أن تأخره عن القبول لا ينافي شمول أدلة الوفاء بالعقد له، لأنه موجود في جميع المعاملات حيث يكون هناك فاصل زماني و لو كان قليلًا جدّاً بين الإيجاب و القبول لا محالة، من غير أن يقال أن ما أنشأه المنشئ لم يتعلق به الإمضاء، و ما تعلق به الإمضاء لم ينشأ. و حيث إن الوصيّة كسائر العقود، و إن كان زمان الفصل فيها أطول، كان حكمها حكم غيرها في شمول أدلة الوفاء بالعقد لها.

مدفوع بأنّ المنشأ في سائر العقود كالبيع مثلًا ليس هو الملكية في زمان الإنشاء، و إنما هو الملكية على تقدير القبول، فإنه مبادلة مال بمال و معاملة بينهما بالتراضي، فلا ينشئ البائع الملكية للمشتري سواء أقبل أم لم يقبل. بخلاف الوصيّة حيث إن المنشأ مقيد بالزمان أعني زمان الموت و هو لم يتعلق به الإمضاء، على ما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) من أن القبول ناقل لا كاشف، و ما تعلق به لم ينشأ.

فالفرق بين الوصيّة و غيرها ظاهر.

هذا بناءً على القول بالنقل. و أما بناءً على الكشف بأن يحكم بالقبول بالملكية من حين الموت، فهو لو فرضنا إمكانه و سلمنا صدق العقد عليه، مخالف لما هو المعهود في‌

298

أو شرطاً على وجه الكشف أو النقل فيكون من الإيقاعات (1). و يحتمل قوياً

____________

العقود و المرتكز في الأذهان من تأخر الأثر عن القبول بناءً على اعتباره، ففرض تحقّق العقد و كون الأثر قبله، مما لا يمكن المساعدة عليه.

(1) و يرد عليه:

أمّا بناءً على النقل فمضافاً إلى عدم الدليل عليه أنه مخالف لأدلة الوفاء بالعقد كما تقدّم، فإن المنشأ إنما هو الملكية بعد الموت، فالالتزام بالملكية بعد القبول و لو على نحو الشرطية مخالف لدليل الإمضاء.

و أمّا بناءً على الكشف فهو و إن كان ممكناً و لم يكن ينافيه دليل الإمضاء، فإن الإنشاء متعلق بالملكية بعد الموت و بالقبول يحكم بها، فيكون من الشرط المتأخر لا محالة، إلّا أنه يحتاج إلى الدليل في مقام الإثبات.

و قد استدلّ عليه في بعض الكلمات بأصالة عدم الانتقال إلى الموصى له بغير القبول. و هذا الأصل لو تمّ فلا بدّ من الالتزام بشرطية القبول، إلّا أنه مدفوع بإطلاقات أدلة الوصيّة و إن ناقش فيها شيخنا الأعظم (قدس سره) الدالة على نفوذ الوصيّة من غير تقييد بالقبول، مثل قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1).

فإنها و إن كان موردها خصوص الوصيّة إلى الوالدين و الأقربين، إلّا أن مقتضى استدلالهم (عليهم السلام) بها في جملة من النصوص على نفوذ وصيّة الموصي على الإطلاق، هو عدم اختصاصها بموردها، و إطلاق الحكم لجميع موارد الوصيّة.

بل و يمكن استفادة إطلاقها من الاستثناء، نظراً إلى أن الوصيّة للوالدين و الأقربين بالمعروف لا يكون فيها جنف إطلاقاً.

____________

(1) سورة البقرة 2: 180 182.

299

..........

____________

إذن فالمستفاد من هذه الآية الكريمة و غيرها و النصوص الواردة في المقام، أن الوصيّة نافذة و لازمة على الإطلاق و من غير اعتبار لقبول الموصى له، حيث لم يذكر ذلك في شي‌ء من الآيات و الروايات، و معه فلا تصل النوبة إلى الأصل.

ثمّ إنه ربّما يستدلّ على اعتبار القبول بما دلّ على سلطنة الناس على أنفسهم، حيث إن دخول شي‌ء في ملكه قهراً و بغير اختياره ينافي هذه السلطنة، و ثبوت مثله في الإرث و الوقف إنما كان بدليل خاص، فلا مجال للتعدي عنه.

إلّا أنه مدفوع أن هذه الجملة و إن وردت في كلمات الفقهاء، إلّا أنها لم تذكر في شي‌ء من النصوص، و لم يدلّ عليها دليل.

اللّهمّ إلّا أن يتمسك لها بقوله تعالى «قٰالَ رَبِّ إِنِّي لٰا أَمْلِكُ إِلّٰا نَفْسِي وَ أَخِي» (1).

إلّا أن الاستدلال بها يعتبر من الغرائب، فإنّها في مقام بيان قدرة موسى (عليه السلام) على تنفيذ أمر اللّٰه تبارك و تعالى، و أنه لا قدرة له إلّا على نفسه و أخيه دون سائر بني إسرائيل، و أين هذا من محلّ كلامنا؟! فالآية أجنبية عن السلطنة على النفس، و لا يصحّ الاستدلال بها.

على أنا لو فرضنا ورود هذه الجملة في نص معتبر، فهي لا تدلّ على اعتبار القبول كما هو المدعى، إذ يكفي في السلطنة قدرته على الرد، فإنه حينئذ لا تكون الملكية ملكية قهرية، و لا تنافي سلطنته على نفسه.

نعم، لو قيل بثبوت الملكية المستقرة غير القابلة للزوال بالرد، كان هذا القول منافياً لقاعدة السلطنة بناءً على ثبوتها، إلّا أنها لا قائل بها و لم يذهب إليها أحد، فإن القائل بعدم اعتبار القبول يرى اعتبار عدم الرد في حصول الملكية لا محالة.

ثمّ إن من غرائب ما ورد في المقام ما استدل به بعضهم على اعتبار القبول، بأن اعتبار عدم الرد في ملكية الموصى له للموصى به، ملازم و مساوق لاعتبار القبول. و ذلك لأنه لو لم يكن الأمر كذلك، و كان الموصى له يملك الموصى به بمجرد الموت، لم يمكنه بالرد إرجاعه إلى ملك الميت ثانياً، لعدم ثبوت ولاية له تقتضي ذلك.

____________

(1) سورة المائدة 5: 25.

300

عدم اعتبار القبول فيها [1]، بل يكون الردّ مانعاً (1) و عليه تكون من الإيقاع الصريح.

و دعوى أنه يستلزم الملك القهري، و هو باطل في غير مثل الإرث. مدفوعة بأنه لا مانع منه عقلًا، و مقتضى عمومات الوصيّة ذلك، مع أن الملك القهري موجود في مثل الوقف.

____________

فإنه مندفع بأن الملكية المدعاة في المقام إنما هي الملكية المتزلزلة على ما ذكره الشيخ (قدس سره) و نسب إلى العلامة في التذكرة (1) و هي ليس معناها إلّا ذلك، أعني ملكية الموصى له ما لم يرد، فإذا رد كان المال للميت، من دون حاجة إلى الولاية و ما شابهها.

على أن الذي يقول بمانعية الرد يلتزم بكشفه عن عدم الملك من الأوّل، لا رجوع المال إلى ملك الميت بعد ما كان قد انتقل منه إلى الموصى له.

و يظهر ثمرة القولين في منافع الموصى به. فإنها على الأوّل للموصى له، حيث إن العين كانت مملوكة له فيتبعها ثمارها في الملكية، فإذا انتقلت هي عن ملكيته إلى ملكيه الميت ثانياً بقيت منافعها على ملكه لا محالة. و على الثاني تكون للميت، لأنه و برد الموصى له للوصيّة ينكشف و يظهر بطلانها، و على هذا الأساس تبقى العين هي و منافعها على ملك الموصي كما كانت.

إذن فالمتحصل مما تقدّم أنه لا دليل على اعتبار القبول في نفوذ الوصيّة، بل مقتضى إطلاقات الآيات الكريمة و النصوص الواردة في المقام هو نفوذها، و ملكية الموصى له للموصى به من دون حاجة إلى القبول.

(1) بمعنى كشف الردّ عن بطلان الوصيّة و عدم ملكية الموصى له للموصى به، كما ادعي عليه الإجماع، و هو غير بعيد. و ما اختاره (قدس سره) هو الصحيح.

____________

[1] هذا الاحتمال هو الصحيح، بل لا دليل على كون الرد مانعاً سوى ظهور التسالم عليه فإن تمّ إجماع، و إلّا فلا وجه له أيضاً.

____________

(1) انظر تذكرة الفقهاء 2: 453 و 454.